قال : اصل - صيغة افعل و ما في معناه كالمزيد و امر الغايب و اسماء الافعال لا مثل الجمل الخبرية الواقعة الماولة ( ماولة خ‌ل ) الي الانشاء حقيقة في الوجوب علي الاصح اي في الطلب مع عدم الرضا بالترك عاليا كان الطالب ام مستعليا ام لا للتبادر فيكون مدلول الصيغة اعم مطلقا من مدلول المادة و احتج الاكثرون علي الوجوب بذم العبد اذا لم‌يفعل بعد قول المولي افعل من غير قرينة و العلو لايصير قرينة اذ النسبة بينه و بين الوجوب عموم من وجه و بالآية الشريفة ما منعك ان لاتسجد اذ امرتك و المراد بالامر قوله تعالي اسجدوا لآدم [ص 228] و الاستفهام انكاري بحكم العقل و الاصل عدم القرينة يوم الخطاب حالية و مقالية لبناء العرف و توهم كون الامر في مقام توهم الحظر فلايفيد الوجوب الا بالقرينة فلايتم الاستدلال ممنوع مع امكان ان يقال ان الامر لم‌يتعلق بنفس المحظور و جعل كلمة الاستفهام حقيقة في الاعم من طلب الفهم للنفس و للغير ينفيه التبادر و لا ملازمة بين المادة و الصيغة في الحقيقة و المجاز و حمل الاستفهام علي التقريري للاقربية الاعتبارية يدفعه كون الانكاري اقرب عرفا و حمل قوله قلنا علي النقل بالمعني بعيد مخالف للظاهر بل لحكم العقل و احتمال اختلاف عرفنا مع عرف الملئكة مدفوع بالاصل و بان كلامنا انما هو في خطاب البشر لا الملك .

اقول اخذ المصنف يستدل علي حق بحق و باطل فقوله للتبادر في محل اختلاف العلماء و اهل النظر عجيب اذ لو كان الوجوب متبادرا الي الاذهان لماخفي علي العلماء الاعيان و لماعدلوا عنه مع علمهم بانه علامة الحقيقة هذا و في عرف اهل اللسان لولا الشرع لا وجوب و لا ندب و انما هو طلب كما عرفت فالمتبادر من افعل هو الطلب كما في كتب اللغة و اما عدم الرضا بالترك فهو شئ خارج يحتاج الي دليل و قرينة من الخارج و يعرف من حال الامر و الآمر و المأمور به و المقارنات و لو كان لماخفي علي اهل العرف و لماصار محل الاختلاف و قوله فيكون مدلوله الخ ، يعني افعل يصدر من الداني و العالي و المستعلي و غيره و اما الامر لايكون الا من المستعلي و اما قوله بذم العبد الي آخر فذلك خطاء محض اخطأ الاولون و استصوبه [ص 229] المتبعون لهم هذا المثال هل هو قبل الشرع ام بعد الشرع فان كان قبل الشرع فمن عبد و من رب تعطي دنانير بيد رجل و تاخذ يد رجل آخر و تقول انت عبدي يجب عليك طاعتي باي دليل و اي وجه فقبل الشرع لا ذم علي رجل عصي رجلا و اما بعد الشرع فقد اوجب الشارع طاعة الرب علي العبد فيذم فالذم لاجل القرينة و ان قلت المثال بعد الشرع و المراد ان الرب اذا قال افعل مع قرينة الرضا بالترك فلا كلام و اما اذا قال افعل بلا قرينة و لم‌يفعل يذم العبد و كفي بذلك في الاستدلال قلت القياس مع الفارق فان هذا المولي محتاج الي المأمور به و ان كان متعلقه غير المولي و اذا عصي العبد لم‌يرفع حاجة المولي فبقي المولي متضررا بترك الامتثال و القرينة بعدم الرضا بالترك موجود و عمل العبد برضاء المولي و اجتناب سخطه لازم ففي المخلوق قرينة عدم الرضا موجودة و الله سبحانه ليس كذلك امر العبد لنفع العبد و نهاه دفعا للضرر عنه و لاتنفعه طاعة من اطاعه و لاتضره معصية من عصاه قوله و الاصل عدم القرينة جواب بباطل عن بحث وارد و قد كررنا القول ان الاصل لايكشف عن الواقع و لايجوز الاستدلال به في الامور الواقعية و ما ادراكم ان المحكي عنه كان لفظ اسجدوا و لعله بالالهام في النفس و الذي يلهم بامر يلهم بوجوبه و قرينته معه و الاصل لايكشف عن الواقع و انت لو نفيت القرينة بالاصل يصير الدليل علي قولكم ظنيا فقاهيا ثم لايجوز الاستدلال به في تاسيس اصل من مسائل الاصول التي تركتم الاستدلال بالاخبار فيها لاجل انها ظنية و تمسكتم بهذه [ص 230] الادلة التي هي اوهن من بيت العنكبوت مع انها اوهن البيوت قوله لبناء العرف لانهم يقراون كتب السلف و يفهمون و لايعتنون باحتمال القرينة الصارفة عن تلك المعاني قوله و توهم كون الامر الي آخر هذا رفع توهم و اصل التوهم في غاية السخافة و هو ان الامر الواقع عقيب الحظر يرفع المنع حسب و يحتاج بعد الي قرينة للوجوب او الندب كما ان النهي الوارد عقيب الامر رافع للوجوب حسب و هنا الامر واقع عقيب الحظر فان السجدة لغير الله كان محظورا و هذا الامر بعده رفع الحظر فلايدل علي الوجوب و هو بان يمات بترك ذكره كان احري من ان يذكر و يرد و لكن المصنف اجاب عنه ان الامر لم‌يتعلق بالمحظور حتي يرفعه و انما امر الله بالسجود لله الي جهة آدم قوله و جعل كلمة الاستفهام الخ ، هذا دفع بحث آخر و هو ان حمل الاستفهام علي الانكار مجاز و هو فرع تعذر الحقيقة و ليست بمتعذرة لان الاستفهام اعم من ان يكون لنفس المستفهم او لمن حضر و الله لايحتاج الي الاستفهام فهو لمن حضر فسأله الله عن علة ترك السجود ليذكر العلة و يفهم غيره و لم‌ينكر عليه فلايدل علي دلالة اسجدوا علي الوجوب و هو كما تري و اجاب المصنف عنه بان المتبادر من الاستفهام الاستفهام للنفس و هو ممتنع فتعين المجاز و ذلك البحث يحتاج الي هذا الجواب غير المرضي و متي تبادر و اي دلالة فيه لو تبادر و لعمري تمرد ابليس و عصيانه و سخط الله عليه بتركه السجود لايحتاج الي بحث و رد و صرف العمر فيهما قوله و لا ملازمة بين المادة و الصيغة [ص 231] يعني قولكم ان صح يجري في مادة الاستفهام و هي ايضا اصطلاح لااعرف وجهه يعني هذه الكلمة المصدرية و لايجري في كلمة ما و هي للاستفهام للنفس للتبادر و لااعرف شيئا من هذه التبادرات التي يستعينون بها في مواضع الخلاف فان التبادر في ذهن الشاك لاينفع و من يعرف عرف ذلك اليوم و اولئك الاشخاص ان ما للاستفهام للنفس و الله يقول و ما تلك بيمينك يا موسي فان اظن هذه الاستدلالات الا محض الفاظ تجري علي السنة اقلامهم قوله و حمل الاستفهام الي آخر جواب بحث آخر و هو ان مع تعذر الحقيقة اقرب المجازات متعين و اقرب المجازات الاستفهام التقريري لا الانكاري لانه مشارك مع الحقيقي في جنس الاستفهام مخالف له في الفصل فان السؤال للغير فاجاب المصنف بان الانكاري اقرب عرفا قوله و حمل قوله قلنا الي آخر جواب بحث آخر و هو ان الآية نقل بالمعني و حكاية الحال لا المقال فلم‌يتحقق الامر باسجد فلم‌يتم الاستدلال فاجاب عنه بانه بعيد و انهم يرونه بعيدا و نراه قريبا قوله و احتمال اختلاف عرفنا الي آخر اضحوكة اخري و هي انه لعل في عرف الملئكة الامر للوجوب و لايدل علي انه في عرفنا كذلك و جوابه احسن منه و هو ان الاصل عدم تعدد الوضع و قد عرفت انه لايكشف عن شئ من الواقع و بان الله بين ذلك للبشر بلفظ اسجدوا فان اراد ما لانفهم فتاخر البيان عن وقت الحاجة و ان كان علي ما نفهم فنحن نفهم الوجوب بالجملة هذه الكلمات حظهم من العلم و اعجب منه انهم يسمون من يقول هذه الكلمات بالعالم و اعجب منه انهم [ص 232] لايرون بعد علما لاحد و لايسمون الحكماء الذين يشقون الشعر عالما .

قال و بالآية الشريفة فليحذر الذين يخالفون عن امره ان تصيبهم فتنة او يصيبهم عذاب اليم فان تهديد مخالف الامر دليل الوجوب و الصيغة المجردة يصدق عليها الامر عرفا و ارادة الوجوب من قوله فليحذر استفيدت من السياق فلا دور بل لايعقل كون الامر بالحذر في خصوص المقام ندبا لدلالتها علي ان مخالفة كل امر محتملة للعذاب الاخروي بل العرف من مادة الحذر يفهم الوجوب بل و يفهم الوجوب و ان اريد من الامر به الارشاد و توهم ان ايجاب الحذر لعله لدفع الضرر المحتمل لاشتراك الامر بين الوجوب و الندب يدفعه اصالة البراءة عند الدوران و كون التعدي بحرف الجر لايلازم التضمين و جعل المخالفة من باب حمل المندوب علي الواجب او عكسه خلاف المتبادر و قوله عن امره بقرينة الوقوع بعد المستقبل يتبادر منه العموم البدلي و لايتصور كون الآية قرينة علي ارادة الوجوب من الاوامر السابقة و يتم الامر في وضع اللاحقة بالاجماع المركب كما في اوامر غير الله و رسوله و توهم ان التاسيس في الآية اولي من التاكيد فالامر ليس للوجوب مندفع بمنع ثبوت القاعدة بل لو ثبتت لم‌تكافي ما سبق .

اقول هذه الآية دليل آخر لهم ينبغي التمسك بها في الاستدلال لما روي عن الصادق عليه السلام ان ما امر الله به ان تجتنبوه فقد حرمه ، فامر باجتناب مخالفة الامر فهي حرام فامتثال امره واجب و من نظر بعين [ص 233] الفطرة و ضم الآيات و الاخبار و العقول بعضها ببعض لايشك في ذلك كما ياتي و استدل لدلالتها بان التهديد دليل الوجوب و صيغة افعل امر و ان قيل لفظة فليحذر امر و يلزم الدور نقول ارادة الوجوب منه يستفاد من السياق قوله و توهم ان ايجاب الحذر الي آخر دفع بحث و هو انه ان قيل ان الامر يحتمل الوجوب و الندب فان اشتبه الامر وجب الحذر دفعا للضرر المحتمل فوجوب الحذر لايدل علي ان الامر للوجوب فاجاب المصنف بان الاصل براءة الذمة حينئذ يعني اذا شككنا في الوجوب و الندب و دار الامر بينهما فالاصل يرجح جانب الندب و لا حاجة الي احتياط الحذر قوله و كون التعدي بحرف الجر الخ ، و ذلك بحث آخر و هو انه ان قال قائل ان خالف متعد فاتيان عن بعده دليل تضمين الاعراض فالمعني يخالفون معرضين عن امره و لا شك ان ذلك حرام و ان كان الامر للندب فاجاب المصنف بان المتعدي اذ اتي بعده حرف الجر لايلازم التضمين و ذلك ممكن من غير تضمين كشكرته و شكرت له و لكن المصنف ماانصف في الجواب لان شكرته و شكرت له واردان و خالفته وارد و خالف عنه ليس بوارد و بمحض الخيال لاينبغي الجواب قوله و جعل المخالفة الخ ، هذا جواب عن بحث آخر و هو ان المخالفة تحصل بجعل الواجب ندبا و الندب واجبا و هي حرام و لاتدل علي ان الامر للوجوب فاجاب عنه بانه خلاف المتبادر و هو محض قول في الجواب كيف هو خلاف المتبادر و عند من و عند اهل اي زمان و كيف عرفت و كيف جربت و هذا البحث يقرب مما ذكرنا اولا [ص 234] قوله و قوله عن امره الخ ، و هذا جواب عن بحث آخر ان المصدر المضاف لايفيد العموم فالحذر عن امر ما كاف فلايدل علي ان جميع الامر للوجوب فاجاب ان وقوع عن امره بعد المستقبل و هو قول يخالفون الدال علي الاستمرار يتبادر منه العموم البدلي ليتحقق الاستمرار فيشمل الكل علي البدلية و علي ما قدمنا لاتحتاج الي هذه التكلفات قوله و لايتصور كون الآية الخ ، هذا دفع توهم آخر و هو ان الآية تدل علي ارادة الوجوب من الاوامر اللاحقة لا انها موضوعة له و الاصل عدم القرينة في السابقة فيقول الاصل عدم القرينة في السابقة و الآية قرينة للاوامر الآتية انها للوجوب فالسابقة كانت بلا قرينة و يتم في اللاحقة بالاجماع المركب كما في اوامر غير الله و رسوله يعني ان قيل ان الآية ان صح دلالتها فهي مخصوصة باوامر الله و رسوله و لاتدل علي مطلق الاوامر نتمه في الباقي بالاجماع المركب و هو محض لفظ و اين قام الاجماع علي هذه الخيالات المستحدثة و كيف حصل العلم بحصر الاقوال في الدنيا ليست هذه الادلة الا الفاظ تلوكها افواه اقلامهم و المآل الي الله قوله و توهم ان التاسيس في الآية الي آخر يعني ان توهم متوهم من جهله ان الامر لو كان للوجوب لكان بنفسه مثبتا للتحذير فتكون الآية موكدة و اما ان كان غير ذلك تكون الآية مؤسسة و التاسيس اولي من التاكيد فاجاب المصنف بمنع ثبوت القاعدة و كليتها و علي فرض الثبوت لم‌تكافي ما سبق و في النسخ لم‌تكافو بالواو و هو رسما غلط .

[ص 235] قال و بالآية الشريفة اذا قيل لهم اركعوا لايركعون فان المستفاد من السياق ذمهم علي المخالفة و الكفار مكلفون بالفروع و الاستدلال علي عدمه بالسفه او التكليف بما لايطاق واهٍ جداً و حمل الركوع علي مطلق الاطاعة خلاف الظاهر كاحتمال كون الذم للتكذيب مع امكان الذم من جهتين و توهم عدم ثبوت الحقيقة الشرعية للركوع مدفوع اولا بثبوتها و ثانيا بان المعني الشرعي اقرب المجازات بعد تعذر اللغة و ادلة ساير الاقوال مدخولة .

اقول يقول المستفاد منها ذمهم علي المخالفة و الذم فرع الوجوب و ان قيل يتم ذلك اذا قلنا بان الكفار مكلفون و ليسوا به لان الله يعلم انهم لايمتثلون و تكليف من يعلم انه لايمتثل سفه و تكليف الكافر مع العلم بانه لايقدر علي العبادة الصحيحة المشروطة بالقربة تكليف بما لايطاق فالمصنف يقول ان ادلتهم واهية جدا و صدق و تكليف من يعلم انه لايفعل اتمام للحجة و قطع للعذر و تهيئة اسباب الهلاك و التكليف بالمشروط تكليف بالشرط و باقي العبارة غني عن الشرح و اما ادلة القائلين بان الامر للندب فليس بقابل للذكر الا اني لا بد لي من الاشارة فمن ادلتهم ما يروون عن النبي صلي الله عليه و آله اذا امرتكم بشئ فاتوا منه ما استطعتم و لا دلالة فيه ابدا بل هو علي الخلاف ادل و مع ذلك هو من طرق العامة و ليس من اخبارنا و من اخبارنا اذا امرتكم بشئ فافعلوا و استدلوا بان اهل اللغة قالوا انه لا فرق بين الامر و السؤال الا في الرتبة و السؤال للندب فالامر ايضا للندب و استدل [ص 236] القائلون بان الامر للقدر المشترك بين الوجوب و الندب بانه استعمل فيهما و المجاز و الاشتراك اللفظي خلاف الاصل فهو مشترك معنوي و استدل القائلون بالاشتراك اللفظي انه استعمل فيهما و الاصل فيه الحقيقة و الاشتراك خير من المجاز و استدل المتوقفون بان كل امر يثبت بدليل و الدليل اما عقلي فلايجري في اللغة و اما نقلي فالآحاد لاتفيد و التواتر غير حاصل و استدل القائلون بانه للجواز بان الجواز المطلق قطعي و الزايد مشكوك و الاصل عدمه و هذه الادلة كما تري و هي ان كانت صحيحة سقيمة لانها راي محض و لايجوز ابتناء جميع احكام الله عليها بهذه الادلة الموهونة التي تسمع و تري و هذه المسألة من المسائل المهمة العظيمة التي يدور عليها جميع الفقه و جميع احكام الله و يجب الاهتمام بها و بسط القول بقدر الامكان فيها و لا قوة الا بالله اعلم انه قد يكون في النفس ميل الي وجود شئ او عدمه و يحصل ذلك بيد غيرها فتريد ايجاد الغير ذلك الشئ او اعدامه اياه فقد يكون تلك الارادة بسيطة يعني تريد ايجاده لا غير او اعدامه لا غير و قد تريد ايجاده و لاتبالي ايضا باعدامه الا ان ارادتها للايجاد ارجح او بالعكس فتريد النفس ان تعبر عن ذلك الميل بلفظ فاللفظ الذي يعبر به عن البسيط لايجاد الشئ هو الامر و اللفظ الذي يعبر به عن البسيط لاعدام الشئ هو النهي معريين عن الضمايم و اما اذا كانت الارادة مركبة فلايفي بها الامر و النهي بصرافتهما فتحتاج النفس الي ضم الضمايم و القراين لتدل علي ان النفس كما تطلب الفعل لاتبالي بالترك ايضا و هما [ص 237] شيئان متضادان لايدل علي احدهما اللفظ المناسب للآخر فكما كان الميل مركبا وجب ان يكون لفظه ايضا مركبا و اللفظ الصالح لظهور ذلك الطلب البسيط يختلف فقد يعبر عنه بالجمل الخبرية و قد يعبر عنه بالجمل الاستفهامية و قد يعبر عنه بفعل الامر و قد يعبر عنه باسماء الافعال و هكذا و لكن اللفظ الموضوع لذلك المخصوص به كما في كتب اللغة لفظ افعل فهو حقيقة في الطلب و البواقي مجاز يحتاج الي قرينة و من هذا البيان ظهر ان الامر لطلب الفعل بسيطا و النهي لطلب الترك بسيطا فان استعملا في غيرهما احتاجا الي القرينة و هما مع قرينة الرضا بالترك ليسا بامر و لا نهي و ان كان صورتاهما صورة تصلح ان يظهر الامر بهما و يكشف عن ذلك و عن كون الامر موضوعا للايجاب لا غيره ما روي عن الرضا عليه السلام عن آبائه عليهم السلام قال علي بن ابيطالب عليه السلام الاعمال علي ثلثة احوال فرايض و فضائل و معاص فاما الفرايض فبامر الله عز و جل و برضاء الله و قضاء الله و تقديره و مشيته و علمه و اما الفضايل فليست بامر الله و لكن برضاء الله و بقضاء الله و بمشية الله و بعلم الله و اما المعاصي فليست بامر الله ( و لا برضاء الله ظ ) و لكن بقضاء الله و بقدر الله و بمشيته و بعلمه ثم يعاقب عليها انتهي ، فبين و اظهر روحي فداؤه ان الفرايض بامر الله و برضاه اي بالفعل و الفضائل ليست بامر الله و لكن برضاه فالذي اخبر به ليس بامر و انما هو لفظ دال علي الرضا و محبة الفعل و المعاصي ليست بامر الله و لا برضاه و محبته فان الله يكرهها و المكروهات تشرك المعاصي [ص 238] في عدم الامر و الرضا و تختلف معها في العقاب و فيها ادني العقاب و هو التبعيد موجود لا محالة و الا لماصار مكروها فعدها عليه السلام في المعاصي لاجل ذلك فالفرايض بالامر و الفضائل ليست بالامر و ان وقع اغلبها بلفظ افعل فالامر حقيقة في الايجاب و كذلك لا شك في العرف و اللغة ان الطالب يطلب بلفظ افعل ان يفعل المطلوب منه ذلك الفعل فان فعل يقال اطاعه لغة و قال اهل اللغة لايكون طاعة الا عن امر كما ان الجواب لايكون الا عن قول يقال امره فاطاعه و عن بعضهم اذا مضي لامره فقد اطاعه و اذا وافقه طاوعه و الطاعة الانقياد فاذا طلب الطالب احداث المطلوب منه فعلاً و احدث فقد انقاد لقوده و عمل بطلبه و اما اذا لم‌يفعل ما طلب منه يقال عصاه يعني لم‌ينقد له و في اللغة العصيان ضد الطاعة و قال ابوعبدالله عليه السلام الطاعة ضدها المعصية الحديث ، فالعصيان امر عدمي و هو عدم الطاعة و عدم الانقياد لامر الآمر قال ابوعبدالله عليه السلام اذا لم‌تطع الله فقد عصيته انتهي ، و هذا شئ لا شك فيه و علي هذا قال الله عز و جل افعصيت امري و قال لايعصون الله ما امرهم و يفعلون ما يؤمرون فوجدنا الاخبار المذكورة مطابقة للكتاب و الكتاب مصدقا لها ثم وجدنا الله يقول فليحذر الذين يخالفون عن امره ان تصيبهم فتنة او يصيبهم عذاب اليم و وجدناه عاتب ابليس بقوله ما منعك ان لاتسجد اذ امرتك و امره قوله اسجدوا لآدم كما حكي لنا تعليما و كالمنا بلساننا و كذلك راينا اباعبدالله عليه السلام قال لهشام اذا امرتكم بشئ فافعلوا و راينا اباالحسن عليه السلام [ص 239] قال اذا امرتك بشئ فاعمل و الا غضب عليك الخبر ، و وجدنا اباعبدالله عليه السلام قال في رسالته الي اصحابه اعلموا انه انما امر و نهي ليطاع فيما امر و لينتهي عما نهي عنه فمن اتبع امره فقد اطاعه و قد ادرك كل شئ من الخير و من لم‌ينته عما نهي الله عنه فقد عصاه فان مات علي معصيته اكبه الله علي وجهه في النار و قال فمهلاً مهلاً يا اهل الصلاح لاتتركوا امر الله و امر من امركم الله بطاعته فيغير الله ما بكم من نعمته و قال ان الله امر رسوله صلي الله عليه و آله بحبهم فمن لم‌يحب من امر الله بحبه فقد عصي الله و رسوله و من عصي الله و رسوله و مات علي ذلك مات و هو من الغاوين ، فتبين من هذه الاخبار الواضحة الموافقة للكتاب المصدقة بعضها بعضا ان الامر حقيقة في الحكم و الايجاب و من ائتمر فقد اطاع و من لم‌ياتمر فقد عصي و ماكان لمؤمن و لا مؤمنة اذا قضي الله و رسوله امرا ان يكون لهم الخيرة من امرهم و من يعص الله و رسوله فقد ضل ضلالا مبينا و هذه الآيات و ان وسوس فيها موسوسهم و اوردوا فيها ايرادات و حلوا و نقضوا و اجابوا و اعترضوا و لكن اذا ضممت بعضها الي بعض و نظرت الي مواقعها و مواردها و نظرت الي الاخبار و مطابقتها مع الكتاب و تصديق الكتاب لها و علمت ان الامر اسم للطلب الموجب بنص الكتاب و مخالفة الامر مطلقا عصيان بالكتاب و السنة لايبقي اذاً موضع شك هذا و الحجج مفترضوا الطاعة بضرورة المذهب و الكتاب و السنة و الطاعة امتثال الامر كما عرفت في اللغة و هو الطلب الموجب او الطلب البسيط كما عرفت في [ص 240] الحديث و اللغة و العصيان خلاف الطاعة و طاعة الحجج مفترضة بالضرورة و عصيانهم حرام بالضرورة و مزيدا علي ذلك فقد قال ابوعبدالله عليه السلام في حديث اعلموا ان ما امر الله به ان تجتنبوه فقد حرمه و انت سمعت قوله فليحذر الذين يخالفون عن امره ان تصيبهم فتنة او يصيبهم عذاب اليم فمخالفة امره صلي الله عليه و آله حرام و يدل علي ذلك ان النافلة تسمي في الاخبار بالتطوع و هو تكلف الطاعة و سميت بالتطوع لانها ليست بالطاعة لان الطاعة لغة امتثال الامر و لم‌يتعلق الامر بالنافلة لما عرفت ان الفضائل ليست بامر الله فالعمل بها ليست بالطاعة التي هي امتثال الامر فهي تطوع قال ابوعبدالله عليه السلام في حديث ذكر فيه صومه شعبان في السفر و افطاره شهر رمضان ان ذلك تطوع و لنا ان نفعل ما شئنا و هذا فرض و ليس لنا ان نفعل الا ما امرنا انتهي ، انظر الي تخصيصه الامر بالفرض و تخصيص الطاعة به و تسميته النافلة بالتطوع و من ضم بعض ما ذكرت الي بعض و نظر بعين الانصاف و جانب الاعتساف يراه واضحا صريحا نصا و من يورد علي هذه النصوص لا مخلص لنص في الدنيا من شره و بهذه الشكوك يمكن الشك في جميع النصوص المحكمة .

قال تبصرة صاحب المعالم بعد اختياره المختار جعل الامر في الندب في عرف الائمة عليهم السلام من المجازات الراجحة المساوي احتمالها لاحتمال الحقيقة لكثرة استعماله فيه في عرفهم فاستشكل في اثبات الوجوب بمجرد ورود امر منهم و فيه منع الكثرة الي حد صيرورته [ص 241] فيه من المجاز المشهور الذي هو ثالث الدرجات الخمس المتصورة في استعمال اللفظ في معناه المجازي الي ان يصل الي حد النقل بل الكثرة انما هي في خصوص الاوامر الشرعية بل كثرتها ايضا حصلت من استعمالات مجموع الائمة فلاتثبت مراده مع ان استعماله في الندب ليس بازيد من استعمال العام و المطلق في الخاص و المقيد و استعمال الفاظ العبادة في المعاني الشرعية فلم لايتوقف فيها و لو في اصل المجاز و نوعه ثم الحق امكان المجاز المشهور للاصل و وقوعه لوقوع النقل التعيني و الضرورة قضت ببطلان الطفرة لكن في تقديم المجاز المشهور علي الحقيقة كما عن ابي‌يوسف او الحقيقة كما عن ابي‌حنيفة او الوقف كما عن العلامة وجوه اظهرها الوقف فقاهة لا اجتهادا فتامل .

اقول قوله الدرجات الخمس احديها ان يكون المتبادر من اللفظ المعني الحقيقي من دون احتمال الغير و ثانيتها ان يتبادر الحقيقة و يشك في المجاز و ثالثتها ان يتبادر الحقيقة و يترجح المجاز و رابعتها تبادر الحقيقة و المجاز معا كساير المشتركات و خامستها ان يتبادر المعني المجازي فالمجاز الراجح هو الدرجة الثالثة و اختلفوا في ترجيح احدهما علي الآخر كما ذكره المصنف و اختار المصنف التوقف و قيل في الدرجات ان الدرجات ثلثة و هي في كثرة الاستعمال في كل واحد بان يكون الحقيقة اكثر او المجاز اكثر او متساويين و المصنف رد صاحب المعالم اولا بانا نمنع الكثرة الي هذا الحد و ثانيا ان الكثرة وقعت في الاوامر الشرعية الواردة في المندوبات دون ساير محاوراتهم [ص 242] و لقائل ايضا ان يقول انا نمنع من ذلك كما منعت و ثالثا انه لم‌يستعمل كل امام بمقدار ان يساوي استعماله في الوجوب و انما نري اليوم استعمال كل الائمة جميعا فنراه كثيرا و لقائل ان يقول ما ذكرته محض ادعاء و رابعا بان استعمال المطلق في المقيد و العام في الخاص كثير بحيث قيل ما من عام الا و قد خص فيلزمه ان ياخذ كل مطلق مقيدا و كل عام خاصا و ذلك ايضا لاينقض علي صاحب المعالم قوله فلعل له وجها آخر في الاخذ بهما و اعلم ان القوم يحسبون ان المطلب يثبت بتعجيز الخصم فمهما عجز خصمهم عن اقامة حجة علي مدعاه حسبوا انهم فلجوا بمدعاهم و الحال انه يمكن ان يكون كلامهما معا باطلا و يكون الحق مع ثالث بالجملة هذه الادلة ان دلت و صحت و حقت لايمكن التعويل عليها فانها راي محض في اصل يبتني عليه جميع الفقه و لايجوز ان يكون مبناه علي اساس رخو لا ثبات له و لا استحكام و اعلم ان هذه المسألة من المسائل الكلية التي يجب ان يعتني بها كثيرا و يستحكم امرها استحكاما شديدا يكون مصونا عن التضعضع لكونها مبني جميع امور الشرايع و القوم اكتفوا فيها بهذه الادلة التي لاتسمن و لاتغني من جوع و لا فائدة فيها فنقول اعلم ان آل‌محمد عليهم السلام بنوا في امر الدين ان يكتفوا بما في ايدي الناس ان كانت بديهية ضرورية لا اختلاف فيها و اما ما كان فيه اختلاف و تنازع للعقول تصدوا بالهداية و التعليم و القاء ما عندهم الي الرعية و ذلك منصبهم من عند الله فقد قال الله عز و جل و ما اختلفتم فيه من شئ فحكمه الي الله و [ص 243] قال و ان تنازعتم في شئ فردوه الي الله و الرسول و قال فلا و ربك لايؤمنون حتي يحكموك فيما شجر بينهم الآية ، فالامر الذي فيه تنازع العقول يجب ان يكون فيه حكم منهم فان سألهم احد اجابوا و الا ابتداوا و انت تعلم ان القوم لم‌يجدوا في هذه المسائل كتابا و لا سنة و انما يتكلمون فيها بعقولهم الناقصة و لو وجدوا فيها حديثا واحدا لجعلوه كحل اعينهم و تاج رؤسهم و لما عجزوا عن ذلك و يئسوا عن آل‌محمد عليهم السلام باعراضهم عنهم تصدوا بعقولهم فاثبتوا دينهم بهذه الادلة و لقد رايت سخافة البحث و الرد في هذه المسألة مع انها مبني جميع الشرع كملا فاريد ان اكتب ما عندي في هذه المسألة و هو انك قد عرفت بالكتاب و السنة ان الامر في مقام التكليف هو الحكم و الشارع هو صاحب الامر و الحكم و طاعته الائتمار بامره و معصيته ترك الطاعة و هو المفترض الطاعة من عند الله عز و جل فاوامره ايجابية و لو اراد غير الايجاب لنصب قرينة او صرح بعدم ارادة الايجاب و من وجد اوامر كثيرة او قليلة في الندب فانما عرف انها في الندب بالقرائن و هذه الاقوال كلها ظنون لاتغني من الحق شيئا و نهينا عن اتباعها و ليس لها من عند الله برهان و لايوقف لها علي حد هذا و الذي حصل لنا به القطع الذي لا شك فيه و لا ارتياب و هو كالاجماع الذي لا اختلاف فيه و لا ارتياب ان محمدا و آل‌محمد عليهم السلام لم‌يريدوا من الرعية ان يعرفوا الواجب و المستحب و يميزوا بين الحرام و المكروه بل قنعوا من الاولين بالفعل و من الآخرين بالترك و لم‌يريدوا [ص 244] من الرعية نية الوجه في الاعمال و قد حصل لنا بذلك الاجماع الذي لا ريب فيه و يشهد به جميع السنة و السيرة المستمرة بين المسلمين و من كان فقيها متتبعا في الاخبار عرف ذلك بلا غبار فاذ لم‌يريدوا ذلك لم‌يكونوا بصَدَد توضيح هذه المسألة توضيحا بينا يفهمه كل احد و لم‌يعلموا صلاح الرعية في العلم بذلك اذ العلم بذلك يدعوهم الي ترك اكثر المندوبات و ارتكاب اكثر المكروهات كما فتح متاخروا الفقهاء هذا الباب و ادي الي ما ذكرنا في اكثر الابواب و اما قدماء اصحابنا الذين كانوا يفتون بمتون الاخبار كان فتاويهم افعل لاتفعل من دون تصريح بالوجوب و الندب و الكراهة و الحظر و منذ فتح المتأخرون هذا الباب كثر الخلاف بينهم و الارتياب و جل تنازع الفقهاء في الوجوب و الاستحباب و الا فالرجحان مجمع عليه و كذا في الكراهة و الحرمة و الا فالمرجوحية مجمع عليها و لو تركوا ذلك لقل الاختلاف و حصل الايتلاف و صار ادعي للعمل بالسنن و لترك المكروهات فعلم ان السبيل الاقوم هو سبيل فتاوي محمد و آل‌محمد عليهم السلام و هذا السبيل هو سبيل اعدائهم كما يشهد به كتبهم في الفتاوي و بعد ما راجع اصحابنا كتبهم سلكوا مسلكهم فاذا لم‌يكن الصلاح في معرفة وجوه الاحكام و كان يكفي الامتثال و الانتهاء لم‌يكن كثير حاجة الي معرفة الوجوه الا اذا سأل احد عن الترك فح كانوا يصرحون بالجواز و لذلك صار دليل الاستحباب في الاخبار غالبا التصريح بجواز الترك و دليل الكراهة التصريح بجواز الفعل فان اردتم النجاة فاسكتوا عما سكت الله و ابهموا ما ابهمه الله و [ص 245] لاتحكموا بالظنون في دين الله و تبعدوا بين الاسفار و اسلكوا سبل النبي المختار في اظهار دين الله الجبار و لايجوز تاصيل اصول بهذه الادلة السخيفة التي لم‌يقوم شئ منها شيئا الا و كسره دليل آخر مثله فان جهات الشئ لاتحصي و كل احد ينظر من جهة و يقيس باقي الجهات عليها و لايجوز وضع القاعدة بتقديم المجاز المشهور علي الحقيقة او العكس بهذه الادلة ثم بناء الدين كلا عليها نعوذ بالله من بوار العقل و قبح الزلل و به نستعين و لااجد والله طريق النجاة الا في سد ابواب هذه العقول و فتح باب التسليم و القبول و ذلك من الله مأمول :

هذا جناي و خياره فيه و كل جان يده الي فيه

قوله ثم الحق امكان المجاز المشهور يعني يمكن ان يستعمل لفظ في المجاز كرات حتي يصير ارادته عند المستمعين ارجح من الحقيقة للاصل اي للقاعدة المأخوذة من طريقة العقلاء ان ما شك في امكانه و امتناعه حكموا بامكانه و هذه القاعدة الشريفة مستنبطة من الاستقراء في المفاهيم المتصورة في الذهن فلما كان اغلبها ممكنا قاسوا عليها ذلك المشكوك ايضا قوله و وقوعه اي هو واقع لانا قاطعون بوقوع المنقول التعيني و هو آخر المراتب الخمسة المذكورة و لايمكن الوصول من الدرجة الدنيا الي الدرجة العليا الا بالعبور علي الثالثة لقضاء الضرورة ببطلان الطفرة و دليل من قدم المجاز كثرته و دليل من قدم الحقيقة اصالتها و قوله اظهرها الوقف فقاهة لا اجتهادا يعني انا لانعلم ان بناء العرف علي تقديم المجاز علي الحقيقة و الادلة و القواعد الخارجية متعارضة توجب [ص 246] التوقف فهذا التوقف فقاهي و لو كنا نعلم ان بناء العرف علي الوقف لكان التوقف اجتهاديا هذه الاشارة الي مراده من هذه الكلمات التي لايجوز التعويل في الدين علي شئ منها .

قال : اصل - الحق ان الامر بالامر امر للتبادر و عدم صحة السلب و بناء العرف علي ذم الثالث ان لم‌يفعل بعد علمه و ان لم‌يبلغ الواسطة اليه و علي ذم الاول لو عاتبه علي الفعل حينئذ و اتفاق المسلمين علي كون اوامره صلي الله عليه و آله من جانبه تعالي الا ان يجعل الاخير من باب القرينة و دليل الخصم ضعيف فتامل و تظهر الثمرة في مقام التوكيل و في النذر فيما لو توضأ الصبي ثم بلغ بالسن مثلا او صلي الظهرين ثم بلغ قبل خروج الوقت .

اقول ثمرة النزاع انه اذا امر زيد عمرا و قال لعمرو مر بكرا ان يبيع الفرس فان لم‌يامر الواسطة و لم‌يبلغ و سمع بكر امر زيد هل امر زيد امر لبكر ام لا فمنهم من قال انه امر للثالث و استدل عليه بالتبادر و هو ممنوع و كذا عدم صحة السلب و هو محض ادعاء و بناء العرف ليس علي ذلك مطلقا و اما قوله اتفاق المسلمين علي كون اوامره الخ ، فذلك خارج عن محل النزاع لوجوه حكمية و لا كلام فيه و استدل النافون بانه لو قيل لمولي مر عبدك يتجر فلو كان ذلك امرا للثالث لكان تصرفا في ملك الغير و لكن لقائل ان يقول من يامر واسطة بالابلاغ له فوائد كثيرة و الحكيم و المعصوم لايفعلان العبث فلعله يريد اظهار علو درجة الواسطة في المثال المذكور او يريد طاعة الثالث للواسطة و ذلك امر آخر [ص 247] و لعله يريد تاخير الامتثال الي بعد البلوغ او يريد خروجه من فم غيره و صدوره عن غيره او في ذلك امتحان للواسطة و لايحب ان يتبادر الثالث الي فعل ما امر فلو قال مر زيدا ان يبيع فرسي وكالة عني فما لم‌يبلغ الواسطة ليس بوكيل و لو سمع او اطلع علي ما قال و اما المثالان الباقيان فيستنبط من الاخبار و لانحتاج الي ان نقول لولا الخبر لكان حكمه كذا قال ابوعبدالله عليه السلام سألني ابن‌شبرمة ما تقول في القسامة في الدم فاجبته بما صنع رسول الله صلي الله عليه و آله قال ارأيت لو ان النبي صلي الله عليه و آله لم‌يصنع هذا كيف كان يكون القول فيه قال قلت له اما ما صنع النبي صلي الله عليه و آله فقد اخبرتك و اما ما لم‌يصنع فلا علم لي به و سئل عليه السلام عن مسألة فاجاب فيها فقيل ارأيت ان كان كذا و كذا ما كان يكون القول فيه فقال مه ما اجبتك فيه من شئ فهو عن رسول الله صلي الله عليه و آله لسنا من ارأيت في شئ ، فما قاله في الضوابط بان القول في المسألة من حيث نفسها هكذا و ان امكن وجود دليل خاص في المسألة الفقهية ليس مما ينبغي بالجملة لم‌يثبت من جانب الشرع ان الامر بالامر امر و هذه الاحتمالات التي ذكرنا قائمة و الاصل براءة ذمة الثالث حتي يثبت الاشتغال من جانب الشارع و لايجوز التصرف في مال الغير الا باذنه و لم‌يثبت كون ذلك اذنا قبل الابلاغ لقيام الاحتمالات و اما كون اوامر النبي صلي الله عليه و آله اوامر الله فلايجدي شيئا لانه رسول الله و بلغ عن الله و قبل الابلاغ لم‌يسمع احد من الله و بعد الابلاغ ماينطق عن الهوي [ص 248] ان هو الا وحي يوحي و كذلك الائمة عليهم السلام و لو استدل علي ما اخترنا بقوله تعالي و لاتعجل بالقرآن من قبل ان يقضي اليك وحيه و بقوله لاتحرك به لسانك لتعجل به الي ان قال فاذا قرأناه فاتبع قرآنه لم‌يكن بعيدا عن الصواب .

قال : اصل - هل الامر الوارد عقيب الحظر و لو وهماً يفيد الوجوب او الندب او الاباحة الخاصة او العامة او يتبع ما قبل النهي اذا علق الامر بزوال علته او لا بد من الوقف وجوه و مرجع النزاع الي ان تقدم الحظر هل هو قرينة صارفة ام لا كنزاعهم في صارفية الشهرة و الضمير الراجع الي بعض افراد العام و الاستثناء الواقع عقيب الجمل و غيرها من الصوارف التي لها جهة جامعة و افراد كثيرة مع خفاء صرفها و محله اذا تعلق الامر بنفس المحظور و الاصل فيه الوقف سواءا جعلنا عدم القرينة جزء المقتضي لحمل اللفظ علي الحقيقة او وجودها مانعا عنه و اما اجراء الاصل بتوهم ان الاصل عدم صارفية هذا الحادث او عدم الالتفات اليه او ان الاصل الحقيقة لاستصحاب الظهور او ان الاصل في الاستعمال الحقيقة فلا وجه له فتامل و الحق افادته الاباحة العامة مطابقة و ان انصرف اطلاقه الي الاباحة الخاصة للتبادر فتامل و حجج ساير الاقوال ضعيفة .

اقول اصل النزاع انه اذا كان حظر سابق يقيني او مظنون او متوهم ثم ورد امر بعده هل يكون قرينة صارفة للامر عن الوجوب ام لا اختلفوا في ذلك علي آراء فمنهم من قال بعدم الصرف و منهم من قال ان الامر [ص 249] يصير للندب و منهم من قال للاباحة الخاصة اي تساوي الطرفين و منهم من قال للاباحة العامة يعني مطلق الجواز الذي هو اعم من الوجوب و الندب و الكراهة و منهم من قال بالتوقف و منهم من قال بالتبعية لما قبل النهي اذا علق الامر كقوله تعالي اذا حللتم فاصطادوا و لو وجدوا وجها سابعا لقالوا به و منهم من عمم محل النزاع في كل صارف عن الحقيقة سواءا كان الحظر او لفظ آخر و قال الصوارف مختلفة قسم بين الصرف و لا نزاع فيه و قسم بين عدم صرفه و لا نزاع فيه و قسم مشكوك و ذلك كنزاعهم في صارفية الشهرة في المجاز المشهور هل تصرف اللفظ عن الحقيقة ام لا و كالضمير الراجع الي بعض افراد العام هل يصير قرينة ارادة المجاز من العام و كالاستثناء الواقع عقيب الجمل و كالامر الواقع عقيب الحظر يصرفه عن الوجوب ام لا و محل هذا النزاع اذا كان الامر واردا علي نفس المحظور نحو لاتشرب هذا الماء و اشرب هذا الماء دون شئ آخر كلاتخرج من الدار الي البستان و اخرج الي المسجد قوله و الاصل فيه الوقف الي آخر فالبرهان الذي اقامه في الضوابط انه ان شككنا في حدوث الصارف فهنا احتمالان احدهما ان الباعث علي حمل اللفظ علي الحقيقة شئ مركب من جزئين و هما وجود اللفظ و عدم قرينة المجاز فعلي هذا اذا شككنا في عدم القرينة فالاصل عدم وجود المقتضي فالمقتضي مشكوك فالاصل الوقف فلانحمله علي الحقيقة و لا علي المجاز و ثانيهما ان يكون الباعث بسيطا و هو وجود اللفظ و القرينة مانعة خارجة عن المقتضي فاذا شككنا في المانع [ص 250] فالاصل عدمه و المقتضي موجود فينبغي ان يحمل علي الحقيقة و يمكن ان يقال في الصورة الاولي ايضا ان احد جزئي المقتضي موجود بالعيان و الجزء الآخر بالاصل فتمام المقتضي موجود فيحمل علي الحقيقة و ان شككنا في صارفية الحادث فكذلك ايضا و لااعرف من هذا البرهان لزوم الوقف و كيف استنتج منه الوقف بل هو دليل الحمل علي الحقيقة في جميع الحالات و اما ما ذكره من ادلة المتوهم علي قوله انه لا وجه له هو بعينه ما استدل به فلااعرف علة عدم وجه له قوله و الحق افادته الاباحة العامة الخ ، و دليله التبادر يعني اذا كان بعد الحظر يفيد الاذن مطلقا و اما نفس لفظ الامر علي الاطلاق فهو يفيد الاباحة الخاصة و باقي العبارة ظاهر و جميع ذلك آراء مذمومة منهي عنها لايجوز التعويل علي شئ منها في دين الله كما عرفت مكررا و الذي اقول في هذا المقام انه اذا صدر تحريم شئ عن الشارع ثم نسخ ليس يمتنع ان ينسخ بالاذن العام و رفع التحريم و ليس يمتنع ان ينسخ بالوجوب و لا بالندب و لا بالاباحة و كلها ممكن الوقوع و ليس علي اختيار واحد منها برهان من كتاب و لا سنة و هذه الاصول لاتكشف عن ارادة الشارع و ادعاء التبادر في محل هذا الاختلاف العظيم غير مسموع و العرف و المقامات مختلفة و علي هؤلاء المتنازعين الرجوع الي الله و رسوله و اولي الامر سلام الله عليهم و لايجوز لهم القول بآرائهم و علي الشارع البيان و التفهيم و هو معصوم لايقصر و ان قلت ان بين الشارع فلا كلام و كلامنا عند عدم القرينة قلت كلامكم هذا مثل ان يقول قائل لو كان الامام [ص 251] مقصرا و كان غير معصوم كيف كان يكون و هو كلام باطل الامام عليه التفهيم و الابلاغ كيف ما شاء و اراد فان سكت فاسكتوا عما سكت الله و ان نطق فاتبعوا ما نطق و التكليف فعل المكلِف بالكسر و لا تكليف الا بالبيان و اذ لا بيان فلا تكليف فلاتكلفوا ما لم‌تكلفوا و السلام فان كان الناسخ بلفظ الامر فهو حقيقة في الوجوب و مجاز في ساير المعاني و لايصرف اللفظ عن حقيقته الا بالقرينة و اذ لا قرينة يحمل علي الوجوب و محض تقدم الحظر ليس دليل كون الامر مستعملا في المجاز و ادعاء التبادر غير مسموع في مقام اختلاف اهل العلم .

قال : اصل - هل الامر بمجرده للمرة او التكرار او مشترك بينهما او للمهية المحضة او لا بد من الوقف اقوال ثم المرة قد يراد بها ايجاد الفرد الواحد و قد يراد بها الدفعة و النسبة بينهما عموم مطلق ثم هي اما لا بشرط او بشرط لا تقييدا او تعددا و التكرار ايضا يكون تقييديا و تعدديا و المراد دلالة اللفظ علي التكرار الابدي و ان كان التقييد بالامكان العقلي او الشرعي ثابتا من الخارج .

اقول يريد ان يقول اذا صدر امر من الشارع من غير قرينة هل يدل علي المرة يعني مطلوبه اتيان المكلف بالمأمور به مرة واحدة او مرات عديدة من حيث الدلالة او مشترك بينهما اشتراكا لفظيا او مطلوبه المهية المحضة من غير تقييد بالمرة و التكرار او هو مجهول و لا بد من الوقف اقوال و بكل قال قوم ثم المرة قد يراد بها ايجاد الفرد الواحد من افراد الماهية و قد يراد بها الدفعة كقولهم ارتمس في الماء مرة [ص 252] واحدة يعني دفعة من غير تدرج و النسبة بينهما عموم مطلق فان الدفعة تتفق مع المرة الواحدة و مع المرات كعتق عبد واحد و عتق عبيد متعددة دفعة واحدة و اما الذي في اللغة المرة التارة ففعلت ذلك مرة اي تارة و عن بعضهم المرة الفعلة الواحدة و لم‌ار بمعني الدفعة فلاتغفل ثم المرة اما لا بشرط الاتيان بالاكثر و عدمه او بشرط لا يعني عدم الزيادة علي المرة تقييدا يعني بحيث يكون ترك الزيادة قيد صحة الامتثال بتلك المرة او لايكون قيدا بل دلالة الامر شيئان الاتيان بتلك المرة و عدم الاتيان بالزيادة بدلالة اخري و اما علي القول بالتكرار يكون التكرار ايضا تقييديا يعني لايحصل الامتثال بكل مرة مرة الا بعد الاتيان بالكل او تعدديا يعني يدل علي كل فرد فرد منفردا منفردا و يحصل الامتثال بما اتي به منها و المراد من التكرار من حيث دلالة اللفظ التكرار الابدي و التقييد بالامكان الشرعي او العقلي يستفاد من الخارج .

قال و اما ثمرة الخلاف فتظهر في انه ان اتي بافراد من المهية تدريجا فعلي المرة التقييدية لا امتثال و علي تعدد المطلوب يكون بالاول ممتثلا و بما زاد عاصيا و علي اللابشرط و المهية من حيث هي ممتثل بالفرد الاول يقينا و في امتثاله بالفرد الزايد وجهان اظهرهما العدم بل هو عاص في الزايد للبدعة لا لدلالة اللفظ او دفعة و كان المراد بالمرة الفرد الواحد فعلي المرة التقييدية لا امتثال و كذا علي تعدد المطلوب ان قلنا بعدم جواز اجتماع الامر و النهي او قلنا بجوازه [ص 253] و لكن لم‌يعين المأمور به فيما يشترط تعيينه و علي المرة اللابشرط و المهية يكون الحال كتعدد المطلوب الا ان النهي هنا للتشريع و يظهر الفرق بين الاخيرين في النية في وجه او كان المراد بالمرة هو الدفعة فعلي المرة التقييدية لا امتثال لدلالة الاصل و قاعدة التشريع المحرمة للفرد الزايد و علي تعدد المطلوب يبني الامر علي جواز اجتماع الامر و النهي و عدمه بالتفصيل المتقدم آنفا و كذا علي المرة اللابشرط و المهية يبني الامر علي جواز الاجتماع و عدمه ثم مقتضي الاصل العملي متي دار الامر بين التكرارين هو التقييدي للاشتغال و البراءة او بين المرة اللابشرط او المهية و بين المرة التعددية هو المرة اللابشرط لاصل البراءة او بين المرة التقييدية و اللابشرط او بينها و بين المهية اللابشرط هو المرة التقييدية لاصل الشغل و هكذا فقس ساير صور الدوران و استخرج و الاصل اللفظي الفقاهي هو الوقف و الاجتهادي هو الوضع للمهية لاصالة عدم الوضع لغيرها الا ان يمنع جريان هذا الاصل او اعتباره .

اقول مراده انه اذا قال الشارع اعتق فاعتق خمسة عبيد تدريجا فان كان معني قوله اعتق واحدا بشرط ان لايكون ازيد فلا امتثال و ان كان المطلوب متعددا يعني معناه اعتق واحدا و لاتعتق ما زاد عليه صح الواحد و بطل الزايد و ان كان المراد من اعتق اعتق لا بشرط او مهية عبد كيفما اتفق صح الاول و اما ما زاد عليه فمنهم من قال انه جايز و منهم من قال انه بدعة و هو عاص اذا فعل و ان اعتق دفعة واحدة و كان المراد من المرة الفرد الواحد اما في المرة التقييدية فظاهر انه لا امتثال [ص 254] و اما في تعدد المطلوب يعني كون المراد اعتق واحدا و لاتعتق ازيد من حيث انه اعتق خمسة دفعة اتي بالمنهي عنه و من حيث انه اعتق واحدا في ضمنها اتي بالمأمور به فان قلنا بعدم جواز اجتماع الامر و النهي فلا امتثال و اما علي جوازه فان كان اللازم عتقه متعينا و لم‌يعين فلا امتثال و ان لم‌يكن لازما حصل الامتثال و ان قلنا ان قوله اعتق للمرة لا بشرط عدم كون غير معه او للمهية فيحصل الامتثال في ضمن فرد و الزايد لا دليل علي شرعيته فهو بدعة فيجتمع عليه الامر و النهي فيكون حكمه كما مر و الفرق بين هذين في النية لا في شئ آخر و ان كان المراد بالمرة الدفعة و قد اعتق دفعة خمسة فعلي المرة التقييدية لايحصل الامتثال لان القدر المتيقن عتق واحد دفعة و اما عتق خمسة دفعة فلا دليل عليه و هو بدعة و حرام و علي التعددية ايضا لم‌يحصل الامتثال بل هو حرام و بدعة فان الشارع قال اعتق دفعة واحدا و لاتعتق ازيد منه فان اعتق واحدا دفعة لا غيره حصل الامتثال و ان اعتق الجميع دفعة فالزايد مشكوك و لا دليل علي جواز الاتيان بالاكثر فهو بدعة و حرام فيبني الامر علي جواز اجتماع الامر و النهي كما مر قوله ثم مقتضي الاصل العملي متي دار الامر بين التكرارين يعني التكرار التقييدي اي المقيد بكونه لا واحد او التعددي يعني افعل مكررا و لاتفعل مرة هو التقييدي لان معني التكرار التقييدي افعل المجموع بشرط عدم الاكتفاء بالبعض فالمأمور به المجموع من حيث المجموع و المراد بالتكرار التعددي افعل المجموع و لاتكتف بالبعض [ص 255] فالاول تكليف واحد و لايحصل البراءة من الاشتغال الا بالمجموع و الثاني تكاليف متعددة و الاصل عدم التكاليف المتعددة و براءة الذمة عنها و متي دار الامر بين المرة اللابشرط او المهية و بين المرة التعددية فالاصل هو المرة اللابشرط لان الاصل البراءة عن التكاليف المتعددة و اذا دار الامر بين المرة اللابشرط او المهية و بين المرة التقييدية فالاصل هو المرة التقييدية لاصل الاشتغال و عدم حصول البراءة بالاتيان بالواحد لا غير و قوله و الاصل اللفظي الفقاهي هو الوقف لان الالفاظ توقيفية فعند الشك ينبغي التوقف و قوله و الاصل الاجتهادي الي آخر و الحق انه فقاهي ايضا لا اجتهادي لاجراء الاصل فالتفات الواضع الي المهية قطعي و الي القيود الزايدة مشكوك و الاصل عدمه الا ان يمنع مانع جريان هذا الاصل او اعتباره فان الالتفات المجمل الي القيود قطعي و الشك في متعلق الالتفات فلايجري استصحاب عدم الالتفات او يمنع اعتباره في الالفاظ لعدم دليل علي اعتباره من الكتاب و السنة بالجملة هذه خيالات القوم و جميعها عندي كاضغاث احلام و آراء منهية و لايجوز ابتناء الاحكام الالهية عليها و ان تنازعتم في شئ فردوه الي الله و الرسول و ما اختلفتم فيه من شئ فحكمه الي الله فلا و ربك لايؤمنون حتي يحكموك فيما شجر بينهم الم‌تر الي الذين اوتوا نصيبا من الكتاب يدعون الي كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولي فريق منهم و هم معرضون و قال و اذا دعوا الي الله و رسوله ليحكم بينهم اذا فريق منهم معرضون فاذا تحاكمنا الي الله و الرسول [ص 256] رايناهما جبها بالرد كلية عن جميع ما قالوه بالرأي فلا حاصل لنا في ديننا و دنيانا ان نزيف بعضها و نقبل بعضها و الكل مردود عند الله و عند رسوله فان قلت هذه مسألة يحتاج اليها فما تقول فيها قلنا ان هنا قاعدة كلية ان للاشياء مقامين مقام ذواتها من حيث هي هي في عالم الحقايق و مقام اعراض و العقول ان اصابت تدرك الشئ من حيث هو هو في ذاته و لا علم لها بالاعراض و القرانات في عالم الاعراض و هذه الدنيا عالم الاعراض و القرانات و ذلك كالطيب مثلا فانه تحفة الصائم و لايضر بالصوم و لكن في عالم الاعراض اختص النرجس بالمنع لعارض و اختص المسك علي القول فيه بالمنع لعارض و العقل الجزئي عاجز عن درك اسباب الاعراض و القول بان الاصل عدم العارض لايكشف عن الواقع فلاجل ذلك ورد المنع الاكيد عن القول بالعقل و الرأي في الاحكام الشرعية في هذه الدنيا و يجب الرجوع الي آل‌محمد عليهم السلام الذين اشهدهم الله خلق السموات و الارض و خلق انفسهم الشاهدين لجميع الخلق المطلعين علي جميع الاعراض و القرانات فاذا رجعنا اليهم سلام الله عليهم استنبطنا من اخبارهم ان حقيقة الامر في عالم الحقايق و الذوات للتكرار و يجب علي العبد اذا امره الله بامر ان ياتمر به و لايقلع عنه الا بامر جديد كالميت بين يدي الغسال اذ اللازم علي العبد ان يكون حركته الثانية ايضا باذن ربه فاذا قال المولي للعبد اذهب يجب عليه الذهاب حتي يقول قف او ارجع و هكذا و يدل علي ذلك ما روي عن ابي‌عبدالله عليه السلام في صلوة ليلة المعراج قال اي الله [ص 257] اركع يا محمد لربك فقال له و هو راكع قل سبحان ربي العظيم و بحمده ففعل ذلك ثلثا ثم قال له ارفع رأسك يا محمد فقام منتصبا بين يدي الله فقال له يا محمد اسجد لربك فخر رسول الله صلي الله عليه و آله ساجدا فقال له قل سبحان ربي الاعلي و بحمده ففعل ذلك ثلثا فقال له استو جالسا يا محمد ففعل الحديث ، فوقوع الامر من الله جل و عز كان غير مقيد بشئ و لكنه صلي الله عليه و آله بقي راكعا و كرر الذكر الي ان امره الله عز و جل برفع راسه الا ان هذه الدنيا دار اعراض و تصادم و تمانع و توارد اوامر و نواه لاتحصي و لايمكن ان يكون مراد الشارع من اوامره التكرار بضرورة الاسلام فان النبي صلي الله عليه و آله قرر المسلمين علي ما كانوا عليه في عصره من العمل باوامره و لم‌يك مفهومهم و معمولهم من الاوامر التكرار يقينا و الا لكان هذه المسألة بين المسلمين اوضح من الصلوة و الصيام و كذلك في الشرع مباحات لاتحصي و وجود المباح تنافي كون الاوامر للتكرار و كذلك الاوامر العديدة تنافي تكرارها لامتناع التكرار معها و كذلك كون الاوامر للتكرار يؤدي الي العسر و الحرج المنفيين و كذلك التكرار مبهم لا حد له شرعا و لا غاية له الا الموت و كيف يمكن تكرير جميع الاوامر الي الموت هذا و الشارع بر رؤف ارأف بهذا الخلق من الفقهاء و العلماء فان لم‌يكن هذه المسألة مما يحتاج اليها لم تكلم الفقهاء فيها و ان كان مما يجب تعيينها و البحث عنها و ليست ببديهية فلم ترك الشارع الذي هو ابر بالخلق و ارأف منهم و اما اللفظ من حيث هو هو لغة فهو لصرف [ص 258] الطلب كما هو بديهي و لم‌يصطلح الشارع كونه للتكرار يقينا و الا لكان ابده البديهيات للاحتياج الي معرفته في كل امر فهو لطلب صرف المهية و يكفي في امتثال الماهية الاتيان بفرد واحد يقينا للصدق العرفي القطعي اللهم الا ان يكون قرينة في المقام كما روي انه قيل لابي‌جعفر عليه السلام فلان اوصي حجوا عني مبهما و لم‌يسم شيئا و لايدري كيف ذلك فقال يحج عنه ما دام له مال و في رواية يحج عنه ما بقي من ثلثه شئ ، و انما ذلك لاجل القرينة التي عرفها الامام عليه السلام و خفيت عليهم و لو كان لغة للتكرار او للمرة لماخفي علي اهل اللسان و لماسألوا عنه و لماقيل و لايدري كيف ذلك و ماسموه مبهما فالامثلة التي يفهم منها التكرير فانما يفهم منها بالقرينة كقول الرجل لعبده سس دابتي و ما يفهم منها المرة فبالقرينة كقول المولي لعبده اسقني ماءا فلما كان في اللغة لصرف الماهية فان كان مراد الشارع المرة يبينها بالقراين و ان كان مراده التكرير يبينها بالقراين و لاجل ذلك حكم الفقهاء في المسائل بتلك القراين و لم‌يتمسك في الفقه احد بهذه القواعد اللهم الا ان يتكلف احد في موضع لايحتاج اليها فيه و الامر اوضح من نار علي علم و ساير التشقيقات آراء لايحتاج اليها و لايترك الشارع رعيته سدي و لايكلهم الي آرائهم فاسترح و لما كان الامر لصرف الماهية فلو صدر امر بلا قرينة يتحقق الامتثال باتيان فرد او افراد كما اذا قال تصدق فان تصدق بدرهم اجزاه و ان تصدق بالف دينار اجزاه ايضا فان كل واحد منها صدقة و فرد من افراد المطلوب [ص 259] و يصدق عليه عرفا الامتثال و يدل علي ذلك ما روي في كنز الدقائق عن الخصال في مناقب اميرالمؤمنين عليه السلام عنه عليه السلام و اما الرابع و العشرون فان الله انزل علي رسوله يا ايها الذين آمنوا اذا ناجيتم الرسول الآية ، فكان لي دينار فبعته بعشرة دراهم فكنت اذا ناجيت رسول الله اتصدق قبل ذلك بدرهم فوالله مافعل هذا احد قبلي و لا بعدي فانزل الله ءاشفقتم ان تقدموا الآية ، فهل تكون التوبة الا عن ذنب الحديث ، فاكتفي عليه السلام بصدقة درهم مع تعلق الامر بالماهية حيث قال فقدموا بين يدي نجويكم صدقة لصدق الامتثال بفرد فوقه و دونه افراد و هل يجوز له اذا اختار الفرد الاكثر و تصدق بشئ منه ترك الباقي ام يجب عليه الاتيان بكل ما اختاره و هما كالواجب التخييري لم‌اجد نصا مطلقا في هذا الباب الا انه قيل لابي‌جعفر عليه السلام رجل قرأ سورة في ركعة فغلط ايدع المكان الذي غلط فيه و يمضي في قراءته او يدع تلك السورة و يتحول عنها الي غيرها فقال كل ذلك لا بأس به و ان قرا آية واحدة فشاء ان يركع بها ركع انتهي ، فالرجل اختار السورة التامة ثم اذا قرا آية شاء ان يركع فاذن له في ترك الباقي و الاكتفاء بما قرا مع انه اختار السورة و الدليل علي حدوث المشية بعد الاختيار لفظة فاء في قوله فشاء و كذلك ما يدل علي عدول الرجل من سورة اختارها الي غيرها مع ان جميع السور من افراد الماهية المأمور بها و لكن لايمكن الحكم الكلي من فرد واحد فالمرد في ذلك الي الشارع فان وصل منه شئ فهو و الا فالوقوف عند الشبهات خير [ص 260] من الاقتحام في الهلكات و لايجوز الحكم بآراء العقول الضعيفة و القواعد الفقهائية متعارضة فمن جهة يمكن ان يقال ان كون النية حاتمة معينة لفرد يحتاج الي الدليل و لا دليل عليه و من جهة يمكن ان يقال ان العبادات توقيفية و الاشتغال ثابت و كذا حصول البراءة بما اختاره من افراد الماهية و اما الاكتفاء بالاقل و ترك الزايد جوازه مشكوك فلايبرا الذمة الا بالاتيان بما نوي و هذا هو طريق النجاة و تركه الاقتحام في الشبهات و المرد في ذلك الي الله و رسوله صلي الله عليه و آله .