[ص 109] فصل - في بيان اختلاف العيون في الرؤية و امراضها ، اعلم ان الله سبحانه قد ركب العين من طبقات علي ما مر سابقا و ركبها علي مزاج مخصوص و صورة مخصوصة من حد الحرارة و اليبوسة و البرودة و الرطوبة ان كانت علي ما وضع الله تكون معتدلة في الرؤية سالمة صحيحة في ما صيغت له فان تغيرت عما وضعه الله مرضت فنقصت في فعل من افعالها علي حسب مرضها فان نقص شئ من طبقاتها لاتري و ان عرض عارض تمرض علي حسبها فان زادت الرطوبة عن الميزان الطبيعي تضعف حتي تذهب و ان زادت اليبوسة تنقص و تضعف و كذلك ساير الاخلاط فاختلاف رؤية الناس علي حسب الحالات و ربما نري بعض العيون سالمة علي اصطلاح المتطببين و مع ذلك مختلفة في الرؤية فيري واحد الاشياء الدقيقة و الآخر لايري و يري واحد من الطريق البعيد و الآخر لايري و ذلك ايضا من الاعراض اذ ربما يعرض الانسان في الرحم اعراض او في اصل النطفة و يخرج من الاعتدال بسبب ذلك و ذلك واضح انشاء الله في ساير اعضاء الانسان و من كان ذا فهم يشاهد ما قلنا و لا بد لنا من بيان نوع الاعراض و ما توجبه حتي تقف علي اصل المراد انشاء الله و ذلك و ان كان خارجا عن وضع الكتاب الا انا نقتصر علي قدر الحاجة ، فاقول قد عرفت ان الله سبحانه قد جعل علي العنبية ثقبة [ص 110] يدخل منها الشبح و هي ثقبة صغيرة و قد جعل الله سبحانه لها حدا فان غلب علي العين الرطوبة حتي ضاقت الثقبة بحيث لميدخل الشبح فيها لايري الانسان او يري ضعيفا لان زاوية الشبح الآتي تصغر فيها بحيث تختفي عن العين و ان كبرت تضعف العين حتي لاتري لان الله سبحانه جعل الثقبة ضيقة لعدم توارد الاضواء علي العين فان بغلبة الضوء يخفي الشبح مسلما فلايري فاذا انفتحت الثقبة لايري الشبح او يري ضعيفا و الانفتاح من اليبس كما جربت ان ثقبة الجلود كلما رطبت ضاقت و اذا يبست انفتحت و كذلك القرنية هي كزجاجة المقدار علي العنبية و وسطها كري ليجتمع الاشباح فيها فيؤدي الي الثقبة فاذا كان الغالب عليه الرطوبة يكثر كريته و كل ما بعد الشبح عنه يصغر فيه فربما لايري و اذا غلب عليه اليبس يقل كريته فيقرب من التحديب فيواجه كثيرا من المرئي و لايصغر فيه الاشباح كثيرا فيري من البعيد و من ذلك تعرف وجه اختلاف العيون في الرؤية من القريب و البعيد و كذلك سعة الثقبة و ضيقها تكون سبب ذلك فان الثقبة اذا كانت ضيقة و قرب العين من الشبح تقع في وسط مخروط الشبح اذ قد علمت سابقا انه يأتي الشبح من عند المرئي علي نحو الخراطة فرأس زاوية المخروط عند العين و قاعدتها عند المرئي فاذا كان العين في وسط المخروط و الثقبة ضيقة لاتري لان الشبح يكبر في حد يخرج من الثقبة و اذا كانت الثقبة وسيعة ربما يري في هذا [ص 111] الحد و لكن اذا صارت اقرب لايري و كذلك ربما لايري الانسان من بعد لضعف العين او مرض فانه اذا غلب علي العين ضعف كرمد و نحوه ربما يمنعها الانوار عن رؤية الاشياء او الصغيرة منها و ذلك مجرب معلوم و مع عدم الرؤية من بعد لتحدب وسط القرنية او لضيق الثقبة ربما يستعان بالمناظر التي طرف منها محدب و الآخر مستو فانه يجتمع في الطرف المحدب عكوس كثيرة من بعد فيكون المنظار بمنزلة المرئي نفسه فيري و ربما لايري الانسان من قرب لهرم و غيره او ينطبع الشبح في عينه دقيقا لكرية وسط القرنية كثيرا لغلبة الرطوبة فيستعين ح بزجاجات طرفاها محدبان فانه يكبر الشبح فيها لان الاشباح تنطبع في الزجاجة الحدباء اصغر لان قليلا من الزجاجة يواجه كثيرا من المرئي و من طرف المحدب يقع في الطرف الآخر اذا كان محدبا اكبر لان كثيرا منه يواجه قليلا من طرفه الاعلي فيكبر الشبح فيه فيصير بمنزلة المرئي فاذا كان في حد خاص من العين يري الاشياء كبيرة و اذا بعد عن ذلك الحد تصغر الاشباح حتي تختفي و اذا بعدت عن الموضع تعود فتري اكبر منعكسة و كل ما تبعدها عنها تصير اكبر حتي تبلغ بكبر الزجاجة فلاتري و ذلك مجرب و اما بيان العلة فخارج عن وضع الكتاب و ذلك من متعلقات علم المناظر ثم قل ما يحتاج الي المناظر التي تكبر الاشباح الشبان بل لايرون منها شيئا لان [ص 112] عيونهم معتدلة غالبا و بعد ما كبرت الاشباح فيها مع قربها من العين تخرج عن حد ثقبة العنبية فلاتري و اما اذا بعدت عن العين قريبا من المرئي تري لانها تكون بمنزلة المرئي و هي في مقام تري عيونهم فافهم و لاتزعم ان ما اذكره من هذه المطالب سهلة بل هي مسايل مشكلة لايعرفها الاكثرون و قد انعم الله علي معرفة بعضها ببركة ابي و بعد البيان تراها سهلة و بالجملة لانحتاج الي زيادة البيان هنا و ربما نري في بعض الشبان انه يعرضهم دوار و اضطراب اذا وضعوا المنظار علي اعينهم بل ربما يشرفون علي التقيؤ و ذلك لان الله سبحانه خلق الروح لاجل الدرك فاذا نظر الي الشئ يريد الادراك و ان لمير يدق النظر حتي يري و يتعمق كما هو من طبيعة الانسان و اجتماع الحواس و التعمق يورث حرارة القلب فاذا غلب الحرارة في القلب يتصاعد البخار الي الرأس فيصير سبب الدوار و يغلب بذلك الصفراء فيضعف اعضاؤه و يشتد انقلابه و ربما يعرض الانسان ذلك اذا تعمق في فهم شئ و لميفهمه لانه يشتد حرارته بهم و اما اذا فهمه يسكن النفس عنده و يكثر سروره بالجملة حكم الرب كثيرة و لايعرفها الاكثرون و حوايج الخلق الي المنظار مختلفة و لسنا بصدد بيان جميعها فان وفقني الله اكتب في ذلك رسالة خاصة انشاء الله بحوله و قوته و علمه مختف عن الاكثرين ثم ان الله خلق العنبية سوداء لان توقي [ص 113] العين عن النور كما خلق الحاجب و الاشفار لذلك فانه يقع شبحها في العين حتي تستظل العين في ظلالها فيري الاشباح و ربما يستعين مع ذلك اذا غلب النور او ضعف العين لرمد و نحوه بالجفن فيجذبها و يجمعها ليقرب الاشفار بعضها من بعض و تمنع نفس المقلة ايضا من استنارة العين الا من جهة خاصة و ربما يستعين باليد ايضا ليمنع النور و ربما يستعين بشئ آخر و بالجملة فاذا نقص عن الانسان شئ من ذلك يضعف رؤيته لا محالة و اذا قل سواد العنبية يضعف رؤيته و الوان عيون الناس مختلفة و رؤيتهم علي اختلاف ذلك و لولا عمل ساير الطبقات في الرؤية و توارد الاعراض لكان يمكن ان نحكم في رؤية كل عين بلون العنبية و لكنه يمنعنا ساير الشروط و لايخفي ان الاسود الحلكوك يدل علي غلبة السوداء و اللون الفيروزجي يدل علي كثرة البلاهة و الابله في الغاية لا شعور له و من لا شعور له لايوالي آلمحمد مع انه بالطبع يكون شقيا و ذلك ظاهر عند اهله و بالجملة اذا كثر ضعف العين ربما لايري في اليوم و يري في الليل و ربما يكثر الابخرة في اليوم فيها و لايري و يقل في الليل و يري و ربما يعرض في العين رطوبة تنعقد في الليل و لايري و تذوب في اليوم فيري و ذلك مرض يسمي شبكرة و بالجملة الامراض متواردة و الاعراض متكاثرة و مرادنا محض الاشارة و كتب الطب بها مشحونة .
فصل - في تشريح السمع . اما آلة السمع فهي الثقب الذي في العظم الحجري و الغشاء المغشي علي الثقب في الاذنين و هذه الثلثة الاجزاء منها جزء واحد هو الآلة الاولي للسمع و هي الغشاء المغشي علي العظم الحجري و الجزءان الآخران اعدا لمنفعة هذا الغشاء و اما الغشاء فهذه صفته اقول ان زوج عصب ينقسم من الزوج الخامس من ازواج العصب و يسيران الي ثقب الاذنين اللذين في العظم الحجري و اذا سار الي هذا الثقب انبسط كل واحد منها و عرض غشاء الثقب من داخل و اما الثقب الذي في العظم الحجري علي تأريب شبيه باللولب احتيج اليه ليكون طريقا لوصول الصوت الي الغشاء الذي هو آلة السمع الاولي لان الصوت انما هو قرع في الهواء او غيره من الاجسام و جعل هذا الثقب علي تأريب شبيها باللولب لئلايصل اليه الهواء البارد فيؤذي آلات السمع و لا الاغبرة الكثيفة التي تكون سبب الاذي و غير ذلك من حكم الله تبارك و تعالي و اما الجسم الغضروفي المحيط بالثقب من خارج و هو المسمي بالاذن فله منفعتان احديهما ان لايدخل في الاذن ما ينزل من الرأس من عرق او ماء او نحوهما و الثاني تكميل الصوت كما تري ان الصوت يرتفع و يتكمل في شعب الجبال و الحمامات و القباب و نحوها فانه كلما كانت اجسام مستحكمة شديدة تمنع الصوت عن [ص 115] الانتشار ترتفع الصوت فيها بل ربما يأتي الجواب منها كما جرب ذلك في الشعب و ذلك ان الصوت اذا وصل الي الجبل و هو مانع عن انتشاره و ذهابه يسترجع و يأتي سر ذلك بعد ان شاء الله و لما اراد الله سبحانه ازدياد الصوت بهذا الغضروف جعله مقعرا ليجتمع فيه الهواء و يدخل بقوة الي داخل و جعل حوالي المقعر مسدودا لئلاينتشر الهواء و جعل غضروفا جنب الثقبة مستقيما كالجبل ليضرب الهواء به ثم ينفذ و من رأي تشريح الاذن لايحتاج الي زيادة بيان .
فصل - في تعريف الصوت . اعلم ان الصوت اثر كيفي يظهر في الاجسام مطلقا ايا كان غاية الامر ان بعض الاجسام يحكيه كاملا و بعضها لايحكيه كاملا و من الاجسام التي تحكيه كاملا الهواء فانه جسم لطيف صاف يحكي الصوت علي ما ينبغي و اما الماء مثلا فلانه جسم اغلظ من الهواء لايحكيه كما ينبغي بل يحكي بعض شؤن الصوت حتي ان شيخنا اعلي الله مقامه يقول ان في الماء يسمع الصوت و لايفهم الكلام و كان ابي اعلي الله مقامه يقول انه يفهم الكلام و ذلك مجرب و لعل شيخنا اعلي الله مقامه يريد انه لايفهم الكلام في مثل ما يعرف في الهواء و لا شك في انه لايمكن ذلك بداهة و كذلك يحكيه ساير الاجسام و لا شك انه كلما كان الجسم اصقل يحكيه احسن حتي انه ربما يستمع الصوت العالي بواسطة الارض من فراسخ [ص 116] كثيرة و ذلك ايضا مجرب و طريق الاستماع ان تحفر بئرا عميقا و تنزل فيه و تجعل اذنك علي طرف من البئر من جانب المقصود بحيث يكون الاذن متصلا بالتراب تستمع صوت المدافع و التفك و صوت حوافر الفروس و ربما يتبين ذلك من رأس فرسخ او ازيد اذا حفرت حفيرة و وضعت اذنك عليه يتبين لك الصوت .
فصل - في بيان حقيقة الصوت ، و قد كنت جاهلا بحقيقة تلك المسألة و سألت الله ان يعلمني ذلك حتي من علي بمعرفتها و اثبتها في المقام حتي يكون شكرا لنعمته . اعلم ان الصوت بنفسه مولود من مواليد عالم المثال كاللون و الضوء و الحرارة و البرودة و الحلاوة و المرورة و غير ذلك فان جميعها مثالي و ليس شئ منها من الدنيا و لكن الله سبحانه قدر ظهورها علي المواد الدنيوية و بعد ما ظهرت عليها تتبين لاهل عالم الاجسام و تدرك بالمشاعر الدنيوية و لولا المواد الدنيوية لماتدرك كما علمت ذلك في بيان النار و طريق استخراج جميعها من المواد واحد الا ان الصور مختلفة فالاصوات مواليد مثالية منبثة في جميع الاشياء و هي بالقوة فيها و لو كانت فعلية لكان كل شئ صاحب صوت فكان جميع الدنيا صوتا و اذا زاد و دام ينصدم به الروح كما جربت انه اذا طال الاصوات ينصدم الارواح و ذلك لان الله سبحانه خلق الارواح مجردة و ليس لها صورة خاصة من [ص 117] قبيل المدركات و ترد عليها مدركاتها من المدارك الخمسة واحدا بعد واحد بالارادة و لو دام واحد منها عليها لكسلت لميلها الي التجرد مع انه ليس صلاح الملك دوام الصوت فرب شئ يفسد بذلك و لاجل ذلك جعل الله الصوت في قوة المواليد و جعل لاستخراجها من القوة سببا و هو الحركة العنيفة بالقرع و الضغط و الصك فاذا حصل ذلك يحصل الصوت في الملك علي اي جسم استخرجته منه كالنار فانها تظهر علي كل جسم استخرجتها منه فاذا موجت الهواء به يتموج و يحمل الصوت و ليس شرطه التمويج مطلقا فانا ربما نسمع الصوت و لاندرك تمويجا بل ربما نسمع الصوت من امكنة بعيدة لايقبل العقل ان يكون ذلك بتمويج فانا ربما نسمع الصوت من رأس فراسخ و لايعقل تمويج الهواء من رأس فراسخ الي موضع الاستماع في دقايق الاتري انا نسمع صوت المدفع مثلا في رأس عشرين فرسخا و غاية طول وصول الصوت عشرين دقيقة (ظ) مثلا او اقل فاذا كان ذلك بتمويج الهواء كيف يمكن ذلك في هذه الدقايق القليلة و تري ان الريح العاصف هو اشد و اسرع من ضرب المدفع لعمومه و لايصل بهذه السرعة و وجه ما قلنا انه اشد ان المدفع و ان كان قويا الا ان غاية قوته تمويج ما يحاذيه و ما علي جانبه من الهواء الي مقام معلوم و انت تري انك تقوم مقابله في رأس الف ذراع و ربما لاتدرك [ص 118] تمويج الهواء مع ان درك التمويج من كيفيات تدرك باللمس و ربما يدرك بالعين اذا كان هباء غليظ و كيف لانري هذا التمويج مع انه يؤثر في عشرين فرسخا من جوانب المدفع فليكن ذلك اقوي من كل ريح و ليس هكذا سلمنا المدفع قوي يدفع بعنف فما تقول في صوت الانسان فانا ربما نسمع الصوت من رأس فرسخ مع انا لانشاهد تموج الهواء عند الصائت نفسه فليس اصل الصوت بالتمويج ، و ما تري في كلمات مشايخنا من ذكر التمويج لميريدوا منه ما اصطلح عليه بل ارادوا بيان اللفظ بحيث لايستوحش منه المستوحشون و بينوا مرادهم لاهله ان عرف و لسنا بصدد شرح التمويج و لكني اجمل القول انهم ارادوا من قولهم صورة التمويج و هو وصول الصوت الي كل جزء بعد الآخر و تكمله به بعد سابقه كما في الموج في البحر و الهواء بالريح نعم الصوت ابطأ سيرا من الضوء لان الضوء دهريته اكثر من الصوت كما ان الصوت اسرع من الروايح و الروايح اكثر سرعة من الطعوم او نقول ان الكل في عرض واحد الا ان المواد الدنيوية في حكايتها مختلفة لطبايعها فربما يتكمل المادة بشئ اسرع من غيره كما تري ان الخشب مثلا اطوع لصورة المحبرة من الحديد و الشمعة اطوع من الحجر فكل مادة تصلح لصورة خاصة اسرع من غيرها و ذلك لصورتها التي كسيت عليها لا من حيث [ص 119] نفسها و اما من حيث نفسها فتصلح لكل صورة بصلوح واحد و لذلك نقول ان الامكان صلوح مطلق لكل شئ و ليس فيه قرب و بعد فالمواد الدنيوية فيها القرب و البعد و الصور فيها علي الاختلاف فبعضها في القوة القريبة و بعضها في القوة البعيدة فالبعيد مثلا يصلح للتصور بالحروف و للتصور بصورة الكاغذ و القلم و لكن تصوره بصورة الحروف اقرب من تصوره بصورة الكاغذ و تصوره بصورة الكاغذ اقرب من تصوره بصورة القلم فالحروف في قوته القريبة و هما في قوته البعيدة و كذلك الامر بالنسبة الي الصوت و الطعم و الريح و اللون فاللون و الضوء في قوتها القريبة و لذا تري انه يستضيء كل شئ بمحض مقابلته للنير و لو كان علي رأس فراسخ كما تري ان الشمس تطلع و بمحض طلوعها يستضيء كل ما يواجهها نعم ربما يكون ذلك بفاصلة ثواني و اما الصوت فهو ابعد منه فربما يظهر الصوت في مجموع العالم من مبدأ واحد في ايام كما تري ان صوت المدفع يذهب كل فرسخ باقل من دقيقة و الرايحة ابعد منه و اغلظ و لذا تري ان الرايحة ربما تظهر في صحن واحد من مبدأ واحد بعد دقايق و لذلك لو اشتد ريح و عصف علي ذي الرايحة يوصلها اليك اسرع من سير نفسها فان الريح يضرب الهواء بعضه ببعض و تتكمل الاجزاء اسرع و بالجملة مرادنا بيان الصوت و وجه بطئه و قد ظهر ذلك [ص 120] و الحمد لله و ظهر ان وصوله ليس بالتمويج و اي بعد في ذلك كما نري في ساير المدركات ان جميعها بالتكميل من غير تمويج و نري الصوت في ساير الاجسام ايضا مع انه لايعقل فيها تمويج فانا نضع حديدة طويلة علي الاذن و نأمر الآخر بضرب رفيق علي رأسه الآخر و نستمع الصوت من هذا الرأس و اي تمويج فيه و نجعل خيطا طويلا و نشد رأسيه بشئ يقبل الصوت الحاد كجلد مشدود علي كأس تحته ثقبة و يتكلم احد في الكأس من الثقبة و يضع آخر الكأس الآخر من طرفه الآخر علي اذنه فيستمع الصوت و لو من رأس الف ذراع و اين التمويج هنا فلايشترط التمويج نعم العقول اذا استأنست بكلام ربما تستوحش من كلام مخالف له و ان كان مرادك الحق فلاتستوحش لا محالة و لاتنظر الي من قال كما هو عادة الرجال بل انظر الي ما قال فاقبله ان كان حقا علي خلاف دأب الناس فانهم يعزمون علي تصديق زيد و انكار من سواه فيقبلون منه و ان كان قوله كفرا و لايقبلون من غيره و ان كان ايمانا و ذلك من اضلال الشيطان فان قال قايل ان لميكن بالتمويج فلم نري ان القرع القوي او الصوت الرفيع يؤثر في اكثر مما يؤثر فيه القرع الضعيف و الصوت الحضيض كما نري ان المروحة مثلا اذا حركت بحركة عنيفة تموج الهواء اكثر و اشد منها اذا حركت ضعيفة اقول الصورة هكذا و الواقع علي خلافه [ص 121] فان الحركة العنيفة مكملة للتمويج مسلما و لكن ليس التمويج سبب ارتفاع الصوت او يكون هكذا و لكن ليس ذلك جاريا في كل مقام بل القرع مثلا من اسباب خروج الصوت من القوة و الصوت بنفسه لا حد له في الارتفاع و الانخفاض فان كان السبب قويا و المادة قابلة يرتفع و الا ينخفض كما تري ان الرايحة ان كانت قوية تكمل ما يلاصقها اكثر و الا فاقل كما تري ايضا ان سبب خروج النار من القوة الحركة فان كانت الحركة شديدة تخرج النار كاملة قوية و الا ربما تخرج نار ضعيفة فانك اذا اوريت النار من الزناد بالقدحة اذا حككت الزناد قويا يخرج شرارات كثيرة تشتعل بها ما اعددته لحفظ النار و الا فلا و كذلك القرع ان كان قويا يتكمل الهواء او جسم آخر قويا بحيث يصير كاملا في الصوت فيكمل غيره و الا فلا و ان قلت لو لميكن بتمويج الهواء فلم نري ان الهواء اذا تموج بريح عاصف يمنع وصول الصوت اقول اما اولا فلانمنع التمويج مطلقا بل اقول انه لايكون جاريا في كل مقام و علي الفرض نقول ان الحامل للصوت من اصل الفم هو الهواء المستخرج من الرية بالنفس فاذا خرج من الفم ربما يحمله الريح و يفرقه و يمنع من ان يكمل هواء غيره و ربما يكمل هواء آخر و يحركه الريح الي جانب آخر و لذا تسمع الصوت من جانب مضي الريح لا من جانب مجيئه و يفرق الحامل سريعا ان كان قويا و الا فلا فمجمل [ص 122] القول ان الصوت مثالي و يحمله الاجسام الدنيوية ايا كان الا انها متفاوتة في الحكاية كما في ساير الاشياء .
فصل - اعلم ان الصوت و ان كان مولودا مثاليا الا ان المثاليات ظهورها في الدنيويات فلو لميخلق الدنيا فلا مثال و تشخصها ايضا في الدنيا لا في عالم المثال و ما سمعت من ان الشخصيات اسفل المثال فالمراد من اسفله ما يري علي الاجسام السفلية كما سمعت مشايخنا (اع) ان الصورة في المرآة من هورقليا و كذلك كل صورة علي كل جسم حتي السواد في المداد و البياض في القرطاس و الطول في القلم حتي صورة الحروف فاذا نظرت اليها مع قطع النظر عن المواد تري صورا شخصية و لكن الشخصية من المواد و ليس فوقها الا مطلقاتها فالصوت المثالي صوت مطلق و ليس فيه قرع و قمع و ضغط و صك و لا ارتفاع و لا انخفاض و لا ثقل و لا حدة و لا تصور بصورة كلام و لا غير ذلك بل هو فعل فاعل و اثر مؤثر و ظهور ذلك في المادة كما مر في النار حرفا بحرف ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و ما امرنا الا واحدة و ادلة ذلك واضحة ان شاء الله و بعد ما ظهر علي المادة بتكميل المكمل يختص فيها و تسمي تلك المادة باسمها كما هو العادة في ساير الصور فانك تسمي الجسم الذي تصور بصورة السيلان مع البرودة و الرطوبة ماءا مع ان الماء عنصر مثالي و الظاهر بالنارية نارا الاتري انك [ص 123] تسمي الدخان المشتعل نارا مع انه مادة دنيوية و كذلك ساير الاشياء و منها الصوت فالهواء او غيره اذا ظهر عليه الصوت يكون صوتا مع ان الصوت بنفسه من عالم المثال فاذا ظهر علي الهواء تقول هذا صوت مع انه هواء مصوت و كذلك اذا ظهر علي الخشب او الجدار او الماء بلا فرق و معني الصوت في الدنيا ذلك كما ان معني الطويل الجسم الذي ظهر عليه الطول و الطول ايضا ما تراه علي الطويل فمعني الطول ايضا ذلك و معني العريض الجسم المتعرض و معني العرض ايضا ذلك و فوقه لا طول و لا عرض الا علي ما يليق بعالم المثال و كذلك معني العرش ما ظهر علي هذا الدخان الاطلس و معني الكرسي ذلك فالخبز اسم للمأكول و الماء اسم للمشروب و ليس لك ان تقول ان ما اشربه و آكله جسم تصور بذلك و هو غير الماء و الخبز و هما مثاليان و المثالي لايؤكل فان جميع ذلك كلام الجهال و الامام بين لك في حديث هشام فالخبز اسم لما تأكله و الماء لما تشربه و السراج لما تستضيء به و الرايحة لما تشمه و الصوت لما تسمعه فافهم ذلك فبها تناضل اعداءهم و تكسر صفوفهم و لاتكترث بالوفهم و الحمد لله الذي عرفنا معني كلامهم فهذا الجسم الذي حمل الصوت هو الصوت و قبل ذلك لميكن ظاهرا علي هذا الجسم بل كان في قوته و كان الظاهر صورة عدم الصوت و الآن قد ظهر عليه فصار كانسان مصوت فانك قبل ذلك لمتتكلم فلميخرج الهواء من فيك [ص 124] صوتيا بل كان سكوتيا و الآن خرج مصوتا و كذلك الهواء كان ساكتا و بعد ما جعلته كلاما صار صائتا متكلما فهو هو نفس بيانك و قولك و بعد ما كملته صار مثلك في البيان و لايقوم بك بعد فاذا مت فورا ربما نسمع كلامك بعد موتك كما نسمع صوت المدفع بعد اندفاعه و ذلك لان الحامل بنفسه صار مدفعا ذا صوت نعم يسكت الجسم بعد التكمل بآنات لان صوته ليس من اصل خلقته بل من مكمل خارجي و اذا لميكمل ثانيا يرجع الي حالته الاصلية كما ان الحجر ساكن لا حراك له فبعد ما حركته يتحرك ما دام بقاء حرارة يدك فيه و بعد ما برد يسكن كما ان الهواء يستضيء بالسراج و ليس الضوء من نفسه و بعد ما رفع السراج يخمد الهواء و يظطلم مثل ما شاهدت في المنافقين انهم آمنوا بظاهرهم و كان ايمانهم من النبي صلي الله عليه و آله و بعد ما قبضه الله اليه رجعوا الي نفاقهم و ظلمتهم و كذلك الامر في الصوت الظاهر في الهواء و ساير الاجسام فما دام بقاء المكمل تتكمل و ربما يبقي الصوت بعده في دقايق ثم ان الهواء بنفسه بعد ما تكمل يكون صائتا فان الصائت هو الشئ ذو الصوت و تري انه جسم ذو صوت و هو الصائت فافهم ذلك انشاء الله و كل جسم تكمل من هذا الجسم ايضا يصير صائتا و ذا صوت و صوتا و ذلك باختلاف الانظار و الدرجات و شرحه من علم اعلي و ليس هنا محل ذكره و شرحه و من الاجسام التي تتكمل [ص 125] به الهواء المحتقن في الاذن و الغضروف العميق في ظاهر الاذن و الغضروف الشبيه باللولب فان جميع ذلك تصير صاحبة الصوت بمعني انها بنفسها تصير مصوتة و يصل هكذا الي العصب المفروش علي ما مضي تشريحه سابقا فيصير بنفسه صاحب صوت في مثل الهواء المصوت و الجسم المصوت في مثل نفس خرج من الرية علي صورة الصوت و الحروف بلا فرق بوجه من الوجوه الا في انه اول متكمل و الهواء المتكمل اولا ثاني متكمل و هكذا حتي وصل الي عصبة الاذن فجميع الاجسام المتكملة كلها صاحبة الاصوات و اعلم انه لا فرق بين الاجسام الغليظة و الرقيقة بعد ما عرفت ان الصوت ليس بالتمويج و كذلك ليس من شرطه لطافة الحامل فكما ان الحامل اللطيف يصير صاحب صوت كذلك الكثيف قابل لذلك بل الجسم الغليظ المتلزز اولي لايصال الصوت لان الهواء منبث لطيف فلاجل انبثاثه و تفرق اجزائه يفرق الصوت بخلاف المتلزز فانه لايفرق الصوت و لاجل لطافته يكون سريع القبول فبعد التكمل بالصوت يتكمل بشئ آخر يخالف الصوت فان كل سريع القبول في الملك سريع الانتقال فينتقل من تلك الصورة الي صورة اخري و اذا كان كثيفا لايكون سريع الانتقال فاذا تكمل بشئ لايدفعه عن نفسه سريعا و لذلك يكون الارواح الغليظة اليابسة كثيرة الحفظ فانه اذا نقش عليها شئ لايمحي عنها الا بعد مدد كثيرة و لذلك [ص 126] نقول ان الهواء اللطيف اقرب من العفونة من الهواء الكثيف علي خلاف ما يزعمه الناس و لذلك نهي في الشرع عن السواك في الحمام فان الفم اذا تطهر يتلطف فيؤثر فيه هواء الحمام فيتعفن و بالجملة فكلما كان الجسم اغلظ و اكثف و الز يكون ابعد عن الاختلاف و لذلك اذا كان الهواء حاملا للصوت يضعف صوته شيئا فشيئا حتي يفني لانتشاره و اثر الرياح و الابخرة فيه بل اثر ساير الاصوات ايضا كهمهمة الناس و اصوات الحيوانات و اصوات الاقدام و غير ذلك مما يمنع من ايصال الصوت الي مكان بعيد و لذلك تري ان الصوت بالليل حين فراغ الناس و نومهم يسمع من مكان لايسمع منه الصوت باليوم و ربما يكون ذلك من لطافة الهواء ايضا و النسيم و بالجملة لا شك ان الجسم الغليظ يحمل الصوت الي طريق ابعد بل اذا صنعت مفتولا من حديد كالتلغراف و مددته الي طريق بعيد و دبرت اسبابا للتكلم مثل ما ذكرنا سابقا في امر الخيط او غيره ربما يحمل الكلام الي طريق بعيد بحيث تستمع صوت المتكلم و يتبين كلامه و الهواء لايحمل هكذا و قد قلنا سابقا انه يمكن استراق السمع من منازل بعيدة و تحمل الجسم الغليظ للصوت كالهواء بلا فرق في ذلك و الصوت ليس شئ ينافيه الاجسام كما ان الحرارة ليست شيئا ينافيه الاجسام كالنور فانه ليس بشئ ينافيه [ص 127] الاجسام بل الكل صور مثالية بل دهرية تظهر علي الاجسام بلا فرق و ذلك مما من الله علي عبده الاثيم محمد بن كريم من غير استحقاق مني و له الحمد علي ذلك .
فصل - اذا خرج الصوت من الفم يكمل الهواء من جميع جوانبه الا ان المقابل يتكمل اكثر مما عن خلف المتكلم و عن جوانبه و بعد تكمل الهواء يذهب ذاهبا الي ما شاء الله و يتكمل به اذن الصائت نفسه فيسمع الصوت و اذا وصل في الاثناء الي جسم غليظ يتكمل به ايضا و اذا كان جبلا او سقفا مرفوعا جوانبه محتبسة يتكمل بالصوت و يرجع منه و يتكمل به الطرف الآخر و يرجع منه و يتكمل به الطرف الآخر فيرتفع الصوت اكثر مما كان في الهواء و ذلك كسراج وضعته في بيت مجصص مثلا بتعاكس الانوار يكثر النور لامحة اكثر مما يظهر في الهواء في صحن البيت و ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و ما امرنا الا واحدة فافهم ذلك و كل ما كان الشئ اصقل يكثر فيه الصوت فان الاجزاء المتلززة احكي للصوت من الاجزاء المتخلخلة و لذلك تري ان الجبل المتحجر يرتفع فيه الصوت اكثر من التلال .
فصل - بعد ما حصل الصوت و ظهر علي المادة الجسمانية و اشتعل به دخان قابلية الهواء المحتبس في ثقبة الاذن يصل الي العصبة المفروشة و هي حية بحيوة الروح فان الروح ايضا مثالي [ص 128] و بعد ما وجد قابلية صالحة له تعلق بها ايا كان بخارا او عصبا او لحما او شيئا آخر الا ان بعض الاجسام اصلح لحكاية الروح و بعد ما ظهر عليه يظهر كاملا كالبخار مثلا فانه قد حكي اغلب صفات الروح و بعضها ناقص فلايحكي الا صفة واحدة و قد مر بيان ذلك في شرح النار و ظهورها علي الاجسام و العصبة من الاجسام التي تحكي الروح و الحيوة الا انه ظهر فيها بعض كمالاته الظاهرة و كل عصبة ايضا موضوعة في مكان و عضو خاص و علي حسبه اختلف مزاجها و حالتها فاختلف ادراكاتها و احساساتها الا انها هي الحساسة المطلقة فالعصبة التي في العين علي مزاج المبصرات و قد جعل لها اسباب الرؤية فتحس المرئيات و العصبة التي في الاذن علي مزاج المسموعات لانها في الاذن السامعة فتحس المسموعات فبعد ما وصل اليها الصوت تشتعل بالصوت اي تصير صائتة كما قلنا في ساير الاجسام بلا فرق اما ساير الاجسام فليس لها احساس لانها لا روح لها و اما تلك العصبة فهي حية بالروح و الروح واجد لنفسه و بعد ما صار ذا صوت يكون ايضا واجدا لنفسه فيجد نفسه صوتا و هذا معني الادراك لا غير و ان قيل ان العصبة لاتكون دراكة و لكنها ايضا من الاسباب و السامعة هي الروح من ورائها اقول هذا كلام حق و قول صدق و قد ذكره مشايخي اعلي الله مقامهم و لكن لايعلم سرهم كل احد و الحمد لله الذي عرفني بعض ذلك من [ص 129] بركات ابي اذ وعدني ان يلقي الي ما يبرئ العليل و يروي الغليل فاقول ماذا تفهم من كلامهم هل تقول انهم ارادوا ان الروح البخاري كالبخار محتقن وراء تلك العصبة جالس هنا ينتظر صوتا و كل ما وصل الي العصبة يكون بمنزلة دق الباب من وراء باب و هو كالجالس من وراء الباب يستمع الصوت او تقول ان البخار في تلك العصبة كالماء في الكوز حاشا ان يكون شئ من ذلك فان الروح البخاري لايقوم في مقام و لايحتبس في عضو بل هو في جميع الاعضاء بل قال ابي ان محدب كرة الروح البخاري مماس لمحدب كرة البدن العنصري الجسماني فكيف يحتقن في مقام و كذلك اذا كان قايما من وراء العصبة فهو خارج من العصبة فحيوة العصبة بما هي و لا شك انها حية لامسة و اذا كان الروح خارجا لاتحيي به مسلما و كذلك الامر في ساير الاعضاء فان الروح ان كان خارجا منها لاتكاد تحيي به من غير شك و كذلك ان قلت انه نافذ كالماء في الكوز اقول يلزم من ذلك ان يكون البدن ككوز جعل فيه الروح و الروح غيره خارج عنه الا انه نفذ في اعضائه فيكون الروح في جنب الجسد الا ان في جنب كل ذرة روح فكيف يحيي تلك الذرة بالروح الخارج عنه فتدبر فان الذرة ميتة طبعا و الروح حي طبعا و لايكون ذلك الا كأن يتصل ببدنك حجر او غيره و لايحيي هو باتصاله بك فافهم فانه دقيق مع ان الروح بنفسه مثالي و البخار ايضا [ص 130] صعد من تلك العرصة و صار قريبا من المثاليات كما تري في الافلاك فانها و ان كانت دخانا كما قال الله تعالي ثم استوي الي السماء و هي دخان الا انها صارت من اللطافة آية المثال و لذا تكون نافذة في كل جسم و ان لمتر الافلاك حتي تعرف نفوذها رأيت النار و هي اغلظ من الافلاك بمراتب انظر نفوذها كيف تنفذ في الاجسام الصقيلة كالماس و نحوه و ليس نفوذها فيها كنفوذ الماء في الكوز بل تنفذ في كل ذرة ذرة و ذلك مشاهد و نفوذ الفلك اكثر من ذلك سبعين مرة و يكفي انا لانعد النار اي النار الظاهرة من المثاليات بل نعدها من العناصر الدنيوية و نعد الافلاك مثالية فهي انفذ من جميع السفليات و الروح البخاري من سنخها فينفذ في كل عصبة و عرق و لحم و جلد و غير ذلك حتي انه ينفذ في العظام فلايبقي وراء شئ بل كل ما اتصل بالبدن ينفذ فيه ايضا و لذلك يتحرك بحركة البدن كل ما اتصل به و يحس الروح كل ما اتصل بالشئ كما انه اذا وقع عصاك علي الحجر تحس بذلك الا ان العصا لايحس و عصب يدك تحس به لاجل اتصاله بالعصا فاذا كان الروح نافذا في العصب يكون العصب بمنزلة الدخان المشتعل بالنار يعني انه يصير روحا كما ان الدخان يصير نارا فان الدخان بنفسه من فسحة وجود النار و قد صعد و لطف حتي ظهر فيه نور النار و كذلك العصب اسفل الروح فبعد ما لطف ظهر فيه [ص 131] الروح اكثر و ذلك سر لايحتمله القشريون منا و لكن يعرفه الخصيصون و ان اردت معرفة ذلك فانظر في الرسالة الشريفة المهدوية لابي (اع) تعرف حقيقة تلك المسألة فلايضرنا ان نقول ان العصب روح جسماني كما نقول ان الروح جسم روحاني و الروح الجسماني يتحصص و يتخصص كما تري في ارواح الحشرات بخلاف الروح اللطيف فلذلك ربما تسمع من اذنين صوتين و لكن سماعا مبهما لاتعرف حقيقته لان الروح اللطيف وحداني التوجه و ما لميتمحض في شئ لايدركه فلاتعرف حقيقة ما سمعته و لكن العصبة غليظة يجوز تخصصه فيسمع صوتين و لانمنع الرؤية هكذا ايضا من عينين كما مر الاشارة اليها و لكن لايعرف الروح حقيقته .
فصل - بعد ما احس العصبة بالصوت تؤديه الي الروح و اداؤه الي الروح ليس بارساله شيئا الي شئ بل يدرك الروح فيها و منها و بها و هو وحداني مثالي فالروح الذي تعلق بالاسفل هو عين ما تعلق بالاعلي و ما تعلق بالاعلي عين ما تعلق بالاسفل الا انه في الجسد خاص كما مر الاشارة اليه فلايسمع الا في السمع و لايري الا في العين و لكنه لما سمع في الاذن و انصبغ بصبغه يؤثر في جميع البدن بمقتضي ما سمعه كما هو مجرب و ليس ذلك الا لوحدة الروح فينظر بمقتضي ما سمعه و يري ما يتعلق به و يمشي بمقتضي ذلك و يذوق بمقتضي ذلك و هكذا و مثال [ص 132] ذلك واضح لمريده و قد اجملت الكلام لخوفي من فرعون و ملأه بالجملة بعد ما انصبغ يظهر اثره في جميع البدن و يشتعل بالصوت الروح البخاري نفسه في اعالي الدرجات علي حسبها حتي يؤديه الي المشاعر البرزخية و وجه الاداء نفوذه في جميع البدن و حيوة البدن به و تعلق الروح بالجميع لا غير فافهم ذلك ان شاء الله .
فصل - في صفة المنخرين و آلة الشم . اعلم ان المنخرين هما هذان المجريان الظاهران في الانف و يحجز جسم غضروفي كل واحد من هذين المجريين و اذا صار الي فوق وسط الانف انقسم بقسمين يمر احدهما علي تأريب الي اقصي الفم و يمر الآخر صاعدا حتي ينتهي الي العظام الشبيهة بالمصافي التي من وراء الام الجافية التي يجري فيها الفضول المخاطية من الدماغ الي المنخرين و لسنا بصدد شرحها و بيانها و هذه المجاري الصاعدة الي فوق المنحدرة الي الفم ملبسة بغشاء غليظ منشاؤه من اللباس الذي يكون داخل الفم و الحنك و الحنجرة و قصبة الرية و اعلي المري و كانت الحاجة الي هذه المجاري لمنفعتين احديهما و هي اعظمهما التنفس و استنشاق الرياح و الروايح و الثانية بسبب خروج الفضول الغليظة المنحدرة من الدماغ التي هي المخاط و جعلت المجريان المنحدران من الانف الي الفم [ص 133] في اعلاه علي تأريب و لميجعل من اسفل محاذيا للرية لئلايصل الهواء البارد في بعض الاوقات قصبة الرية فيقرعها و لئلايدخل مع الهواء المستنشق شئ من الاجسام الغليظة اليها مثل الغبار و الرماد و ما اشبه ذلك فيصل الي قصبة الرية فيؤذيها بل يقف في تعاريج المجري و يلتصق بالرطوبات المجتمعة فيه و ظن قوم ان الآلة التي بها يكون حاسة الشم هما هذان المجريان الظاهران في الانف اعني المنخرين لما عاينوا انه متي سدوا الانف لميحسوا بشئ من الروايح و متي فتحوا الانف و استنشقوا الهواء احسوا بالرايحة علي المكان و ليس الامر كذلك و انما المجريان طريقان لسلوك المشمومات الي البطنين المقدمين من بطون الدماغ و قيل ان الآلة الاولي لحاسة الشم طريقا البطنين المقدمين من بطون الدماغ و هما زايدتان شبيهتان بحلمتي الثدي ينتهيان عند العظام الشبيهة بالمصافي و هناك الام الغليظ من امي الدماغ مثقبة و في طرفي هاتين الزايدتين ثقبان ينفذان الي بطون الدماغ و لسنا بصدد بيان جميع اعضاء الانف بل ذلك مختص بعلم التشريح و اطباؤنا و مشرحوا الافرنج قد اطنبوا القول فيه و لا حاجة لنا في البيان و لكن المراد محض بيان آلة الشم .
فصل - الاستشمام هو الاستنشاق و هو التنفس و الله سبحانه قد جعل الرية مروحة للقلب لان القلب حار مفرط و يحتاج [ص 134] دايما الي التبريد و الرية حية بحيوة الروح و متحركة بالحركة القبضية و البسطية فتجذب الهواء الي نفسها و تنبسط و تدفعها فتنقبض و بتلك الحركة تبرد القلب فاذا جذب الهواء الي نفسه و الهواء متكمل بالرايحة يصل الي تلك الحلمة فتحس بالرايحة .
فصل - اعلم ان الرايحة كيفية يحدثها ذو الرايحة في الجسم و لما جري عادة الخلق بالاستنشاق من الهواء و فيه و لا بد منه و لايستنشق من غير هواء ربما يذكر الحكماء الهواء لا غير فيقولون كيفية تحدثها ذوا الرايحة في الهواء و الا فربما يؤثر ذو الرايحة في غير الهواء فتحدث في الماء و التراب و ساير الاجسام ايضا نعم الانسان يعرف الرايحة بالهواء لانه يعرفها بالاستنشاق و الاستنشاق من الهواء فاذا تكيف جسم آخر ايضا بها تعرفها منه باستنشاق الهواء الملاصق لا محالة و لكن الكلام في معرفة حقيقة ذلك فاعلم ان الرايحة ايضا من الكيفيات المثالية و حالها مثل الصوت و اللون و غيرهما و اذا صلح جسم لها تظهر عليه و يصير صاحب الرايحة و بعد ذلك كل ما اتصل بهذا الجسم ذي الرايحة من الاجسام يتكمل منه بها علي حسبه فانها في قوة جميع الاجسام كما يدل عليه الكتاب و السنة و لكن الموانع و الاعراض حجبتها فصارت خفية فان بناء خلق الله في عالم الشهادة علي المدركات الخمسة لانه ركبها في الانسان الذي هو العلة الغائية و الغاية الموجودة الشخصية و الجامع لما سبق و استقبل [ص 135] و لكن ساير المواليد لنقصانها ربما تحكي بعضا و لاتحكي بعضا كما تري ان الانسان جامع للافلاك و العناصر و لكن ساير المواليد كل منها يحكي بعضا و لكن الباقي في قوته لئلاينقص خلق الله و لو كان شئ غير صالح لشئ و لو بالصلوح البعيد لنقص خلق الله و اما ما سمعت في العالم العلوي عن الامام عليه السلام انه صور عالية عن المواد خالية عن القوة و الاستعداد فله معنيان في ما نعرف احدهما انه من المواليد الامكانية و في غيبها الامكان و هو صالح لكل شئ لامحالة و لكن المراد انه صور عالية عن المواد الدنيوية خالية عن القوة و الاستعداد اي ختم لها بما ختم و لاتتغير و لاتتبدل و الثاني و هو ابطن من ذلك و مخصوص باهل الحكمة انه قد صار فيها بالفعل جميع ما لها و بها فلا قوة لها بعد لان القوة من العرض و هي فوقها و تحكي كمال الله و جماله جل و عز فافهم و بالجملة فالمواليد الدنيوية في قوتها جميع الظواهر و البواطن و تظهر بعضها بالفعل و من تلك القوي الرايحة فبعضها يملكها بالفعل و بعضها تكون فيه بالقوة و لانريد من ذلك انه يكون جسم و لا رايحة له بوجه من الوجوه فان جميع الاجسام لها روايح حتي العلويات غاية الامر ان رايحة كل شئ بحسبه و اخطأ من زعم ان شرط الرايحة الهواء فان شرط استشمامها بالخيشوم الهواء و الا فالجنة اطيب شئ ريحا و لا [ص 136] هواء هنا و تري في الاخبار ما ورد في روايح بعض الاشياء من ثمار الجنة و حورها و غير ذلك و كلام الائمة صلوات الله عليهم صدق و قولهم حق و لكن الناس اكثرهم لايعقلون الحقايق و يعلمون ظاهرا من الحيوة الدنيا و هم عن الآخرة غافلون و لكن المسلم لامرهم و المصدق لقولهم يعرف جميع ذلك و بالجملة كل جسم ذو رايحة ما و لكن الكلام في الروايح التي يستشمها الانسان و يعرفها و هي ايضا في قوة كل جسم و بعد ما صارت بالفعل في جسم تؤثر في غيره كما يؤثر الاكسير في غيره فان الذهبية في قوة كل معدن و لكن صارت بالقوة في جميعها الا الذهب لاعراض دنيوية و الاكسير خلق لمنع الاغيار و تكميل المختار فيكمل الذهبية المستجنة في الحديد مثلا بمنع الاعراض و تكميل النقايص التي نقصه عن الذهب فيصير ذهبا بلا كلفة و كذلك حال الرايحة فان المسك اكسير رايحته و باصطلاح الاطباء ترياق في تلك الخاصية فكل ما اتصل بجسم يكيفه بتلك الكيفية و يستخرجه من كمونه فيصير مسكا فان المسك مسك بتلك الرايحة الطيبة فبعد ما ظهر في كل جسم يصير مسكا في رايحته و يحدث هو ايضا ريحا في مثل ريح المسك نعم الاجسام متفاوتة فبعضها يتكمل بحيث يخرج من كمونه تلك الرايحة فيصير بنفسه صاحب الرايحة و بعضها ليس هكذا بل يكون الرايحة لها بمنزلة صبغ علي ظاهرها و بعد ما رفع [ص 137] ذو الرايحة يصير مثل اوله صاحب القوة كما تري في تكميل المعدن فربما يخرج الذهبية من كمون الشئ فيصير ذهبا فيزول الجبال و لايزول و ربما ينصبغ ظاهره و لايتغير باطنه و هو و ان كان بلون الذهب و يسمي عند الجاهل ذهبا و لكنه يتغير عما هو عليه عن قليل بعرض جزئي و ذلك واضح و لايحتاج الي زيادة بيان و كذلك الامر في الروايح فان الهواء مثلا لطيف و لذلك يكون سريع القبول و الانتقال فبعد ما لاصق المسك يتكيف بكيفيته فورا و كل ما فارقه يتغير عن حاله لانه يتغير بمغير آخر و ذلك بتفاوت المواضع و الحالات و الفصول فربما يبقي الرايحة في الهواء ساعات اذا كان محتقنا في مكان و ربما لايبقي دقيقة اذا عصف ريح لانها تفرقه و ذلك واضح للحكيم انشاء الله و اما الماء مثلا فانه اغلظ فهو ابطأ انتقالا فلايتغير مثل الهواء فيتكمل بعيدا و لذلك يبقي الرايحة عليه في مدة مديدة و اغلظ منه الاجسام اليابسة فانها تتكمل بعيدا و ربما يبقي بعض الروايح فيها دايما و ذلك لقلة مطاوعتها للمكملات و قد جربنا ان رايحة المسك بقيت في ميزان من الشبه المصنوع في اكثر من عشر سنين و في حديدة شق بها جلد المسك سنوات كثيرة مع انه كان يستعمل لوزن العقاقير العفنة و ليس ذلك الا بالتكميل و اخطأ من زعم انه بانتشار اجزاء من المشموم فانه لايبقي اجزاء المسك في سنوات علي الشئ سيما الشئ [ص 138] المستعمل الذي يستعمل دايما و يغسل بالماء هذا و لو كان هكذا للزم ان يفني الشئ ذو الرايحة بعد مدة و ليس هكذا اذ قد جربنا ان المسك يفوح و هو في زجاجة مشدودة الرأس و لايعقل استخراج ذرات منه من تلك الزجاجة هذا و ربما يبقي الرايحة في تلك الزجاجة و لو غسلت بالماء مرات و لايشك في ذلك عاقل ابدا فكيف يبقي فيها الذرات و بالجملة ذلك كلام صدر عنهم عن غفلة نعم يمكن ان يستشم شئ بذلك اذا كان جسما لطيفا ينتشر في الهواء ربما يصل اجزاؤه الي حلمة الانف و استشمه او صب في الانف شئ ربما يستشم و لانمنع ذلك فافهم و تدبر فان ما اذكره في تلك الرسالة بعيد عن الذهن و لكن من كان مأنوسا بكلام مشايخي يعرف حقيقته و لايستغربه انشاء الله .
فصل - بعد ما تكيف الهواء بالرايحة و انت تستنشق من الهواء يدخل الهواء الخيشوم و يصل الحلمتين و هما عصبيتان كما في كتب اطبائنا و قال بعض مشرحي الافرنج انه قد نبت عصبة من مقدم الدماغ و لها ثلثة اصول و في قاعدة الدماغ اتت مع زوجها الي القدام حتي انتهت (ظ) الي العظم المصفاتي فحصل لها بعض العظام و سمي ببصل الشامة و نبت من هذا البصل شعب دقاق نفذت في ثقب العظام المصفاتية و فرشت الغشاء المخاطي في الانف و يدرك هنا الروايح و ليس ذلك ببعيد [ص 139] لانك قد عرفت سابقا ان العصبة هي حساسة الا ان الحلمتين ايضا عصبيتان و لكن الطبع ربما يعرف انه يحس الرايحة قبل الحلمتين بل ربما يحس حدة الرايحة في جوف المنخر من اسفل و ان قلنا انه يحس هنا اولي من ان نقول انه يصل الرايحة الاعلي ثم يتأثر الاسفل من الاعلي فان التأثر ايضا ليس الا بادراك الرايحة و لايدرك شئ الرايحة الا اذا كان مناسبا لها فاذا كان الاعصاب الدماغية كلها حساسة و فرشت في الانف تحس لا محالة اذ لا مانع فالعصب اسفله و اعلاه غليظة و كثيفة كلها حساس فلايضرنا ان نقول ان العصبة المفروشة تحس فانها حية بحيوة الروح فبعد ما وصل اليها الرايحة و هي من سنخ الاجسام تكيف بكيفيتها كما يتكيف ساير الاجسام بلا فرق فكأنها تصير جسما ذا رايحة و الروح من ورائها محيطة و هي حيوة صرف و تنصبغ بهذا الصبغ اي تصير ذا رايحة و هي واجدة لنفسها دايما فيجد نفسها ذات رايحة فان كانت طيبة اي مناسبة لها تلتذ منها و ان كانت كريهة اي منافرة لها تتألم منها و علم الروايح ايضا علم مشكل مفصل ينبغي ان يكتب فيها كتاب خاص و لايمكن بسطها في تلك الرسالة و القول في الروح عين ما مر سابقا فان الروح واحد من عند واحد لا اختلاف فيه و الاختلاف من عند الاجسام فالروح في بطن الحلمة او العصبة المفروشة و منها و بها شامة و الشم صفتها و الشام اسمها لا غير فلاتشم الا هنا و ما تري بعد ذلك فيها [ص 140] هو تخيل الشم و الرايحة و يأتي بعد ذلك شرحه انشاء الله لا انه يستشم شيئا في غير الانف فافهم وفقنا الله و اياك علي الفهم انشاء الله .
المشعر الرابع - في الذوق و هو اغلظ من الشم كما ان الشم اغلظ من السمع كما هو اغلظ من الابصار و فيه ايضا فصول :
فصل - في معرفة آلة الذوق و اللسان . اعلم ان اللسان عضو عضلي مخروطي الشكل وقع في قاعدة فضاء الفم و له قاعدة و نقطة قاعدته متصلة بالعظم اللامي و علي السطح الفوقاني منه تحدبات من ثأليل تسمي بثؤلول اللسان و قيل منها القوة الذائقة و فيها و هي ثلثة اقسام بعضها وقع خلف اللسان كالمثلث و هي عشرة او اربعةعشر و بعضها دقيق الاصل و عريض الفرع كالكمأ و بعضها مخروطي الشكل مع الصغر و اما آلة الذوق علي الواقع فاعلم ان الله سبحانه قد انبت من الدماغ من الاعصاب ازواجا متعددة و انفذها في الاعضاء و لكل واحد منها خاصية و من تلك الازواج زوج عصب لللسان و الحلق نبت من قريب الزوج الثامن و هما العصبتان المختصتان بالسامعة و بعد ما نبتا من قربهما لازما الوداج و خرجا من ثقبته و بعد الخروج حصل لها العظم و انقسما بثلث شعب فنفذ شعبة في الحلق و شعبة في اصل اللسان و هي التي اختصت بالذوق [ص 141] و يحتمل ان يكون لساير الاعصاب ايضا مدخل في الذوق منها ما اتي من الذقن و فرش علي الثأليل و النقاط و يكفي هذا البيان في تشريح آلة الذوق اذ اتينا علي المراد و اعلم ان جميع الفم اسباب الذوق غاية الامر ان بعض اجزاء الفم اسباب الايصال و بعضها اسباب الادراك كاللعاب مثلا فانه من اسباب الايصال و اصل اللسان و هو من الاسباب و اصل الفم من حيث الصورة كما ان جميع العين اسباب الرؤية و جميع السمع اسباب الاستماع و جميع الخيشوم اسباب الاستشمام .
فصل - في تعريف المذوقات . اعلم ان الطعم كيفية يحدثها ذو الطعم في الاجسام و اذا احدثها في لعاب الفم و وصل الي الروح النافذ في اللسان يسمي ذوقا و فعل النفس المجسم في اللسان يسمي ذائقا و ذلك كما قال الحكماء و اعترف به مشايخنا بان الرطوبة التي في الفم تخالل الجسم فينحل الجسم فيها فيكيف الرطوبة بكيفيته او تمازجه و يسيل فيها و يرق فتدخل في مسامات اللسان فتدركه الذائقة و اما انا فاقول يمكن الذوق بمثل الذي يذكرون و لكن ربما نجد الطعم في شئ لايحكم العقل بذوبه فانا نجد الطعم من الفضة و النحاس و الاسرب و العقل و ان حكم بذوب بعض الكثافات منها اول مرة و لكن يحكم حينا بعدم انحلال شئ منها و نجد من الشعير و الحنطة طعما مع انه ربما لاينحل شئ منهما في الفم و امثال ذلك كثيرة و ربما نجد الطعم [ص 142] من اشياء و ربما يزعم الانسان انحلال شئ منها و لكن يحكم الدليل بعدم انحلال شئ منها فانا نجد للقطن طعما و للقرطاس طعما و لو انحل منهما شئ للزم من لحسهما فناؤهما و لايفني فالاحري ان نقول ان الذوق ايضا كيفية تحدث في الاجسام من اثر ذي الطعم و بعد ما ظهر اثره في لعاب الفم يؤثر في اللسان او ينفذ في مساماته و يؤثر في العصب فيصير ذا طعم و لانمنع ان يذوب شئ في لعاب الفم و ينفذ في اللسان و لكن مرجعه ايضا الي ذلك و الطعم ايضا من المثاليات و يظهر في الاجسام غاية الامر انه اغلظ من الرايحة فان الرايحة تظهر من شئ آخر بالمجاورة بخلاف الطعم و ذلك لغلظته او لعدم صلاحية الاجسام للانفعال به لبعده عن قويها في الجملة و بالجملة يصل الطعم العصب او الغدد و هي حية فتصير بنفسها ذا طعم و يظهر الروح في مرآتها بهذا الطعم و لانحتاج بعد ان نقول ان الاذواق مختلفة فيدرك الروح الحلو مثلا بنحو و المر بنحو آخر فان هذا القول ينشاؤ من عدم الاطلاع علي الحقايق و النظر من الاسفل فانهم عن الآخرة غافلون بل الذوق بنحو واحد و هو تكيف العصب لا غير و لانمنع ان يؤثر المطعومات في الفم انواع التأثيرات فالفم يتأثر من الحلو بنحو و من المر بنحو و من العفص بنحو و هكذا و ذلك بالانقباض و الانبساط فان بعض الطعوم يجذب اعضاء اللسان و يلدغها و بعضها يبسطها و لكل [ص 143] وجه و حكمة ينبغي ان يكتب في ذلك كتاب خاص فان الذايق هو العصب لا اللحم و العصب حالاته في الواقع تتغير بالتكيف لا بتغيير الحجم و اذا صار حلوا مثلا يعرف الروح الحلاوة و اذا صار مرا يعرف المرارة و يلتذ مما يجانسه و يتنفر مما يخالفه .
فصل - قد مر سابقا اشارة الي ان هذه القوي المدركة في كل شئ و احب بيانه هنا ثانيا مفصلا بقدر ما يقتضيه الحال فاعلم ان الله سبحانه قد جمع في الانسان جميع ما في الملك كما ورد في اخبار آلمحمد سلام الله عليهم بمعني انه قد جعل كل شئ في كل شئ و الفطرة الاولية كونها بالفعل فيكون كل شئ جامعا ليدل علي الله الكامل و لكن البعد عن المبدأ منع بعضا عن ذلك فبقي غير ما فيه بالفعل فيه بالقوة و مما صار بالفعل في جميع الاشياء علي حسبها الطعم و اللون و الشكل و الرايحة و كيفيات ملموسة و مما خفي في الاكثر الضوء و الصوت و ان كان الفطرة جرت بكونهما بالفعل في كل شئ مثل الباقي و لكن الحكمة اقتضت خفاءهما لانهما يضران بالبدن بل الروح فخفيا و لكن الباقي موجود في كل شئ بحسبه نعم جسم واحد لايكون صاحب جميع الطعوم فانها اضداد لاتجتمع في المواد الدنيوية و لكنها تجتمع في المواد الاخروية لاطلاقها كما في الالوان و الروايح فشق واحد منها يظهر في شئ و يخفي [ص 144] الباقي و لكن يجتمع كيفية ملموسة و كيفية مرئية و كيفية مسموعة و غيرها فيمكن ان يكون شئ حلوا و احمر و طيب الرائحة و حارا او باردا املس او ذا خشونة و هكذا لانها ليست باضداد لعدم كونها من سنخ واحد فافهم ذلك ان شاء الله ، و ربما يشتبه علي الانسان و ينكر هذا القول اذ لايعرف لشئ طعما كالماء مثلا او لونا او غيره و ذلك ليس من باب عدم تلك الكيفية في المادة الجسمانية بل هي صاحبة تلك الكيفية و لكن ربما يعتدل الطعم و يشابه طعم الروح و بعد ما ذاقه لايحدث له امر جديد فيظن انه لا طعم له كما في الخبر ان طعم الماء طعم الحيوة مثلا اذا اكلت ثوما لاتعرف بعد رايحة الثوم لان روحك يتكيف بتلك الكيفية و كل ما تستشم بعد الثوم لايحدث فيك كيفية جديدة و اذا اكلت شيئا حلوا لاتجد بعد طعم الحلاوة ما دام طعمه في فمك و جميع ذلك من هذا الباب فاصل الادراك منوط بحصول امر جديد لا ان الروح لايدرك بل يدرك فان حقيقة الادراك الوجدان و الانصباغ كما مر سابقا و لكن لايحدث فيه امر جديد فيزعم انه ماكان له فلاينصدم به انصداما خاصا و درك ذلك مشكل و لكن تجربته سهلة و كذلك الامر في الرايحة و اللون فان كل شئ صاحب لون و لكن اذا كان موافقا للروح لايعرفه و كذلك كل شئ له حرارة او برودة رطوبة او يبوسة و لكن اذا كان في غاية التناسب للروح لايعرفه البتة اي لايجد [ص 145] حاله بعد الادراك غير حاله قبل الادراك و يجد نفسه بعد كما له قبل و نعبر عن ذلك بانه لميعرف حقيقته و من هذا الباب ايضا عدم الالتذاذ بما هو صار واجدا له مثلا اذا ادرك شيئا فالتذ منه ثم ورد عليه هذا الشئ بعينه لايلتذ منه و ان ادركه لانه قد صار واجدا له و النفس لاتلتذ مما تجده بل لذتها من امر جديد و هذا سر الالتذاذ من الغناء فان اختلاف الاصوات من الاوج و الحضيض و زير و بم و الحدة و الثقل و غير ذلك سبب تفرج النفس اذا كانت علي النظم الطبيعي بخلاف ما اذا كان الصوت علي نسق واحد و ذلك موعظة للواعظين و علم للمعلمين ان عرفوه و استعملوه لايكسل المستمع من طول كلامهم و يكفي في التعليم مواعظ علي اميرالمؤمنين عليه صلوات المصلين في تغيير السبك و تغيير القوافي و اختلاف البيانات و ملاحظة الامثال و غير ذلك ففي كل آن يشتغل النفس بامر جديد من حيث فلاتكسل و بالجملة حاصل الكلام ان كل شئ صاحب اللون بحسبه و الطعم بحسبه و الرايحة بحسبه و الكيفيات الملموسة بحسبه و لكنا ندرك الاجسام الغليظة بالمشاعر الغليظة و غيرها بغيرها .