دواءك فيك و ماتشعر و داؤك منك و ماتبصر
و انت الكتاب المبين الذي باحرفه يظهر المضمر
و جميع ما منك و لك و بك و فيك و غيرها كلها منك و منك بدؤك و اليك عودك رجع من الوصف الي الوصف و دام الملك في الملك .
في ما يحصل النفس من المشاعر و فيه فصول :
فصل - قد مضي في المقدمة بيانات يعرف بها حقيقة النفس و لانحتاج بعد الي التكرار و لكني ازيدك بيانا ان نفس الانسان التي هي ذاته هي حقيقة معراة عن جميع قيود من دونه اسما كان او فعلا فانها فوق الجميع و يكشف عن ذلك ما روي في صفة النفوس قال الاعرابي لامير المؤمنين عليه السلام يا مولاي و ما النفس الناطقة القدسية قال قوة لاهوتية بدء ايجادها عند الولادة الدنيوية مقرها العلوم الحقيقية الدينية موادها التأييدات العقلية فعلها المعارف الربانية سبب فراقها تخلل الآلات الجسمانية فاذا فارقت عادت الي ما منه بدئت عود مجاورة لا عود ممازجة ، [ص 215] و من نظر بعين المعرفة في الخبر الشريف يكشف له عن المعضلات و يرفع المتشابهات قال عليه السلام قوة لاهوتية فبعد ما قال عليه السلام انها قوة عرفنا انه ليس فيها فعليات مفصلة مختلفة و الا لماقال قوة و لما نسبها الي اللاهوت عرفنا انها فوق ساير النفوس التي لها تعينات و تميزات فان اللاهوت فوق الماهوت و الناسوت و الملكوت و هو مقام لايبقي له هوية و الهوية هي الانية و الانية هي الحد فلا حد لها اي من الحدود السافلة و ان كان محدودا بلا هوية فان النفي ايضا شئ و هو حد و لما قال عليه السلام بدء ايجادها الخ ، عرفنا ان قبل ذلك في الرحم لمتكن موجودة بل النفس المتعلقة بالمولود في رحم الام نفس حيوانية قال مقرها العلوم الدينية ، و في كلامه عليه السلام اشارات غريبة فاولا قوله روحي فداه مقرها العلوم اي محل قرارها لانها من ارض العلم و ارض العلم هي ارض المعلومات و يعلم من ذلك انها خارجة عن العلوم لان الشئ اذا كان مقرها اشياء يعلم من ذلك انه فوق الاشياء فانه لو كان من عرضها لكان مقره فيها لا كلها و كذلك هذه النفس ان كان مقرها العلوم فهي فوق العلوم ثم انه وصف العلوم بالدينية و عرفنا من ذلك انها لها تعلق بالعلوم الدينية خاصة و اما ساير العلوم فليست من الانسانية في شئ و كذلك في وصف الحقيقية اشارة لطيفة لايعرفها الا العالمون و هي ان العلوم لها عرض و هو التفاصيل البرزخية و الشؤن الدنيوية [ص 216] فانها اعراض العلم و اما حقيقتها فخارجة عن جميع التفاصيل فليس في الحقيقة كلام و (ظ) لا لها صورة خيالية برزخية و لا شؤن فكرية و تعلمية و تعقلية فان جميعها اعراض عارضة الاتري انه يخلع جميعها و يبقي شئ خارج عن كلها و لو كان العلم شئ من تلك الكلمات و الحروف لكان ما يحصل لك منها بعدها غير العلم و الدليل يحكم بخلاف ذلك و كذلك نري انا نتخيل و نتفكر ثم نفرغ عن التخيل و مع ذلك يصدق اسم العلم فعرفنا ان تلك الصور و الاشباح البرزخية و المعاني النسبية ايضا غير العلم و بعد التدقيق نري ان ما يحصل لنا من الصور و المعاني و النسب حقيقة خارجة عن جميع تلك التفاصيل المذكورة و لا اختلاف فيها كما تشاهد فانك تجد نفسك و لا شئ لها من التفاصيل العلمية بل هي هي و مع ذلك تكون عالمة فيعرف من ذلك ان حقيقة العلم خارجة عن جميع التفاصيل فاذا قال عليه السلام ان مقرها العلوم الحقيقية عرفنا ان مقرها حقيقة العلوم و هي واحدة كما قال عليه السلام العلم نقطة كثرها الجاهلون ، فافهم قال عليه السلام موادها التأييدات العقلية ، عرفنا من ذلك ان اصلها و منشأها من العقل لا الكبد و القلب و البخار كما في ساير النفوس ، قال فعلها المعارف الربانية ، ظهر من ذلك لنا انها ليس من شأنها معرفة فلان و فلان بل شأنها معرفة الرب جل شأنه و هي حقيقة العلوم لا غير و من لميعرف الرب جل شأنه لا حقيقة له و ذلك سر منمنم [ص 217] و رمز مبهم لايعرفه الاكثرون الا من اتي الله بقلب سليم و يكشف عن جميع ما ذكرنا حديث كميل بن زياد قال عليه السلام و الناطقة القدسية لها خمس قوي فكر و ذكر و علم و حلم و نباهة و ليس لها انبعاث و هي اشبه الاشياء بانفس الملئكة و في رواية بالنفوس الملكية و لها خاصيتان النزاهة و الحكمة قال عليه السلام هي اشبه الاشياء بالنفوس الملكية ، و انت تعلم ان نفس الملئكة في غاية الاتحاد و قال في حديث آخر لكميل بن زياد قال كميل ما الحقيقة قال عليه السلام ما لك و الحقيقة فقال اولست صاحب سرك قال بلي و لكن يرشح عليك ما يطفح مني فقال كميل اومثلك يخيب سايلا قال اميرالمؤمنين عليه السلام كشف سبحات الجلال من غير اشارة فقال كميل زدني بيانا قال عليه السلام محو الموهوم و صحو المعلوم فقال كميل زدني بيانا قال عليه السلام هتك الستر لغلبة السر فقال كميل زدني بيانا قال جذب الاحدية لصفة التوحيد فقال كميل زدني بيانا قال عليه السلام نور اشرق من صبح الازل فيلوح علي هياكل التوحيد آثاره قال كميل زدني بيانا قال عليه السلام اطفئ السراج فقد طلع الصبح ه ، و ان نظرت الي هذا الحديث الشريف بالنظر الدقيق لرأيته صريحا في المدعي فانه عليه السلام قال كشف سبحات الجلال اي الغض عن جميعها و خرق حجبها من دون النظر اليها فانك [ص 218] ان نظرت اليها لرأيتها و ان رأيتها لاتقدر علي الغض عنها مع النظر اليها و ان قيل ننظر اليها لنخرقها اقول بعد خرق حجبها و هتك سترها لاتقف الا علي بواطنها و سرايرها و هي منها راجع اليها رجع من الوصف الي الوصف و دام الملك في الملك و لكنك ان غضضت عنها بالكلية بحيث لمترها رأيت الحقيقة و قد صرح بذلك عليه السلام بقوله من غير اشارة ، و لميعرف حقيقة البيان كميل عليه رحمة المنان قال عليه السلام محو الموهوم اي جميع ما سوي الحقيقة موهومات و الموهوم ما لا اصل له كشجرة اجتثت من فوق الارض ما لها من قرار و اذا محوتها عن نظرك كما محاها عن العالم لصحا المعلوم اي الثابت المقرر و قد قال الله لبيان ذلك اما الزبد فيذهب جفاءا و اما ما ينفع الناس فيمكث في الارض و كذلك بين عليه السلام و اوضح في كل فقرة الي ان قال اطفئ جميع سرج مشاعرك حتي تفوز بالصبح المشرق من شمس الازل فظهر لك من ذلك كله ان جميع ما دون النفس التي هي الحقيقة كلها تعينات تفصيلية و موهومات وصفية مجتثة زايلة باطلة فاسدة و الله المسدد المؤيد لها يبقيها في محال وجودها لتحكي عن النفس الزكية الخالصة المنزهة و كل التعينات ممتنعة عند النفس غير مذكورة معها .
فصل - اعلم ان الذات اي النفس بالنسبة الي المشاعر بمنزلة المطلق بالنسبة الي المقيدات من غير فرق بل هي مطلق و هي [ص 219] افراده الاتري انها تعطي جميعها اسمها و حدها حتي انها تعطي اسمها هذا البدن العرضي الاتري انك تقول انه زيد بل تعطي اسمها ابعاض هذا البدن فتقول ليده انها زيد و كذلك تعطي اسمها جميع المراتب فكلها زيد و بعضها زيد و هو الفاعل من جميعها المدرك منها الا انه يجري فعله منها علي حسبها فكل يظهر من فعله ما يخصه كما في هذا العالم فان جميع السماوات و الارض ظهورات الجسم و كلها يحكي فعل الجسم الا انه يظهر من كل ما يناسبه فالعرش يحرك الكل و يربي علي الاطلاق و الشمس تسخن و القمر يبرد و يرطب و لكل مزاج مخصوص يفعل ما يخصه و كذلك الامر فيك و المراد ان الفاعل من الكل الذات و ذلك ادل دليل علي انها فوق جميع الافاعيل و لاتخص واحدا منها فانه لو كان الذات علي صفة الصفراء لماقدرت علي ايجاد ما يخص البلغم و ان كانت علي صفة البلغم لماقدرت علي ايجاد ما يخص الصفراء و كذلك في جميع الصفات و يظهر من ذلك انها فوق كلها و لايعرضها و لو كان شئ منها عارضا لها لصارت محدودة فصارت من عرضها و ما من عرضها لايقوم فوقها ابدا و ذلك تقدير العزيز الحكيم فلكل من الكمالات مبدؤ لايتجاوز ما وراءه ابدا ابدا فمنتهي سير الغضب الي الصفراء و الحلم الي البلغم و الفرح الي الدم و الحزن الي السوداء كما ان منتهي سير الرؤية الي العين و السمع الي الاذن و هكذا [ص 220] لكل شئ مبدأ لايتجاوزه ابدا فافهم ذلك ان شاء الله .
فصل - اذا عرفت ما بيناه فاعلم ان الذات لاتنفعل من تلك المشاعر و لاتتخصص بخصوصياتها اي لاتصير قائمة بقيامها فانها لو صارت قائمة لاتصير قاعدة و نري انها قاعدة قائمة فلاتتخصص بهما و لكن يحصل لها من ادراكاتها و فعلها ملكة نفسانية مطلقة هي فوق الجميع و لاتكون تلك الملكة صورة عارضة علي الذات فانه لاتجتمع معها غيرها ابدا فانه لو اجتمع معها غيرها لصار عرضها و الفرض انها فوق العرض و جميع الاعراض دونها ثم تلك الملكة هل تكون من سنخ الاعراض او الذوات فان كانت ذاتا فهي غير الذات الملحوظة و ان كانت عرضا فلايقوم مع الذات و المنظور ان الذات تجيء خالصة و يرجع كل شئ الي اصله فليست الملكة امر غير الذات و ربما نعبر عن المراد بانها كيفي و نمثل له بالاكسير فان الاكسير ربما يسقي بمياه و تلك المياه لاتزيد في كم الاكسير و لايجمع معه غيره و لكن مع ذلك كله نقول انه زاد في سعته و رزانته و جريه و انك لو وزنته قبل السقي و بعده لرأيته متساويا فلميزدد عليه ذرة و لمينقص منه ذرة و كذلك النفس تزيد من غير ان يعرضها عرض ابدا فافهم ان كنت تفهم .
فصل - اعلم ان الحقيقة الاولية هي فعلية صرف لا قوة لها بوجه و قد خلقها الله علي ما شاء و وجدها حيث خلقها و لميفقدها [ص 221] حيث وجدها فكانت واجدة لجميع ما منها و بها و فيها و اليها و لها قال عليه السلام في العالم العلوي صور عالية عن المواد خالية عن القوة و الاستعداد تجلي لها فاشرقت و طالعها فتلألأت فالقي في هويتها مثاله فاظهر عنها افعاله ، و قد خلق الله سبحانه لظهور تلك الحقيقة الاولية بدنا من عرصة القوي و اعده لظهور تلك الحقيقة و لما تم خلقة البدن تجلي له تلك الحقيقة و لكنها في بدء الظهور لاتظهر علي الكمال لان البدن مأخوذ من عرصة القوة و الاستعداد و لا شك ان القوة في اول حكايتها لاتكون كاملة لان الله سبحانه يلقي الحقيقة اليها من بطنها لا من خارجها و في بدأ وجودها هي في غاية البعد من الحقيقة و تسير اليها قدما بعد قدم مسلما ففي بداية الامر حين كونها نطفة و علقة و مضغة و عظما و لحما و كونها جنينا مطلقا لاتحكي الحقيقة و هي في غيبها فاذا خرجت طفلا تتعلق بها و في بدأ التعلق تقرب من العدم و تصير بالفعل شيئا فشيئا و ذلك مسلم ان شاء الله و لا بد لاستخراجها من رياضة و عمل و هي الشريعة المقدسة الغراء صلوات الله علي شارعها فبالعمل يستخرج الحقيقة من كمون البدن شيئا فشيئا و هذا هو المراد من العمل لا غير و هذا ما يحصل للانسان لا غير و تلك الحقيقة هي الفعلية المحضة واجدة لكل كمال فبالاعمال تحصل انت حقيقة هي عالمة لا انك تزيد علما علي ذاتك كما انك اذا ربيت النبات و صعدته يتعلق به روح [ص 222] حيواني هو بصير سميع ذائق شام لامس لا انك تعلم نباتيتك البصر فافهم ذلك فانه بيان شريف لطيف و ما سوي ذلك تحقيق قشري و ان قدرت ان تجمع بين هذا الفصل و ما مضي فانت انت و يكفي ما ذكرته هنا ان شاء الله .
في بقاء النفس و ذلك من المسائل المشكلة و لا بد من ذكر فصول في المقام :
فصل - اعلم ان الزمان و الدهر و السرمد اوعية ثلثة جارية في كل شئ من المواليد و البسايط الثابتة في الدنيا بحسبه و لاتزعم ان المولود الدنيوي زماني صرف و لايثبت له غير ذلك ابدا فان ذلك من الجهل و ربما يشتبه الامر علي المبتدي و هذا الاشتباه سبب اشكال عظيم في مسائل كثيرة و لايرتفع الاشكال الا ببيان حقيقتها . فاعلم ان الزمان هو نسبة بين صور تظهر علي مواد الاجسام الظاهرة التي هي العرش و الكرسي و الافلاك و العناصر و المواليد فاذا اخذت مادة من المواد العرضية و صورتها بصورة ثم اردت ان تصورها بصورة اخري لا بد من محو الاولي و الا فلايمكن تصورها بتلك الصورة الثانية و كذلك اذا اردت ان تصورها بصورة ثالثة لايمكن ذلك الا بعد محوها لانه ليس ظهور كل واحدة في ظهور الاخري فاذا نظرت الي الثانية في نفسها [ص 223] و لاحظت الصورة الاولي و محوها و ثبوت الثانية و انها مع ثبوتها تمنع الثالثة و هكذا فذلك الزمان و الصورة الثابتة علي المادة في نفسها حال و نسبة الاولي اليها مضي و نسبة الآتية استقبال فاعلم ذلك و كذلك تلك الصورة الثابتة علي المادة اذا نسبتها الي صورة مثلها ثابتة علي مادة تسمي تلك النسبة زمانا و قد جعل الله لمعرفة مدد تلك النسب مكيالا و هو حركة الافلاك و قد خص بها لقرارها و ثباتها و الا فربما تكال بشئ آخر ايضا ، و اما الدهر فهو يعقل اذا نظرت الي المادة النوعية المحفوظة في كل الصور و نسبتها اليها كالماء الذي يري في كل نهر و بحر و جدول و حوض و آنية و بئر و غيرها ففعليات ما ذكر في الزمان و جوهر الماء مهيمن علي كلها و لايمضي عليه الوقت الزماني و هو ظاهر في جميعها في كل آن زماني فنسبة هذه الجوهرة الي تلك الصور دهرية و لعلك تعرف مما ذكرت ان الدهريات مختلفة ليست متحدة و درجاتها متفاوتة لان درجات المواد مختلفة فالحديد دون المعدن و المعدن دون العنصر و العنصر دون الجسم و الجسم دون الماء و لكل منا مقام معلوم ، و اما السرمد فهو وقت الجميع بمعني انك اذا نظرت الي جميعها اي الدهريات و الزمانيات و رأيت جميعها امرا وحدانيا و موجودا مطلقا عن جميع القيود ففي هذا النظر تري الجميع جوهرا كان او عرضا بانه موجود غير معدوم فتري كل شئ [ص 224] موجودا بصورته فالعرش موجود بالعرشية و الفرش بالفرشية و الانسان بالانسانية و الحيوان بالحيوانية و الكل بالكلية و الجزء بالجزئية فجميع ما تري من الغيبيات و الشهاديات كلها وجود ظاهر بتلك الصفة و يصدق علي الجميع اسم الموجود و حيث الموجودية اظهر من الدهرية و الزمانية بل يعرفها البهايم و ما بهمت عن شئ لاتبهم عن ذلك و هذا الوجود اوحد ما يمكن و ابسط ما يوجد و لايتغير و لايتبدل و لايحول و لايزول و ليس له اول و آخر و درجة فلايخص زمانا و لا دهرا ابدا ابدا و ليس له مر و لا امتداد و لا انقراض و لا فناء و لايتغير بتغير الدهريات و الزمانيات و يقابله المعدوم المطلق و وجوده وصفي اطلاقي و وجودات الزمانيات و الدهريات وصفية تقييدية ، و اما الازل فلايكون وقتا و لا وعاء و هو الاحد الصمد و الفرد المتفرد و لسنا بصدد توصيفه فاذا عرفت ذلك فاعلم ان هذا الامر يجري في كل شئ فاذا نظرت الي السراج مثلا و مدة مكث صورة النار علي الدخان بملاحظة سابقها و لاحقها يكون زمانا و له اول و آخر و تقض و تفص لامحة فهو معدوم في الساعة الاولي من الليلة موجود في الساعة الثانية معدوم في الساعة الثالثة فالسراج في الساعة الاولي غير مخلوقة بعد و في الساعة الثانية حي و في (ظ) الساعة الثالثة ميت و اذا لاحظت في تلك الشعلة النار الغيبية تكون بعينها دهرية و لايمضي عليها ح الاوقات الزمانية [ص 225] بل تكون ثابتة فانه ليس معها ح صورة اخري غيرها حتي تنسب اليها و لاتلاحظ الدخان حتي تراه صالحا للشعلة الثابتة و غيرها بل تري النار و هي حية قائمة و نسبتها الي جميع الشعلات بالسواء و لاتزعم ان ذلك محض نظر لا طائل تحته حاشا ان يكون ذلك بل ذلك واقعي و الزمان الاول نظري لا طائل تحته كثيرا و لذا يكون متفصيا الاتري ان هذه الشعلة حية ثابتة و انت لاتري زمانيتها حتي تلاحظ المعدومات حتي تعرفها فان ما فات مضي و ما سيأتيك فاين و انت تلاحظ بين العدمين و هو الحال فالشعلة السابقة ليست في الحال و الآتية هكذا نعم هما ثابتتان في محلهما ابدا و التي تري هذه الساعة هي تلك الشعلة و لا نسبة لها في ذاتها الي ما مضي و ما سيأتي و نسبة السبق و اللحوق غير ذاتيتين فالثابت المرئي في هذه الساعة هو تلك الشعلة الحية و لا شك انها النار ظهورا و عيانا و شهودا لا غير فهذا النظر واقعي لا غير و انت اذا سمعتنا نقول ان الشعلة غير النار نريد من ذلك وجهين احدهما ان الدخان المشتعل غير النار لا ان النار الظاهرة منه غيرها فانه لايقول عاقل و الآخر ان تلك الشعلة غير تلك الشعلة فافهم الاشارة باخصر عبارة و بالجملة فالنظر الدهري ثابت مقرر و ان نظرت الي تلك الشعلة و رأيت منها انها موجودة اي رأيت الشعلة الموجودة فذلك السرمد و ان نظرت و رأيت الوجود صرف الوجود لكان الامر فوق الشهود او عين المشهود فافهم متوكلا علي الرب الودود .
[ص 226] فصل - اعلم ان الدور ثلث : الدنيا و البرزخ و الآخرة اما الدنيا فهي هذه التي تري سقفها العرش و فرشها الارض و اهلها بنو آدم و متاعها الحيوان و النبات و الجماد و لها امتداد يكال بالقرون و السنين و الايام و الساعات و تسمي بالزمان و ما في الدنيا بالزمانيات و هي ما بدء كونه في الزمان و ختم فيه و ذلك في اجزاء يسبقها شئ زماني و يلحقها شئ زماني كالنبات مثلا اذ يسبقه العناصر و تلحقه و اما مجموع هذه التي تسمي الدنيا فليس هكذا اذ ليس قبله و بعده شئ دنياوي فالمجموع حادث غير زماني بل دهري اذ لاينسب الي شئ غيره و ان عرفت حقيقة ذلك تفوز بحقيقة المراد و الله المستعان و اما البرزخ فهو دار وراء ذلك قال الله تعالي و من ورائهم برزخ الي يوم يبعثون و هو دار الارواح البرزخية يبقون فيها بعد الموت الي يوم يبعثون و مر سابقا ان اسفله مرتبط بالدنيا و اعلاه فوقها و اما الآخرة فهي من وراء البرزخ و هي مأوي النفوس و الابدان بعد التصفي و الخلوص و الجسم فوق الجميع الا ان الآخرة جسم لطيف و البرزخ اكثف منها و الدنيا اكثف منهما .
فصل - اذا عرفت هذه المقدمات فاعلم ان الآخرة هي الدهر و الدنيا قد عرفت انها محل الزمانيات و بينهما برزخ لايبغيان اعلاه دهري و اسفله زماني و الله سبحانه قد جمع جميعها في [ص 227] الانسان فله بدن دنيوي اي مأخوذ من الدنياويات و هو زماني بدؤه منه و عوده اليه و بدن برزخي بدؤه منه و عوده اليه و بدن اخروي بدؤه منه و عوده اليه و ذلك من البديهيات و لا شك فيه و من عرف هذه المسألة الشريفة لايكاد يستشكل بعد شيئا من متعلقات المعاد و لكن الناس اكثرهم لايعقلون و وجه الاشكال انهم يجرون حكم الدنيا في المثال و الآخرة و هم غافلون عن حقيقة الامر و لكن ان وضعوا كل شئ موضعه لايشكون بعد في حق الامر .
فصل - لعلك تزعم الانسان بتمامه هذا البدن المشهود و روحه هذا البخار المعروف و تري ان منشأه من تلك العناصر و يتغير و يتبدل و يتحلل يوما فيوما و تري انه يموت و يرجع الي الطبايع فتستوحش من بقائه و ذلك مسلم ان البدن المحسوس يفني و يرجع الي العناصر و ذلك بديهي و لكنك غافل عن حق المسألة ان النفس الانسانية هي غير البدن المحسوس و غير البخار و هي جوهرة فوق العناصر بل الافلاك و لمتحصل منها حتي تتغير بتغيرها و لمتبدأ منها حتي تعود اليها بل هي جوهرة ملكوتية موادها التأييدات العقلية مقامها فوق الطبيعة و هذا العالم برمته عالم الطبيعة من عرشه الي فرشه و لايؤثر فيما هو فوق الطبيعة و ذلك مسلم ان السافل لايؤثر في العالي لان العالي مبدؤ فيضه و يد الله في صنعه و فعله الموجد له فكيف [ص 228] يتأثر منه ارأيت هل يؤثر المتكمل في المكمل او المتأثر في المؤثر بل الاثر في المؤثر حاشا ان يكون هكذا فهذه السماء المرفوعة و الارض المدحية و الكواكب السابحة و الشمس المنيرة و القمر الدائب السريع لايكادون يعملون في النفس الانسانية الكلية الالهية و هي العاملة فيها الحاكمة لها و يد الله في صنعها كما ان نفسك الجزئية هي باعثة وجود بدنك بمراتبه و الله المؤيد المسدد فلا شك و لا ريب ان النفس لاتفني بتغير الاسباب الدنيوية بل البرزخية فان الفاعل هو المفني و هي لاتكون فاعلة لها .
فصل - قد عرفت سابقا في المقدمة ان النفس الانسانية هي الوجود المتعلق بك المتشخص في قابليتك المحدود بحدك فاقول انصف من نفسك و انظر بنظر الانصاف دون الاعتساف حتي تعرف البقاء فاقول ان الوجود في حد نفسه هل يفرض له الفناء ام لا فان فرضت فناءه يشهد نفس ذلك بانك لمتعرفه فان المفروض انه الباقي و الا لماسمي وجودا يبقي كلامك في تشخصه فاقول لا بد من تسليمك بقاء حقيقة النفس اولا فانها الموجودة بل الوجود و اما تشخصه فاقول هل تفرض تشخصه نفس البدن الدنياوي الذي يفني بفساد تركيبه او غير ذلك فان فرضت تشخصه هذا البدن فاقول لا شك ان هذا البدن دايم التحليل و الزوال ففي كل اربعين علي ما حدده الاطباء و يشهد [ص 229] به تغير الخلق في الرحم يتغير المولود فان كان سبب تشخص نفسك هذا البدن فانت بعد التغيير متشخص بغير تشخصك اولا فانت اليوم زيد و اذا تغير بدنك غير زيد بل اقول في عزير و حماره اذ جددهما الله و تعلق بهما روحهما انهما غير الاولين و ذلك خلاف الضرورة اذ قام عزير و كان واجدا لما كان واجدا له قبل موته فاقدا لما كان يفقده حتي انه كان يتذكر ما كان متذكرا له و لايتذكر ما لميكن متذكرا له كمثلك اذ قمت من منامك و لو كان نفسه غير نفسه اولا لماكان هكذا مسلما مع انه فسد بدنه و انشأه الله ثانيا و كذلك الكلام في جميع من يعيده الله في الدنيا او الرجعة فهذا البدن لايكون سبب التشخص مع انك تري علانية انك تجد لنفسك اشياء ليست من البدن و لا اليه مع ان الجميع شخصيات فالتشخص من غير البدن بل هو بالعلوم و المعارف علي ما يظهر من اخبار آلمحمد عليهم السلام الذين يعلمون الظاهر و الباطن و ذلك مكشوف ايضا لمن امدوه بالعلم و علموه الحكمة و فصل الخطاب فانظر في نفسك بعين اعطاك الله هل العلم من المواليد الدنياوية او البرزخية او الاخروية لا شك ان له اصلا في الآخرة بل فوق الآخرة ايضا فان الله خلق مشيته بالعلم و خلق النفس من ارض العلم و هي بنفسها علم فاصل العلم من الاعلي غاية الامر انه ظهر في الدنيا و انت تري علانية ان العلم بقيام زيد ليس من المواليد الدنيوية [ص 230] و لو كان منها لمابقي بعد قيام زيد الدنياوي و تري انك تتذكر قيام زيد بعد مضي ذلك و لو بمأة سنة و لا شك ان المواليد الدنيوية ثابتة علي المواد الدنيوية ما دام بقاء تركيبها و بعد ما فسد تركيبها تفني الاتري ان الخل و العسل اذا ركبا يولد سكنجبين في الدنيا و بعد ما فسد تركيبهما ليس سكنجبين بعد في الدنيا و لكنه يبقي علمك بسكنجبين و كل ما تريد ان تحضره في نفسك تحضره و احضارك اياه بالصورة الخيالية مثالية و لكن له حضور نفساني دهري ثابت عندك لاتكاد تفقده حيث وجدته ابدا و اي دليل ادل علي ذلك من انك تملكه و يعبر عن ذلك بالملكة النفسانية و ان اردت ان تعرف ذلك علي نحو الحقيقة اقول عرفت سابقا ان الزمان هو نسبة صفة الي صفة فعلي ذلك اذا رأيت علمك بان زيدا قايم من دون ملاحظة ساير الصفات فاي زمانية له فلايكون زمانيا فهو باق هذا و الصور من حيث انفسها لاتكون فانية في الدنيا لان الفناء يعني قيام غير الشئ في مقامه لا غير مثلا صورة التثليث الثابتة علي الشمعة فناؤها يعني رجوعها الي ما بدأت منه و قيام التربيع في مقامها و هذا هو الفناء الدنيوي فاذا نظرت و رأيت التثليث نفسه و لمتر الشمعة الصالحة و لا الصورة السابقة و لا اللاحقة فاي فناء للتثليث مع انه هو هو لا غيره بل لاتلاحظ انه غير غيره فهو باق دايم ثابت مع ذلك و هذا النظر هو الواقعي و لاتفني شئ بهذا النظر ابدا ابدا و لايضل ربي [ص 231] و لاينسي و يجده ربه في مقام وجوده و النفس لما كانت من ظل الربوبية كل ما شاءت تنظر اليها و تجدها و هذا حال جميع الامثلة فالمثال من حيث نفسه لايكون فانيا فاذا كان الامر في المثال الجزئي هكذا مع انه خلق الله فما تقول في المثال الكلي الذي هو صفة الله التي قال خلق الله آدم علي صورته و قال يا ابن آدم اطعني في ما امرتك اجعلك مثلي تقول للشئ كن فيكون و قال عليه السلام في شأن النفس صور عالية عن المواد خالية عن القوة و الاستعداد تجلي لها فاشرقت و طالعها فتلألأت فالقي في هويتها مثاله فاظهر عنها افعاله ، فالمثال الملقي في هويتها كيف يفني مع انه ليس له وقت و لاينسب اليه صفة و لايحد بحد دنيوي فتعين النفس بهذا المثال و هو مطلق جميع الامثلة و العلوم و الاشباح فلايتصور له فناء فافهم هذا البرهان المتقن مع ما فيه من الاشارات .
فصل - ربما يعرض الاشكال للانسان لعدم معرفته بالمراتب فربما يطلب الشئ في غير مقامه فلايجده فانا سمعنا من ينادي ببقاء الاشخاص فنطلبها في مقام الاطلاق و حاشا ان يكون المقيد في المطلق كلا بل هو ممتنع فيه او نطلبها في مقام الفناء او نزعم الدهر كالدنيا مثلا نسمع ان زيدا اذا مات يبقي ربما نزعم انه يبقي يعني مات في يوم الاحد و هو باق في يوم الاثنين او نزعم ان الدهر عالم كالدنيا و روحه يرتع بعد هنا او نطلبه في مقام [ص 232] الانسان المطلق و حاشا ان يكون هكذا فان عود الاشخاص الي المطلق عود ممازجة و ليس في الانسان الا الانسان و زيد يبقي يعني انه باق في مقام وجوده و حين شهوده مع الامضاء لا قبل و لا بعد و مقامه ذلك في عرض ساير الشخصيات في مقام الشخصيات فان الواحد مثلا موجود في مقام الاعداد في عرض الاثنين و الثلثة لا في الاحد حاشا ان يكون هكذا فافهم هذه الدقيقة و بهذا النظر الذي قلنا كل شئ حتي الجمادات عودها الي مطلقها عود ممازجة و عودها في مقام وجودها عود مجاورة فالحيوانات في مقامات تشخصاتها ثابتة قائمة لايضلها ربي و لاينسي بل يعود في القيامة في مقام الشخصية كل حيوان و يقاص الجماء من القرناء و كذلك النبات و كذلك الجماد و لاينافي ذلك ما ورد في الحديث من الفرق فانه عليه السلام بين عود الحيوان و النبات الي مطلقهما بملاحظة ان شخصيتهما من الدنيا و عود الانسان بنفسه لان شخصيته في مقام اطلاق الحيوان و النبات فكأنه بين حال عرصة و سكت عن ساير العرصات يعني في تلك العرصة الخاصة عود الانسان مجاورة و الباقي ممازجة و فوقها الجميع ممازج و دونها الكل مجاور بل اقول بالنظر المذكور جميع الاعمال بتشخصها ثابتة فان القيام و القعود و الركوب و الصلوة و الصيام في انفسها كلها ثابتة في مقامها و لايضل ربي و لاينسي غاية الامر ان لها مقامات و الدهر [ص 233] درجات اسفلها الاشباح فللقيام وجود دهري و للقعود هكذا غاية الامر ان القيام موجود في مقامه غير موجود في مقام غيره و هذا معني الحدوث الدهري و عود الكل الي النفس الكلية ممازجة فزيد قايم في مقامه و جميع اعماله ثابتة في مقاماتها و هو يجدها ثابتة دهرية نعوذ بالله من المعاصي الباقية و هي تكون له جنة او عذابا و هو مع ذلك فوق مقامه مفتقد و قد غفل الناس عن حقيقة ذلك فجهلوا .
خاتمة - في كيفية البقاء . فاجمع حاستك و انظر بالعين المختصة بالمطلب حتي تعرف المراد فاعلم ان الله سبحانه كان و لا شئ معه احدا صمدا فردا متفردا لميلد و لميولد و لميكن له كفؤا احد فخلق اول ما خلق مشيته بنفسها علي صفة واحدة غير متكثرة مطلقة عن جميع قيود من دونها ثم خلق بها الماء الاول لا من شئ و ذلك قوله عليه السلام ما معناه ان الله سبحانه خلق كل شئ من ماء و لميجعل له نسبا و الماء سمي ماءا لوحدته و عدم تكثره لاتصال اجزائه و سيلانه و صلوحه و ليس فيه صورة شئ ثم منه العقل الاول علي الاطلاق المعنوي و هكذا نزل الامر من عنده علي الاطلاق حتي نزل الامر الي الدنيا بسماواته و ارضه و هي ايضا مطلقة نوعية كما تري فان السماء لاتخص بشئ [ص 234] و الارض لاتخص بشئ فجميع العوالم مطلقات و لاتزعم من بياني انه مر وقت زماني علي الدنيا لمتكن و كانت المراتب ثابتة بل بقاء الجميع بالدنيا و بقاؤها بها و مجموع الدنيا ثابت دهري كما ان ساير العوالم ايضا دهريات الا انها فوق الدنيا و الدنيا دونها و لذلك سميت دنيا و لذلك نقول انها بسمائها و ارضها ثابتة في الدهر فالله خلق الملك كله هكذا الا ان بعضها فوق بعض قال عليه السلام الظهور تمام البطون و الفعل تمام القوة كليات الحكمة ما لمتكن تامة في ظهورها تامة في بطونها كانت الحكمة ناقصة من الحكيم ، و ذلك امر محقق ثابت بادلة كثيرة و كذلك الامر في كل مطلق فما لميكن للشئ ظهور في الدنيا لايكون ثابتا في مقامه و ذلك تأويل قول الله تعالي مثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الارض ما لها من قرار اي ليس لها اصل في تخوم الارضين و هي الدنيا و الكلمة الخبيثة باحد المعاني ما لميتحل بحلية الوجود و الشجرة الخبيثة هكذا اي ليس في الملك خبيث بهذا النظر و الكل طيب كونا و لكن الاختلاف في الشرع و الشجرة الطيبة الشرعية كل ما تحلي بحلية الوجود اي له وجود في عالم الافراد و وجود في عالم الافراد فاصله ثابت و فرعه في السماء فلا بد من ان يكون لكل مطلق افراد في عالم الافراد و ذلك امر واضح مسلم لا شك فيه و من المطلقات النفس الانسانية لا بد لوجودها من افراد في عالم [ص 235] الدنيا و افرادها البدن و صفاتها و اعمالها و اخلاقها و لكن الاشكال و الداء العضال في معرفة البقاء فاقول انه ايضا مثل البدء من غير اختلاف و النفوس باقية بعد تولدها كوجودها قبل تولدها و ذلك ان الافراد ثابتة في الزمان في مقام مخصوص و حد معلوم و مطلقها فوقها و ذلك ان بحر الزمان بجميع اجزائه ثابتة في علم الله لايضل و لاينسي و لكنا نحن سايرون فيها و وصولنا الي بعضها قبل بعض ليس دليل وجودها شيئا بعد شئ بل هي معدة معلومة لله و عند الله و لكنا نشاهدها شيئا بعد شئ فنصل الي بعضها و نمضي منها و نصل الي غيرها و كلما مضينا عن بعض نتجاوز عنه بابداننا و ارواحنا لكونها فوق الزمان يقدر ان ينظر الي ما مضي منها و ما لميأت كما تري انا نري الماضي و ربما نري المستقبل و ذلك دليل الثبوت و النفوس الدهرية هي فوق افرادها فافرض لوجود زيد اياما من الدنيا فما قبله ليس منه و ما بعده ليس منه و هو ثابت فوق افراده ابدا ابدا فوجوده قبل تولده مثل وجوده بعد تولده فلاتزعم من قولنا انه يبقي انه يبقي بعد موته في يوم فلان حاشا ان يكون هكذا و اما ما ذكرنا انه لايكون شئ لا وجود له في الدنيا فلاينافي ما ذكرنا فان ما لا وجود له في الدنيا في مقام من المقامات لا وجود له في الدهر و لكن ما يكون مذكورا في مقام له وجود مسلما فافهم هذا السر و ان عرفته تعرف حقيقة البقاء هذا و يرتفع بذلك اشكالات كثيرة منها الوجود [ص 236] الشخصي لزيد و ما اوردناه سابقا ان شخصيته بافراده فكيف يبقي متشخصا بعد الافراد فان وجوده متشخصا فوق افراده و هي ثابتة ابدية في مقامها و هو فوقها فكل عمل من اعماله مشهود معلوم و لايضل ربي و لاينسي و اما فوق مقامه فعوده الي المواد عود ممازجة لا عود مجاورة فافهم ذلك ان شاء الله و لكن الاشكال و الداء العضال في معرفة بقاء الافراد و يرتفع الاشكال بما مر سابقا ان لكل شئ دهرية في حده و مقامه و وجدوا ما عملوا حاضرا و لما بلغ الكلام الي هنا لايضرنا ان نذكر شطرا من العذاب و الرحمة و الجنة و النار ايضا .
فصل - اعلم ان الله سبحانه ركب الانسان من وجود و ماهية فوجوده من النور و ماهيته من الظلمة و جميع ما يتعلق بالنور يقوي وجوده و يزيد فيه و جميع ما يتعلق بالماهية يزيد فيها و يضعف الوجود كما ان النار تقوي النار و الماء الماء و لا شك ان اصل الشئ وجوده و هو الذي به يعرف ربه و تجلي الله له به و ماهيته ما له من الخصوصية فاذا عمل بعمل من النوريات يقوي به وجوده و يزيد فيه و لذلك يشتد بالاعمال الخيرية حيوة الشئ و قوامه و يكثر توحيده لله سبحانه و كلما عمل بعمل مما يخص الظلمة يكثر ظلمته و فساد امر الوجود و يضعف به حيوته و بقاؤه و يكثر شركه و يقل توحيده و ذلك من الامور البديهية التي يعرفها كل غبي فضلا من العلماء فالخير الذي يكون [ص 237] سبب زيادة النور عيش له و سرور و نعمة و لذة و لما كان اصل الشئ و حقيقته الوجود فالرجوع اليه و هو مناط العمل و هو و ان كان مضعفا للماهية و مهلكا لها بحسب الظاهر الا ان الماهية ليست شيئا قايما بنفسها في جنب الوجود حتي يقاوم الوجود بل حيوتها و بقاؤها بالوجود و وجودها بالوجود فعيشها و سرورها بالوجود و لولا الوجود لاتعرف شيئا فلايمكن ان يقال ان المعاصي جنة للماهية و الطاعات جحيم لها و بالعكس للوجود فان الماهية تعيش بواسطة الوجود و ذلك مشكل جدا مثال الماهية و الوجود صورة الكرسي و الخشب فصورة الكرسي لاتقوم بلا خشب حتي تصلح للتنعم و التألم بلا خشب بل جميع ما يضاف اليها يضاف اليها ببركة الخشب و عنايته فلايمكن ان يقال عمل الكرسي جنته مع ان عمله جحيم الوجود فافهم ذلك ان شاء الله نعم ربما يقوي الكرسية و تقويته جحيم للوجود و اذا غلب علي الوجود التعب و السقم لايفيد الماهية عملها فافهم مثال ذلك نور السراج و هيئته فما من الهيئة حدود منافية للنور و اذا غلبت يغلب الظلمة بحيث لايقوم تلك الهيئة حتي تلتذ من عملها فلايمكن ح ان يقال اهل النار يلتذون من جحيمهم لانه من مختصات ماهيتهم بل ذلك سبب محنة وجودهم و بالجملة فالاعمال النورية مقوية للنور فتكون جنتها و الاعمال الظلمانية مقوية للظلمة و بتقويتها نفد الوجود و لاتعيش [ص 238] الماهية لان عيشها بالوجود و يقل بذلك وجودها و الحمد لله الذي قد حل تلك العقدة المشكلة علي يدي فافهم ذلك .
و اعلم مقدمة اخري ان الجزاء نفس العمل لقوله تعالي سيجزيهم وصفهم و قوله و ماتجزون الا ما كنتم تعملون و انما هي نفس الاعمال ترد الي الناس فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره و من يعمل مثقال ذرة شرا يره اي نفسه فتلك الاعمال هي هي الجنة و النار و هي التي تجيء بصورة طوبي و زقوم و الحور و الافعي و اللبن و الغسلين و لكن يجب علينا البيان انها كيف تكون لذة للروح او تعبا . قد مر سابقا ان للاعمال دهرية و جميعها ثابتة في مقاماتها و هي مختلفة فبعضها دنيوي و بعضها مثالي و بعضها دهري و لجميعها دهرية بالنظر الذي مر سابقا و يحصل من جميعها للنفس شئ فاما ما يحصل للنفس هو قوة وجودها و ضعف ماهيتها و انيتها و ذلك خلوصها لربها و يحصل لها من قوة النور معرفة الرب جل شأنه و هي نعيمه و جنته و اذا تنعم اهل الجنة بالجنة تنعم اهل الله بلقاء الله و في ساير المراتب اذا نظرت الي اعمالها تلتذ منها فبعضها يكون علما لها و اذا تنعم اهل الجنة بالجنة تتنعم بالعلم و دونها مقام ساير اللذات من الحور و القصور و غيرها و اذا نظرت اليها تلتذ منها و لكل جنة مقام و مراتب الجنات ثمانية و ابوابها المشاعر البرزخية و النفس تعيش من كل بما يناسبه و اما النار فشرحها هكذا فمن المعاصي التي [ص 239] تكون سبب النار يحصل للنفس ظلمة يتنفر منها الوجود و يري دايما فناءه و يبعد عن الله للكثرة الواردة عليها و بعدها عن ربها جحيمها الهي صبرت علي حر نارك فكيف اصبر علي فراقك و طبقات النار سبعة لانه لا عقل لاهل النار لانه ما عبد به الرحمن و اكتسب به الجنة و اهل جهنم لايعبدون و الطبقات ساير المشاعر الا ان الجنات في سماواتها و النيران في ارضيها مثلا الحس المشترك سماؤه الحيوة و هو الجنة و الحوت و الحية الواقفة علي باب الجنة و ارضه الموت و هو اول درك من الجحيم و الخيال سماؤه الجنة و هو الحوراء الجميلة و غيرها و ارضه الطبيعة و هي الجحيم فتدبر و جميع تلك المراتب يحتمل الخروج منها الا الآخرة فانها دار الخلود و اعلم ان تلك المشاعر حقايقها ثابتة للنفس و لاتزعم انها خارجة عنها بل لها حيوانية و جمادية و نباتية و كلما صار بالفعل من تلك المراتب فيها صار صاحب الفعلية واقفا فيها فرب من كان واقفا في جمادية النفس و رب من كان واقفا في النباتية و رب من كان واقفا في الحيوانية و هؤلاء اصحاب النار و منهم من صعد الي الافلاك فصار قمريا او زهريا او عطارديا و هكذا و بحسب فعليتهم يقفون في جنتهم او نارهم فافهم راشدا موفقا . فمجمل القول ان جنتك منك و نارك منك و التألم بضعف الوجود و التنعم بقوته و حاصل الكلام في البقاء ان كل شئ باق في [ص 240] مقام وجوده و مقام وجوده حين امضائه و معه و ما دخل في ملك الله لايخرج من ملك الله الشخصية في مقامها و النوعية في مقامها و لكل منا مقام معلوم و انا لنحن الصافون .
و لما بلغ الكلام الي هنا رأيت اني لااقدر علي التصريح في البيان و لاازيد علي الاشارة و قد جعلت من الاشارات في تلك الرسالة من اولها الي آخرها بقدر الكفاية للمكتفي فرأيت ان اختم علي هذا القدر من البيان و لكني اوصيك ان لاتغتر بظاهر كلامي فرب كلام متشابه ان اخذت به كفرت و رب محكم ان اكتفيت به حرمت و لكني جعلت المطلب منتشرا في جميع الكتاب و نتيجة الكل ان المعاد حق و جميع الخلق يعودون بابدانهم هذه بعد التنقية و هذه السماوات و الارضون كلها تعود بعد ما طويت كطي السجل للكتب و يبدل الارض غير الارض و السماوات و برزوا لله الواحد القهار و هو يحاسبهم بما عملوا و سيجزيهم وصفهم و هذا هو الحق الذي لا ريب فيه من قال به مؤمن و من لميعتقد به كافر فان قدرت علي ان تعرف الحق علي الوضوح فابتدأ بسم الله و الا فاعط القوس باريها و لاتتكلف ما لمتكلف و صلي الله علي محمد و آله الطيبين الطاهرين و لعنة الله علي اعدائهم اجمعين .
و قد حصل الفراغ من تصنيف الكتاب المسمي بالنفس الباقية ان شاء الله في ليلة الاحد التاسععشر من شهر ربيع المولود الثالث من نيروز سنة خمس و تسعين و مأتين بعد الالف من الهجرة النبوية علي [ص 241] مهاجرها آلاف التحية حامدا مصليا مستغفرا و اسأل الناظر فيها الاغماض عن الخطاء و السهو فان توارد الهموم و تواتر الغموم يمنع الرجل عن ملاحظة الرسوم فربما يبقي الكتاب مغلوطا . تمت .