اقول هذا بحث آخر و جواب آخر و كلاهما عن الحق بمعزل فانهما راي صرف كسابقيه و قول هذا ينقاد و هذا لاينقاد و هذا ينساق و هذا لاينساق فتقرير البحث ان الاحتياط الذي زعمتم لايمكن العمل به اما في المعاملات فان الامر دائر بين وجوب الافتاء و حرمته لانه ان كان العمل بالظن جايزا وجب الافتاء و ان كان غير جايز حرم الافتاء فلا احتياط مع الوقوف الذي يرجع الي عدم الافتاء و اما في العبادات فمع احتمال الوجوب لايكفي اصل العمل لاحتمال وجوب قصد الوجه او العلم به و هو غير ممكن فلا احتياط في هذا العمل لانه لم‌يحصل القطع بالبراءة و ان عمل بالظن في تعيين الوجه فهو اي العمل بالظن مردد بين الوجوب و الحرمة فلا احتياط فلايمكن الاحتياط في الفروع غالبا لفقد المقتضي و هو عدم امكانه ذاتا لا انه ممكن ذاتا و لكن المانع من الخارج او جاء دليل من الخارج فاجاب المصنف بان ما قلتم حق لكن خطر الافتاء اعظم لاحتمال مخالفة الواقع بخلاف الوقف فانه اوثق و احوط و اما اشتراط العلم بالوجه فغير محتمل عندنا في مقام الاحتياط او مطلقا لبناء العقلاء و اطلاق ادلة الاحتياط و علي فرض اشتراطه ترك العمل بالظن خلاف احتياط واحد و العمل به يوجب خلافين في محل يظن عدم الوجوب و يتركه العمل بالظن و ترك الفعل فترك العمل بالظن اقل [ص 106] ضررا و ايضا علي فرض وجوب العلم به هذا القدر من الوجوب بحكم الاحتياط كاف و كلها بحث و جدال في دين الله بالآراء و الظنون و هي جدال بغير التي هي احسن و التي هي احسن جدال بالكتاب و السنة اللذين جعلهما الله برهان الصدق لا هذه الخيالات و الليات و لما مر ذكر الاحتياط فلا علينا ان نذكر فيه ما يرضي الله و رسوله صلي الله عليه و آله اعلم ان الاحتياط في اللغة الاخذ بالحزم يقال احتاط الرجل علي افتعل اذا اخذ في الحزم و هو طلب الاخذ باوثق الوجوه و اما الاحوط فليس من الاحتياط لانه لايبني الافعل من غير الثلاثي و حاطه اي تعهده و صانه و حاط به اي استدار بجوانبه فالاحوط اي احفظ و لكن في السنة الفقهاء يستعمل في مقام يكون اشد حزما و اقرب الي النجاة و السلامة فعلي اي حال فاذا عرفت ذلك فاعلم انه قد روي في الاحتياط اخبار منها قول علي عليه السلام لكميل بن زياد اخوك دينك فاحتط لدينك بما شئت و قال ابوعبدالله عليه السلام في حديث النكاح هو الفرج و امر الفرج شديد و منه يكون الولد فنحن نحتاط فلايتزوجها و قال في حديث آخر ان النكاح احري و احري ان يحتاط فيه و هو فرج و منه يكون الولد و قال في حديث اياك ان تعمل برايك شيئا و خذ بالاحتياط في جميع امورك ما تجد اليه سبيلا و اهرب من الفتيي هربك من الاسد و لاتجعل رقبتك عتبة للناس و قال في حديث لك ان تنظر الحزم و تاخذ بالحايطة لدينك و كتب العبد الصالح عليه السلام في وقت المغرب لك ان تنتظر حتي تذهب الحمرة و تاخذ [ص 107] بالحائطة لدينك و في حديث الصيد اذا اصبتم بمثل هذا فعليكم بالاحتياط حتي تسألوا عنه فتعلموا و قال عليه السلام فيمن جهل التحريم ذلك بانه لايقدر علي الاحتياط معها و قال ابوجعفر عليه السلام في الحديثين الموافقين للعامة او المخالفين فخذ بما فيه الحائطة لدينك و اترك ما خالف الاحتياط فقيل انهما معا موافقان للاحتياط او مخالفان له فكيف اصنع فقال عليه السلام اذن فتخير احدهما فتاخذ به و تدع الآخر و في رواية اذن فارجه حتي تلقي امامك فتسأله و عن النبي صلي الله عليه و آله ان الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة و عنه صلي الله عليه و آله دع ما يريبك الي ما لايريبك فانك لن‌تجد فقد شئ تركته لله عز و جل و قال علي عليه السلام في كتاب له فانظر الي ما تقضمه من هذا المقضم فما اشتبه عليك علمه فالفظه و ما ايقنت بطيب وجوهه فنل منه ، هذا ما وجدت من نوع الاحتياط في الاخبار فاذا عرفت ذلك فاعلم ان الامور لاتخلو من ثلثة اما بين وجوبه او ندبه او كراهته او حرمته او اطلاقه فالاحتياط في الدين و الاخذ بالحزم ان تعتقد كما علمك الله و تعمل به كما عرفك الله و اما مشكوك و الشك اثر دليلين خارجيين و لا دليل في الدنيا الا كتاب الله و سنة نبيه فما لا دليل له في الخارج هو مجهول لا مشكوك لما ذكرنا و سنذكره من انه لا عبرة بشئ في الدنيا الا بالكتاب و السنة الا في الموضوعات التي امر الشارع باعتبار العلوم المتعارفة فيهما فما قام عليه دليلان من الله و رسوله فان لم‌يعرف المخرج فيهما علي ما اوقفونا عليه فهو مشتبه [ص 108] و هاهنا مقام الاحتياط فان كانا بحيث اذا عمل باحدهما حصل العمل بالآخر يقينا فهو اولي و هو ترك المريب الي ما ليس بمريب قطعا و هو الاخذ بالحزم و اعمال الدليلين و فيه البراءة اليقينية و هو مما لا شك فيه و ان لم‌يكن كذلك و كان مفاد احدهما التخيير و مفاد احدهما العزيمة فلا شك ان الاخذ بالعزيمة و هي احد شقي التخيير في العمل اولي و لا دليل من الكتاب و السنة علي نية الوجه فلا عبرة به و نية الامتثال كافية في جميع الاعمال بالنصوص التي لاتحصي و الاجماع الذي لا ريب فيه و لا عبرة بشبهات المشبهين و ان كان مفاد كل واحد عزيمة ضد الاخري فذلك شبهة لا مخرج منها و قول الاخباريين ان دفع المضرة اولي من جلب المنفعة كلام لا دليل عليه من الكتاب و السنة فهاهنا الاحتياط للدين في التوقف عن الفتوي و اما في العمل فاخبار السعة كافية شافية و الاحتياط في الاخذ بها فانه اخذ بما امروا به عند الحيرة كما ياتي ثم بعد العلم بالسعة و الخيرة ان بني العمل بما يظن انه انسب او اولي او اقوي او اشبه او اقرب او اصح او اوضح و امثال ذلك غير ناف ما يخالفه فلايضر ثم هل الاحتياط مع رجحانه نقلا و عقلا واجب ام لا فاعلم ان الواجب ما اوجبه الله و الراجح ما رجحه الله و لا عبرة بما يحكم به العقول ابدا ابدا فاذا راجعنا الاخبار وجدناها ظاهرة في الندب و مع العدول عن ظواهرها هي متعارضة مع اخبار آخر فمنها ما امر فيه بالاحتياط و منها ما امر فيه بالتخيير و ليس الاحتياط في تعارض الخبرين الا في خبر زرارة و هو من كتاب غوالي اللئالي و هو [ص 109] غير مصحح و ساير اخبار الاحتياط فمنها مطلقة و منها ظاهرة في الموضوعات و منها صريحة في الندب و اخبار التخيير في الكتب المصححة و مطلقة و لا ترجيح بينهما و الترجيح بالعقول غير معقول فلايمكن ايجاب الاحتياط مع ان الاحوط و الاوسع في التوقف عن اصل الحكم حذرا من القول بغير علم في دين الله و الاخذ بما وسع فيه من الامر و انه اسهل و اهنا و ارشد و اقرب الي التسليم و التيسير و اما في الموضوعات فاما ان تعلم حلها و حرمتها و ما هي عليه فهو و ان اشتبه الامر فلاتقتحم في الهلكة و اعدل الي غيرها مما ليس بمشتبه ان امكن و ان اضطررت الي تناوله فكل شئ حلال حتي تعلم انه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك و هذا الاجتناب ايضا مرغوب اليه مندوب لمكان كل شئ لك حلال حتي تعلم انه حرام بعينه فاذاً انت تراجع في دينك الكتاب و السنة فكل مسألة قام عليها دليل منهما تعمل به و ما قام عليه دليلان متعارضان فعليك الخيار و يستحب الاحتياط ما امكنك و يمتحن به المتقون و يعرفون به من غيرهم و سياتي تفصيل ادلة ما ذكرنا في ما سياتي ان شاء الله تعالي فترقب و اياك و ان تغتر بهذه الادلة التي زعموها عقلية و زينت علي الناس .

قال الثاني استصحاب الامر بالصلوة مثلا و لايمكن ذهاب الظن في كل مقامات الشك الي جانب الاحتياط و استصحاب بقاء التكاليف المعلومة بالاجمال في ابواب الفقه و سلاسل الشكوك المتقدمة و اما القدح في الاستصحاب بمنع جريانه اذ المستصحب ان كان الامر بالاقل فقد اتي به [ص 110] او بالاكثر فالتكليف به مشكوك من اول الامر او الامر النفس الامري فالقدر المعلوم منه مأتي به و لا دليل علي الزايد او بمنع اعتباره لان حجية الاستصحاب اما لاجل ظنية نفسه او ظنية مدركه و هو الاخبار و حيث نفيت بالاستصحاب اعتبار الظن فقد نفيت اعتبار الاستصحاب او بوجود المعارض له للاستصحابات السابقة فواه جدا .

اقول هذا هو الوجه الثاني عند المصنف من الوجوه الدالة علي حرمة العمل بالظن في دين الله فاراد ان يثبت حرمتها بالاستصحاب فقال لا شك ان الامر تعلق باقامة الصلوة مثلا و اشتغل ذمة المكلف باقامته علي حسب ارادة الامر و لا بد من البراءة القطعية و الظن ليس يلزم ذهابه دائما الي جانب الاحتياط قطعا و قهرا فاستصحاب تلك الاحكام باق الي ان يبرا ذمة المكلف عن ذلك الاشتغال قطعا و سلاسل الشكوك المتقدمة ايضا موجودة فلايحصل البراءة الا بالاحتياط و قوله و اما القدح الي آخر اشارة الي قول من يقول ان هذا الاستصحاب استصحاب سار هو ليس بحجة لان مفاد الامر الاول ان كان الاقل اي اقل الامور المشكوكة فقد اتي به و كونه الاكثر مشكوك فالشك في اصل المكلف به فلا استصحاب و ان كان مفاد الامر الاول الامر الواقعي النفس الامري فالمكلف قد اتي بالامر المقطوع به و الزايد مشكوك ان يكون مكلفا به في نفس الامر فلا استصحاب و كذلك حجية الاستصحاب اما بنفسه لانه يفيد الظن او من حيث المدرك و هو الاخبار و هي ايضا ظنية و انت تفيد بدليلك نفي حجية دليلك هذا و هذا الاستصحاب معارض بما قدمنا في الوجه الاول [ص 111] و اذا تعارضت تساقطت قال المصنف هذه الاعتراضات واه جدا و يقول غير المصنف جميع الدليل و الاعتراض واه و ليس هذه الاعتراضات باوهي من ادلتكم فان دين الله جل و عز لم‌يوضع علي هذه الآراء و علي قول هذا ينقاد و هذا لاينقاد و ان كان ما تقولون صوابا كان خطاءا و هذا الاصل العظيم يدور عليه رحي جميع الفقه و لاينبغي ان يثبت بهذه الادلة الواهية العقلية التي ليس يرضي الله بها و رسوله صلي الله عليه و آله و ان كان المدلول عليه حقا لا مرية فيه و العمر اعز من صرفه في اظهار بطلان الجزئيات التي ذكرها بعد ما عرف من الشرع ان نوعه ممنوع عنه و نحن نقدر ان نحبر الكتب بذكر الاقوال و ما ذكروه من الادلة و الاعتراضات و نزينها كحانوت السماسرة و لكن دوننا حاجز من نهي الله و ضنة علي صرف العمر فيما لا طائل تحته .

قال الثالث قاعدة المقدمية المقتضية لوجوب الاتيان بما يحتمل كونه مقدمة للواجب بمعني ترتب العقاب علي ترك ذي المقدمة عند ترك المقدمات القطعية او الاحتمالية كما مر في مقدمة الواجب دليله و هو بناء العقلاء و لو قيل ان هذه الادلة الثلثة انما تتم فيما علم بالتكليف اجمالا في خصوص الواقعة او بين الوقايع المشتبهة لا في السد الجزئي مع فقد العلم الاجمالي قلنا ان كل من حرم العمل بالظن في المعلوم بالاجمال حرمه هنا ايضا فالاجماع المركب من جهة الجنس و هو الحرمة موجود نعم الاجماع المركب من جهة الفصل اي العمل بالاحتياط لا البراءة بعد الحكم بالحرمة كما اقتضته الادلة المذكورة عند العلم الاجمالي [ص 112] غير موجود .

اقول هذا وجه آخر من الوجوه و اراد اثباته بقاعدة وجوب مقدمة الواجب و تحريره ان مقتضي القاعدة المذكورة ان المكلَف بامر يجب عليه ان ياتي بما يتوقف فعل المكلف به عليه فلو ترك ما يتوقف عليه اثم بترك ذي المقدمة حكما اقلا فان ترك ذا المقدمة ايضا اثم بتركه حقيقة و الا فقد اثم بالترك الحكمي اقلا و ذلك الاثم عند المصنف ثابت بترك المقدمات القطعية و الاحتمالية لان بناء العقلاء علي ذلك و تقليد العقلاء من العوام و غيرهم من ادلة القوم و لا دليل علي ذلك من كتاب و لا سنة و من نصبهم ائمة للدين و لتعيين مراضي الله و مساخطه هذا و لايعلم باتفاق جميعهم مع اختلاف عقولهم الا العالم بالغيب الذي خلقهم و علي ما يقول المنكرون لهذه القاعدة ليسوا من العقلاء و هف فالعمل بالظن مما يحتمل افضاؤه الي ترك ذي المقدمة في مقام تحصيل الاحكام الواقعية فانه ربما يترك بسبب الاقتصار علي الظن بعض المقدمات او ما يحتمل كونه مقدمة فلايصل الي الحكم الواقعي فاذا فيه اي في الاقتصار بالظن عقاب و قد استوفينا الكلام في هذا المبحث سابقا فان شئت فراجع ثم قال و لو قيل ان هذه الادلة الثلثة اي دليل اصل الاشتغال و دليل الاستصحاب و دليل المقدمة انما تتم فيما علم بالتكليف اجمالا في خصوص الواقعة او بين الوقايع المشتبهة كما في الشبهة المحصورة لان يثبت الاشتغال اوّلاً حتي يسعي في البراءة او يستصحب او يكون له مقدمة و اما اذا فقد العلم الاجمالي الخاص و سد باب العلم [ص 113] به بخصوصه فلم‌يثبت التكليف من الاول قلنا ان كل من حرم العمل بالظن في المعلوم بالاجمال حرم هنا ايضا فيثبت هنا ايضا بالاجماع المركب و قوله فالاجماع المركب من جهة الجنس الي آخر يعني به ان حرمة العمل بالظن في المعلوم و غير المعلوم من حيث الحرمة يجتمعان جنسا و يختلفان في الفصل ففي المعلوم العمل بالاحتياط و في غير المعلوم العمل بالبراءة الاصلية فالاجماع المركب علي الجنس محقق فكل من قال بالحرمة هناك قال هنا و ان كان من يعمل بالاحتياط هناك لايعمل بالاحتياط هنا ففي فصلهما ليس اجماع مركب و قد عرفت حال هذه الاجماعات الخيالية فلا حاجة الي التكرار و البحث و الرد كلاهما خاليان عن الاعتبار لما عرفناك في هذا الشرح في كل باب من الآثار و كفاك استبدادهم بالخيالات لا اخبار العترة الاطهار .

قال الرابع ما مر من لزوم دفع الضرر المحتمل و لايندفع الا بالاحتياط كما مر و لو قيل ان القائل بوجوب العمل بالظن يحرم الاحتياط و الحكم علي مقتضاه فاحتمال الضرر معارض بمثله قلنا الامر في المسألة الاصولية و هي وجوب العمل بالظن و حرمته و ان كان دائرا بين المحذورين و الضررين الا انه في المسألة الفرعية و مقام العمل يمكن الاحتياط كترك محتمل التحريم ففي العمل بالظن احتمال مخالفة الواقع من جهتين بخلاف الاحتياط .

اقول يظهر من كلمة ما مر ان المصنف قدم عند تحريره اصل دفع الضرر و اشار هنا اليه ثم اخره بعد ذلك و غفل عن تغيير هذه اللفظة [ص 114] و لا بأس به بالجملة لا بد من الاشارة هنا الي دفع الضرر حتي يتبين المراد اعلم ان الضرر نقصان في البدن او الحال او المال و هو ضد النفع و هو في نفسه اجمالا منفي من هذا الدين لقول ابي‌عبدالله عليه السلام لا ضرر و لا ضرار ، و الله الغني اجل من ان يضر بعبده و الله الرؤف الرحيم اكرم من ان يحلل اضرار البعض بالبعض اذ فيه الفساد في الخلق و الله لايحب الفساد و الفساد محرم كما روي الا ان درك الضرر امر صعب فلا كل ناقص العقل يدرك الضرر و النفع الاتري انك تمنع الصغير ماله و هو يحسبه ضررا و تقطع رجله التي بها شقاقلوص و يحسبه ضررا و الله ياخذ من الناس اولادهم و يتلف اموالهم و يمرضهم في ابدانهم و يحسبونه ضررا و كذلك كم من شئ يحسبونه نفعا و هو ضرر بل ربما هو ضرر عظيم فلربما يوجع له بطنه و يشرب الخمر و يسكن وجعه فيحسبه نفعا و لعله ضرر كما يقول بحرمته من يقول فادراك الضرر و النفع حظ الكاملين لا حظ من له عقل ظاهر و بحسب العقول الظاهرة اغلب ما فرض في الشرع ضرر و لذا يتركونه الناس طمعا في المنافع الظاهرة التي يحسبونها و يتنفرون منها فاذا كل ما امر الله به و ندب اليه من امر الدين و الدنيا و الآخرة فيه النفع و ان لم‌ندرك نفعه و كل ما نهي الله عنه و كرهه من امر الدين و الدنيا و الآخرة فيه الضرر و ان لم‌ندرك ضرره ثم اذا حصل اتفاق العقلاء الذين فيهم المعصوم علي امر انه فيه الضرر فهو ضار و ان اختلفوا فهو مشتبه اذا عرفت ذلك مجملا فاعلم ان دفع الضرر بعدم [ص 115] ارتكاب ما فيه الضرر مجملا مما لا شك فيه شرعا و عرفا و لايمكن التوقي عن الضرر الا بالتباعد منه ان كان الشخص ضعيفا او الايواء الي ركن شديد و تقوٍ به او افناء الضار و اعدامه بالجملة الاقتحام في الامور بالظن يحتمل الضرر بلا شك فان الظن ما يحتمل فيه الخلاف و الاقتحام في الخلاف ضرر البتة فبحكم هذا الاصل يجب الاجتناب عن الظن و اذ لا وصول الي العلم بالنفع بخصوصه فيجب التحري و الاحتياط حتي لايقع في الضرر القطعي و يقع في النفع القطعي و لو قيل الذي يوجب العمل بالظن و يقول بكراهة الشئ مثلا بظنه يحرم العمل به وجوبا و انت تحتاط و تستعمله فاحتياطك حرام عنده و الحرام ضرر فانت ايضا باحتياطك مقتحم في الضرر قال المصنف في الجواب عن ذلك ان وجوب العمل بالظن و حرمته داير بين ضررين ضرر الافتاء و ضرر العمل و اما في احتياطنا يمكن ترك محتمل التحريم فالاحتياط اولي و اني اعوذ بالله من الاستبداد بالعقول و ترك الرجوع الي آل الرسول صلي الله عليهم و و حقك اري الساير في هذا العلم كساير في بلد ليس فيه ذكر من الله و من رسوله صلي الله عليه و آله فلا اذان و لا صلوة و لا صيام و لا ذكر من الله بوجه من الوجوه و اهله مستبدون بعقولهم يختارون ما يشاؤن و يتركون ما يريدون و الحمد لله الذي اسكننا في بلاد الاسلام نسمع الاذان و نحضر المساجد و نصلي في جماعة المسلمين و نسمع المواعظ و احكام الدين و نتذكر و لانكون من الغافلين و الحمد لله رب العالمين .

[ص 116] قال الخامس اصالة البراءة عن وجوب الفحص اذا علم عند عروض المسألة بانه لايتمكن من العلم بل يتمكن من الظن و يتم في ما عداه كما لو كان ظانا من اول الامر بالاجماع المركب الا ان يرد ذلك بان وجوب الفحص مقدمي تبعي لايجري فيه اصل البراءة .

اقول هذا دليل آخر من ادلته علي حرمة العمل بالظن و تحريره اذا عرض مسألة و علم انه لايتمكن من العلم و الظن بها فمقتضي اصل البراءة عدم وجوب الفحص فكذلك اذا علم انه يتمكن من الظن للاجماع المركب الا ان يرد ذلك راد بان اصل البراءة يجري في الواجبات النفسية لا المقدمية التبعية فيجب الفحص من باب مقدمة العلم بالتكليف فاذا فحص وقع علي الظن تالله ان هذه الادلة الواهية تكسل صاحب السجية المستقيمة و لكني ابتليت و لا بد من رسمها .

قال السادس انه لا ريب في اتحاد الاحكام الواقعية و تبعيتها للصفات الكامنة و لا في ان جعل تلك الاحكام من الشارع انما هو لاعلام العباد حتي يعثروا علي تلك المصالح و المفاسد كما هو مقتضي اللطف الواجب و لا في ان مقتضي اللطف الواجب نصب دليل علمي علي تلك الاحكام المنبئة عن المصالح الواقعية اجمالا فان الظن يخطئ و يصيب فيوجب تحريم الحلال و عكسه و يوجب لغوية جعل الاحكام بمقتضي المصالح الواقعية و خلاف اللطف بالنسبة الي العباد لارتكابهم حينئذ الحرام الواقعي المهلك بمقتضي الصفة الكامنة فيه فلا بد من كون باب العلم القطعي مفتوحا لكل احد و فيه ان المراد ان كان مجرد نصب الدليل [ص 117] القطعي للعباد و ان لم‌يصب الواقع لزم ما لزم في الظن او القطعي المطابق للواقع فان لم‌يكن ذلك لازما عليه تعالي فلا كلام او لازما عليه و لم‌ينصب او نصب لكن كان اختلاف العلماء عن تقصير منهم فهو كما تري او عن قصور فلم‌ينصب فبطلان الدليل محسوس بوجداننا الانسداد سلمنا لكنه ماذا يقول في الظنون الاتفاقية كالحاصل من المتواترات اللفظية و في الموضوعات الصرفة المبنية علي الظن او السبب كيد المسلم و اصالة الطهارة مع ان محل كلامنا في تاسيس الاصل صورة الشك في حجية الظن و هذا الدليل لو تم لاثبت الانفتاح المطلق و معه لا شك في حرمة العمل بالظن و لا نزاع .

اقول هذا دليل آخر من ادلة المصنف علي حرمة العمل بالظن و تحريره ان الاحكام الواقعية واحدة و هي عند القوم ما صدر عن النبي صلي الله عليه و آله و هو خطاء كما حققناه في محله و في ساير كتبنا بل الاحكام الصادرة عن الحجج سلام الله عليهم احكام بحسب مقتضي اعراض هذا العالم و لذلك كانوا يجيبون باجوبة مختلفة في مسألة واحدة و النبي صلي الله عليه و آله و ان لم‌يفعل ذلك لكونه مبدءا الا انه كان يحكم بالشئ ازمانا ثم يعدل عنه الي غيره فاحكامه علي حسب اقتضاء هذا العالم عالم الاعراض و هي تختلف و تتعدد و الاحكام الواقعية المتحدة هي احكام العالم الخالي عن الاعراض و هو غير هذا العالم و من يوم قتل قابيل هابيل انسد باب تلك الاحكام و تغيرت البلاد و من عليها و احكامها و ما يقتضيها و جرت الشرايع لهذا العالم فكانت [ص 118] علي حسب اقتضاء هذا العالم فالاحكام الواقعية اي الصادرة عن الحجج ليست واحدة و لايجب ان تكون تابعة للصفات الكامنة و لعلها بمقتضي الصفات الظاهرة و لكنها كلمة تعلموها و لم‌يعلموا موضعها و علل الاحكام لايجب ان تكون كامنة بل هي صفات الاشياء مطلقا من حيث الاقتران بالمكلفين و قال لا ريب في ان جعل تلك الاحكام لاعلام العباد و هو كلام ناقص ككلام من ليس من اهل علم فان علم العباد ليس غاية وضع الشرايع و انما خلق الله خلقا لاجل المعرفة و لايحصل المعرفة الكاملة الا بالعبادة و لايتمكنون من العبادة الا ان يعملوا بما يؤدي الي حصول تلك الغاية و فيه صلاحهم و يجتنبوا عما يمنع من حصول تلك الغاية و فيه فسادهم و لايتمكنون من العمل الا بالعلم و لايتمكنون من العلم الا ان يعلمهم العالم بالصلاح و الفساد و ليس للشرايع وضع خاص و انما هي بيان ما فيه الصلاح في الخارج و بيان ما فيه الفساد في الخارج و لو اني قلت لك لاتلق نفسك من الجبل فينكسر عظامك و اشرب الماء لترتوي ليس اني جعلت احكاما و انما بينت لك اقتضاء الوقوع من الجبل و شرب الماء و كذلك لم‌يضع الشارع شريعة علي غير هذا النحو بالجملة علي قول المصنف لا ريب في جعل الاحكام للاعلام كما هو مقتضي اللطف الواجب و لا شك في ان مقتضي اللطف الواجب نصب دليل علمي فان الظن يخطئ و يصيب فيصير جعل الاحكام لغوا و يحصل خلاف اللطف بالعباد فانهم بجهلهم يرتكبون الحرام فيهلكون فلا بد من كون باب العلم بالاحكام الواقعية مفتوحة لكل احد و نحن قد [ص 119] ذكرنا ان العلم امر قهري لايدفع اذا حل و لايجلب اذا امتنع و لايحتاج الي دليل انه يحصل العلم بالجملة قد استدل المصنف هنا باللطف و الاستدلال به شايع بين المتكلمين و مرادهم باللطف ما يقرب العبد الي الطاعة و يبعده عن المعصية بحيث لايؤدي الي الالجاء و طايفة منهم قالوا هو واجب علي الله و استدلوا بذلك علي امور فاوجبوا به عليه اشياءا و حرموا به عليه اشياءا و نحن قد حققنا في ساير كتبنا ان الله عز و جل لايجب عليه شئ و لايلتزم بشئ و لايحد بحد و الايجاب عليه شيئا خطاء محض و يفعل الله ما يشاء بقدرته و يحكم ما يريد بعزته لايسأل عما يفعل و هم يسألون و اما ما يقرب العبد من الطاعة و يبعده عن المعصية ما هو فهو ايضا مجهول علي العباد عسي ان تكرهوا شيئا و هو خير لكم و عسي ان تحبوا شيئا و هو شر لكم و ربما يكون شئ صلاحا من وجه و فسادا من وجوه اخر مجهولة و كذا العكس و لايعلم جميع جهات الاشياء الا المحيط بالاشياء فليس للمخلوق الجاهل ان يقول هذا من اللطف و يجب علي الله ان يفعل و هذا الكلام بهذا الوجه سخيف جدا نعم الذي يامر عبده بشئ يجب في الحكمة ان يمكنه من فعله و الذي ينهي عن شئ يجب في الحكمة ان يمكنه من تركه و الا لايقدر علي الامتثال فيكون الامر و النهي لغوا و اما كيفية التمكين و اسبابه و وجوهه فنحن لانعلم ذلك و لربما علمنا شيئا و غاب عنا اشياء و كم من شئ نحسبه حسنا و لازما و اولي و اكمل و نري ان الله لم‌يفعل و هو لايفعل الا الاصلح و كم من شئ نحسبه قبيحا او ظلما [ص 120] او خلاف اولي و نري ان الله فعله و لايفعل الا الاصلح و الاولي و الاحسن و انما ذلك لاجل ان انظارنا قاصرة و لانعرف حقايق الاشياء و جهاتها و مباديها و غاياتها و ان الله يعلم و انتم لاتعلمون فالاستدلال باللطف علي حسب عقولنا المختلفة الضعيفة خطاء لا عبرة به كما تري ان مفاد دليله صار وجوب انفتاح باب العلم القطعي بالاحكام الواقعية لكل احد و ليس كذلك بداهة و وجدانا من كل نفس اقلا قوله و فيه ان المراد الي آخر يعني مجرد نصب الدليل و ان لم‌يصب الدليل يخطئ و يصيب كما مر في الظن و ان كان مصيبا فنقول هذا لازم علي الله ام لا فان كان غير لازم فالدليل ناقص و ان كان لازما و لم‌ينصب فيكون تاركا للاولي و ان نصب فلم اختلف العلماء فان كان الاختلاف من تقصيرهم فقد اثبتت التقصير في كلهم و ذلك قدحهم و لايليق بشانهم و ان كان الاختلاف من قصورهم فلم‌ينصب و نحن نجد بوجداننا انسداد باب العلم في كثير من المسائل و لاسيما في الظنون الاتفاقية الحجية كالحاصل من المتواترات اللفظية و الموضوعات الصرفة المبنية علي الظن كتعيين الخل و الملح و الماء و التراب و امثالها مثلا او السبب كيد المسلم و اصالة الطهارة و امثالها مع ان كلامنا في صورة الشك في حجية الظن و هذا الدليل لو صح اثبت الانفتاح المطلق و في هذه الصورة لا نزاع في حرمة العمل بالظن .

قال السابع اجماع الخاصة علي عدم جواز العمل بالظن ما لم‌يرد عليه دليل و لذا لم‌نر احدا يقول بحجية الظن تمسكا بعدم الدليل علي حرمته [ص 121] و لعل مراد المرتضي ايضا من الاجماع علي حرمة العمل بالواحد هو اندراجه تحت هذا الاصل المجمع عليه لعدم عثوره علي الدليل الوارد لا من اجل عثوره علي حرمة العمل به الثامن و التاسع الآيات و النصوص القطعية .

اقول هذه الفقرات حق لا شك فيه و لا ريب يعتريه و ينبغي ان يكتب بالنور علي صفحات جباه الحور و لكنه طوي هذا البساط بعد بسطه و لفه بعد نشره فكأنما لم‌يذكر و لم‌يسطر و لكنا نعتني به و نشيده و لانهدمه و نعمل به ان شاء الله و لما كان ما ذكره من الادلة غير هذه الثلثة في غاية الوهن فلا بد و ان نشرح ذلك بقدر سعة الوقت و ان كنا شرحنا ذلك في ساير كتبنا كعلم اليقين و الحجة القاطعة و القواعد و السوانح و غيرها مفصلا مستوفي و لكن نذكر هنا ايضا ما تيسر اتماما للحجة و ايضاحا للمحجة و لا حول و لا قوة الا بالله و يستدعي شرح ذلك عنونة اربعة مقاصد :

المقصد الاول في ذكر بعض الآيات الدالة علي المراد الآمرة بالعلم او الناهية عن الظن قال الله عز و جل قل اتخذتم عند الله عهدا ام تقولون علي الله ما لاتعلمون و قال و ان منهم لفريقا يلوون السنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب و ما هو من الكتاب و يقولون علي الله الكذب و هم يعلمون و قال ها انتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم و قال و لكن الذين كفروا يفترون علي الله الكذب و اكثرهم لايعقلون و قال تعالي قد خسر الذين قتلوا اولادهم سفها بغير [ص 122] علم و حرموا ما رزقهم الله افتراءا علي الله قد ضلوا و ماكانوا مهتدين و قال و اذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءَنا و الله امرنا بها قل ان الله لايامر بالفحشاء اتقولون علي الله ما لاتعلمون و قال انما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها و ما بطن و الاثم و البغي بغير الحق و ان تشركوا بالله ما لم‌ينزل به سلطانا و ان تقولوا علي الله ما لاتعلمون و قال الم‌يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ان لايقولوا علي الله الا الحق و قال و ان كثيرا ليضلون باهوائهم بغير علم و قال قد خسر الذين قتلوا اولادهم سفها بغير علم و قال ثمانية ازواج من الضأن اثنين و من المعز اثنين قل ءالذكرين حرم ام الانثيين ام ما اشتملت عليه ارحام الانثيين نبئوني بعلم ان كنتم صادقين و قال و من الابل اثنين و من البقر اثنين قل ءالذكرين حرم ام الانثيين ام ما اشتملت عليه ارحام الانثيين ام كنتم شهداء اذ وصاكم الله بهذا فمن اظلم ممن افتري علي الله كذبا ليضل الناس بغير علم ان الله لايهدي القوم الظالمين و قال سيقول الذين اشركوا لو شاء الله مااشركنا و لا آباؤنا و لاحرمنا من شئ كذلك كذب الذين من قبلهم حتي ذاقوا باسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ان تتبعون الا الظن و ان انتم الا تخرصون و قال الاعراب اشد كفرا و نفاقا و اجدر ان لايعلموا حدود ما انزل الله و قال تعالي اتقولون علي الله ما لاتعلمون قل ان الذين يفترون علي الله الكذب لايفلحون و قال ليحملوا اوزارهم كاملة يوم القيمة و من اوزار الذين يضلونهم بغير علم و قال فاسألوا اهل الذكر ان كنتم لاتعلمون و [ص 123] قال و لاتقف ما ليس لك به علم ان السمع و البصر و الفؤاد كل اولئك كان عنه مسؤلا و قال فاسألوا اهل الذكر ان كنتم لاتعلمون بالبينات و الزبر و قال و تقولون بافواهكم ما ليس لكم به علم و تحسبونه هينا و هو عند الله عظيم و قال بل اتبع الذين ظلموا اهواءهم بغير علم فمن يهدي من اضل الله و قال و كذلك يطبع الله علي قلوب الذين لايعلمون و قال و من الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم و قال قل هل يستوي الذين يعلمون و الذين لايعلمون انما يتذكر اولوا الالباب و قال و ماتفرقوا الا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم و قال و آتيناهم بينات من الامر فمااختلفوا الا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم و قال و لاتتبع اهواء الذين لايعلمون و قال ايتوني بكتاب من قبل هذا او اثارة من علم ان كنتم صادقين و قال و ما لهم به من علم ان يتبعون الا الظن و ان الظن لايغني من الحق شيئا و قال يا ايها الناس كلوا مما في الارض حلالا طيبا و لاتتبعوا خطوات الشيطان انه لكم عدو مبين انما يامركم بالسوء و الفحشاء و ان تقولوا علي الله ما لاتعلمون و قال و ان كثيرا ليضلون باهوائهم بغير علم ان ربك هو اعلم بالمهتدين و قال ثم جعلناك علي شريعة من الامر فاتبعها و لاتتبع اهواء الذين لايعلمون انهم لن‌يغنوا عنك من الله شيئا و قال ان يتبعون الا الظن و ما تهوي الانفس و لقد جاءهم من ربهم الهدي الي غير ذلك من الآيات المحكمات الباهرات و لو تدبر متدبر و خاف قوله سبحانه و اذا قيل لهم اتبعوا ما انزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا [ص 124] اولو كان الشيطان يدعوهم الي عذاب السعير و قوله و اذا قيل لهم تعالوا الي ما انزل الله و الي الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا اولو كان آباؤهم لايعلمون شيئا و لايهتدون و قوله الم‌تر الي الذين اوتوا نصيبا من الكتاب يدعون الي كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولي فريق منهم و هم معرضون و لم‌يرتكب التاويل و لم‌يستعمل التشكيك و لم‌يخض في الشبهات عرف بلا غبار ان العمل بغير علم محرم و هو من خطوات الشيطان و تاويل العلم بما هو اعم من الظن جسارة علي الله و علي كتابه و تفسير بالراي المنهي عنه من غير سند و في لغة العرب العلم هو اليقين و المعرفة و الظن خلاف اليقين و في العرف العلم ما لايحتمل الخلاف و الظن ما يحتمل الخلاف و ساتلوا عليك الاخبار ان شاء الله حتي تعلم ان في الشرع ايضا الظن عديل الشك و خلاف العلم و قد قال الله سبحانه هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ان تتبعون الا الظن فالقول بان العلم اعم من الظن تفسير بالراي و قول علي خلاف اللغة و العرف و الكتاب و السنة و كذلك تخصيص الآيات باصول العقايد تخصيص و تقييد للكتاب بالراي و هو منهي عنه و من فسر الكتاب برايه فليتبوأ مقعده من النار و كثير منها صريح في المسائل الفرعية و كثير منها مطلقة غاية الامر ان الظن في العقايد ايضا فرد من افراد الظن المنهي و خص بالذكر في بعض الآيات فلايصير سبب تخصيص العمومات و تقييد المطلقات و تاويل الآيات المخصوصة بالفروع و هذه الآيات التي ذكرناها محكمة لصراحة دلالتها و قيام الاجماع علي ان ظاهرها ما ذكرنا و [ص 125] بعضها نص و شهادة اخبار متجاوزة حد التواتر بصحة ظواهرها فهي محكمة و العدول عنها امر عظيم و لو اردنا ان نذكر آيات تدل علي المراد بضم بعضها الي بعض لبلغ مبلغا يصير خارجا عن وضع الكتاب و انما اكتفينا بما هي بانفسها صريحة الدلالة و يكفي من الكتاب آية واحدة و ان الله سبحانه لم‌يبالغ في النهي عن القتل و الزني و اللواط و شرب الخمر هذا المبلغ كما هو ظاهر فالاعراض عنها جسارة عظيمة و الامر الي الله .

المقصد الثاني في ذكر بعض الاخبار الواردة و هي متجاوزة حد التواتر حتي انه ذكر بعض اصحابنا انه عد الفا و مأتي حديث و ستة و عشرين حديثا في النهي عن الظن و العمل بغير علم و العمل بالراي و امثال ذلك و لكنا نذكر منها ما يكون صريح الدلالة غير قابل للتاويل و غير محتاج الي ضم ضميمة قال ابوجعفر عليه السلام من افتي الناس بغير علم و لا هدي من الله لعنته ملائكة الرحمة و ملائكة العذاب و لحقه وزر من عمل بفتياه و قال ابوعبدالله عليه السلام انهاك عن خصلتين فيهما هلك الرجال انهاك ان تدين الله بالباطل و تفتي الناس بما لاتعلم و قال عليه السلام اياك و خصلتين ففيهما هلك من هلك اياك ان تفتي الناس برأيك او تدين بما لاتعلم و قال ابوجعفر عليه السلام ما علمتم فقولوا و ما لم‌تعلموا فقولوا الله اعلم و قال ابوعبدالله عليه السلام القضاة اربعة ثلثة في النار و واحد في الجنة رجل قضي بجور و هو يعلم فهو في النار و رجل قضي بجور و هو لايعلم فهو في النار و رجل [ص 126] قضي بحق و هو لايعلم فهو في النار و رجل قضي بالحق و هو يعلم فهو في الجنة و سئل ابوجعفر عليه السلام ما حق الله علي العباد قال ان يقولوا ما يعلمون و يقفوا عند ما لايعلمون و قيل لابي‌عبدالله عليه السلام ما حق الله علي خلقه فقال ان يقولوا ما يعلمون و يكفوا عما لايعلمون فاذا فعلوا ذلك فقد ادوا الي الله حقه و قال ابوعبدالله عليه السلام قال رسول الله صلي الله عليه و آله من عمل علي غير علم كان ما يفسد اكثر مما يصلح و قال عليه السلام لايسعكم فيما ينزل بكم مما لاتعلمون الا الكف عنه و التثبت و الرد الي ائمة الهدي حتي يحملوكم فيه علي القصد و يجلو عنكم فيه العمي و يعرفوكم فيه الحق و قال عليه السلام ان الله خص عباده بآيتين من كتابه ان لايقولوا علي الله الا الحق و قال بل كذبوا بما لم‌يحيطوا بعلمه و لمايأتهم تاويله و قال اميرالمؤمنين عليه السلام يا ايها الناس اتقوا الله و لاتفتوا الناس بما لاتعلمون و قال ابوالحسن موسي عليه السلام اذا جاءكم ما تعلمون فقولوا و ان جاءكم ما لاتعلمون فها و اهوي بيده الي فيه و عن الصادق عليه السلام في حديث قال قال ابوجعفر عليه السلام من افتي الناس برايه فقد دان الله بما لايعلم و من دان الله بما لايعلم فقد ضاد الله حيث احل و حرم فيما لايعلم و قال ابوعبدالله عليه السلام من شك او ظن فاقام علي احدهما فقد حبط عمله ان حجة الله هي الحجة الواضحة و عن اميرالمؤمنين عليه السلام في حديث من عمي نسي الذكر و اتبع الظن و بارز خالقه الي ان قال و من نجي من ذلك فمن فضل اليقين [ص 127] و عن ابي‌البختري عن جعفر عن ابيه عليهما السلام ان عليا عليه السلام قال لرجل و هو يوصيه خذ مني خمسا لايرجو احدكم الا ربه و لايخاف الا ذنبه و لايستحيي ان يتعلم ما لم‌يعلم و لايستحيي اذا سئل عما لايعلم ان يقول لااعلم الخبر ، و قال ابوعبدالله عليه السلام ان من حقيقة الايمان ان تؤثر الحق و ان ضرك علي الباطل و ان نفعك و ان لايجوز منطقك علمك و عن الرضا عن آبائه عن اميرالمؤمنين عليهم السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله من افتي الناس بغير علم لعنته ملئكة السموات و الارض و سمع ابوعبدالله عليه السلام يقول من استاكل بعلمه افتقر فقلت له جعلت فداك ان في شيعتك و مواليك قوما يتحملون علومكم و يبثونها في شيعتكم فلايعدمون علي ذلك منهم البر و الصلة و الاكرام فقال عليه السلام ليس اولئك يستاكلون انما المستاكل بعلمه الذي يفتي بغير علم و لا هدي من الله عز و جل ليبطل به الحقوق طمعا في حطام الدنيا و قال ابوعبدالله عليه السلام اذا سئل الرجل منكم عما لايعلم فليقل لاادري و لايقل الله اعلم فيوقع في قلب صاحبه شكا و اذا قال المسؤل لاادري فلايتهمه السائل و قال عليه السلام اذا سئلت عما لاتعلم فقل لاادري فان لاادري خير من الفتيي و عنه عليه السلام عن ابيه قال قال عليه السلام في كلام له لايستحيي العالم اذا سئل عما لايعلم ان يقول لا علم لي به و سئل عليه السلام رجلان تداريا في شئ فقال احدهما ان هذا كذا و كذا برايه فوافق الحق و كف الآخر فقال القول قول العلماء فقال هذا افضل الرجلين او قال اورعهما و قال رسول الله صلي الله عليه و آله [ص 128] ان الله لايقبض العلم انتزاعا ينزعه بين الناس و لكن يقبض العلم بقبض العلماء و اذا لم‌يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا فسألوهم فقالوا بغير علم فضلوا و اضلوا و قال صلي الله عليه و آله اذا تطيرت فامض و اذا ظننت فلاتقض و عن الصادق عليه السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله اياكم و الظن فان الظن اكذب الكذب و قال الصادق عليه السلام لايفلح من لايعقل و لايعقل من لايعلم الي ان قال من فرط تورط و من خاف العاقبة تثبت عن التوغل فيما لايعلم و من هجم علي امر بغير علم فقد جدع انف نفسه و من لم‌يعلم لم‌يفهم و من لم‌يفهم لم‌يسلم و من لم‌يسلم لم‌يكرم و من لم‌يكرم هضم و من هضم كان الوم و من كان كذا كان احري ان يندم و قال اميرالمؤمنين عليه السلام المتعبد بغير علم كحمار طاحونة يدير و لايبرح من مكانه ، الي غير ذلك من الاخبار التي لاتحصي كثرة و ناهيك ما ذكرناه من الاخبار و هو متواتر المعني مطابق مع الكتاب مخالف للعامة مطابق للعقل المستنير و انسب بلطف الله القدير و هو الاولي و الاحسن و اليق باكمال الدين و اتمام النعمة و ابلاغ الحجة و عليه جل المتقدمين من الاصوليين و المحدثين و جل من الآخرين و لا باعث للعدول عنها الي ما ليس في الكتاب منه اثر و لا في السنة خبر و لايدل عليه عقل و ستعرف بالجملة هذا مصباحنا الذي قدمنا و حجتنا التي آتينا ،

و من كان ذا فهم يشاهد ما قلنا و ان لم‌يكن فهم فياخذه عنا

و ما ثم الا ما ذكرناه فاعتمد عليه و كن في الحال فيه كما كنا [ص 129] 

قال بعض اصحابنا المحدثين الثقات الذي وقفت عليه من الآيات القرآنية و الاخبار المعصومية الواردة في هذا المقام الدالة علي المطلب بالمطابقة و التضمن او الالتزام ما يزيد علي مائة آية و يقرب من خمسمائة حديث و عد غيره الفا و مأتي حديث و ستة و عشرين حديثا و الخبر الصحيح عن المعصوم يكفي واحد منه فكيف بهذا المبلغ و لاتكن كالذي قال روي لي اخبار الغدير من اربعمائة طريق و ماحدث لي ظن بالجملة هذا الكتاب لايتحمل ازيد من ذلك و ان شئت فراجع ساير كتبنا و قد ذكرنا كثيرا من اخبار الباب في كتابنا فصل الخطاب و غيره من كتبنا .

المقصد الثالث في الاجماع علي ذلك قال بعض محدثينا اعلم انه قد اجمع الامامية رضوان الله عليهم قديما و حديثا حتي صار من ضروريات مذهب اهل البيت عليهم السلام علي اصالة عدم حجية الظن في امور الدين و انها مبنية علي العلم و اليقين دون الظن و التخمين و نقل التصريح بذلك عن الشيخ المفيد و السيد المرتضي و شيخ الطائفة و ابن‌ادريس و ابن‌قبة و الكليني و تلميذه النعماني و الفضل بن شاذان و الصدوق و الطبرسي و القطب الراوندي و الكراجكي و غيرهم و نحن لانحتاج في ذلك الي عدم وجود خلاف في ذلك و لكني اقول ان هؤلاء اساطين الدين و عوام اعصارهم آخذون عنهم ذاهبون مذهبهم و هم مصرحون بالاجماع و بذلك يشهد مائة آية من الكتاب و الاخبار المتواترة المتجاوزة عن اقل مراتبه و يشهد به العقل السليم و سخافة [ص 130] ادلة القوم المخالفين و مخالفة العامة و ساير سنن الله و سنن رسله فيحصل من جميع ذلك علم لا شك فيه و لا ريب يعتريه علي ان العمل بالظن ليس من دين الله و لايجوز و لايوصل الي الله و لايقوم بالظن حجة من الله علي خلقه كما سياتيك و قد بلغ بطلان العمل بالظن مبلغا لو قلت لشيعي ان فلانا الفقيه يقول ان نظن الا ظنا و ما نحن بمستيقنين يكذبك و يزعمك قادحا في العلماء مفتريا عليهم و يقول لو كان قولك صادقا فلم ناخذ عنه ديننا و هو بنفسه غير مستيقن بدينه و ان انت لايحصل لك العلم من مجموع ذلك فاسأل الله ان يصلح وجدانك و اذا لاتكاد تتيقن بشئ من امور دينك و ليس ادلة حرمة الخمر و الزني و اللواط بهذه المثابة و ان كنت فقيها تصدقني فتبين و ظهر انه قد قام الاجماع الذي لا ريب فيه بعد محكمات الكتاب و اخبار اصحاب فصل الخطاب علي حرمة العمل بالظن فلا مناص عن القول به البتة .

المقصد الرابع في الادلة العقلية و انما اتينا بالادلة العقلية لنقابل ادلتهم و نبطل بها براهينهم لا لاجل انا نعمل بالادلة العقلية في دين الله و نثبت بها هذا الاصل العظيم الذي هو مبني جميع الشرايع و الاحكام و ان كان ادلتنا العقلية ايضا ماخوذة من الكتاب و السنة جارية علي طبقها لانه بعد ما تلونا من الكتاب و روينا من السنة لايحتاج الي اعتضاد بغيرهما ،

اذا قالت حذام فصدقوها فان القول ما قالت حذام [ص 131] 

ما قال آل‌محمد قلنا و ما دان آل‌محمد دنا فنذكر منها هنا ما يتيسر و يساعده نشاط الخاطر اذ ساير كتبنا بها مشحونة فهي من وجوه :

الاول اعلم ان حكمة الحكيم جل شانه في خلقه اقتضت ان يخلقهم جهالا اولا ثم يمن عليهم بالتعليم فاخرجهم من بطون امهاتهم و هم اقل شعورا من البهائم الا انه جعل فيهم قوة صالحة للتعلم و الصعود الي عرصة العلم و انما خلقهم لاجل عبادته و معرفته و كانوا بانفسهم جهالا لايعلمون طرق عبادته و معرفته و لم‌يجعل فيهم اداة بالفعل ينالون بها المعرفة فارسل اليهم الرسل و انزل عليهم الكتب و امرهم بالتعليم و التعريف و اخراج ما فيهم من القوة الي الفعلية و كان من كمال التعريف و التعليم ترهيب سايق لهم و ترغيب قائد فخلق نارا و جنة رهبهم عن عذاب تلك النار و رغبهم في ثواب تلك الجنة و لم‌يكن الله جل و عز يضع فيهم قوة العلم و المعرفة و يخلقهم لها و لايخلق لاخراجها الي الفعلية اسبابا فيكون خلقها لغوا و زايدا و عبثا و لم‌يكن عاجزا عن خلق اسباب لاخراجها الي الفعلية مع ان اخراجها الي الفعلية ادل علي قدرته و اتم لحجته و اقود لهم الي الجنة و اسوق لهم عن النار و كان اولي و انسب الي شان الربوبية و اكمل لدينه و اتم لنعمته و تلك الاسباب ادلة دالة علي القطع و اليقين علي ما اراد من خلقه العلم به و المعرفة بحقه لانه اتم و اكمل و اولي هذا و الدليل نزولا من آثار المدلول و صعودا منشأ المدلول و والده و ان الله سبحانه جعل لكل واحد من خلقه اثرا يشاكله و يخصه و يدل عليه و يطابقه فما اراد الله [ص 132] من خلقه في علمه له آثار و هي دالة عليه فان اخفي عنهم ما في علمه اظهر لهم ادلته و برهانه و لذا قال لقد جاءكم برهان من ربكم و قال قل هاتوا برهانكم فكل ظاهر غني عن برهان و كل خفي يحتاج الي دليل ظاهر في العيان و كل ولد يتولد من نطفتي والديه فيكون منهما مادة و صورة فالعلم و المعرفة يتولدان من والدين يناسبانهما فلذلك جعل الله علي مكنون علمه دليلا و هو كتابه الناطق علي لسان نبيه صلي الله عليه و آله و لم‌يجعل دليل مكنون علمه ما لايؤديه و لايوصل اليه و ما يتولد منه غيره و ما يدل عليه و يدل علي غيره او ما يحتمل ان يكون دليلا له و ان لايكون و لم‌يكن عاجزا عن خلق دليل دال قطعي ليكمل دينه و يتم نعمته و الدليل علي ان العلم اكمل و اتم و اولي غني عن البرهان لبداهته و مع ذلك قال الله سبحانه قل هل يستوي الذين يعلمون و الذين لايعلمون و قال الله سبحانه افمن يعلم انما انزل اليك من ربك الحق كمن هو اعمي انما يتذكر اولوا الالباب و قال هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ان تتبعون الا الظن و ان انتم الا تخرصون الي غير ذلك من الآيات و الاخبار المتواترة التي مر شئ منها و الله سبحانه عذب الانبياء بترك الاولي و استقبحه لهم فكيف يرتكب القبيح و هو قادر علي ان يهيئ اسباب حصول العلم لهم فتبين و ظهر انه خلق اسباب العلم و لم‌يعدل عنه الي ما كان نقصا في خلقه و حكمته و قدرته فمن ظن غير ذلك بالله سبحانه فقد عدل بالله و تعالي الله عن ذلك علوا كبيرا فهذا دليل ظاهر باهر يطابق الكتاب و السنة و الاجماع [ص 133] و لايخصص و لايقيد و شواهد كل كلمة مما ذكرنا موجودة في الكتاب و السنة فاسلم تسلم .

الثاني ان الله سبحانه خلق الخلق لعبادته و امرهم بعبادته للتقرب اليه و لايتقربون اليه الا بالسير اليه و صاحب اليقين يسير اليه دائما باقدام الامتثال و لاينقلب و اما صاحب الشك و الظن متردد و يحتمل في كل قدم انه متقرب الي الله و يحتمل انه منقلب مدبر عن الله فان رفع القدم الي مقام القرب جذبه احتمال الخطاء الي ورائه فان اصاب خاف انه اخطأ و ان اخطأ رجا ان يكون اصاب فهو في ريبة متردد دائما فيكون عمله مع هذا التردد باطلا فاسدا لانه لايعتقد انه متقرب الي الله به فلايقدر علي قصد القربة و لايدري انه مطيع شيطان في عمله او مطيع الله فكيف يعبد الله من يحتمل في قلبه انه يعبد الشيطان و لذا قال ابوعبدالله عليه السلام من شك و ظن فاقام علي احدهما فقد حبط عمله ان حجة الله هي الحجة الواضحة و قال الله سبحانه ان الظن لايغني من الحق شيئا و لم‌يكن الله عاجزا ان يدل خلقه علي ما يتقربون به دائما من غير انقلاب و لا تردد .

الثالث ان مما ساق العاملين بالظن امران معتمدان عندهم احدهما وجوب دفع الضرر المظنون و ثانيهما قبح ترك الراجح الي المرجوح و هما دليلان بهما يصولون و الي ركنهما يؤون اما الاول فلا بد لنا من معرفة الضرر و هو الذي اشتبه عليهم و ليس الضرر هو النقص في البدن او الحال و المال من جهة واحدة و الا لكان الجهاد و الختان ضررا و الزكوة و الخمس و الحج ضررا و لا ضرر و لا ضرار في الدين بل مناط الضرر ان [ص 134] يلاحظ جميع جهات وجود الشئ و يراعي الحاصل من الكل و قد اشرنا آنفا الي ذلك الاتري ان الوالد الشفيق ربما يقطع يد ولده الملسوع و هو ضرر ظاهر حاضر و لكن الوالد يلاحظ نفع بقائه و يراه اعظم من ضرر كونه بلا يد و يقطع رجل ولده الذي به شقاقلوص و هو ضرر حاضر و لكن يري نفع بقاء حيوته اعظم فيختار الضرر الحاضر لكثرة نفع الحاصل فبعد الموازنة يري ان النفع في قطع يده و العقلاء يصرفون اموالا كثيرة و هو ضرر حاضر رجاء منفعة غائبة تفضل علي الضرر الحاضر فاذا لا كل نقص في البدن و الحال و المال ضرر اذا كان في غير الحاضر من الجهات الخفية الدنيوية و الاخروية منفعة و لايعلم تلك الجهات الا المحيط بجهات الاشياء فاولا لايجوز للعقول الناقصة الاستدلال علي نفي شئ للضرر المظنون فلعل في الجهات الخفية الدنيوية و الاخروية وجوها لاتحصي فيها منافع لايوصل اليها الا بهذا الضرر فالضرر ما اخبر العليم الخبير انه ضرر و النفع ما اخبر العليم الخبير انه نفع و كلية لا ضرر الا في عصيان الله و لا نفع الا في طاعته و قد قال رسول الله صلي الله عليه و آله ما من شئ يقربكم من الجنة و يبعدكم من النار الا و قد امرتكم به و ما من شئ يبعدكم من الجنة و يقربكم من النار الا و قد نهيتكم عنه و لعلي نقلته بالمعني فالضرر و التهلكة ما نهي الله عنه و الا لكان الجهاد حراما و النفع فيما امر الله سبحانه فاذا كان الامر كذلك و راينا الله قد نهانا عن العمل بغير علم و بالظن في مائة آية و ورد الاخبار في النهي عنه ما عد الفا و [ص 135] ماتين و ستة و عشرين حديثا كما عده بعض محدثينا و جعلوا العامل بغير علم ملعونا مطرودا فاذا العمل بالظن ضرر في الدين و الدنيا و الآخرة فكيف استدل هؤلاء بان الظان يظن العقاب بترك مظنونه و الاجتناب عن الضرر المظنون شيمة العقلاء و اري ذلك كمن شرب الخمر لانه ظن في تركها وجع المعدة و غفل عن ان في نفس الشرب ضررا مهلكا يهلك دينه و ايمانه الااجتنبوا هؤلاء عن الضرر المقطوع به و هو العمل بالظن بالكتاب و السنة و الاجماع و ظن العقاب من وجه واحد ظن حسبوه و العليم الخبير المحيط قال ان عملتم بظنكم حبط عملكم و لم‌تنتفعوا به ابدا و في ظنكم ضرر عظيم في دنياكم و به يقع التنازع و التقاتل و التفاسد و التعادي بينكم و يبرا بعضكم من بعض و يلعن بعضكم بعضا كما احدث في ثنتين و سبعين فرقة كلهم عاملون بالظن و قد جربتم و عاينتم بعينكم و ان تطع اكثر من في الارض يضلوك عن سبيل الله ان يتبعون الا الظن و ان هم الا يخرصون و ان الظن لايغني من الحق شيئا و ما بالكم لايحصل لكم ظن من هذه التجارب و هذه الآيات و هذه الاخبار لضرر العمل بالظن فتحرموه و تتكلون علي ادلة هي اوهن من بيت العنكبوت و هي بنفسه ظنية فالحكم لله العلي الكبير و فيه ضرر في اخريكم حيث تخرجون بذلك عن زمرة المرحومين لقوله سبحانه و لايزالون مختلفين الا من رحم ربك فانهم غير مختلفين و فيه ضرر في دينكم حيث يورث لكم الاختلاف و غلبة الشبهات و التشاجر في الدين و التنازع و يؤل امركم الي [ص 136] الشك و الريب و الارتداد عن الدين ففي العمل بالظن فسادكم و الله لايحب المفسدين و ان قلتم انا نظن في تركه العقاب فوجب الاجتناب فهناك قوم آخرون يقولون انا نظن في ترك قتل فلان العقاب و يقول آخرون انا نظن في ترك امرأته له او ماله له عقابا و ابطالا للحكم فوجب ان نعمل بظنوننا و في ذلك فساد الملك فتبين ان هذا الدليل دليل باطل و عن حلية الاعتبار عاطل و الدين هي ميزان اعمال العباد و لا بد و ان يكون امرا خارجيا معينا مشخصا يرجعون اليه في التنازع لا ان يقول كل احد اني حاكمت الي قلبي و افتاني بكذا و انتم تقولون ان الكتاب و السنة ليسا بدليلين لان الدليل ما يدل علي اليقين و هما ظنيان و انما الحجة و الدليل ظن المجتهد فليس لله حكم في الخارج يرجع المتنازعون اليه و ظن المجتهد غيب في باطنه هذا و دليلكم هو ظني و استدلال بالظن علي الظن و لذا اختلفتم و رد بعضكم علي بعض و اعترض بعضكم في دليل بعض و تقفون علي ما عجزتم عن رده و لايثبت ظن بظن فانه لايساعده كتاب و لا سنة و معني لا ضرر و لا ضرار انه لم‌يجعل في دينه و شرايعه ضررا علي عباده و كلما جعله نافع لهم و لايدل علي مطلبكم اصلا و الاجتناب عن الشبهة المحصورة ان كان ثابتا بدليل شرعي في كتاب و سنة فهو الدليل لا كون الضرر فيه و ان لم‌يكن فلايجب باحتمال الضرر فيه و بناء هذه الجهال التي تسمونهم العقلاء من الاجتناب عن الضرر المظنون ليس من المدارك الشرعية و لم‌يرد كتاب و لا سنة ان تتعلموا دينكم من جهالكم الذين تسمونهم عقلائكم و [ص 137] ليسوا بانبياء و اما الثاني و هو قبح ترك الراجح الي المرجوح فعلي حذو ما مر فان الراجح ما طابق رضاء الله و المرجوح ما خالف رضاء الله و نحن لانعرف الراجح من المرجوح كما لم‌نكن نعرف الضرر من النفع و الصلاح من الفساد و من دلكم علي ان الراجح في عقولكم الناقصة و افهامكم البائرة راجح عند الله و محبوب و المرجوح عندها مرجوح عند الله فالراجح ما امر الله به و ان كان في عقولنا مرجوحا و المرجوح ما نهي الله عنه و ان كان في عقولنا راجحا قال الله سبحانه عسي ان تكرهوا شيئا و هو خير لكم و عسي ان تحبوا شيئا و هو شر لكم فلم لاتقولون ان العمل بالظن مرجوح بهذه الادلة الشافية الكافية من الكتاب و السنة و الاجماع و العقل المستنير و يجب ترك المرجوح الي الراجح و تعمدون علي ما رجح في هذه العقول الضعيفة المتقلبة في الآراء في كل يوم المائلة مع كل ريح و توجبون العمل بمقتضاه دون تلك الادلة الباهرة الالهية المحمدية العلوية و مرد الكل الي الله .