الرابع و عمدة ما ساق القوم الي القول بجواز الافتاء و العمل بالظن ما زعموا انهم يعتقدون بالاجماع انهم مكلفون اليوم و لم‌يرفع عنهم التكليف و ذلك اجماع لا ريب فيه و انهم يرون بالبداهة و العيان انه ارتفع العلم باغلب المسائل عنهم و ذلك ايضا مما لا شك فيه و لا ريب يعتريه و لايكلف الله نفسا الا وسعها و نيل ما رفع عنهم ليس في وسعهم فليسوا بمكلفين به و هم مكلفون يقينا و الشك و الوهم لايمكن ان يكونا مناط التكليف فلم‌يبق الا الظن فهم عند تعذر العلم مكلفون [ص 138] بالافتاء بالظن و هذا حاصل تحرير المسألة و تفصيلها مضبوط في كتبهم فنقول في مقابلهم لنا قياس آخر و هو انتم مكلفون بالعلم اجماعا و عجزتم عن العلم وجدانا و الظن محرم بالكتاب و السنة و الاجماع و دليل العقل فعليكم بالاحتياط او تقليد من نال العلم لجوازه اجماعا و كتابا و سنة و نقول تفصيلا اما انتم اليوم مكلفون فلا شك فيه و لكن مكلفون بالعلم اذ سند هذا الاجماع هو الكتاب و السنة و قد عرفت حالهما في الدلالة علي وجوب طلب العلم فانتم مكلفون بالكتاب و السنة و الاجماع و دليل العقل لكن بالعلم كما تعترفون انه الاصل الاولي بالاجماع و انتم تجدون في انفسكم عيانا انه لايمكنكم تحصيل العلم و يمكنكم تحصيل الظن و دونكم ايضا جماعة لايمكنهم تحصيل الظن ايضا و يمكنهم الشك و دونهم قوم انزل منهم و لايحصل لهم الا الوهم فالجماعة الذين لايحصل لهم العلم بوسايط الله اعلم بها لايتكلفوا و لايدعوا انهم فقهاء و يتركوا الامر لاهله كما يجب لاصحاب الوهم و الشك ان لايعملوا بوهمهم و لا شكهم و علي زعمكم يجب عليهم ان ياخذوا من اصحاب الظن و كذلك يقول لكم غيركم انتم ايضا لاتاخذوا بظنكم و خذوا عن اصحاب العلم و ان قلتم نحن علماء فقهاء اساتيد كيف ناخذ بقول غيرنا قلت انا نري ايضا علماء يشقون الشعر و تمام عمرهم مشغولون بالعلم و البحث و لكن بلغ امرهم من كثرة الشبهات و الشكوك مبلغا لايحصل لهم ظن بمسألة من المسائل و انما هم في مرية منها لتراكم الشبهات فما تكليفهم هل يجب ان يعملوا بشكهم و وهمهم او [ص 139] يقلدوكم فما تقولون فيهم نقول فيكم و نقول انكم من كثرة الشبهات و الشكوك و الرجوع الي كتب العامة انسد عليكم باب العلم و هناك اقوام باقون علي الفطرة عدول ثقات اصحاب ذكر و فكر و علم و حلم و تقوي يقولون يحصل لنا العلم و كما تقولون لايجوز تخطيتنا لايجوز تخطيتهم و القول بانه اشتبه عليكم ليس ببرهان و ان كان برهانا فهم ايضا يقولون لكم هكذا ثم نحن نري الكتاب و السنة و الاجماع يصدقهم فانهم يرتبون قياسا هكذا و يقولون ان الكتاب و السنة و الاجماع و دليل العقل شهدت علي بقاء التكليف و العمل بالعلم و الكتاب و السنة و الاجماع و دليل العقل ايضا شهدت بان الله لايكلف بالمتعذر فليس العلم بمتعذر قطعا فالقول بالتعذر قول بابطال هاتين المقدمتين اللتين شهدت الادلة الاربعة بحقيتها و المرد الي الله فاما تخلو عن شبهاتكم و ادخلوا مدخل اخوانكم من المدعين للعلم و اهتدوا الي ما اهتدوا اليه و اما اتركوا الاجتهاد في الدين و قلدوا اخوانكم العالمين و لا نقص والله في اصابة الحق اليس اذا راجعتم الادلة مراجعة اجمالية و ضاق الوقت و لم‌تهتدوا الي مر الحق في المسألة و توقفتم فيها و شككتم في الحق و لكن نظر عدل ثقة فقيه غيركم و عرف الحق جاز لكم تقليده و الاعتماد عليه في تلك المسألة لقوله تعالي فاسألوا اهل الذكر ان كنتم لاتعلمون فانت لاتعلم و اولئك اهل الذكر فامتثل امر الله و قلدهم هذا بيان الحق علي الاجمال و سنذكر في محله ان شاء الله عدم انسداد باب العلم و انه مفتوح واسع و الحمد لله و دين الله حنيف سهل ليس فيه هذا الضيق .

[ص 140] الخامس ان الادلة التي تقيمونها علي جواز العمل بالظن عقلية او شرعية فان كانت عقلية فما يحكم به العقل يحكم بامتناع ضده فلايقبل التخصيص و التقييد في الخارج و ان قبل كان الدليل خطاءا فلم تمنعون عن العمل بالقياس و الاستحسان و المصالح و الراي و لربما يكون الظن الحاصل منها اقوي من الظنون التي تجوزونها و علي ذلك يجوز ان يكون النبي مظنون النبوة و الامام مظنون الامامة بل التوحيد مظنونا فان الادلة العقلية لاتخصص و ان كانت شرعية فهاتوا بآية من كتاب الله او سنة عن النبي صلي الله عليه و آله حتي نتبعكم و اتفقتم جميعكم علي ان تاتوا بحديث واحد يدل علي مطلبكم فلم‌تجدوا حتي تمسكتم بما يقال المرء متعبد بظنه و لم‌ير احد موضعه في كتب العامة و الخاصة و علي ما تفسرونه يعارضه ما سمعتم من الكتاب و كان الواجب علي فرض كونه حديثا عرضه علي الكتاب و السنة و العامة فلو عرضته لصار هباءا منثورا مع انه ليس بحديث حتي انه في احاديث العامة ايضا ما يعارضه و هو ما رواه في المصابيح عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال قال رسول الله صلي الله عليه و سلم ان الله لايقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد و لكن يقبض العلم بقبض العلماء حتي اذا لم‌يبق عالما اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فافتوا بغير علم فضلوا و اضلوا و قال رسول الله صلي الله عليه و سلم من افتي الناس بغير علم كان اثمه علي من افتاه و قال من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار انتهي ، و في احاديث الخاصة ما لايحصي فاذا كان خبر هكذا شانه [ص 141] كيف يجوز تاسيس اصل به يبتني عليه جميع امر الدين و يرد به الكتاب و السنة و علي قولكم هو اثبات ظن بظن بل بوهم نعم اتم دليل يذكر لهم في العدول عن مفاد تلك الآيات هو انها حق و اصل اولي و انما ساقنا الي العمل بالظن الاضطرار كاكل الميتة و قد قال الله سبحانه فمن اضطر غير باغ و لا عاد فلا اثم عليه و روي ما من شئ حرمه الله الا و قد احله لمن اضطر اليه فاقول ان الانصاف يقتضي ان يقال ان الوجوه التفصيلية التي يذكرها القوم لسد باب العلم و وجوب العمل بالظن جار في جميع الشرايع في جميع الازمان من لدن آدم الي يومنا هذا و جارية تلك الادلة في جميع المسلمين غير الحاضرين مجلس الخطاب بل في جميع اهل المجلس الا عالم باللحن و الا فالعوام الغافلون بعيدون عن فهم المطالب من الالفاظ حتي ان اليوم بعد كل هذه التربية ربما يستفتي السوقي و يجيبه الفقيه فلايفهم الا ان يكرر عليه و يمثل له و مع ذلك كله لايفهم حاق المسألة فكيف بالناس ذلك اليوم و هم جديدوا الاسلام عرب بوالون علي اعقابهم لايفهمون من الاسلام الا شيئا بعد شئ فادلة القوم تعم جميع الازمان كما يصرحون به ايضا انه في مجلس الخطاب كان العمل بالظن فاذا كان باب العلم مسدودا علي بني آدم كما تقولون انه علي الظن بناء العالم و اساس عيش بني آدم هل من الحكمة ان ينزل الله مائة آية في تحريمه و يحدث حججه بالف و ماتين و ستة و عشرين حديثا في تحريمه و يشددوا عليه باللعن و الطعن ما لم‌يشددوا مثله في الزني و اللواط و لم‌يجوزوا [ص 142] لهم في حديث العمل بالظن ثم يتركوهم يعملون به من باب اكل الميتة و هو بمنزلة ان لايكون في الدنيا من لدن آدم الي آخر الزمان ماكول لابن آدم الا الميتة و يحرمها الله عليهم في جميع الشرايع و يتركهم يتناولونها من باب الاضطرار الي اكل الميتة و الشريعة جارية علي مقتضي ما في هذا العالم و ليس فيه الا الميتة فانصف و انظر هل هذا من السياسة و هل من السياسة ان لايخلق لبني آدم مشروب في الدنيا غير الخمر فيحرمها الله و يلعن شاربها و يتركهم يشربونها من باب الاضطرار بالله لايظن بالحكيم العالم بالسياسة ذلك هلااجري شريعته علي الاصل الثانوي و هلاتفوه بحديث واحد يدل علي ذلك فتبين من ذلك ان الماء الكافي لشرب الناس موجود فاحل الماء و حرم الخمر و انتم سكنتم في بلد ليس فيه الا الخمر فقلتم نحن مضطرون الي شربها تحولوا الي الغدران العذبة و الانهار الجارية التي يشربها غيركم او خذوا الماء عن جماعة عندهم الماء و لاتشربوا الخمر و اي اضطرار اذا كان يمكنكم الاخذ عنهم و اي اضطرار لكم اذا كان يمكنكم الاحتياط علي ما شرحنا لا علي ما تقولون مما يتعسر او يتعذر و ليس كلما يحتمل عقلا او قولا مما يجب فيه الاحتياط فراجع الي كيفية الاحتياط تجده غير متعذر و الحمد لله فاذاً ذهب الاضطرار الي اكل الميتة و لانحتاج الي اكله ببركات اولياء النعم و هداة الامم .

السادس ان القول بان المدار علي ظن الفقيه يستلزم عدم حجية الكتاب و السنة و حجيتهما كأنها من الضروريات كما نقل عن جماعة منهم ان اطلاق الدليل [ص 143] علي الكتاب و السنة مجاز لان الدليل ما يفيد بنفسه القطع بالمقصود و هما ليسا كذلك بل هما امارتان من الامارات الاجتهادية و حكي التصريح عن الشهيد بان المسألة بعد موت الفقيه يبقي بلا مستند فان المستند ظنه و بطل بموته و الكتاب و السنة ليسا مستندين للمسائل بانفسهما الا مقرونين بظن الفقيه و من تتبع الكتاب و السنة عرف ان مذهب آل‌محمد عليهم السلام انهما برهانان جاءا من ربنا و يجب الرجوع اليهما و العمل بهما قال علي عليه السلام ان المؤمن لم‌ياخذ دينه عن رايه و لكن اتاه من ربه فاخذ به و قال من اخذ دينه من افواه الرجال ازالته الرجال و من اخذ دينه من الكتاب و السنة زالت الجبال و لم‌يزل و سئل عن اختلاف الشيعة فقال ان دين الله لايعرف بالرجال بل بآية الحق الخبر ، و كثرة الاخبار تعجز الانسان عن ايرادها في المختصرات و قد ذكرناها في فصل الخطاب و ساير كتبنا و مر بعضها في حجية الكتاب و السنة فان شئت فراجع فالكتاب الذي مصدق لما بين يديه و ما خلفه ليس بدليل و لا مستند و لا حجة و ان الظن الذي هو اكذب الكذب صار حجة الله و المرد الي الله و لو انصفت لكفاك هذه الاخبار و الآيات بل آية واحدة بل خبر واحد و مع ذلك اوردنا هنا زايدا علي حد الكفاية و ان شئت مع ذلك اكثر من ذلك فعليك بساير كتبنا .

قال : اصل - الحق انقلاب اصالة الحرمة الي اصالة الجواز في الاحكام الفرعية في الجملة و يدل عليه البرهان العقلي و يتم ذكره في طي مقدمات اربع المقدمة الاولي ثبوت التكاليف في حقنا بالضرورة و وجوب تحصيل [ص 144] العلم بها و الفحص عنها الثانية لا ريب في انسداد باب العلم بالمعني الاعم من الظن الخاص في معظم الاحكام الفرعية لان ادلة الفقه غالبا اربعة العقل و الاجماع و الكتاب و السنة و هي لاتفيد غالبا القطع اما العقل القطع المستقل علي فرض ادراك العقل الحسن و القبح و الثواب و العقاب و الحجية و وجود موضع لم‌يصل حكمة من الشارع الا من جهة العقل ففي غاية القلة في الفروع و كذا الاجماع القطعي النظري الذي لايحتاج مفاده الي اعمال الظنون الاجتهادية لاجماله و اما الكتاب فآيات احكامه قليلة ثم منها ما هي مجملة بذاتها و منها ما اختلف في اجمالها و بيانها و منها ما هي ظاهرة تثبت حكما اجماعيا او ضروريا او حكما مجملا يحتاج تفصيله الي اعمال الظنون الاجتهادية كاقيموا الصلوة و آتوا الزكوة و اما السنة فما كان منها مقطوع الصدور فمن الظن الخاص لكنه قليل كمقطوع اللب بل غالب الفرعيات تثبت بالواحد الذي لا قطع بصدوره و لا مضمونه و لا حجيته من دليل خاص قطعي فباب العلم غالبا منسد .

اقول نعم هنا ،

تغيرت البلاد و من عليها و وجه الارض مغبر قبيح

و تصدي المصنف للاستدلال علي انقلاب ذلك الاصل المطابق للكتاب و السنة و الاجماع و دليل العقل باعترافه و اراد ان يذكر علي ذلك دليلا له مقدمات فالمقدمة الاولي التي استدل بها و قدمها ثبوت التكاليف و هو غني عن البرهان و عليه كافة اهل الايمان و المقدمة الثانية قد اهتم المصنف علي اثبات نقصان الدين و قصور الشرع المبين و تقصير خاتم [ص 145] النبيين و تقاعد الائمة الطاهرين عليهم صلوات المصلين بل و عجز رب العالمين و اقدر القادرين فانه مع انه انزل مائة آية ان لاتعملوا بالظن و خلاف العلم و قال اليوم اكملت لكم دينكم و اتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الاسلام دينا و اصدر الحجج الفا و ماتين و ستة و عشرين حديثا انه لايجوز العمل بغير علم و قام الاجماع عليه لم‌يجعل الله دينا تاما كاملا قطعيا بين عباده من لدن آدم الي يومنا هذا و لم‌يسن نبيه صلي الله عليه و آله سنة قطعية تكفي العباد و تعمر البلاد و كلفوا الناس بما يجدون خلافه وجدانا قهرا و طبعا و لايستطيعون له مع ان الله قال لايكلف الله نفسا الا وسعها و لايكلف نفسا الا ما آتاها و لعمري هذه لو صدقت لكانت ادلة من رام ان يثبت التناقض في اقوال الله و افعاله و في اقوال النبي صلي الله عليه و آله و اراد نفي الالوهية و الحكمة عن الله و اراد نفي الرسالة عن رسوله و الائمة عن ذريته فان هذا الفعال ليس بفعل عدل حكيم و لو اراد نصراني اثبات عدم حكمة هذا النبي و تناقض اقواله في شرعه و ابطال نبوته و عدم عدله لمازاد علي هذا و لا شك ان من حرم الخمر مطلقا و حدد عليه و جميع بني آدم مضطرون اليه ليس بعدل و لا حكيم و ليس بنبي البتة و ذلك كأن يحرم عليهم التنفس و جميعهم مضطرون اليه و قول ان العلم المأمور به اعم من الظن قول لا مستند له من لغة و لا شرع و لا عرف و لاسيما الادلة العقلية التي اقاموها تدل علي المقطوع لا المظنون بالجملة اخذ المصنف يستدل علي نقصان واحد واحد من الادلة عن افادة [ص 146] العلم المأمور به في تلك الآيات و الاخبار فان كان الله انزل دينا هكذا و ليس هكذا فهو العاجز علي قولهم و ان انزل دينا كاملا فابطل العباد دينه فهو المغلوب علي قوله و ان انزل دينا تاما فقصر الرسول عن ابلاغه فليس برسول و ان لم‌يقصر هو و قصر ائمته الذين نصبهم فليسوا بائمة علي زعمهم و ان ادوا دينا كاملا فلعبت الاعادي حتي رفعوه عن العالم و قلبوه ظهرا لبطن فصار الدين مخترما و المخترم باطل و ارتفع الحق عن العالم و لايرتفع و غلبوا هنالك و انقلبوا صاغرين و الحق لايغلب و لاينقلب صاغرا و لله العزة و لرسوله و للمؤمنين بالجملة قد صار هذا المنكر معروفا و المعروف منكرا ،

يا ناعي الاسلام قم فانعه قد مات عرف و بدا منكر

ليبك علي الاسلام من كان باكيا و قد هدمت اركانه و دعائمه

قال اميرالمؤمنين عليه السلام ترد علي احدهم القضية في حكم من الاحكام فيحكم فيها برأيه ثم ترد تلك القضية بعينها علي غيره فيحكم فيها بخلاف قوله ثم تجتمع القضاة بذلك عند الامام الذي استقضاهم فيصوب آراءهم جميعا و الههم واحد و نبيهم واحد و كتابهم واحد فامرهم الله سبحانه بالاختلاف فاطاعوه ام نهاهم عنه فعصوه ام انزل دينا ناقصا فاستعان بهم علي اتمامه ام كانوا شركاء له فلهم ان يقولوا و عليه ان يرضي ام انزل دينا تاما فقصر الرسول عن تبليغه و ادائه و الله سبحانه يقول مافرطنا في الكتاب من شئ ، و فيه تبيان كل شئ و ذكر ان الكتاب يصدق بعضه بعضا و انه لا اختلاف فيه فقال سبحانه [ص 147] و لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا و ان القرآن ظاهره انيق و باطنه عميق لاتفني عجائبه و لاينقضي غرايبه و لاتكشف الظلمات الا به انتهي ، و عبارته ظاهرة لاتحتاج الي شرح .

قال فان قلت باب العلم الوجداني منفتح في الاحكام غالبا ام دائما كما عليه ابن‌قبة حذرا من تحريم الحلال و عكسه قلنا قد مر تقريره و جوابه في تاسيس الاصل فان قلت ان الاخبار كلها او جلها كاخبار الكتب الاربعة مقطوعة الصدور فالظن الحاصل منها ظن خاص فباب العلم بالمعني الاعم منفتح غالبا قلنا ان الدليل علي ذلك ان كان ان تلك الاربعة من الثلثة بالتواتر و لو غالبا سيما بعد اتفاق اكثر النسخ و هي ماخوذة من الاصول الاربعمائة التي كانت مشهورة بين الامامية في زمن الائمة معولا عليها بينهم كما يشهد بذلك التتبع و اخبار الثقة الموجب للعلم اذا كان المخبر به امرا جليا و اخبار تلك الاصول كلها من المعصوم و الا لمااتفقت الامامية علي العمل بها و الاعتماد عليها بل لو كان فيها كذب لردعهم المعصوم عن ( علي خ‌ل ) العمل بها لاطلاعه علي عملهم بها في زمانه ففيه ان تلك الاصول ليست بايدينا اليوم حتي نعلم بالتتبع ان اخبار الكتب الاربعة هي اخبار تلك الاصول و الثقة المخبر بذلك لم‌نجده الا الفقيه بالنسبة الي كتابه لا الكتب الاربعة مع ان كون هذا الخبر ماخوذا من الاصل المجمع عليه ليس امرا جليا حتي يفيد اخبار الثقة عنه العلم اذ الاطلاع علي الاجماع امر صعب سيما عند هذا الخصم و هو الاخباري المنكر للاجماع من اصله و اطلاع المعصوم علي [ص 148] اخبار تلك الاصول تفصيلا اول الكلام فكيف يكون تقريره هنا حجة و اجماع الامامية علي العمل بها لعله لاجل عملهم بالواحد او تبعضهم في جهة العمل فلايكشف عن قطعيتها عند جميعهم بل لو قطعنا بكون المخبر عن الامام ثقة لم‌نقطع بعدم سهوه لكون المخبر به امرا خفيا .

اقول قوله قد مر تقريره يعني في الدليل السادس من تاسيس اصل حرمة العمل بما وراء العلم و ظهر منه ان المصنف لم‌يرتضه و قد ذكرنا تهافت دليله و مر الكلام فيه قوله و ان قلت ان الاخبار كلها او جلها الي آخر يعني ان قلت انها مقطوعة الصدور كالقرآن فالظن الحاصل منها ظن خاص كالظن الحاصل من القرآن فباب العلم بالمعني الاعم مفتوح و هذا تركيب بين قول المحدثين و قدماء الاصوليين و بين قول القائلين بالظن و الا القائلون بوجوب العمل بالعلم يقولون انها تفيد العلم القطعي الوجداني قوله قلنا ان الدليل علي ذلك ان كان ان تلك الاربعة الخ ، يعني ان قلت ان الجوامع الاربعة و هي الكافي و من لايحضره الفقيه و التهذيب و الاستبصار من الثلثة اي من محمد بن يعقوب و من محمد بن علي بن الحسين و من محمد بن الحسن بالتواتر و مقطوع انهم مصنفوها سيما بعد اتفاق اكثر النسخ في الالفاظ و العبارات فيعلم صحة صدورها منهم و هي من الاصول الاربعمائة المصنفة في عصر الصادق او الصادقين عليهم السلام المشهورة بين الامامية في زمن الائمة عليهم السلام و هم اي المصنفون ثقات و قد اخبروا ان الجوامع من تلك الاصول و الثقة اذا اخبر من امر جلي يوجب [ص 149] العلم قوله و اِخبار بكسر الهمزة عطف علي التتبع و المراد بالثقة كل واحد من المصنفين او كل واحد من العلماء الشاهدين علي ذلك قوله و اخبار تلك الاصول الي آخر يعني اتفقت الامامية في عصر الائمة علي العمل بتلك الاصول الاربعمائة و لو لم‌يكن صحيحة لردعهم المعصوم هذا دليل من ادلة المحدثين علي صحة تلك الكتب بالاجتهاد قوله ففيه الي آخر يعني ان تلك الاصول عدمت او خفيت و ليست اليوم بين الشيعة حتي نعلم مطابقة الاصول الثلثة معها و لم‌نجد الثقة المخبر بذلك الا الفقيه و اراد صاحب الفقيه و ذلك ايضا بالنسبة الي كتابه بل هو شهد علي ساير الكتب بخلاف ذلك حيث قال لم‌اقصد فيه قصد المصنفين قبلي في ايراد ما رووا يعني سواءا كان صحيحا ام لا قوله مع ان كون هذا الخبر يعني ان كون هذا الخبر المخصوص من اصل مجمع عليه ليس بامر جلي اذ تحصيل الاجماع امر خفي و انت قلت ان الثقة اذا اخبر عن امر جلي يوجب العلم قوله و اطلاع المعصوم الي آخره ليته لم‌يتفوه به فانه امر عظيم و جسارة جسيمة فانكر تقريره بالشك في علمه بهذه الاخبار الماثورة فمن القائل بالاخبار المتواترة معني التي منها ما روي عن ابن‌صدقة عن جعفر بن محمد عن آبائه عليهم السلام ان النبي صلي الله عليه و آله قال في كل خلف من امتي عدل من اهل بيتي ينفي عن هذا الدين تحريف الغالين و انتحال المبطلين و تاويل الجهال الخبر ، و قال ابوعبدالله عليه السلام لن‌تبقي الارض الا و فيها من يعرف الحق فاذا زاد الناس فيه قال قد زادوا و [ص 150] اذا نقصوا منه قال قد نقصوا و اذا جاؤا به صدقهم و لو لم‌يكن كذلك لم‌يعرف الحق من الباطل انتهي ، و قد ورد اخبار متواترة مطابقة للكتاب انهم شهداء علي اعمال العباد حتي ان معني ذلك مروي من طرق العامة كما رواه في المصابيح عن ابرهيم بن عبدالرحمن الغُدِّرٖي قال قال رسول الله صلي الله عليه و سلم يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين و انتحال المبطلين و تاويل الجاهلين انتهي ، فالذي لايطلع علي ما في ايدي العباد كيف ينفي عنه تحريف جميع الغالين و انتحال جميع المبطلين و تاويل جميع الجاهلين و قد فصلنا هذا المطلب في ساير كتبنا و لعلنا ذكرنا هنا ايضا في محله و قوله و اجماع الامامية الي آخر هذا محض تشكيك لا مستند له كيف يحتمل ذلك و كانت تلك الاصول مملوة من حرمة العمل بما وراء العلم و كان ذلك ديدن الشيعة و ما به امتيازهم من العامة بالجملة شكك انهم لعلهم كانوا يجوزون العمل بالظن الحاصل من خبر الواحد او كان بعضهم يعمل بها من هذه الجهة و بعضهم من جهة اخري و حصل لهم قراين علي صحة مضمونها مثلا و بهذه التشكيكات لم‌يبق للاسلام اثر قوله بل قطعنا الي آخر يقول علي فرض كون المخبر عن الامام ثقة و سماعه امر جلي واضح لم‌يقطع بعدم سهوه لكون المخبر به اي حقيقة المسألة امرا خفيا ليس بامر واضح كالسماء فوقنا و الارض تحتنا مثلا و سياتيك تفصيل امر الاخبار ان شاء الله .

قال و ان كان ان تاليف المشايخ الاربعة انما هو لفائدة هي هداية الناس [ص 151] كلهم كما يظهر من حملهم تعديلات علماء الرجال علي المعني الاعلي و اجماعات الشيخ علي مصطلح المشهور و انتفاع الكل لايكون الا بذكرهم الاخبار القطعية ليعمل بها كل احد حتي من لايعمل بالواحد ففيه ان القطعية عند المشايخ لايوجب القطع عند غيرهم مع احتمال كون غرضهم من التاليف انتفاع العاملين بالواحد مطلقا و غيره مع حصول العلم له فذكروا الآحاد و غيرها بل لايمكن قصدهم نفع الكل لما عرفت و القياس علي التعديل و نقل الاجماع مع الفارق لانهما لفظيان ينصرفان الي الفرد الظاهر .

اقول قوله و ان كان الي آخر يعني ان قلت ان المشايخ الثلثة الفوا هذه الاصول الاربعة لهداية الناس و ينبغي حمل غرضهم علي الغرض الكامل كما يحمل قول علماء الرجال ان فلانا عدل علي العدل الملكي لئلايلزم اغراء بعض الناظرين بالجهل و كذلك يحمل اجماعات الشيخ علي المشهور المعروف لئلايلزم التدليس كذلك يحمل غرضهم علي انهم ارادوا الهداية للكل فاوردوا احاديث قطعية الصدور لئلايبقي لاحد عذر فاجاب المصنف عن ذلك ان القطعية عند المشايخ لايوجب القطع عند غيرهم و لعل غرضهم انتفاع العاملين بالخبر الواحد و لايمكن قصدهم نفع الكل كما لم‌ينفع المجتهدين و لم‌يعتنوا بها و القياس علي التعديل و نقل الاجماع مع الفارق فان التعديل و الاجماع لفظيان و الهداية امر قلبي و الانصاف يقتضي ان يقال ان المردود و الراد كليهما تخمين و ظن علي غير سداد و مطالب غير مستندة الي برهان وثيق كما ياتيك ان شاء الله .

[ص 152] قال و ان كان ان المشايخ حكموا بصحة ما في مؤلفاتهم هذه و الصحيح عندهم هو المطابق للواقع لاصالة عدم النقل عن المعني اللغوي عندهم و الظاهر من حكمهم هو الحكم القطعي ففيه ان كون مرادهم ما ذكرت ظني و ان القطع عندهم لايوجب القطع لنا و ان كان ان الكافي عرض علي الامام عليه السلام و قال انه كاف للشيعة و سماه كافيا و هذا يكشف عن صحة جميع اخباره ففيه ان اصل العرض غير معلوم ثم التسمية غير معلومة و ان في تقريره ما في التقرير السابق هذا كله مضافا الي كثرة الاخبار في الاربعة و كثرة الوسائط و طول الزمان و وجود الاختلاف الكثير بينها و ان الكذابة كثيرا ما دسوا في اخبارهم مع احتمال السهو و النسيان في اصحاب الاصول و المشايخ سيما في المطالب العلمية فمتي علم او احتمل و لو وهما خطاء واحد في مجموع تلك الكتب الاربعة سرت الشبهة الي كل خبر فيها و خرج عن القطع فدعوي قطعية السند واهية فان قلت ان اخبار الاربعة قطعية الاعتبار بدليل خاص و هو شهادة المحمدين علي صحة ما فيها و كل شهادة حجة شرعية فباب العلم بالمعني الاعم منفتح قلنا كون ذلك شهادة لا اخبارا ممنوع و لا اقل من الشك فيه مع ان كون مرادهم من الصحة قطعية الصدور مظنون لا مقطوع و لعل مرادهم ما يعتمد عليه قطعيا ام ظنيا فشهادتهم علي قطعية تلك الاخبار غير قطعية لنا حتي نعمل بشهادتهم مع انه لا دليل علي حجية الشهادة في الاحكام الشرعية .

اقول هذه الكلمات منه ظاهرة الدلالة لاتحتاج الي شرح الا ان قوله و ان [ص 153] في تقريره ما في التقرير السابق خبط عظيم و جسارة جسيمة و يريد انه و ان عرض علي الامام لكن اطلاعه علي جميع اخبار كتابه غير مقطوع به فليس تقريره حجة و كان الصحيح ان يقول علي زعمه فلا تقرير لا ان يقول فكيف يكون تقريره هنا حجة لانه اذا اعترف بالتقرير لزم ان يعترف بالحجية و لايمكن ان يقرر المعصوم ما لم‌يطلع عليه و قد مر الاشارة الي خطائه .

قال فان قلت اخبار الآحاد حجة من باب الظن الخاص للادلة الدالة علي حجية خبر الواحد كما عليه الاكثر فيكون باب العلم بالمعني الاعم منفتحا فمن ادلتها ان بناء المسلمين في زماننا علي العمل بالآحاد التي تطمئن اليها ( بها خ‌ل ) النفس في اخذ فتاوي المجتهدين و لايقتصرون علي الشفاه و لا علي الكتاب و هذه الطريقة كانت مستمرة من زمن النبي صلي الله عليه و آله الي زماننا حتي ان اهل المدينة ماكان ديدنهم اخذ جميع احكامهم مشافهة عن النبي صلي الله عليه و آله بل الزوجة كانت تراجع زوجها و الولد اباه و الطفل معلمه و هكذا و من المعلوم عدم حصول القطع لهم في جميع تلك الآحاد و هكذا اهل البلاد في زمن الائمة بل و اهل بلدهم ايضا مع امكان الاخذ منهم عليهم السلام فسيرة المسلمين و اجماعهم علي ذلك من قديم الزمان الي زماننا تدل علي حجية الواحد اما لتقرير المعصوم او لكشف اجماعهم عن رضاه به و اذا ثبت الحجية للحاضرين ثبت لنا بادلة الاشتراك لان الداعي علي اختلاف حكمنا هنا مع الحاضرين ان كان اختلاف الزمان لاحتمال النسخ [ص 154] ففيه الاجماع علي عدم عروض النسخ في هذه المسألة مع ان النسخ بعد انقطاع الوحي لا وجه له او لاحتمال التقية ففيه ان النبي صلي الله عليه و آله لا تقية عنده مع ان هذا الاحتمال يرفع جهة التقرير لا الكشف او اختلاف الاشخاص فينفيه ادلة الاشتراك او احتمال ان تقريرهم اهل زمانهم لعله كان لاجل علمهم بمطابقة اخبار زمانهم للواقع و ان لم‌يعلم العاملين بذلك ففيه اولا انا نعلم وجود الكذب في زمنهم في الاخبار و ثانيا ان مجرد العلم بالمطابقة لايكفي في عدم المنع عن العمل بالخبر باعتقاد انه واحد يحتمل عند العاملين المطابقة و عدمها لانه اغراء بالجهل او كثرة الوسائط لنا لا لهم ففيه انها لاتصير فارقة بل هم كانوا يعملون بالواحد حتي مع كثرة الوسائط .

اقول العبارات واضحة لاتحتاج الي شرح و اراد هنا دفع بحث آخر من الاخباريين و حاصله انهم لو تمسكوا باجماع اهل عصر الرسول صلي الله عليه و آله علي العمل بخبر الواحد او تقريره لهم نجيب عنه بما ياتي قوله ان لم‌يعلم العاملين فان اخذ يعلم من باب الافعال فافراده مع كون المرجع جماعة لا معني له و ان رجع الي النبي فبعيد و يتغير الكلام عن السبك السابق و ان اخذ مجردا فلا معني للعاملين بالياء قوله ففيه اولا هذا دفع بحث من الاخباريين انهم يقولون لا داعي لاختلاف حكمنا مع الحاضرين و ان قيل انه يحتمل تقريرهم اهل زمانهم لاجل علم الائمة بمطابقة اخبار زمانهم مع الواقع قلنا انا نعلم وجود الكذب في زمنهم و وجه آخر ان مجرد علم الحجة بالمطابقة لايكفي في [ص 155] عدم المنع و لايوجب عدم المنع اذ لعل العامل يعمل بخبر الواحد المظنون المطابقة فعدم ردعه اغراء بالجهل قوله او كثرة الوسائط هو من تتمة كلام الاخباريين اي ان كان الداعي علي اختلاف حكمنا مع الحاضرين كثرة الوسائط لنا لا لهم ففيه انهم ايضا كانوا يعملون بالواحد مع كثرة الوسائط .

قال و منها ان نصب النبي صلي الله عليه و آله و الائمة عليهم السلام الولاة في البلاد لتبليغ الاحكام و السياسات يدل علي حجية اخبار الوالي لهم مع وحدتها للاستقراء و التقرير و لغوية النصب لولا حجية قوله لهم و نحوه ارسالهم الرسل الي الاطراف لتبليغ الاحكام بالتقريب المذكور و منها ان اصحاب الائمة دونوا كتبا كثيرة تبلغ ستة‌آلاف او اربعة‌آلاف و اهل عصرهم كانوا يعملون بجملة منها و الحال ان العلم غير حاصل غالبا لغالب هؤلاء فاجماع اهل ذلك العصر و تقرير الائمة عليهم السلام اياهم يدلان علي حجية الآحاد لهم و لم‌نجد مفصلا بين افراد الواحد و ادلة الاشتراك تعم الحكم بالنسبة الينا و منها اجماع علماء الامامية علي العمل باخبار الاربعة و ان كان عمل بعض لاجل كون جلها او كلها قطعية عندهم و آخر من باب الظن الخاص و آخر من باب الظن المطلق .

اقول هذا دليل آخر اراد ان يقيمه للقائلين بحجية اخبار الآحاد من باب الظن الخاص الذي زعم المصنف انسداد بابه فقال من ادلتهم نصب الحجج الولاة و هم آحاد كانوا يذهبون الي البلاد و يروون فبالاستقراء [ص 156] عرفنا حجية كل خبر واحد و بتقرير الحجج اهل تلك البلاد في عملهم و بانه لولا الحجية لكان نصب الولاة لغوا قوله و منها ان اصحاب الائمة الخ ، يعني به ان الاصحاب المستمعين دونوا ما سمعوا و كان الشيعة يعملون ببعضها و ليست تفيد علما لغالبهم فاجماع اهل العصر علي الاخذ بها و تقرير الائمة عليهم السلام اياهم يدلان علي حجية الآحاد و لم‌نجد مفصلا بين افراد الآحاد فبدليل عدم القائل بالفصل كلها حجة و ادلة اشتراكنا مع اولئك في التكاليف يجريها فينا ايضا قوله و منها اجماع الامامية الي آخر اي و من الادلة علي حجية اخبار الآحاد اجماع جميع علماء المذهب علي العمل باخبار الكتب الاربعة فالعمل بهذه الاخبار مجمع عليها و ان كان كل عمل بها لعلة .

قال و منها ان الكافي دون في الغيبة الصغري و هي زمان حضور الامام عليه السلام و تمكنه من الردع و كان هذا الكتاب مشتهرا ذلك اليوم بين الامامية لكونهم يومئذ طائفة قليلة و مؤلفة من المشاهير مع حكم العادة بعدم حصول العلم غالبا للعاملين به فتقريره اياهم كاشف عن الحجية و يتم في ساير الآحاد بالاجماع المركب و منها امر قطعي مركب من امور ظنية يحصل من مجموعها العلم و هي ذهاب المعظم الي ذلك حتي الشيخ بل الكليني و الصدوق ايضا لانهما ذكرا حديث الاخذ بالاعدل عند تعارض الخبرين في كتابهما و تدوين العلماء كتب الاخبار و الاجماع المنقول عن الشيخ و العلامة و غيرهم علي الحجية المقدم علي اجماع المرتضي بوجوه و الاخبار العلاجية و تدوين العلماء [ص 157] علم الرجال و ظاهر بناء العقلاء علي اعتبار الواحد في امور دينهم و دنياهم الا ما خرج و تحريص المعصوم اصحابه بتدوين الاخبار و عدم تدوين القائم كتابا للشيعة يغنيهم عن العمل بالآحاد مع علمه بالحال و منها آية النبأ و النفر و السؤال و الكتمان .

اقول عباراته ظاهرة لا غبرة عليها و ان استدل عن لسان القائلين بحجية اخبار الآحاد الا ان ادلتها ليست علي لحن الاخباريين القائلين بان العمل بها من باب حصول العلم منها و انما هي علي لحن القائلين بانها حجة من باب الظن الخاص فلانتعرض لجزئيات ما فيها مما لانرتضيه و نذرهم يتعارضون كيفما ما شاؤا .

قال قلنا اما الجواب عن الاول فهو ان محل الكلام حجية الآحاد علي فرض انفتاح باب العلم غالبا كزمن المرتضي رحمه الله علي زعمه حيث اجتمعت فيه الاخبار و جمعت الاصول بحيث كان الشخص متمكنا يتمكن غالبا من الاجماعات و المتواترات اللفظية و الآحاد القطعية للقراين الخارجية و اما اصحاب النبي صلي الله عليه و آله و الائمة عليهم السلام فكان باب العلم منسدا لهم في الاغلب لعدم تمكن المعصوم من قضاء حوايج جميع اهل زمانه رجالا و نساءا قريبا و نائيا مشافهة و بلا واسطة و عدم تمكن كل الناس من اخذ شتات مسائلهم عنه عليه السلام شفاها و لا بالاخبار القطعية غالبا كمقلدي زماننا بالنسبة الي فتاوي المجتهدين فلعل جواز العمل لاصحاب الائمة بالآحاد الظنية انما كان لسد باب العلم لهم غالبا بحسب النوع كما عرفت و اذا فرضنا الانفتاح [ص 158] الاغلبي كما فرضنا فلا اجماع حينئذ في حق اصحاب الائمة حتي يثبت لنا بادلة الاشتراك سلمنا وجود الاجماع في حقهم لكن الفارق بيننا و بينهم موجود لانا نعلم غالبا علما اجماليا بوجود المعارض و الاخبار الكاذبة دونهم و نحن ملتفتون الي ذلك دونهم و لو التفتوا الي ذلك لكان ذلك الالتفات منهم في غاية الندرة بخلافنا و هذا العلم الاجمالي اوجب الفحص علينا و لم‌يكن واجبا عليهم بل كانوا كمقلدي المجتهدين في زماننا و اوجب اختصاص العمل بالاخبار بالفقيه دون العامي في زماننا بخلاف زمانهم فلعله اوجب فرقا آخر و هو حجية الخبر لهم لا لنا فالموضوع مختلف فلايتم الدليل علي حجية الآحاد مع الفتح الاغلبي حتي صحيح القدماء و الصحيح الاعلي و الصحيح المشهوري فكيف بماعدا الصحيح سلمنا لكن القدر المعلوم من اجماعهم انما هو الخبر الصحيح الصادر من العدل الامامي الضابط الخالي عن المعارض المساوي و الاقوي و هو نادر سيما في ابواب المعاملات فباب العلم منسد غالبا و توهم ان الصحاح العامة كافية مدفوع بحصول العلم الاجمالي بتخصيصها بعد ملاحظة معارضاتها من الظنون المطلقة كالاستقراء و الشهرة و عدم الخلاف و الاجماع الظني و غيرها و مما ذكر تقدر علي استخراج اجوبة ساير ادلتهم و ان شئت البسط فراجع رسالتنا المفردة في حجية الظن فانها قد بلغت الغاية و تجاوزت النهاية .

اقول قوله قلنا جواب للشرط المقدم في اول الكلام حيث قال فان قلت ان اخبار الآحاد حجة من باب الظن الخاص الخ ، فاراد ان يذكر جوابا من [ص 159] الادلة السابقة التي اوردها للقائلين بحجية اخبار الآحاد شرعا و انفتاح باب العلم بالمعني الاعم فقال ان الجواب عن الاول و هو قولهم ان بناء المسلمين في زماننا الخ ، ان محل الكلام حجية الآحاد التي لاتفيد علما علي فرض انفتاح باب العلم بالمعني الاعم في اغلب المسائل و الا فعلي فرض انسداد باب العلم لا كلام في جواز العمل باخبار الآحاد الظنية الصدور فمحل الكلام في مثل زمن المتقدمين حيث ادعي بعضهم الاجماع علي عدم جواز العمل باخبار الآحاد فيه و بعضهم ادعي الاجماع علي جوازه و اما في مثل زمن النبي صلي الله عليه و آله فكان باب العلم منسدا غالبا علي اكثرهم و قول المصنف منسدا لهم فيه عجمة و ذكر وجوها لانسداد باب العلم عليهم ثم قال فلعل جواز العمل الخ ، ذلك خيال محض و حرمة العمل بالظن كان عندهم من ابده البديهيات و كان هو الفارق بينهم و بين العامة و كانوا يعيبون علي العامة بالعمل بالظن اولم‌يكف مائة آية في كتاب الله لوضوحها لديهم و الاخبار المتكررة المتواترة في اصولهم و لم‌يك في اذهانهم هذه الشكوك و الشبهات و اذا فرضنا الانفتاح الاغلبي في مثل ازمنة متقدمي العلماء فلا اجماع في حق اصحاب الائمة لما ظهر ان باب العلم كان مسدودا عليهم فاذ لم‌يثبت في حقهم فلايثبت لنا انفتاح باب العلم بالمعني الاعم بادلة الاشتراك قوله سلمنا وجود الاجماع الخ ، يعني علي فرض قيام الاجماع علي انهم كانوا يعملون باخبار الآحاد من باب انفتاح باب العلم بيننا و بينهم فارق و هو انا نعلم بوجود المعارضات و هم لم‌يكونوا يعلمون و [ص 160] هذا خرص و تخمين و جواب ظني و لولا علمهم بالمختلفات لماسألوا عن علاج المختلفات كما في اخبار متواترة و اخبار وجود الاحاديث الكاذبة في كتبنا كانت من ذلك اليوم و كانوا يسألون في مجلس واحد عن مسألة واحدة و يجابون باجوبة مختلفة و اختلافهم في الاحكام كانت معروفة حتي انهم سلام الله عليهم قالوا نحن اوقعنا الخلاف بينكم و ذلك ابقي لنا و لكم و حكاية التقية و اختلاف فتاويهم كانت معروفة و واضحة اوضح من الشمس في رابعة النهار قوله و هذا العلم الاجمالي الي آخر علي ما ذكر خطاء و هم و نحن سواء في استنباط الاحكام من الاخبار و لايجب عليكم و لا عليهم الفحص و انتم لا دليل لكم علي وجوب الفحص من كتاب و لا سنة و لا اجماع و لا دليل عقل قطعي و انما توجبونه بهذه الاستحسانات فان عثرتم علي خلاف فعليكم بالعلاج كما امروكم و الا فلايجب كالمتقدمين و قد مر الكلام في ذلك في هذا الكتاب و ذكرناه في ساير كتبنا مفصلا و قوله و اوجب اختصاص العمل بالاخبار الي آخر و هذا ايضا كلام لا حجة عليه و يجب علي الكل العمل بالسنة و بالاخبار لاحاديث لاتحصي و لايجوز تقليد احد و الذي نجوزه من الاخذ بقول الفقيه فهو اذا كان حديثا منقولا بالمعني فياخذه المقلد من غير فحص عن حديث آخر و اذا قال الفقيه حكما بظنه و من الادلة الظنية غير الكتاب و السنة فلايجوز الاخذ بقوله و لا كرامة و لا دليل عليه من كتاب و لا سنة بل الدليل علي خلافه دع الراي و القياس و ما قال قوم في دين الله ليس له برهان فجميع الرعية آخذون بقول امامهم [ص 161] و حديثه و العلماء نقلة حديثهم اما بلفظه او بمعناه و هذه الاحاديث الموجودة في الكتب ايضا منها منقولة بالفاظها و منها منقولة بمعانيها قوله فلعله اوجب فرقا آخر الي آخر يقول لعل هذه العلل صارت سبب ان الخبر كان حجة عليهم و يجب عليهم العمل بالخبر كما انه يجب علي المقلد العمل بخبر ماثور عن الفقيه و ليس الخبر من حيث انه خبر حجة علينا بل من حيث حصول الظن و انه احد اسباب الظن و لذا قال بعضهم نحن نعمل بالاخبار لا من حيث انها اخبار بل من حيث حصول الظن قوله فالموضوع مختلف يعني حالهم غير حالنا فلايجري الاجماع المذكور عليهم و علينا فليس اخبار الآحاد مع الفتح الاغلبي حجة من حيث انها اخبار آحاد حتي لو كانت صحيحة باصطلاح القدماء يعني قد عرفوا صحة صدورها عن المعصوم بالقراين و الصحيح الاعلي يعني ما كان رواته كلها عدولا اماميين و الصحيح المشهور ما كان مشهورا بين العلماء معمولا به و ان لم‌يكن سنده صحيحا فيقول ليس واحد من هذه الاقسام حجة علينا من حيث انها اخبار فانها و ان كانت صحيحة لسنا نؤمن عليها السهو و الخطا من الرواة و النساخ و في دلالتها فكيف بماعدا الصحيح قوله سلمنا الي آخر يعني علي فرض ان يكون الاجماع قائما علي حجية الخبر و حصول الظن المعتبر منه علي اصحاب الائمة عليهم السلام و علينا ليس ذلك كل خبر بل هو الصحيح بالمعني الاعلي و هو نادر سيما في ابواب المعاملات التي كان اعتناء الناس بضبط اخبارها قليلا بخلاف العبادات و [ص 162] لذلك يكون اخبار العبادات اضعاف اخبار المعاملات فباب العلم علينا منسد و ساير الاخبار لاتفيد علما و الصحاح العامة و المطلقة غير كافية للفروع غير المتناهية مع العلم الاجمالي بتخصيصها و تقييدها حتي قيل ما من عام الا و قد خص هذا و لها معارضات من ساير اسباب الظنون الاجتهادية التي يستعملها المجتهدون كالظن الحاصل من الاستقراء و الشهرة و عدم الخلاف و الاجماعات الظنية فاذا ثبت الانسداد الاغلبي ثبت لزوم العمل بالظن من باب الاحتياط في الدين كما ذهب اليه المصنف و سياتي ان شاء الله ما يكفيك و غرضنا عاجلا حل العبارات .

قال الثالثة بعد ما عرفت الانسداد الاغلبي في ابواب الفروع فهل اللازم حينئذ العمل بالظن من حيث انه ظن و لعله اجماعي علي فرض هذه الصغري ام اللازم حينئذ تحصيل العلم او العمل بالاحتياط او البراءة او التخيير بين الظن و الاحتياط او بين الظن و البراءة او بين البراءة و الاحتياط او التبعيض مكان التخييرات المذكورة او الرجوع الي الاصول العملية كالاستصحاب و اصل الاشتغال و اصل البراءة و الاحتياط و اصل الاباحة كل في مقامه او غير ذلك من الاحتمالات وجوه فنقول اما لزوم تحصيل العلم فيدفعه التكليف بما لايطاق و لو قيل ان المكلفين سدوا باب العلم علي انفسهم و صاروا سببا لغيبة الحجة فلا مانع من عقابهم علي عدم اتيانهم بالواجبات الواقعية لان الامتناع بالاختيار لاينافي الاختيار خطابا و عقابا او عقابا قلنا بعد تسليم ذلك في حق كل العباد انهم و ان صاروا سببا للامتناع لكنهم غير معتقدين بالسببية فتامل [ص 163] مع عدم حصول التفويت فعلا من المعدومين مع عدم صدور الخطاب بالنسبة اليهم في زمن تمكنهم فشرط الامتناع بالاختيار منتف من وجوه .

اقول قوله و لعله اجماعي علي فرض هذه الصغري فاولا هو فرض باطل كما مر و ياتي ان شاء الله و لعله اجماعي كلام احتمالي لايسمن و لايغني من جوع و اين الاجماع و كيف الاجماع و ما الاجماع و هذا الفرض فرض عدم حكمة الله و حكمة رسوله و عصمته و تقصير الحجج في ابلاغ الشرايع و اي حجية في هذا الاجماع و الامام لايدخل في هذا الفرض و قوله فنقول اما لزوم تحصيل العلم الي آخر فنفاه بانه تكليف بما لايطاق اذا سد الله باب امكان تحصيل العلم عليهم قوله و لو قيل الي آخر يعني اذا قيل ان الله لم‌يسد علي المكلفين باب العلم و هو لطف من الله واجب قد عمل به و لكن المكلفين قصروا في تحصيل العلم فسدوا علي انفسهم باب العلم فهم ممتنعون عنه باختيارهم و هم صاروا سبب غيبة الحجة الباعثة لانسداد باب العلم عليهم كما قيل وجود الحجة لطف و تصرفه لطف آخر و عدمه منا فالامتناع بالاختيار اختيار فلا مانع عن عقابهم بترك تحصيل العلم و العمل بالشرايع الواقعية فيجوز خطابهم و امرهم بتحصيل العلم و عقابهم علي تركه فاجاب المصنف عن ذلك بانا لو سلمنا ذلك لكن لنا ان نقول انهم و ان عملوا اعمالا بها استحقوا هذا العقاب لكنهم غير معتقدين انها سبب السد و انها مقدمة ترك الواجب فليس عليهم عقاب و هو محض جواب لا برهان عليه و لا حجة في مقابل قولهم و اري هذه الاجوبة بعينها [ص 164] كمشاتمة الناس بعضهم بعضا فهذا يشتم ابا ذاك و المشتوم ايضا يشتم ابا الشاتم سواءا كان صدقا او كذبا و مع ذلك قال فتامل علما منه بانه ليس بجواب و ان الظاهر انهم يعتقدون ان المعاصي سبب الحرمان عن كل خير و لو اجمالا بالجملة و ازداد المصنف ان المعدومين يوم الخطاب لم‌يصدر خطاب بالنسبة اليهم و لم‌يصدر منهم تفويت فلا عقاب عليهم فهم ممتنعون بالاضطرار لا بالاختيار و قد مضي منا ما يجيب عنه فراجع .

قال و اما الاقتصار علي المعلومات و الاخذ بالبراءة في ما عداه فمستلزم للخروج عن الدين و هدم الشريعة لمكان العلم الاجمالي كثيرا في كثير و مناف لادلة الاشتراك بل مخالف للاجماع بعد فرض هذه الصغري و ذكر بعض المحققين ذلك في هذا المقام انما هو للمناقشة لا الاعتقاد مع ان مخالفته لاتضر بالاجماع مضافا الي ان مقتضي البراءة التوقف عن الافتاء في المعاملات و المرافعات فيما لايمكن فيه الاحتياط فيلزم اختلال النظم و يتم الامر فيما عداها بالاجماع المركب و لايمكن قلبه لقوة ضميمته سلمنا ان لا دليل علي بطلان البراءة لكن لا دليل عليها ايضا فسلم اصل الاشتغال عن المعارض و لو قيل لو لم‌يجز مخالفة المعلوم بالاجمال و الحكم بالبراءة فلم حكم بعضهم بجواز ارتكاب الجميع في الشبهة المحصورة و حكم العلامة بجواز طرح الامرين فيما اجتمعت الامة فيه علي قولين بل العادة قاضية بخطاء المجتهد في بعض ظنونه في مجموع ابواب الفقه و مع ذلك يعمل بمظنوناته في كل ابواب الفقه سواءا العامل بالظن الخاص و المطلق قلنا كل ذلك علي فرض [ص 165] صحة المقيس عليه قياس مع الفارق و اما وجوب الاحتياط الكلي فيما عدا المعلومات فمستلزم للعسر و الحرج الشديد و موجب للتوقف عن الافتاء في المعاملات المستلزم لاختلال النظم مع انه في دوران الامر بين الوجوب و الحرمة كيف يمكن الاحتياط و ان حكمت بالتخيير في مثله ففيه ان ما يحصل من التخيير و هو الاخذ باحد الطرفين يحصل من العمل بالظن ايضا فكيف بعد الظن باحد الطرفين يحكم بالتخيير و لو قيل ان ادلة نفي العسر انما يعمل بها ما لم‌يرد دليل علي العسر و هنا قد ورد للآيات الناهية عن العمل بالظن قلنا ان انصرافها الي صورة العسر ممنوع مع ان آيات نفي العسر ارجح من آيات النهي فيما نحن فيه سلمنا تعارض الآيتين و تساقطهما و يبقي اجماعهم علي قاعدة نفي العسر ما لم‌يرد دليل علي خلافه سليما عن المعارض الا ان يعارض باصالة حرمة العمل بالظن فتامل و توهم النقض بما اذا انجر ظن المجتهد في جميع ابواب الفقه الي طبق الاحتياط فالعسر و الاختلال لازم علي العامل بالظن ايضا فواه جدا .

اقول يعني بعد ما عرفت ان باب العلم مسدود في اغلب ابواب الفقه هل اللازم الاقتصار علي المعلومات و هي القليلة النادرة فنتدين بما علمنا و اما في ما عداه و هو الاكثر الاغلب الاخذ باصل براءة الذمة فنعمل فيه كيف شئنا فذلك مستلزم للخروج عن الدين فلايكون في ايدينا حكم لاغلب المسائل اذ ربما لايحصل لنا العلم بواقع المسائل الا في مسألة من بين الف مسألة و نحن نعلم اجمالا ان لنا حكما في كثير من [ص 166] الامور و هذا الاختيار مناف لادلة ساقتنا الي القول باشتراكنا مع المعاصرين الاولين في الاحكام اذ كان لهم في ايديهم في كل شئ حكما خاصا و نحن مشتركون معهم و علي هذا الاختيار نحن برءاء بل هذا القول مخالف للاجماع لقيام الاجماع من الشيعة علي ان لنا في كل مسألة حكما اجمالا سواءا كان بالظن او العلم و مخالف لاجماع المجتهدين مع فرض انسداد باب العلم فانهم يقولون ان لنا في كل مسألة حكما ظنيا و ما ذكره بعض المحققين في هذا المقام هو لمحض المناقشة اي المجادلة بالتي هي اسوء و لم‌يكن يعتقد ذلك و علي فرض اعتقاده ايضا لايضر وجوده فانه معلوم النسب ثم استزاد المصنف فقال مقتضي البراءة التوقف عن الافتاء بين الناس بان يكلهم الي انفسهم فيما لايمكن فيه الاحتياط فيختل النظام فاذ لم‌يجز هنا تم في الباقي بالاجماع المركب و قد عرفت ان ادلتهم محض قول و الاجماع المركب لايكاد يحصل العلم به الا لعالم الغيب قوله و لايمكن قلبه اي قلب الاجماع المركب بابطال العمل بالظن في المعلومات بآيات و اخبار فهو جار في غير المعلومات بالاجماع المركب لقوة ضميمة ما اخترنا من الاخبار الدالة علي الاشتراك و من الاجماعات المنقولة المتواترة عليه و ذهاب المعظم اليه و اتفاق العقول علي ان المقتصر علي المعلوم خارج عن الدين و امثال ذلك فانها تدل علي ان الاقتصار باطل و الاحتياط في الكل متعذر فالعمل بالظن متعين قوله سلمنا ان لا دليل الي آخر يعني سلمنا ان لايكون المقتصر علي المعلوم و الاخذ في الباقي بالبراءة ليس بكافر لان العمل [ص 167] بالاركان ليس من شرائط الايمان و الاخذ به ليس بمنكر ضروري و لكن لا دليل علي وجوب الاخذ بالبراءة في الباقي فهي لا دليل علي وجودها و لا عدمها فاصل الاشتغال باق علي حاله فانه يعلم مجملا انه مشغول الذمة بامور و لايحصل له البراءة الا بالعمل بكل ما يظن انه مشغول الذمة به قوله قلنا كل ذلك الي آخر يعني و ان افتينا بما ذكرت من المسائل يكون القياس مع الفارق فان القائل بتلك المسائل اداه ظنه اليها و لا دليل يؤدينا علي العمل بالبراءة بل الدليل يؤدينا الي خلافها فان من علم بالمعلوم من الشرايع و هي شئ مجمل من كل مسألة ثم ترك الباقي يعده كل اهل الاسلام خارجا عن الاسلام كالصلوة مثلا فلو تركت مظنوناتها و عملت بما هو المعلوم يبقي اقامة الصلوة مثلا مجملة و انها اربع ركعات للظهر و اما التفاصيل فكلها مجهولة فاذا يصلي صلوة لايرتضيها احد من اهل الاسلام و هكذا الامر في كل الشرايع قوله و اما وجوب الاحتياط الي آخر يعني اذا احتاط في كل غير معلوم الحكم يجب عليه في كل مسألة ان ياتي بما يحتمل ان يكون واجبا عليه و هي لاتحصي فيلزم العسر و الحرج الشديد و في المعاملات يؤدي الي الاختلال العظيم مع انه مع دوران الامر بين الوجوب و الحرمة لايمكن الاحتياط و هذا القول من المصنف يجري علي مذهبه فانا ذكرنا انه لا احتياط عند التردد في الامارات الظنية المعتبرة عند المصنف و اضرابه و لا احتياط عند اختلاف الاقوال و الشكوك و الشبهات الحاصلة من العلوم التي لا دليل عليها من الكتاب و السنة و لا برهان علي اعتبار شئ [ص 168] من ذلك و انما الاحتياط في تعارض خبرين لاتعلم ايهما الحق و ذلك لايوجب عسرا و لا حرجا و قلما يتفق ذلك و لذا قال المصنف في الضوابط فان قلت لو كان العمل بالاحتياط موجبا لاختلال نظام العالم فكيف يعمل به بعض الاخباريين قلنا لما كان الاخبار عندهم مقطوعة الصدور كان موارد الاحتياط عندهم قليلا غاية القلة و في المواضع النادرة لايكون الاحتياط موجبا للاختلال فلو كان لنا باب العلم في معظم الاحكام مفتوحا كما كان لهم لقلنا بلزوم الاحتياط في المواضع انتهي ، و ان الله اذا شاء ان يظهر الحق يظهره علي يد من شاء و انه حجة علي المصنف فالحمد لله الذي لم‌يسد باب علمه عن وجه جميع عباده و قد قلنا ان جميع ما سوي كتاب الله و سنة نبيه صلي الله عليه و آله عندنا كعفطة عنز و وجودها و عدمها عندنا سواء فلا احتياط بين تلك الاسباب و اما الاخبار فالاحتياط فيها علي سبيل الاستحباب و التخيير موسع و الحمد لله و اسهل و اهنا و ايسر و العجب من المصنف حيث يقول في الضوابط ان الادلة الدالة علي حرمة العمل بالظن انما تدل علي حرمة العمل بالظن من حيث هو ظن و نحن لانعمل به من حيث هو بل من حيث الاحتياط انتهي ، و ذلك بحر ضل فيه السوابح ، و ذلك بمنزلة ان يقول قائل من العامة ان الادلة قامت علي حرمة مخالفة علي عليه السلام مثلا من حيث هو و اما نحن فنخالفه احتياطا علي الامة و حفظا لبيضة الاسلام قوله و ان حكمت بالتخيير الي آخر يعني ان بنيت علي التخيير بين الاحتياط و العمل بالظن ففيه ان في العمل بالظن عملا [ص 169] بالتخيير ايضا و اذا ظن احد الطرفين كيف يجوز العدول عنه الي غيره مع ان العقل كما يستقبح ترجيح المرجوح علي الراجح يستقبح تسويتهما و كيف بعد حصول الظن تعمل بالتخيير قوله و لو قيل ان ادلة نفي العسر الي آخر يعني ان قال قائل ان ادلة نفي العسر ليس علي اطلاقها و ان موردها ما لم‌يرد دليل علي اثباته و قد ورد في الشرع موارد حكم فيها بالعسر كالصلوة الي الجهات و هنا قد ورد آيات و اخبار علي حرمة العمل بالظن فالعمل بالاحتياط و ان كان عسرا متعين فاجاب المصنف انا نمنع انصراف تلك الآيات و الاخبار الي صورة يوجب فيها الاحتياط العسر و آيات نفي العسر و الحرج ارجح من آيات حرمة العمل بالظن قوله سلمنا تعارض الآيتين الي آخر و مفاده ان الآيتين من كتاب الله اذا تعارضتا سقطتا عن الحجية و ليستا بحجة علي الخلق فيكون هذا الجزء من الكتاب مما لا عبرة به و لا فائدة و ليس لها طاعة مفروضة فتساقطا و يبقي الاجماع و القاعدة بلا معارض و العمل بهما و لعمري ماادري اي عالم عالم هؤلاء هل في عالمهم امام ام لا و هل يجب الرجوع اليه ام لا لم لايقول اذا اشكل الامر و كان الكتاب غير محكم يجب الرجوع الي الحجج سلام الله عليهم فاذا راجعنا الحجج وجدناهم حرموا العمل بالظن اشد من لحم الكلب و الخنزير و الميتة و الدم و الخمر و الزني و اللواط و ورد الاخبار اضعاف التواتر و قام الاجماع الذي لا ريب فيه لنا علي ذلك فحرمة العمل بالظن مسلمة [ص 170] فهو خلاف الاحتياط و هو الاخذ بالمرجوح و هو التهلكة و هو الضرر فهذا متروك معرض عنه فيبقي الاحتياط بين الخبرين الذين لانعلم ايهما الحق و هو لايبلغ حد العسر كما اعترف و اي موضع بلغ العسر و الحرج نترك ذلك الموضع بعينه فان عدم العسر في الدين ايضا مما لا ريب فيه و عليه محكم الكتاب و آثار الحجج الاطياب بالجملة اراد المصنف ان يقول اذا كان نفي العسر سليما عن المعارض و الاحتياط فيه العسر فلا احتياط فالعمل بالظن متعين قوله و توهم النقض الي آخر يعني اذا قال قائل ان في العمل بالظن ليس فرار عن العسر الاحتياطي فانه اذا ذهب ظن المجتهد في جميع ابواب الفقه الي ما فيه الاحتياط فهو واقع في العسر بلا شك قلنا ذلك الاحتمال نادر جدا و هذا القول واه جدا لايعبؤ به و لما كان عزمنا علي ان نفصل المطلب بعد ان شاء الله لم‌نتعرض هنا الي ازيد من شرح كلامه هذا و اذا كان وجه كلام بعضهم الي بعض و نحن لم‌نرتض كلام الطرفين لم‌نحاكم بينهم و لايلزمنا صرف العمر في ما لا طائل تحته و نذرهم يتعارضون كيف ما شاؤا و اذا كنا نرتضي احد الطرفين فعلينا نصر المؤمنين .