قال و تظهر ثمرة النزاع في حجية العقل في تكليف الكافر حتي القاصر بالفرع الذي يستقل به العقل و كذا المسلم القاصر الذي لاتنال يده الي (خ) الشرع و في تعارض الخبر مع العقل اقول و يمكن فرض الثمرة في اثبات حجية الظن من باب الدليل العقلي و في جعل الظن الغير المعتبر مرجحا عند تعارض الدليلين او عند دوران القبلة بين الجهات مثلا و لايتمكن الا من الصلوة الي احدها و في اثبات التخيير اذا دار الامر بين المحذورين و لا دليل علي احد الطرفين و اثبات جواز التسامح في السنن اذا لمنعتبر اخباره لقدح في السند او منع الحجية و اثبات التكليف في ايام الفترة في المستقلات العقلية و اثبات اصل الاباحة و البراءة لكن علي تامل فيها او في جملة منها ثم لو قال الخصم لا ثمرة لان التكليف فيما يستقل به العقل لطف و كل لطف واجب فالشارع قد بين كل الاحكام لاجبنا بمنع كلية الكبري فتامل و بان الوجوب تعليقي قابل لعروض المانع كظهور الحجة عليه السلام و بان بيان الشارع لايلازم عثور المكلف به دائما كالقاصر و بان الدليل عقلي لايقول به الا ان يكون غرضه الالزام او يسلم حجيته في العقايد او يدعي ورود الشرع [ص 359] علي طبقه .
اقول شرع المصنف في بيان ثمرات هذه الشجرة التي اجتثت من فوق الارض ما لها من قرار بنص الكتاب و نصوص الاطهار صلوات الله عليهم و من البديهيات في عيون لا صبغ فيها ان هذه الابواب ابواب الحكم بغير ما انزل الله و تجويزها فان المدار علي حكم العقل لا الشرع و فرض المسألة ذلك لا غير فبعد ما جوز الحكم بغير ما انزل و قال الحق جوازه و استدل عليه و جادل و نازع اراد ان يبين ثمرة هذا الجدال بالتي هي اسوء فقال احدي ثمراته ان يعلم منه ان الكافر الذي لميؤمن بالله مكلف بما فهم بعقله و مثاب ان عمل به و معاقب ان لميعمل نعوذ بالله من هذا الحكم الذي هو علي خلاف كتاب الله و الله يقول و ماكنا معذبين حتي نبعث رسولا و يقول ليهلك من هلك عن بينة و آيات و اخبار تشهد بذلك فانه بعد ما سلم لايجوز له الاستبداد بالعقل فكيف قبله و اخري القاصر منهم المتمكن من الفحص و لميفحص فبقي علي كفره هو ايضا مكلف بعقله مثاب و معاقب به و في تلك التكاليف غني عن ارسال الرسل و انزال الكتب و اخري المسلم الذي هو في بلاد الاسلام الا انه قاصر كأن يكون في محبس او مضيق فلايقدر علي السؤال و لكن فهم بعقله شيئا فذلك ايضا تكليفه ما فهم و اخري في تعارض الخبر مع العقل اذا بقي العقل علي يقينه فالعقل مقدم لانه قطعي و الخبر ظني بل يقدمون ذلك علي الكتاب و السنة المتواترة كما اني سألت واحدا منهم و قلت له لو خالف الكتاب و السنة عقلك ما تصنع قال آخذ [ص 360] بعقلي لانه قطعي و اترك الكتاب و السنة فانهما ظنيان و سمعت واحدا آخر منهم يقول ان كلام النبي في مجلس الخطاب ايضا ظني الدلالة لانه لفظ و يحتاج في اثبات معناه الي اصول فقاهية فاذا ضممت القولين احدهما الي الآخر فاذا قال النبي صلي الله عليه و آله قولا و انت في مجلسه و انت تفهم بعقلك غير ذلك فلك ان ترد عليه و لاتقبله لان كلامه ظني الدلالة و العقل قطعي فلا و ربك لايؤمنون حتي يحكموك فيما شجر بينهم ثم لايجدوا في انفسهم حرجا مما قضيت و يسلموا تسليما اما والله اسسوا اساسا لايبني عليه بناء التشيع و اخري في جعل الظن الغير المعتبر و الصواب ان يقول غير المعتبر من غير لام بالجملة مراده كان يخفي اعلام القبلة و لميعرفها و حصل له ظن غير معتبر شرعا بجهة و لايتمكن الا من صلوة واحدة فالعقل يحكم بترجيح هذا الظن و نحن لانقول و الحمد لله ببركات ساداتنا في القبلة بظن معتبر و ظن غير معتبر فان حصل في القلب ظن فهو المتبع شرعا و يعمل بظنه لقول ابيجعفر عليه السلام يجزي التحري ابدا اذا لميعلم اين وجه القبلة ، و ان لميحصل فيصلي الي اين ما شاء لقوله عليه السلام يجزي المتحير ابدا اين ما يتوجه اذا لميعلم اين وجه القبلة و سئل عن قبلة المتحير فقال يصلي حيث شاء ، فاي حاجة الي ان يولي الاخبار دبره و يعمل بعقله و من حيث عقله و في النسخ لايتمكن الا من الصلوة الي احدها و الصواب في العربية احديها و اخري اثبات التخيير اذا دار الامر بين المحذورين المحرمين فالعقل هنا يحكم بالتخيير و [ص 361] يجب اتباعه و قد ذكرنا انه لايجوز التخيير و لا حكم العقل و القرعة لكل امر مشكل و اخري جواز التسامح في ادلة السنن و ان لمنعمل فيه بالاخبار بان نقول اخبارها ضعيفة او هي ظنية و لايعمل بها في الاصول او آحاد و لايعمل بها في الفروع ايضا فان قوة عاقلة المصنف حكم بجواز البدعة حينئذ و القول علي الله مع اخذ الله الميثاق عنه بقوله الميؤخذ عليهم ميثاق الكتاب الايقولوا علي الله الا الحق و بقوله قل حرم ربي الفواحش ما ظهر منها و ما بطن و الاثم و البغي بغير الحق و ان تشركوا بالله ما لمينزل به سلطانا و ان تقولوا علي الله ما لاتعلمون مع غيرها من الآيات و الاخبار و اخري اثبات التكليف قبل ان ياتي النبي اللاحق و اشتبه شرايع النبي السابق فالمصنف بعث العقل في هذا الزمان و افترض طاعته و ان لميكن معصوما و كل ما حكم به هو حكم الله ان حكم او لميحكم و اخري اثبات اصل الاباحة و البراءة لان العقل حاكم فيهما و ان لمنقل بحجية الاخبار لانها ظنية و لاتستعمل في الاصول او انها اخبار آحاد و لايعمل بها في الفروع و لكن علي تامل في استقلال العقل فيهما و النسخ فيها و لااعرف وجهه بالجملة هذه ثمرات تلك الشجرة و اني بعد ما حرمتها يحق لي ان اقول انها شجرة تخرج في اصل الجحيم طلعها كأنه رؤس الشياطين قوله ثم لو قال الخصم الي آخر المراد اذا قال الاخباري لا ثمرة لنزاعكم هذا لان التكليف في المعقول و غير المعقول لطف و كل لطف واجب و الله لايخل به فبين كل الاحكام فاجاب المصنف بمنع كلية الكبري اي كل لطف واجب كما مر ان [ص 362] بعض اللطف منه مستحب و ما يستقل فيه العقل يستحب فيه اللطف و هذا المنع منع اختياري لايحتاج الي دليل هذا و نتيجة قول الاخباري مما يدل عليه الكتاب و السنة و المصنف يمنع عنه بلا جهة و لا باعث اما الكتاب فقوله تعالي و تبيانا لكل شئ و لا رطب و لا يابس الا في كتاب مبين و مافرطنا في الكتاب من شئ و امثال ذلك و اما السنة فعن ابيبصير عن ابيعبدالله عليه السلام في حديث علم رسول الله صلي الله عليه و آله عليا الف باب يفتح كل باب الف باب الي ان قال فان عندنا الجامعة صحيفة طولها سبعون ذراعا بذراع رسول الله و املائه من فِلق فيه و خط علي عليه السلام بيمينه فيها كل حرام و حلال و كل شئ يحتاج اليه الناس حتي الارش في الخدش و ضرب بيده الي فقال تاذن يا بامحمد قال قلت جعلت فداك انما انا لك فاصنع ما شئت قال فغمزني بيده قال حتي ارش هذا كأنه مغضب و قال عليه السلام ما من شئ الا و فيه كتاب و سنة و عن ابيالحسن موسي عليه السلام في حديث قيل له اصلحك الله اتي رسول الله صلي الله عليه و آله بما يكتفون به في عهده قال نعم و ما يحتاجون اليه الي يوم القيمة فقيل ضاع من ذلك شئ فقال لا هو عند اهله و قال عليه السلام ان الله تبارك و تعالي انزل في القرآن تبيان كل شئ حتي والله ماترك شيئا يحتاج اليه العباد حتي لايستطيع عبد ان يقول لو كان هذا انزل في القرآن الا و قد انزل الله فيه و قال عليه السلام ما من امر يختلف فيه اثنان الا و له اصل في كتاب الله و لكن لاتبلغه عقول الرجال و قيل له عليه السلام اكل [ص 363] شئ في كتاب الله و سنة نبيه او تقولون فيه فقال بل كل شئ في كتاب الله و سنة نبيه و عن ابيعبدالله عليه السلام انه قال رسول الله صلي الله عليه و آله ان الله جعل لكل شئ حدا و جعل علي من تعدي حدا من حدود الله حدا ، الي غير ذلك من الاخبار فالله سبحانه مافرط في شرعه من شئ و بين حكم كل شئ و اودعه عند اهله و اوجب علي الناس طلبه و قال طلب العلم فريضة علي كل مسلم فما بلغك تاخذ به علي ما بلغك و ما لميبلغك تاخذ بقوله كل شئ مطلق حتي يرد فيه نهي ، فاين مجال العقل ان يستقل في مقابلة رسول الله صلي الله عليه و آله و يحكم مع حكمه و يكون نبيا مفترض الطاعة كمحمد صلي الله عليه و آله و اجاب المصنف ايضا بان الكبري تعليقي بتمكن النبي و الحجة و قابل لعروض المانع كظهور الحجة لكلمة القاها نصيرالدين في افواه هؤلاء و قال وجود الحجة لطف و تصرفه لطف آخر و عدمه منا و اجاب بانه علي فرض الوجوب فقد بين و لايلازم بيانه عثور المكلف كما انه ضاع عنا اخبار لاتحصي ففيما لميصل الينا لا بد و ان نعمل بعقولنا و بان هذا الدليل الذي اقمتم عقلي و لاتقولون به و هذا قانون اهل المجادلة بالتي هي اسوء فانهم يكتفون في رد الخصم اذا قال بكلام ينافي قانونه سهوا بانه ينافي مذهبك و ان كان ذلك القول علي قانون المستمع صحيحا و هذا في الحقيقة رد الحق و لايجوز و باقي العبارة ظاهر بقي هنا كلام و هو انه اذا قال لنا قائل كيف تنكرون حجية العقل و الحال انكم تردونها بالادلة العقلية فان لمتك حجة فادلتكم ليست بحجة و ان [ص 364] كنتم تردونها بالادلة الشرعية فما الدليل علي حجيتها الشرع فيلزم الدور او العقل فيكون حجة علي خلاف المدعي قلنا انا قد ذكرنا سابقا انه ليس بلازم ان يدرك الانسان كل شئ اذا ادرك شيئا و نحن اثبتنا الشرع بادلة عقلية اثارتها الانبياء و عرفونا طرقها و نبهونا عليه و قومونا و سددونا حتي عرفنا و ماكان المطبوع ينفعنا لولا المسموع و ماكان المسموع ينفعنا لولا المطبوع و ذلك كضعيف قواه الطبيب حتي مشي و لولا القوة لمانجح طب الطبيب و لولا الطبيب لمانفع القوة الضعيفة الناقهة فنبه الانبياء رواقد العقول و اكحلوا عيونهم المرمودة حتي ابصروا فابصروا ان الله سبحانه احد و انه ارسل رسولا و تسديدهم لدرك هذين الامرين سهل لان الله جعله واضحا حتي ينتفع به بنات التسع و ابناء ثلثعشرة فابصروا باقل تقوية و تعليم و تسديد ثم افترضوا طاعة نبيهم ثم حكموه فيما شجر بينهم و ردوا اليه ما تنازعوا فيه و اختلفوا و ماوجدوا في انفسهم حرجا مما قضي و سلموا تسليما فاذا تعلموا العلم من الانبياء و تقومت عقولهم و استدت قواهم و اعتدلت افهامهم توجهوا اليك و قاموا يردون عليك ما تدعي من حجية العقل علي الاستقلال فتلوا علي ذلك مائة آية و حدثوا بالف و ماتين و ستة و عشرين حديثا فتبينوا ان عقولهم مستنيرة و قد اصابت و الحجة كتاب الله و سنة نبيه و حسب العقول فخرا ان يساوي خطراتها و افهامها الكتاب و السنة فافهم ان كنت تفهم فقد والله اسقيتك ماءا غدقا .
قال : اصل - قالوا كل ما حكم به الشرع حكم به العقل و المراد انه كل ما يمكن [ص 365] ان يجعل الشارع له حكما و ان لميجعله او جعله و لميبينه حكم به العقل بعد الجعل و الاطلاع حكما اجماليا فيحكم بمطابقته للصفة الكامنة المقتضية لجعل هذا الحكم و المخالف الاشعري فينفي تبعيتها للصفات مطلقا لنا علي ابطال السلب الكلي انه لولا تبعيتها للصفات لزم عدم ادراك العقل و عدم حجيته و قد ثبت حجيته مما مر و علي اثبات الايجاب الكلي ان احكامه تعالي ان لمتكن معللة بالاغراض لزم العبث او كانت معللة باغراض راجعة اليه تعالي لزم الاحتياج او الي العباد بمجرد الاطاعة و العصيان للثواب و العقاب من غير خصوصية غرض في المأمور به و المنهي عنه لزم اللغو و العبث في الخصوصيات لكونه ترجيحا بلا داع و ان لميلزم لغو في سنخ جعل الاحكام او لخصوصية غرض راجع اليهم موجود في نفس المأمور به و المنهي عنه مع قطع النظر عن الامر و النهي ثبت المطلوب و انه لا ريب في ان كل فعل في الواقع اما المصلحة في اتيانه او في تركه او لا مصلحة في فعله و لا في تركه ففي الاول لا بد من الامر به و لو ندبا اذ طلب تركه ترجيح للمرجوح و اباحته تسوية بين الراجح و المرجوح و في الثاني عكسه لما مر و في الثالث لا بد من اباحته حذرا من الترجيح بلا مرجح و لا ريب في تنوع الاحكام الشرعية الي الانواع الخمسة فان كان اختلاف تلك لاختلاف صفات الافعال في مصلحة الاتيان او الترك او التسوية فالمطلوب ثابت و الا لزم احد المحاذير الثلاثة المتقدمة مضافا الي الآية الشريفة ينهي عن الفحشاء و المنكر و يتم الامر في غير المناهي بالاجماع المركب [ص 366] ان كان و الا فينتفي السلب الكلي و الي النصوص الدالة علي انه يجب عليه تعالي بيان مصالح العباد و مفاسدهم الظاهرة في وجود مصالح و مفاسد مع قطع النظر عن الامر و النهي لكن النصوص لاترد الاشعري بل دليل اسكاتي .
اقول هذا بحث مفروغ عنه عند الحكماء لايحتاجون الي النظر فيه و انما ينظر فيه و يعتني به من لا علم له بحقايق الاشياء ثم هؤلاء يريدون ان يهتدوا الي حقايق الاشياء بادلة المجادلة و الالفاظ و عند الحكماء من الامور المنكشفة ان الله سبحانه خلق الخلق علي طبايع و صفات مختلفة لحكم اضن ان ارسمها في هذا الشرح و ساير كتبنا بها مشحونة فصارت الاشياء تتقوي باشكالها و تتضعف باضدادها كما تري ان النار تتقوي بالنار و تنطفي بالماء و الماء يتقوي بالماء و يجف بالنار و علي هذه فقس ما سواها و ما يضعف الشئ اذا كثر عليه و غلب يفنيه و فيه فساده و ما يقويه اذا كثر عليه و غلب يديمه و يبقيه و فيه صلاحه و ان الله سبحانه خلق الخلق و اراد اظهار ما قد كمن فيهم من القوي و ذلك لايمكن الا بان يبقوا و يعيشوا مدة حتي يظهر ما في قواهم و لايعيشون مدة الا ان يعملوا بما يبقيهم و فيه صلاحهم و يجتنبوا ما يفنيهم و فيه فسادهم و هم لعدم احاطتهم لايعلمون بما فيه صلاحهم و فسادهم فارسل اليهم الرسل و انزل عليهم الكتب و علمهم الكتاب و الحكمة و عرفهم ما فيه صلاحهم و فسادهم و اكد عليهم بالوعد و الوعيد لئن يعملوا بما دلوا عليه حتي يعيشوا و يظهر من كمونهم ما جعل في [ص 367] قويهم و الله سبحانه غني عن الاستفادة بريء من الانتفاع لاتنفعه طاعة من اطاعه و لاتضره معصية من عصاه و لميفعل شيئا عبثا و ساير ما ذكروه كلها نفخ في غير ضرام و دخول من ظهور البيوت فيحق ان اقول ،
يا باري القوس بريا لست تحسنه لاتفسدنها و اعط القوس باريها
و لكن المصنف اراد ان يرم المقدار بآلات التنعيل فقال قالوا كلما حكم به الشرع حكم به العقل و فسر بان المراد كل ما يمكن ان يجعل الشارع له حكما و ان لميجعل و ذلك زخرف القول و ليس شئ دخل عرصة الامكان الا و ان الله جعل له حدا و حكما كما عرفت من الاخبار و من صحيح الاعتبار و ما اعجب ان يقول المسلم ان العقل يمكن ان يدرك حكم ما لميحكم الله عليه بشئ فان كان العقل يدرك ما لايقتضيه ذلك الشئ فقد اخطأ و ان كان يقتضي فليس الله ان يزوي الحكم عما يقتضي حكما و لايعقل ان لايقضي الله للشئ ما يقتضيه و لا ان يقتضي و لايقضي له قوله او جعله و لميبينه هذا خطاء عجيب حاصله ان الله سبحانه زوي عن محمد صلي الله عليه و آله احكام بعض الموجودات مع انه محل مشية الله و عيبة علم الله فهو ليس بعالم بشرايع الله و قد قال الله سبحانه تبيانا لكل شئ و مافرطنا في الكتاب من شئ و لا رطب و لا يابس الا في كتاب مبين و محمد لايعرف جميع الكتاب الذي انزله و يحكم بما لميعرف هو عقل المصنف و ان ترقينا و قلنا ان عقل النبي ايضا يعرف فالنبي يعلم ما لميعلمه الله و كان غنيا عن الله و ان قال المصنف انا اقول حكم به العقل بعد الجعل و الاطلاع و مرادي ان [ص 368] العقل لو اطلع حكم قلت ان ذلك لاينفعكم ابدا فانه لا دليل لكم علي الاطلاع في مسألة معينة من المسائل و محض حكمكم ليس دليل اطلاعكم و يقينكم محض خيال و ظن فان اليقينان الصائبان لايختلفان و انت متقلب في الآراء بنفسك و عقولكم مختلفة و كلكم مدعون اليقين و كون الباطل و الخطاء فيها قطعي و من اليقين ان المصيب واحد فانقلب اليقين ظنا و الاصل عدم الاطلاع و استصحاب الجهل السابق فيكم فليس لكم ان تحكموا بدليل عقلي فلمينفعكم ان ما حكم به العقل حكم به الشرع و فاتتكم الفائدة و قال المصنف حكما اجماليا لان المكلفين الناقصين لايحيطون بجميع الاشياء و لايعرفون جميع المصالح و المفاسد و قوله للصفة الكامنة ماادري من اين تعلمها المصنف و يكررها و اية خصوصية للكامنة و يمكن ان يكون الحكم لاجل الصفة الظاهرة اليس يحرم ان يلقي الانسان نفسه من جبل لانه يموت و يحرم ان يغرز الانسان اصبعه في عينه لانها تعميه فما خصوصية الكامنة قوله و المخالف الاشعري قلنا انه خطاء ابوموسي اشعري و لايخالف المصنف و الرسم ان يقول الاشاعرة اي المنسوبين الي ابيالحسن الاشعري و ليس الجماعة باشعرين فان الاشعر ابو قبيلة باليمن سمي به لانه كان كثير الشعر منهم ابوموسي و لا كل من يعتقد اعتقاد ابيالحسن الاشعري يصير من اولاد اشعر و اشعريا و انما نسب المعتقدون باعتقاده اليه فسموا باسم شيخهم قوله انه لولا تبعيتها الي آخر دليل عجيب فهب لزم ذلك و متي ثبت حجية ما حكم به العقل و قد بينا بطلانها سابقا قوله [ص 369] او الي العباد الي آخر يعني ان كان الفائدة تعود الي الخلق لكن لا لحكم في انفس الخلق بل لمحض الامر و النهي ليثيب من اطاعه و يعاقب من عصاه فنقول ننقل الكلام الي نفس الامر لم تعلق بهذا و نفس النهي لم نهي عن هذا فاذ لا خصوصية لزم الترجيح بلا مرجح فلم لميامر بالزني و ينهي عن الصلوة ليختبر قوله مضافا الي الآية الي آخر هذا تطول من المصنف فان اعتقاده ان الآيات و الاخبار ظنية و قد ذكرهما استطرادا فقوله ينهي عن الفحشاء و المنكر يدل علي ان نفس العمل في الواقع قبيح و منكر و يتعلق النهي به و اذا ثبت في النهي ثبت في المأمور به بالاجماع المركب و لا حاجة الي الاجماع الذي ليس يثبت ابدا و ثبوته ظني بل اقرا قوله تعالي ان الله يامر بالعدل و الاحسان فالواقع كان عدلا و كان احسانا و تعلق الامر به قوله ان كان يعني ان كان اجماع مركب ثبت ايجاب كلي و الا فينتفي السلب الكلي و يبطل قول الاشاعرة قوله و الي النصوص الي آخر لااعرف نصا فيه انه يجب علي الله شئ و لايجب عليه شئ ابدا و قد قال رسول الله صلي الله عليه و آله لام سعد يا ام سعد لاتحتمي علي الله ، نعم يتطول و ينعم عليهم من فضله و جوده و يهديهم الي مصالحهم و مفاسدهم قوله الظاهرة صفة النصوص يعني تلك النصوص ظاهرة ان في الخارج مصالح و مفاسد مع قطع النظر عن الامر و النهي لانهما مبنيان لهما و النصوص لاترد الاشعري لانها لاتكشف عن الواقع او هي ظنية و هنا قال بل دليل اسكاتي و في الضوابط قال نعم هي ادلة سكوتية لا اسكاتية و [ص 370] العهدة عليه و ساير العبارات ظاهرة في المراد منها .
قال و لو قيل ان من الاوامر ما يكون المقصود منه نفس التوطين و لا مصلحة في المأمور به و لعل اوامر الشرع كلها من هذا الباب قلنا اولا ننقل الكلام الي نفس التوطين فنقول لا بد فيه من مصلحة حذرا من احد المحاذير الثلثة و ثانيا انه لو كان المقصود في الكل التوطين فلازمه دائما الاعلام بعدم اتيان المأمور به بعد اتيان المكلف بالمقدمات و الواقع خلافه و لو قيل لعل المصلحة في جعل نسخ الاحكام مجرد الاطاعة للثواب و العقاب و في تنويع الاحكام لزوم التكليف بما لايطاق لو امر بالكل او نهي عن الكل و في تخصيص بعض بالامر و بعض بالنهي كون بروز الاطاعة في الاوامر في الامر بما لايرغب المكلف باتيانه كالصلوة و الزكوة و بروز الاطاعة في النواهي في النهي عما يرغب اليه المكلف كالزني و اكل الحرام فكان المقصود في جميع المراتب الاطاعة و الانقياد لا غير و لا صفة في الافعال مع قطع النظر عن هذه الجهة كما تدعيه و يؤيده الآية الشريفة ماامروا الا ليعبدوا الله و ماخلقت الجن و الانس الا ليعبدون لاجبنا اولا بالنقض بالواجبات التوصلية الغير المشروطة بنية التقرب و ثانيا بلزوم الترجيح بلا مرجح ايضا في الخصوصيات كايجاب الجهر في الصبح و الاخفات في الظهرين و هكذا و لو قيل ان كان الغرض من امر الله سبحانه عباده بالصلوة مثلا ادراك مصلحة لهم فيه كامر الطبيب المريض بدواء يرفع مرضه لكان عقابه الابدي علي ترك العبد مصلحة نفسه بتركه الصلوة منافيا لرافته و لللطف [ص 371] و يكون كما لو امر الوالد ولده بتعلم صنعة رافة منه له فخالفه و قتله الوالد عقوبة لترك هذه المصلحة فلا بد ان يكون الغرض مجرد الاطاعة و الانقياد لدفعناه اولا بالنقض اذ لو كان غرضه محض التعبد جاء المحذور ايضا و ثانيا بان غرضه ان كان نفي التكليف راسا فهو كما تري او نفي استحقاق العقاب فهو ليس من الجعليات بل لوازم المخالفة كزوجية الاربعة او نفي فعلية العقاب فالعقاب بيده ان شاء فعل و ان شاء ترك .
اقول هذا كما ذكرنا تطويل بلا طايل لاسيما بهذه الاوجه و الدخول في المسألة من غير بابها قوله و لو قيل الي آخر لو قيل ذلك لكان قولا سخيفا بلا دليل و لا حاجة الي جواب قول لا دليل عليه و لكن اجاب المصنف عنه و قال انا ننقل الكلام الي نفس التوطين و نقول لا بد في نفس التوطين بهذا من مصلحة و الا يلزم احد المحاذير الثلثة المذكورة و هي وجود المصلحة في الفعل او الترك او لا مصلحة فيهما و قوله ثانيا الي آخر يعني لو كان جميع الاحكام توطينيا لزم الاعلام بعد كل امر بعدم الاتيان بالمأمور به و هو خلاف المشهود و هو كما تري و قوله لاجبنا الي آخر و لميك حاجة الي ذكر هذه المزخرفات و الجواب عنها فقال مع ذلك لو كان المراد من جميع الشرع محض التعبد فما تقول في الواجبات التوصلية كطهارة البدن و الثوب حيث انها ليست مشروطة بنية التقرب و ثانيا يلزم الترجيح بلا مرجح في خصوصية كون امر واجبا و امر حراما قوله لدفعناه الي آخر كذلك في [ص 372] هذه الابحاث المزخرفة و اجوبتها ليس فائدة الا صرف العمر و اتلاف المال فقال المصنف لو كان المراد التعبد جري ما قلتم من منافاة العذاب الابدي و قوله ثانيا فهذا القول دفع باطل بباطل و من باب من رَمي بمدر رُمي بحجر فقال ان كان غرضكم نفي التكليف راسا فهو خلاف الاسلام بل العقول و ان كان مرادكم نفي استحقاق العقاب فالعقاب ليس متعلق جعل الله و مشيته و انما هو لازم المخالفة كما ان الله جعل الاربعة و لزمها الزوجية من غير ارادة من الله و علي قول المصنف المقلد لجهلة المتكلمين من غير روية ليس الزوجية بشئ لما روي انما سمي الشئ شيئا لانه مشاء و روي خلق الله الاشياء بالمشية و روي ما من شئ في الارض و لا في السماء الا بسبعة بمشية و ارادة و قدر و قضاء و اذن و اجل و كتاب فمن كان يزعم انه يقدر علي نقض واحدة فقد اشرك ، و قال الله سبحانه قل الله خالق كل شئ و لااظن المصنف لو فهم رضي بهذا القياس فان الاربعة مجعولة لله و الزوجية لازمها و هل يقول هناك المخالفة مجعولة من الله و العقاب لازمها ام لا بالجملة لقد حن قدح ليس منها و لا عليه انه اخذه من كتب المتكلمين و انما هو رواية لا دراية قوله او نفي فعلية العقاب الي آخر يعني ان كان غرض القائل ان لايعاقب الله عبده بالفعل فالعقاب بيد الله ان شاء فعل و ان شاء ترك و هذا الجواب ينافي الجواب الاول فان علي قوله الاول الزوجية ليست بيد الله و لا بمخلوق الله و لاتعلق به مشية الله و هنا يقول بالفطرة الاولية العقاب بيد الله نعم هو بيد الله و الجواب [ص 373] الاول خطاء و باقي عباراته ظاهر .
قال : اصل - في ان حسن الاشياء و قبحها هل هما ذاتيان ام لا فالصدق حسن و الكذب قبيح بذاتهما ام بالاوصاف اللازمة المقومة للماهية المعبر عنها بالداخلة و الثابتة و الحقيقية فالصدق من الكلام حسن لاجل مطابقته الواقع و الكذب قبيح لمخالفته الواقع ام بالوجوه و الاعتبارات المغيرة للاحكام كالنفع و الضرر و الغصب و الاباحة و الستر و الطهارة و نحوها من الاوصاف الموجبة لتغير الحكم الشرعي اما مع مدخلية العلم و الجهل ايضا ام لا فعلي الاولين لو اجتمع الصدق مع النفع اكده و مع الضرر عارضه و صار من تعارض الذاتيين مرجعه الرجوع الي المرجحات الخارجية في مقام العمل و علي الاخير ليس الصدق حسنا و لا قبيحا بل حسن ان نفع و قبيح ان اضر ام المقامات مختلفة وجوه و قيل بالتفصيل بين الحسن فذاتي و القبح فبالوصف فيكفي في الحسن انتفاء جهات القبح و الحق بطلان كونهما بالوجوه مع مدخلية العلم و الجهل لانه مستلزم للتصويب و للدور مخالف لطريقة العقلاء و بطلان كونهما بالوجوه بنحو الايجاب الكلي حتي مع عدم مدخلية العلم و الجهل للقطع بحسن الصدق مثلا و ان اضر فهو من باب تعارض الحسن و القبح فبطل الايجاب الكلي و ما عدا ذلك فهو محل التوقف فيرجع عند الشك الي ظواهر خطابات الشرع .
اقول عنون المصنف اصلا لا علم له و لامثاله به و لا فائدة لهم في تفقههم فيه و انما هو مسألة كلامية و فهمها شان الحكماء الذين دخلوا [ص 374] البيت من بابه و سنشير اليه ان شاء الله قوله هل هما ذاتيان ام لا لهذا الكلام ثلثة معان فمرة يقال ذلك في مقابلة من يقول بان الحسن و القبح شرعيان فمن يقول انهما ذاتيان يعني به ان في نفس الاشياء ما لو تدبر العقل فيه و اطلع عليه عرف بانها حسنة او قبيحة و الذي يقول انهما شرعيان يقول ان الشارع حكم في الاشياء بالحسن و القبح بلا علة من انفسها بل وضعهما وضعا و مرة يقال الذاتي في مقابل الوصفي لان للشئ ذاتا و له صفة غير الذات كاللون للجسم مثلا فمن يقول انهما ذاتيان يقول ان الحسن للجسم مثلا لا من اللون بل من نفسه و من يقول انهما وصفيان يقول ان الجسم من حيث هو ليس بحسن و لا قبيح بل حسنه بلونه مثلا و مرة يقال الذاتي في مقابلة الاعراض الخارجية كأن زيدا من حيث هو هو حسن او قبيح مثلا و الذي يقول انهما بالاعراض يقول هو حسن لانه ابن فلان و ابو فلان و اهل بلد فلان و هكذا اما المعني الاول فقد تقدم القول فيه و شرع المصنف في المعنيين الاخيرين و ساق الكلام في طرح المرام و العبارات ظاهرة الي ان قال و الحق بطلان كونهما بالوجوه الي آخر فاختار ان الحسن و القبح ليسا بالوجوه و الاعتبارات الخارجة مع مدخلية العلم و الجهل بان يقال ان علم اقتران تلك الاعتبارات المحسنة فحسن او المقبحة فقبيح و ان لميعلم فلا و ان كان عند بعضهم لا مدخلية للعلم و الجهل في الحسن و القبح و اختار ذلك لانه مستلزم للتصويب الذي هو من مذهب العامة وجه اللزوم انه علي ذلك ليس لله حكم في ذات الشئ و انما الحكم تابع للوجوه و [ص 375] الاعتبارات من ظنون المجتهدين و الزمان و المكان و الاقترانات فالشئ لا حكم له حتي يجتهد المجتهد و يظن اصابة الواقع و الحق فان ظن الحسن فهنالك حسن و ان ظن القبح فهنالك قبيح و لما كان اصل التصويب عندي باطلا لااحب حماية المصوبة و المعارضة مع المصنف لقوله تعالي و لاتكن للخائنين خصيما و الا فجواب المصنف باطل و عن حلية الاعتبار عاطل و زبد مجتث زايل و اخص من المدعي و قال في الضوابط في هذه المسألة و من هنا ظهر غفلة بعض عن طريقة الامامية حيث قال ان لكل واقعة حكمين الهيين واقعيين احدهما اولي و الآخر ثانوي و بعبارة اخري احدهما اختياري و الآخر اضطراري و انت خبير بان ذلك عين مذهب الجبائية و غيرهم من القائلين بالوجوه و الاعتبارات بالمعني الاعم الذي لازمه التصويب و انه خارج عن طريقة الامامية فكيف يتكلم به من هو من الامامية انتهي ، و اظن ان المصنف اساء الادب الي مشايخنا فان هذا القول جملا قولهم و هو معاصرهم فسمع هذا القول و رده قبل ان يحيط بعلمه كما قال سبحانه بل كذبوا بما لميحيطوا بعلمه و لمايأتهم تاويله و لميفهم المصنف ابدا مرادهم اعلم ان الاحكام عندهم ثلثة منها حكم اولي واقعي و هذا الذي خفي علي المصنف و لميخطر بباله و هو حكم عالم الجواهر و عالم الاشياء من حيث هي هي و هو عالم مرفوع عن هذا العالم و هو فوق شهاداتهم و مشاعرهم و لماينكشف عنها فهنالك الاشياء علي صرافتها و لله سبحانه في كل جوهر حكمه قد حكم فيه علي حسب ما يقتضيه ذلك الشئ علي [ص 376] ما ياتي ان شاء الله و منها حكم ثانوي نفس الامري و هذا الحكم علي قسمين قسم هو الحكم الاولي الواقعي في ظن المصنف و عليه حمل كلام المشايخ و جري في علمه و هو اشتباه و هذا هو الذي جاء به النبي صلي الله عليه و آله و شرع و بين من احكام الله و هذه الاحكام هي علي حسب مقتضي هذا العالم عالم الاعراض و يتغير بحسب تغير الاعراض فتغير شرع آدم الي شرع نوح و شرع نوح الي شرع ابرهيم و هكذا الي ان تغير شرع عيسي الي شرع محمد صلي الله عليه و آله و تغير شرايع محمد صلي الله عليه في السنين و الشهور و الايام و غيرت و بدلت بالنسخ و ذلك لان احكام الانبياء علي حسب الاشياء الخارجية فيحكمون علي شئ بشئ ما دام هو باق علي حاله فاذا تغير عن حاله غيروا حكمه ان الله لايغير ما بقوم حتي يغيروا ما بانفسهم الاتري ان العذرة نجسة ما دامت عذرة فاذا استحالت و صارت ترابا كان طاهرا اليس الآن قد حكموا في الدنيا بان بعض الاشياء نجس فلو استحال جميع ما في الدنيا من النجس الي الطاهر حتي لايبقي منها اثر اليس يقال ليس في الدنيا نجس و هو حق و كذلك النبي صلي الله عليه و آله حكم للاشياء بما تقتضيه و كلما كانت تتغير يغير الحكم كالطبيب الذي يري كل يوم مريضه فان راي صباحا انه يناسبه المنضج وصف له المنضج و ان راي غدا انه يناسبه المسهل وصف له المسهل و ان راي بعد غد انه يناسبه المدر وصف له المدر و هكذا ثم اودع النبي صلي الله عليه و آله احكامه اوصياءه و هم بصراء بالدنيا العرضية و ما فيها [ص 377] من اعراضها و قد اودعهم النبي صلي الله عليه و آله احكام الاعراض فيما اودعهم من علومه فاي عرض علا علي الدنيا اظهروا حكمه كمريض راوه اليوم قويا قالوا له صل قائما و راوه غدا من ذلك اليوم اضعف منه فقالوا له صل قاعدا فلما راوه بعد غد اضعف منه قالوا صل مضطجعا و هكذا فما صدر من النبي و اوصيائه عليهم السلام في هذه الدنيا جميعه احكام عالم الاعراض و احكام عرضية مختلفة متغيرة ثم هذا الذي صدر عنهم من الاحكام قد لحقها اعراض من جهة الحملة من التغيير و التبديل و التحريف و الدس و السهو و النسيان و الخطاء و الغلط و تغير العرف بتغير الدهور و الاعصار و خفي وجوه الفاظها باحتمال التجوز و الاضمار و التقييد و التخصيص و الاشتراك و النقل و التقديم و التاخير و التاكيد و الترادف و امثال ذلك و تراجمت الظنون و تعارضت الآراء و تراكمت الشبهات و تفاقمت الاحتمالات كظلمات بعضها فوق بعض اذا اخرج يده لميكد يراها فتصدي فقهاء الشيعة كثر الله امثالهم و اعلي كعبهم و شكر الله مساعيهم الجميلة ان يستخرجوا درر الاحكام من هذا البحر المتلاطم الزخار فغاصوا فيها بنفوس قدسية متوكلين علي الله فاخرج كل من هذا البحر درة حكم رآها مطلوبة و لكن من تمسك بعروة وثقي التسديد و اعتمد علي تقرير العليم القدير الشهيد ففاز باليقين و منهم من قصر نظره عن ذلك فعمل بالظن و التخمين و لايكلف الله نفسا الا وسعها و لايكلف الله نفسا الا ما آتاها فهذه الاحكام الثالثة النفس الامرية التي رزق الله كل [ص 378] واحد علي حسب قابليته و مرضه و صحته و قوته و ضعفه و ليس يقول احد من مشايخنا انه ليس لله حكم واقعي صادر عن النبي او عن الله تعالي و ان الاحكام منوطة بظن الفقيه يعني ان ظن الفقيه يحسن و يقبح و يوجب و يستحب و يستكره و يحرم و يبيح و ليس لله حكم في الواقع بل لله سبحانه احكام لعالم المجردات علي حسب اقتضائها و احكام لعالم الاعراض اوحاها الي النبي صلي الله عليه و آله و ادلاها النبي الي اوصيائه عليهم السلام و هم بينوا و شرحوا و نشروا و فرقوا فلما لحقها ما لحقها تصدي الفقهاء لتنقيحها و تنقيتها و نفي تحريف الغالين و انتحال المبطلين و تاويل الجاهلين عنها بتاييد امامهم و تسديده او باجتهاداتهم فمنهم من يصيب الواقع و يستخرج عين الحكم الصادر عن النبي و الحجج عليهم السلام و منهم من يخطي ذلك الحكم فلايصيب فان اخطأ لتقصير صدر منه او الدخول من غير بابه او الاستنباط من غير مطلبه فهو خاطئ حاكم بحكم الجاهلية قال ابوعبدالله عليه السلام الحكم حكمان حكم الله عز و جل و حكم اهل الجاهلية فمن اخطأ حكم الله حكم بحكم الجاهلية ، حتي انه روي عن ابيجعفر عليه السلام من حكم في درهمين فاخطأ كفر ، و اما من اراد الحق و دخل من بابه و استنبطه من مطلبه و سعي طاقته و اصاب شيئا مخالفا للواقع واقعا فلميفته الحكم الظاهري بتاييد امامه و تسديده و ابلاغ ما هو تكليفه في الظاهر اليه فهو محسن و ما علي المحسنين من سبيل و لايكلف الله نفسا الا ما آتاها و لايعاقب بما لايطيق و يوجر بما [ص 379] جاهد قال علي عليه السلام ليس من طلب الحق فاخطاه كمن طلب الباطل فادركه انتهي ، و بين المقامين بون بعيد فهل تري في هذا القول رايحة من التصويب و هل استشم المصنف رايحة مقال القوم حتي تكلم مسيئا للادب كانيا عما لايحسن و المرد الي الله بالجملة قوله و للدور يعني القول بان الحسن و القبح للاشياء لاجل الوجوه و الاعتبارات مستلزم للدور و الظاهر ان مراده انه علي القول بالتصويب يلزم الدور فان الذي يقول بالتصويب يقول لا حكم لله علي ذوات الاشياء و ان الحكم عليها من جهة الوجوه الخارجة و منها ظن الفقيه فاذا استفرغ الوسع و فهم شيئا و ظن الاصابة فهو حكم الله فيلزم الدور فانه يقول انه حكم الله بعد ظن الاصابة و الاصابة هي اصابة الواقع فاذ لا واقع فلا اصابة قوله مخالف لطريقة العقلاء ان العقلاء ان هم مجمعون فما هذا الخلاف و ان هم مخالفون فاي حجة في قولهم هذا و قد كررنا ان العقلاء لا حجة في قولهم في الدين قوله و بطلان كونهما بالوجوه الي آخر عطف علي البطلان الاول اي الحق بطلان كونهما بسبب الوجوه الخارجة علي الكلية للقطع بان الصدق في نفسه حسن و لكن ان اضر في موضع فهنالك تعارض الحسن الذاتي مع القبح العارضي فبطل كونهما بالوجوه علي نحو الكلية قوله و ما عدا ذلك الي آخر يعني اذا بطل الايجاب الكلي فما عداه اي الحكم للذوات او للصفات اللازمة محل توقف فاذا شك في ان الحكم بهما هل هو لذات شئ او للوصف اللازم فينظر الي ظواهر الخطابات الشرعية و ما يظهر منها فيحكم بهما و ان اختلفت [ص 380] في الموارد .
قال و لو قيل لا توقف في بطلان كونهما ذاتيين بنحو الايجاب الكلي لان النسخ واقع فالداعي لاختلاف حكم الناسخ و المنسوخ ان كان نفس الذات فمن المحال اقتضاء الشئ الواحد بذاته الحسن و القبح او الوجوه فيهما او في احدهما ثبت المطلوب و لان مثل الصدق الضار الذي اجتمع فيه الحسن و القبح باعتقاد القائل بذاتيتهما ان كان مادة اجتماع الامر و النهي فهو قبيح لانه مما لايطاق او كان احدهما دون الآخر او انتفي الامران لزم تخلف الاثر عن المؤثر اذ الامر و النهي اثر الحسن و القبح و لانه يلزم اجتماع الضدين في الكلام الصادر في الغد بعد قوله لاكذبن غدا فالصدق غدا حسن لانه صدق و قبيح لاستلزامه كذب كلام الامس و عكسه الكذب لاجبنا بان النسخ لعله من تعارض الذاتيين و ان الحسن و القبح مقتضيان للامر و النهي لا علة تامة و ان مستلزم القبيح ليس قبيحا و تظهر ثمرة الخلاف في التخطيئة و التصويب و في جواز اجتماع الامر و النهي و في اقتضاء الامر بالشئ النهي عن ضده الخاص و في لزوم فساد العبادات المكروهة كالصلوة في الحمام مما له بدل و في تاثير المعاصي الصادرة سهوا او جهلا .
اقول قوله و لو قيل الي آخر اي ان قال قائل لا وجه للتوقف في بطلان كون الحسن و القبح ذاتيين كلية لان وقوع النسخ مقطوع به و الشئ من حيث ذاته لايتغير فمحال ان يكون الداعي للنسخ الذوات فهو الوجوه اما في الحسن و القبح معا او في القبح وحده كما قيل قوله و [ص 381] لان مثل الصدق الضار الي آخر هذا دليل آخر من منكري التوقف يقول الصدق الضار عند القائل بالذاتيين قد اجتمع فيه الحسن و القبح فان الصدق حسن بالذات و الضرر قبيح بالذات فاذا ذلك الصدق الضار مادة اجتماع الامر و النهي و لايجوز ان يكون الذات الواحدة محل اجتماع الامر و النهي لانه تكليف بما لايطاق و ان كان متعلق الامر دون النهي او لا متعلق هذا و لا هذا لزم تخلف الاثر عن المؤثر فان الحسن مؤثر الامر و القبح مؤثر النهي و لقد حن قدح ليس منها الامر و النهي فعل الله و فعل كل فاعل اثره كيف صار الامر اثر الحسن و هل للاثر الواحد مؤثران بالجملة اراد الباحث ان يتكلم في علم الكلام و ماامكنه و الحسن و القبح لسانان سائلان من الله حكمهما مع قرانات كثيرة فالحسن يسأل ان يؤمر به فيامر الله به و القبح يسأل ان ينهي عنه فينهي الله عنه قوله و لانه يلزم اجتماع الضدين الي آخر يعني اذا قال الرجل لاكذبن غدا فتكلم غدا بكلام فان صدق فهو حسن بذاته و لكن لاستلزامه كذب كلام الامس قبيح فيجتمع ضدان و عكسه ان كذب قوله لاجبنا بان النسخ الي آخر فاجاب المصنف المدقق عن الابحاث الثلثة باجوبة بديعة اما عن النسخ فقال لعله من تعارض الذاتيين و لااعرف معني ذلك اذا نظر النبي صلي الله عليه و آله الي بيت المقدس فراي الصلوة اليه حسنة فامر بها ثم كيف تغير الذات حتي ينهي عنها و ما معني الذاتيان و اين التثنية و لاتعتبر الوجوه و الاعتبارات و الصفات اللازمة لازمة ابدا و مع الذات ابدا ثم كيف يصير لعله ردا و الاحتمال [ص 382] الضعيف لايرد فضلا عن الباطل و رد البحث الثاني بان الحسن و القبح مقتضيان لا علة تامة و هو كلام يمكن ان يراد منه ما قلنا آنفا الا ان الظاهر ان مراده انهما بعض العلة لا العلة التامة و هو خطاء كما عرفت و رد البحث الثالث بان مستلزم القبيح ليس قبيحا و هذا الكلام ينافي طريقة العقلاء علي مذهبهم فان جميع العقلاء يستقبحون عملا يستلزم قبيحا بداهة بالضرورة حتي المصنف لو خلي و طبعه و ستعرف ان الله سبحانه لميحرم شيئا الا لاجل انه يستلزم الفساد و لميامر بشئ الا لاجل انه يستلزم الصلاح قوله و تظهر ثمرة الخلاف في التخطيئة و التصويب الي آخر هذه من ثمرات يتكلفون لمسائل صرفوا العمر فيها و لا فائدة في اصل المسائل و لا في ثمراتها فذكر منها التخطيئة و التصويب يعني ان قلنا بان الحسن مثلا ليس بذاتي يعرفه العقل منها يلزم ان لايكون للاشياء من حيث انفسها حكم و انما المناط الوجوه و الاعتبارات التي منها علم الفقيه و ظنه فما علمه الفقيه حكم الله و حسنا او ظنه فهما جاعلان ذلك المفهوم حسنا و ليس في الواقع حسنا فحكم الله هو ما ظنه الفقيه و ان قلنا بانه ذاتي و لله حكم في ذوات الاشياء فنقول بالتخطئة لانه ان اصابه الفقيه فقد اصاب و الا فقد اخطأ قوله في جواز اجتماع الامر و النهي يريد انا اذا قلنا ان نفس الصلوة حسنة و نفس الغصب قبيح يجوز اجتماعهما في موضوع واحد و ان قلنا ان الصلوة من ذاتها ليست بحسنة و انما هي حسنة في المكان المباح و قبيحة في المكان المغصوب فلا اجتماع قوله و في اقتضاء الامر بالشئ النهي عن [ص 383] ضده الخاص يريد انا ان قلنا ان الحسن بالوجوه فالصلوة عند نجاسة المسجد قبيحة من حيث الوجه فان كانت مأمورا بها ايضا لزم اجتماع الامر و النهي فالصلوة عند نجاسة المسجد قبيحة لانها منهي عنها و الامر بتطهير المسجد نهي عن الصلوة فان صلي فهي باطلة و ان قلنا ان الحسن ذاتي فالصلوة بالذات حسنة و ترك التطهير قبيح و قد اجتمعا فصلوته صحيحة و ان كانت اثما قوله و في لزوم فساد العبادات الي آخر فان الصلوة في الحمام منهي عنها و يمكنه الصلوة في غيرها فان كان الصلوة حسنة بالذات فلا نهي عنها و الا فهي منهي عنها و باطلة قوله و في تاثير المعاصي الي آخر فعلي طريقتهم ان قلنا بالقبح الذاتي فيضر و ان قلنا انه بالوجوه و منها العلم فلايضر هذا مجمل شرح عبارات المصنف و الاشارة الي الحق المطابق للكتاب و السنة ان الاشياء من حيث انفسها عند نفسها من دون ملاحظة اقترانها بالغير و ذكر الغير فيها هي هي ليست بواجب و لا حرام و لا مستحب و لا مكروه و لا مباح اذ لا مكلف هناك و ليست بصلاح لشئ و لا بفساد لشئ و انما هي هي خلقه ربه و الزمه حده و قد احسن ايجاده في حد اوجده و انما يكون صالحا لشئ اذا لوحظ اقترانه بذلك الشئ و يكون فاسدا لشئ اذا لوحظ اقترانه بذلك الشئ و كشف عن ذلك اميرالمؤمنين عليه السلام في حديثه الطويل في رد الاجتهاد قال عليه السلام و من الدليل علي فساد قولهم بالاجتهاد و الراي و القياس انه لنيخلو الشئ ان يكون يمثله علي اصل او يستخرج البحث عنه فان كان يبحث عنه فانه لايجوز [ص 384] في عدل الله ان يكلف العباد ذلك و ان كان تمثيلا علي اصل فلنيخلو الاصل ان يكون حرم لمصلحة الخلق او لمعني في نفسه خاص فان كان حرم لمعني في نفسه فقد كان ذلك فيه حلالا ثم حرم بعد ذلك لمعني فيه بل لو كان لعلة المعني لميكن التحريم اولي له من التحليل و لما فسد هذا الوجه من دعواهم علمنا ان الله تعالي انما حرم الاشياء لمصلحة الخلق لا للخلق التي فيها الخبر ، فاذا الحسن في الاشياء من حيث الاقتران و القبح كذلك و لاجل ذلك يكون شئ واحد حسن لواحد قبيح للآخر فالميتة قبيح اكلها للواحد حسن للمضطر و ليس لها في نفسها حسن و لا قبح و لا حلية و لا حرمة و لايلزمنا التصويب فان الله جل عز عالم بذوات الاشياء و صفاتها المقومة و قراناتها قبل ان يخلقها و مع خلقها و بعد خلقها و جميع ذلك مكتوب في امالكتاب و علم ان اي شئ صالح للشئ و اي شئ فاسد للشئ و اي شئ يزيد الشئ حسنا و اي شئ يزيد الشئ قبحا فحلل كل صالح و حرم كل فاسد قبل ان يخلق الخلق فلما خلق الخلق اوحي الي انبيائه ذلك العلم و اتوا و بينوا بالكتب و السنن و حدثوا بها و اتتنا تلك الاحاديث فاجتهدنا في فهم مرادهم منها فمنا من اصاب المراد و منا من اخطأ و الاشياء قد تتقارن بصرافتها و قد يلحقها اعراض ثم تقترن و لها بصرافتها اذا اقترنت احكام و مع الاعراض احكام اخر كالصلوة من حيث انها عمل خير موضوع اذا اقترن بالمكلف من غير عرض لها حكم و اذا لحقها عرض بوقوعها في ارض مغصوبة قبح عارضي و اذا اقترن بالمسجد لها حسن [ص 385] زايد عارضي و اذا اقترن بمكان ليس فيه حسن و لا قبح فهي علي حسنها و هي صرف فلايرد علينا شئ من تلك الابحاث و اما من ارتكب القبيح سهوا فمن لميعلم بالقبيح لايؤثر القبيح فيه ابدا لان الاخبار و الاعتبار شهدت بان العلم شرط التاثير الا ان القوم لايعرفون حقايق الاشياء و يرون ان السم المجهول يقتل و الخمر المجهول يسكر فيتحيرون و هم جاهلون بان الذي يرون من الاثر تاثير طبيعي لا روحاني و الطبع يطلع علي السم و الخمر بالاطلاع الطبيعي و لاجل اطلاعه يتاثر و لولا اطلاعه الطبيعي لميتاثر كما ان السم لايؤثر في القوي و اما الروح فلايؤثر فيه لانه لميعلم فلا اثم روحاني عليه و انما يظهر فيه الاثر الطبيعي و لااحب ان اذكر اكثر من ذلك في هذا الكتاب و هو كاف لاخواننا في العلم و اما غيرهم فلاابالي ان لايفهم فافهم .
قال : اصل - هل يجوز خلو واقعة من الوقايع بنحو الايجاب الجزئي عن كل حكم في حق المكلفين كما في فعل الصبي الغير المميز ام لا و المسألة و ان كانت من المسائل الكلامية لكن الدليل الظني حجة فيها لاستلزامها الحكم الفرعي و الاصل في المسألة الجواز لا الامتناع كما في نظايرها و ثمرة الخلاف ان من احال الخلو و قال بادراك العقل الحسن و القبح و بتبعية الاحكام للصفات لزمه حجية العقل و تطابقه مع الشرع كما هو واضح و الحق في المسألة ان الواقعة ان كانت محتاجا اليها للمكلفين لميجز خلوها عن الحكم لقاعدة اللطف فتامل و للنصوص الدالة علي انه تعالي جعل لكل واقعة حكما و بينه لنبيه (ص) حتي [ص 386] ارش الخدش و خصوص رواية درست و لقوله عليه السلام كل شئ مطلق حتي يرد فيه امر او نهي الا ان يقال انها تثبت الحكم الظاهري لا الواقعي فتامل و انها لاتجري في الاحكام الوضعية الا ان يتمسك بالاجماع المركب او غير محتاج اليها كوقاع الحور فوجهان اقربهما عدم الخلو لنصوص ارش الخدش فانها مطلقة او عامة و تقييدها برواية درست فرع فهم العرف التعارض فتامل .
اقول هذا كلام من لميعرف الحكم و صفة الحكم و الا فمن عرف معني الحكم و صفة الحكم فلايقدر علي التكلم بهذه الكلمات و الاصغاء اليها البتة و لا بد من شرح الكلام قوله هل يجوز الي آخر يعني هل يجوز ان يخلو شئ من الاشياء من افعال المكلفين العاقلين عن كل حكم فلايكون حراما و لا مكروها و لا واجبا و لا مستحبا و لا مباحا من الله سبحانه كما ان فعل الصبي غير المميز و المجنون لا حكم له من الله سبحانه ام لا و تخصيصه بالواقعة لايليق بل لو قال شئ من الاشياء لكان اولي ففي هذه المسألة اختلفوا فمنهم من جوزه و منهم من قال انه محال قوله و المسألة كلامية لانها ليست من الفروع و لا من الاصول العملية التي هي اعراض الادلة و لا من الموضوعات المستنبطة التي هي الفاظ الكتاب و السنة و لا الموضوعات الصرف فاضطر الي ان يجعلها من الكلام و الاعتقاديات و لكن لارتباطها بالفروع و كفاية الظن فيها اجاز الظن فيها و لكن هذا الاستلزام و الحكم عليه ان صح صح فيما يكون فرع الفروع و ادني منه مثلا الظن في الموضوعات المستنبطة لايضر لانه يستلزم [ص 387] الظن بالفروع و اما ان كان مما يناط به الفروع فغير جار فلايقال ان الظن بخالقية الله كاف لانه يستلزم الظن بالفروع ثبت العرش ثم انقش فالعقايد التي هي اصول الفروع لاينبغي ان يكتفي فيها بالفروع لاجل ان الظن في الفروع كاف قوله و الاصل في المسألة الجواز يعني انه مقدور الله و الله يقدر علي ان لايحكم في شئ بحكم فلا امتناع فيه عقلا قوله و ثمرة الخلاف الي آخر و في عبارته احال الخلو و زعم ان معناه عده محالا و الحال ان في اللغة يقال احال الرجل اذا تكلم بكلام معدول عن وجهه و المحال من الكلام بضم الميم هو الكلام المعدول عن وجهه فالمحال مفعول فعل المتكلم و المصنف يريد ان الخلو ممتنع في الواقع و الرجل معترف بذلك الامتناع فكلامه غير دال علي المراد و علي اي حال فمن قال بامتناع الخلو و قال بادراك العقل الحسن و القبح و قال ان الاحكام تابعة للصفات لزمه حجية العقل و تطابقه مع الشرع و اشتبه الامر علي المصنف و لايلزمه ذلك فانه مع ما عرف امتناع الخلو و ان العقل يمكن له درك الحسن و القبح و لو باعانة الشرع و قال ان الاحكام تابعة للصفات يقول ان ما عرفت حكم جوهر الشئ و هذا العالم عالم الاعراض و ليس فيه شئ بريء عن العرض و انا لااحيط بالاعراض و المحيط بها علم الله و علم رسوله و حججه فانا لااعرف احكام عالم الاعراض و لاينفع ان اقول ان الاصل عدم العرض مع ان جميع هذا العالم عالم الاعراض و مع ان الله نهاني في كتابه و حججه في سنتهم و اخبر المخبر الصادق ان عقلي لايدرك و قال ان دين الله لايصاب [ص 388] بالعقول الناقصة و الآراء الباطلة و اخبر ان الله لايرضي برأي العقول و الا لمابعث الرسل و لماانزل الكتب هذا مع ان العقول صارت ذوات اعراض و امراض لاتحصي و لهذا يختلف العقل الواحد في رايه صباحا و مساءا و العقول بعضها مع بعض قوله و الحق في المسألة الي آخر فرق المصنف بين المسائل بحسب استحسانه فقال ان كان المسألة مما يحتاج اليها عبد من العباد لميجز خلوها لقاعدة اللطف الواجب و لكن تامل المصنف في ذلك نظرا الي ما نظر سابقا ان ما يستقل العقل فيه اللطف فيه مستحب لانه تاكيدي فلايجب ان يكون الله حكم فيها بشئ و استدل عليه ايضا بالنصوص و بخصوص رواية درست و هو ما رواه صاحب المحاسن عن ابيه عن درست بن ابيمنصور عن محمد بن حكيم قال قال ابوالحسن عليه السلام اذا جاءكم ما تعلمون فقولوا به و اذا جاءكم ما لاتعلمون فها و وضع يده علي فيه فقلت و لم ذاك قال لان رسول الله صلي الله عليه و آله اتي الناس بما اكتفوا به علي عهده و ما يحتاجون اليه الي يوم القيمة انتهي ، و تسمية المصنف هذه الرواية برواية درست ليست من متعارف العلماء و المحدثين لانه لمتجر العادة بنسبة الحديث الي رجل من اوساط السند فاما ينسبونه الي السامع و اما ينسبونه الي من روي للعالم او وجد في كتابه و قوله بخصوص رواية درست ايضا يدل علي عدم التتبع في الاخبار فان الاخبار بهذا المعني متضافرة كثيرة و لا خصوصية لرواية درست علي قوله بالجملة تدل النصوص علي ان لكل واقعة لله حكما و اجمعها ما روي عن الرضا عليه السلام [ص 389] في حديث طويل قال ان الله لميقبض نبيه حتي كمل له الدين و انزل عليه القرآن فيه تبيان كل شئ بين فيه الحلال و الحرام و الحدود و الاحكام و جميع ما يحتاج اليه الناس كملا فقال عز و جل مافرطنا في الكتاب من شئ و انزل عليه في حجة الوداع و هي آخر عمره اليوم اكملت لكم دينكم و اتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الاسلام دينا و امر الامامة من تمام الدين الي ان قال و ماترك شيئا يحتاج اليه الامة الا بينه فمن زعم ان الله لميكمل دينه فقد رد كتاب الله و من رد كتاب الله فهو كافر به الخبر ، و الاحاديث في ذلك كثيرة جدا قوله و لقوله كل شئ مطلق حتي يرد فيه امر او نهي و ليس في الرواية امر و علي اي حال يريد ان الرواية تدل علي جعل حكم في كل شئ الا ان يقال ان هذه الرواية يثبت الحكم الظاهري لا الواقعي و انها لاتجري في الاحكام الوضعية و هي مخصوصة بالاحكام الخمسة الا ان يثبت اجماع مركب و هو كلام واه سخيف و محض كلام بلا دليل قوله او غير محتاج اليها كاحكام مواقعة الحور مثلا ففيه وجهان عند المصنف و الاقرب عدم الخلو للاخبار و ان قيل انها مقيدة بخبر درست علي قول المصنف قلنا التعارض فرع فهم العرف من قوله و ما يحتاجون اليه الي يوم القيمة الاختصاص بموضع الحاجة و ليس كذلك و ان اردت الوصول الي الحق فاصغ لما اقول فانه مستنبط من علم آل الرسول عليهم السلام اعلم انا قد ذكرنا سابقا ان الاشياء تتقوي باشكالها و تتضعف باضدادها و كل شئ لايخلو من ان يكون منافرا للشئ المفروض او مشاكلا فان الحوادث لها طبايع [ص 390] جسمانية او روحانية و اختلاف اشكالها باختلاف طبايعها فالحار يتقوي بالحار مثلا و يتضعف بالبارد و بالعكس و هكذا ساير الطبايع جسمانية و روحانية جوهرية و عرضية و ان من شئ الا و هو نافع لمشاكله ضار لمنافره و الله سبحانه جاعل الخلق و خالقها و واضعها عليم بها الايعلم من خلق و هو اللطيف الخبير يعلم ما يضر الشئ و ما ينفع و الامر تعليم ما ينفع و النهي تعليم ما يضر فمن ائتمر بما امر انتفع و من لمينته عما نهي تضرر فان من شئ الا و له بالنسبة الي المكلف نفع او ضر و النفع نفعان نفع به يحفظ وجوده و نفع يزيده حسنا و الضرر ضران ضر يفني وجوده و ضر يقبحه و الله سبحانه قد دل بلطفه عبده الي ما فيه نفعه و ضره و اما الاباحة فهي حكم ظاهري وضعه الله لاجل ضعف العباد و جبر كسره برحمة منه و فضل و لميضع الله التكاليف من غير علة في الاشياء لمحض التعبد فانه غني عن العباد و عن عبادتهم و يدل علي ذلك ما كتب الرضا عليه السلام الي محمد بن سنان جاءني كتابك تذكر ان بعض اهل القبلة يزعم ان الله تبارك و تعالي لميحل شيئا و لميحرمه لعلة اكثر من التعبد لعباده بذلك قد ضل من قال ذلك ضلالا بعيدا و خسر خسرانا مبينا لانه لو كان كذلك لكان جايزا ان يستعبدهم بتحليل ما حرم و تحريم ما احل حتي يستعبدهم بترك الصلوة و الصيام و اعمال البر كلها و الانكار له و لرسله و كتبه و الجحود بالزني و السرقة و تحريم ذوات المحارم و ما اشبه ذلك من الامور التي فيها فساد التدبير و فناء الخلق اذ العلة في التحليل [ص 391] و التحريم التعبد لا غيره فكان كما ابطل الله عز و جل به قول من قال ذلك انا وجدنا كلما احل الله تبارك و تعالي ففيه صلاح العباد و بقاؤهم و لهم اليه الحاجة التي لايستغنون عنها و وجدنا المحرم من الاشياء لا حاجة للعباد اليه و وجدناه مفسدا داعيا الي الفناء و الهلاك ثم رايناه تبارك و تعالي قد احل بعض ما حرم في وقت الحاجة لما فيه من الصلاح في ذلك الوقت نظير ما احل من الميتة و الدم و لحم الخنزير اذا اضطر اليه المضطر لما في ذلك الوقت من الصلاح و العصمة و دفع الموت فكيف دل الدليل علي انه لميحل الا لما فيه من المصلحة للابدان و حرم ما حرم لما فيه من الفساد و كذلك وصف في كتابه و ادت عنه رسله و حججه كما قال ابوعبدالله عليه السلام لو يعلم العباد كيف كان بدؤ الخلق مااختلف اثنان و قوله عليه السلام ليس بين الحلال و الحرام الا شئ يسير يحوله من شئ الي شئ فيصير حلالا و حراما انتهي ، و تواتر اخبار العلل معني يبين ان الاحكام لاجل المصالح و المفاسد و ليس عن صرف التعبد و عن ابيعبدالله عليه السلام انه قال رسول الله صلي الله عليه و آله ان الله جعل لكل شئ حدا و جعل علي من تعدي حدا من حدود الله حدا و سئل ابوعبدالله عليه السلام عن شئ من الحلال و الحرام فقال انه لميجعل شئ الا لشئ ، الي غير ذلك من الاخبار .