فصل - اعلم ان مشعر اللمس جميع البدن و قد جعل الله كل البدن لامسا لان الحاجة اليها كثيرة فان الله سبحانه جعل [ص 146] للانسان و الحيوان اجلا خاصا لا بد من ان يصل الي منتهي اجله لوصوله الي الغاية الملحوظة و جعل لكل مولود كيفية خاصة بعضها يناسب بدن الحيوان و الانسان فيقويه و بعضها منافرا فيضعفه و لا بد و ان يكون دراكا لها حتي يقي نفسه عن المضر و يلاصق المقوي و لايتمكن من حفظ نفسه بساير المشاعر فان العين لايري الا من قدامه و ربما يغفل عن ساير جهاته و السمع يدرك الشئ اذا كان صائتا و الا فلا و الشم يدرك اذا كان ذا رايحة قوية و الا فلا و اللسان يدرك اذا كان ذا طعم مع ان لكل منها موضعا خاصا لحكم و لايجوز وجودها في جميع البدن و المضرات و النافعات من جميع جوانب الشئ فلا بد و ان يدركها الحيوان مع انه ربما يعرضه النوم فلايري العين و لايسمع الاذن و لايدرك الانف و اللسان فلا بد من وجود مدرك غليظ سار جار في جميع البدن حتي يدرك من جميع البدن في كل حال حتي يحفظ البدن و يبلغ منتهي اجله فجعل الله جميع البدن لامسا و وجه آخر طبيعي ان اللمس صورة نفس الروح و ليس من خلط خاص بخلاف ساير المشاعر فان الباصرة من النارية و السامعة من الهوائية و الذائقة من الترابية و الشامة من المائية و لكن اللامسة هي صورة المجموع بل اقول ان صورة الروح الحيواني اللمس المطلق كما ان صورة الانسان النباهة المطلقة و لكن اللمس لما ظهر في العين صار لامسا للمرئيات [ص 147] و في الاذن لامسا للمسموعات و كذلك في كل مشعر يلامس سنخه و يدركه و اما في ساير الاعضاء فاللمس المطلق سار جار و البدن اسباب ايصال الملموسات فاما في ساير المشاعر هي توصل اليه زيادة علي ما يخصها ساير الكيفيات الملموسة و في غير المشاعر لاتؤدي اليه الا الكيفيات الملموسة فافهم و لست بصدد التفصيل و الا لبينت الدليل و اعلم اني لااتكلم بهوي نفسي و صرف رأيي بل جميعه من ابي اعلي الله مقامه و هو لايقول الا عن مشايخه و هم لايقولون الا عن الامام فجميع ما اكتبه عن الامام عليه السلام نعم مشايخنا ربما كتبوا شيئا في مقام بلسان و بينوه في مقام بخلاف ما كتبوه لئن ينتفع كل احد بما يعرفه و يناسب حاله و اسأل الله ان يعرفني فوق ما عرفني الي الآن .
فصل - اصل اللمس ايضا من العصب و الله سبحانه قد جعل الاعصاب مفروشة في جميع البدن فلايخلو عضو عن عصب مفروش الا ان بعض الاعصاب خلقت للحركة و هي اعصاب قوية و لها مقام خاص و هو كل عضو تراه متحركا بحركة خاصة و بعضها للاحساس فما يخص حسا خاصا يكون في مقامه و ما يخص اللمس يكون في جميع البدن و بعد ما وصل الشئ الملموس اليه يتكيف بكيفيته كما قلنا في الباقي حرفا بحرف و لاتطع من اغفل الله قلبه عن ذكره و بين في كل مشعر كيت و كيت و جعل لكل كيفية خاصة فانه ماتري في خلق الرحمن من [ص 148] تفاوت و ما امرنا الا واحدة و الظاهر عنوان الباطن و لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا فلايخالف اللمس الرؤية و لا الرؤية و اللمس الباقي و الكل بنسق واحد و ليس احساس البدن للملموسات مختلفا بل يكون علي نسق واحد نعم اذا كان الشئ خشنا يوجعه و اذا كان لينا يناسبه لا انه يدرك الخشونة بغير ما يدرك اللين و اذا كان حارا يفرق الاجزاء و يسخن و يحرق و اذا كان باردا يجمد لا انه يدركهما بغير ما يدرك به الخشونة و الملاسة بل الكل بنسق واحد لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا و الكل بالتكميل فافهم .
فصل - بعد ما عرفت تفصيل الادراكات اقول من باب المذاكرة ثانيا ان كل مدرك بالفتح يلقي شبحه الي آلة دركه فتنفعل به و تدركه بانفعالها و تؤديها الي الروح غاية الامر ان شبح كل واحد بحسبه فشبح اللون لوني و شبح الصوت صوتي و شبح الطعم طعمي و شبح الريح ريحي و شبح الملموسات علي حسبها و ربما يظن القشري ان الشبح خاص باللون و الضوء و ليس الامر هكذا بل كل ما من المثال شبح و عالم المثال اشباح و تلك الاشباح تظهر علي المواد الجسمانية علي حسب قابليتها و كل مادة تحكي شبحا خاصا و بعد ما حكت شبحا و كملت فيه يؤثر في غيره فيكمل غيره فيظهر اثر هذا الشبح المخصوص في غيره ايضا و يعبر عن ذلك بالانطباع و بالانطباع [ص 149] يصل الاشباح الي المشاعر فدركك لكل شئ باي حس كان يكون بالانطباع و النفس مطلقة و هي فوق هذا العالم فهي فوق البدن و فعلها متعلق بالبدن و كل ما وصل شئ الي البدن تدركه فيه به و لاينطبع فيها بنفسها شئ اذ هي فوق الادراكات و المدركات بالكسر و المدركات بالفتح و لبيان الفوقية مقام آخر سيأتي انشاء الله و قد مر في المقدمة بعض البيان و العاقل الخبير يعرف اصل المراد و الحمد لله و اذ قد عرفت مر الحق لاتحتاج بعد الي زيادة بيان .
فصل - لما ذكرنا في بيان الباصرة امر الاعراض و الامراض لايضرنا بيانها لساير المدارك ايضا ، فاعلم ان مشاعر الانسان دراكة علي الوضع الالهي اذا كانت علي الفطرة و اما اذا تغيرت عن الوضع الالهي الاولي يتغير فعلها و عملها ايضا و امثل لك امثلة في المقام حتي تعرف الوضع و قس علي ذلك الباقي مثلا خلق الله الاذن علي الوضع المعروف فكلما زيد في الاسباب التي هيأت للاستماع شئ لاتسمع صوتا و كل ما نقص لاتسمع مثلا اذا احتقن ابخرة في غشاء الدماغ مما يلي الاذن و قد تصاعدت رياح الي الدماغ و لمتتحلل لضعفه و دارت هنا يحدث من دورها و حركتها طنين في الاذن و اذا كان الاذن بنفسها صاحبة طنين تشتغل به عن صوت خارج لامحة فيقل السامعة بذلك و كذلك اذا اجتمعت اوساخ في الاذن تثقل [ص 150] السمع و اذا انصب خلط غليظ الي العصب يحدث الثقل و كل ما غلب علي العصب او الدماغ خلط حتي افسد الآلة تطرش و علاجه ان كان خلقيا بيد الخالق و ان كان غير خلقي ربما يداوي ببعض الادوية و هي مذكورة في كتب الطب و كذلك الشامة من الانف اذا كان صحيحا و اما اذا غلب عليه مرض كعلة تنال الدماغ او سدة تحدث في مجري المنخرين او في الاعصاب التي تؤدي حاسة الشم و ربما كانت في العظم الشبيهة بالمصفاة و علي اي حال يضعف الشامة او تبطل بالكلية و ذلك واضح انشاء الله و كذلك اللسان خلق للذوق فاذا غلب عليه رطوبة كثيرة حتي انسدت بكثرتها منافذ اللسان لايدرك الطعم و ربما يكون ذلك بسبب الاغذية و الادوية ايضا كما هو مجرب و كذلك في اللامسة قد عرفت ان اللامسة بسبب الاعصاب اللطيفة الرقيقة التي انبثت في جميع البدن فاذا عرض نفس تلك الاعصاب مرض قد اخرجها عن الاعتدال لاتكاد تحس و اذا عرض نفس الجلد مثلا خشونة تغلب خشونة الملموس لاتحسها و بالجملة الامراض الواردة نوعها ما بينا و عليك باستعمال عقلك حتي تدرك اصل المقصود انشاء الله و يكفي ما شرحناه في المشاعر الظاهرة و ها هو ابان الشروع في بيان المشاعر البرزخية .
[ص 151] الباب الثاني - في المشاعر البرزخية و فيه مقدمة و مشاعر :
المقدمة - في بيان ما يلزم ذكره حتي تعرف حقيقة المطلب و فيها فصول :
فصل - اعلم ان المشاعر التي تسميها من الخيال و الفكر و اخواتهما هي مشاعر النفس الانسان الكوني و هو هذا المعروف و صدورها منها و عودها اليها و هي ليست من النبات و الحيوان في شئ نعم ربما تجد بعضها بالظل في الحيوان و لكن اصلها للنفس و غاية الاشكال في معرفة صدورها من النفس فاعلم ان النفس مطلقة و ليس لها خصوصية بدرك خاص و فعل مخصوص بل هي بنفسها مطلقة و لاتخص شيئا بوجه من الوجوه و كذلك الفعل الصادر منها علي صفتها اذ الفعل اثرها و لا شك ان الاثر يشابه صفة مؤثره بل هو بنفسه صفة المؤثر و ذلك مما يقال كثيرا و لكن حق القول مخفي عن الاكثرين لانه لايمكن التصريح بالبيان و لكني اشير اليه هنا لاهله فاقول و من الله التوفيق ان الفعل الحقيقي هو نفس حركة المسمي او هو ما انبأ عن حركة المسمي فعلي الاول نقول ان قول الامام عليه السلام في بيان الفعل اللفظي كضرب مثلا و اما نفس الفعل فهي نفس الحركة و ينبأ لفظه عن نفسه كما ينبئ جسد كل احد عن روحه و علي الثاني نقول ان الحركة هي نفس الفعل و الفعل [ص 152] حيث العبودية و الانية لها فالفعل حيث المشية و الحركة مقام العلم اذ هي الكمال الاول و لكن المعني الاول اقرب بالصواب فنعول الكلام عليه فنقول ان الفعل هي الحركة الاولية و الحركة هي عين الحركة و حقيقتها و عين الحركة لاتدرك بالحركة كما لاتدرك بالسكون فان الحركة التي تدركه انت اما يكون من الوضع او في الوضع او يكون انتقاليا مكانيا و لايجري شئ منها عليها اذ الجميع قد جري بها ارأيت هل يجري عليها شئ مما اجرتها او يعود فيها ما هي ابدتها حاشا ان يكون هكذا فليس هناك انتقال حتي تنتقل من مكان الي مكان و لا مكان و كذلك لا اوضاع حتي تتغير في اوضاعها و ليس لها الا صورة واحدة هي نفس مادتها و مادة هي نفس صورتها و كم هو نفس كيفها و كذلك جميع ما منها و بها و لها و فيها و اليها لايخرج شئ من ذاتها و لايدخل فيها فلاتدرك هناك انتقالا علي اي معني كان و مع ذلك لاتدرك بالسكون ايضا اذ السكون عدم الكمال و هي كمال و اما ما قال عليه السلام في شرح المشية خلق ساكن لايدرك بالسكون ، لايريد انها تدرك بالحركة بل اراد بيان ارتفاع مكانها عن كل ضدين و يبين ذلك لنا ساير اخبارهم و الادلة الكثيرة و لسنا بصدد شرحها فتلك الحركة فوق الانتقال و السكون بل فوق ما كان و ما يكون و لا شك ان اول الكمالات هو الظهور الاول و معني الظهور هو ما ظهر [ص 153] الشئ به فيه له فما في المرآة من مثالك هو ظهورك و قد ظهرت انت في الظهور له به لا بغيره فانه ليس شئ غيرك و غير ظهورك فانه انت من حيث الظهور و انت هو من حيث البطون فان نظر ناظر في الظهور غافلا عن كونه ظاهرا يراك و ان نظر ناظر اليك من حيث ظهورك يري الظهور و جميع ذلك امثال نضربها للناس لعلهم يعقلون و اين اصل المراد من ذلك فنفس ظهور النفس الغيبية هو فعل النفس و ان نظر ناظر اليه لايكاد يميز بينه و بين حقيقة النفس و ذلك قوله عليه السلام و بمقاماتك و علاماتك التي لا تعطيل لها في كل مكان يعرفك بها من عرفك لا فرق بينك و بينها الا انها عبادك و خلقك فتقها و رتقها بيدك بدؤها منك و عودها اليك ، فافهم و تدبر و لايجوز اظهار هذا الامر العزيز اكثر من ذلك و يكفيك الاشارات التي جعلناها في البيان و هذا الفعل المطلق الصادر من النفس المطلقة لايكون عاقلة و لا عالمة و لا واهمة و لا متفكرة و لا متخيلة و لا حسا بل هو نفس ادراك مطلق او علم مطلق يشمل جميعها و يظهر في كلها ثم قد عرفت مما مضي سابقا في المقدمات كيفية خلق الدخان و ان نسيت ما شرحناه فراجع و اعلم ان الفعل المطلق قد تعلق من النفس بهذا الدخان لا بان يخرج من النفس شئ و يتعلق به او تكون بمنزلة الشمس في السماء و الدخان بمنزلة الهواء فيتعلق به النور منها حاشا ان يكون هكذا بل النفس بنفسها في الدخان [ص 154] و مع الدخان و قبل الدخان و بعده و خارجة عنها و نسبتها اليه نسبة الدهريات الي الدنيويات و انت تعرف شأنها و لانحتاج نحن و الحمد لله الي اثبات هذا النحو من البيان للاخوان بعد ذلك ثم ان هذا الفعل المطلق بعد ما تجلي الي الدخان اشتعل الدخان به و حيي به و قد عرفت مما مضي و يحكم عقلك بذلك ايضا ان للدخان من اسفله الي اعلاه مراتب في اللطافة و الكثافة و لكل مرتبة اقتضاء مخصوص فالدخان الكثيف يحكي فعل النفس علي ما يقتضيه لا علي اقتضاء النفس او الفعل و الدخان اللطيف علي حسبه و لذلك يختلف مراتب الادراك ففي مقام يدرك النفس الصور و في مقام المعاني و في مقام النسب و هكذا و لانمنع ان يبلغ الدخان من اللطافة مقاما يظهر عليه عين النفس اي الفعل يعني ان الفعل يكون منه اكثر ظهورا لا انه اختص بمقام دون مقام كما نقول في البدن ان الروح قوة حيونتها و بروز افعالها في الدماغ و لانريد من ذلك انه لايكون في ساير البدن بل هو في جميع البدن و لكن غلبة سلطانه هنا و هكذا اذا بلغ الدخان المتخذ من البخار المتصاعد من القلب بلطافة كرسي هذا الملك يصير قابلا لحكاية النفس اي يظهر فعل النفس فيه اشبه بها من حيث الاطلاق و عدم الاختصاص من ساير المراتب كما تري في هذا الملك ان فعل الجسم قد اختص في كل فلك بما يخصه و لكن ما ظهر منه في الكرسي اجمع و يظهر منه اكثر [ص 155] الآثار و هو باب من ابواب الغيب و كذلك بعد ما وصل بلطافة العرش تعلق به العقل و يصير باب الغيب و محل المشية و ظهور الارادة و لاينافي ذلك ما نقول ان النفس مطلقة محيطة بجميع المشاعر و العقل معنوي غير صوري فانهما بصرافتهما هكذا الا انهما قد ظهرا هنا و كذلك لاينافي ذلك ما نقول ان العاقلة ظاهر العقل و العالمة ظاهر النفس فان المطلق يظهر في كل مرآت تواجهه بقدر مواجهتها و الامر واضح و الحمد لله و لايحتاج الي زيادة البيان و الاجمال مطلوب في كل مقام .
فصل - مما يجب معرفته ان الخيال و الفكر و العلم و غيرها غير البخار المشهود بل هي النور المثالي الظاهر فيها و هذا النور هو فعل النفس الذي قلنا و قد تعدد في المرايا و سمي كل في كل قابلية بشئ خاص و المسمي هو الفعل الظاهر لا البخار فما ظهر من فعل النفس في الدخان الصاعد الي الدرجة العليا الواقف في مقام زحل سمي عاقلة و ما ظهر منه في الجزء الذي بلغ بلطافة المشتري عالمة و هكذا كما في هذا العالم فان المشتري و المريخ و غيرهما اصولها من عالم المثال و هي افلاك عالم البرزخ و بعد ما اخذ الله سبحانه من دخان البحر الابيض و صعده تعلق به افلاك البرزخ كما تعلق النار البرزخية بالدخان الدنيوي المتخذ من الدهن الدنيوي و قد مر في المقدمة شرح ذلك و قد سمي كل فلك باسم ما تعلق به من ارواحها فما تعلق بالدخان [ص 156] المرتفع العالي عرش عالم المثال و قد سمي عرشا لذلك لا انه حقيقة العرش و ما تعلق بما سكن تحت الدخان الاول و وسع ساير الادخنة كرسي المثال و سمي باسمه و ظهر منه اثره و ما تعلق بدونه زحل المثال و دونه المشتري و دونه المريخ و دونه الشمس و دونه الزهرة و دونه العطارد و دونه القمر و كذلك الامر في العناصر الاربعة فانها اصولها كلها مثالية و ما تري في الدنيا عناصر مركبة و اشعة مؤتلفة قد تركبت و تعلق بها الغيبيات و ذلك ظاهر ان شاء الله و بعد ما فسد تركيب الدنيا يرجع كل ما من المثال اليه علي حسبه و ذلك من الاسرار و ان اتخذت شيئا من بياناتي في تلك الرسالة فالله الله اكتمه عن غير اهله و بعد ما عرفت الامر في هذا العالم الكبير فكذلك الامر في العالم الصغير جميع تلك المشاعر برزخية و سميت برزخا لوجه سوف ابينه لك في فصل خاص و قد تعلقت بالدخان المتصاعد من القلب و هذا الدخان جسم و ليس هو من المثال و لا اليه و ما سمعت من مشايخي انهم يسمونها مثالا فمن باب تسمية المحل باسم الحال نعم عناصرها مثالية كهذه الافلاك و العناصر و ليست مركبة من العناصر الدنيوية و ان امعنت النظر و دققت الفكر لرأيت ان كل شئ مركب من العناصر البرزخية و العناصر الدنيوية لاتتركب نعم ربما تجمع مواليد في الدنيا و ليست هي تركيبا واقعيا كما تري في تركيب الخل مع الزيت و العسل [ص 157] و تركيب العقاقير بعضها مع بعض و لكن تلك التراكيب نسبية و تجاور اجزاء و مرادنا تركيب المركبات كالمعادن و النباتات لا اجتماع المجاورات الحاصل فاصل الدخان جسم و حيوته حيوة الاجسام و صورته صورة الاجسام و هذا ما قال عليه السلام في حديث الروح جسم لطيف البس قالبا كثيفا ، و يكفيك بعد هذا الخبر عيانك انه حصل من الاغذية و المراد من المثال عكس النفس و شبحه و ليس الدخان شبحا بل هو شئ قائم بنفسه كساير الاجسام و الشبح ما كان قايما بذيه كالظل فافهم فتلك المشاعر اصولها برزخية و قد ظهرت علي الدخان و صارت حيوته و تعلقت به كتعلق الروح بالجسد بل هي روحه كما ان الروح الحيواني حيوة الروح البخاري بلا فرق فان ما تعلق من جوزهر القمر بالدخان سمي روحا حيوانيا و ما من العطارد سمي فكرا و هو روح كما انه روح فان الفلكيات روحانيات و كما ان القمر اذا تعلق بالروح البخاري يصير حيا بحيوة القمر فيصير قمريا كذلك اذا تعلق به عطارد يصير عطارديا و كذلك اذا تعلق به الزهرة يصير زهريا و هكذا الي آخر الكواكب و بعد تعلق كل كوكب يعمل كعمله بلا فرق الا ان الزهرة الفلكية مطلقة و زهرة الانسان خاص و كذلك الباقي فتبين من هذا البيان ان حيوة الفكر مثلا عطاردي و كل ما وصل الي هذا البخار شئ يحسه و احساسه فكري و كل ما وصل الي البخار الزهري شئ يحسه و احساسه [ص 158] خيالي فافهم راشدا موفقا و لا فرق في البين كما انه اذا وصل الي العين شئ تحسه و احساسها عيني .
فصل - قد ظهر مما بينا سابقا ان تلك المشاعر اصلها فعل النفس و قد تخصص في بطون تلك القوابل فليس قبل تلك القوابل شئ خاص و لا ذكر للخيال فوق الحصة الزهري و لا للفكر فوق الحصة العطاردي و ليس فوق الدخان ذكر لشئ منها الا علي نحو الامكان و هو الفعل المطلق و هو مقام الصور من حيث الاطلاق و بنفخه يصعق من في السماوات و الارض فما دام السماوات و الارض يبقي الامثلة الملقاة في هوياتها لا قبلها و لا بعدها و الرجعة في السماء لا قبلها و بعدها و الموت في السماء لا قبلها و لا بعدها فافهم ان كنت تفهم و الا فاسلم تسلم .
فصل - ربما يزعم الزاعم ان ما ذكره مشايخنا اعلي الله مقامهم و رفع في الخلد اعلامهم ان الانسان مركب من قبضات فلكية انه قد قبض من تلك الافلاك قبضات حاشا ان يكون هكذا بل الله سبحانه اتخذ من التراب المشهود و قد جعل الله سبحانه في هذا التراب من جميع الافلاك و العناصر و يستخرجها الحكيم بتلك الافلاك من كمون التراب فتصير بالفعل فيه و كذلك قالوا بعد ما بلغ بلطافة عطارد مثلا تعلق به و هكذا لاتزعم من ذلك انه يتعلق به هذه الزهرة و هذا العطارد المحسوس الملموس بل يتعلق به الزهرة المثالية كما تعلق بهذا الفلك و لاينافي ذلك انه اشتعل [ص 159] منه كما تري في السراج من السراج فان السراج الثاني و ان كان من السراج الاول الا ان النار التي تعلقت بالدخان ليست بنار تعلقت بالسراج الاول بل هي نار مثالية خرجت من كمون الثاني كما خرجت من كمون الاول بلا فرق نعم حقيقة النار المثالية واحدة و لذا تسمي كل دخان مشتعل بالنار و كذلك كل ما بلغ دخان بلطافة فلك الزهرة يستخرج من بطنه الزهرة و ليست هي عين الزهرة الفلكية و الا لكانت مدورة مصفرة متحركة سايرة و ليس زهرة الانسان هكذا بداهة و لكن زهرته ايضا زهرة فهي الزهرة المثالية خرجت من كمون الانسان غاية الامر ان كل دخان يحكيها علي حسب قابليته و ذلك واضح ان شاء الله و لايحتاج الي زيادة البيان و ما قلناه و ان كان عين الدليل الا انه ربما يريد الجاهل الادلة الجدلية للمطالب الحكمية و ليس هنا موقع تفصيل المقال مع زيادة الملال و الخروج عن اصل المراد و الحوالة الي الكتب المفصلة .
فصل - في بيان شريف لايعرف قدره الا من ابتلي بالعلم الكثير و الفكر الغزير فان الناس اقسام : رجل لميعرف شيئا و هو من الجهال و هو لايكاد يتفكر في شئ من العلم و رجل عامي سمع كلمات من الحكماء و زعم حقيقة العلم ما طرق سمعه فلايكاد يتفكر في الحقايق و لايطلع علي الدقايق و رجل عرف ان العلم ليس ما سمعه و الحقيقة غير ما عرفه فيدوم تفكره و ينقطع [ص 160] منامه و يمر عليه عيشه حتي يعرف شيئا و مما طال تفكرنا فيه حتي رزقنا الله معرفته تلك المسألة فان كنت من اهل ديارنا و دام فكرك فيها تعرف لذتها و هي كيفية ادراك المشاعر و ما الذي تدركه و ربما سمع الناس من الحكماء ان الاشباح تنطبع في مرآة العين و هي تؤدي الي الحس المشترك و هو يدركها و يستغني بذلك عن النظر و لايجيل الفكر و لايستعمل العبر ان الاشباح ما هي و كيف تنطبع في العين و كيف تعرف النفس و جميعها من المشكلات فاما كيفية الانطباع فمرت و تأتي ان شاء الله و كذلك معرفة النفس و اريد هنا بيان الشبح المعروف فما هذا الشبح هل هو نفس الشئ او غيره فان كان غيره فلم تقول انا عرفت فلانا خاصة و ان كان عينه فما الذي في الخارج مع انه في ذهنك و ما الذي في الذهن و هو في الخارج فهما اثنان و ليس هكذا مسلما فاقول و من الله التسديد ان معرفة ذلك تبتني علي معرفة الشبح المتصل و المنفصل و قد ملأ منهما كتب مشايخي و يزعم الطلاب ان الشبح المتصل ما كسي علي المادة و المنفصل قد انفصل عنه و حاشا ان يكون هكذا و لا بد في شرح المراد علي الحق من ذكر بيانين شريفين : الاول - اقول ان المادة عارية عن الاشباح الكونية اذ هي الامكان و هو القوة و هي العدم اي عدم الشبح الخاص فكيف تلبس الصورة العينية هذا و يعرف كل احد ان حيز المادة غير [ص 161] حيز الصورة و حيزها غير حيزها و كل منهما معدوم في حيز اخته اما الصورة فمعدومة مسلما و اما المادة و ان كانت نافذة في جميع الصور الا انها اي الصور لاتعد معها فكأنها اي المادة معدومة فيها اذ حين نفوذها ليس سواها و لاتزعم ان ما يقال ان المادة نافذة في الصور يعني انها دخلت في اكوانها حاشا ان يكون هكذا بل اذا جاءت المادة ليست ح الصورة و لسنا هنا بصدد شرح هذا المطلب و المراد بيان امتناع ان يلبس الصور عليها بل الاشباح كسيت علي حيوث اعاليها و هي المواد الشخصية و قد تشخصت لوجود الشبح و ما لميكن مذكورا فيها لماعدت اعالي الاشباح و لا متشخصة و امثل لك مثالا ان صورة السرير لمتلبس علي الخشب و لا ذكر للسرير في الخشب الا بالصلوح يعني ان الخشب صالح لان يتصور بصورة السرير كما انه يصلح للتصور بغيرها و لو تصور بنفسه بصورة السرير لخرج عن الصلوح و لزم عدم تصوره بصورة شئ مع انك تري انه يظهر بكل صورة و لكن صورة السرير البست علي قطعة خاصة من الخشب و تلك القطعة ظهور الخشب و ظاهره و فرد من افراده و هو ما تراه في ضمن السرير و معه و تسميه باسمه و فيه ذكر السرير بالفعل نعم تلك القطعة مادة للسرير بحسب صلوحها للحالات و الاوضاع المختلفة للسرير و ذلك مسلم و لايحتاج الي البرهان و لكن لكونها من الدنيا و مادة عرضية ربما تري في تلك القطعة [ص 162] صلوحا ما لشئ آخر و لكني اقول لك اولا ان الامثال العرضية مقربات نضربها للناس لعلهم يعقلون و ثانيا انك ربما تنظر الي السرير و تري الخشب المطلق و تري صلوحه او القطعة منه مع فرض عدم السرير و تزعم انه يصلح لشئ آخر و لكن الفرض غير ما زعمته و مرادنا من المادة الشخصية تلك القطعة المتلبسة بتلك الصورة مع وجود تلك الصورة فهي ح لاتصلح لشئ آخر نعم تصلح للسرير المعلوم المشخص بحالات مختلفة و اذا نظرت الي المواد الذاتية تري الامر اوضح فنقول ان السرير المطلق هو المادة النوعية مع الصورة للسرير و ظهوره الخاص الذي ظهر في تلك السريرة المعلومة هي المادة الشخصية و لمتسم شخصية الا في بطن تلك السريرة و كيف يفرض خلوها عنها و صلوحها لغيرها و ليست الا كقام في القيام فان قام الفعلي مثلا مادة للقيام و صالح له و هو لايصلح لغير القيام نعم صلوحه لانواع القيام لا القعود و الركوب و غيرهما فافهم فالشبح لميلبس علي حقيقة المادة ابدا بل علي المادة الشخصية التي هي ظهورها و آيتها و لمتسم شخصية الا لذكر الشبح فيها ذكرا كونيا وجوديا فالشبح كأنه لميلبس علي شئ غيره فتدبر نعم البس علي قالب كثيف دنيوي ففي السرير الذي ابتدانا ذكره السرير شبح متصل و قد البس علي الخشب و سمي متصلا لانه قد اقترن بمادته لايفارقه كما قال علي عليه السلام لشهادة الصفة و الموصوف [ص 163] بالاقتران ، فان الموصوف هو المادة و الصفة هي الصورة كما هو معلوم مشهود و لعلك تعرف من ذلك ان ذات الشئ لاتكون موصوفة بالصفة اذ لاتكون مادة و لتعلم ان الشبح كسبب الشخص و في الخبر في معني اشباح نور ظل النور ارواح بلا ابدان و لا تنافي بينهما فان الشخص ايضا ظل نور النوع و روح للجسم الدنيوي فالاشباح اي الاشخاص و هم الصور فالشبح المتصل يعني عين صورة الشئ فافهم و اما معرفة الشبح المنفصل ففي غاية الاشكال ابينه في بيان خاص بعد تحقيق شريف .
تحقيق - لا بد من ذكر المادة و الصورة في الجملة فاعلم انه قد ثبت في الحكمة ان كل شئ مركب من المادة و الصورة و قد عرفت ان الصورة هي الشبح المتصل و لتعلم هنا انه قد ثبت في الحكمة بالادلة القطعية ان المواد في القوة القريبة لاتصلح لكل شبح فمادة العقل لاتصلح للتصور بالروح و ذلك مما لا ريب فيه فان مادة العقل معنوية و مادة الروح برزخية بين المعني و الصورة و مادة النفس صورية نورية و مادة الطبع نارية فلاتلبس صورة الداني علي مادة العالي و لا العكس نعم في القوة البعيدة تصلح كل مادة لكل صورة و المراد من البعد و القرب ان المادة الغليظة ما لمتتلطف لاتلبس الصورة اللطيفة و المادة اللطيفة ما لمتنزل و تتغلظ لاتلبس الصورة اللطيفة [ص 164] فمادة العقل اذا نزلت و غلظت تصلح للتصور بصورة الروح و الا تبقي في كمونها فللقوي درجات بعضها في القرب الاقرب و بعضها في البعد الابعد و بعضها في الاواسط و يعرف الحكيم صلاحية كل شئ لشئ و حدها و قربها و بعدها و ان قلت ان القوة هي العدم و العدم ليس بشئ فما الترتيب في الليوس اقول ان تلك المادة المتطورة ليست صرف الامكان حتي تكون عدما بحتا و الترتب لايلاحظ في العدم البحت و اما ما البس حلة الكون و صار عينا له درجة و نسبة و قرب و بعد بالنسبة الي ساير الاكوان فيكون قريبا من شئ بعيدا من شئ فما كان قريبا منه و يمكن ان يتلبس به يتلبس به اسرع مما يكون بعيدا عنه و ذلك امر واضح و تعرف ذلك بالمثال ان مادة النحاس يعدم فيها الذهبية و الفضية و هي يمكن ان تتصور بصورة الذهب و الفضة كليهما و لكنها اقرب من الفضة و تلبس صورة الفضة اسرع لان مزاجها اقرب من مزاج الفضة بل النحاس فضة محترقة و ان اردت ان تهيأها بهيأة الذهب لا بد من ان تصفيها مراتب حتي تصلح لصورة الذهب فالمواد النسبية قواها بعضها قريب و بعضها بعيد و اما الامكان المطلق فهو نسبته الي جميع الاكوان بالسواء اذ لايكاد يتصور فان ما يتصور من جنس الصورة و هو غيرها عينا و كونا و اطلاقا و وصفا و اسما فكيف يتخصص و زيادة البيان ان ما يتصور بكل صورة و يتهيأ بكل هيأة [ص 165] و يتجلي بكل جلوة ما كان ذاته خارجة عن الاطلاق و التقييد و اما ما كان من عرصة الاطلاق فلايتصور بصورة المقيد و ما من عرصة التقييد لايتصور بكل مقيد فان الاطلاق اطلاق باطلاقه و لو كسي صورة خاصة لماكان اطلاقا و المقيد مقيد بصورته و لو ظهر بكل صورة لماكان مقيدا فافهم و ان فهمت ذلك نرجع الي ما كنا بصدد شرحه و من الله التسديد فالقوي مختلفة بعضها قريب و بعضها بعيد فالمادة اللطيفة تصلح للصورة اللطيفة و المادة الكثيفة للصورة الكثيفة و يكشف عن ذلك قوله تعالي افمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لايستوون و قوله تعالي و البلد الطيب يخرج نباته باذن ربه و الذي خبث لايخرج الا نكدا و قوله تعالي و الخبيثات للخبيثين و الخبيثون للخبيثات و الطيبات للطيبين و الطيبون للطيبات و اعتبر ذلك من قوله تعالي في المؤمنين يا ايها الذين آمنوا آمنوا بالله و رسوله و في المنافقين سواء عليهم ءانذرتهم ام لمتنذرهم لايؤمنون و سواء عليهم استغفرت لهم ام لمتستغفر لهم و اما وجه الاستدلال و الدلالة فظاهران لاهل الحكمة و يظهر الامر من قوله تعالي خلق الانسان من صلصال كالفخار و خلق الجان من مارج من نار و قال في بيان ترتيب الخلقة فخلقنا النطفة علقة و خلقنا العلقة مضغة الخ ، اي خلقنا من النطفة علقة و لايمكن خلق العلقة من الدم الشرياني و الوريدي كما لايمكن [ص 166] خلق المضغة من النطفة بل خلق كل شئ من شئ كما في الخبر الا الماء الاول فانه لا من شئ و لسنا بصدد زيادة البيان و ازيدك امثلة فان الحق يعرف بالمثل و الباطل يعرف بالجدل انظر الي الماء فانه لايصلح للانكسار فان الماء لاينكسر للطافته و لكن الانكسار ثابت في كمونه اي يصلح لان ينكسر في الامكان البعيد و لكنه يصلح للانجماد في الامكان القريب فينجمد باقل برد و يعرضه صورة الجمد ثم يعرض الانكسار صورة الجمد و هكذا من الاسفل و يظهر ذلك من المثال بعينه ان قلبته و ان اردت ان تعرفه في مقام آخر انظر الي الحجر الغاسق ان مادته لاتصلح للزجاجة لغلظتها و لكن بعد ما اخذتها و اذبتها في كير الزجاجين و عالجتها بالقلي مثلا تتلطف و تلبس صورة الزجاجة و ان اخذت الزجاجة و اذبتها و صفيتها بسم الفار او شئ آخر تتلطف بحيث تصلح للبلورية و تلبس صورتها و صورة البلور لاتلبس علي مادة الزجاجة كما لاتلبس صورة الزجاجة علي مادة الحجر و لايكلف الله نفسا الا ما آتاها و وسعها قد جهل بحقيقة هذا الامر جماعة و زعموا اتحاد القوي و اتحاد المادة و غلطوا و خرجوا عن الاسلام و قد ثبت بضرورة الاسلام ان مادة الكافر غير مادة المؤمن و مادة النبي غير مادة الشيعة و من قال باتحاد المواد يلزمه القول بالجبر و يلزمه القول بان الانسان اذا عبد الله كثيرا يصل الي مقام الخاتم و ذلك كفر صراح فانه لايلحقه لاحق [ص 167] و بالجملة مرادنا ان كل مادة لاتصلح لكل صورة بل المواد مختلفة كما ان الصور مختلفة و لاتلبس كل صورة الا علي مادة يشابهها و يناسبها فاذا كانت ظلمانية تلبس صورة ظلمانية و اذا كانت نورانية تلبس صورة نورانية و اللطيفة اللطيفة و الكثيفة الكثيفة و الغيبية الغيبية و الشهادية الشهادية فالمادة الدهرية تتصور بصورة دهرية و تلك الصورة شبح دهري لا محالة و المادة المثالية تلبس صورة مثالية و هي شبح مثالي و الدنياوية هكذا و صورها اشباح دنياوية و مرادنا من انها دنياوية انها متصلة بالدنيا و ان كانت اصلها برزخية و العالي لاينزل و النازل لايعلو فاحفظه و اضبطه فانه اصل اصيل تحتاج اليه بعد و اعلم ان الاشباح المثالية قد تظهر علي المواد الزمانية بالعرض و ما ذكرنا الي هنا ذاتيات و لكن المواد العرضية ايضا ذات اشباح و اشباحها ايضا بحسبها و لاتنس ما ذكرناه من الامثال العرضية كمثل الماء و الزجاج و النحاس و غير ذلك قبل فاذا حصل في الدنيا مادة صلحت لحكاية شبح لطيف نوراني بان صفيت و لطفت و نعمت بحيث حكت الشبح علي ما ينبغي لا شك انها تحكيه علي ما ينبغي و اذا عرفت هذا التحقيق نرجع الي بيان المراد فاصغ لما اقول حتي تفوز بالمأمول .
الثاني - قد علمت سابقا في المقدمة ان المثاليات لاتحد بحد نعم تظهر علي مادة و تخصص من جهات و لكنها نافذة [ص 168] كما كانت في عالم المثال فانه لميصر دنياويا الا انه صار ظاهرا نعم بعض المواد ربما تكون غليظة كدرة و لاتصلح لحكاية الشبح المثالي علي الكمال فلاينفذ لنقصان المادة لا نقص المثال فافهم ذلك و بالجملة فاذا ظهر الشبح في شئ ينفذ بذاته في ساير الاشياء و يظهر في ساير الاشياء علي حسبها و لذلك تري شبح الشئ الواحد مختلفا في المظاهر مع اتحاد ذي الشبح فان جميع الاختلاف من ارحام القوابل كما تري في الشمس فان شبحها المتصل واحد و لكن نفذ في جميع الاقطار لانه مثالي و ظهر في كل مرآة بلون خاص و لولا المرايا لماكان اشباح مختلفة بل كان نفس شبح الشمس و هو لمينفصل عن مادته الذاتية بل نفذت الصورة مع المادة و ذلك ظاهر لاهله و لكن القوابل المتكملة بها غير صورتها فما تري في القوابل المختلفة تسمي باشباح منفصلة يعني ان القوابل منفصلة عن ذي الشبح او الاصباغ العارضة عليه منفصلة لا انه قد انفصل عنه شئ حاشا ان يكون هكذا فالشبح حين اذ هو لا انفصال له و لا اختلاف الا علي حسب شأنه و هو خارج عما نحن فيه و الانفصال في القوابل فوجهك مثلا شبح متصل بك و قد نفذ بعد الاستنارة حتي ظهر في المرآة فالعكس الظاهر في المرآة من حيث الظهور فيها شبح منفصل و من حيث نفسه هو نفس شبحك المتصل و لو لميكن علي لحم وجهك اذ ليس المراد من الاتصال [ص 169] الاتصال بالمادة العرضية .
تتمة بيان - لعل المبتدي يزعم من كلمات مشايخي اعلي الله مقامهم ان الشبح منحصر بالضوء لما يري في كلمات مشايخي من التمثيل بالنور و بيان التكميل بما يناسب ذلك و لكن ذلك من قلة العلم و عدم جولان النظر في كلماتهم و لكن ان نظرت علي الحقيقة لعرفت ان ذلك في ما يخص الرؤية فان الرؤية شرطها الضوء و لكن المسموعات ايضا مثاليات و هي اشباح نور ايضا الا ان النور نور مسموع و الملموسات ايضا مثاليات و هكذا صورة كل شئ من عرصة المثال و جميعها انوار اذ لايلزم ان يكون النور ما يري بالعين اي يكون من سنخ المبصرات فان الايمان ايضا نور و العلم نور و العقل نور و الامام نور بل العرش نور و اركانه انوار و لايري شئ منها بل ليست اكثرها من سنخ المبصرات بل النور ما كان كاملا في نفسه مكملا لغيره و كان من عند الله سبحانه فجميع الصور اشباح مثالية و تنفذ مثل النور الا ان نفوذ كل شئ بحسبه و لدركه آلة مخصوصة الاتري ان الصوت ينفذ و يكمل غيره و يسمع و لايري و البرد ينفذ و يكمل غيره و يلمس و هكذا كل صورة و لا اقل من ان تجعل الهواء الملاصق لها علي هيئتها و لا بد لي من بيان حتي تعرف سر كثرة التأثير و قلته و زيادة النفوذ و قلته فاعلم ان المادة اي المادة الاصلية في نفسها تكون نافذة [ص 170] سارية جارية جالية كما هو مشاهد في جميع العوالم و بعد ما تجلت في الشبح لايخلو اما ان يكون الشبح لطيفا صافيا او غليظا كثيفا و برزخا بينهما فعلي الاول يتصل بالمادة و يعانقها بحيث يتحد معها كالنار مثلا فانها قد اتحدت مع مادتها بحيث قد اتصفت بصفتها فصارت نافذة سارية جالية في مثل المادة و ان كان الشبح مغايرا مع المادة غير ملاصق لها لايتصل بها لا محالة فلايتصف بصفتها الا بقدر امتزاجها و ان كان الامتزاج بين بين فالاثر بين بين و امثل لذلك مثلا فافرض المادة نور السراج و الصورة المرايا فان كانت المرآة صافية لطيفة غير ملونة بلون يظهر نور السراج فيها و ينتشر منها في الآفاق و تري لها فشوا و لحكا و لمعانا لان المرآة مشابهة للنور و لمتغيره و ان كانت كثيفة غليظة ربما لاتحكي النور او تحكي علي ضعف لاتري بنفسها و ان كانت بين بين تري و لاتري لها فشوا و لحكا و ان عرفت هذا التمثيل مع البيان اقول ان المادة مطلقة فان لميكن الصورة مقيدة كثيرا تتصل بالمادة بحيث ان رأيت المادة رأيت الصورة و ان رأيت الصورة رأيت المادة كما في الدهريات و ان كانت الصورة مقيدة لاتتحد بالمادة كما في الزمانيات و ان كان بين بين فالامر بين بين كما في المثاليات و مراتب البرزخ مختلفة فاعاليها قريبة من الاعلي و اسافلها قريبة من الاسفل فاعاليها نافذة سارية و اسافلها ظاهرة غير سارية [ص 171] فالاول كالسراج و الثاني كالجمرة و قد اصطلح علي ما كان ساريا الكامل و لما لايكون ساريا و لكنه ظاهر التام و لما لايكون ظاهرا ايضا الناقص و لاتزعم ان ما ذكرناه هنا ينافي ما مر سابقا ان الامر يدور مدار المواد فان ما قلناه كان في الامثلة الملقاة في الاجسام و الاجسام متفاوتة في حكايتها فما كان منها لطيفا صافيا يحكيها علي ما ينبغي و ما ليس هكذا فلا و بياننا هنا بيان المراد ان اصل نفوذ الاشباح مم هو فافهم و اذا عرفت ذلك يثبت لك حق المراد فكل شبح من الاشباح اتصل بمادته مع قلة عرضه يقوي فيه اثر المادة و لا شك ان ما من المادة الوجود و الحيوة و النفوذ فالشبح يصير هكذا سواءا كان شبحا يري بالعين او يحس بالسمع او يحس بمشعر آخر من المشاعر و نفوذه بهيئة و يكمل الاجسام الملاصقة من جهة كمالاته و لو كان له كمالات متعددة يكمل ما يكمله من جميع جهات كمالاته علي حسب استعداد المواد و جميعها اشباح فافهم راشدا موفقا .
فصل - اذا عرفت ما شرحناه في هذه الاوراق علي بركة الله و صاحب الامر (ع) يتبين لك ان اصل الشئ شبحه المتصل و هو بنفسه نفذ في غير المادة العرضية التي ظهرت عليها اول وهلة بتكميلها كالسراج و نوره المنبث فان النور عينه لا غير الا انه ظهر علي الهواء و السراج علي الدخان و لايضر ذلك فانك تري كثيرا من الدهريات تنفذ بذواتها من غير احتياج الي [ص 172] الاستعانة بامور خارجية و لاتخرج من ذواتها شئ فان الجسم مثلا نفذ في جميع الاقطار بذاته من غير ان يخرج منه شئ او يدخل فيه شئ اذ هو هو و جميع ما دونه مجاليه و مظاهره و كذلك الامر في النار و ان لمتكن باحاطة الجسم الدهري الا انها ايضا صاحبة دهرية بالنسبة فتنفذ بذاتها و تتجلي و تظهر و ما يظهر لك ليس شئ غير النار فتعبر عنه بالنار و لميخرج شئ من النار بل هي هي نعم ظهرت في المواد علي هيئتها و ما يصل اليك منها ايضا نفس النار فان الشئ شئ بصورته و هي صورة النار لا فرق بينها و بين النار الخارجية الا ان النار الخارجية كانت ظاهرة علي الفتل الجسماني و الدهن الغليظ و انت تري ما تري في عينك و ليس فيها شئ من الخارج الا ما نفذ منه في الهواء من نورها اي النار و الفتل و الظرف و الدهن و الدخان و غير ذلك و ما نفذ عين الصورة التي كلها بها هي هي و لكن ظهرت في الخارج علي مادة كثيفة غليظة و في الهواء عليه و في العين علي الجليدية و الشبكية و في الروح علي البخار و في جميع المنازل هي هي اذ ليس المواد الدنيوية مما به هي هي بل هي مظاهر و مجالي فافهم فما في عينك من حيث هو هو هو الشبح المتصل و من حيث كونه ظاهرا فيها منفصل فما ادركته من النار عين النار المثالية و تقسم بالله اني وجدتها بنفسها و يشهد بذلك اخبار آلمحمد عليهم السلام و اما ما ورد [ص 173] في حديث الخنثي و النظر الي شبحها في المرآة فليس من باب ان الشبح الظاهر في المرآة غير الشبح المتصل الواقع بل من باب ان الشبح الواقع ظهر علي جسم غير جثة الخنثي الواقعة في الخارج و ما يحرم النظر اليه من النساء و غيرها اللون الظاهر علي نفس الجثة لا ما ظهر علي غيرها فافهم ذلك انشاء الله و اما ما في الهواء فيحرم النظر اليه لانك تراه علي الجثة كما انك اذا نظرت اليها من وراء الزجاجة فعلت حراما و اذا جعلتها مرآة و ظهر الشبح عليها يحل النظر اليها لانك حينئذ نظرت الي مرآة ملونة بلون فلان كالجدار الملون او الكاغذ المنقوش عليه و ليس المرآة الا مثلهما فيحل النظر اليها و اما الجثة فلايحل النظر اليها و اما الجثة فمن حيث المادة ليس النظر اليها محرما فانه لايحرم النظرة الي العورة او بدن النساء من وراء لباس و نحوه و لكن ما يحرم النظر اليه اللون الظاهر عليها فافهم .
المشعر الاول - من المشاعر البرزخية الحس المشترك و معرفة ذلك سهل ان شاء الله بعد البيان و قد مر البيان سابقا في الجملة و نزيد عليها في الجملة في فصلين :
فصل - في بيان الحس المشترك بحقيقته . قد مر سابقا كيفية توليد الروح البخاري و زيادة البيان ان الكيلوس بعد ان صفي بالماساريقا و ذهب الي الكبد و عمل فيه هاضمة الكبد اللحمانية [ص 174] احالته دما بالمناسبة الخميرية التي فيها ميزت ما فيه العكرية التي هي الطبعانية العنصرية فهي عكرية بالنسبة الي ما يراد منه من الفلكية و الحيوة فتميزها القوة المميزة و تجذبها جواذب الاوعية فتجذب المرارة العكر الناري و الدهني الهوائي و انما صارا معا لان النار لطيفة لاتستقر الا في محل لزج دهني و في المرارة دهنية بينة للحكيم و بذلك يغسل بها الادهان و تمازجها و الكلية العكر المائي و الطحال العكر الملحي الترابي فيتخلف عنه العناصر السفلية و يذهب الي القلب دم اصفر صاف فيعمل فيه حرارة القلب الفلكية فتكلسه و تلطفه و تبخره بخارا فلكيا و هو طبيعة خامسة غير الطبايع المتخلفة العنصرية السفلية و ليس بمركب منها و ان كان خارجا عنها و انما تركيبه من الطبايع الجوهرية الركنية البرزخية و كان المجموع المركب كامنا في الطبايع و خرج بالتدبير الفلسفي كما يخرج الدهن من اللبن و ليس الدهن مركبا من المائية و الجبنية المتخلفتين و انما كان جوهرا مستقلا منتشرا فيهما و خرج بالتدبير و كذلك ذلك الجوهر البخاري كان جوهرا منتشرا في غيب العناصر نزل اليها و صار فيها بالقوة و استفصل بالتدبير الفلسفي صعودا فتخلف عنه العناصر و خلص الجوهر الفلكي الخالص و هو مركب من طبايع اعلي لا من الصفراء و السوداء و البلغم و الدم و انما المركب منها اللحم و العظم و ساير الاعضاء فلما استخلص ذلك [ص 175] الجوهر الخامس الفلكي الوحداني الذي هو كالدخان من زيت الدم اشتعل بنار الحيوة التي مسته بواسطة اشعة الافلاك المشتعلة بالحيوة في التدبير العام و بواسطة الروح البخاري السابق فاشتعل حيا بتقوي ما كان فيه ضعيفا منها و كان بالقوة و تحرك بجميع حركات العناصر فصار يصعد كالنار و يهبط كالتراب و يجري كالماء و يهب كالهواء فظهر منه حركة الانقباض و الانبساط الشرياني و نار كانت منتشرة في طبايع الدنيا فلما خرجت و صارت بالفعل و كان منها الحيوة تحقق للحيوة غيب منتشر فيها فاستخلص بتربية النفوس حتي اجتمع فهو جهتها الي ربها و الرحمن المهيمن علي عرشها و الطبيعة الخامسة و العنصر الاعلي و الفلك الداير علي طبايعها و سر الواحدية الظاهرة عليها و امثال ذلك من الاوصاف فالنفس الناطقة تتولد من الحيوانية كما تتولد الحيوانية من النباتية كما تتولد النباتية من الجمادية العنصرية و ليست النفس مركبة من عناصر الحيوان و النبات و الجماد كما عرفت و انما هي حقيقة وحدانية منفصلة كانت منتشرة فيها و بالقوة فخرجت كالزبد من اللبن و هذا المثال تقريبي فانه خروج جسم دنياوي عن جسم دنياوي الا انه لتقريب الاذهان و النفس جسم صوري و لكنه ملكوتي الا انه الطف من جسم الحيوان و النبات و هي اشبه الاشياء بالملائكة و الصور لشدة رقتها و تلك النفس في نفسها ايضا ادراك محض ليس فيه تعين و لكنها لما اشتعل [ص 176] بها الحيوة الحيوانية و عملت فيها و لها مراتب في الرقة و الغلظة ظهر منها في كل مرتبة قوة فظهر من الحيوة الحيوانية حين تلطفها بلطافة فلك عطارد فكرها و حين تلطفها بلطافة الزهرة خيالها و بلطافة فلك المريخ وهمها و بلطافة فلك المشتري علمها و بلطافة فلك زحل عقلها و بلطافة فلك الشمس ادراك اجمالي فؤادي حقيقي لها و انما تلطف الحيوانية كذلك بتدبير النفوس الخارجية و صلاحية المحل و ما خلق لاجله من يوم اول و خميرة الاب و الام تعالي الله عما يقول الملحدون علوا كبيرا و تبارك الله احسن الخالقين فالنفس لها المدركات عند هذه المشاعر لا في نفسها و اما في نفسها فهي دراكة بادراك اجمالي و سيأتي تمام البيان في محله ان شاء الله و قد مر ايضا ، فاذا عرفت هذه المقدمة فاعلم ان الدخان الصافي الحاصل الذي تعلق به الحيوة يسمي بالحس المشترك او اعلاه يسمي بذلك لانه من حيث التفصيل يشارك المشاعر الظاهرة علي ما مر و من حيث الاجمال يشارك ساير المشاعر الغيبية الباطنة و قد يسمي بالبنطاسيا و هو من عالم هورقليا و اعلم انه اعلاه بلطافة العرش و اسفله بلطافة القمر و قد تعلق به ارواح الافلاك و الدخان و ان سمي في كل مقام باسم خاص من اسماء المشاعر الا ان جميعها مراتب الحس المشترك فتدبر في ذلك ان شاء الله .
فصل - اعلم ان ادراك الحس قد عرف مما مضي و لكن لا بد من [ص 177] بيانه في المقام فاعلم انك قد عرفت ان الحس المشترك هو الروح البخاري و هو نافذ في جميع البدن فانه بعد ما صعد من القلب في الشريانات الي الرأس نفذ في جميع الاعصاب من الرأس لانه لطيف صاف لايمنعه الاجسام الغليظة فينفذ كما ينفذ الهواء اللطيف بل البخار اللطيف في الاجسام و هو بنفسه دراك اي واجد لنفسه لايكاد يفقدها و اذا كان دراكا نافذا فكلما وصل اليه شئ من المدركات من المنافذ التي ذكرناها مفصلة يتطبع بطبعها فانه نافذ في الجميع و لذلك نقول ان محدبه مماس لمحدب البدن الغليظ فكلما اتصل بالبدن شئ يتصل به لا محالة فانه ايضا جسم كما قال عليه السلام الروح جسم لطيف البس قالبا كثيفا ، فاذا اتصل شبح شئ به يؤثر فيه لامحة فيتطبع بطبعه فيصير هو بنفسه هذا الشئ و اذا عرفت ما بيناه سابقا ان الشئ نفس الشبح فاذا اتي الشبح و تصور مادة الروح بصورته لا شك انه يصير واجدا لهذا الشبح بداهة و اما ردنا علي الحكماء حيث يقولون باتحاد العاقل و المعقول فمن غير هذا الباب فان مرادهم اتحاد المعقول مع ذات العاقل و المعلوم مع ذات العالم و ذات الحاس مع المحسوس و الفاعل مع المفعول و يجرون جميع هذه الخرافات في الله سبحانه و هي مسألة عريضة عندهم نشأت من زعمهم ان وجود المحسوس وجود ادراكي و الادراك بنفس الذات و جميع ذلك عندنا باطل [ص 178] و عن حلية الاعتبار عاطل فان الدراك هو النفس و هي بريئة عن الحدود السفلية منزهة عن جميع التفاصيل الثابتة دونها التي تقوم بها و هي تدرك بفعلها و الفعل هو المطلق الظاهر في تلك المشاعر و هي قد عرفت مما مضي انها ظهوراتها و الاشباح تظهر فيها لها بها فتجد النفس الفعالة الدراكة المشاعر ملونة بلون الشبح علي ما مر و وجدانها لها بفعلها الذي هو الادراك و هو ظاهر في تلك المشاعر لا غير فالاولي ان يقول ان المدرك بالفتح متحد مع فعل الذات لا ذاته فافهم ذلك ان شاء الله و اما العقل فهو ايضا جوهر كلي معنوي عار عن الكثرة و الصورة و لو صار نفس المعقول للزم ان لايفقد نفسه فلايفقد مدركه ابدا ابدا و ذلك واضح لمن كان له ادني مسكة و نري انه قد يتعقل و قد لايتعقل بل ربما يحضر عنده معقوله و لايعقله لاعراضه عنه و يظهر لنا من ذلك كله ان العقل غير معقوله كما ان النفس غير معلومها و لكنهما يدركان في المشاعر و ان اردت زيادة البيان فراجع كلمات مشايخي اعلي الله مقامهم ثم نرجع الي ما كنا بصدده و هو ان الحس المشترك يتصور بصورة الشئ و لعلك قد عرفت من ذلك ان الحس بذاته ايضا لايصير ذات الشبح فانه يتقلب في الصور و لو صار بذاته شيئا خاصا لماصار شيئا آخر فمثله كمثل الطين فانه يتصور بصورة الخزف و اللبنة و الطابوق و لو كان بذاته شيئا من ذلك لماتصور بصورة شئ آخر [ص 179] و كذلك العين فانه ينطبع فيها الاشباح و لاتصير بذاتها شبحا بل تتلون بالالوان كالمرآة و كذلك الحس المشترك جسم في مثل العين و الطين و غيرهما يرد عليه الاشباح قد يتصورها و قد يخلعها و قد خلقه الله صالحا لكل الصور الخاصة فكلما يرد عليه صورة تكمله و تهيأه بمثلها فيسمي باسمها و يوصف بصفتها كما في ساير المواد و لذلك نسميه باسم تلك الصورة كما تسمي الطين المصور بصورة الكأس كأسا و المصور بصورة الطابوق طابوقا و ذلك امر معلوم مشهود و كذلك نسمي الدخان المصور بصورة الطابوق طابوقا فالحس المشترك يصير طابوقا من هذا الباب و لما تصور بصورته مع ان فعل النفس متعلق به و هو حي بحيوته يجد نفسه مصورة بصورة الطابوق و اذا خلع تلك الصورة و صار فارغا يجد نفسه علي ما هي عليه و لا لون لها فيزعم انه لميجد شيئا فافهم ذلك .
فصل - اعلم ان الحس ليس الا دخانا حيا و لمينقطع عن الدنيا من حيث اسفله بل اسفله مرتبط بهذه الدنيا اذ اصله متصل بالدم فهو اشبه الاشياء بالجسمانيات فلايتعقل و لايتوهم و لايتخيل اذ جميع ذلك من صفات المثاليات و ليس الدخان مثاليا فصفة ادراكه صرف انطباع الشئ المواجه له فيه و لايعرف هو موصوله و مفصوله و بدءه و عوده و نتيجته و حاصله بل جميع ما يتعلق بالشعور الانساني بل الحيواني في الجملة يفقده [ص 180] فليس الدخان الا كالعين الا انه الطف فليس له من السراج مثلا الا درك شئ بهذا الشكل و لايعرف غير ذلك حتي انه لايقدر ان يعرف ما هو و جميع ما تراه و تدركه مما هو خارج عن ذلك جميعه من فوق و حاصل الحس ان يأخذ من الاسفل و يحمله في الجملة لان يدرك منه الفكر نصيبه ثم يتركه و قد مر بيان ذلك سابقا فراجع .