فصل - اعلم انا اذا اردنا استخراج النار الغيبية الدهرية لا بد لنا من طلب مظهر لها تظهر عليه و ليس شئ اقرب و انفع الا صفة من صفاتها و اسم من اسمائها و هي الحركة كما مر سابقا فاذا وجد الحركة يوجد النار لامحة و لكن اذا كان مادة تبقي عليها و الا فلا و قد هيأ الله لذلك اسبابا من الزناد و القدحة و غيرهما من اسباب احداث النار و دبر الحكيم لوقايتها اجساما لطيفة قليلة الرطوبة كالذي يسميه العجم قو و الفحمة اللطيفة التي تشتعل باقل نار و ذلك ليبوستها و دهانتها و قربها من النار و بعد ما سلطت النار علي الدهن نفذت فيه لانها دهرية كما سيجيء شرح ذلك بعد انشاء الله و عملت و اثرت فيه فبخرت مائيته و خرجت من القوة حرارته و يبوسته و صعدت هوائيته و فرقت ترابيته و عملت في الكل فصعد من الدهن دخان لطيف صاف فلما لطف صار نارا لان النار من درجات هذا الدخان فان الملك [ص 74] واحد اعلاه العرش و اسفله التراب و كلما يعلو التراب يصدق عليه اسم آخر فاذا صعد درجة صار ماءا و اذا صعد درجة صار هواء و اذا صعد درجة اخري صار نارا و هكذا يصير سماء كما يأتي في مشاعر الانسان الدخانية بعد ذلك فالدخان بعد الاشتعال هو النار و يعبر عن ذلك بانه صار مظهر النار و ذلك بعد ملاحظة دهرية النار لا زمانيتها فان الدخان نار زمانية فافهم .
فصل - قد عرفت مما مضي ان النار دهرية و صورتها الفشو و اللمعان و الضياء فان الله سبحانه قد خلقها هكذا و ليس غيرها من ساير العناصر هكذا فبعد ما ظهرت علي الدخان و اشتعل بها لا شك انه يصير مظهر النار اي يظهر عليه صفاتها و آثارها و لونها و شكلها فيصير الشعلة مستضيئة براقة شفافة و ان النار من حيث هي هي و ان كانت صاحبة هذه الصفات الا ان ظهورها و بروزها في هذا الدخان فقبل الدخان لميكن لون و شكل بل و لا كيفية الا دهرية مطلقة و جميع هذه الصفات بروزها بل وجودها هنا و ذلك شأن جميع الدهريات حتي نفس الانسان فانها و ان كانت صاحبة ذكر و فكر و علم و حلم و نباهة و نزاهة و حكمة الا ان بروزها و ظهورها بل وجودها ممتازة في الدخان اي الروح البخاري و منه لا غير و من قال بغير ذلك فكذبه فان النفس بنفسها منزهة عن جميع ذلك و بالجملة فاذا اشتعل الدخان بالنار تتولد النار الدهرية علي صفتها نعم ربما تتقيد [ص 75] في الجملة و لكنها مع ذلك نافذة بدهريتها فاذا ظهر النار علي جسم تنفذ في ساير الاجسام بكمال السرعة بحيث ربما يقال انها تظهر مرة من دون تدرج كما يظهر اثر الحركة من فلكة الماس في كل ما اتصل بها حتي انه لو اخذ واحد سلسلتها و اتصل به آلاف من الناس يتحركون بتحريكها بحيث يظن الظان انها اي الحركة دفعية و ذلك ظاهر و كذلك يظهر الاثر في التلغراف فان الحركة في الحديدة الممدودة كأنها دفعية و قيل النور يظهر بالتدرج و ينسب الي الافرنجيين انه يظهر نور الشمس اذا طلعت في الارض بعد ثواني و ليس ببعيد مثل الصوت مع انه اثر يظهر في الهواء او ساير الاجسام انه يصل الي الاذن آن بعد الصدور نعم النور اسرع و اسرع لانه دهري صار زمانيا في الجملة و دهريته كثيرة و الصوت دهري و دهريته اقل و يظهر ذلك من صوت المدفع بالليل اذ تري ناره قبل استماع صوته و ذلك ليس ببعيد .
فصل - اعلم ان النار في حد نفسها لاتخص الدهن و لا الدخان و لا شيئا آخر من الاجسام فان النار الجوهرية هي الحرارة و اليبوسة الصرفة المحضة الخالصة عن التركيب بخلاف النار العنصرية فانها مركبة من العناصر و النار المثالية فانها صورة النار التي علي هذه النار من حرارتها و لونها و فشوها و لمعانها و ما تري من حرارة الادوية فانها من النار المثالية و اما النار الجوهرية [ص 76] فهي ذات النار و امتيازها في دهرها عن ساير العناصر قليل و اعلم انها منزهة عن الاغيار بريئة عن الاشكال و اذا ظهرت علي شئ تلونت و تهيأت و تقيدت به و ذلك واضح ان شاء الله تعالي و ما نريد بيانه هنا ان اصل الدخان الذي ظهر عليه النار له مقام معلوم لايتجاوزه فلايصل الي الهواء و الجدار و لكن اعطي النار خصوصية من شكل الخراطة و اللون و الشفيف و الضوء اذ قد عرفت ان وجود كل ذلك في الدخان فاذا نفذت النار منه في الهواء نفذت بما اكتسبته من الخصوصية لا نفس الدخان فالدخانية لازمة المحل و اما الصور المثالية المكتسبة فهي برزخية و من مقام النار فلايضر نفوذها معها اذ هي ايضا بنفسها نافذة لولا المانع و لما برزت مع النار رفع موانع نفوذها فنفذت في الهواء فيظهر في الهواء نار موصوفة بصفة الشعلة من اللون و الشكل و ساير الكيفيات و تكتسب من الهواء خصوصية اخري و الهواء ح بمنزلة الدخان لها الا ان الدخان خرج النار من نفسه فصار نارا بالفعل بخلاف الهواء فان ناره برانية و لذلك لو ارتفع السراج لمابقي علي الهواء نور و صار ظلمانيا كما كان و اما عدم رؤية نوره بعد الاستنارة فلان النار بنفسها مثالية غير مرئية و الهواء ايضا لطيف غير مرئي فلايري و اما اذا كانت المادة غليظة مرئية تري و ليس عدم رؤية الهواء بعد الاستنارة دليل عدم الاستنارة و اخطأ من زعم ذلك و استدل [ص 77] علي اثباته بالسواد المرئي في الجو انه لميستضأ اقول رؤيته دليل استضائته فان الظلمة الصرفة لاتري بل رؤيته آسمانجونيا من النور اذ هو بنفسه اسود حلكوك لتراكم الابخرة و الاهبية و بعد ما القي الكواكب و الشمس و القمر انوارها علي هذه الظلمة الظلماء حصل من تركيب انوارها و تلك الظلمة هذا اللون كما لايخفي علي البصير المطلع علي علم الضم و الاستنتاج في تركيب الالوان و بالجملة فالهواء مع استنارته لايري و لا مانع من الاستنارة و التكمل و ما قيل في برهان عدم تكمله من وجوب المناسبة بين المكمل و المتكمل اقول في جوابه بلي و لكن الهواء من سنخ الدخان و ساير الاجسام غاية الامر انه الطف و هذه اللطافة و الكثافة لايخرج الشئ عن الجنسية فلايخرج عن المناسبة و ليس من شرط التكمل كون اللطافة و الكثافة في حد سواء بل صرف الجنسية كاف ان شاء الله و شواهد ذلك كثيرة مما يري من تأثير اللطايف في الكثايف و الكثايف في اللطايف و لسنا بصدد بسط ذلك فنرجع الي ما كنا بصدد بيانه و لما نفذت في الهواء و صار الهواء مستنيرا صار الهواء ايضا شعلة الا انه شعلة برانية بخلاف الدخان اذ هو شعلة جوانية فالشعلة لاتروي عن احد و تقول عن نفسها و الهواء يروي عن الدخان نعم اذا اشتعل دخان من دخان مشتعل سابقا يكون ضوءا من ضوء فهو سراج مشتعل و نار جلية ناطقة عن نفسها و هي التي [ص 78] تساهم في الفتيا و لايضرها كما في صفة علي عليه السلام و بهذا المعني يرتفع الاشكال في معني الخبر بخلاف الهواء فانه لايكاد يقول عن نفسه اذ نفسه غير مشتعلة و وجهه نير فجميع قوله قول النار ان روي عن نورانيته و الا فلا فافهم و لكنه بصبغه و لونه حامل النار و ينفذ النار منه ايضا و يبقي الهواء في مكانه و لاينفذ بنفسه و لكن اثره موجود في النار اذ قد انصبغت في الهواء و قد علمت ان ما تأخذه من المادة مثالية ايضا فينفذ معها في جسم آخر فيظهر النار علي الجدار او غيره و هكذا تنفذ الي ما شاء الله ، و ذلك بحر ضل فيه السوابح ، اللهم الا ان يمنعها مانع كأن يكون الجسم غليظا فلاتنفذ عن جميعه الا في قشره او تراكم الهواء كثيرا فلاتري من البعيد او غير ذلك .
فصل - اذا عرفت ذلك المثال فاعلم ان المرئي المشهود في الدنيا هو النور و لايري غيره لان النور هو وجه الله الظاهر و صفته الباهرة غاية الامر ان النور قد ظهر في كل عالم بحسبه و ظهر في الاجسام بهذا اللون و الشكل و الهيئة بل هو في الحقيقة لون شفاف و اخطأ من اخرجه من الالوان و يظهر لك ذلك من الاخبار ان دققت فيها النظر و استعملت الفكر و سر ذلك اي رؤية النور ان من شروط الرؤية انطباع الاشباح في العين و لايكاد ينطبع شئ من غير نور بل الالوان هي كيفيات غير مشهودة [ص 79] فالحمرة كيفية اذا وقع عليها نور تري احمر لان جميع الملك في حد نفسه ناقص و الكمال من الله و الناقص في حد نفسه لايكمل غيره كما هو ظاهر لتلامذة مشايخي فاذا حكي شئ كمال الله سبحانه يكون مكملا للغير و الا فلا و لذلك قد جعل الله في الملك كاملا لتكميل الناس و سابين لك فصلا خاصا لبيان ذلك حتي تفوز مع الفايزين و ان كان تفصيل ذلك خارجا عن المطلب الذي نريد شرحه و بالجملة فاذا وقع النور علي الصور تكملت فالقت في هوية ما يواجهها مثالها فاظهرت هيهنا افعالها و ان قلت فما بالها تكمل بساير التكميلات من غير نور اقول انت تزعم انها تكمل من غير نور و انا لااقول بذلك بل اقول كل تكميل من الله سبحانه و قد تجلي لهويتها بها و القي فيها مثاله فاظهر عنها افعاله غاية الامر ان نور كل عرصة و مقام بحسبه فالنور الذي القي في هويتها حتي اظهر منها الاصوات نور صوتي اي مناسب لاستخراج الصوت و هو الحركة و الحركة نور المحرك و لولاه لماخرج صوت من شئ و لاتستلزم ذلك النور اللوني و النور الذي القي في هويتها مثاله حتي ظهر منها الروايح نور ريحي و هكذا غير ذلك و لا مناسبة لشئ منها بالنور اللوني و لما كان البصر من شأنه درك الالوان جعل نور لوني يكمل الاشياء من هذا الحيث حتي تري فبعد ما وقع عليها النور من السراج او [ص 80] الشمس او القمر او مستنير جسماني ايا كان تصير كاملة فكأنها ح سراج منور علي حسب الفاعل و القابل و قد عرفت ان النار نافذة فتنفذ في الاجسام و من الاجسام العين فتستنير العين بهذه النار و اما ساير الاجسام فليست دراكة فلاتري و اما العين فهي حية دراكة فتري النار و لو لمتكن دراكة لاتري كعين النايم اذا كانت مفتوحة و عين الميت فطريق ظهور الشبح واحد و لكن الرؤية شأن الحيوان و الانسان دون ساير الاجسام فعلي ذلك الحجر المنور الميت اذا احياه عيسي علي محمد و آله و عليه السلام يري النور فورا و قد عرفت من المقدمات السابقة ان النور يتشكل بشكل المادة التي وقع عليها و ينفذ بعد التشكل في الجسم اللاحق فاذا وقع النور من وجه زيد في عينك كأنه يقع عكس سراج متصور بصورة زيد في عينك كما يقع في المرآة و في الجدار كما كان يظهر شبه الشعلة اذ لا فرق بين النار الظاهرة علي الدخان و النار الظاهرة علي الجدار صورة نعم الاجسام الصقيلة تحكي السراج علي صورته لان سطوحها مستوية و تواجه السراج علي قدر السراج و تواجه باقي السطوح ساير الاشياء التي حوله بخلاف الجسم الكدر فانه صاحب اجزاء مختلفة و سطوح متفاوتة و هي اجزاء نوأت بعضها في جنب بعض و جميعها نصف كرات و لا شك ان الكرة تواجه نقطة واحدة من كل جهة فيقع شبح السراج في نقطة منها و كذلك في نقطة [ص 81] من الكرة التي تليها و هكذا و هكذا ثم كل كرة تواجه من ساير الجهات الكرات من اطرافها و قد عرفت ان النار نافذة و تظهر نورها من كل في كل كرة مما يليها فتتنور الجميع و كذلك تعمل ساير الاجسام الغاسقة في هذا الجسم فيتنور المجموع فيري جدار منور فكأن الجدار في نفسه سراج بهذا الشكل و اذا صار صقيلا يظهر الشبح فيه علي ما هو عليه و اما العين فهو جسم صقيل تحكي الشئ علي ما هو عليه .
فصل - في سر التكميل الذي ذكرناه سابقا . اعلم ان الله سبحانه قد جعل كل شئ في كل شئ حتي انه لاتكاد تتفكر في شئ الا ان الله قد خلقه فيك :
و انت الكتاب المبين الذي باحرفه يظهر المضمر
اتزعم انك جرم صغير و فيك انطوي العالم الاكبر
و في كل شئ له آية تدل علي انه واحد
و كليات الحكمة ما لمتكن تامة في ظهورها تامة في بطونها كانت الحكمة ناقصة من الحكيم قال الله تعالي و ما امرنا الا واحدة فكل شئ من السماوات فما فوقها و الارضين و ما دونها و ما بينهما فيه قوة كل شئ بل اقول فيه كل شئ فهذا التراب المشهود فيه العرش و الكرسي و الافلاك و العناصر و ما فوقها و ما سواها ايا كان جميعها في هذا التراب بعينه اما في قوته بمعني انه يصلح لجميعها او بالفعل غاية الامر ان [ص 82] بعضها فيه ضعيف و بعضها قوي و درجاتها متفاوتة و لكن لان الغالب عليه صفة واحد منها و الحكم للغالب نقول انها بالفعل و الباقي معدوم و لكن يمكن استخراج الجميع منه فالتراب ما الغالب عليه الترابية و الماء و الهواء و النار و السماء في قوته و يمكن استخراج جميعها منه بل الروح و النفس و العقل و غيرها فيه بالقوة و لكن الماء و الهواء و النار في قوته القريبة من الفعلية و السماوات في قوته البعيدة و لكن لي في ذلك كلام عريض ليس هنا محل ذكره و كذلك الماء ماء بالفعل و تراب و هواء و نار و فلك و غيرها بالقوة و كذلك الافلاك افلاك بالفعل و عناصر و غيوب بالقوة و كذلك الامر في المواليد الحاصلة من التراب فكل مولود فيه قوة جميع المذكورات و ساير المواليد و لكن له صورة واحد منها بالفعل و الباقي في قوته فالجماد مثلا له صورة جمادية بالفعل و النباتية و الحيوانية و الانسانية و غيرها كلها في قوته و يكفيك ان الله سبحانه جعل في قوة كل مولود مشيته و ارادته بل معرفته و توحيده و لذلك كلف جميع المواليد بغير ما هم عليه بالفعل و لو لميكن في قوتهم لماكلفهم فاذا عرفت هذه المقدمة فاعلم من باب المقدمة ان الله سبحانه كامل بالفعل و ليس فيه شائبة من النقص و تجلي لخلقه بالكمال و قد استضاء كل منهم من مصباح تجليه الكامل بقدر فعليته فكل [ص 83] من كان فعليته في صفة خالصة كانت حكايته لصفة الكمال من تلك الجهة كاملة و في غيرها ناقصة و ربما لايكون الشئ خالصا في صفة فلايصير كاملا بحيث يتجاوز عنه الي غيره فالاشياء بهذا النظر قسمت الي ثلثة اقسام كامل و ناقص و تام اما الكامل فما كان واجدا لصفته التي هو عليها مؤثرا في غيرها من تلك الجهة و يعبر عن ذلك بانه له فواضل وجود و طينة و التام ما كان في حد نفسه في تلك الصفة غير محتاج الي غيره و لكن لايكمل غيره و الناقص ما كان في حد نفسه ناقصا محتاجا الي غيره و ربما يكون ذلك نسبيا يعني ان الشئ يكون كاملا من جهة تاما من جهة ناقصا من جهة مثال ذلك الشعلة فانها كاملة لان لها فضل وجود تكمل غيرها فتشتعل بها كل ما يواجهها و الجمرة فانها تامة لانها ظاهرة في نفسها و لكن لاتظهر غيرها و الفحمة فانها ناقصة لانها غير ظاهرة في نفسها و لا مظهرة لغيرها و نفس الشعلة ناقصة في السواد محتاجة الي غيرها و الفحمة كاملة فيها و لاتحتاج الي غيرها بل غيرها يحتاج اليها و اذا عرفت هذه المقدمة و المقدمة الاولي فاعلم ان الله سبحانه جعل الكاملين محال مشيته و اكمام ارادته و يستخرج به من كوامن الخلايق الناقصين في تلك الصفة ما استجن فيهم من جنسه كالنار فانها يد الله عز و جل في تكميل ما استجن في قوابل [ص 84] الخلق من النارية فكل ما اتصلت بمادة من المواد تكملها فتحرقها و تسخنها و كذلك في جميع العوالم و منها بعث الانبياء فانهم سلام الله عليهم كاملون في الصفات المختصة بهم كالنار في ناريتها و الماء في مائيته و قد خلقهم الله سبحانه لهداية الخلق بهم عن الضلالة و انقاذهم بمكانهم من الجهالة فالقي في هويتهم مشيته فجعل قلوبهم محال المشية و مساكن الارادة فكل ما اتصل بهم شئ يقوون ما في قوته من جنسهم و ما يناسبهم و يضعفون ما يخالفهم و ينافرهم و هذا المعني (ظ) ما يقوله مشايخي اعلي الله مقامهم ان التكميل ابراز ما قد كمن لا ايجاد ما لميكن ، و اما الايجاد فهو فعل الله سبحانه كما قال عليه السلام لايكون الشئ لا من شئ الا الله و اما التكميل فهو خلق من شئ فان المادة موجودة و يصورها المكمل بما يشاء و يغيره كيف يشاء لانه في ما يشاء مؤثر و الشئ لايفقد ما وجده المكمل بالكلية غاية الامر انه غير كامل فيه و بعد ما اعانه المكمل عليه يستخرج من كمونه و لكن جميع ما ذكرته هنا محض بيان ظاهري قشري و قد ملأ بذلك الكتب و قل من عرف حقيقة المراد و قد ذكر ابي اعلي الله مقامه من هذه المسايل ما فيه كفاية لمن كان من اهل الفهم و انا اشير الي اصل المراد في الجملة ، فاعلم ان الاشياء متفاوتة فمنها طولية و منها عرضية يعني ان [ص 85] نسبة الاشياء بعضها الي بعض اما طولية و اما عرضية و الطولية قسمان طولية واقعية و طولية نسبية و هي ما وقعت في العرض مترتبة كالجسم و الروح مثلا و العرضية هذه التي تري اما الطولية الواقعية فلايعقل فيها التكميل و لا معني له لان فرض التكميل فيما اذا كان الشيئان من مادة واحدة جامعة لهما و يكون كل منهما كاملا في شئ صالحا لغيره فيكمل واحد منهما صاحبه و الامر في الاثر و المؤثر علي خلاف ذلك فانه لا جامع بينهما و لا فارق و ليس الاثر من مادة المؤثر و لاتصلح للمؤثرية و كذلك الاثر و ليس المؤثر في قوة الاثر و لا الاثر في قوته بل كل منهما ممتنع مع صاحبه بحيث لايجوز بناء التثنية منهما و لفظ التثنية هنا محض ضيق العبارة بل اقول ان المؤثر بالفعل المحض و الاثر ممتنع محض كالجسم المطلق و العرش و الكرسي و غيرهما فان الوجود له و العرش و الكرسي و غيرهما ممتنعة معه و اما العرضية المترتبة فيحتمل فيها التكميل و لكن امر التكميل فيها علي خلاف غير المترتبة و ذلك ان الامر فيها بالتنزل فان التراب في مقامه تنزل الماء و الماء تنزل الهواء و هكذا الي اعلي العوالم فالتراب بنفسه غليظ ساير المراتب فالماء نزل مرتبة فصار ترابا و الهواء مرتبتين و هكذا فالتراب هو ماء في تلك الدرجة غاية الامر انه ماء منجمد و كذا الماء هواء في عرصته كما ان الماء هو التراب في عرصته فعلي ذلك [ص 86] اذا اردنا تكميل التراب و تصويره بصورة المائية فطريق التكميل تسييل المنجمد و ترطيب اليابس فاذا اتصل ماء بالفعل او شئ يكون خاصيته قريبا منه و اساله يصير نفس هذا التراب ماءا فانه لاينافي المائية الا في تلك الصفة التي عرضته في تلك الدرجة و بعد خلع تلك الصورة و لبس صورة المائية يكون ماءا من غير نكير و كذلك الامر بالنسبة الي جميع المراتب التشكيكية و التنزلية السافل نفس الاعلي الا انه قد تغلظ و بعد ما لطفناه يصير هو هو و اذا عرفت ذلك باليقين تعرف ان المكمل لميجعل في الشئ ما لميكن بل قوي فيه ما كان كما شاهدت بالعيان و لاتزعم ان ساير المراتب التي فيه هي محجوبة بستر او غيره فاذا كشفت عن الستر وجدت ماءا سائلا بل التراب نفسه غليظ الماء و لايشك في ذلك من كان له علم بالفلسفة و اما في ساير المراتب المختلفة التي بعضها في عرض بعض من غير ترتب كالمواليد المركبة في هذه الدنيا فاعلم ان الصور الحاصلة كلها حاصلة بمقتضي القوابل بمقتضي تركيبها مثلا اذا اخذت جزئين من الرطوبة و جزءا من اليبوسة و جزءا من البرودة و جزءا من الحرارة و مزجتها و ركبتها يتعلق بها روح البخار فتسمي باسم البخار و توصف بصفته و البخار اصله من عالم المثال و يظهر في الدنيا بعد ما صلح القابلية لاظهاره و اذا اخذ يد الحكيم هذا المركب و اجمده و سخنه [ص 87] حتي غلب عليه اليبوسة بحيث صار جزءان من اليبوسة و جزء من الرطوبة يزول اسم البخار و يكتب اسم الدخان و اذا سخنه الحكيم بحيث صار محرقا و غلب عليه لون النار و صفته يكتب اسم النار ففي عالم المواليد التكميل بازدياد الاجزاء و تنقيصها و من هذا الباب التكميلات الاكسيرية فان النحاس صار نحاسا بهذا التركيب و بعد ما عملنا في بخاره و دخانه و نقصنا من الدخان و زدنا في البخار و صفيناه يصير فضة و من علم هذا العلم يفوز مع الفائزين فاذا عرفت ما ذكرنا تعرف ان بالتكميل لايحدث في الشئ ما لميكن بل يكمل فيه ما قد كمن بهذا اللحاظ الذي ذكرنا و الانسان لما كان فيه جميع ما في الملك بالقوة اذا اراد الله سبحانه يستخرج من كمونه ما شاء كما شاء بواسطة المكملين و لكل شئ مكمل خاص به و ذلك واضح ان شاء الله فافهم فاذا عرفت ذلك لا بد لي من بيان آخر ان الكمال ايا كان و ان كان في قوة كل احد و لكنه بنفسه لايقدر علي استخراجه من كمونه لانك حين كنت بهذه الصفة التي انت مالكها بالفعل واجد لهذا الكمال و جميع ما يصدر منك فرع هذا الكمال و لايورث هذا الفرع الا صفة اصله فانت اذا كنت ماءا لايصدر منك الا التبريد و الترطيب و التبريد و الترطيب لايورثان الا المائية و لاتزيدان الا ذلك فلاتكاد ترقي الي الهواء ابدا ابدا بل كل ما تعمل هذا العمل يصير هوائيتك الي القوة اكثر مما [ص 88] كان اولا و لذا تري العابد بلا علم يبقي في حاله و لايصعد صاعدا ابدا بل يصير اخس مما كان لان بعمله يصير صفاته التي جعلها الله فيه بالفعل بالقوة و صورته الخسيسة تصير بالفعل فيكثر انجماده مع انه عالم بالصفات العالية و لايعبد الا للوصول الي الدرجات فعلمه لاينفعه ايضا و هو كحمار الطاحونة يسير يوما الي الليل و لايتحرك من مقامه كما في الخبر فلا بد من وجود مكمل خارجي في الصفة المطلوبة و يشهد بما ذكرنا الاخبار الكثيرة و اكتفي بذكر دليل مجمل واضح نير يدركه كل احد ، فاعلم ان النبي صلي الله عليه و آله قد اتانا و بين و اوضح و الناس عرفوا ما عرفوا من بيانه الشريف و اتي بكتاب و نحن علمنا من بعد ذلك ان لنا ربا و نبيا و كتابا و عرفنا المبدأ و المعاد و لو كان علمنا يكفينا و كنا نتكمل بذلك لماجعل النبي الحكيم بعده اماما بل امره الله سبحانه بنصبه و قال ان لمتفعل فمابلغت رسالته مع انه علم و بين و اوضح و اكمل و مع ذلك كله قال الله ان لمتنصبه مابلغت رسالته لان الناس لميكفهم علمهم برسالته و ربوبية الله سبحانه و لمينفعهم علومهم فانا ان علمت يومي هذا ان الله ربي و لا علم لي فوق ذلك بل وحدته حق التوحيد العلمي الوجداني لاينفعني ذلك ابدا ابدا بل يجعلني اسفل من مقامي لعين ما ذكرته سابقا و لكن اذا صار الانسان بحيث علم بجميع ما ينبغي علمه و الاطلاع عليه و عمل بجميع ذلك حتي صار [ص 89] التوحيد فعله و عمله و ظهر منه آثاره كما ظهر من موسي لايحتاج بعد الي مكمل و هو الذي يعطي من نفسه و يؤدي الي نفسه و اما غيره فهو محتاج و لا بد من ان يتكمل فلا بد من وجود مكمل له حتي يكمله بان يستخرج من كمونه كوامنه و لايكون ذلك الا بتصفيته فتدبر .
فصل - اعلم ان الشئ اما لايكون ظاهرا في نفسه و لا مظهرا لغيره او يكون ظاهرا في نفسه و لايكون مظهرا لغيره او يكون ظاهرا في نفسه و مظهرا لغيره فما ليس ظاهرا و لا مظهرا فكالاجسام الغاسقة التي لاتري و هي ما لا نور له فانها لاتكاد تنطبع اشباحها في الهواء و الاجسام و ان كانت صاحبة الالوان كما مر بيان ذلك سابقا و اذا كان الجسم بنفسه صاحب شفيف و لمعان ربما يري و لايري غيره كعيون بعض الهررة و الحباحب و امثال ذلك مما لايري غيره و يري في نفسه و منها ما يكون ظاهرا و مظهرا كالشعلات المرئية و المظهرة للغير و الانوار المستضيئة و غير ذلك فاذا كان الشئ في نفسه ظاهرا او ظاهرا و مظهرا لغيره يكمل الهواء الملاصق له علي ما شرحنا سابقا فيظهر الاثر هكذا علي جسم العين علي ما شرحنا و فصل ذلك في الكتب المفصلة فان العين هي جسم صقيل كالمرآة الصافية و كل ما قابل منه اي ذلك الجسم الشئ النير او المستنير يستنير به و قد علمت سابقا ان العين في الحقيقة هي الجليدية و ما سواها [ص 90] مما قبلها اسباب الايصال فيقع الشبح من ذي الشبح علي ثقبة العنبية و منها علي الجليدية و يستضيء من الجليدية ما يواجه ذا الشبح و هي جسم كري ذو تفرطح فاذا وقع الشبح علي محدب الجليدية يقع مستقيما و اذا نفذ من محدبها في مقعرها يصير معكوسا لان مقعرها كري و الكرة اذا واجهها شئ يقع شبحه في وجهها معكوسا لانه لايقع الشبح الا في ما يواجهه في المرآة و الكرة يواجه اسفلها اعلي الشبح و اعلاها اسفل الشبح كما في الهامش
فنقطة ا يواجه نقطة د و نقطة ب يواجه نقطة ح فيظهر العكس في مؤخر الجليدية منعكسا و اختلف الحكماء في وجه رؤيته الانسان مستقيما فقال بعض انه يرجع في العصبة مستقيما و قال بعض ان الانسان يزعمه مستقيما مع انه يراه معوجا لكثرة التجارب و كلا القولين خطاء ، اما القول الثاني فخطاؤه ظاهر فان الله سبحانه خلق الانسان علي الفطرة الاولية و جعله مستقيما ليدرك الاشياء علي ما هي عليه و لو كان منحرفا لماعرف شيئا علي الواقع و الحقيقة فصار الخلقة لغوا و الغاية غير ظاهرة و الخلق لايكادون يصلون اليها ابدا هذا و نقول بالمجادلة اذا كان الامر هكذا فكيف يراه مستقيما قبل التجربة و لا شك انا نري ان الرضيع الذي لميجرب شيئا لايطلب حلمة الثدي من عند اصله و لا رأس الغاشق من عند ذنبه و لا رأس امه من عند رجلها و جميع ذلك يشهد بانه يري مستقيما [ص 91] لا معوجا و الحيوان لايحصل تجربة و انت تري آثار رؤيته الاشباح مستقيمة بعين ما ذكرنا و نقول علي طريق الموعظة الحسنة ان جعل الله سبحانه الانسان بحيث يري كل شئ مستقيما يكون اعلي و احسن و اكمل ام يجعل علي خلاف ذلك لا شك ان الاول احسن و اعلي و اكمل و اتم و الله قادر علي ذلك فلايترك الاكمل فانه الاولي و هو لايترك الاولي بعد ما رأينا انه قد قبح جماعة بترك الاولي و اما القول بالاستقامة عند العصبة فهو فرع ان نقول بان الرؤية في العصبة و هو ايضا خطاء و سيجيء بطلانه في فصل خاص انشاء الله و الرؤية قبل العصبة و لا شك انه يراه مستقيما فلا بد و ان يستقيم ذلك في اسفل من العصبة فالحق الواقع انه يستقيم في الشبكية فانك قد علمت ان الجليدية كرية واقعة في الشبكية و الشبكية محيطة بنصفها فهي قعراء فيها الجليدة الحدباء و يقع الشبح منها في الشبكية و هي قعراء فينعكس الشبح فيها لانها علي عكس الكرة فتستقيم في الشبكية و تؤدي الشبكية الي الروح لانها حية بحيوة الروح و قد نفذ الروح فيها و قد عرف اهل العلم ان العصبة صاحبة الاحساس و جميع الاحساسات مختص بالعصب فكلما وصل الي العصب شئ يدركه لامحة و ذلك واضح انشاء الله و من الاشياء الالوان و الاضواء فاذا وصلت الي العصب يحسها بداهة و لا شك ان الحاس هو الروح لا غير .
[ص 92] فصل - من الناس من زعم ان الاحساس يعني الرؤية بخروج جسم نوراني من العين علي هيئة مخروط زاويته في العين او كهيئة خيط دقيق و ليس كالمثلث و ذلك قول باطل يرده الحديث و دليل العقل و قد تكفل مولاي اعلي الله مقامه برد ذلك و بينه شيخنا اعلي الله مقامه في مقامه و لا حاجة الي بيان ذلك هنا و قال جماعة انه يظهر في الهواء كيفية شعاعية يصير آلة الابصار و ذلك قول باطل ان اريد ان الهواء بنفسه يصير شعاعا من دون صنع المرئي و ان اراد ان المرئي يكمل الهواء فيكمل الهواء العين فقول حق صدق علي رأينا لا علي حسب فهم العوام و القائلون بالانطباع قال بعض منهم انه انطباع صورة المرئي بتوسط هواء مشف في الجليدية و عن الرازي ان مقابلة المبصر مع البصر يوجب استعداد الافاضة في قوة الجليدية صورة المبصر كظهور العكس في المرآة و لايمكن للبشر معرفة ذلك مفصلا و غيره مجملا اقول عدم معرفته لذلك ثابت و ادعاؤه لجميع الناس عدم المعرفة باطل فان النافي قوله لايكون حجة فلعله يعرف احد ذلك و هو لميطلع عليه و اما غير البشر فلا شك انه ليس اهل العلم الا الجن و الملك فانهما ربما يعلمان و بالجملة قال بعده انطبع في الجليدية يهيأه الملتقي لفيضان الروح عليه و من انطباعه هنا يتهيأ الحس المشترك للفيضان اليه الي آخر كلامه ، و هو ان اراد انه يفاض [ص 93] الي الجليدية و العصبة و الروح شئ من الخارج او من ذات نفسه فهو خطاء فانه لا باعث لفيضان ذلك سوي نفس الشبح و هو ثابت في مقامه و لميخرج منه و ان كان مراده ان الشبح ينعكس فيها فهو حق غاية الامر ان الكلام يرجع الي نسبة الرؤية الي العصبة و هو اختلاف يسير و عن القرشي ان شبح المرئي يقع علي الروح الذي ملأ ثقبة العنبية لان جوهره بين جوهر الماء و الهواء فلانه اغلظ من الهواء يمكن وقوع الشبح عليه و لانه الطف من الماء يكون سريع الحركة الي موضع التقاطع و ذلك ايضا قول باطل و عن حلية الاعتبار عاطل و لااعرف معني ان الروح ملأ ثقبة العنبية و لعله زعم ان الروح بخار يجري في ثقبات البدن و ليس الامر هكذا و كيف يقوم في ثقبة العنبية و لو كان هو بنفسه دراكا في هذه الثقبة فاي حاجة الي ساير الطبقات و الله سبحانه لايخلق عبثا و كيف لايتحرك من تلك الثقبة مع انه بخار لطيف ثم كيف عرف انه اغلظ من الهواء و الطف من الماء مع ان العقل يحكم بخلاف ذلك و هو جسم سماوي و يشهد بذلك الكتاب و السنة و بالجملة لو اردنا الرد و البحث مع هؤلاء لطال بنا المقال و ان اردت شرح الادلة و بيان الاقوال و الرد و الطرد و بيان الحق الواقع فعليك بضياء البصاير فان فيه ضياء للبصاير اعلي الله مقام ابي كتبه في المرايا و المناظر [ص 94] و لميسبق بمثله ثم ان القائلين بالانطباع منهم من قال ان الرؤية في الملتقي و اراد ان العكس ينطبع في العينين و منهما في العصبتين الجوفاوين و قد مر سابقا انهما تلتقيان تحت الجبهة و الروح الباصرة هنا و يقع الشبح هنا من العينين و يقع شبح كل عين علي شبح الاخري فيري الروح واحدا ، اقول ما المراد من ذلك هل المراد ان الروح خارج من العصبة ناظر اليها او هو فيها فان كان خارجا فاين يكون هل يكون متعلقا بشئ غير تلك العصبة او يكون متعلقا باعالي نفس تلك العصبة و علي اي حال لايدرك ما لايصل اليه فلا بد من ان يقع الشبح من الملتقي الي ما تعلق به الروح فليس الباصرة في الملتقي بل في مقام آخر و ذلك قول باطل و ليس فوق العصبة سبيل الانطباع علي ما يظهر من علم التشريح اذ ليس هنا اسبابه و شروطه فلا بد و ان يكون ناظرا الي العصبة فكيف ينظر و لايقوم خارجا عن الجسم و اذا تعلق بشئ آخر لاينظر الا بنفسه اي ذلك الشئ هذا و كيف يقع الشبح في العصبة هل يقع في فضاء خال فذلك محال كما هو واضح لمريده او يقع علي جسم العصبة لا بد من ذلك فهل يقع العكس من العينين في موضع واحد حتي يكون الشبحان واحدا فكيف يستقيم ذلك مع ان السطح الواحد من حيث واحد لايواجه الا جهة واحدة فالجانب اليمني علي فرض كون جسم العصب صليبيا يواجه العين [ص 95] اليسري و اليساري يواجه اليمني فكيف ينطبق الشبح علي الشبح و ان قلت انه اي الروح في الملتقي اقول فهو فلايخرج عن قسمين اما يكون الشبح منعكسا هنا ايضا فيرد المحذور و ان كان ناظرا منه الي عينين فيري شبحين فيري الواحد اثنين ثم كيف ينظر و ما المراد من ذلك هل العصبة او الروح فان كان الروح ناظرا من دون العصبة فيلزم ان يكون الروح بنفسه جسما قايما يقع الشبح عليه مع انه دخان لايقف من غير حامل و ان كان ناظرا بواسطة العصب فيقع المحذور بالجملة فهذا القول بجميع اقسامه باطل و قيل ان الروح الباصر في العصبتين في كلتا العينين اقول فما الباعث لعدم نفوذه في ساير اجزاء العين و لا شك في نفوذه لان جميع اجزاء العين حية بحيوتها و لا شك انه اذا تعلق الروح بالباصرة يكون باصرا فاما قبل حصول الشبح فلايري فلايراه قبل الجليدية و اما في الجليدية و الشبكية فاي مانع من الرؤية مع ان الروح حاصل و الشبح حاصل و لا مانع فلايلزم ان نقول ان الباصرة في العصبتين بل يكون فيهما و في غيرهما ايضا و اما الجليدية فقد عرفت سابقا ان الشبح يقع في قعرها منعكسا فاذا كان الباصرة هنا لزم ان يري الروح الشبح منعكسا مع انا نري انه يري مستقيما و ان كان في جميعها يلزم ان يري في اعلاها مستقيما و في اسفلها منعكسا و المشهود غير ذلك [ص 96] و ما تري من قول ابي اعلي الله مقامه في المرايا و المناظر ان الجليدية دراكة فاعلم انه هو اعلم بمراده و نري قوله (اع) في المهدوية ان الشبح يأتي الشبكية و هي تدرك و مراده من اختلاف القولين يحتمل ان يكون ان الروح الباصر في الكل و لكن الغلبة في العصبة كما تري ان الروح حساس و قد نفذ في جميع البدن و لكن كل ما في البدن من عصب يكون حسه كثيرا و ساير البدن حسه قليل و لامسته قليلة و هكذا الامر هنا رؤية الجليدية قليلة و لايدرك الروح منها الا بعض الاشياء في بعض الاحيان و لكن الرؤية الطبيعية من الشبكية فانها مخلوقة من مادة العصب و كذلك من مشكلات كلامه (اع) انه يقول ان العكس يقع في الجليدية منعكسا و يستقيم في الروح الباصرة و لميعرف مراده بعض الناس و زعموا ان الروح فوق الجليدية كالقمعة فينعكس فيه شبح ما في الكرة و ليس هكذا و لايقول به ابدا فانه عالم رباني و حكيم صمداني و لايقول ما ينفيه في مقام آخر فانه لا اختلاف في كلماته و لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا و هو لايقول الا عن ساداته و هم يقولون عن ربهم جل شأنه و نراه يقول ان الروح نافذ في جميع البدن فكيف يقوم فوق الجليدية ككأس علي كرة حاشا ان يكون هكذا بل يتعلق بالجليدية بحيث انك ان اشرت الي ذرة من الجليدية اشرت الي ذرة من الروح فهو دراك ح من نفس الجسم كما [ص 97] ان النار صفراء من نفس الدخان و زيد قايم في نفس القيام كذلك باصر من نفس العين فهو ح بصير من نفس الجليدية و نفس الجليدية لاتملك الا صورة عوجاء فمراده من الروح الذي يقول الشبكية و قد سمي المحل باسم الحال و ذلك كثير كما بالعكس مع ان للروح فسحة وجود اعلاه في غاية اللطافة و اسفله جسماني غليظ فالروح الباصر اعلاه بلطافة الكرسي بل العرش و اسفله هذه العصبة المسماة بالشبكية و يأتي شرح ذلك في الجملة بعد ايضا ان شاء الله و هي موضوعة علي الجليدية فافهم مراده و اشكر الله علي ما قاله فالروح في الشبكية و هي محل الاحساس في الواقع فانها عصبانية و الحس في البدن من العصب في جميع المشاعر و منها العين ، فاذا عرفت ذلك فاعلم ان الشبح علي ما ذكرنا يقع علي القرنية و هي بمنزلة بلورة صافية كرية موضوعة علي العنبية كما تري في الآلة التي يسمونها دوربين و الثقبة مواجهة لعدسة الجليدية فيقع الشبح فيها و ينعكس ثم ينفذ منه في الشبكية و جميع ذلك كما في الجدار و المرآة بلا فرق و الشبكية او العصبة حاسة و يستقيم الشبح فيه و لما كانت هي مركب الروح يتهيأ الروح بتلك الهيأة و لاتزعم انه يخرج منها شئ فيتعلق بشئ فانها حية بحيوة الروح و الروح يفهم كلما القي الي الشبكية كما يحس حرارة ما التصق ببدنه فيشتعل الروح كما [ص 98] يشتعل الدخان بلا فرق الا ان الدخان لايحس و الروح حساس و اما عدم احساس العين للاحتراق مع رؤية نور السراج فلجهات و ينبغي ان اذكر له فصلا خاصا و قد اشرت الي ذلك في الجملة سابقا فاذا اشتعل الروح بمدركه يجد نفسه اي يكون واجدا لنفسه بلونه و صفته و ليس الادراك شئ غير ذلك و اما ما تري من الخيال و الفكر فهو فوق ذلك و بعد ما ادرك الروح شيئا هكذا يؤديه الي الخيال و الفكر .
فصل - اعلم ان ظهور شئ في شئ يكون بالتكميل بمعني استخراج ذلك من كمونه او بنفوذ ذلك الشئ فيه و اصباغه في الظاهر كما تري في الالوان فانك مرة تلون الشئ بان تخرج من كمونه هذا اللون او يكون بتلوين ظاهره بالقاء جسم عليه كالوسمة او غيرها من الالوان الجسمية او اثر آخر من الاشباح او غير ذلك و بيان ذلك علي وجه الحكمة يستدعي بيانا فاعلم وفقك الله انه قد ظهر لك مما مضي سابقا ان ما يخرجه النفس الكاملة من كمون الشئ المتكمل لايأتي به من الخارج بل يخرجه من نفسه و الامر في كل شئ مثل النار و الدخان الذين مر مثلهما بلا فرق فان جميع الصور المثالية نسبتها الي المادة الدنياوية من حيث ظهورها فيها بالسواء و هي مطلقة لا بمعني اطلاق المطلقات الدهرية فانها لو كانت مثلها في الاطلاق لاعطت ما دونها اسمها و حدها و لكن كل مادة من المواد الدنيوية [ص 99] صالحة لحكايتها بقدر قابليتها و الصور مستعلية علي كلها و تظهر علي جميعها و لاتخص شيئا منها كما ان المواد مطلقة بالنسبة اليها يعني انها مبهمة صالحة للتصور بكلها فافهم و لكن دهرية المثال شبيهة بالدهريات الواقعية لانه برزخ بين الدهر و الزمان و دهرية الاجسام المادية امكانية فتدبر فاذا واجهها مادة من المواد تظهر فيها فالطول مثلا صورة مثالية غيبية نسبته من حيث انه طول الي جميع المواد بالسواء فان الحديد و الفضة و النحاس و التراب و غيرها جميعها منسوب اليه علي حد سواء لا بمعني انه اعطي الكل اسمه و حده كالدهريات بل بمعني انه في قوة الجميع و الكل يصلح لحكايته فكلما واجهه شئ مما ذكرنا يظهر فيه و المواد نسبتها الي الصور الغيبية تختلف بحسب قرب القابلية و بعدها من الفعلية فكلما كان قريبا من الفعلية يظهر عليها و ما لايكون قريبا من الفعلية يبقي في القوة و لذلك تختلف لحكاية الصور للاشياء فاذا عرفت ذلك مقترنا بما مضي فاعلم ان النار مثلا لها صفات منها الضوء و الحرارة و غيرهما و اذا ظهرت علي المادة تحكي المادة من كمالاتها علي حسب نفسها لا حسبها فربما يحكي المادة جميعها كاملا كالدخان اللطيف الصافي فانه يحكي ضوءها و بريقها و شفيفها و احراقها و غير ذلك و ربما يحكي المادة بعضها كاملا و بعضها ناقصا بحيث لايدرك العامة الا ما ظهر و ينكرون الخافي فربما يحكي المادة علي [ص 100] الكمال الضوء وحده كما في الجدار مثلا حين عدم قوة النار و اشتدادها فانه يحكي الضوء دون الحرارة و ذلك لغلبة البرد علي الجدار كما اذا ظهر نور السراج علي الثلج و البرد فانهما لايحكيان حرارة النار و ان حكيا النور اللهم الا قليلا بقدر ما يحكم العقل بوجودها لا اللمس و ذلك حين ضعف النار و اما اذا غلبت بحيث اخرج من كمونهما النارية علي الحقيقة يذوبان و يتبخران و يتصاعدان و ربما يظهر الحرارة دون الضوء و ذلك ما تري في الحجر و الحديد قبل ان يحمرا بالنار فانهما و امثالهما تتسخن بحيث تحرق اليد و لكن لاتري اثر النور فيها و كذلك ربما تحكي اللطافة دون الضوء بل ربما تحكيها مع خفاء الحرارة كاللطايف المشهودة من المايعات و غيرها فان اللطافة مخصوصة بالحرارة و البرد يقتضي التقلص و التقلص سبب الكثافة و يري علانية مواد تحكي اللطافة كاملة مع نقص الحرارة حتي انه ربما يقال ان الحرارة في القوة و البرد بالفعل و ليس ذلك الا لان المادة صلاحيتها لللطافة اكثر من الحرارة المفرطة فتدبر و لكن في جميع الحالات لا بد من حكايتها اي المادة لما به النار نار كما لايخفي علي الحكيم و لذلك كلما غلب النار علي مادة بحيث استحالت اليها يظهر منها جميع صفاتها ، فاذا عرفت ذلك فاعلم ان النار تظهر في جميع المواد كما تظهر في الدخان بلا تفاوت و لكن عمل الدخان جواني و عمل [ص 101] الباقي ربما يكون برانيا و لذلك ربما لايظهر في بعض جميع الصفات فالهواء الملاصق للنار مثلا يحكي جميع الصفات الا انها لاتظهر للعين للطافة المادة و كلما يبعد عنه لغلبة البرد يخفي الحرارة اسرع من الضوء و لكن الضوء ظاهر بلا حر فتقدر ان تسكن في الهواء المستضيء و اما اذا غلب الحر فلاتكاد تطيق و لايغلب الا بغلبة النار و من هذا الباب عدم احتراق العين فلعدم غلبة الحر هي علي حالها و تحكي الضوء لا ان ليس فيها الحر مطلقا بل تكون فيها الحرارة عند ملاقات النار و لكنها في غاية الضعف بحيث لاتعد موجودا و كذلك الروح البخاري فانه يستضيء و لكن لايحترق و لايحرق و لايغلب عليه الحر و لكن تؤثر فيه في الجملة و يظهر لك ذلك في ما اذا كان الهواء مثلا حارا كايام الصيف فاذا شاهد الانسان المعتدل نارا كسراج و نحوه يحس روحه من ذلك الحرارة و كذلك اذا كان المزاج فاسدا لغلبة الحرارة كل ما شاهد نارا يحس منها الحرارة و ذلك ان النار تسخن و لكن السخونة ربما تكون ضعيفة مع غلبة الضوء و ذلك لاجل عدم صلاحية المادة فكلما صلحت تظهر لامحة .
فصل - يشترط في الرؤية وجود نور يستضيء به المرئي مع عدم غلبته فاذا غلب النور يخفي المستنير لامحة و كذا يشترط مواجهة المرئي للعين بحيث اذا اخرجت خطا من المرئي الي العين صار عمودا عليها و بدون ذلك لايري ابدا فاذا نظرت الي [ص 102] الشبح من طرف آخر لاتراه و ذلك واضح ان شاء الله و كذلك يشترط بعده عن العين في الجملة بقدر ان يقع عليه النور و الا فلايري لانه يضطلم و يشترط ايضا عدم وجود الحجاب الغليظ في البين فان الحاجب الغليظ يمنع عن الرؤية و كذلك الشروط كثيرة و اعلم ان الاشباح ليست باجسام فلا عمق لها و اذا لميكن لها عمق فلا جنب لها و كذلك لا ظهر لها و ان هي الا ذو وجه واحد فاذا وقفت مواجها للشبح تراه و الا فلا و من هذا الباب انه يقع اشباح كثيرة في الهواء و لايصبغ بعضها بعضا مثلا اذا واجهت الشاخص يأتي عن يمينك ايضا شبح آخر و يمضي الي يسارك و مع ذلك لاتزاحم الشبح الآتي من قدامك الي خلفك و ذلك لان الشبح له وجه واحد فليس له جنب و لا شك انه اذا كان ذا جنب يؤثر في ما يأتي من قدامك و نري انه يأتي شبح احمر من اليمين الي اليسار و شبح ابيض من الامام الي الوراء و كلاهما خالصان نعم ربما نقول ان ما نراه من الاشياء في الدنيا ليست خالصة فلانكاد نري ابيض خالصا لان الاجسام مختلفة الالوان و يقع اشباح بعضها علي بعض و يحصل من تركيب الالوان لون غير واقع في الخارج مسلما و ليس ذلك من هذا الباب و لسنا بصدد شرح ذلك و بالجملة فالاشباح لا عرض لها و لذلك لايري الاشباح في الهواء الا من الوجه و كذلك لا ظهر لها و لذلك لانري الاشباح الصاعدة و ربما يزعم الزاعم ان [ص 103] ذلك من باب عدم انطباع الاشباح في الهواء و قد عرفت انه خطاء و سهو ثم لا بد في الرؤية من ان يكون المادة الغليظة المصورة بالصورة المرئية قايمة خلف الشبح و لولاه لايري و الهواء و ان كان موصلا الا انه لايري كما ان نور الشمس ينفذ في الهواء و لايظهر فيه و لكنه اذا وقع علي مادة غليظة يري و كذلك النور الواقع منها علي الجدار مثلا يكون كشمس غليظة بلا فرق و يظهر نورها علي الهواء و لايري و لكنه اذا وقع علي العين يري و كذلك يدركها الروح علي ما مضي و اذا كان الشبح في الهواء من غير ان يكون ذو الشبح خلفه لايري ابدا لان الهواء بنفسه غير مرئي و الشبح من غير جسم ايضا غير مرئي فلا بد من وجود ذي الشبح .
فصل - اعلم ان الروح وحداني لا اختلاف فيه بوجه فهو علي صورة واحدة و شكل واحد اذ هو مظهر صفة الواحد جل شأنه فلايكاد يتوجه في آن واحد الي جهتين ابدا ابدا نعم ربما يتوجه الي جهة في غاية الضعف و ذلك لانه لاينهمك الي جهة بتمامه مع سلب توجهه عن ساير الجهات اذ لو فعل ذلك لمات ساير بدنه و لكن توجهه في غاية القلة و لذلك لاتكاد تدرك من عينين في آن واحد الا بالتتابع و لكثرة سرعة الروح ربما يشتبه علي الانسان فيزعم انه يري مرة واحدة و لكن ذلك شأن الروح [ص 104] اللطيف و له اسفل درجة و هو حيث تعلقه بالبدن و هو غليظ و الروح الغليظ يمكن تقطعه كما تري في ارواح الحيات و الحشرات و روح هكذا يمكن ان يدرك من مشعرين في آن واحد فيسمع باذنه و يري بعينه و يكتب بيده علي سبيل الندرة و اذا كان الامر هكذا فلانحتاج بعد الي ان نقول ان الشبحين يقعان علي العصبة الجوفاء علي ما مر و يمكن لنا قول آخر ايضا و هو ان نقول ان الشبح في عينين و لكنهما تؤديان ما ادركتا الي روح واحد و اذا وصل شيئان متحدان الي روح واحد لايدرك الا شيئا واحدا كما اذا كان صوتان علي لحن واحد و حال واحد تسمع صوتا واحدا و اذا كان مقابل اذنك اليمني صوت و مقابل اليسري صوت شبيهين لاتسمع الا صوتا واحدا و اما اذا اختلف الصوتان تسمع صوتين و من هذا الباب ان الاعور بواحدة يري الشئ شيئين لان كل عين يؤدي الصورة الي الروح في مكان خاص فان العين المستقيمة مثلا يقع الشبح في وسطه علي الاستقامة و يقع في العين المؤفة في غير المكان الذي وقع عليه في العين الصحيحة مع انه قد ثبت في الحكمة ان الشئ الواحد من سطح واحد لاينطبع شبحه الا في عين واحدة فالعينان الصحيحتان ايضا لاتحكيان الشئ الواحد من سطح واحد في آن واحد اذ قد عرفت سابقا انه يشترط مواجهة الرائي للمرئي فكل عين يحكي سطحا غير السطح الذي يحكيه العين الاخري غاية الامر انهما [ص 105] تحكيان في مقام واحد و العين المؤفة ربما تحكي شيئا ارفع من العين الاخري او اخفض او عن يمينها او عن يسارها علي حسب اعوجاجها فيري النفس الشئ شيئين لانه في مكانين و يحتمل ان نقول ان العينين الصحيحتين ايضا تريان شيئين بالتتابع لاختلاف سطوح الشئ الواحد و مواجهتها للعينين علي اختلاف لاختلاف مكانهما في الوضع و لكن للمشابهة التامة لايدرك النفس شيئين او لان الاعور مرض عينه و النفس دايمة التوجه الي العضو المؤف بالطبع و كلما غفلت عنه تتوجه اليه فورا فيتتابع نظراتها من العين المؤفة و قد بلغ من السرعة حدا يزعم النفس انها تري من عينين مرة واحدة فتتوجه الي عين فتري ثم تتوجه فورا فتري و يختلف مكانهما و لسرعة التتابع تزعم انها تري شيئين و اما اذا كانتا صحيحتين لايتتابع الروح بالسرعة الاولي فينظر مرة من هذا و مرة من هذا فيري واحدا و ذلك قول جيد حسن و بينه ابي (اع) في ضياء البصاير و في المهدوية بين القول الاول و كلاهما صحيحان ثم قال ابي (اع) ان الروح كل ما صار اغلظ صار دركه اغلظ فامكن دركه لشيئين في آن واحد فاللامسة لانها اغلظ المشاعر و جمود روحها اكثر يدرك الروح شيئين مختلفين في آن واحد فمن يد يدرك البرد و من الاخري الحر و يميز بين شيئين في آن واحد و اما من حيث النفس لايكاد يفعل ذلك و من بعده [ص 106] الذوق و السمع و الشم و اما البصر فهو الطف من الكل فلايري شيئين في آن واحد ابدا فافهم .
فصل - في بيان مسألة شريفة احب بيانه و هي كيفية اداء العين الي الروح و ذلك من المسايل المعضلة . فاعلم ان الروح الحيواني بنفسه دراك مطلق و لايعرضه صفة خاصة و لايرد عليه مدرك ( بالفتح ) مخصوص فلاتزعم انه يرد عليه شئ من المدركات بل هو قابلية صرف كالنار الغيبية فانها قابلية مطلقة للضوء الحرارة و الاحراق و الفشو و اللمعان فانه ليس فيها صفة من تلك الصفات قبل التعلق بالدخان و بعد ما ظهر في الدخان او شئ آخر من المواد الزمانية يظهر ضوؤها و فشوها و لمعانها و لطافتها و غيرها و يمتاز بعضها عن بعض و اما قبل الدخان فلا ظهور لشئ منها و لا امتياز في النار و كذلك امر الروح ظهور دركه في المادة الجسمانية لا فيه فاذا كان المادة الجسمانية قابلة لدرك جميع المدركات تحكي جميع الادراكات كما مر سابقا في بيان النار و ان كانت صالحة لدرك شئ خاص تدركه فالعين لما حكت الروح و حكت ادراكه و كانت قابلة للرؤية خاصة لمتدرك الا الالوان و الكيفيات لان العين لاتملك سببا يؤدي الصوت و غيره الي الروح الا اللون و الكيفية و كذلك ساير المشاعر كل منها خص بشئ و ادركه فاذا وصل الاشباح الي العين و الروح البرزخي قد تعلق بالعين يدركها فيها و منها و ليس [ص 107] لنفس الروح لون و شكل لا قبل الادراك و لا بعده ثم يؤدي العصبة الدراكة ما ادركته الي الروح البخاري لاتصال الآلات بعضها ببعض و الروح البخاري لكونه من الاجسام الدنيوية صالح للتغير بما يرد عليه و للطافته و صفائه يقبل ما يرد عليه من اي سنخ كان كبعض الاجسام الاخر و الروح البخاري يتلون باللون الوارد و لما كان حيا بحيوة الروح يدرك ما يرد عليه و لما كان الروح البخاري في غاية اللطافة و قد صار من اللطافة بحيث اتصل اعلاه باسفله و اسفله باعلاه يؤدي ما ادركه الي جميع المراتب فيشتعل جميع البخار في جميع البدن بذلك و الروح البرزخي وحداني حقيقة و وحداني التعلق فيجد ما ادركه في جميع مراتبه و لكنه لايأخذ لنفسه البرزخية شيئا من ذلك فهو قبل الادراك و بعد الادراك و مع الادراك في صورة واحدة كالنفس الخارجة من الفم فانه يتقطع في مقاطع و يتهيأ بهيآت الحروف و اصله واحد قبل الحرف و بعده و معه كما تري في النار فان بظهور الضوء و الاحراق في الشعلة لميتخصص النار البرزخية بل هي علي هيئتها يوم اول فتدبر و ذلك من مشكل الكلام الذي لايؤمن به الا حكيم ماهر و يأتي انشاء الله في بيان المشاعر البرزخية زيادة بيان لك و اعلم ان الروح المتعلق بالبدن واحد و لاتزعم ان روح العين غير روح الاذن و روح الاذن غير روح الشم بل هو واحد و يسمي [ص 108] باسماء مختلفة في المجالي و يوصف بصفات فاذا كان هكذا فهو لايحتاج في نفسه ان يأخذ شيئا من مقام و يوصله الي نفسه بوسايط بل هو يدرك في كل مقام و لكن الحوامل ضعيفة غليظة فربما تدرك شيئا و ربما لاتدرك و ربما تحتاج الي وسايط فالروح لكونه واحدا تعلقه بالغيب و الشهادة علي نهج سواء فاذا اديت شيئا الي عينك اديته الي روح متخيل متفكر عالم متوهم و لكن قد عرفت ان جميع ذلك في الروح علي الابهام و ظهورها في الدخان فلا بد و ان يؤدي العين الي الدخان حتي يتخيل الروح في ما ادركه في الدخان فمن ليس له مشعر خيالي لايتخيل الروح في ما ادركه مع انه قابل و كذلك اذا انهمك في العين بحيث قد اعرض عن البخار لايكاد يتخيل و يتدبر في ما ادركه و ان وصل ذلك بالطبع الي البخار لان البخار لايدرك و الروح يدرك و هو غير متوجه كما انه اذا صوت في جانب اذنك و انت غير ملتفت لاتسمع مع ان الصوت يصل الي العصبة و لكن الروح الدراك غافل عنها فلايلزم ان تدرك في مشاعرك البرزخية ما ادركته بالمشاعر الظاهرة الا بالتوجه التام بل نقول ربما لاينطبع ما تدركه في اعالي الدخان مع الغفلة لعدم المواجهة التي قد عرفت سابقا انها من شرط الانطباع و بالجملة فالشعور فرع التوجه و التعمد و كذلك الحفظ فرع ذلك فاذا رأيت شيئا لمتعتن به لمتحفظه و ذلك مجرب .