قال ثم الاظهر كونه للمهية للتبادر و طريقة العرف و لو تمسك القائل بالاشتراك بان حسن الاستفهام دليل الاحتمال و الاحتمال دليل الاجمال و الاجمال دليل الاشتراك لدفعناه بمنع المقدمة الاولي ان اراد الاحتمال المساوي و منع الثانية ان اراد مطلق الاحتمال مع منع الثالثة مطلقا و ليس لساير الاقوال ما يعتمد عليه .

اقول قد صدق المصنف في هذه الكلمات و اصاب الحق و يؤيده ما قدمنا في العُنْوان السابق و لاتحتاج الي شرح زايد .

قال : اصل - هل الامر المجرد للفور او مشترك بينه و بين جواز التراخي او للمهية ام لا بد من الوقف اقوال اعلم ان المضيق بالمعني الاخص ما كان الواجب فيه مضيقا من جهة الرخصة و الاجزاء و محدودا بوقت معين و بالمعني الاعم ما ضاق من جهة الرخصة و الموسع بالمعني الاخص ما وسع من الجهتين المذكورتين و بالمعني الاعم ما وسع من جهة الاجزاء [ص 261] و الفور بالمعني الاخص ان يكون الشئ لازم التعجيل و غير محدود بوقت و بالمعني الاعم ان يكون الشئ لازم التعجيل و ان كان محدودا .

اقول يريد ان يقول ان معرفة المضيق و الموسع من شروط فهم هذه المسألة فالمضيق علي نوعين اخص و اعم فالمضيق بالمعني الاخص ما كان مضيقا من حيث عدم الرخصة و محدودا بوقت معين كصوم شهر رمضان ما بين الهلالين فلا رخصة في تقديمه و تاخيره و من حيث الاجزاء فلايجزئ تاخيره و بالمعني الاعم ما ضاق من حيث رخصة التقديم و التاخير كالحج في عام الاستطاعة و ان كان موسعا من جهة الاجزاء فانه اذا تحمل الاثم و ترك الحج عام اول فاذا حج بعد ذلك اجزاه و ليس بقضاء و اما الموسع بالمعني الاخص ما وسع من الجهتين المذكورتين كالصلوة الخمس علي المشهور فانها موسعة من اول الوقت الي آخره و يجزيه اذا اخرها الي الوقت الثاني و معناه الاعم ان يكون موسعا من جهة الاجزاء و ان كان مضيقا من جهة الرخصة و الفور ايضا اخص و اعم فاخصه ان يكون الشئ لازم التعجيل و لم‌يكن محدودا بوقت كغسل المسجد اذا تنجس و اعمه ان يكون لازم التعجيل سواءا كان محدودا بوقت ام لا كصوم شهر رمضان اذا حضر و كتطهير المسجد و الذي بلغنا في ذلك ما روي عن ابي‌جعفر عليه السلام ان من الامور امورا مضيقة و امورا موسعة و ان الوقت وقتان و الصلوة مما فيه السعة فربما عجل رسول الله صلي الله عليه و آله و ربما اخر الا صلوة الجمعة فان صلوة الجمعة من الامر المضيق انما لها وقت واحد [ص 262] حين تزول الخبر ، و قال عليه السلام ان من الاشياء اشياءا موسعة و اشياءا مضيقة و الصلوة مما وسع فيه تقدم مرة و تؤخر اخري و الجمعة مما ضيق فيها فان وقتها يوم الجمعة ساعة تزول الخبر ، و كذلك روي في المغرب ان وقت المغرب ضيق و روي ان وقتها واحد و وقتها وجوبها فالذي يفهم من الخبر ان الموسع ان يكون الوقت اوسع من العمل و يمكن ان يقدم العمل فيه و يؤخر فيه و المضيق ان يكون الوقت بقدر العمل .

قال ثم الفور بقسميه اما تقييدي او تعددي و علي التقادير اما حقيقي او عرفي و العرف يختلف بحسب المقامات و النسبة بين المذكورات واضحة بعد التامل الصادق و كذا الاصل في مسائل الدوران ثم ثمرة القول بالمهية جواز التاخير بدلالة اللفظ و ثمرة الاشتراك بين الفور التقييدي و جواز التراخي من حيث دلالة اللفظ عند عدم القرينة هو الوقف و من حيث العمل ان كان اجماع علي نفي الثالث جواز التراخي و الا تعدد المطلوب عملا بالاصلين و ان لم‌يكن الاتيان بالفعل في وقت الفور تعين التقييدي و بين الفور التعددي و جواز التراخي جواز التراخي و ثمرة الوقف كالاشتراك و الثمرة بين القول بالفور و القول بعدم الفور واضحة و بين القول بالفور المستفاد من الصيغة و من الخارج التقييد علي الاول و تعدد المطلوب علي الاخير و فيه نظر واضح و يمكن فرض الثمرة عند التعارض و بين الفور المستفاد من الدليل الشرعي او العقلي المستقل حصول التعارض عند دلالة دليل [ص 263] خارجي علي التوقيت بوقت موسع علي الاول لا الاخير و بين العقلي المستقل و التبعي حصول الاثم بنفس التاخير و عدمه ثم الاصل في المسألة عملا او لفظا فقاهيا او اجتهاديا يظهر مما مر هنا و في بحث المرة فلا حاجة الي التكرار .

اقول قوله اما تقييدي يعني ان المطلوب من اللفظ لفظ اضرب مثلا احداث الضرب المقيد بحدوثه في الوقت الاول فلو اخل بالوقت الاول لم‌يات بالمطلوب و قوله او تعددي يعني ان المطلوب متعدد شيئان احداث الضرب و ايقاعه في الوقت الاول فلو اخل بالوقت اثم لترك الامتثال و ان اتي بالضرب في الوقت الثاني اطاع باحداثه الضرب قوله اما حقيقي المراد اول اوقات الامكان فياثم بالتاخير عن اول وقت الامكان او عرفي فالمدار علي العرف و العرف يختلف فتاخير السقي بعد قوله اسقني دقيقة غير مضر بالفور و ساعة مضر و سافر الي بلد كذا فالتاخير الي التهيؤ غير مضر و عن زمان التهيؤ مضر و قوله و النسبة بين المذكورات واضحة يعني النسب بين المعني العام في كل من الموسع و المضيق و الفور و بين المعني الخاص من الثلثة واضحة بعد التامل و في استخراجها كمال علمهم و لا فائدة فيه ابدا قوله و كذا الاصل في مسائل الدوران يعني اذا دار الامر بين ان يكون هذا الامر موسعا او مضيقا او فوريا عاما او خاصا ففي كل دوران الاصل واضح بالتامل الصادق ففي بعضها يجري اصل البراءة و في بعضها اصل الاشتغال و في بعضها الاستصحاب و لما لم‌يكن في هذه الآراء فائدة و لايجوز ابتناء دين الله عليها [ص 264] و لم‌يذكرها المصنف اعرضنا عن تفصيل تلك الاصول و اجراء كل في مقامه قوله ثم ثمرة القول الي آخر يعني ان قلنا بان الامر للمهية و وقع امر يجوز التراخي لحصول الامتثال معه ايضا و ان قلنا بانه مشترك بين الفور المقيد بالوقت الاول و جواز التراخي من حيث دلالة اللفظ يجب التوقف من حيث الاجتهاد و دلالة اللفظ و اما من حيث العمل و الفقاهة فان كان اجماع علي نفي معني ثالث فالاصل جواز التراخي لاستصحاب الامر المقدم علي قاعدة الاشتغال و ان لم‌يقم اجماع تعدد المطلوب عملا بالاصلين اذا كان الاتيان بالفعل فورا ممكنا و الا كان التقييدي متعينا و ان اريد بالفور التعددي المطلوبة فعند العمل موسع من جهتين اي يجوز التراخي و كل ذلك آراء لايجوز ابتناء دين الله عليها و قوله و بين القول بالفور المستفاد الي آخر يعني اذا كان الفور مستفادا من الصيغة فيكون المطلوب مقيدا بالفور و ان كان مستفادا من الخارج فالمهية مطلوبة واحدة و الايقاع في الوقت الاول مطلوب آخر قوله و فيه نظر واضح فيه ان المصنف ذكر المسألة مدعيا فقوله فيه نظر واضح قدح في ادعائه و لو كانت المسألة حكاية عن غيره لكان اللازم النسبة الي الغير بالجملة وجه النظر ان الفور المستفاد من الصيغة يمكن ان يكون تقييديا و يمكن ان يكون تعدديا علي اصطلاحهم و كذا المستفاد من الخارج فلا وجه للتخصيص قوله و يمكن فرض الثمرة عند التعارض يعني ان دلالة الصيغة علي الفور دلالة تضمن او التزام و دلالة الخارج علي الفور مطابقة و دلالة المطابقة اصرح و اقوي فاذا [ص 265] تعارضت الدلالتان يرجح دلالة الخارج فيمكن ان يكون ثمرة هذا الخلاف عند التعارض قوله و بين الفور المستفاد الخ ، عطف علي قوله بين القول بالفور يعني و الثمرة بين الفور المستفاد من الدليل الشرعي او العقلي المستقل حصول التعارض بين كل واحد منهما و بين دليل دل علي السعة من الخارج و اما اذا تعارض الفور المستفاد من الدليل العقلي مع الدليل الخارجي فلايقاومه العقلي فان العقل يحكم بالفور لولا دليل و هنا الدليل موجود قوله و بين العقلي المستقل الي آخر يعني اذا دل الدليل العقلي علي وجوب شئ فورا علي نحو الاستقلال و مطلوبته نفس الفور فثمرته حصول الاثم بالتاخير كالشرعي و ان دل علي وجوبه فورا لكن لاجل ان المراد المهية واقعا و انما امر بالفور لخوف الفوات لايعاقب بالتاخير و انما يعاقب بالترك ثم الاصل عند اضطراب النفس و عدم سكونها بهذه الادلة علي ما مر في عنوان المرة و التكرار فراجع ان هويت هذا حاصل خيالاتهم و جميعها عند آل‌محمد عليهم السلام كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءا حتي اذا جاءه لم‌يجده شيئا و وجد الله عنده فوفاه حسابه و الله سريع الحساب و ابوحنيفة و اصحابه لم‌يزيدوا علي ذلك بل لم‌يبلغوا هذا الحد و مع ذلك سموا باصحاب الرأي و طردوهم و لعنوهم و منعوا من اقوالهم و افعالهم و الله المستعان و لايجوز التعويل علي شئ من هذه الادلة عندنا و ان اصابوا بها فان غرض الله الغني ليس محض الاصابة بل يريد اتيانه من بابه و قال ليس البر ان تاتوا البيوت من ظهورها و لكن البر من [ص 266] اتقي و اتوا البيوت من ابوابها فليس الغرض دخول البيت كيفما اتفق بل الغرض دخول البيت من بابه فمن اتاه من بابه فقد اصاب قال ابوجعفر عليه السلام ذروة الامر و سنامه و مفتاحه و باب الاشياء و رضا الرحمن الطاعة للامام بعد معرفته اما لو ان رجلا قام ليله و صام نهاره و تصدق بجميع ماله و حج جميع دهره و لم‌يعرف ولاية ولي الله فيواليه و يكون جميع اعماله بدلالته اليه ماكان له علي الله حق في ثوابه و لاكان من اهل الايمان انتهي ، و هذه الآراء هي طريق المستقلين المستبدين كما كانوا عليه و لعنوا به و طردوا و ان قلت هب ان هذه المسألة مما يحتاج اليه في الفقه بلا شك فما تصنع انت قلت اما وضع الواضع الاول فمجهول لنا و لايكشف عنه شئ من الادلة العقلية و الاصول الموضوعة و اما العرف فلايعرف اهل العرف شيئا من هذه المسائل و يدورون مدار القرائن كما هو ظاهر و اما ما في كتب اللغة فلم‌يذكروا الا الطلب و الحكم و لكن اوامر الله عز و جل و اوامر رسوله و حججه عليهم السلام ما كان منها موقتا بوقت مضيق كصلوة المغرب او صلوة الجمعة او صوم شهر رمضان و امثالها فهو علي ما وقتوا يجب الاتيان به في وقته و ما كان منها موقتا بوقت موسع و كان وقته ازيد من الاتيان بالمأمور به فهو علي ما وقتوا يجوز الاتيان به في جميع اجزاء وقته لما صرحوا به و نصوا عليه و ما كان منها لحدوث حادث او وجود علة فيجب الاتيان به في وقت حدوث ذلك الحادث و وقت وجود تلك العلة كصلوة الميت او صلوة الآيات فان وقتها حين حدوث [ص 267] علتها و يكشف عن هذه الكلية قول الرضا عليه السلام في حديث انما جوزنا الصلوة علي الميت قبل المغرب و بعد الفجر لان هذه الصلوة انما تجب في وقت الحضور و العلة و ليست هي موقتة كساير الصلوات و انما هي صلوة تجب في وقت حدوث الحدث ليس للانسان فيه اختيار و انما هو حق يؤدي و جايز ان تؤدي الحقوق في اي وقت كان اذا لم‌يكن الحق موقتا الحديث ، و من هذا الباب فورية كل امر صدر لعلة كغسل المسجد اذا تنجس و الحج في عام الاستطاعة و امثال ذلك من ذوات العلل و الاسباب فمتي ما حصل المقتضي و فقد المانع وجب الاتيان به بلا انتظار و اما ما لم‌يكن معللا و مسببا و صدر امر ابتدائي من الشارع و لا تصريح فيه بوقت يجب الاتيان به لان الشارع لا مقتضي لامره من ذات نفسه بالبداهة و انما يامر و ينهي عند وجود المقتضي و فقد المانع و لايستعجل بشئ قبل وقته و لايخاف الفوت كما ان اوامره الكونية كلها علي حسب وجود المقتضي و فقد المانع فمتي ما حصل المقتضي و فقد المانع من قوابل الخلق يامر و ينهي انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون فليس يستعجل بامر و نهي قبل وجود المقتضي و فقد المانع و لايؤخر عن وقت الحاجة و ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و لن‌تجد لسنة الله تبديلا و ما امرنا الا واحدة و يكشف عن ذلك قوله تعالي استجيبوا لله و للرسول اذا دعاكم لما يحييكم ، و قول ابي‌عبدالله عليه السلام اذا امرتكم بشئ فافعلوا و قول ابي‌الحسن عليه السلام اذا امرتك بشئ فاعمل و الا غضب [ص 268] عليك ، و من البين ان اذا ظرف زمان و وقت الجزاء وقت الشرط كما روي انه رؤي ابوالحسن الاول عليه السلام دعا ببدنة فنحرها فلما ضرب الجزارون عراقيبها فوقعت علي الارض و كشفوا شيئا من سنامها فقال اقطعوا و كلوا منها و اطعموا فان الله يقول فاذا وجبت جنوبها فكلوا منها و اطعموا انتهي ، فاذا وقع امر من غير مستعجل و خائف للفوت عالم بالمقتضي و المانع الآمر بما يصلح للعبد و الناهي عما يفسده يجب الاتيان به عند صدور الامر و وصوله الي المكلف فان لم‌يفعل كان تاركا لما يصلحه عاملا بما يفسده تاركا للطاعة عاصيا و هذا الذي ذكرنا دليل ارادة الفور من الاوامر الخالية من القراين و ليس يدل علي ان الامر موضوع للفور و حسبنا ذلك .

قال ثم الحق ان الامر المجرد موضوع للمهية المحضة للتبادر و فهم العرف التاسيس في قوله افعل فورا .

اقول اما الوضع من الواضع الاول فهو مجهول و هذه الادلة لاتدلنا علي غير العرف و الوضع العرفي و لا بأس بادلته اذا اريد الوضع العرفي .

قال و قد يستدل علي الفور بالاستقراء و بقول النحاة ان الامر للحال و بذم الله سبحانه ابليس علي ترك السجود فورا و بالتبادر و بان النهي يفيد الفور فكذا الامر بجامع الطلب و بان الامر بالشئ يقتضي النهي عن ضده و النهي عن الضد يستلزم دوام الترك الملازم لدوام الفعل و لهم ادلة اخري دالة علي ان المراد من الامر الفور و ان لم‌تدل علي وضعه له و هي آية الاستباق و المسارعة و لزوم الاغراء بالجهل لولاه و اصل [ص 269] الشغل و دفع الضرر المحتمل و لزوم فوات الغرض غالبا لولاه و اجوبتها بعد التامل ظاهرة ثم الحق في الاوامر العرفية ارادة الفور العرفي المختلف بحسب المقامات سعة و ضيقا و تقييدا و تعددا و لو شك فبناء العرف علي التعدد و في الاوامر الشرعية لايجوز التاخير اذا وصل الي حد التهاون و ان ظن بالتمكن لحكم المقدمة العقلية .

اقول هذه الادلة كلها مخدوشة قد استدلوا بباطل علي حق و باطل اما الاستقراء فلان كون ساير الالفاظ كالاخبارات و الانشاءات و امثالها بسبب القراين او غير القراين للفور لايدل علي ان الامر كذلك و انما الاستقراء حجة في اللغة اذا كان في افراد نوع لا في انواع جنس لاجل افراد النوع و اما الاستقراء في الاوامر فلم‌يحصل و انما فهم منها الفور عند قيام القرينة و اما قول النحاة فلا حجية في دراياتهم ابدا و اما ذم الله ابليس فلاجل ان الامر كان معلقا بعلته قال تعالي فاذا سويته و نفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين و اما التبادر بلا قرينة فممنوع و الامثلة المستشهد بها لها قراين و اما الاستدلال في الاوامر بالنواهي فقياس غير جايز و اما الامر بالشئ يقتضي النهي عن ضده فما لم‌يعرف الامر لايعرف ضده فان كان الامر للفور يكون ضده العام تركه فورا و ان كان الامر جايز التراخي كان ضده العام مثله فلايكشف عن الامر و اما آية الاستباق و هي قوله و استبقوا الخيرات فالاستباق مسابقة بعضهم بعضا لا المسارعة كما زعموا و مع ذلك الامر بها مجهول الحال و دلالته علي الفور من حيث الصورة فرع فهم معني استبقوا و فيه دور ظاهر و من حيث المادة لايدل علي ازيد من المسابقة مع ان الخيرات اعم من [ص 270] الواجبات و لايدل علي الفور و اما آية المسارعة و هي قوله و سارعوا الي مغفرة من ربكم فالمراد بها المبادرة الي اسباب المغفرة فان كان المأمور به مستحبا كانت المسارعة مستحبة و ان كان واجبا مضيقا فلا مسارعة و ان كان موسعا فيستحب المبادرة و اما لزوم الاغراء بالجهل فلا جهل ان كان مفهوم الامر عرفا للمهية و يكون الله مخاطبا خلقه بما يعرفون و في الشرع فرايض موسعة ما دام العمر و ليس اغراءا بالجهل فياتي بها في اوقات الامكان و اما اصل الشغل فلا شغل الا بمدلول الامر و اذا كان مدلوله عرفا المهية فالذمة مشغولة بها علي حسب الامر لا غير ذلك و اما دفع الضرر المحتمل فلا احتمال بعد دلالة الامر علي المهية عرفا و خطاب الشارع علي حسب العرف و اما لزوم فوات الغرض غالبا فليس بدليل شرعي و غرض الشارع مدلول خطابه و لكن الحق ما ذكرنا من الادلة المؤيدة بالاخبار و الآيات قوله ثم الحق في الاوامر العرفية ارادة الفور الخ ، فان اراد بالقراين فهي علي حسب القراين و لا كلام فيه و ان اراد الوضع العرفي و كونه مرادا عند عدم القرينة فممنوع و لا دليل عليه و الظاهر ان مراده الاول بقرينة استدلاله علي كونه للمهية بالتبادر و فهم العرف و قوله و لو شك الخ ، و هذا مما لا دليل عليه و لايكشف العقول عن الوقايع الجزئية و قوله و ان ظن بالتمكن فيه عجمة و الصحيح و ان ظن التمكن قوله لحكم المقدمة العقلية و هي الدالة علي ان التهاون في الامتثال يؤدي الي الاستخفاف و الاستخفاف يؤدي الي الكفر .

[ص 271] قال : اصل - الاصح ان القضاء بفرض جديد لا بالامر الاول للاصل و مفهوم الزمان ان كان حجة و الحق عدم حجيته لكن يكفي فهم العرف في مثل صم الخميس التقييد اي كون الزمان جزء المطلوب و التمسك للقول الثاني بان المتبادر من مثل صم الخميس كون ذكر الوقت من باب ذكر احد الافراد او ان المتبادر تعدد المطلوب او ان الاصل مع الشك في التقييد و التعدد هو الاخير او ان الاصل مع الشك في كون الوقت جزءا ام فردا هو الاخير او بان انتفاء القيد لايستلزم انتفاء المقيد و لو بحكم الاصل مع الشك فيه او بقوله الميسور لايسقط بالمعسور او بالاستقراء بين الفساد نعم يمكن ان يقال فيما ورد الامر بقضائه في بعض الاحوال و لم‌يرد عدم قضائه اصلا ان العرف يفهم من ذلك تعدد المطلوب فيسري الي صور الشك من افراد هذا القسم .

اقول ان الاصح ان القضاء بالامر الاول و لو كان بامر ثان لكان اداءا كالاول و المراد بالامر الثاني ما لم‌يكن مصرحا بالقضاء كاقضه او عليك قضاؤه و امثال ذلك و الا فهو شرح اقتضاء الامر الاول و تفصيل ذلك الاجمال علي ما يقتضيه الحال ان القوم اختلفوا في انه اذا دل دليل علي وجوب شئ في وقت معين هل يجب قضاؤه اذا لم‌يات به في ذلك الوقت المعين له ام لايجب الا بامر جديد فقال قوم انه بفرض جديد و استدلوا علي ذلك باصل البراءة قبل ورود الفرض الجديد و بمفهوم الزمان اذ صم الخميس يفهم منه صوم يوم الخميس لا غير الخميس و ان لم‌يكن مفهوم الزمان ايضا حجة يفهم اهل العرف من هذا الكلام ان الزمان جزء [ص 272] المطلوب و استدل الآخرون بان ذكر الوقت من باب ذكر احد الافراد و هو محض ادعاء بلا دليل و بان المتبادر تعدد المطلوب و هو ايضا محض ادعاء و لو كان متبادرا لمااختص بالقائلين و بان الاصل مع الشك في التقيد و التعدد هو التعدد لاقتضاء الاستصحاب اياه و لا حجية في الاستصحاب كما ياتي و كذلك دليلهم الآخر و بان انتفاء القيد لايلزم انتفاء المقيد و هو ايضا محض ادعاء و المقيد مقيد بالقيد و اذ لا قيد لا مقيد فاذا كان متعلق الحكم المقيد فيفني بفنائه و مثلوا بان فقد الانسان لايستلزم فقد الحيوان و هو كلام سخيف لايتكلم به العالم و بان الميسور لايسقط بالمعسور و بان ما لايدرك كله لايترك كله و بان اذا امرتكم بشئ فاتوا منه ما استطعتم و هذه الاخبار لم‌نجده في كتبنا و هي من كتب العامة استسلفوها مع عدم عادتهم بالاستدلال بالاخبار الصحيحة في الاصول لانها ظنية هذا و ليس فيها دلالة علي ان القضاء بالامر الاول اذا فات الوقت المضروب للاول و بالاستقراء بان اغلب الموقتات ورد الامر بها بعد انقضاء وقتها فالمشكوك ايضا كذلك و هو قياس محض في دين الله منهي عنه قطعا و كلها عند آل‌محمد عليهم السلام كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءا و باقي العبارة ظاهر و الحق في المسألة ان الامر بالفعل علي اربعة اقسام في الواقع فمرة يؤمر بالفعل لاجل نفسه علي هيئة مخصوصة و لما كان حادثا و الحادث لا بد و ان يظهر في زمان ضرب له وقت انسب به من ساير الاوقات فيكون سبب كماله و زيادة اثره و ليس جزء ماهية المطلوب [ص 273] و ذلك كالصلوات اليومية و مرة يؤمر بالفعل لاجل نفسه و لكن يجعل هيئته للوقت علي انه ان عمل به في الوقت فليعمله علي تلك الهيئة فان ذهب الوقت و لم‌يعمل به انتفي فائدة تلك الهيئة فيعمل به في غير ذلك الوقت بغير تلك الهيئة و ذلك كصلوة الجمعة و مرة يؤمر به و بهيئته لاجل الوقت فاذا ذهب الوقت ذهب فائدة العمل بالكلية كصلوة العيدين و مرة يؤمر بالفعل لاجل نفسه و لايضرب له وقت اصلا اما النوع الاول و النوع الآخر فياتي المكلف بالعمل و ان ذهب الوقت فان العمل مأمور به لاجل نفسه و الوقت من الاعراض المتممة الخارجية الا ان الاول قضاء لاجل ان الوقت الثاني بدل الوقت الاول و الاخير ليس بقضاء لان الامر تعلق بنفس الماهية و لم‌يضرب لها وقت و اما القسم الثاني فما دام الوقت باقيا تاتي به علي هيئة ضربت للوقت و اذا ذهب الوقت فلا فائدة في تلك الهيئة فتاتي بالعمل علي هيئة اخري يقتضيها نفس العمل و اما القسم الثالث فاذا ذهب الوقت ذهب فائدة العمل مادة و صورة بالكلية فلاينبغي الاتيان به خارج الوقت فتبين من هذا البيان ان الامر ليس علي نظم واحد حتي يحكم عليه بحكم كلي و هذا الوضع المذكور ليس يعلم الا ببيان الشارع فانه اعلم بما وضع فيقف موقف التصريح منه اما بهذا التفصيل او بقوله اقض و لاتقض او اعد و لاتعد و امثال ذلك فمن قال انه بامر جديد صدق من هذه الجهة الا ان هذا الامر الثاني مبين للامتثال للامر الاول و تاكيد له لا تاسيس و لو كان تاسيسا لكان اداءا و من قال انه بالامر الاول صدق من هذه الجهة التي [ص 274] اشرنا اليها و لما كان فهم حقيقة الامر محتاجا الي التصريح فبالقول المطلق موقوف علي امر جديد تاكيدي و يكشف عن ذلك ما احتج به رسول الله صلي الله عليه و آله علي المشركين و قال ارايتم ان امركم رجل بدخول داره يوما بعينه الكم ان تدخلوها بعد ذلك بغير امره و اعترفوا بانه ليس لهم ذلك و قررهم النبي صلي الله عليه و آله علي ذلك فاذا امرنا بالصوم يوم الخميس فان صرح لنا الشارع بوجه ان المطلوب الصوم و ضرب له يوم الخميس للتكميل فناتي به يوم الجمعة بالامر الاول و ان لم‌يصرح فليس لنا ان نصوم يوم الجمعة فلعله يكره صوم يوم الجمعة و اما هذا المثال بعينه فنحن و ان علمنا ان الصوم بنفسه مطلوب و الوقت مكمل الا ان الصوم يوم الجمعة مستحب بنفسه مستقل لان الصوم مطلوب بنفسه و ليس بقضاء و اما القضاء فهو الفعل في الوقت الثاني بدلا من الفعل في الوقت الاول الذي تركه و قوله نعم يمكن ان يقال الي آخر يعني به انه اذا ورد الحكم بقضاء عبادة مثلا في بعض الاحوال و لم‌يرد عدم القضاء في حال من الاحوال يفهم من ذلك ان الامر كان متعلقا بماهية ذلك المأمور و ايقاعه في الوقت المعين امر خارج عن مهيته فاذا شككنا في قضائها في حالة غير منصوصة حكمنا بانه القضاء بالامر الاول فانه امر بالمهية و اما في غيرها من الصور و هي عدم ورود ما يدل علي قضائه مطلقا و ورود الامر بالقضاء في بعض الاحوال و نفيه في بعضها و ورود نفي القضاء مع عدم ورود امر بالقضاء ففي هذه الصور يحتاج الي امر جديد و التحقيق [ص 275] ما ذكرنا من انه مع التصريح او القرينة فالمدار عليه او عليها و اما مع عدمهما فالاصل براءة الذمة و رايت النص عليه ايضا .

قال : اصل - هل الامر بشئ علي الاطلاق يقتضي ايجاب ما لايتم الا به من المقدمات مطلقا ام لا مطلقا ام يقتضي في السبب خاصة ام في الشرط الشرعي خاصة ام الامر بالمسبب عين الامر بالسبب وجوه اعلم ان الواجب من حيث عدم تعلق وجوبه بوجود شئ يفرض مطلق و من حيث تعلق وجوبه بوجود شئ يفرض مقيد و مشروط ثم ان لم‌يكن الامر به من جهة الامر بغيره فنفسي و الا فغيري و ان امر به لاجل الطاعة و الانقياد فتعبدي و الا فتوصلي و ان تعلق به الخطاب و الامر اصالة فاصلي و الا فتبعي و قد ينقسم ايضا الي الشرطي و غيره و في تفسيره وجهان و عليك بملاحظة النسب و استخراج مقتضي الاصول اللفظية و العملية في صور الدوران بين تلك الاقسام او بين كون الواجب تعبديا صرفا ام توصليا صرفا ام ذا جهتين مستقلتين ام مرتبطين ثنائيا و ثلاثيا و رباعيا .

اقول المقدمة ماخوذة من مقدمة الجيش اي متقدموه و هي بالكسر و حكي عن بعضهم الفتح او من مقدمة الكتاب و هي ايضا بالفتح و الكسر و مراد الفقهاء منها ما لايتم الشئ الا به و في المقام اقوال فمنهم من قال ان الامر بالشئ يقتضي ايجاب مقدماته مطلقا و منهم من قال لايقتضي ايجاب شئ منها و منهم من خص الايجاب بالسبب و منهم من خصه بالشرط الشرعي خاصة و منهم من قال ان الامر بالمسبب عين الامر بالسبب [ص 276] ثم اخذ المصنف في تقسيم الواجب فقال ان الواجب من حيث عدم تعلق وجوبه بشئ يفرض مطلق كالصلوة فانها مطلقة عن الطهارة مثلا و من حيث التعلق به مقيد و مشروط كتقيد الحج بالاستطاعة ثم ان امر به من اجل نفسه فنفسي كالصلوة او من اجل غيره فغيري كالوضوء و ان امر به لاجل الطاعة لله فتعبدي و نحن ننكر التعبدي لقول الرضا عليه السلام كما ياتي ان شاء الله و ان امر به لاجل حصول امر آخر فتوصلي كغسل الثوب و ان تعلق به الخطاب اصالة فاصلي كالصلوة و الا فتبعي كالحركة الي الصلوة و القيام اليها و قوله و قد ينقسم ايضا الي الشرطي الخ ، فالوجهان في تفسيره احدهما ان الواجب الشرطي ما يكون واجبا تعبدا من دون اقتضاء ككون النزح واجبا مع عدم انفعال البئر فان النزح بشرط صحة الاستعمال من دون نجاسة و ثانيهما ان يكون واجبا عند الاستعمال للاقتضاء السابق و ان لم‌يكن واجبا بنفسه و هو كالنزح اذا قلنا بوجوبه لاجل الاستعمال و مع القول بنجاسة البئر و قوله و عليك بملاحظة النسب يعني النسب بين هذه الاقسام و فيه تضييع العمر بلا فائدة و قوله و استخراج مقتضي الاصول الخ ، يعني مقتضي الاصل في كل قسم من هذه الاقسام عند الدوران و الشك فاذا دار الامر في الواجب بين الاطلاق و التقييد فالاصل فيه بالنسبة الي الموارد متفاوت فان لوحظا بالنسبة الي الوجوب النفسي او الغيري بان لاتعلم هل وجوب العمل كالصلوة مثلا مطلق ام مقيد بوقت معين مثلا او تقليد الاعلم مثلا مقيد بالاطلاع عليه ام لا فالاصل التقييد فانه اليقين و الاصل براءة الذمة عن [ص 277] غير المقيد و هذا اذا كان دليله الاجماع و اما اذا كان دليله لفظيا فالاصل الاطلاق لان الامر المطلق حقيقة في الوجوب و اذا دار الامر بين الوجوب النفسي و الغيري فان كان دليله الاجماع فالاصل الغيري لعين ما مر و ان كان دليله اللفظ فالاصل النفسي لما مر و المدار في اجراء الاصول ان ما ثبت وجوبه بدلالة لفظ فالمدار عليها و الاصل في الزايد العدم و ان ثبت بالاجماع فموضع اليقين مع الزايد و بدونه محل شك و الاصل براءة الذمة ما لم‌يقم اجماع يقيني قوله او بين كون الواجب الي آخر مراده من الواجب التعبدي الصرف كالصلوة و من التوصلي الصرف كغسل الثوب للصلوة و من ذي الجهتين اي التعبد و التوصل في الواجب و هذا قسمان قسم يكون حصول جهة التوصل فيه موقوفا علي جهة التعبد مرتبطة بها كالوضوء فانه موقوف علي قصد القربة و قسم يكون جهة التعبد واجبة مستقلة كما اذا امر بالسقي فانه يجب عليه قصد القربة و بتركه يكون آثما لكن يسقط عنه الامر اذا اتي العطشان الماء لانه من هذا الحيث توصلي فان علمنا بكون الامر الوارد من قسم من هذه الاقسام عملنا بمقتضاه و ان شككنا يمكن ان يكون الشك بين اثنين من هذه الاقسام او بين ثلثة او بين الاربعة و لااعلم وجه تانيث المستقلتين و تذكير المرتبطين .

قال ثم المقدِمة بالكسر تطلق علي مقدمة الجيش و مقدمة الكتاب و ما يتوقف عليه الشئ سببا او جزءا او شرطا او فقد مانع و كل من السبب و الشرط و المانع اما عقلي او شرعي او عادي و الجزء اما ذاتي او جعلي ثم [ص 278] المقدمة اما مقدمة وجوب الشئ او مقدمة وجود ذاته او وجود صحته او وجود العلم به و النسبة بين مقدمة الوجوب و الوجود عموم من وجه ثم هي اما فعلية و اما تركية .

اقول قد عرفت ان المقدمة لغة اتت بالكسر و الفتح معا فان قدم علي التفعيل ياتي بمعني تقدم كقوله لاتقدموا بين يدي الله و رسوله و ياتي متعديا كقوله تعالي فقدموا بين يدي نجواكم صدقة فعلي الاول يقال مقدِمة الجيش للمتقدمين قدام الجيش و علي التعدية يقال مقدَمة بالفتح لانه قدمهم الامير مثلا قدام الجيش و في المقام يحتمل الاحتمالان لان ما جعله الشارع مقدمة لشئ يمكن ان يطلق عليه المقدَمة بالفتح و كذا ما قدمه الطبيعة او العادة باعتبار قوله سببا الي آخر حال من ما و المراد بالسبب علي اصطلاح العلة التامة و يدخل فيه وجود المقتضي و رفع المانع و قد يطلق علي ما يلزم من وجوده وجود شئ آخر و من عدمه عدمه لذاته فيراد في المقتضي و قد يطلق و يراد به العلامة كدلوك الشمس علامة لوقت وجوب الظهر و قد يطلق و يراد به المقتضي و اما الجزء فهو ما يدخل في ضمن الكل و يلزم من عدمه عدم الكل و لايلزم من وجوده وجود الكل و اما الشرط فهو ما يتوقف عليه وجود المشروط و لايلزم من وجوده وجوده و يلزم من عدمه عدم المشروط و قد يطلق علي ما له مدخلية في وجود الشئ في الجملة سواءا كان وجود الشئ موقوفا علي وجوده او علي عدمه و لايلزم من تحقق الموقوف عليه وجود ذلك الشئ و اما المانع فهو ما [ص 279] يلزم من وجوده عدم الشئ و يتوقف وجود الشئ علي عدمه و كل من هذه الاربعة اما عقلي و اما عادي و اما شرعي فالسبب العقلي كالنظر المصيب في العلم الواجب طلبه و السبب العادي كطي المسافة للوصول الي مكة و السبب الشرعي كالطهارة الموجبة لزوال الحدث و الجزء العقلي كالحركة في خصوص الاعمال و الجزء العادي كرفع الاقدام للمشي و الجزء الشرعي كالاركان للصلوة و الشرط العقلي كالتمكن لحصول الواجب و العادي كنصب السلم للصعود و الشرعي كالطهارة للصلوة و المانع العقلي كالاشتغال بالضد لفعل و العادي كالمرض المانع من الفعل و الشرعي كالحيض للصلوة و اما الجزء الذاتي عندهم كاليد لزيد مثلا و الشرعي كالركن في الصلوة قوله ثم المقدمة الخ ، اما مقدمة وجود الشئ فكاجزاء الصلوة و اما مقدمة وجوب الشئ فكدلوك الشمس و اما مقدمة صحة الشيء كالطهارة للصلوة و اما مقدمة العلم كالصلوة الي اربع جهات و قوله و النسبة الخ ، فان الدلوك مقدمة الوجوب لا الوجود و الركوع مقدمة الوجود لا الوجوب و يجتمعان في مثل التمكن من الصلوة قوله ثم هي اما فعلية او تركية فالفعلية كالصلوة الي اربع جهات و التركية كاجتناب الانائين و لعمري ليس في هذه التشقيقات شئ الا صرف العمر و جمع الاشباه و النظاير من غير فائدة يعتد بها .

قال ثم ان دلالة اللفظ علي تمام المراد من حيث انه تمام المراد مطابقة و علي جزئه الضمني كذلك تضمن و علي الخارج اللازم من حيث هو [ص 280] خارج لازم التزام و الاولي لفظية و الثانية تبعية و الثالثة اما بين بالمعني الاخص او الاعم و الاخيرة اما لفظية او عقلية و الاخيرة اما يكون المستفاد فيها تبعيا كالاستفادة او مستقلا .

اقول قوله ثم ان دلالة اللفظ الخ ، يعني ان اللفظ الموضوع علي معني دلالته علي ذلك المعني مطابقة فيكون مدلوله علي طبق المعني و وفقه فان كان المعني بسيطا فلا تضمن له و ان كان المعني مركبا فلما كان المفهوم منه المعني المركب و لا بد في فهم المركب من فهم الجزئين فدلالته علي جزء منهما تضمن و هذه الدلالة ليست اصلية بالوضع بل تبعية و ليست تدل علي الخارج منهما الا اذا كان لازما للمعني المطابقي فدلالته التزامية و هو اما خارجي او ذهني و لكن لي هنا كلام و هو ان اللفظ ليس يدل علي لازم المعني الا ان يكون بحيث اذا سمع اللفظ توجه النفس قهرا الي ذلك المعني و اما الملازمات الكونية التي لايتوجه اليها نفوس العامة بل هي امور خفية يدركها عقول الحكماء و العلماء فلايدل عليها اللفظ الاتري ان سفر زيد مثلا لازم لوجود قرانات فلكية و هي لازمة لاسباب و علل غيبية و ليس يدل قولك سافر زيد علي تلك القرانات و الاسباب و العلل بوجه فلاتغفل من هذه الدقيقة و لاتغتر بمحض ملازمة شئ لشئ بل انظر الي ما يتبادر في ذهن اهل العرف عند سماع اللفظ فما لايتبادر لايدل عليه اللفظ و اعلم ان الدلالة صفة هيئة اللفظ و هي تدل علي هيئة المصداق فما كان من هيئته فهو مدلول اللفظ و كذا ما انطبع فيها من لازم ظاهر الملازمة [ص 281] و اما ساير علله و اسبابه و لوازمه الخفية و ساير مقارناته فلا دلالة لللفظ عليه و امثل لك مثالا ان وعاء المشط مثلا يدل علي هيئة فمن رآه عرف انه وعاء المشط و ليس يدل علي صانعه و علي مادته و علته الغائية و منبت خشبه و هكذا و ان كان جميعها من لوازم المشط فمن هذا تبصر امرك و احفظه و قوله و الثالثة الخ ، يقول ان الالتزام اما بيّن بالمعني الاخص و هو ما يلزم من تصوره عند سماع اللفظ و استشعاره او عند تصور الملزوم و ان لم‌يكن لفظ تصور اللازم كدلالة منطوق الشرط علي مفهومه و دلالة الاقل علي الاكثر كما عندي فلس و اما بيّن بالمعني الاعم و هو اما لفظي و هو ما يلزم من ملاحظة اللازم و الملزوم و اللزوم من الجزم بارادة اللازم كما اذا سمعت صل و توجهت الي معناه و الي تركها و توجهت الي ان الترك يستلزم عدم الامتثال تعرف ان الآمر اراد الفعل و اراد عدم الترك فيدل اللفظ علي حرمة الترك و لعمري هذا ايضا عقلي و تكلف المصنف تكلفا واضحا و اما عقلي و هو علي قسمين احدهما ان يكون الافادة و المستفاد فيه تبعيين و ذلك كمقدمات الواجب فان لفظ الامر بصرافته لايدل عليها البتة بل العقل بعد ملاحظة الامر و مراد الآمر يعلم وجوب المقدمة فاستفادة وجوب المقدمة ليست من اللفظ بل من العقل بعد ملاحظة الامر فالاستفادة و المستفاد تبعيان و ثانيهما ان يكون الاستفادة تبعية و المستفاد مستقلا كمعرفة اقل الحمل بعد ملاحظة قوله تعالي و حمله و فصاله ثلثون شهرا و قوله تعالي و الوالدات يرضعن اولادهن حولين [ص 282] كاملين فالاستفادة منهما تبعية و المستفاد و هو اقل الحمل مستقل و لعمري ليس في هذه التحقيقات علم الا صرف العمر العزيز الشريف و من لم‌يجمع هذه الاشباه و النظاير كلما مر علي مسألة يعرفها بصفاء ذهنه و لم‌يصرف عمره في جمع الاشباه و معرفة النسبة بينها و عدد اقسامها و وضع الاصطلاحات فيها و هي بعينها كعلوم العامة في تفسير القرآن كم فيه الف و كم باء و هكذا و كم آية اولها كذا و آخرها كذا و كم فيه اسم نبي و كم فيه اسم غير نبي و كم فيه اسم عجمي و كم فيه اسم عربي و هكذا و ليس هذه من العلم بمراح و لا مغدي و ان كان عالمه يعلم و غيره لايعلم بالفعل نعم ذلك مبلغهم من العلم .

قال ثم المراد في محل النزاع من المقدمة ما كانت مقدورة لا غير المقدورة لكن في دخول مقدمة تسبب عدم القدرة عليها من فعل المكلف و سلب اختياره بالمرة و اختياره ( باختياره خ‌ل ) وجهان و لا فرق علي الاصح في دخول المقدورة بين الداخلة و الخارجة و العلمية و التركية و السببية و غيرها و ما امر بها مستقلا ام لا و ما كان وجوب ذي المقدمة فيها ثابتا بدليل لفظي ام لبي و من الواجب اعم من النفسي و التوصلي و اما المراد من الوجوب ففيه وجوه اظهرها كون النزاع في استحقاق العقاب علي ترك ذي المقدمة عند ترك المقدمة و فيه عندي نظر .

اقول المراد ان المقدمة المقدورة داخلة في محل النزاع يقينا و غير المقدورة بفعل الله غير داخل يقينا و لا نزاع فيه و انما النزاع فيما اذا كان غير مقدور و لكن بفعل المكلف كمن قطع يده مثلا ثم لايمكنه الوضوء [ص 283] يقول هاهنا وجهان و الحق عندهم ان الممتنع بالارادة اما يمكنه الفعل او لايمكنه فالاول كالكافر لايمكنه التقرب لكفره و لكن يمكنه الايمان ثم التقرب و الثاني كقاطع يده لايمكنه الوضوء بعده ففي القسم الاول يجوز تكليفه و هذا هو الحق الذي لا شك فيه لامكان الايمان له و قد وقع الدعوة علي الكفار مسلما و اما القسم الثاني فاختار المصنف ان فيه الامتناع بالاختيار ينافي الاختيار خطابا و لاينافيه عقابا لكن عقاب سلب الاختيار و الحق في ذلك ان هذا القسم ايضا علي اقسام و هو ان ما كان من فعل المكلف فانه ربما يكون مباحا و ربما يكون واجبا و ربما يكون مستحبا و ربما يكون مكروها و ربما يكون حراما فاذا كان حلالا ماذونا فيه بقول مطلق فعدم تمكنه من الواجب بعده غير مضر به و لا عقاب عليه و ان كان حراما يعذب علي فعله و علي ترك الواجب ايضا و يكشف عن ذلك ما سئل ابوعبدالله عليه السلام عن رجل معه اناءان فيهما ماء وقع في احدهما قذر و لايدري ايهما هو و ليس يقدر علي ماء غيره قال يهريقهما جميعا و يتيمم ، فان قلنا بعدم وجوب الاجتناب عن بعض اجزاء الشبهة المحصورة و كون يهريقهما للاذن او الاستحباب او الوجوب تعبدا فانه يتيمم بعد الاهراق و لا عقاب عليه و كذلك عنه عليه السلام في رجل اصابته جنابة في السفر و ليس معه الا ماء قليل و يخاف ان هو اغتسل ان يعطش قال ان خاف عطشا فلايهريق منه قطرة انتهي ، و الوضوء مثل الغسل لعموم الجواب و السفر من فعل المكلف و لايقدر بعده علي الوضوء و عقابه و عدم عقابه تابع لسفره كما ياتي و كذا [ص 284] سئل عن رجل اجنب في سفره و لم‌يجد الا الثلج او ماءا جامدا فقال هو بمنزلة الضرورة يتيمم و لااري ان يعود الي هذه الارض التي توبق دينه انتهي ، فتبين ان دينه و هو كل صلوة يصليها وابق هالك و من اوبق دينه يعذب لامحة علي ايباق دينه و عن احدهما عليهما السلام انه سئل عن الرجل يقيم بالبلاد الاشهر ليس فيه ماء من اجل المرعي و صلاح الابل قال لا انتهي ، فتبين ان السفر الي تلك البلاد و القيام بها منهي عنه و عن الصدوق قال روي ان اجنبت في ارض و لم‌تجد الا ماءا جامدا و لم‌تخلص الي الصعيد فصل بالتمسح ثم لاتعد الي الارض التي توبق دينك انتهي ، و هو كما مر و قال الرضا عليه السلام مايؤمن من سافر يوم الجمعة قبل الصلوة ان لايحفظه الله في سفره انتهي ، و هو عقوبة تركه صلوة الجمعة و تضييعه لها و سئل ابوعبدالله عليه السلام عن الرجل يسافر فيركب البحر فقال ان ابي كان يقول انه يضر بدينك هو ذا الناس يصيبون ارزاقهم و معيشتهم انتهي ، فالسفر هنا يضر بدينه و لاينبغي و اضرار الدين اضرار صلوته و عدم تمكنه من ادائها كما ينبغي و لايجوز و قال علي عليه السلام لايخرج الرجل في سفر يخاف منه علي دينه و صلوته الحديث ، و الخوف من نقص حصل في دينه و صلوته باختياره و سئل ابوعبدالله عليه السلام عن الرجل تدركه الصلوة و هو في ماء يخوضه لايقدر علي الارض قال ان كان في حرب او سبيل الله فليؤم ايماءا و ان كان في تجارة فلم‌يك ينبغي ان يخوض الماء حتي يصلي قيل كيف يصنع قال يقضيها اذا خرج من الماء [ص 285] و قد ضيع انتهي ، و التقريب فيه انه ضيع و ان كان تكليفه ان يصلي و تضييع الصلوة يوجب العقاب و نحوه انه سئل عن الرجل يخوض الماء فتدركه الصلوة فقال ان كان في حرب فانه يجزيه الايماء و ان كان تاجرا فليقم و لايدخله حتي يصلي ، و التقريب انه ان كان بجهاد مأمور به لايضر بدينه و الا يضر و لذلك نهي عنه و عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله ثمانية لايقبل الله لهم صلوة الي ان قال و الزبين فقيل يا رسول الله و ما الزبين قال الذي يدافع البول و الغايط و السكران فهؤلاء الثمانية لايقبل لهم صلوة ، و التقريب ان فعلهما باختيارهما و ربما كانا في آخر الوقت و تكليفهما الصلوة و لايقبل صلوتهما و هما معاقبان علي تضييعهما لانه عدهما في عداد تارك الوضوء و الجارية المدركة تصلي بغير خمار فعلم من هذه الاخبار ان ازالة المقدمة ان كانت واجبة او مستحبة شرعا لايضره ما نقص من الواجب الموقوف عليه بعده كالجهاد و مثله صلوة المسايف و المواقف و المطارد و امثالهم و ذلك انها فعل وجودي مستقل بنفسه يتعلق به الاحكام الخمسة و لم‌يخلق مقدمة تبعا لما بعده و انما يترتب ما بعده به و ليس هو مترتبا علي ما بعده فافهم و ان كانت حراما او مباحة و لكن توبق دينه فيعاقب علي ايباق دينه و مثله من قطع يده او رجله بلا علة فيوبق وضوءه و اما ان كان لمرض مثلا يخاف منه علي نفسه كمن به الشقاقلوص فهو معذور فليس الامر علي نحو كلي كما زعمه المصنف و هو معذور لانهم لايراجعون الاخبار فاشكر الله علي [ص 286] ما اوقفناك هنا و نوقفك في هذا الكتاب علي الاخبار الساطعة الانوار و اغتنم قوله و لا فرق علي الاصح الي آخر فيه اشارة الي رد قول من قال ان المقدمات الداخلة واجبة بالاجماع و النزاع في الخارجة مع ان منهم من انكر الوجوب حتي في الداخلية و الي رد قول من قال ان العلمية لا نزاع في وجوبها مع ان منهم من انكر وجوبها حتي في العلمية و الي رد قول من قال لا نزاع في ترك ما يستلزم ترك الواجب كترك المشتبهات المحصورة مع انها داخلة في محل النزاع و رد علي ما يظهر من بعض من عدم دخول السببية في النزاع كطي المسافة للحج لما يظهر من بعض آخر من الدخول و ما عن بعضهم ان ما تعلق به امر ليس في محل النزاع كالوضوء فان الكلام في ان الامر بالصلوة هل هو امر بالوضوء مثلا ام لا و هو يشمل جميع المقدمات قوله و من الواجب عطف علي قوله من المقدمة في اول الكلام يعني المراد في محل النزاع من الواجب اعم من النفسي و التوصلي يعني اذا ترك المقدمة يعاقب علي تركها لنفسها او لاجل ترك ذيها و قوله ففيه وجوه اظهرها كون النزاع الي آخر و قوله و فيه عندي نظر متنافيان و هذا ديدن المصنف و الظاهر ان هذا الكتاب تقريرات شيخه الملا شريف المازندراني و ان لم‌ينسب اليه ثم ما خطر بباله من النظر كتبه في محله بالجملة لا فائدة للفقيه في علمه بان ما يعاقب عليه من ترك المقدمة نفسي او توصلي و عقاب واحد او عقابات و المرد الي الله و هو الحاكم المعاقب العليم .

قال و اما ثمرة النزاع فقد تفرض في الفسق و العدالة عند ترك [ص 287] المقدمة و في جواز اجتماع الامر و النهي و عدمه و في اشتراط نية الوجوب و في تعدد العقاب و وحدته و في تعدد الثواب و في النذر و شبهه و للتامل فيها مجال .

اقول يعني ثمرة هذا النزاع قد تظهر في من ترك المقدمة هل هو فاسق ام لا بتركه المقدمة و في جواز اجتماع الامر و النهي و قرروا ذلك بان الامر بالصلوة امر بمقدماتها و من مقدماتها الكون الكلي و الكون الكلي ايضا متوقف علي الاكوان الخاصة و الاكوان الخاصة بعضها مباح كالكون في ملكه و بعضها حرام كالكون في المغصوب فان قلنا بان جميع الاكوان الخاصة مقدمة الصلوة لزم وجوبها علي قول و في محرماتها يجتمع الامر و النهي فان لم‌نجوزه نمنع من كون المحرمات واجبة و ان جوزناه لم‌نبال به و في اشتراط نية الوجوب فان قلنا بوجوب المقدمة لزمنا ان نقول بلزوم نية الوجوب كما في الصلوة الي اربع جهات و في تعدد العقاب و وحدته و في تعدد الثواب و وحدته و في النذر كمن نذر ان يتصدق بمن عمل بواجب هل يجوز ان يتصدق بمن عمل بمقدمة واجب ام لا و للتامل فيها مجال لان الواجب منصرف الي الاصلي بالجملة هذه جميعها آراء منهية و كفاك انه من فرسان ميدانها العامة و الاشعري و المعتزلي و هؤلاء يقولون مثل هؤلاء و هؤلاء مثل هؤلاء و لايعول احدهم علي نص و لايستشهد بكتاب و لا سنة و يحكمون في دين الله و علي الله بآرائهم و قد ورد ما سمعت و تسمع ان شاء الله فيمن يقول في دين الله برأيه .

[ص 288] قال و اما الاصل فعدم وجوب المقدمة باحتمالاته اذ لا اقل من التوقف و ان جعلنا الامر بالمسبب عين الامر بالسبب فمخالفته للاصل واضحة اذا عرفت ذلك فالحق ان المكلف يستحق العقاب علي ترك ذي المقدمة عند ترك المقدمة فهو معاقب علي الترك حقيقة و حكماً لبناء العقلاء و القوة العاقلة و ليس لباقي الاقوال ما يعتمد عليه .

اقول اعلم انه ذكر في الضوابط تسعة احتمالات في معني وجوب المقدمة بتشقيقات خيالية ثم قال و الاصل عدم الوجوب بكل احتمالاته التسعة المتقدمة لان الدليل علي وجوب ذي المقدمة ان كان لفظيا فدلالته عليه قطعية و دلالته علي وجوب المقدمة مشكوكة و الاصل عدمها و كذا اذا كان الدليل لبياً و لا اقل من التوقف لان الالفاظ و الشرعيات توقيفية و كذا ان قلنا ان الامر بالسبب عين الامر بالمسبب فان الاصل عدم ذلك ايضا لان الظاهر ان الامر بشئ يدلّ علي وجوب نفس ذلك الشئ ثم قال و الحق ان المكلف يستحق العقاب علي ترك ذي المقدمة عند ترك المقدمة فانه ترك ذي المقدمة حكما ان لم‌يصل زمان ذي المقدمة و ان وصل زمانه و تركه ايضا يعاقب بتركه حقيقة ايضا و ان قضي انه فعله بسبب آخر هو معاقب بتركه حكما لبناء العقلاء و قضاء القوة العاقلة و لو ترك المصنف هذه المسألة خوفا من ان يكون هذه الآراء مقدمة الحكم بغير ما انزل الله و الافتراء علي الله و خوفا من ان يعاقب حكما او حقيقة لكان اولي فان هذه الاقوال مقدمات ارتكاب المناهي العظيمة و يجب تركها و قوله ليس لباقي الاقوال ما يعتمد عليه [ص 289] صدق كاقواله و ادلته غير المأخوذة من الكتاب و السنة و هذه المسألة محل التنازع و يجب في التنازع الرد الي الله و رسوله و حججه سلام الله عليهم ثم ان الحق في المسألة ان الله سبحانه امر و نهي بالفاظ و فرض فرايض و حرم محرمات و اراد من العباد الامتثال كما قال ابوعبدالله عليه السلام اعلموا انه انما امر و نهي ليطاع فيما امر به و لينتهي عما نهي عنه الخبر ، و مدلول امره و نهيه ما يدل عليه اللفظ لغة او شرعا فانه الذي يفهم من لفظه و مراده و مطلوبه الاتيان بذلك المدلول و ذلك المدلول ربما يتوقف علي امر و يحتاج وجوده الي وجود ذلك الشئ فذلك المدلول موقوف علي ذلك الشئ و تبع لوجوده لا ان ذلك الشئ في ذاته مقدمة خلقت لما بعده فان اتفق وجوده تمكن المكلف مما يتوقف عليه و الا فلايتمكن و المكلفون مختلفون في التمكن من ذلك المدلول و ليس لذلك الاختلاف نهاية و لا غاية مثلا انه امر بالحج و مدلول لفظه و مطلوبه الحج و المكلفون بالحج مختلفون في القرب و البعد من مكة علي مسافات لاتحصي و الامر امر واحد و دلالته دلالة واحدة و ليس يدل علي قطع تلك المسافات واحدة واحدة و لو كان يدل علي قطع الف فرسخ مثلا لكان الواجب العمل بمدلوله و كان الواجب علي كل احد قطع ذلك الالف فرسخ بل جميع المسافات غير المتناهية و هو بديهي البطلان بل المراد و المطلوب فعل الحج فمن كان في مكة يجب عليه الحج بلا سير مسافة و من كان علي فرسخ يجب عليه الحج بدلالة اللفظ و اما قطع الفرسخ [ص 290] بالمشي و نقل الاقدام مثلا فوجوبه طبيعي ظلي فرعي لا اصلي بدلالة اللفظ الاتري انه لو اوصله نبي بطي الارض الي مكة من دون مشي ليس يطالب بالمشي و قد حج و امتثل و اما اذا انحصر الامر بالمشي وجب عليه طبعا للتمكن من المأمور به و هو ظل الوجوب الشرعي و لو ذهب به النبي بطي الارض فليس مضطرا الي المشي طبعا فليس بواجب طبعا و رفع وجوبه عنه هذا اذا كان الواجب طبعيا و اما اذا كان شرعيا فهو بجعل الشارع شيئا مقدمة شئ فاذا امر بذي المقدمة فهو امر به و هو المطلوب و يجب عليه الاتيان بالمقدمة شرعا بدلالة اللفظ الخاص بها علي انها مقدمة ذي المقدمة كما انه امر بالصلوة و جعل مقدمتها الطهارة بامر آخر علي انها مقدمتها فيجب عليك الوضوء امتثالا للامر من باب المقدمة و اما المقدمات التي ليست بفعل المكلف و لم‌يكلف بها و انما هي اسباب اذا حدثت وقع تكليف لاجلها فهي من فعل الله فمهما حدثت وجب مدلول الامر الذي وقع التكليف به كالصلوة عند دلوك الشمس و الحج عند الاستطاعة و اما حكم العقاب في المقدمات الطبعية فان كان يتركها لاجل ترك الواجب فهو عازم علي ترك الواجب الشرعي و لمايترك بجوارحه فيجري عليه ما روي عن مسعدة بن صدقة عن جعفر بن محمد عليهما السلام لو كانت النيات من اهل الفسق يؤخذ بها اهلها اذا لاخذ كل من نوي الزني بالزني و كل من نوي السرقة بالسرقة و كل من نوي القتل بالقتل و لكن الله عدل كريم ليس الجور من شانه و لكنه يثيب علي نيات الخير اهلها و اضمارهم عليها و لايؤاخذ اهل الفسق حتي يفعلوا انتهي ، مع ان النية مقدمة فعل المعصية و قال ابوعبدالله عليه السلام [ص 291] من هم بحسنة فلم‌يعملها كتبت له حسنة فان عملها كتبت له عشرا و من هم بسيئة لم‌تكتب عليه حتي يعملها فان لم‌يعملها كتبت له حسنة و ان عملها اجل تسع ساعات فان تاب و ندم عليها لم‌تكتب عليه و ان لم‌يتب و لم‌يندم عليها كتبت عليه سيئة و عن احدهما عليهما السلام قال ان الله تبارك و تعالي جعل لآدم في ذريته ان من هم بحسنة فلم‌يعملها كتبت له حسنة و من هم بحسنة و عملها كتبت له عشرا و من هم بسيئة لم‌تكتب له و من هم بها و عملها كتبت عليه سيئة ، الي غير ذلك من الاخبار و لم‌يقل في شئ منها اذا ترك او فعل مقدمتها كتب عليه سيئة و انما قال اذا عملها و هو فعل نفس السيئة لا فعل مقدمتها فتدبر فاذا بعد ترك المقدمة علي قولهم و اضمار ترك ذي المقدمة فان قضي له اسباب اقتدر علي العمل به لم‌يعاقب و ان لم‌يقض له اسباب و ترك كتب له بعد الترك سيئة و عوقب عليه و اما المقدمة فلم‌تكن واجبا شرعيا و لم‌يتعلق به امر و انما كان واجبا طبعيا بل عرفت انها من حيث نفسها ليست مقدمة بل فعل وجودي مستقل بنفسه تركه المكلف و اي عقاب علي ترك ما لم‌يوجبه الله علي عبده و اما المقدمات الشرعية فيعاقب علي تركها اذا تركها الي آخر وقتها لتعلق الامر بها و ان كانت فريضة لاجل شئ آخر و لان ذي المقدمة لايحصل الا بها بعينها و لايمكن ان يقضي له اسباب اخر يتمكن بها من ذي المقدمة و اما ما هو من فعل الله فلم‌يقع التكليف بتحصيلها فلا عقاب عليه علي تركها هذا ما يفهم من الاخبار و صحيح الاعتبار و ان المصنف قد حكم علي نفسه بالعقاب حيث [ص 292] ارتكب مقدمة الافتاء بالرأي بل ارتكب المقدمة التركية الشرعية و اعلم ان الاخبار الدالة علي وجوب المقدمة الطبيعية يعني ما يتوقف عليه تحصيل المأمور به كثيرة جدا نذكر شطرا منها هنا قال ابوعبدالله عليه السلام في المني يصيب الثوب ان عرفت مكانه فاغسله و ان خفي عليك مكانه فاغسله كله انتهي ، و لما كان معلوما من الخارج ان الامر بغسل الكل من باب المقدمة فالامر به ارشادي لا انه فرض مستقل و قال من نسي من صلوة يومه واحدة و لم‌يدر اي صلوة هي صلي ركعتين و ثلثا و اربعا ، و التقريب انه لايحصل له العلم بقضاء الواجب عليه الا بان يصلي هكذا و الامر بها ارشادي لتحصيل العلم ببراءة الذمة و قال في المتحير في القبلة اذا كان كذلك فليصل الي اربع وجوه و قيل له ان كنت لااعلم ما فيها اي في الدراهم المغشوشة من الفضة الخالصة الا اني اعلم ان فيها ما يجب فيه الزكوة قال فاسبكها حتي تخلص الفضة و يحترق الخَبَث ثم يزكي ما خلص من الفضة لسنة واحدة و قال احدهما عليهما السلام اذا لم‌يجد المسافر الماء فليطلب ما دام في الوقت فاذا خاف ان يفوته الوقت فليتيمم و ليصل و سئل موسي بن جعفر عليه السلام عن الرجل يعرق في الثوب يعلم ان فيه جنابة كيف يصنع هل يصلح له ان يصلي قبل ان يغسله قال اذا علم انه اذا عرق فيه اصاب جسده من تلك الجنابة التي في الثوب فليغسل ما اصاب جسده من ذلك و ان علم انه قد اصاب جسده و لم‌يعرف مكانه فليغسل جسده كله و سئل عن رجل احتاج الي الوضوء للصلوة و هو لايقدر علي الماء فوجد [ص 293] بقدر ما يتوضا به بمائة درهم او بالف درهم و هو واجد لها يشتري و يتوضا او يتيمم قال لا بل يشتري قد اصابني مثل ذلك فاشتريت و توضات ، الي غير ذلك من الاخبار و هي كثيرة جدا اعرضنا عنها خوف التطويل و هي كلها ارشادية الي التوصل الي الفرض و لو لم‌يكن ارشادية لكانت فريضة مستقلة و هو خلاف الظاهر من الاخبار و اما مثل الامر بالوضوء و الغسل و ستر العورة مثلا فانما هي شروط شرعية و هي بنفسها فرض شرعي و ان كانت للغير فافهم .