فصل - لما عرفت ان الحس المشترك جسم مثل ساير الاجسام فاعلم انه اذا واجهه شئ ينعكس فيه و ان اعرض عنه الشاخص لايبقي في البخار بعد شئ كما انه ليس في العين بعد شئ نعم ربما يبقي في الحس في الجملة و ذلك ما تراه في الشعلة الجوالة فان الحس يجد الشبح الماضي و لم‌يفقده و يجد الآتي فيزعمهما دايرة و كذلك النقطة علي الدوراة و القطرة النازلة سريعا بعد قطرة اذ يجدها خطا و لكن لي في ذلك ايضا كلام لااحب ان اذكره هنا الا علي نحو الاشارة و الاجمال و اعلم اني لاابت علي ذلك و لكنه محض احتمال و هو ان الجسم اللطيف كما يسهل تصوره و تطبعه يسهل تغيره فكما يقبل الصور عن وشيك يزول عنه عن وشيك كالهواء مثلا فانه يقبل الصور الواردة عليه سريعا و يتغير سريعا فبمحض زوال الشاخص يزول الشبح عنه و اما الجسم الغليظ فهو بعكس ذلك فاذا ورد عليه شئ يقبله عنيفا و يزول عنه عنيفا فاعتبر ذلك من السوداويين و الصفراويين فان [ص 181] الاولين يبعد تلونهم و قبولهم و لذلك يقل فهمهم و يبعد نسيانهم لما عرفوا كالحجر الغاسق فانه يصعب انتقاشه و اذا انتقش عليه يصعب زواله و اما الآخرين فانهم يكثر فهمهم و يسرع انتقالهم لكثرة ذوبانهم و مطاوعتهم و لكنه يسرع نسيانهم ايضا و ليس ذلك الا لكثرة مطاوعتهم لما يرد عليهم و اعتبر ذلك ايضا مما يبقي في الجليدية من الالوان كما اذا نظر احد في الشمس حال الخسوف فانه ربما يبقي الاثر في عينه بحيث يري الحمرة في عينه سنة او اقل او ازيد فكلما ينظر الي شئ يراه احمر و كذلك اذا نظرت في النور مدة لاتكاد تري بعد في الظل شيئا الا بعد ساعة قليلة يزول النور عن عينك و كذلك اذا نظرت الي شئ مدة مديدة اذا كنت في بيت معتدل من حيث النور و الظلمة تري اثره بعد في كل ما نظرت فيه و ليس شئ من ذلك في الحس المشترك فان الحس بنفسه جسم لطيف في الغاية سيال الطف من الهواء بمرات و تري ان الهواء لايبقي فيه المثال بوجه من الوجوه و لم‌يتقو في الحس المثالية حتي يقبل الصور و يمسكها بعد زوال المادة و ذلك شأن الخيال او شأن جسم يبقي عليه الصورة لغلظته فذلك شأن العين و لكن لا من حيث نفسها فانها من حيث نفسها ليست الا كمرآة و المرآة لايبقي فيها شئ و لكن قد عرفت سابقا ان العين حية بحيوة الروح و قد تعلق بها الروح و تجسم فيها بحيث يقبل التحصص و لذلك سمي بالباصرة و لو [ص 182] كان علي صفائه و لطافته و رقته لماسمي باصرة و قد مر دليل ذلك و شرح حاله سابقا و هذا الروح الغليظ دراك بروحانيته ماسك بغلظته و كثافته فتدبر فاذا وقع عليه شبح في مدة معتني بها يبقي عكسه فيه و لما كان الروح الباصر ايضا من مراتب الحس نقول انه يبقي في الحس و لكن ليس المراد الحس اللطيف فانه متلون المزاج و لكن المراد الحس الظاهر في المشعر و من المشعر و اذا كان هذا المطلب ثابتا لك بالبراهين التي لم‌نذكرها في المقام و اشرنا الي بعضها خوفا من طول الكلام اقول اذا كان دوام الشبح مؤثرا فوجوده في آن واحد ايضا مؤثر فانه لو لم‌يؤثر قليله لمااثر كثيره فان الماء مثلا لو لم‌يؤثر قليله لمااثر كثيره و لم‌يرفع العطش فلا شك ان قليله رافع للعطش الاتري انه يرفع به العطش القليل و لذلك ثبت في الشرع ان المسكر قليله و كثيره حرام و ورد النهي عن تقليل الطاعة و المعصية و ان قلت فان لكل شئ اثرا فان الاثر صفة صورة المؤثر و اذا كانت ثبتت الصورة يثبت الاثر مسلما فالنظر القليل ايضا يؤثر في العين هذا و تعلم ان امر الله واحد لا اختلاف فيه و مر شواهد ذلك كثيرا و تري انه اذا سخنت يدك بالماء الحار يبقي اثر الحرارة بعد و ان بردتها يبقي الاثر و لايبقي ذلك في الحس مسلما فانك ربما تتصور البرد حال وقوع يدك في [ص 183] الماء الحار و لو كان الحس حارا لماتقدر ان تصور غير الحرارة كما هو واضح لك ان عرفت الكلام الي هنا و لكن الحار حينئذ البدن نعم اذا تصورت البرد حين الحر فلاتتخيل و لاتتصور الحر لان متصورك البرد و لاتحس الحر ح و لكنه يؤثر في البدن و يبقي اثره فيه و كلما لمس بدنك غيرك لاحس بالحرارة و ذلك معلوم مشاهد و اذا كان صوت حاد تري انه يبقي اثره في اذنك مدة و اذا كان رايحة قوية يبقي اثره في الخيشوم مدة كما يبقي في الهواء و كذلك الامر في العين نعم العين الطف من الباقي لناريتها ففعلها الطف مسلما و ذلك واضح فانقلابها اسرع فافهم و تبصر فيحتمل قويا ان يكون اثر الدايرة من الشعلة الجوالة في العين لا الحس و كذلك جميع ما من هذا القبيل و ظني ان مولاي (اع) كان يقول ذلك علي نحو الاحتمال و علي اي حال ليس المسألة محل حاجتنا كثيرا .

فصل - اعلم ان الحس المشترك برزخ بين الخيال و الاشباح الدنيوية فان الخيال ملكوتي و الصور دنيوية ملكية و الملكوتي لايدرك الملكي ابدا لانه لا بد من المناسبة بين المدرك و المدرك بالكسر و الفتح كما هو ثابت فان الادوات تحد انفسها و الآلات تشير الي نظائرها فلايدرك شئ غير ما ظهر له به و لا شك ان الصورة الملكية مع حفظ الملكية لايظهر في الملكوت و ما سمعت من مشايخنا ان جميع الصور [ص 184] نازلة من الملكوت كلام حق صدق و لكنها كانت في الملكوت ملكوتية و بعد ما نزلت الي الدنيا تطبعت بطبع الدنيا و تصورت بصورتها و لاتكاد تصعد الي الملكوت بهذه الصورة و لاتنزل الملكوت بصورته الي الملك فلايدرك الملكوتي الصورة الملكية مع حفظ صورته نعم بعد ما نزل الملكوتي الي الملك يدرك الملكيات و ذلك حاصل لك فان عينك اصلها من الملكوت و صارت ملكية و الجدار الجسماني اصله من الملكوت و نزل الي الملك و تري انت بعينك الجدار و لكن لك مشعر هو باق علي الملكوتية فلايدرك الملك ابدا و لذلك جعل الله الحكيم العليم بين ملكوتك و ملكك سفيرا يحكي عن الاسفل و يترجم للاعلي و يأخذ من الاعلي و يترجم للاسفل و ذلك واضح لمن عرف ما مضي و زيادة البيان ان اصل تلك الصور المشهودة من النفس فانها المبدأ و المنتهي و الاول و الآخر و قد خلق الله جميعها منها و بها و لها و لذلك ترجع جميعها اليها الا انها كانت في النفس مبهمة مطلقة و بعد ما نزلت في المشاعر تخصصت في كل مقام بما يخصه حتي وصل في سيرها الي الدنيا و عرضها الاعراض الدنيوية و منها المادة الدنيوية و ما من الاعلي الصورة الثابتة عليها و المادة و ان كانت من الاعلي ايضا الا ان كلامنا في الامثلة المدركة فالعين تأخذ الشبح من الاسفل و تصفيه مرة عن المادة الدنيوية الجسمانية الخارجة و تلبسه علي نفسها و هي [ص 185] ايضا مادة جسمانية الا انها ليست خارجة بالكلية و لكنها من ملك النفس و تؤديه الي الحس فيأخذه و يصفيه تارة بعد اولي و يجعله سماويا لان الحس هو سماوي فانك قد عرفت سابقا ان مادته بلطافة قمر الدنيا و روحه قمري مثالي فيجعله ملكوتيا فان السماوات ملكوتيات و لكن مع ذلك قريب من الاجسام السفلية لان الحس من حيث اسفله ترابي عنصري و لكنه من حيث اعلاه سماوي و اعلاه متصل باسفله و اسفله باعلاه فاذا اتصف اسفله بصفة يتصف بها اعلاه فورا كما تري في الدخان فانه اذا اشتعل اعلاه بالنار تنزل فورا الي اسفله و ان اشتعل اسفله تصعد النار فورا الي اعلاه و ذلك لسر الارتباط و اتحاد المادة و كذلك اسفل الروح البخاري الثابت في العين اذا اشتعل بالمرئي يؤثر الي آخر درجاته و ينفذ في جميعها و ان اردت ان تعرف ذلك واضحا فاعرفه بالمثل فان الحق يعرف بالمثل يعني ان الحق ما عاينت مثله بسكون الثاء و الباطل بالجدل اي جميعه قيل و قال من غير شهود و عيان فاعرف مثل مرادك حتي تحققه و هو الضوء فانه مثالي و لمثاليته يكون نافذا ساريا في عالم الاجسام فتري انه اذا طلعت الشمس تنفذ في جميع العالم فورا و ذلك صريح قوله تعالي و تري الشمس اذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين و اذا غربت تقرضهم ذات الشمال و انت تعلم انه لايستعمل اذا الا في مقام يريدون اثبات الجزاء وقت حصول الشرط كما قال [ص 186] الله تعالي فاذا وجبت جنوبها فكلوا منها رؤي ابوالحسن الاول عليه السلام دعا ببدنة فنحرها فلما ضرب الجزارون عراقيبها فوقعت علي الارض و كشفوا شيئا من سنامها فقال اقطعوا و كلوا منها و اطعموا فان الله يقول الآية ، و كذلك هنا اذا طلعت تزاور فورا فافهم فاذا كان الامر في المثال الظاهر في الدنيا هكذا فما ظنك بالمثال الخالص و نحو سيره في المثاليات فانك قد عرفت ان المشاعر الغيبية برزخية و الشبح ايضا برزخي فبمحض بروزه في اسفل المراتب يؤثر في الاعلي من غير مهل فاذا اشتعل اسفل الحس المرتبط بالمشاعر الظاهرة بما تدركه يشتعل جميع المراتب و لعلك قد عرفت مما ذكرناه ان عالم المشاعر عالم هورقليا و من اسفله الي اعلاه مراتب الحس المشترك فالحس في اول المراتب يحكي العرش و في الآخر القمر و ان عرفت ذلك تعرف ان الحس يشتعل بالشبح و يدرك كل مشعر منه ما يناسبه و الذي يشتعل بتلك الصورة التي تراها هو الحس و الناس يزعمون انه غيره و غلطوا فان الخيال فعل النفس و هو ملكوتي و الملكوت لايتهيأ بهيأة الدنيا لامحة و لكن الحس قريب من الدنيا فيتصور بصورة دنياوية و يدرك الخيال منه الصورة العارية عن المادة فالذي تصور في خيالك و تري السراج مثلا الحس يتطبع بطبع السراج و الخيال يدرك منه ما يخصه و ان اردت التمثيل بلسان قشري فازعم الحس كالمادة الدنيوية و الصورة [ص 187] الثابتة عليه كالصورة التي عليها و لها لون و صوت و رايحة و طعم و ملاسة فيأخذ اللون العين و الصوت السمع و الطعم اللسان و الرايحة الخيشوم و الملاسة الانامل و كذلك الحس يتصور بصورة زيد فيأخذ منها الخيال الصورة المجردة و الفكر النسبة التصديقية و الوهم المعني الجزئي و العلم الصورة الصرفة و العقل المعني و الحس متطبع بهذا الطبع و يملك الجميع الا انه لايدرك شيئا غير ما يخصه و لولا الحس لماادرك واحد منها شيئا لانها افعال النفس و الفعل من غير مفعول به غير واقع الا علي نحو الاطلاق فانه لايعقل ضرب من غير مضروب و ان كان الفعل لازما يكون لازما بمعني عدم تجاوزه عن الفاعل في الظاهر و تعلقه بالمفعول الخارجي العرضي لا انه لايتعلق بشئ مطلقا بل له ايضا حامل البتة كالقعود فان له حاملا و هو بدن الانسان و لكن الفعل المتعدي يتعلق بمفعول خارجي و الفرق في ذلك و كذلك ما كان يمكن ان يصل اليها شئ من غير هذا السبيل و اعلم ان الخيال خيال في الحس و الوهم وهم فيه و هكذا ساير المشاعر و لولا الحس لماسمي شئ منها بهذا الاسم فان الاسماء من التشخص و التشخص في هذا المقام لا غير نعم للنفس من هذه المشاعر اكتسابات علي حسبها تبقي لها بعد رفعها فافهم فان ما ذكرته هنا سر من سر الله جل و عز ان عرفته فاحفظه و استره و الا فاسلم تسلم انشاء الله .

[ص 188] فصل - رأيت ان ازيد فصلا ابين فيه اشارة و هي ان هذا المقام عالم هورقليا و فيه الجن الروحاني و فيه جابلقا و جابرسا و جنة آدم و مقام برهوت و حضرموت و فيه جنتان مدهامتان و انهار من لبن لم‌يتغير طعمه و انهار من عسل مصفي و الرجعة في سماء هذا العالم و الظهور في هذا العالم و اي بعد في ذلك و اي استنكاف من ان يترقي الملك حتي يصل هذا المقام كما يترقي الغذاء في بدنك حتي يصل هذا المقام فان الانسان انموذج الملك فما رأيت فيه اثبته في الملك فالملك يبلغ زمانا هذا المبلغ و يظهر فيه الحجة لا ان الحجة ينزل من مقامه بل الناس يصعدون كما ان عالم المثال ثابت في مقامه و انت تنام فتصعد اليه فافهم و العلم الذي اتوا به مشايخنا كله من نسيم هورقليا و من علامات قرب الموعد فالبشارة البشارة ايها المؤمنون لقرب الساعة و انشقاق القمر بل ظهور الخاتم (ص) في الملك من انفاس هورقليا و الناس في غفلة عن ذلك و يكفي الاشارات فان للجدران آذانا فكف يا قلمي عن الجولان و صلي الله علي سادات الانس و الجان .

المشعر الثاني - الفكر و فيه فصول :

فصل - اعلم ان البخار بعد ما صعد صاعدا حتي بلغ حد فلك عطارد يتعلق به روح عطاردي و انت تعرف ان عطارد كوكب عار عن المزاج و لا حكم له مع ساير الكواكب و هو و ان كان [ص 189] في مزاجه باردا يابسا في الظاهر و لكنه في غاية اللطافة و الصفاء فكل ما اتصل بكوكب من الكواكب يتلون بلونه و يتهيأ بهيأته فمع السعد سعد و مع النحس نحس و كذلك شأنه في الانسان فلايخص الصور و لا المعاني بل يتصل بكل فيركب مع الصور و المعاني و يدرك النسبة بينها فيدرك النسبة بين صورة و صورة و معني و معني و صورة و معني و مقامه في الواقع فوق الخيال بل فوق الواهمة ايضا لانه مسلط علي جميعها و لذا يتعلق دركه بكلها و قد خص بالانسان لاجل ذلك و لو كان اسفل من الخيال بذاته لماكان ينبغي ان يثبت للحيوان الخيال و الوهم و لايثبت له الفكر فان الشئ في سيره لايترك الاسفل و يسير الي الاعلي الاتري انك في سيرك لاتصل الي فلك الزهرة ما لم‌تجاوز فلك القمر فاذا وصلت اليه من دون ان تصل اليه يدل ذلك علي ان القمر لايكون حايلا و اذا وصلت اليه بعد وصولك الي الزهرة يدل علي ان القمر فوقها و لما كان كل شئ فيه معني كل شئ و المواليد تتولد من هذا الملك فهي علي صفته و ادلة ذلك واضحة لايحة لمن نظر فيها فاذا رأينا ان الحيوان يملك الخيال اولا ثم اذا بلغ مقام الانسانية يتعلق به الفكر عرفنا من ذلك ان الفكر ارفع مع انا وجدنا ان الفكر يتطبع بطبع شأنه و درجته فوق درجة الحيوان و بالجملة ذلك واضح انشاء الله و لانحتاج الي شرحه و بسطه .

[ص 190] فصل - في عمل الفكر و ذلك ايضا من المشكلات لا بد لي من بيان مثله فاعلم ان الشئ اذا واجهك ينطبع صورته في عينك و يتطبع بما في العين الحس المشترك علي ما هو عليه فيمسكه لاجل ان يدرك المدارك العالية من تلك الصورة ما تريد فيدرك الخيال الصورة الصرفة و هو التصور المذكور فيري هو مثلا زيدا وحده و كذلك يتطبع فيه القيام فيدرك قايما و لكنه لايعرف ان زيدا قايم و لايدرك ان القيام لزيد بل يدرك صورتين كأنهما جزئين غير مركبين و الفكر هو يد لجمع الجزئين فيجمع بين القيام و زيد اي يربط بينهما و يؤدي ذلك الي العالمة فيعرف العالمة ان زيدا قايم و لولا النسبة و لولا العالمة لماعرف الخيال شيئا من ذلك ابدا فالحيوان مثلا يجد زيدا و قايما و لايعرف ان زيدا قايم و يجد ماءا و يجد سيلانا و لايدرك ان الماء سايل و ذلك واضح لك بادلة نذكر بعضها في الخيال ان شاء الله فترقب .

فصل - اعلم ان الفكر له موكلون من الملئكة و هم سيمون و شمعون و زيتون و هم ملئكة موكلون بفلك عطارد يحفظونه من امر الله سبحانه و سلطنتهم و كرسي حكمهم هنا و لهم اعوان كثيرة بعدد المتفكرين و اشباح عطارد في الدنيا فيلقون هؤلاء الثلثة امرهم و حكمهم اليهم و يحكمون في الملك بما يشاء الله و لكن الاشكال و الداء العضال في معرفة الملئكة و ليس وضع [ص 191] هذا الكتاب لبيان هذه الحكم و لكن الاشارة لاتضيق به العبارة ان لكل شئ حيثين كما سمعته من مشايخنا كثيرا حيث الي ربه و حيث الي نفسه فاما الحيث الي ربه فهو ملك من عند الله يملكه الله او سمي بذلك لانه عبد الله و اما الحيث الاسفل فهو شيطان من الشياطين متعلق به لا ان الشياطين ينحصرون في ذلك فلا شيطان بعد و لا ابليس و كذلك الملئكة منحصرون في ذلك حاشا ان يكون هكذا بل ابليس رئيس شيطاني له وجود خارجي و رؤساء الملئكة لهم وجودات خارجية و لكن ما ذكرناه اعوانهم و اشباحهم او رؤسهم في المواليد و كذلك لكل سماء حفظة و لهم اعوان و انصار قد تعلقوا بذوي الارواح التي تعلقت بها الافلاك و كذلك لكل ارض من الاراضي شياطين و لهم اعوان تعلقت بهم و ذلك واضح لاهله ان شاء الله تعالي فافهم .

المشعر الثالث - الخيال و هو زهرة عالم الانسان و بعد ما صفي البخار و لطف حتي بلغ من الصفاء حد الزهرة يتعلق به روح الزهرة و يسمي هنا بالخيال و شأنه درك الصور الجزئية و مقامه مؤخر البطن الاول من بطون الدماغ علي ما قالوا و لا بد لشرح ادراكه من ذكر فصلين :

فصل - اعلم ان الخيال روح مثالي يتعلق بالحس المشترك و قد تعلق به في مقام خاص و بعد ما تعلق به نفذ في جميع اقطاره و جهاته و ذلك مطلب عظيم لااكاد اظهره في تلك الرسالة لكثرة [ص 192] عدو الحق في الدنيا و علي اي حال الخيال متوجه بالحس و الحس متوجه بالمشاعر الظاهرة فكلما تهيأ الحس بهيأة و تصور بصورة يعني كل ما ادرك شيئا يمسكه بحذاء الخيال و الخيال ينظر اليه و يعرف الصورة الجزئية الخاصة في الحس و من الحس لا غير و ان عرفت ما بيناه سابقا في الفكر و الحس المشترك يرتفع الاشكال في معرفة الخيال .

فصل - في كيفية التخيل و ما يحصل للنفس من التخيل فاعلم انه اذا ادرك الحس المشترك الصور الجزئية من الخارج يؤدي ما ادركه الي الخيال و يفسره له بلسان مثالي و ما يأخذه الخيال من الاشباح صور مجردة بمعني انها لاتحتاج في وجودها و بقائها الي مادة و مدة زمانية الاتري انك تتصور بعد ما مضي الشئ نفسه في الآن الثاني مع مضي الوقت و المكان و لو كان الخيال بنفسه دراكا لمااقترن بالمادة و المدة الزمانيتين لماادرك ما مضي و ما سيأتي و تري ذلك منه عيانا و ذلك ادل دليل علي انه خارج عن الدنيويات مدرك للبرزخيات و اما كيفية الادراك فقد عرفت مما مضي سابقا ان الخيال متعلق بالحس المشترك مثل الروح بالبدن و هو الحساس منه الا ان سلطانه في مقام خاص فاذا تشكل الحس الذي هو بدنه بشكل خاص يجده بهذا الشكل و وجدانه له يسمي عند العالم بالدرك الا انه لايدرك معني الشئ و نسبه و ساير ما لايتعلق بالخيال و عدم ادراكه لها [ص 193] ليس دليل عدم وجودها بل دليل لعدم المناسبة فان الآلات تشير الي نظائرها و ما يخصه صرف الصورة الجزئية لان الخيال صوري ليس بمعنوي و قيل ان النفس اذا تصرفت بسبب القوة العقلية فهي فكر و اذا تصرفت بالقوة الوهمية فهي خيال و ذلك كلام من الحكماء ناقص في حده و اعلم ان اصل الخيال دهري لانه فعل النفس و ذلك صريح كلام مشايخي و بعد ما ظهر في الحس المشترك صار مثاليا برزخيا اي من حيث المظهر صار ملاصقا بالزمانيات و من حيث الاعلي اي نفسه صار دهريا و لما كان من حيث نفسه دهريا لايمضي عليه الاوقات فالامثلة الماضية و الآتية و الحال بالنسبة اليه شرع سواء فكلما نظر الي الامثلة الماضية يجدها و ان قدر ان ينظر الي الامثلة الآتية يجدها و ان نظر الي الامثلة الثابتة في الحال يجدها و سيأتي ان شاء الله تحقيق ذلك عند تعرضنا لبيان الحفظ .

المشعر الرابع - الواهمة . قد عرفت سابقا انه اذا بلغ البخار بلطافة فلك المريخ يتعلق به نفس المريخ و مقامه علي ما قيل مقدم البطن الثالث من بطون الدماغ و لا بد لي من ذكر فصلين في المقام ايضا :

فصل - اعلم ان المريخ بحسب مزاجه حار يابس و هو ظاهر العرش و علي مزاجه و لما كان العرش مظهرا للعقل و العقل معنوي صار ظهوره ايضا معنويا و الغالب عليه صفة النار [ص 194] و كذلك بعد ما بلغ البخار بلطافة المريخ يغلب عليه حيث النارية و يتطبع بطبع المريخ فكلما توجه اليه النفس و نظرت من منظاره تدرك المعنويات و لكن لا شك انه لم‌يبلغ من الصفاء حد زحل كوكب الولاية فلاجل ذلك لايقدر ان يدرك معاني كلية خارجة عن الصور بالكلية فانه بخار جسماني مشابه للجسمانيات و لايتجاوز ما كان ثابتا خارجا حتي ينطبع فيه فمعنوية ما يدركه نسبية اي بالنسبة الي ما دونه من الخيال و الحس معنوي و بالنسبة الي الاعلي صوري حتي ان معنوية العالمة اكثر من معنوية الواهمة مع انها صورية فافهم ذلك فان ذلك بعيد عن الذهن في الجملة الاتري ان الواهمة مثلا تدرك محبة جزئية و خوفا جزئيا و امثال ذلك و جميع ذلك من المتممات الجزئية و العالمة تدرك الكلية الظاهرة في جميع الصفات و الكلي معنويته اكثر مسلما فان الوهم مثلا يدرك جاذبية النار اذا وجد جذبها و العالمة تدرك النار التي تكون الجاذبة صفة من صفاتها فافهم ذلك و ظني انك لم‌تسمع ما ذكرته هنا قبل و كم من اسرار في المقام اخاف من ابرازها و كتمانها في الصدور اهنأ من كتبها في السطور و من خلقه الله للعلم يعرف بنفسه كما عرفوا و من لم‌يخلقه الله للعلم لايكادون يفقهون حديثا و بالجملة و الوهم في دركه يحتاج الي الخيال و الفكر و الحس المشترك و العين او مشعر آخر من المشاعر الظاهرة فلولا العين [ص 195] او غيرها لاينطبع الشبح في الحس و لولا الحس لايظهر الشبح في محضر المشاعر و لولا الخيال لايدرك الصورة المجردة و لولا الفكر لايدرك النسبة و ان لم‌يدرك النسبة لايكاد يدرك المعني الجزئي فتدبر .

فصل - في كيفية ادراك الواهمة . فاعلم انه اذا واجه عينك شبحا في الخارج ينطبع فيها كما مضي فافرضه اي الشبح طفلا مع امه ففي العين يظهر عكس الطفل و عكس امه و يتطبع العين بهذا الطبع و ينطبع منها في الحس المشترك فيتصور الحس المشترك بتلك الصورة فيأخذ الخيال من ذلك صورة الطفل و صورة الام و صورة حركة و لايزيد الخيال علي ذلك فينسب الفكر تلك الصور بعضها الي بعض ان الحركة حركة الطفل و قد واجه امه و مال اليها و تحرك نحوها و اتخذته في كنفها و امثال ذلك من النسب فبعد ما حصل النسبة يعرف الواهمة من ذلك ان هذه الحركة حركة المحبة و المودة و درك ذلك ايضا مشكل و لعلك تزعم انها تتصور بصورة المحبة مع ما قلنا انها معنوية و المحبة ايضا امر معنوي و ليس هكذا و انا اوثرك علي نفسي ببيان ذلك ، فاعلم ان الله سبحانه خلق البخار من سنخ المواليد الدنيوية و قد مر شرح ذلك في المقدمة و ذلك من البديهيات ان عرفت ما مضي و من البديهيات ايضا ان المواليد كل ما كانت مجانسة او [ص 196] مشابهة او مماثلة تميل بعضها الي بعض و كل ما كانت منافرة تفر بعضها من بعض لان الاشياء تتقوي باشباهها و تتضعف باضدادها فالنار تميل الي النار و الهواء الي الهواء و في المواليد الشاة الي الشاة و التمساح الي التمساح و القردة الي القردة و الجنس الي الجنس يميل مسلما و يفر من غير جنسه سيما اذا كان العداوة بينهما علانية و ذلك بالمنافرة التامة فالضان يفر من الذيب و الفرس من الاسد و اذا كان ذلك من البديهيات التي لا شك فيها اقول اذا تصورت انت صورة الجنسين في حسك مع ان الحس من جنس المواليد يتطبع بطبعهما مسلما و لا شك ان طبع كل واحد يتقوي من الآخر اذ جبلا عليهما و انت تري ان الحس بعد ما تصور بهذه الصورة و خلعها و اعطاها الفكر و اخذ تلك الصورة و لاحظ الفكر النسبة بينهما يتقوي النفس بذلك اي تجد مشعرها الذي هو الحس قد تقوي من تصوريه فيعرف الوهم من ذلك معني المحبة و لا شك ان ذلك امر معنوي و ربما يتوجه الحس الي شبحين اذا كانا معا في الخارج كما تري ذلك علانية و كل ما ينظر الشبح الي الشبح يتقوي به فان الشبح ايضا شئ حي في خيالك بحيوتك و له عناصر هي عناصرك و تنظر بعضها الي بعض و تتقوي فيأخذ الوهم معني الحب و كذلك في الخوف يجد الهرب و التنفر و الامر سهل بعد ما بينته من الكلام البديع الذي يستنكره [ص 197] اكثر القشريين اذ يتصورون الحب مثلا بميل خارجي كحنين الطفل الي امه و يزعمون ان ذلك هو الحب لعدم فرقهم بين المشاعر و مدركاتها و لكن ذلك تصور الصورة و من شأن الخيال و الحب يستنبط من ذلك و هو في ذلك كالمعني في اللفظ و لايكاد يتصور الحب الا في صورة خيالية و قد عرفت مما مضي انه لولا الخيال لايدرك الوهم المعني الجزئي فلاتغفل و ليس ذلك الا لانك كلما تريد ان تري زيدا تنظر الي بدنه و هو غير البدن و كل ما تريد ان تصور زيدا تصور بدنه و كذلك كلما تريد ان تصور الحب تصور المحب و المحبوب و حالتهما مع ان حالتهما صورية خارجية و لكن اصل الحب و حقيقته التي هي نفس التقوي و الميل الباطني تظهر في تلك الصور فافهم و اقر عينيك بما متعتك به و كن من الشاكرين و الحمد لله رب العالمين و لعلك بعد ما نظرت الي ما ذكرت هاهنا تعرف كيفية قيام تلك المشاعر ايضا و لكن اكثر الناس يزعمون قطعات من الدخان في الرأس منفصلة و يفعل كل قطعة فعلا و هيهات هيهات لما يزعمون و هم عن عالم الوصل غافلون و من جراب النورة يعيشون و عن انهار من لبن لم‌يتغير طعمه غافلون و عن العسل المازي محرومون فذرهم في خوضهم يلعبون فانهم يعلمون ظاهرا من الحيوة الدنيا و هم عن الآخرة هم غافلون انظر الي كلماتهم و كتبهم حيث يقسمون بطون الدماغ و يجعلون في كل بطن قطعة من الروح [ص 198] و ينسبون اليه فعلا و ليس هكذا و العيان يكفيك عن البيان ان كنت من اهل الجولان و صلي الله علي سادات الانس و الجان فتوسل اليهم حتي تعرف الحق في كل مقام و هم المعلمون بلا كلام و يكفيك ما ذكرناه في الوهم و هو عين اليقين و غير هذا القول وهم و تخمين .

المشعر الخامس - العالمة . فاعلم انه اذا بلغ البخار بلطافة المشتري يتعلق به نفسه و هي العالمة اذ هي ظاهر الكرسي و لم‌يجعلوا له في الدماغ محلا لانهم غافلون عنه اذ جعلوا البطون ثلثة و لكل بطن مقدم و مؤخر علي ما مر سابقا و ليس في كلامهم ذكر العالمة و ان اردنا ان نسلك مسلكهم و نطلب منهجهم نقول ان العالمة في البطن المؤخر من البطن الثالث و لكنك تعرف حق البيان مما مضي سابقا و فيه ايضا فصلان :

فصل - اعلم ان العالمة هي صفة النفس فان النفس هي صاحبة العلم في الواقع و تعلم انت ان العلم حضور المعلوم عند العالم و تعلم ان النفس هي مطلقة فوق جميع العلوم و نسبة العلوم اي المعلومات اليها نسبة المقيدات الي المطلقات فليس فيها ذكر معلوم مطلقا و لاتواجه معلوما بوجه و لكن ظهرت في المشاعر و نسب الي نفسها جميع افعالها اذ هي كلها ظهورها و اختارت من بينها ايضا العالمة لخصوصية الله اعلم بها كما في الملك الاتري ان الله سبحانه جعل جميع الملك علومه و خص [ص 199] من بينها المشتري بالعلم و ذلك لاجل ان المشتري صار صاحب صفاء من بين الكواكب حكي العلم بتمامه او نقول ان الباقي مظاهر المعلومات و المشتري ظاهر العالمية و كذلك في المقام الخيال و الوهم و الفكر حكاة و رواة للشبح و لكن العالمة ناظرة اليها و عالمة منها و ذلك كلام جديد ان عرفته و علي اي حال العلم صفة النفس و العالمة هي هي و العالمية ظاهرة في العالمة و لها بالنسبة الي المشاعر السافلة اطلاق ما في الجملة لا كاطلاق الجسم بالنسبة الي ساير الاجسام بل كاطلاق المشتري فان المشتري قد احاط بساير الكواكب و كذلك حال كل عال بالنسبة الي سافله و كذلك تقدير العزيز الحكيم و للعالمة بالنسبة الي العاقلة مقام الصورة كما انها في مقام المادة و لكن مع ذلك كله العالمة في عرض ساير المشاعر و فعلها ادراك الصور و مدركاتها عين مدركات الخيال الا ان الخيال يدركها مشوبة بالاعراض الخارجية و هي تدرك خالصة فهي دراكة لكل شئ بحقيقته اي الحقيقة المصورية لا الحقيقة الخالصة التي دركها من شأن الفؤاد فافهم .

فصل - في صفة ادراكها . فاعلم انك اذا اخذت من الخارج علي ما عرفت صورة زيد و قايم و نسب بينهما الفكر بان اوصلهما و قارن بينهما يدرك العالمة من البين ان زيدا قايم و ذلك حظ العالمة و قد نقول ان العالمة تعرف مقومة [ص 200] الشئ فان الخيال مثلا يدرك زيدا في هذا اللباس الخاص و المكان الخاص و اما العالمة فهي تعرف زيدا في كل لباس و لذلك تري ان الحيوان لاجل انه فاقد للعالمة لايكاد يعرف الشئ في كل حال بل يعرف المتممة خاصة الا في امور طبيعية كمعرفته للماء و الكلأ ايا كان و اما معرفته ما هو خارج عن الطبيعة فخارجة عن ذلك كما في معرفته للانسان فانه لايعرف زيدا و لكنه يعرف الثوب و الصوت و القامة و امثال ذلك كما هو مجرب لمن يأخذ الفيل و يربيه مثلا لا بد له من المداومة علي لون واحد في لباسه و لو غير لباسه لمااطاعه الفيل و كذلك جربنا انه اذا خلع الانسان جميع لباسه يستوحش منه الحيوان و يفر منه و لو كان مأنوسا به و جميع ذلك لفقدانهم العالمة التي تعرف مقومة الانسان فافهم ذلك ان شاء الله و اذا سمعت انا نقول ان معرفة المقومة شأن النفس فلاتزعم من ذلك ان النفس بنفسها تعرف من غير مشعر حاشا ان يكون هكذا فانك قد عرفت ان النفس دهرية و لاتكاد تدرك الجزئيات من غير اسباب و لكنها تعرف المقومة من العالمة و بها و اعلم ان الدراك في الحقيقة النفس و هي تدرك كل جزئية و كلية و معنوية و صورية و تدرك كل شئ بمدرك مناسب له و اعلم انه لايحصل للصور كمال التجرد الا في العالمة فان العالمة تدرك الصور خالية عن المادة و المدة و قبلها يلاحظ الاقتران بالمادة و لو في الجملة و ان [ص 201] نظرت في كلامي هكذا لرأيت مطلبا عجيبا و اوضح من ذلك ان العالمة تنظر الي الخيال و الفكر و الوهم و تأخذ فذلكة من الجميع و الفذلكة هي الخارجة عن المادة لا الصورة الشخصية التي شخصيتها بمادتها فبخيالك تجد مثلا زيدا بدنيا و قياما دنيويا و بفكرك تنسب القيام الي زيد و بوهمك تعرف انه يريد المشي و بعلمك تأخذ من الجميع فذلكة هي قيام زيد و هو غير الصور الخارجية فافهم ذلك مثال آخر الخيال يعرف المبتدأ و الخبر منفصلين و الفكر يجعل المبتدأ مبتدأ و الخبر خبرا و العالمة تعرف المبتدأ و الخبر و الوهم يدرك المعاني (ظ) الجزئية ايا كان علي حسب التصورات فتدبر ان شاء الله .

المشعر السادس - العاقلة و هي زحل عالم الانسان يعني ان البخار بعد ما بلغ بصفاء زحل تعلق به نفس زحل و فعلها درك المعاني الكلية و فيه فصلان :

فصل - اعلم ان العاقلة ظاهر العقل كما ان العالمة ظاهر النفس و العقل معنوي خارج عن مقام الصورة مطلس عن جميع الخطوط النفسانية و لذلك صار ظاهره الذي هو العرش اطلس اي هو اطلس عن كل كوكب و لاتكاد تجد فيه شخصية صورية و بعد ما ظهر في الزحل صار مشخصا في الجملة و تشخصه بحسب الصورة و لذا اختلف صورته مع صورة العرش فصار باردا يابسا و اما في نفسه فهو العرش في الواقع و لا اختلاف له مع العرش [ص 202] الا انه عبده و ظهوره و ان اردت معرفة حقيقة ذلك فاعلم انه كوكب الولاية و الولي ظاهره امامة و وصية و باطنه غيب ممتنع لايدرك اي النبي و لذلك قال رسول الله صلي الله عليه و آله يا علي انت مني و انا منك ، و من يأتي لمعان منها البدلية و التبعيضية و كلاهما صحيحان فاما يكون علي منه و هو منه بمعني انه هو هو و هو هو و ذلك قوله عليه السلام انا من محمد كالضوء من الضوء ، و صريح القرآن و انفسنا و انفسكم و نفس الرجل عينه و اما يكون المراد انه بعضه و هو بعضه فالنبوة باطن الولاية و الولاية ظاهر النبوة و هي المادة و تلك الصورة و يدل علي ذلك اخبار و قد بينت ذلك مفصلا في الدر الثمين و علي اي حال مرادي ان الولاية هي النبوة الا انها الظاهر و هي الباطن و هي الغيب و تلك الشهادة و قد صار كوكب الولاية في الظاهر باردا يابسا علي مزاج الموت مع ان مقام الولاية مقام الرطوبة كما هو مسلم لان الولي ميت في جنب نور الله سبحانه و لا استقلال له كما قال الله تعالي في القدسي يا ابن آدم ظاهرك للفناء و باطنك انا و قال في كتابه انك ميت و انهم ميتون فباطنه علي مزاج العرش و حي و ظاهره علي مزاج التراب و ميت و لذلك سماه الله اباتراب و بالجملة لسنا بصدد شرح ازيد من زحل و قد علمت انه غيبه العرش و كذلك زحلك هو عقلك الا انه ظهر في دخان سمائك و اعلم انه مع تخصصه ليس كساير المشاعر [ص 203] فان جميعها بالنسبة اليها صورية و هي مادية معنوية و مقامها و ان كان فوق جميع المشاعر الا انه قد ثقب جميع سماوات المشاعر و نفذ فيها الاتري ان الله سبحانه سماه اي زحل النجم الثاقب و قال و النجم الثاقب ان كل نفس لما عليها حافظ يعني انه ثقب جميع السماوات و نفذ في كلها و معني نفوذه في كلها قلة تشخصه و تعينه و ان كان قليل التشخص يكون عمله في الباقي ايضا جايزا و يكفيك هذا القدر من البيان ان شاء الله .

فصل - في كيفية ادراك العاقلة . فاعلم انها في ادراكها تحتاج الي ساير المشاعر و قولي في المقام و في غيره ان هذا المشعر يحتاج الي غيره سر من سر الله لمن عرفه و الحاصل انها تنظر الي لوح ساير المشاعر و تعرف المعني و المعني في الصور كالروح في الجسد و الروح لايقوم خارجا من الجسد و لايمكن تصور الروح بغير الجسد فان معني تصوره انه وجده في روحه فان تصور كلية الكلي مثلا ان تجدها في كلي لا ان تتصور الكلية بصورة غير صورة فاذا نظرت بعاقلتك الي الواح ساير المشاعر تجد معاني كالكلي اكبر من الجزئي و الجزئي بعض الكلي و غير ذلك من النتايج التي يحصل للعاقلة من عداد المقدمات و ادراكها من حيث نفسها كيفي لا كمي بخلاف ادراك الخيال و الحس المشترك فان ادراكهما تصوري و التصور اقرب الي الكمية من الكيفية و يكفيك هذا القدر من البيان ان [ص 204] شاء الله و ردد النظر حتي تعرف المراد بطول الفكر .

المشعر السابع - النفس و هي مدرك كلي محيط بجميع المشاعر و لايقوم في عرضها و معرفتها علي نحو الحقيقة تحتاج الي بيان فاجمع حواسك و اعلم ان هذه النفس نفس ظلية و ليست هي حقيقتك و اري من لم‌يفرق في البين و لم‌يعرف الحق بلا مين و زعم انها عين الذات و الذات برية عنها مثل ساير الصفات و هي في الواقع نفس ظلية و هي شعاع الناطقة القدسية و نورها الذي تعلق بالاجسام الدخانية بل الغلائظ البدنية فهي صورة مثالية تكون صدورا من النفس الناطقة القدسية نوعية و تتشخص في قوالب الاجسام الجزئية فتختص بها فلذلك اعلاها دهري و اسفلها مرتبط بالاجسام الزمانية و هذه النفس ثابتة في العالمين العالم الكبير و العالم الصغير ففي العالم الكبير بين نفسه الكلية و الاجسام الزمانية عالم ظلي و هو ظل النفس الكلية و مثالها قد تعلق بهذه الاجسام و قدر منها علي نحو الاطلاق و تخصص في بطون هذه الاجسام في كل جسم بخصوصية ففي العرش عرشي و في الكرسي كرسي و هكذا و جميع ما ظهر لها بها من حيث الصدور نوعي دهري و من حيث الظهور شخصي فشخصية الافلاك الظلية و العناصر البرزخية و الصور المثالية ما دامت السماوات و الارض باقية و لو فسدتا لفسدت اذ الخصوصية منها لا النفس الظلية الكلية فانها صدورا كلية و محلها الجسم [ص 205] الكلي و تلك النفوس الجزئية صور مجردة عن المواد و المدد الزمانية مقارنة بها و هي عين الصور المشهودة التي تراها الصورة العرشية و الكرسية و الفلكية و العنصرية و هي ارواحها و برازخها بل هي حقيقتها فافهم ان كنت تفهم و الا فردد النظر و في العالم الصغير الذي هو الانسان صدر من النفس القدسية التي هي ذاته فعل مطلق لا بخروج عنها بل هو شعاعها و نورها و شبحها و قد مر شرح الشبح قبل فراجع و هو دراكيتها و دركها قد تعلق بالمشاعر البرزخية التي هي سماوات بدنك و ادرك منها و هو نافذ فيها نفوذ الروح في البدن و ان اردت ان تعرف هذا الفعل بالعيان فانظر الي هذه السماوات اي المشاعر برمتها و الق خصوصياتها و اختلافاتها تجد روحا سماويا جامعا في كلها عاملا منها نافذا فيها و هو علي اصطلاح الاطباء المزاج العامل في الكل و هو بعد ما تعلق بالعاقلة تعقل منها و بالعالمة تعلم منها و بالواهمة توهم منها و هكذا و لان السماوات البرزخية ارواح و هي حيوة البدن و يجري آثارها في البدن بعد ما عمل فيها الروح البرزخي الفعلي الذي هو النفس البرزخية نقول ان البدن ايضا متأثر منها فان روح البدن الروح الحيوانية و هي روح روح الحيوانية فافهم فاذا عرفت هذه المقدمة فاعلم ان هذه النفس مطلقة من حيث نفسها فلايعرضها اختلاف و لايشوبها مدركات مختلفة و لكن [ص 206] مشاعرها دراكة و هي الناظرة من مناظرها العالمة بها كما تري ان الروح الحيوانية ليس لها درك خاص فلاتكاد تجد فيها سمعا غير بصر و بصرا غير شم و هكذا و لكن لها ادراك مطلق فوق الجميع فعدادها مع ساير المشاعر ليس من باب انها منها و لكن من باب دراكيتها مع انا قد ذكرنا سابقا انه يمكن ان يبلغ الحس المشترك في مقام بلطافة الكرسي و بعد ما بلغ بلطافة الكرسي و ان كان حينئذ مشعرا في عرض ساير المشاعر الا انه من اللطافة بلغ حدا لايصلح لاسم الا النفس مع ان النفس نسبتها الي هذا المشعر و ساير المشاعر بالسواء و يعمل في كلها بالسواء و تسميته بالنفس ليس من باب انه كلها و لكن من باب انه ظهورها الا انها فيه اظهر من الباقي فح يؤدي ساير المشاعر ما ادركته اليها و هي تجمع من مجموع المدركات صورة مطلقة هي العالمية المطلقة الكلية و ليس فيها خصوصية بصورة خاصة فهي لاتدرك الصور الجزئية و لا المعاني الجزئية و لا النسب التصديقية و لكن يحصل لها من المجموع علم كلي مثال ذلك انك تدرك المسايل النحوية بالمشاعر البرزخية علي ما مر سابقا و هي تؤدي جميع ما ادركته الي الكرسي الذي هو النفس في عرصة السماوات و هي تدرك من الجميع النحو المطلق فتكون نحوية فافهم ذلك ان شاء الله ، و اما حقيقة النفس فهي فعل و لايعد الفعل بنفسه شيئا خارجا [ص 207] قايما الا في المظهر فنسبة كرسي المشاعر اليها نسبة المصدر الي الفعل و ظهور الفعل في المصدر و لايعد شيئا الا في المصدر فتدبر و مثال آخر لذلك الشعلة و اشراق النار الغيبية او الصورة في المرآة و القائك الشبح و بالجملة و في جميع الارض آيات للموقنين و من كان من اهل الديار يعرف حقيقة ذلك بلا غبار فمجمل القول ان النفس الظلية فعل النفس الناطقة القدسية كالانارة من السراج و الاشراق من الشمس و الضرب من الضارب قد تعلق بمرآة قابلية المشاعر البرزخية و ظهورها في كرسيها اكثر و هي لم‌يغير الشبح كثيرا و هذه النفس من حيث الصدور اشراق مطلق و فعل غير مخصص و قد ظهر في تلك السماوات و تخصص في بطونها و بعد ما طويت تلك السماوات يفني الخصوصيات و الشخصيات و اذا ارتفع التشخص لاتكاد تجد بعد بدنا مثاليا و يومئذ ينفخ في الصور و يصعق كل من في السماوات و الارض و يبقي الملك خالصا لله سبحانه و يعرض الجميع عليه سبحانه و تعالي و كل شئ عليها فان و يبقي وجه ربك ذو الجلال و الاكرام .

المشعر الثامن - العقل و هو ايضا ظلي و لكنه مشعر اجمالي معنوي و هو جوهر دراك لما سواه بالاحاطة و الكلية الاطلاقية و صلوح التجلي لا الانفعال من الاداني قال اميرالمؤمنين عليه السلام في صفته جوهر دراك محيط بالاشياء من جميع جهاتها [ص 208] عارف بالشئ قبل كونه فهو علة الموجودات و نهاية المطالب الخبر ، فاذا كان علة ما دونه فكيف يجري عليه فعله حاشا ان يكون هكذا و لكنه متعلق بالاسفل بمعني ظهوره فيها و هو بمنزلة القلم بل هو عين القلم و النفس هي اللوح و الذات بالقلم يكتب علي لوح النفس ما كان و ما يكون علي قدر فسحتها و مد بصرها فالنفس دراكة بتأييد العقل و لذا قال عليه السلام في النفس موادها التأييدات العقلية ، و الخبر و ان كان في النفس الناطقة الا ان هذه النفس ايضا ظهورها و كما انها في الملك من العقل كذلك هذه النفس في ملكها اي الذات من العقل فافهم فاذا كان العقل هو علة جميع ما دونه فليس دركه للاشياء بالانطباع و لذلك قال عليه السلام في شأنه محيط بالاشياء ، و كذلك كيف يكون عالما بالشئ قبل كونه ان كان شرط علمه الانطباع ان الانطباع من شروطه وجود الشاخص و لا شاخص قبل كونه فالعقل بنفسه لايدرك بالانطباع مع انه لايقوم مقابلا لشئ حتي ينطبع فيه شئ و لكن الله سبحانه خلق له مظهرا و آية و سبيلا فاخذ من مادة الدخان حصة و صفاها و لطفها حتي صارت قابلة لحكاية نور العقل فاشتعلت باشراق العقل كما يشتعل ظاهر الدخان بباطنه فظهر فيما له من حصة عرشية فادركت بها المعاني الكلية المجردة المفارقة و هكذا تعلق بكل مشعر علي ما مر سابقا و ادرك من كل ما يناسبه و تعلق اي اشرق الي النار فادرك بها [ص 209] الاضواء و في الهواء و ادرك به الاصوات و في الماء و ادرك به الروايح و في التراب المنحل السايل فادرك به الطعوم و في المجموع الحاصل من الكل فادرك به الكيفيات المركبة كلها بنسبة عالم الاظلة و اعلم انه يدرك جميع ذلك بواسطة النفس لا بغير واسطة فان الامر في عالمك كالامر في العالم الكبير فكما تري ان العرش يلقي فعله الي النجوم و العناصر بواسطة الكرسي كذلك في عالمك و كما ان فعل العرش مطلق لا خصوصية له كذلك فعل العقل مطلق لا خصوصية له و كذلك الامر في عالم الشرع فالولي باب النبي و جميع ما من النبي ينزل الي الرعية بواسطة الولي كما قال صلي الله عليه و آله انا مدينة العلم و علي بابها ، اي علم الكينونة البدء و العود و الخلق و الرزق و الموت و الحيوة و جميع العلوم المتعلقة بوجود الخلق ايا كان كونا و شرعا من جميع الحيوث و الجهات صادر منه صلي الله عليه و آله و علي باب الجميع و كذلك الامر في عالمك هكذا و اعلم ايضا ان العقل هو الشعور المطلق فاذا عبد به الرحمن و اكتسب به الجنان و صار الانسان به متمسكا بحبل الله سبحانه اي الائمة و شيعتهم صلوات الله عليهم سمي عقلا و روحا من امر الله سبحانه و روح الايمان و ان تمسك بحبل اعدائهم و عصي الله سبحانه سمي نكراء و شيطنة و جهلا و هو روح الكفر و الفسوق و العصيان فمناط الكفر و الايمان [ص 210] ذلك و اما الذات فهي فوق جميع الصفات و ما سمعت من مشايخنا ان روح الايمان اشرف من روح الانسان الكوني فالمراد غير ما يزعمه الناس و الظاهر الذي يعرفه العامة قشر و اللب مطلب آخر كتموه و مجمل القول ان الذات منزهة عن جميع الصفات عارية عن كل القيود و لذلك قال في صفتها من عرف نفسه فقد عرف ربه ، و لو كانت دون روح الايمان لماكان شأنها ذلك و ان قيل ان روح الايمان صفتها اقول هل يكون صفة عارضة لها و هي معروضة الصفات فهي من عرضها فهي صفة ايضا لشهادة الصفة و الموصوف بالاقتران و لايقترن الشئ بغير قرينه ، هذا و قد امرنا بمعرفة ربنا بانه منزه عن الصفات بريء عن الغيور و لانعرف منه الا ما ظهر لنا به و هو ذاتنا فان كانت معروضة الصفة يلزمنا ان نعرف ربنا بانه معروض الصفات و تعالي عن ذلك علوا كبيرا و ليس مرادنا هنا الا الاشارة و لسنا بصدد التفصيل و الا لاوضحت الدليل فروح الايمان ليس فوق الذات و لا معها و ان قلت انه عينها اقول انا نجد ان زيدا يوصف مرة بالكفر و مرة بالاسلام و مرة بالايمان و بينها درجات فان كان كل ذلك عين ذاته يلزم ان يكون زيد متغيرا في كل يوم فزيد في اسلامه غيره في حال كفره و هو في حال ايمانه غيره في حال اسلامه و لا شك انه هو هو في جميع الحالات و يدلنا هذا الدليل المحكم [ص 211] و القول المسلم ان الايمان و الكفر انزل من الذات و هي ظاهرة منهما متجلية بهما نعم الايمان اشرف من الحيوان الناطق و هو الانسان المعروف لا الذات الانسانية و قول مشايخنا انه اشرف محمول علي ذلك و قد صرح بذلك ابي (اع) في رسالة من رسائله بل يمكن الاستدلال علي ذلك من ساير كتبهم الاتري انهم يقولون ان روح الايمان مقدم لان ما هو مقدم وجودا مؤخر ظهورا و بالعكس و نري ان الايمان يتعلق بزيد بعد وجوده فهو مقدم عليه و ذلك صريح كلامهم مع انك تعلم من مذهبهم ان ذات زيد في ملك بدنه آية الكينونة و لايسبق الكينونة شئ فلايسبقها روح الايمان وجودا و لكن يسبق الحيوان الكوني الموصوف بالناطق و كذلك يقولون ان الانسان الكوني امكان للكفر و الايمان و انت تعلم ان ذاته ليست امكان شئ اذ هي فعلية محضة فمرادهم من كلامهم غير ما يعرفه العامة بل اقول ان ذلك صريح الخبر اذ قال خلق الله العقل الي ان قال اياك آمر و اياك انهي و اياك اثيب و اياك اعاقب ، و لا شك ان العقل دون الكينونة التي هي ذات الملك ففي الانسان الصغير ايضا هكذا العقل دون ذاته و هو المأمور و المنهي الاتري انه مناط التكليف و ان قال قايل ان لهذا الملك ترتيبا و هو الترتيب المعهود و الاناسي مخلوقون من النفس و هي دون العقل و العقل الذي هو روح الايمان مقدم في الملك و نفوس الاناسي من النفس الكلية فالامر فيهم ايضا هكذا اقول [ص 212] لذلك بيان خاص و له محل غير المقام ، و مجمل الكلام ان الانسان انموذج العالم و فيه جميع ما في العالم و نفسه من النفس الكلية و عقله من العقل الكلي و فعله من المشية الكلية و ذاته من الكينونة علي ما مر سابقا غاية الامر ان مراتب الانسان الي هذا البدن نزلت من الاعالي من كل اعلي بواسطة الاسفل و ذلك لايستلزم ان يكون اعلي مقامه من ذات الاسفل الاتري ان جميع مراتبك قد تعلق بك بواسطة السماوات كما هو مسلم معين و لايقال ان نفس الانسان من فلك قمر بل نفسه من النفس و قمره من القمر الاتري انك تتكلم بالعلم و ينسب ذلك الي عقلك و لاينسب الي حسك المشترك مع انه نازل بواسطة الحس نعم قد ينسب اليه مجازا كقوله تعالي و لاتخطه بيمينك و كذلك الامر هنا الامر يصل بواسطة النفس الي ما دونها لا ما فوقها و ما نزل منها ايضا العالي من العالي و الداني من الداني و كما بدأكم تعودون و لقد علمتم النشأة الاولي فلولاتذكرون و الظاهر عنوان الباطن و بالجملة فحاصل الكلام ان العقل هو محل الايمان و الكفر و المنعم بالجنان ان صار عقلا و المعذب ان صار شيطنة و نكراء و اما الذات فهي فوق العمل و فوق الثواب و العقل و ورد في شأنها اذا تنعم اهل الجنة بالجنة تنعم اهل الله بلقاء الله ، فافهم و يكفي هذا القدر من البيان ايضا في العقل .

تتمة - اعلم ان الله سبحانه جعل الانسان انموذج هذا العالم [ص 213] كما اشرنا اليه في بعض المقدمات و ذلك واضح ان شاء الله و لايحتاج الي بسط مقال و طول كلام فنكتفي بمحض الذكر و نري ان مراتب الوجود لاينحصر في ما يذكره الناس بل المراتب تنتهي الي الف‌الف بل لاتتناهي و الله سبحانه قد تجلي للخلق بما لايتناهي لما لايتناهي و جميع ما لايتناهي في الانسان ثابت الاتري انك تقرأ في الدعاء تدلج بين يدي المدلج من خلقك ، و لو كانت المراتب التي تسير فيها محصورة لنقضت لامحة و كنت تصل الي الله سبحانه لانه حق و خلق لا ثالث بينهما و لا ثالث غيرهما و لو انقضي الخلق لكنت تصل الي الحق و ذلك محال فذلك محال و ذلك واضح ان شاء الله فالخلق دايما في مراتبهم سايرون كل ما رفعت لهم علما وضعت لهم حلما ليس لمحبتي غاية و جميع المراتب التي رزق الله العباد كلها مشاعر للانسان و اي دليل لثبوت ذلك ادل من انك تدرك جميع الرتب علي حسب نصيبك من العلم و لا شك و لا ريب ان كل شئ لايدرك الا بعينه و عينه مشعره كما قال عليه السلام انما تحد الادوات انفسها و تشير الآلات الي نظائرها ، فكل اداة تحد نفسه اي تدرك نفسه و لاتتجاوز منها الي غير فلا بد لك اقلا من الف‌الف مشعر حتي تدرك الف‌الف عالم و لكن العالم لايقتضي ابرازها و بيانها و لو كان الدهر الخوان مقتضيا للبيان لشرحت لك حال الف‌الف عالم و اوادمها و بينت حالاتهم و اخلاقهم و اعمالهم و اذكارهم [ص 214] و صلواتهم و كعبتهم و لون لباسهم و كيفية تكلمهم و اوضحت حال المشاعر التي من سنخها و جعلها الله فيك كل ذلك ببركة الله لا علمي فاني عبد جاهل لااعلم شيئا الا بالله و لكن الزمان لايقتضي ذلك و اكتفي بهذا القول ان :