[ص 1]

شرح النتايج المجلد الاول

من مصنفات العالم الرباني و الحكيم الصمداني

مولانا المرحوم الحاج محمدكريم خان الكرماني اعلي الله مقامه

[ص 2] بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين و الصلوة علي محمد و آله الطاهرين و اللعن علي اعدائهم اجمعين .

قال : المقدمة في تعريف العلم و فائدته و موضوعه .

اقول ان ديدن القدماء كان ذكر امور ثمانية في اول كل كتاب ليكون الناظر فيه علي بصيرة بما فيه و كانوا يسمونها الرؤس الثمانية و كان ديدنا حسنا و هي اسم المصنف و اسم الكتاب و الغرض من تصنيفه و مرتبة ذلك الكتاب او ذلك العلم و حد ذلك العلم و موضوعه و فائدته و تقسيم ما في الكتاب من الابواب و الفصول جملا و منهم من ذكر الثمانية هكذا الغرض و المنفعة و السمة و جهة التعليم و المرتبة و اسم الواضع و صحته و تقسيم الكتاب و الاول اقرب الي الصواب و ان كان عندي الاكتفاء بالسبعة و عدم لزوم ذكر الغرض من التصنيف اصوب و المصنف هنا قد ذكر في العنوان اسمه و غرضه من التصنيف و اسم الكتاب و ذكر هيهنا ايضا هذه الثلثة و ترك مرتبة العلم و تقسيم الكتاب اما مرتبة هذا العلم فهي بعد العلوم الادبية التي لا بد لطالب العلم في هذه الاعصار منها سواءا كان الطالب من العجم او العرب فان العربية ايضا فسدت بمخالطة العجم و عندهم و بعد علم المنطق لانه علي زعمهم علم يحفظ الذهن عن الخطاء في الفكر و هو خطاء لانه ميزان صورة الفكر لا مادته فلايغني و اما تقسيم الكتاب فهو شئ لازم و اغلب المصنفين في غفلة من هذا و له فائدتان احديهما الاستحضار الاجمالي [ص 3] لما في الكتاب و ثانيتهما وجدان ما يريد الطالب و علمه بمحله و يسمون ذلك بالفهرس و ظني ان ذلك معرب پاراش بالپاء المثلثة من تحت و هي حرف من حروف لسان العجم و العرب لايتفوه بها و يقلبها فاءا و الراء المهملة و الشين المعجمة و هو بالعبرانية اول الكلام فلما كان الفصول و الابواب و العنوانات اوائل الكلام كان كلها پاراش و كانوا يجمعون الپاراشات في اول الكتاب ليكون الناظر علي بصيرة فعربت الكلمة بفهرس و فهرست كما هو ديدن العرب في لسانهم . بالجملة اراد المصنف في هذه المقدمة ذكر تعريف العلم اي حده بذكر جنسه و فصله ليعرف حقيقته و يتميز عن غيره و ذكر فائدته حتي يحث العلم بها الناظر علي طلبه و الاقبال اليه و شرط ذلك النصيحة و الصدق فيه و ذكر موضوعه حتي يعلم الناظر ان الكلام في هذا العلم في اعراض ايّ جوهر و البحث فيه عن احوال ايّة حقيقة .

قال فاعلم ان اصول الفقه عَلَمٌ لهذا العلم و معرفته من جهة الاضافة تتوقف علي معرفة جزئيه فالاصل لغة ما يبتني عليه الشئ و اصطلاحا يطلق علي القاعدة و الراجح و الدليل و الاستصحاب مشترك بينها لفظا لفقد الجامع القريب و المناسبة و لعدم صحة السلب و التبادر الذي الاصل فيه كونه وضعيا اشتراكا تعيّنيا لاصالة التاخر و عدم تعدد الوضع .

اقول اراد ان يذكر سمة علمه هذا فقال لفظ اصول الفقه مركبا اسم لهذا العلم بعينه مطلقا كعبدالله علما و اعلم ان واضع هذا الاسم المجتهدون لان اصل هذا العلم من وضعهم بالاتفاق و لم‌يكن هذا العلم في زمن [ص 4] النبي صلي الله عليه و آله و لم‌يكن معروفا بين اصحابنا رضوان الله عليهم في زمن الائمة عليهم السلام لانهم كانوا يراجعون ائمتهم سلام الله عليهم كما كانوا يراجعون النبي صلي الله عليه و آله في زمانه و اما العامة فلما افكوا عن الوصي و استبدوا بآرائهم لانه لم‌يكن بايديهم من احاديث النبي صلي الله عليه و آله ما يكفيهم في جميع الامور احتاجوا الي العمل بالرأي و الاجتهاد فوضعوا قواعد و اصولا تراجمت ظنونهم عليها و صححها عقولهم حتي تكون تلك القواعد اماما لهم يرجعون اليه في ما يرد اليهم من المجهولات و يفتوا فيه بمقتضي حكمه فنصبوا تلك القواعد و الاصول خليفة لله و لرسوله صلي الله عليه و آله بعقولهم كما نصبوا خليفتهم الظاهر باختيارهم و لما راي خليفتهم الظاهر جهله بحكم الوقايع امرهم ان ينصبوا خليفة اخري ايضا يحكم في ما يرد اليهم و يشهد بذلك ما رواه في الاحتجاج و رواه سليم بن قيس في اصله و هما كتابان مضمونا الصحة معتبران عند المحدثين عن الحسن عليه السلام في حديث طويل قاله بحضرة معوية في احتجاجه عليه قال عليه السلام امر عمر قضاته و ولاته اجتهدوا آرائكم و اقضوا بما ترون انه الحق فلايزال هو و بعض ولاته قد وقعوا في عظيمة فيخرجهم منها ابي ليحتج عليهم بها فيجتمع القضاة عند خليفتهم و قد حكموا في شئ واحد بقضايا مختلفة فاجازها لهم لان الله تعالي لم‌يعطه الحكمة و فصل الخطاب الحديث ، فلما امرهم بالاجتهاد اتسع الخرق علي الراقع فشاع و ذاع و كثر القول فيه و النزاع حتي سموا [ص 5] بالمجتهدين و اهل الاجتهاد و عرفوا بذلك و كان من خواصهم و الائمة عليهم السلام يردون عليهم دائما و ينكرون عليهم و يحذرون اصحابهم عن تلك الطريقة التي هي من الاستبداد بالرأي و الاستغناء عن الوصي و محادة الله و رسوله و حججه عليهم السلام يحذرونهم تحذيرا لم‌يحذروا مثله عن الخمر و الميسر حتي عد بعض اصحابنا مائة آية و الفا و ماتي حديث في ذلك و من ما يدل علي ذلك ايضا ما رواه المجلسي رحمه الله في البحار عن اسمعيل بن جابر عن ابي‌عبدالله عليه السلام عن آبائه عن اميرالمؤمنين عليهم السلام في حديث طويل قال و اما الرد علي من قال بالرأي و القياس و الاستحسان و الاجتهاد و من يقول ان الاختلاف رحمة فاعلم ثم شرع في بيان ذكر ادلتهم و ردها الي ان قال و الصحيح ان الله سبحانه لم‌يكلف العباد اجتهادا لانه قد نصب لهم ادلة و اقام لهم اعلاما و اثبت عليهم الحجة فمحال ان يضطرهم الي ما لايطيقون بعد ارساله اليهم الرسل بتفصيل الحلال و الحرام و لم‌يتركهم سدي مهما عجزوا عنه ردوه الي الرسل و الائمة صلوات الله عليهم الحديث ، و يظهر من هذا الحديث الشريف ان القائلين بالاجتهاد في احكام رب العباد كانوا من ذلك اليوم و هم اصحاب الرأي و كان ذلك من خواصهم و الاسم و الاصطلاح منهم فرد عليه السلام عليهم و يدل علي ذلك ايضا ما رواه معوية بن ميسرة بن شريح قال شهدت اباعبدالله عليه السلام في مسجد الخيف و هو في حلقة فيها نحو مأتي رجل و فيهم عبدالله بن شبرمة فقال له يا اباعبدالله [ص 6] انا نقضي بالعراق فنقضي بالكتاب و السنة ثم ترد علينا المسألة فنجتهد فيها بالرأي الي ان قال ابوعبدالله عليه السلام فاي رجل كان علي بن ابيطالب فاطراه ابن‌شبرمة و قال فيه قولا عظيما فقال ابوعبدالله عليه السلام فان عليا ابي ان يدخل في دين الله الرأي و ان يقول في دين الله بالرأي و القياس الحديث ، و يدل هذا الخبر علي ان الرأي هو الاجتهاد و اصحاب الرأي الذين تواتر فيهم الاخبار هم اصحاب الاجتهاد و يدل علي انهم مع كونهم الاصل في الاجتهاد كانوا يجتهدون فيما لا نص فيه و قد زاد جسارة القوم حتي انهم بالاجتهاد يردون النصوص و كذلك يدل علي ذم الاجتهاد ما كتبه ابوعبدالله عليه السلام في رسالته الي اصحاب الرأي و الاجتهاد اما بعد فان من دعا غيره الي دينه بالارتياء و المقائيس لم‌ينصف الي ان قال و لو كان الله رضي منهم اجتهادهم و ارتياءهم فيما ادعوا من ذلك لم‌يبعث اليهم فاصلا لما بينهم و لا زاجرا عن وصفهم الخبر ، و قد بلغ شر هذا الامر مبلغا تعوذ بالله ابوعبدالله عليه السلام في عوذته الكبيرة و قال و من الرياء و السمعة و الشك و العمي في دين الله و من نصب و اجتهاد يوجبان العذاب و من مرد الي النار الدعاء ، و حسبك ان رسول الله صلي الله عليه و آله عد اصحاب الرأي في الفرق الهالكة حيث روي عن علي عليه السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله ستفترق امتي علي ثلث و سبعين فرقة فرقة منها ناجية و الباقون هالكون و الناجون الذين يتمسكون بولايتكم و يقتبسون من علمكم و لايعملون برأيهم فاولئك ما [ص 7] عليهم من سبيل ، بالجملة يظهر من هذه الاخبار بلا غبار لمن نظر بعين الانصاف و الاعتبار ان الاجتهاد في المسائل غير المنصوصة ابتدع من يوم افكوا عن اميرالمؤمنين عليه السلام و استبدوا بآرائهم و جهلوا حكم ما لا نص فيه فاجتهدوا باجازة عمر بن الخطاب في الدين بالآراء و في الاوائل كانوا قليلي الجراة و كانوا يجتهدون فيما لا نص فيه و لو اجتهد احد بعد ورود النص كانوا يعيبون عليه و يقولون اجتهاد في مقابلة النص و لكن لما طال عليهم الامد و قست قلوبهم و زين لهم آراؤهم سوغوه بلا اكتراث حتي انهم يردون بالاجتهاد النصوص العديدة برجحان الظن الحاصل من الادلة العقلية علي الظن الحاصل من الالفاظ و قاعدة ترك الراجح الي المرجوح قبيح عقلا و لقد سألت واحدا من المجتهدين و قلت اذا تعارض دليلكم العقلي مع الكتاب و السنة بايهما كنتم تاخذون قال بالدليل العقلي قلت لم ذلك قال فانه قطعي و الحاصل من الكتاب و السنة ظني هذا و قد قال ابوعبدالله عليه السلام في حديث و كما انه لم‌يكن لاحد من الناس مع محمد صلي الله عليه و آله ان ياخذ بهواه و لا رايه و لا مقائيسه خلافا لامر محمد صلي الله عليه و آله كذلك لم‌يكن لاحد بعد محمد ان ياخذ بهواه و لا رايه و لا مقائيسه الخبر ، و قال علي بن الحسين عليهما السلام ان دين الله لايصاب بالعقول الناقصة و الآراء الباطلة و المقائيس الفاسدة و لايصاب الا بالتسليم فمن سلم لنا سلم و من هدي بنا اهتدي و من دان بالقياس و الرأي هلك و من وجد في نفسه شيئا مما نقوله او نقضي به حرجا كفر بالذي انزل السبع المثاني و القرآن [ص 8] العظيم و هو لايعلم ، بالجملة فلما ظهر الاجتهاد في الدين يومئذ في ما لا نص فيه و خافوا ان يكثر الآراء و لاتقف علي حد و يؤل الامر الي الهرج و المرج وضعوا قواعد و اصولا كلية و مدارك برهانية ليستنبطوا منها تلك الاحكام و تكون مبتناة علي اصل ثم تكلموا فيها و رمموا و اصلحوا و زيفوا و استجادوا و ايدوا و شيدوا حتي اصّلوا اصولا برهانية عقلية و سموها باصول الفقه مع انه قال علي عليه السلام في حديث و نحن انما ننفي القول بالاجتهاد لان الحق عندنا فيما قدمنا ذكره من الاصول التي نصبها الله تعالي و الدلائل التي اقامها لنا كالكتاب و السنة و الامام و الحجة و لن‌يخلو الخلق عندنا من احد هذه الاربعة وجوه التي ذكرناها و ما خالفها باطل الحديث ، بالجملة مضوا علي ذلك الي زمان الشافعي فكان اول من صنف في علم الاصول الشافعي علي ما نقل فجمع الاقوال و ذكر الادلة و شاع و ذاع و درس به في المدارس دروس و كتب فيه في المكاتب طروس حتي طرق الاسماع و بلغ الاصقاع و كثر فيه الجدال و القيل و القال و وفر فيه النزاع و مدت فيه الذراع و لعلك تعلم انهم كانوا في فنهم هذا بل و جميع فنونهم علماء يشقون الشعر كما يشهد به كتبهم و لم‌يكونوا يقولون شيئا ينكره عقول العقلاء و يستمجه افهام الفهماء و يحكمون في باب من الابواب من غير روية فيقع في يد غيرهم فيعرفون بسفه الاحلام و سخافة الافهام و لعلك تعرف ان الناس من حسب التمثال اكفاء فالرجل منا اذا لم‌يراجع آل‌محمد عليهم السلام و نظر في المسألة بالرأي بعقله يذهب ظنه الي [ص 9] ما ذهب اليه ظنونهم فانهم بشر مثلنا اولوا عقول و اسماع و ابصار نظروا فقالوا و نظر فقال و نسج علي ذلك المنوال فكل من بني علي التكلم في الاصول و الفروع بعقله ذهب مذاهبهم البتة و حصل له ظنون كظنونهم البتة الا ان يكون لعقله حَكَمَةٌ تصده عن سبيلهم و ترجعه الي غيرها بالجملة زادت الاصول من كثرة قال و اقول حتي بلغ الامر الي ان حسبوا زمان اكمال مسائل الاصول فبلغ الفا و ماتي سنة و كثر فيه الجدال في اندية الرجال حتي بلغ ارتفاع الاصوات في الهواء و رفع الايدي و السب و البذاء و عدم الثبات علي شئ من الاشياء و هذا حاصل الجدال و المراء فهذا الاسم عَلَمٌ حادث لهذا العلم و وضع منهم لا من اهل اللغة و لا من الشرع فهم علي ما اصطلحوا عليه قوله و معرفته من جهة الاضافة الخ ، يعني هذا الاسم من حيث انه كلمتان اضيف احديهما الي الاخري لايعرف معناه الا بعد معرفة تينك الكلمتين ثم شرع في شرحهما و قال فالاصل لغة ما يبتني عليه الشئ و هذا كلام ياخذه واحد عن واحد من غير روية و لم‌اجد هذا المعني في القاموس و الصحاح و المصباح المنير و النهاية و مجمع البحرين و المعيار و في اللغة اصل الشئ اسفله و من الحائط اساسه و الاساس اسفل الحائط في الارض و ما يبتني عليه هي الارض و ربما يقولون بحسب اللغة الاصل لما يستند اليه الشئ فالاب اصل الولد و النهر اصل الجدول و هو ايضا غير ما يبتني عليه قوله و اصطلاحا الخ ، يعني اصطلاحا منا معاشر اهل الاجتهاد و المراد بالقاعدة عندهم ما اسسوه باحد الادلة و لذلك كثرت [ص 10] القواعد عندهم و اما عندنا فما جعله الشارع اصلا هو اصل يجوز التفريع عليه و الا فهو بدعة و تشريع و تاصيل الاصل من شان المعصوم عليه السلام كما قال ابوعبدالله عليه السلام انما علينا ان نلقي اليكم الاصول و عليكم ان تفرعوا و قال الرضا عليه السلام علينا القاء الاصول و عليكم التفريع ، انظر كيف حصر القاء الاصول فيهم و القي التفريع علينا فلايجوز لاحد وضع القواعد الممهدة و قد مر في حديث علي عليه السلام ان الاصول يجب ان تكون بنصب الله عز و جل و غيرها باطل و مثال تلك القواعد قولهم الاصل مقدم علي الظاهر و عدم الدليل دليل العدم و الاصل في البيع اللزوم و الاصل في تصرفات المسلم الصحة و هكذا فكلما كان من تلك القواعد من باب السمع و النطق فهو حق متبع كما امر به ابوعبدالله عليه السلام و قال اما انه شر عليكم ان تقولوا بشئ ما لم‌تسمعوه منا و المراد بالراجح و قد يعبر عنه بالظاهر ما ظن انه الاولي و الاحسن و لا باعث للعدول عنه او ظن انه كذلك و هو كقولهم الاصل في الكلام الحقيقة اي الظاهر الراجح انه لايعدل المتكلم عن الحقيقة من غير باعث و لو اراد غيرها لنصب القرينة و هذا الاصل ايضا لا تاصل له فانه لم‌يرد به كتاب و لا سنة و لا بد في كل فرع فرع من الرجوع الي الكتاب و السنة و لا دليل من جانب الشارع ان كل راجح في النظر متبع و يقع جميع ما في العالم في الواقع عليه و المراد بالدليل عندهم الاربعة المعروفة اما الكتاب و السنة فلا شك انهما دليلا علم الله سبحانه و دينه و اما الاجماع فالضروري هو السنة و اما غيره فستعرف [ص 11] القول فيه ان شاء الله و المراد بدليل العقل ما يستعملونه من المجادلة و هو الرأي المنهي في مائة آية و الف و ماتي حديث علي ما عده بعض اصحابنا المحدثين فلا اصل له عند آل‌محمد عليهم السلام كما سمعت و تسمع ان شاء الله و المراد بالاستصحاب عندهم ما شاع و ذاع حتي ملا الاصقاع و طرق الاسماع من قياس حالة مجهولة الحكم او مشكوكتها بحالة معلومة الحكم و اجراء حكمها فيها و ستعرف في محله ان شاء الله انه لا تاصل لهذا الاصل ايضا و لم‌ينزل به كتاب و لا سنة بل ورد النهي عنه خصوصا و عموما و قوله مشترك بينهما الخ ، يريد ان يقول ان اللفظ اذا صدق علي شيئين من باب استعماله في الحد المشترك فهو اشتراك معنوي و فيهما حقيقة و ان كان استعماله لاجل المناسبة حسب فهو مجاز و ان كان علي الحقيقة و لا اشتراك في معني فهو اشتراك لفظي و هيهنا يكون في هذه الاربعة علي الحقيقة بدليل التبادر و عدم صحة السلب و لا حد مشترك بينها فاستعماله فيها من باب الاشتراك اللفظي و فيه ان اطلاق الاصل علي هذه الوجوه ليس من وضع واضع اللغة بالبداهة و لا من وضع الشارع كما عرفت مجملا و ستعرف مفصلا انشاء الله ان الشارع لم‌يجعل بعض هذه اصلا و انكر علي متخذيه اصلا و لا من وضع جميع المتشرعة فان المحدثين منا و القدماء لايرون اصلا الا الكتاب و السنة بل منهم من لايري اصلا الا احاديث آل‌محمد عليهم السلام فواضع هذا اللفظ علي هذه المعاني متقدموا المجتهدين و لا فائدة في معرفة ان استعماله فيها عندهم من اي وجه بوجه من الوجوه [ص 12] لا علما و لا عملا و استدلاله بعدم صحة السلب في غير محله فانه عند اهل اللغة و عند الله و عند رسوله و حججه سلام الله عليهم و عند شيعتهم المتقدمين و المحدثين بل من لم‌يجوز الاستدلال بالاستصحاب من المجتهدين يصح السلب عن بعضها نعم عند من يري الاربعة اصلا و وضع اللفظ عليها هو حقيقة فيها و لااعرف حاصل هذه المعرفة و كذا استدلاله بالتبادر فنسأله انه يتبادر هذه المعاني في ذهن من و لايتبادر في ذهن المنكرين لاصليتها ابدا و اما المجتهدون فهم علي اصطلاحهم هذا و عندنا بين التبادر و الحقيقة الوضعية عموم و خصوص من وجه فانه ربما يضع الواضع لفظا لمعني و لعدم انسه به لايتبادر الي ذهنه فضلا عن غيره و ربما يتبادر معني من لفظ في اذهان المستعملين و ليس هو معنيً وَضَعَ الواضعُ اللفظَ بازائه بل هو لعادة المستعملين و كثرة استعمالهم كما قال بعضهم ان الامر حقيقة في الوجوب و لكن كثر استعماله في المستحب بحيث غلب علي الوجوب فلايمكن حمله علي الوجوب و لايتبادر منه الوجوب و ربما يتبادر الحقيقة فلايمكن الاستدلال بالتبادر علي الحقيقة الوضعية بل هو دليل الحقيقة الاستعمالية و كذلك لايدل عدم صحة السلب علي الحقيقة الوضعية فلرب لفظ لايصح سلبه عن معني عرفا و وضع الواضع مجهول فغاية ما يمكن الاستدلال بهما عليه ما اعتاد به نفوس المستعملين فلاتغفل و انصف و قوله التبادر الذي الاصل فيه ان يكون وضعيا هذا الاصل ليس له برهان في دين الله و لايشهد به كتاب و لا سنة و وضع الواضع الاول مجهول لايعلمه الا الله و هذا الاصل غير الاصيل لايكشف عنه و لما لم‌يكن [ص 13] حاجة تمس الي معرفة وضع الواضع الاول تركه الله في عماء الجهل و انما حاجة العباد الي المعاني العرفية التي بعث الرسل بها و ماارسلنا من رسول الا بلسان قومه و لسان القوم ما يتداولونه و قول الاصل عدم النقل لايكشف عن الواقع و لايحصل منه الظن بالواقع و معرفة ذلك ليس من وضعيات الشرع حتي يكتفي المكلف فيها باستصحاب الموضوع و قوله اشتراكا تعينيا هو مفعول قوله مشترك و هذا القول يخالف قوله التبادر الذي الاصل فيه كونه وضعيا فان الوضعي تعييني من الواضع لا تعيني من استعمال المستعملين و التعين غير التعيين و الوضع هو التخصيص و التعيين فان كان مشتركا تعيّنيا فلم استدل بالتبادر الذي الاصل فيه كونه وضعيا و ان كان يقول بقولنا فقوله الاصل فيه كونه وضعيا لغو ثم استدلاله باصالة تأخر الحادث و عدم تعدد الوضع ينافي استدلاله بالتبادر كما اشرنا اليه و يريد بهذا القول ان لفظ الاصل تعين في هذه الامور و الاصل تاخره الي المستعملين و كذا الاشتراك التعييني يحتاج الي تعدد الوضع و الاصل عدم التعدد و لي كلام في هذا المقام يجب التنبيه عليه و هو ان الامور امران امر وضعي و امر واقعي اما الامر الوضعي فهو علي ما وضع فان وضع الشارع حكم الثوب الذي لاقاه النجاسة مثلا ثم غسل حتي شك في زوالها النجاسة فيكون الاصل هنا لاتنقض اليقين الا بيقين مثله فيستدل بهذا الاصل علي كل ثوب مشكوك فيه بعد يقين و يحصل منه العلم الشرعي بنجاسة الثوب لانها وضعية و له ان يحكم علي المتضادين بحكم واحد فضلا عنهما [ص 14] و ليس يشترط في اجزاء هذا الاصل حصول الظن بالواقع و لايحصل منه الا العلم الشرعي و اما الامر الواقعي فليس يصير الاستصحاب دليلا عليه بوجه من الوجوه و لايعول عليه عاقل و لايمكّن منه طبع الاتري انك اذا دخلت الدار و لم‌تر زيدا فيها ثم خرجت ثم بعد ايام لايدلك الاصل عدم كونه في الدار علي انه ليس في الدار واقعا و لايورث هذا الاصل لك ظنا نفسانيا انه ليس في الدار و كذلك اذا رايت زيدا يوم الجمعة في الدار و شككت انه كان في الدار منذ شهر او دخلها ذلك اليوم فقولك الاصل تاخر الحادث لايورث لك ظنا نفسانيا انه دخلها ذلك اليوم و كذلك اذا شككت في خروج زيد عن الدار لايورث لك ظنا بعدم خروجه قولك لاتنقض اليقين الا بيقين فاستعمال هذه الاصول في الامور غير الوضعية خبط عشواء و لايجوز و لايدل علي شئ و معرفة اللغة و جميع مباديها من الامور غير الوضعية التي ليس من الشارع حكم فيها و ليست من الامور الدينية فان الكافر ايضا يتعلم اللغة حتي يصير من اهل اللغة و يصير مرجعا لغيره و لم‌يعرفها بهذه الاصول فلايكتفي النفس فيها باجراء هذه الاصول كما انك لو شككت في خروج غريمك من البلد لاتكتفي فيه باصل عدم الخروج و لو شككت في وقوع صيد في حبالتك لاتكتفي باصل عدم الوقوع و تراقب دائما حتي تطلع علي وقوعه و هكذا ساير ما في العالم فقوله الاصل ان يكون التبادر وضعيا و اصل تاخر الحادث و اصل عدم تعدد الوضع لايدل علي شئ بوجه من الوجوه و لاينكشف به غيب لاسيما في معرفة اصطلاح بعض [ص 15] المجتهدين التي لا فائدة فيها علما و لا عملا فجميع ذلك كان نفخا في غير ضرام .

قال و الفقه لغة و عرفا الفهم الذي هو اعم من العلم من وجه و من جعله بمعني العلم لعله زعم ترادفهما لكن العرف ياباه .

اقول كان هؤلاء ياخذ خلفهم عن سلفهم من غير مراجعة و الذي صرح به اهل اللغة ان الفقه الفهم و الفطنة و العلم بالشئ و الفهم له و علي ذلك نزل الكتاب فان قوله لاتفقهون تسبيحهم اي لاتفهمون و قوله ليتفقهوا في الدين اي ليتعلموا و كذلك قول ابي‌عبدالله عليه السلام تفقهوا في الدين فانه من لم‌يتفقه منكم في الدين فهو اعرابي الخبر ، و هو التعلم بلا شك فاباء العرف لايسمن و لايغني من جوع ان كان ضمير قوله ياباه راجعا الي الجعل و قوله الفهم الذي هو اعم من العلم الخ ، صحيح يعني ان الفهم غير العلم و ان كان في اللغة فهمه بمعني علمه و ذلك ان الفهم هو المشعر فاذا تعلق بشئ يكون بمعني ادركه و علمه فلا اختلاف بين ما في كتب اللغة و بين ما قلنا و الشاهد علي ما قلنا قول ابي‌عبدالله عليه السلام العلم ضده الجهل و الفهم ضده الحمق و قال الفهم ضده الغباوة و قال علي عليه السلام العلم داعي الفهم و اما الحديث الذي روي عن ابي‌عبدالله عليه السلام من لم‌يعلم لم‌يفهم و من لم‌يفهم لم‌يسلم الحديث ، فمعناه ان الفهم فهمان فهم طبعي و هو المشعر و فهم اكتسابي و هو التعلم فمن لم‌يعلم لم‌يحصل له الفهم الاكتسابي و ذلك نظير ما قال علي عليه السلام [ص 16] العلم علمان مطبوع و مسموع و لاينفع المطبوع اذا لم‌يكن مسموع و قوله و من جعله بمعني العلم فيه عجمة و كان ينبغي ان يقول و من زعم معناه العلم .

قال و اصطلاحا هو العلم بالاحكام الشرعية الفرعية عن ادلتها التفصيلية و المراد بالعلم خصوص التصديق للتبادر لا التصور و لا الاعم و لايعارضه صحة التقسيم لاعتضاده بصحة السلب عن التصور و بكونه بالذات اقوي منها .

اقول قوله المراد بالعلم الخ ، ففيه اولا ان التبادر عند المصنف و اضرابه لايدل علي ان المعرِف بهذا التعريف كان هذا مذهبه و مراده هذا و ان اراد مراد نفسه اذا عرف هكذا لايحتاج الي الاستدلال بالتبادر اذ هو علي مراده هذا و المطالب العلمية التي هي بين العلماء خلافية لايدل عليها التبادر عند قوم ذهبوا مذهبا واحدا هذا و المراد بالعلم في اللغة ما تيقن الانسان و ما عرفه يقال علمه اذا تيقنه او عرفه و هو اعم من التصور و التصديق و في الشرع العلم ضد الجهل كما سمعت و هو اعم من التصور و التصديق و عند الحكماء هو حضور المعلوم عند العالم و هو اعم من التصور و التصديق و اهل المنطق يقسمون العلم الي تصور و تصديق فهو عندهم اعم منهما و المحدثون علي ما ورد الشرع به و ليست المسألة فقهية حتي يسهل العلم بمذهب الفقهاء فيها و المسألة خلافية و التبادر عند بعض المتأخرين كيف يكشف عن غيب خاطر المعرف قوله و لايعارضه صحة التقسيم يعني من [ص 17] المنطقي لان تبادرنا معتضد بصحة السلب عن التصور فيا سبحان الله صحة السلب عند من هي و قد عرفت ان الله و رسوله و ساير الحكماء و العلماء و اهل اللغة يرونه اعم و لايصح السلب عندهم و صحة السلب عند المصنف و اضرابه لايكشف عن مراد المعرف الاول و ان كان التعريف من المصنف نفسه فلم‌يستدل علي المراد و قوله و بكونه بالذات اقوي منها اي دلالة التبادر بالذات اقوي من صحة التقسيم لان التبادر آية قطعية عنده و الاصل فيه ان يكون وضعيا لاسيما اذا اعتضد بصحة السلب عن التصور و قد عرفت حالهما و اما صحة التقسيم فظنيّ لانه ليس من علائم الحقيقة و ان كان يمكن ان يقال في صحة التقسيم ايضا بعض المقربات لكن التبادر اقوي عنده و ماادري متي صار التبادر دليل الوضع حتي ينفع كونه اقوي و جميعه في غير محله و لا برهان له في دين الله .

قال و الاحكام جمع الحكم و هو يطلق لغة علي الاسناد و الالزام و امر الحاكم لرفع الخصومات و هو اصطلاحا خطاب الله تعالي المتعلق بافعال المكلفين من حيث الاقتضاء او التخيير و المراد بالخطاب هنا نفس الكلام الملقي لا الالقاء .

اقول قوله و هو يطلق لغة علي الاسناد ماادري من اي لغة اخذ هذا المعني و ليس في كتب اللغة التي عندنا و اما الالزام و امر الحاكم فقريب من المعني اللغوي اذ اصل الحكم في اللغة المنع و يقال حكم عليه و له اذا منعه عن المخالفة و ساير معانيه يدور مدار هذا المعني [ص 18] و هو الحق الذي ينبغي ان يراد في الحد لا غير و قوله هو اصطلاحا خطاب الله هذا اصطلاح الاشاعرة و من اطلاقه القول يفهم ارتضاؤه اياه و الا لنسبه الي اهله و قوله من حيث الاقتضاء المراد بالاقتضاء اقتضاء امر الشارع الوجوب و نهيه الحرمة و التخيير و المراد به الاباحة و يمكن ادخال المستحب و المكروه في التخيير فان الانسان مخير بين الفعل و الترك و يمكن ادخالهما في الاقتضاء لانهما مقتضيا الامر و النهي اذا كانا مع القرينة عند من يري مدلولهما الوجوب و الحرمة و عند من يراه الطلب و لما كان الخطاب عندهم يطلق علي القاء الكلام و نفس الكلام قال مرادنا هنا نفس الكلام و كذلك بحسب اللغة الخطاب هو الكلام بين المتكلم و السامع بقي شئ و هو انه علي ما ذكر من الاصطلاح يخرج ما ثبت من احكام الله بالسنة التقريرية و بالسنة الفعلية مع انهما حكمان لله بلا شك و علي ما يجعلون البراءة الاصلية من الادلة العقلية يخرج مقتضاها من كونه حكم الله التخييري و كذلك جميع ما يحكمون به بادلتهم العقلية و قواعدهم الوضعية و ما ليس حكم الله هو حكم الشيطان قال ابوعبدالله عليه السلام الحكم حكمان حكم الله عز و جل و حكم اهل الجاهلية فمن اخطا حكم الله حكم بحكم الجاهلية انتهي ، فعلي ما ذكر من الاصطلاح مقتضي السنة التقريرية و الفعلية و البراءة الاصلية و استصحاب حال العقل و مقتضيات ادلتهم العقلية كلها حكم الجاهلية فتفسير حكم الله بانه هو الزام الله عباده ما شرع اولي و احسن و الحكم مطلقا هو الالزام و المنع من المخالفة و ما يحكمون بالادلة العقلية عندنا حكم بغير ما انزل و هو مثل قول سانزل مثل ما انزل الله .

[ص 19] قال و الكلام منه لفظي و هو الصوت الخارج عن المقطع المفهم للمراد و ان كان من نحو الشجرة كتكلمه مع موسي للعرف و نفسي و هو المفهوم الحاصل من اللفظي و كلامه تعالي عندنا لفظي و عند الاشعري نفسي لنا الاجماع و قوله تعالي و كلم الله موسي فلو كان متكلما معه بالنفسي لشمل ساير الانبياء .

اقول الكلام عند اهل اللغة و العرف القول و اصوات متتابعة بمعني مفهوم و قد يطلق علي ما يتصور الانسان من الكلام و يحدّث في نفسه كما قال الله و يقولون في انفسهم لولايعذبنا الله و الذي ذكره المصنف من انه الصوت الخارج عن المقطع مقتضاه انه ماكلم الله موسي تكليما فانه لم‌يخرج من مقطع و انما اوجده الله ايجادا و قوله الخارج عن المقطع فيه عجمة و العرب يقول الخارج من المقطع فقوله و ان كان خبط لايرتبط بما قبله و ما ذكره من ان النفسي هو المفهوم خبط آخر و ليس الكلام النفسي عند المتكلمين و اهل اللغة هذا و هو كلام من ليس من اهل الفن فان الكلام النفسي هو ما يتصوره الانسان من اشباح نفس الحروف و له حروف و حركات و سكون و مد و تشديد و همس و جهر و حلقية و شفوية و غير ذلك من صفات الحروف و اما المفهوم من اللفظ فهو شبح مدلول اللفظ الذي هو شبح المعني الذي هو شبح الموضوع له و اين هذا من الكلام النفسي و قوله و كلامه تعالي عندنا لفظي فعلي ذلك عندهم ما ليس عند الله جل و عز و عند رسوله و حججه عليهم السلام و شيعتهم الحكماء العلماء فان الله سبحانه يقول [ص 20] بكلمة منه اسمه المسيح و يقول و تلقي آدم من ربه كلمات و هم الائمة و كلم الله نبيه ليلة المعراج و اوحي الي عبده ما اوحي و نزل القرآن ليلة القدر الي السماء و نزل به الروح الامين علي قلب النبي و يقول انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون و لم‌يكن هناك اصوات تخرج من المقطع الي غير ذلك من انواع الكلام فكيف يقول عندنا مؤذنا بالاجماع الضروري نعم ادني منازل القرآن الحروف اللفظية و الكتبية و هي نوع من انواع الكلام و ان جزنا من ذلك و سامحنا فليست المسألة كذلك و ليست الشيعة مجمعين علي انه ليس كلامه تعالي بنفسي هذا الملا محسن القاساني يقول في كتابه انوار الحكمة علي ما نقل منه و التكلم فينا ملكة قائمة بذواتنا نمكن بها من افاضة مخزوناتنا العلمية علي غيرنا و فيه سبحانه عين ذاته الا انه باعتبار كونه من صفات الافعال متاخر عن ذاته و يقول الملا صدرا في العرشية و المشاعر ان الكلام من عالم الامر قبل خلق جميع الاشياء فلا معني لقوله عندنا بوجه و ان اراد عندنا معاشر الاصوليين فليس ذلك من المسائل الاصولية و قوله و عند الاشعري نفسي المعروف ان يقول عند الاشاعرة و كيف كان الاشاعرة اصحاب علي بن اسمعيل بن بشر الاشعري منسوب الي جده ابي‌موسي الاشعري او الي اشعر بن سبا بن يشخب بن يعرب بن قحطان ابواليمن قالوا انه كان علي طريقة المعتزلة يقول بحدوث القرآن ثم خطب و هو قاض بالبصرة و عدل الي مذهب محمد بن عبدالوهاب القطان فقال بقوله في مسائل منها قدم كلام الله و نظم الشاعر علي مذهبهم :

[ص 21]

ان الكلام لفي الفؤاد و انما جعل اللسان علي الفؤاد دليلا

و قال مخالفوهم من المعتزلة و هم اصحاب واصل بن عطاء و كان من اكابر تلامذة الحسن البصري فلما اخذ واصل يقرر في المنزلة بين المنزلتين و اعتزل الحسن و اصحابه قال الحسن اعتزل واصل فسموا بالمعتزلة هو و اصحابه فقالوا ان الكلام اصوات و حروف و هذان المذهبان من العامة و نحن لما فارقناهم في الاصول كان الاحري ترك اقوالهم و ادلتهم و ذكرهم فان الباطل يموت بترك ذكره الا ان ديدن القوم ان يحيوا امرهم و شبههم في كل كتاب و يتبعوا احد الفريقين و نحن ذكرنا اسماءهم المنحوسة شرحا لكلام المصنف و تنبيها علي ما ذكرنا بالجملة يظهر من كلام المصنف بعد تفسيره النفسي بالمفهوم انه يقول ان الاشاعرة يقولون ان كلام الله مفهومه الحاصل له من الالفاظ و هم لايقولون كذلك بل يقولون انه عين ذاته القديمة و قوله لنا الاجماع استدلال غريب فان كان المراد من الاجماع ضرورة الاسلام فالعامة علي قولين و ان كان ضرورة الشيعة فالشيعة علي اقوال و المسألة نظرية و ان كان اجماع المتكلمين و الحكماء فهم علي اقوال و ان كان اجماع الفقهاء فليسوا من فرسان هذا الميدان و ان حصل له اجماع فكيف يكون حجة علي الاشاعرة و يوذن قوله لنا بانه اجماعي الشيعة و ليس كذلك و قوله و كلم الله موسي تكليما لا حجة فيه علي الاشاعرة فان الاشاعرة لاينكرون حدوث هذه الاصوات و لايقولون بعدم امكان توجه الاصوات الي شخص و انما يقولون ان حقيقة القرآن ذات الله [ص 22] فاي دلالة في الآية علي رد الاشاعرة و قوله فلو كان الخ ، يريد به انه لو كان نفسيا لماتخصص بموسي و شمل ساير الانبياء و الاشاعرة لاينكرون تنزل الكلام في كسوة الالفاظ و قد تعلق بموسي الصوت المخلوق في الشجرة و علي هذا المصنف يلزمه ان ينكر العلم الذاتي مثلا فان الله سبحانه يعلم موسي ايضا بالجملة مع ذلك لانشك في كون الكلام حادثا كما رواه ابوبصير عن ابي‌عبدالله عليه السلام لم‌يزل الله عز و جل اسمه عالما بذاته و لا معلوم و لم‌يزل قادرا بذاته و لا مقدور قلت جعلت فداك فلم‌يزل متكلما قال الكلام محدث كان الله عز و جل و ليس متكلم ثم احدث الكلام انتهي ، و لسنا بصدد تحقيق المسألة هنا .

قال ثم المراد من الحكم ان كان المعني المصطلح لغا قيد الشرعية و الفرعية الا ان يجعل الافعال اعم من الاعتقاد علي بعد فيلغوا الاول فقط مضافا الي ان من الادلة الكتاب فيتحد الدليل و المدلول هذا علي مذهبنا .

اقول يعني ان كان الحكم خطاب الله المتعلق بافعالهم كما قالته اشاعرتهم فالشرعية و الفرعية في حد الفقه كلاهما لغو فان ذلك الخطاب هو الشرع و هو من الفروع و ان عممنا الافعال في افعال العقول و الجوارح فقيد الشرعية لغو فان ذلك الخطاب هو الشرع و نقصان آخر في الحد ان الحكم خطاب الله و خطابه كلامه و كلامه كتابه و الكتاب هو احد الادلة التفصيلية فيتحد الدليل و المدلول هذا علي مذهب من يقول بحدوث القرآن و اما علي مذهب الاشاعرة فلايتحد فان [ص 23] القرآن قديم و ليس كذلك فان الاشاعرة لايقولون ان ذات الله القديمة دليل الفقه و انما الدليل هو الالفاظ الظاهرة و هو صورة كلام الله فاتحدا ايضا و اذا اورد المصنف النقص علي الحد كان ينبغي ان ينسب الحد الي غيره و لايذكره في سياق كلامه ثم يعترض عليه و علي ما ذكر وقع الاصطلاح من قوم مخصوص علي امر غلط و الحق ان صرف العمر في هذه التعاريف و ردها و قبولها و نقضها و حلها تضييع للعمر و لذلك اعرض كثير من الفقهاء عن الحدود و قالوا ان المحدودات معروفات و الحد لان تعرف و هي معروفة فلا حاجة اليه كما ان المكلفين يعرفون الماء و يتوضأون منه و يغتسلون و لايعرفون حده و لاينبغي صرف العمر في جمع الحدود للماء و تزييف بعض و استجادة بعض و نقض بعض و حل بعض فالفقه هو علم الشريعة المقدسة و في كتب اللغة ان الفقه الفهم و الفطنة و العلم بالشئ و الفهم له و غلب علي علم الدين لشرفه و الحكم هو الالزام و منع المحكوم عليه من المخالفة و هو الحق و باقي الاحتمالات خيالات لا طائل تحتها .

قال و علي مذهب الاشعري يَرِدُ استدراك القيدين المذكورين ايضا و ان الحكم الشرعي طلب الشارع من المكلف فيحتاج الي الطالب و المطلوب منه و كون المطلوب منه قديما باطل فيلزم وجود التكليف بلا مكلف و هو سفه بل في مثل الصبي و الناسي و نحوهما ان قال ببقاء التكليف كان تكليفا بما لايطاق و هو قبيح و لايصغي الي تجويزه اياه او بارتفاعه لزم تغير القديم و هو من لوازم الحدوث .

[ص 24] اقول الحد الذي ذكره ان كان لمصطلح علماء الشيعة فلايجب ان يكون صحيحا علي مذهب الاشاعرة و هم غير ملتزمين ان يكون حدود الشيعة منطبقة علي مذهبهم و ليس الشيعة ملتزمين ان يطابق حدودهم مذهب غيرهم فاي فائدة في قدح حدود الشيعة بما في مذهب الاشاعرة و ان كان الحد علي مصطلح الاشاعرة فلم قدح فيه علي مذهب الشيعة اولا و ان كان الحد من نفسه فلم قدح فيه و ان كان من ساير علماء الشيعة فلم ذكره ظاهرا في النسبة اليه من غير ذكر الحادين بالجملة اختلال هذه الكلمات و اضطرابها ظاهر لمن نظر و ليست الا محض القال و القيل و كلمات لايوجد فيها تحصيل و اصل الحد من اشاعرة الاصوليين كما ذكرنا و لكني في عذر من شرحها لغايات عندي قوله يَرِدُ استدراك القيدين الي آخر يعني ان الحكم عندهم كلام الله النفسي المتعلق بافعال المكلفين و هو الشرع و هو من فروع الدين فالقيدان لغو و استدراك ما لايلزم و قوله استدراك القيدين فيه عجمة و يريد به ان القيدين زايدان و لغو و ايضا وجه آخر ان الحكم طلب الشارع من المكلف و لا بد من وجود طالب و مطلوب منه و الطالب قديم و لا مطلوب منه قديما و هو سفه و لو فرضنا قدم المطلوب منه لايستقيم ايضا فان في المكلفين جاهل و ناس و ساه و نائم فان قالوا بتكليفهم لزم تكليف ما لايطاق و هو قبيح و تجويز الاشاعرة تكليف هؤلاء لايصغي اليه لوضوح القبح و كونه جورا واضحا منافيا للعدل الثابت و ان قالوا برفع التكليف لزم تغير الذات و كونها طلبا من قوم و [ص 25] رفع طلب من قوم و التغير من لوازم الحدوث و لولا قول الله سبحانه و لاتكن للخائنين خصيما لذكرت انه كلامه مختل النظام و لايرد علي الاشاعرة شئ منه و لكن اذرهم يتجادلون كيفما جادلوا .

قال بل قال ان الامر و النهي هو الطلب بقول مخصوص و لو كان كلامه نفسيا لزم ان لايكون الله سبحانه آمرا و ناهيا و هو باطل بالضرورة و نص الكتاب بل الوجهان الاخيران واردان علي من قال بالكلام النفسي و ان لم‌يقل بان المراد من الحكم في التعريف هذا المعني .

اقول هذا بحث آخر منه علي الاشاعرة المساكين من غير وجه و هو ان الاشاعرة يقولون في مباحث الامر و النهي ان الامر هو طلب الفعل بقول مخصوص و النهي هو طلب الترك بقول مخصوص و مع ذلك ينكرون الكلام اللفظي فيلزم ان لايكون الله آمرا ناهيا لوحدة الذات و هو باطل بالضرورة و لقوله سبحانه ان الله يأمر بالعدل و الاحسان و ايتاء ذي القربي و ينهي عن الفحشاء و المنكر و البغي و هذه الحكاية منهم دليل علي انه لم‌يفهم مراد الاشاعرة و انهم لاينكرون الكلام اللفظي مطلقا و ان كانوا يقولون ان حقيقة الكلام في النفس فجميع الابحاث المتفرعة علي قدم الكلام ساقط فان المساكين لاينكرون الامر و النهي اللفظي فما يرد علي الشيعة يرد عليهم قوله بل الوجهان الاخيران يعني ما قال من الترديد في تكليف الغافل و ما قال هنا في الامر و النهي واردان علي من قال ان كلام الله نفسي و ان لم‌يعرف الحكم بانه طلب الشارع كما مر و قد عرفت ان المصنف لم‌يعرف معني الكلام النفسي و ان الاشاعرة [ص 26] لاينكرون الكلام اللفظي و جميع هذه الكلمات نفخ في غير ضرام .

قال و ان كان النسب الخبرية احترازا عن الموضوعات ففيه خروج الانشائية كاقيموا الصلوة و توهم ان الفقه هو النسب الخبرية الحاصلة من تلك مدفوع بان لازمه عدم كون التصديق بالانشائية فقهاً و هو نفس الفقه فتامل و خروج كل الموضوعات صرفة و مستنبطة و شرعية مع كون الاخيرة من المعرف و من شان الفقيه بيانها و لذا تعرضوا لها .

اقول هذا الكلام عطف علي قوله ان كان في قوله ثم المراد من الحكم ان كان المعني المصطلح و قد ذكر ابحاثه الواردة علي ذلك الاحتمال و اراد الآن ان يذكر ما يرد علي هذا الاحتمال الذي تخيله بعضهم و زعم ان الحكم هو النسبة الخبرية التي تحصل في نفس الفقيه اي هذا واجب او هذا حرام او هذا مستحب او هذا مكروه او هذا مباح و انما فسره كذا حتي يحترز من ادخال معرفة الموضوعات اي متعلقات الاحكام في الفقه يقول علي هذا الاحتمال ايضا لايستقيم الحد لانه يخرج من الفقه التصديق بقوله تعالي اقيموا الصلوة فانه انشائي و ان قيل ان الفقيه اذا سمع اقيموا الصلوة يحصل في نفسه نسبة خبرية و هي الصلوة واجبة قلنا يلزم من ذلك ان نفس تصديق الانشاء ليس بفقه و نقص آخر انه يلزم خروج كل الموضوعات مع ان منها شرعية و لا بد و ان يعرفها الفقيه من الادلة الشرعية كما ان النكاح موضوع احكام و الصلوة موضوع احكام و هكذا و اما قوله صرفة و مستنبطة فالصرفة بحسب العربية غلط و لايستعمله العرب مع التاء و لو كان صفة مؤنث و يقولون خمر صرف [ص 27] و ماء صرف و الحاصل الموضوعات الصرف كماء الاناء مثلا حيث هو جزئي يحس بالعين و مستنبطة كالماء الكلي علي ان الكلي ليس له وجود خارجي و انما ينتزع من الافراد و الشرعية كالصلوة فانها موضوع احكام و هذا القسم الثالث لايعرف الا من الادلة الشرعية و هو من الفقه فلا معني للاحتراز عن الموضوعات مطلقا الحاصل كل ذلك كلمات لا حاصل لها ابدا في الدين و الدنيا و الآخرة الا اني مضطر الي شرحها لغاية .

قال و لو قيل ان معرفة الموضوع من باب المبادي لقلنا ان المراد بهذه المعرفة ان كان تصور الموضوع استدرك قيد الاحكام لان ظاهره ان المراد بالعلم التصديق فتصور الموضوع لم‌يكن داخلا في الجنس حتي يخرج بقيد الحكم او التصديق بموضوعية الموضوع او ان الموضوع هو هذا فهو نسبة خبرية كيف تخرج من قيد الاحكام الذي هو بمعني النسب الخبرية فلايطرد التعريف علي مذهبه من كون الموضوعات خارجة او المسائل فكسابقه او النسب الجزئية لم‌يخرج الموضوعات الشرعية .

اقول هذه خيالات سنحت للمصنف علي فرض كون الحكم النسب الخبرية فقال ان قال قائل ان معرفة الموضوعات من المبادي و علم سابق و ليست مقصودة بالذات فلا بأس باخراجها عن الحد قلنا ان ذلك ايضا لايجدي فان مرادك من المعرفة تصورها او تصديقها فان كان المراد تصورها فلم‌يكن داخلا في جنس الحد حتي يحتاج الي اخراجه و ان كان تصديقها اي تصديق موضوعية الموضوع او ان الموضوع هو هذا فهو من [ص 28] النسب الخبرية فكيف يخرج من قيد الاحكام و الحكم علي مذهبه هو النسبة الخبرية و قوله استدرك بمعني لغا فيه عجمة كما مر و قوله ظاهره اي ظاهر مذهب القائل بان الحكم النسبة الخبرية و قوله فلايطرد التعريف يعني ان كان هذا التصديق خارجا واقعا فلايطرد تعريفه و المراد من الاطراد عند اهل المنطق التلازم في الثبوت اي متي وجد المعرِف بالكسر وجد المعرَف بالفتح كما ان الانعكاس عندهم التلازم في النفي اي متي انتفي المعرِف بالكسر انتفي المعرَف بالفتح فمتي ما كان الحد اعم لايكون الحد مانعا عن اغيار المحدود فلايطرد الحد و متي ما كان المحدود اعم لايكون الحد جامعا لافراد المحدود و لاينعكس بالجملة كل ذلك نفخ في غير ضرام و جدال من الخصام لاسيما و يرد عليه ما قدمنا من الكلام ، و قوله او المسائل فكسابقه يعني ان اريد من الاحكام المسائل اي المحمولات يرد عليه ايضا ما اورده علي فرض كون الحكم النسب الخبرية فانه ان كان المراد من الاحكام المسائل يخرج الموضوعات الشرعية و يخرج تصديق الاوامر و النواهي عن الفقه كما مر و قوله او النسب الجزئية الخ ، يعني ان كان الحكم النسب الجزئية نحو هذا الماء طاهر و هذا اللحم حلال و امثالها يرد عليه انه لايخرج الموضوعات الشرعية التي هي عند القائل بهذا ليست من الفقه و ان كان عند المصنف داخلا .

قال او التصديقات ليكون الفقه تصديقا بالتصديقات ففيه انه ان اريد من التصديقات المفسرة للاحكام تصديقات نفس الفقيه فتصديق الفقيه [ص 29] بتصديقاته المأخوذة من الشرع لايسمي فقها بل الفقه نفس التصديقات الموخوذة و الا لم‌يكن الفقيه العالم بالاحكام الشرعية الغير المتفطن لعلمه فقيها و يلزم ايضا فساد قيد عن ادلتها لانه ظاهر في الرجوع الي العلم و الحال ان الحاصل من الادلة علم الفقيه لا علمه بعلمه و فساد قيد الشرعية لان تصديقات الفقيه ليس من شانها ان تؤخذ من الشارع او تصديقات الشارع فتصديق الفقيه بتصديقات الشارع لايسمي فقها بل الفقه تصديقه بمصدقاته و يلزم فساد قيد عن ادلتها لانه ان تعلق بالعلم كما هو الظاهر فالعلم بعلم الشارع ليس حاصلا من الادلة بل العلم بالمعلومات حاصل منها او بالاحكام لزم ان يكون علم الشارع ماخوذا من الادلة و فساد قيد الشرعية اذ ليس من شان الشارع بيان تصديقاته بل مصدقاته .

اقول عجبا من المصنف انه اراد في هذا الكتاب تهذيب المطالب و الاختصار و الحذر عن التطويل كيف طول كل هذا التطويل الذي لايؤل الي طائل ابدا و كيف كان قوله او التصديقات عطف علي قوله و ان كان النسب الخبرية يعني و ان اريد من الاحكام التصديقات و قد عرفت ان العلم هو التصديق فيكون الفقه تصديقا بالتصديقات ففيه احتمالان فان فسر الحكم بتصديق نفس الفقيه مثل هذا واجب و هذا حرام فتصديقه بهذا التصديق ليس بفقه و مع ذلك يفسد قيد عن ادلتها لان تصديقه بتصديقاته ليس مستنبطا عن الادلة و كذا يفسد قيد الشرعية لان تصديق نفس الفقيه لايؤخذ من الشارع و انما الماخوذ من الشارع المصدَق [ص 30] به بفتح الدال قوله او تصديقات الشارع عطف علي قوله تصديقات نفس الفقيه يعني ان فسر الحكم بتصديقات الشارع يلزم هذه العيوب الاربعة و كلامه واضح لايحتاج الي الشرح و زاد من التحقيق في الضوابط في عيوب هذا الاحتمال ان الشارع هو الله و علمه قديم و تصديقات الشارع علمه و الاحكام التكليفية حادثة و لا ربط بين الحادث و القديم و لا بد و ان يؤخذ معني هذا الكلام من المصنف لانه لايخطر في خلد حكيم هذا المعني فعلي هذا ان الله ليس بعالم بشئ حادث لعدم الربط و لعمري يضحك من هذه الاحتمالات الثكلي و لعمرك انها بمنزلة ان يقول ان اريد بالحكم قواعد نظام الافرنج مثلا يلزم اولا ان يكون العلم بنظامهم فقها و ليس بفقه و يلغو قيد الشرعية فانها ليست شرعية و يلغو قيد الفرعية فانه ليس من فروع ديننا و يكذب عن ادلتها التفصيلية بكليتها فانه لايستنبط من الكتاب و السنة و ان كانوا قد يستنبطونه من الاجماع و دليل العقل و هكذا من الاحتمالات الي فناء العمر و هل هذا علم او فضل يصرف الانسان عمره فيه و هل يؤل الي طائل في الدين و الدنيا و الآخرة نعم ذلك مبلغهم من العلم ، و قوله الغير المتفطن خلاف ما حكاه النحاة و ورد في الكتاب و الاخبار فان غير الشدة ابهامه لايقبل التعريف و لايدخل عليه الالف و اللام قال الله تعالي غير المغضوب عليهم .

قال او الاحكام التكليفية استدرك قيد الشرعية و خرج الاحكام الوضعية مع انها من الفقه علي قول و لايمكن تاويلها في بعض المقامات بالتكليفية [ص 31] فان النسبة عموم من وجه الا ان يراد الاَوْل الشاني .

اقول هذا احتمال آخر من مقتضيات غزارة العلم انه ان اريد من الاحكام الاحكام الخمسة التكليفية اي الوجوب و الحرمة و الندب و الكراهة و الاباحة استدرك علي قوله قيد الشرعية و يلغو لان تلك الاحكام بنفسها شرعية و يلزم خروج الاحكام الوضعية و هي الشرطية و الجزئية و المانعية و الصحة و الفساد و السببية قوله و لايمكن تاويلها يعني ان قيل ان الوضعية ايضا ماولة الي التكليفية فان كون الاستطاعة سبب وجوب الحج معناه وجوب الحج عند الاستطاعة قلنا انه لايمكن التاويل في بعض و بين الاحكام التكليفية و الوضعيات عموم من وجه فقد يجتمعان كما مر و قد يفترقان نحو الصلوة فريضة و كما اوصي الميت لولده الصغير بشئ فيكون له لان الوصية سبب الاختصاص و لا تكليف علي الصغير هنا و قوله الا ان يراد الاول الشاني الظاهر ان الاَوْل مصدر آل اي رجع يقول الا ان يراد ما من شانه الرجوع الي التكليفية فانه حينئذ يستقيم فان الولد في المثال المذكور من شانه ان يصير مكلفا .

قال او التكليفية و الوضعية الخمسة اي الشرطية و الجزئية و المانعية و الصحة و الفساد ففيه بعد استدراك القيد المذكور عدم انحصار الوضعية في الخمسة فلا عكس فان كل ما يكون تحققه مشروطا بالامور الاربعة العقل و البلوغ و العلم و القدرة تكليفي و ما عداه وضعي حتي مثل السببية و الاصح ان يراد الاحكام التكليفية صدرت من الشارع ام غيره فلايستدرك قيد الشرعية و اما الوضعيات فالحق خروجها عن [ص 32] المعرف و عدم كونها مقصودة بالذات من الفن بل انما يتكلم فيها لرجوعها الي التكليف .

اقول هذا احتمال آخر صدر من علمه الغزير و فضله الكثير و يعني به انه ان اريد من الاحكام التكاليف الخمسة و هي الوجوب و الحرمة و الندب و الكراهة و الاباحة و الوضعية الخمسة المذكورة يلغو القيد المذكور اي الشرعية و فيه ايضا ان الوضعية ليست منحصرة في الخمسة بل كلما ليس بالامر و النهي و التخيير التكليفية التي تتعلق بالعاقل البالغ العالم القادر وضعي بتعيين الشارع فلا وجه في تخصيص الحكم بالخمسة و الخمسة و اقول هنا ان المصنف ان اراد بعض شروط التكليف فلا خصوصية لهذه الاربع و كان له ان يكتفي بالعقل وحده و ان اراد جميع الشروط كما هو الظاهر فهي اكثر من ذلك فانه قد يرتفع التكليف عن الغافل و الناسي و المضطر و المكره كما فرق بينها في الحديث عن النبي صلي الله عليه و آله رفع عن امتي تسعة الخطاء و النسيان و ما اكرهوا عليه و ما لايعلمون و ما لايطيقون و ما اضطروا اليه الحديث ، فاما ان يقول المصنف بانها ليست ممتازة فيكون فيه الرد علي النبي صلي الله عليه و آله و اما يقول بانها ممتازة فليس مدار التكليف علي الاربع التي سمي هذا و قد يسقط التكليف بالعسر و الحرج و النوم و الضرر و حرمة مسلم آخر و التسهيل و ترك التنفير و الترغيب و امثال ذلك مما يسقط بعض التكاليف المندوبة و المكروهة اذا عارضها اعظم منها و كذا الاباحة اذا عارضها حادث آخر و يجمع كثيرا من موانع [ص 33] التكليف قول ابي‌عبدالله عليه السلام كلما غلب الله علي امرأ فهو اولي بالعذر و قوله عليه السلام الناس مأمورون و منهيون و من كان له عذر عذره الله قوله و الاصح يريد ان يقول هذه الارادة من الاحكام لايطرأها شئ من العيوب الواردة علي تلك الاحتمالات و هذا خبط ظاهر و خطاء باهر و هو خلاف الاصح فان لله عز و جل في كل شئ حكما الزم عباده التدين به و العمل بمقتضاه و جميع الوضعيات من حكمه سبحانه في تلك الاشياء و الحكم كما ذكرنا الالزام و الفقه هو العلم بالزامات الله سبحانه عباده اعتقادا و عملا و الحكم المطلق الزام فان كان من الله فهو شرعي و ان كان الالزام في الافعال و متعلقاتها فهو فرعي فالتعريف سديد و جميع ما مر نفخ في غير ضرام و احتمالات لاتؤل الي طائل بلا كلام و قوله ان الوضعيات ليست مقصودة بالذات خبط محض فان العلم بما الزم الله عباده اعتقاده او العمل به مقصود بالذات للفقيه و ان كان شرطا لشئ مثلا او سببا او كان لاجل شئ آخر او مرتبطا بشئ آخر فتدبر .