فصل - ازيدك فصلا آخر ابين فيه رمزا آخر . لعلك قد زعمت مما ذكرنا ان تلك العوالم الثمانية كلها كرات خارجة عن الملك بعضها فوق بعض و نحن نسير فيها كما نسير من مكان الي مكان او من الارض في الهواء حاشا ان يكون كذلك و ما هكذا عرفنا من بيانات مشايخنا و احاديث ساداتنا سلام الله عليهم بل جميعها في غيب هذا الملك و قد بينت شرح الغيب في شرح الخطبة في الجملة و اذكر هنا بيانا غضا طريا بينه ابي اعلي الله مقامه في بعض قراطيسه و بعض رسائله فاعلم ان هذا العالم الذي تراه هو عالم الاجسام و من العرش الي الثري ظهورات الجسم المطلق [ص 39] و الجسم المطلق بنفسه جوهر كلي غير مخصص بخصوصية ملكية و لا متعين بتعينات عرشية و كرسية و سماوية و ارضية بل هو جوهر فرد مطلق صالح للكل و له مادة و صورة و طبيعة و نفس و روح و عقل و فؤاد فالمادة الكلية التي نذكرها مادته و المثال الكلي صورته و الطبع الكلي مادته قبل التعلق بالصورة و النفس الكلية نفسه و الروح الكلي روحه و العقل الكلي عقله و الفؤاد الكلي فؤاده و المشية الكلية فعل الله المتعلق به و الكينونة الكلية نور الله المتعلق به و ربه و لما كان بنفسه واجدا لجميع ذلك بالفعل علي نحو الاطلاق و ظهر في الافراد ظهر بمقومته لا محالة و مقومته صاحبة جميع ما ذكرنا بحيث لو خلي عن شئ منها لمابقي له وجود و مااخضر له عود فلما ظهر في العرش و الكرسي و الافلاك ظهر بجميع ما له و به و منه و لذا يصدق علي العرش انه جسم و للكرسي انه جسم و لو بقي شئ منه لم‌يظهر لماصدق عليه الجسم بل صدق عليه بعض الجسم نعم للعرش مادة جسمانية غليظة كثيفة بالنسبة الي مادة الجسم المطلق و له شخصية فلايصلح الا علي حكاية كمال واحد كاملا من حيث نفسه فاظهر من كمالات مقومة الجسم واحدا و اخفي الباقي و اختفاء الكمالات غير العدم و لذلك يصدق عليه مع ذلك انه جسم و لولا قوة الكمالات لماصدق عليه الجسم و كذلك الكرسي و كذلك الافلاك فظهر في كل مادة كمال قويا و الباقي علي الضعف [ص 40] و الاختفاء فحكي العرش عقله و الكرسي نفسه و الشمس طبعه و الافلاك مثاله و الارض جسمانيته و ذلك معني ما يقال ان العرش عقل الملك و الكرسي نفسه و الافلاك مثاله و مع ذلك كله يكون في الكل الجميع و ذلك معني ما يقال ان جميع الافلاك و الكرسي و الارض في العرش و الكل في الكرسي و هكذا و قد عرفت مما مضي ان الغيب مطلق يظهر في القابل علي حسبه فالجسم المطلق لاطلاقه حكي الغيوب متحدة مطلقة و لكن العرش اخص منه فيخصص العقل و يميزه من النفس و يظهر كمالات العقل فيه الاتري معنويته و اطلسيته و سرعته و لطافته و الكرسي يميز النفس الاتري فيه سعتها و شؤنها و كمالاتها و الافلاك تميز المثال الاتري خصوصيتها فالمشتري علم و القمر حيوة و الزهرة خيال و هكذا و كذلك المواليد الخاصة تحكي المراتب علي حسبها الا ان الكل موجود في الكل و بعضه خفي و بعضه ظاهر و الخافي و الظاهر كلاهما خاصان فتري مثالا خاصا في الغاية و طبعا خاصا و هكذا علي ما شرحنا سابقا فالخواص موجودة علي الخواص و العمومات علي العمومات فاذا عرفت ما ذكرنا تعرف بعد ذلك سر قول مشايخي ان افلاك عالم المثال في غيب افلاكنا و ارضوه في غيب ارضينا و كذلك افلاك عالم النفس و ارضوه بل جميع العوالم و بعد يقل وحشتك من نشر من في القبور و حشرهم [ص 41] و اتيانهم البرزخ فان من اقبر هنا يحيي من هذا القبر بعينه في المثال فان القبر المثالي في هذا القبر و البدن المثالي في هذا البدن و هذه الارض بعينها ارض المحشر علي ما ذكرنا لانها فيها نعم اليوم لغلبة الاعراض بسبب الاختلاط و الامتزاج و تعاكس الفواعل و قبول القوابل خفيت الغيبيات و بعد ما استخلصت تراها كأنها مارأيتها قبل و لذلك نقول انك لاتري الجنة و النار و القيمة وجودا بل ما تراه علمي لانها لم‌تستخلص بعد عن الدنيا و بعد الموت و فناء العالم و نفخ الصور يستخلص كل شئ عن صاحبه و اما رؤية النبي صلي الله عليه و آله ليلة المعراج فعلي غير الوجه العلمي بل مضي علي جميع الاشياء في اماكن وجوداتها و رآها و لا شك انها في مقاماتها موجودة كما انك في مقامك موجود بلا تفاوت فافهم من هذه المقدمة حقيقة النفس و انا و ان لم‌افصح عن صريح البيان لانه رمز مبهم و سر منمنم الا اني اشرت الي كل مطلب بقدر فهمي القاصر و من كان من اهل الديار يعرف المراد بلا غبار و لايعرف رطن مشايخي الا ولد بطنهم و انا اسأل الله ان يجعلني من المتمسكين بحبلهم ان لم‌اك من بطنهم حتي اعرف بعض كلامهم بحول الله .

[ص 42] المطلب الاول

في كيفية ادراك النفس و فيه مقدمة و ابواب :

المقدمة - في بيان مسألة تكون مقدمة لبيان الادراك و لا بد من معرفة ذلك و فيها مقامات :

الاول - اعلم ان النفس علي ما ذكرنا سابقا نور الله و صادر من مشيته متعلق بالقوابل الشخصية و عرفت سابقا ان القابلية تصبغ النور الظاهر فيها البتة و ذلك واضح ان شاء الله و قد ذكرته سابقا و اعدت البيان هنا من باب الايضاح فالنفس الغيبية المطلقة اذا تعلقت بزيد البدني تخصصت فلما تخصصت ظهر نورها منه بالخصوص كما ان النار الغيبية لما ظهرت علي الدخان الخاص تخصصت و تقيدت فكلما ظهر بعد من صفات النار ظهر ملونا بلون الدخان و لكنه ايضا بالنسبة الي ساير المرايا مطلق و كل ما ظهر بعد في ساير المرايا تخصص بخصوصيات اخر و كذلك امر النفس قد تعلقت بقابلية زيد البدني نوعا بالنوعية و تخصص في الاخلاط بخصوصيتها و في المدارك بخصوصيتها و في البرازخ بخصوصياتها و جميع ما منها راجع اليها و ما من النفس راجع اليها .

الثاني - لا بد لنا من معرفة كيفية تولد الاخلاط و تعلق الارواح حتي تفوز باصل المراد اعلم ان الغذاء اذا ورد الفم و تطحن فيه بالاضراس و الطواحن و اختلط بلعاب الفم يرد [ص 43] المعدة بجذبها و لولا الجذب لماقدر الانسان علي البلع كما هو معلوم في الطب ان اذا مرض الانسان بمرض ينافي مزاج الجذب او استوحش بحيث نسي الطبع الجذب لايكاد يبلع بعد و قد جعل الله الاضراس لطحن الغذاء و لولاها لكان يفسد الانسان بنيته كما جربت ان بلع غذاء غير مطحون يضر بالبدن و لولا اللعاب لماكان قادرا علي الابتلاع لان الغذاء ربما يكون يابسا و لايجري في الحلقوم فجعل الله اللعاب لان يستعين به النفس علي اجرائه في الحلقوم و تليينه بواسطة اللزوجة فاذا ورد المعدة و غلب عليه الحرارة التي جعلها الله في المعدة بحيوتها و اتصالها بالقلب يطبخ فيها حتي يصير كالكشك اي كشك الشعير بحيث يمكن استخراج اللطيف من الكثيف و قبل ذلك لم‌يكن يمكن ذلك و قد جعل الله عروقا ماصة دقاقا بين الكبد و المعدة تسمي بعروق ماساريقا تمص لطايف الغذاء و تجذبها بحرارة الكبد و حقيقة الجذب خفية علي الاكثرين و حقيقته ان الجسم الحار يحلل ما يكون فاصلا بينه و بين المجذوب من الهواء و البخار اللطيف او جسم آخر و كل ما يحلله يقرب منه المجذوب فانه قد ثبت في الحكمة ان بعد شئ عن شئ لجهة الفاصل و لو رفع الفاصل لاتصل الاجزاء اماتري انك اذا اخذت ابريقا ذا ميزاب و ملأته من الماء و جعلت رأسه خاليا بقدر اصبعين عرضا مثلا فوضعت طرفه الاوسع في الماء [ص 44] و الميزاب خارجا يجري الماء من ميزابه دائما و ذلك لانك اذا وضعته في الماء ينزل الماء و يخلو تحته عن الهواء الغليظ في الجملة فكلما يجري الماء من الميزاب يزيد الخلاء فيكثر الجذب و لما كان الابريق غليظا لاينكسر و لكن يجذب الماء من الحوض و يجري من الميزاب و كذلك اذا اخذت فنجانا صغيرا او دواة و وضعت فمه علي فمك و مصصته حتي اخذت هوائه يجذب شفتك اليه بحيث يغلب الوجع عليها و من هذا الباب ميل الجلد الي الاعلي في زجاجة الحجام و امثال ذلك كثير فاذا كان الكبد حارا و نفذ حرارته في العروق الدقاق المسماة بماساريقا تحلل الفواصل فتقرب من العروق لطايف الغذاء فتجري فيها و منها في الكبد فيحصل في الكبد ماء صاف لطيف هو من صفايا الاغذية و صورته و ان كانت واحدة و تدعي كيموسا الا انها مركبة من اخلاط اربعة هي عناصر اجتمعت في الغذاء المتخذ من الارض فالكبد يطهره و ينقيه و يدفع فضوله فالمرارة تجذب اليها الصفراء و الكلية الماء الملح و الطحال السوداء و يبقي دم اصفر هو يجري في القلب و بعد ما جري في القلب يتسلط عليه الحرارة المفرطة و تبخره فاذا تبخر الدم يصعد صاعدا مسلما كما تري ان البخار يصعد من الماء صاعدا و ذلك ان الحرارة بنفسها صاعدة فاذا سلطت علي شئ غيرها تكملها فتبدد اجزاءها و تفرقها لغلبة النارية عليها فالبخار هو اجزاء الماء [ص 45] او الدم لا غير و جرب ذلك في القرع اجعل بعضه ماءا و بعضه خلاءا و اجعله علي الاجانة او غيرها في الشمس فاذا بخر تري اجزاء البخار مياها صغارا كذرات و كذلك الامر في الدم و غيره و يشهد بذلك ان اذا غلب البرد علي البخار المتصاعد حتي عقده منعه عن الصعود فيقف و يلحق به اللاحق و تتصل الاجزاء بعضها ببعض فتتقطر ماءا سيالا فالبخار المتصاعد من الدم هو هو الدم اللطيف لا غير و هذا الدم اللطيف يسمي بالروح البخاري و هو نباتي لانه يجمع العناصر جميعها و هو الصورة المتوحدة فوقها فتجذب بناره و تدفع بمائه و تهضم بدمه و تمسك بترابه و بعد اجتماعها يتربي الشئ فالمربية هي صورة المجموع و قد تسمي بالنامية و يخدمها هذه الاربعة جميعها و فهم كيفية عمل هذا البخار اللطيف بالاعمال المذكورة مع وحدة الصورة في غاية الاشكال لان نفس الصورة واحدة و هي صورة المجموع فلا نار و لا هواء و لا ماء و لا تراب الاتري ان السكنجبين المركب من الخل و الدبس لاتري فيه خاصة الدبس الخالص و الخل الخالص بل له خاصية ثالثة فوقها و ذلك واضح ان شاء الله و كذلك الامر في الروح فان الروح البخاري مولود خامس و ليس فيه نار وحدها حتي تجذب و لا تراب وحده حتي يمسك و لا هواء و لا ماء حتي يهضم و يدفع فهو بجميعه هاضم و ماسك و دافع و جاذب [ص 46] و ان قال جاهل انه يمسك تارة و يجذب اخري اقول انه صورته هي صورة مجموعية حاصلة من الجميع و لو خلصت اي صارت صاحبة خاصية واحدة لتغيرت فصارت خلطا واحدا و الخلط الواحد جماد لا نبات فليس هذه الافعال المتكثرة في نفس الروح و لكن الروح نامية مطلقة و مربية مطلقة و منها الاقبال المطلق و لكن الافعال المختلفة تظهر في البدن و البدن مركب من العناصر و لكنها لم‌تمتزج فيه حق الامتزاج كما هو في الروح و يمكن تفصيل العناصر بعضها عن بعض من المركب البدني الدنيوي فهو بمنزلة الماء الحار مثلا فانه يجذب بحرارته و يدفع بمائيته و فعل الروح المطلق يظهر فيه و ربما يكون بعض اجزاء البدن الغالب عليه الحرارة فيشتد فيه الجذب و الغالب علي بعض الامساك فيكثر فيه امساكه كالعظم و بعض يكثر دفعه فيظهر هنا دفعه كالمعاء و بعض يغلب هضمه فيظهر هنا هضمه كالعروق و مع ذلك كله في كل منها يكون العناصر الاربعة و الخواص الاربعة بلا شك و لو زدنا في البيان لطال بنا المقال و هكذا الامر في النباتات الا ان نباتيتها غليظة كيلوسية و اختلاف اجزائها اكثر و لكن مع ذلك يظهر الفعل منها في ابدانها و قد صارت غليظة لانه لا كبد لها لا لمانع آخر الحاصل فاذا صعد البخار الصافي اللطيف من القلب الي الدماغ يبلغ من اللطافة حد الدخانية و يتعلق به حرارة غريزية هي الروح الحيواني الفلكي [ص 47] و قد خرج من غيب هذا البخار بعينه لا انه نزل من سماء او صعد من ارض فانه قد ثبت في الحكمة ان هذا التراب مجمع جميع الافلاك التسعة و العناصر الاربعة الا ان الغالب عليه التراب و الباقي فيه بالقوة اي قوة قريبة لا بعيدة كما مر في المقدمة فكلما صلح لاستخراج شئ منها غير التراب عنه خرج بلا مانع فلما لطف و صار بلطافة دخان فلك قمر تعلق به روح القمر الذي هو الحيوة اي خرج من كمونه كما خرج الصفراء الذي هو النار و السوداء الذي هو التراب و الدم الذي هو الهواء و البلغم الذي هو الماء و ذلك واضح ان شاء الله و قد اشكل معرفة حقيقة الامر علي جماعة فزعموا ما زعموا و وجه اشكالها ان الحكيم ربما يبين بيانات عالية ربانية فيشتبه الامر علي غير المطلع علي سره و لايعرف مراده بالجملة الحيوان هو فلكية هذا الغذاء اللطيف الصافي المتدخن و الغذاء هو الدخان الغليظ المتحجر لا غير فافهم و اشكر الله علي ما بينت لك واضحا نيرا و بدؤ تعلق الروح الحيواني بالدخان حين صعود البخار من القلب و كماله في الدخان و لما كان الروح حارا بحرارة الافلاك يقتضي الحركة مسلما كما تري في النار فان كل حار متحرك لان الحرارة سبب التلطيف فاذا تلطف الشئ يحكي فعل الله سبحانه و اول الكمالات و هو الحركة الا انها غير الحركة التنقلية و الوضعية و غيرها بل صرف كمال و لذا نقول هو خلق ساكن [ص 48] لايدرك بالسكون متحرك لايدرك بالحركة بل لها حركة فوق الحركة و السكون و علم الحركات اصلها من العلوم المشكلة و ان وفقني الله سبحانه و له الحمد ساكتب فيه رسالة مخصوصة و ما يفيدنا منه هنا بيان حركة الروح ، فاعلم ان اصل الحركة صفة الله سبحانه الظاهرة في مشيته الا انها ليست حركة انتقالية و قد ظهرت في القوابل الخلقية علي حسبها و تجلت في كل قابلية بما تصفه و تقتضيه فانصبغت فلما ظهرت في العناصر الاربعة اقتضت ميلها الي حيزاتها فالتراب يميل الي حيزه فيتحرك نحو مقامه و درجته و الهواء الي حيزه و الماء الي حيزه و النار الي حيزها فالنار تصعد و لاتنزل و التراب ينزل و لايصعد و الهواء و الماء بين بين و لما كان الافلاك مركبة منها لاتقتضي حركة واحدة من الصعود و الهبوط بل شأنها الحركة الدورية و هي ابسط الحركات لان حركة كل واحد من العناصر الي جهة و هذه الحركة اجمع فهي اقرب الي البساطة و سر الدوران النار تقتضي الصعود من فوق هكذا و الهواء يقتضي الانتشار من فوق هكذا و التراب يقتضي النزول هكذا و الماء يقتضي الانتشار من تحت هكذا و لما لم‌تكن مستقيمة لعمل كل في كل ان يحدث الدايرة هكذا و كذلك الدخان المتصاعد في الرأس يقتضي حركة دورية [ص 49] بالارادة بخلافه حين كونه بخارا في القلب فانه لغلبة برودته المائية و يبوسته الترابية لم‌يخلص بعد حتي يتخلص له الحركة الدورية بالارادة و لكنه بناريته و هوائيته يصعد و بترابيته و مائيته ينزل دايما فيحصل الحركة الانقباضية و الانبساطية بلا ارادة و من ذلك حركة النبض و منه النفس فان الرية بناريتها و هوائيتها تنفتح و بترابيتها و مائيتها تنقبض فتأخذ الهواء اولا و تخرجه بضغط ثانيا و بذلك يتبرد القلب فهي كمروحة عليه و اذا صعد البخار الي الدماغ يصير سماويا و بمقتضي سماويته يلزم صعوده فوق المركز و احاطته به كما في الدنيا و لكن لم‌يصر هكذا لان الافلاك في العالم وسيعة و ليس في حيزها شئ غيرها فتصعد بطبعها الي حيزها و لكن الدخان المولود محبوس مسجون في العروق فلايقدر علي السير الي الحيز بسبب ذلك الا بما شاء الله و تمنعه العروق عن الحركة الدورية لانه لم‌يقم كالكرة و صار بشكل العروق و الفضوات و الاوردة قهرا و قسرا و بناريته و هوائيته يقتضي الصعود و باخويهما النزول و يصير حركته في الدماغ علي خلاف الانبساط و الانقباض بل حركات اقبالية و ادبارية و عرضية انتقالية لاجل كون مطلوباته و مشاكلاته الطبعانية في عرضه خارجة عنه و عدم كون مركزه مركز العالم و كونه بكله فوق الارض و يحدث له ميل و رضا و غضب و ارادة [ص 50] اما رضاه و غضبه فاعلم ان هذا البخار لشدة لطافته و رقته و تشاكل اجزائه في اعتدال و انتضاج و وحدانيته و جامعيته بين الطبايع و عدم ميله بنفسه الي طبع دون طبع اذا اصابه او قارنه ما يشاكله مال اليه و اتصل به و اذا اصابه ما ينافره دفعه عنه فالاول رضاه و الثاني غضبه و ميله امر قهري طبعي كدفعه كما تري في المقناطيس و الحديد ان الحديد يميل الي المقناطيس بالطبع و النار تدفع الماء و لما كان الروح اسرع منها يظهر فعله اسرع مع انه يتقوي بمثله فينجذب اليه و يميل اليه و يتضعف بما ينافره و ذلك واضح ان شاء الله فيدفعه و اما معني ارادته فاعلم انها ليست بروية بل هي امر طبيعية كاحراق النار و هي اما من الاسباب الخارجة او البواعث الداخلة و ذلك ان الله سبحانه جعله معتدلا صافيا لطيفا كما عرفت فاذا وجد شيئا من الخارج مثلا مقويا لنفسه ينجذب اليه و ذلك الميل يسمي بالارادة و الانجذاب حركة ارادية و ربما يكون الباعث من داخل كان يغلب عليه الحرارة مثلا فانه يكثر ميله الي الطعام و ذلك ارادته و كذلك الامور الاخر فهو ح صاحب ارادة بلا فكر و لا روية و ربما يكون باسباب خارجية تصل اليه من المدارك كان يسمع صوت حبيبه او يري وجهه فينصبغ روحه بصبغ حبيبه فيحن اليه لما يراه مقويا لنفسه فينجذب و يتحرك نحوه فتدبر فالروح التي هي بمنزلة الطبيعة الخامسة بل هي هي لا غير تكون صاحبة [ص 51] الارادة و الميل و الرضا و الغضب بهذا النحو الذي ذكرته و كذلك تكون صاحبة الادراك بمعني انها بنفسها تجد نفسها و لاتفقدها و هي بنفسها هي هي و لما كانت بريئة عن الحدود منزهة عن النهايات اي الحدود و النهايات الجسمانية تكون مطلقة فهي صاحبة ادراك مطلق اي هي مطلقة و تجد نفسها مطلقة و لا تمايز فيها لشئ من العين و الاذن و اللسان و الانف و البدن و كل ما اتصل او قارن ببدنه شئ من المدركات تنصبغ الروح بصبغ المدرك اي نحو كان و يجد الحيوان نفسه هكذا و ذلك معني الادراك لا غير و لما كان الناس مشتغلين بادراكاتهم الحيوانية و الانسانية لايقدرون علي تمييز ادراك كل منهما و سيظهر لك الفرق مما ابينه عن قريب انشاء الله تعالي و مرادي هنا الاشارة ثم لما تم مولود الحيوان القمري و صعد صاعدا حتي تلطف و تصفي و بلغ لطافة فلك عطارد يحيي بحيوة عطارد و كما صار صاحب فعلية القمر و ظهر منه آثار القمر هكذا يظهر منه هنا آثار عطارد و لما كان عطارد كوكب الفكر اذا تعلق روحه بالدخان الحيواني يكون متفكرا الا انه في السماء مبهم اطلاقي و في رأس الحيوان شخصي و اذا صعد من هذه المرتبة و بلغ بلطافة الزهرة تعلق به روح الزهرة فصار متخيلا لان الخيال اثر الزهرة بل صورتها الا ان الصورة السماوية مطلقة لاطلاق جرم الفلك و زهرة الحيوان شخصية لشخصية جرم [ص 52] فلكها و اذا صعد من هذه المرتبة و صار بلطافة فلك المريخ تعلق به روح المريخ و المريخ كوكب الوهم و هو صورته و التوهم اثره فاذا ظهر في الدخان الحيواني يكون متوهما بالتشخص علي ما مر و اذا صعد من تلك الدرجة و بلغ بلطافة فلك المشتري تعلق به روح المشتري فيكون عالما و هكذا اذا بلغ بلطافة فلك زحل تكون متعقلا و اذا بلغ بلطافة الكرسي يتعلق به النفس و بلطافة العرش يتعلق به العقل و جميع هذه المراتب مراتب الحيوان الا ان الحيوان له فسحة وجود اسفلها ما تراه في الديدان و الحشرات و اعلاها ما في الانسان و هو في كل مرتبة يكون صاحب فعلية خاصة هي خاصة تلك المرتبة و في اول المدارج يكون متحركا بالارادة مدركا بلا تخيل و تدبر صائتا علي حسب بدنه او غير صائت و في اعلي المراتب يكون ناطقا عاقلا عالما متوهما متفكرا متخيلا يعني انه يكون صاحب درك مطلق و حركة مطلقة و ارادة و ميل و غضب مطلقة فكلما تهيأ له الاسباب ظهر صفاته المطلقة فيها علي نحوها لا نحوه ففي اول المدارج يقع ادراكه علي السمع و البصر و اللمس و الذوق و الشم و في اعلاها علي التعقل و التعلم و التوهم و التخيل و التفكر و في الاواسط علي حد الوسط و ان اردت الامتياز بين الدرك الحيواني الاولي و الحيوان الناطق فاعلم ان الحيوان ينظر الي السراج مثلا و يقع شبحه علي عينه و منها [ص 53] علي روحه و يجد شيئا لايدري مم الي م نعم ربما يدرك نوره و حرارته بالطبع لا بان يعرف انه نور و حرارة و اما الحيوان الناطق فيدرك السراج و ما هو و من اي شئ هو و لكل مدرك يجده الانسان به و بالجملة فبعد ما اجتمع هذه القبضات علي ما بيناه يتعلق نفس وحدانية بها هي الطبيعة الخامسة لها علي ما بينا في الحيوان و النبات و تسمي حيوانا لحيونتها و انسانا لانسها او لنسيانها و اصلها من الدهر كما تري ان نفس الملك دهرية الاتري انه لايمر عليها الايام و الليالي الدنياوية و لاتتغير بتغيراتها فزيد زيد في الدنيا من بدو تولده الي آخر عمره و في البرزخ و في الآخرة و في جميع الجهات و الحيوث و الرتب و المقامات و في كل آن بخلاف المواليد الدنيوية فانها دايم التغير و التبدل فكل مولود دنيوي مثلا في الآن الثاني غيره في الآن الاول كالبدن فانه في هذا اليوم علي صورة و في اليوم الآخر علي صورة اخري و ربما تتجدد عليه صور متشاكلة و تشتبه علي الناظر و بالجملة فهذه النفس انسانية و لكنها انسان كوني يعني انه من سنخ الحيوان فانه فلكي كساير الحيوانات الا ان حيوانيته الطف و اصفي و ارق من ساير الحيوانات و ليس هي الانسان المصطلح في عرف الحكماء و الائمة الطاهرين سلام الله عليهم اجمعين الاتري انه يشارك المؤمن في ذلك المجوس و اليهود و النصاري [ص 54] و الصابئي و الكافر و المشرك بل ربما يكون كافر اكمل في هذه الانسانية من مؤمن فربما يكون خياله اصفي و فكره احسن فليس ذلك مناط الكفر و الايمان بل هو شئ غير ذلك و هو انه لما تم خلقه الكوني يعرض عليه الكفر و الايمان و الكفر هو الانحراف عن الصراط المستقيم و الايمان هو الاعتدال فاذا اعتدل مزاجه لايقبل ما يكون خارجا عما اختاره الله بخلاف المنحرف فانه يقبل كلما يخالف رضي الله سبحانه لان الله سبحانه هو المعتدل الحقيقي لاحديته و يحكي عنه اقرب الاشياء منه و ليس شئ اقرب اليه من الاعتدال لان في عرصة الافراد المنحرفة الشرقية الغربية الجنوبية الشمالية اقرب النقاط من الاحد الذي لايقف في جهة و كل الجهات جهاته النقطة المركوزة في الوسط و الواحد الذي قد نشا في القطب مع انه لايكاد يصل الاحد ابدا فانه نقطة واحدة كما قال الشاعر :

قد طاشت النقطة في الدايرة فلم‌تزل في نفسها حايرة

محجوبة الادراك عنها بها منها لها جارحة ناظرة

و لكن لغاية اعتدالها كأنها واقفة علي الطتنجين ناظرة في المغربين و المشرقين و كلما تكون نقطة اقرب منها تكون اعدل من الابعد الذي علقت به اشياء الثقيل كما قال شيخ الرئيس :

حتي اذا اتصلت بهاء هبوطها عن ميم مركزها بذات الاجرع

علقت بها ثاء الثقيل فاصبحت بين المعالم و الطلول الخضع [ص 55] 

فالمؤمن الواقعي الحقيقي هو النقطة التي ظهر عليها اسم الله المؤمن و كل ما بعد عنه يبعد عن الايمان الحقيقي فلايكون معصوما و لكنه يسمي بالمؤمن من باب المشابهة او الغلبة و غير ذلك و بالجملة فالايمان هو الاعتدال و كلما مال الي الاطراف و سلك في اليمين و الشمال و ترك الجادة المستقيمة التي هي صراط الله العزيز الحكيم و المنهاج القويم ينحرف مسلما و الانحراف هو الكفر و الكفر علي حسب الانحراف ان قليلا فقليلا و ان كثيرا فكثيرا و الناس في هذا الاعتدال مختلفون فمنهم من اخذ يوم اول لتركيبه اجزاء معتدلة صافية و ركبت من قبضات فلكية و ارضية علي نهج قويم فتعلق بها نفس معتدلة هي من حيث الاسفل مزاجه و من حيث الاعلي فؤاده و نفسه الاتري الي السكنجبين اذا اخذ من الخل و الدبس علي وزن معتدل علي ما ينبغي للسكنجبين المعتدل يكون معتدلا و الا لكان منحرفا فاعتدال المولود باعتدال اجزائه و انحرافه بانحراف اجزائه فاذا كان اجزاء الانسان معتدلة تعتدل نفسه كما قال علي عليه السلام اليس من اعتدل طباعه صفا مزاجه و من صفا مزاجه صح منهاجه فاذا صفا مزاجه و صح منهاجه قوي اثر النفس فيه ، فصفاء المزاج منوط باعتدال الطباع و هو اسفل النفس و هي اعلاه فبصفائه تصفو لامحة فاذا كان المولود معتدلا من حيث الاجزاء يوم [ص 56] خلقه يكون نفسه معتدلة و اذا كانت الاجزاء منحرفة فلا بد من تعديلها حتي تصفو النفس و تعتدل و ذلك واضح ان شاء الله و قل من يكون من بدو تكونه معتدلا الا المبدأ الذي لايسبقه سابق حتي يكمله و لايلحقه لاحق من الخلق حتي يكون بصفته فكل من هو غيره يكون منحرفا الا ان يكمله المبدأ حتي الانبياء و المرسلين ثم هكذا الامر في المنتهي اذا بلغ غاية الانحراف يتعلق به نفس سجينية تكون مبدأ الشرور و ليس وراء عبادان من قرية و غيره يكون اقرب الي الاعتدال مسلما فيكون خيرا منه من حيث الطبع الا ان يتربي بالتربية الظلمانية و يشتد انحرافه و هذا الاعتدال هو الصورة الشرعية و هي النفس الانسانية التي هي اكبر حجة الله علي خلقه و لا شك ان الاعتدال ليس من الاخلاط و لا اليها بل هو صفة النفس الدهرية و الصفة ليست حاصلة من الاغذية الدنيوية و الاسطقسات السفلية و ان كانت ظاهرة عليها و ان جمعت التعارض بين كلامي هنا و آنفا فانت انت و سيأتي زيادة البيان لذلك بعد ان شاء الله حين تعرضنا لذكر بقاء النفس فترقب و هذا الاعتدال هو اثر الشارع الذي هو المشية الشرعية يسطع منه نور الاعتدال و هو نور التربية و يلقي في هويات الاناسي الكونية فيتخصص فيها و يظهر منه فيها جميع آثار الايمان حتي التوحيد علي خلاف الانحراف فانه يظهر من رأس الكفر علي القوابل و يتخصص في بطنها [ص 57] و يظهر منه فيها جميع آثار الفسوق و العصيان و منه الشرك و الكفر و الشقاء و الطغيان فافهم ان شاء الله و اعلم ان هذا الايمان و الكفر سابقان وجودا علي زيد الكوني آخران ظهورا و قد ذكرنا هذا المختصر هنا استطرادا و يأتي بعد ان شاء الله بيانه بالدليل و البرهان مفصلا فلاتنكره علينا هنا قبل ما تراه آخرا فان فهمته بعد مطالعته و الا فاسلم تسلم .

الثالث - لعلك كنت تزعم قبل بياني هذا ان المؤمن شخص خارج عن زيد له بدن خارج فيدخل تارة و يخرج اخري كالكفر و ربما تري ان له فعلا غير فعل زيد و اثرا غير اثره حاشا ان يكون ذلك كذلك بل زيد الكوني بمنزلة الدخان و الايمان بمنزلة النار الظاهرة عليه و هو بمنزلة الدخان و الكفر كسواده و لعلك اذ سمعت ذلك زعمت انه صورة بلا مادة حاشا ان يكون كذلك بل له مادة هي من نور الشارع و صورة هي من الاكتسابات و لكن الناس اكثرهم لايعقلون و من درك الحقيقة غافلون و سمعوا لفظا بآذانهم و هم يلوكونه بين لحييهم و لايعرفون حقيقته و بالجملة فالايمان في الصعود صفة زيد و لما تردي برداء الايمان و تقمصه و تأزره اي اتصف به في جميع مراتبه و عوالمه فعل ما فعل بصبغه و نسب العمل الي نفسه الايمانية لانه ظهر من تلك الصورة كما في الكفر كما انه كان يوم كان علي صرافته الاولية يعمل و ينسب العمل الي نفسه [ص 58] فافهم هذه الدقيقة الشريفة الكريمة .

الرابع - اعلم يا اخي وفقك الله ان امر الادراك من اعجب الاشياء و قد بينت جميع هذه المقدمات لذلك و ارجو من الله ان لايبقي اشكال بعد ذلك في ما اريد بيانه فاعلم ان النفس الغيبية كما عرفت مما ذكرناه دهرية غيبية و هي من شأنها الادراك اي كونها واجدة لنفسها اي كونها هي هي و جميع المصورات في الملك صاحبة النفس و نفوسها صورها و كلها هي فكلها دراكة اي واجدة لنفسها و هو اي وجدانها لانفسها نفس وجدان الله لها لانه اولي بها منها و هو علم الله بها و لذلك يكون المعلوم في مقامه علم الله به فانه علم كل شئ بانه هو هو و وجده حيث هو موجود فارض النفوس هي ارض العلم و النفس الانسانية خلقت من ارض العلم و هي هي بعد التصفية ارض القيامة و هي ارض الذر نعم ساير الاشياء لا شعور لها حتي تعرف انها قد وجدت انفسها و ما يرد عليها من الاشباح و الحيوان يعرف ذلك قليلا و للانسان اكثر و ربما يظهر بعض الشعور الطبيعي في النبات كما هو ظاهر لاهله فالانسان يتصور ما وجده و يتهيأ خياله و فكره و ساير مراتبه كل بما يخصه من صورة الشئ و معناه و كليته و جزئيته جميع ذلك علي ما ذكرناه لا غير و لكن الله سبحانه لعظيم حكمته جعل جميع المراتب مطلقة بالنسبة فالنفس اي نفس الانسان مطلقة بمعني انها محيطة بجميع ما دونها [ص 59] من المشاعر غير مصورة بصورة خاصة و ساير المراتب كل منها مطلق بمعني انه لايكون منصبغا بصبغ خاص فالخيال لايكون احمر و لا اصفر و لا ازرق و لا غير بل هو مولود صالح للتصور بكل صورة و كذلك الفكر و كذلك الوهم و كذلك العالمة و العاقلة لا صبغ لواحد منها و يصلح للتهيأ بهيأة كل منها فكل ما ورد علي مشعر من المشاعر ينصبغ بصبغه من اي سنخ كان علي اي شكل يكون باختلاف الانواع و الاطوار فانه اذا ورد عليه شئ من سنخ المبصرات من اي نحو كان من الكيفيات و الالوان يتهيأ بهيأته و اذا ورد عليه شئ من سنخ المسموعات من اي نحو كان من انحائها يتهيأ بهيأته و هكذا جميع انواعها .

الخامس - اعلم ان الروح في باطن هذا البدن كالمعني في اللفظ لا بان يكون نافذا في ذرات اللحم و المخ و العظم و غير ذلك او يكون في جوفها و الجلد فوقها كالقشر حاشا ان يكون ذلك بل الروح لطيف هذا البدن نافذ في جميع اجزائه و البدن غليظ الروح قد لبس علي جميعه و ذلك واضح ان شاء الله و لايحتاج الي زيادة توضيح و بيان فكل ما اتصل بالبدن اتصل بالروح و كل ما اتصل بالروح اتصل بالبدن لامحة و كذلك كل ما قارن البدن قارن الروح و اذا كان الروح شاعرا يشعره الا ان البدن جسم جمادي من سنخ المدركات و المدركات خمسة و لكل منها مزاج مخصوص و صورة مختصة بها [ص 60] و لاتحس الا بما يناسبها فالبدن جميعه اذا كان علي صورة واحدة منها يدركه خاصة و اذا لم‌يكن بصورة شئ منها لايدركها و اذا كان كل جزء من اجزاء البدن بصورة شئ منها لادرك بكل جزء ما يناسبه و الله سبحانه لما اراد ان يكون الانسان عالما بجميع العلوم حاملا لكل الرسوم جامعا للمعقول و المعلوم جمع له جميع ما يلزمه من اجزاء الملك و من الاجزاء المشاعر الخمسة المتخذة من المدركات الخمسة المعروفة قد جمعها الله في البدن فاذا قابل الجزء الخاص او اتصل بما يناسبه ينصبغ به بخلاف ساير البدن اذ يتصل بالشئ المخصوص او يقارنه و لايدركه كما تري ان الصوت الحاصل من قرع الاجسام و لطمها و ضربها بعضها ببعض اذا اتصل بالبدن لايدركه الا اذا وصل الي الصم الصماخ اذ هيأ الله هنا اسباب حدوث الصوت للروح مثال ذلك ان الريح مثلا اذا ضرب الهواء لايحدث منه صوت و لكنه اذا ضرب بشئ من الاجسام الغليظة كالجدران و الجبال يحدث منها صوت ما و اذا ضرب بالاجسام المطاوعة الرقيقة كالاشجار و غيرها من المطاوعات يحدث منها صوت متعال تدركه حسنا و هكذا في البدن كلما اتصل الصوت بالبدن لايحدث للروح صوت يدركه و ان كان في الخارج موجودا و اذا قرع باب الاذن يحدث في الروح الصوت و يعبر عن ذلك بالظهور له و الادراك و كذلك الالوان و الكيفيات يقع اشباحها في جميع الاشياء و منها اجزاء البدن [ص 61] و لكنك لاتدركها لان واحدا منها لايؤدي اللون الي الروح علي ما ينبغي و اما العين فمن اسباب خلقها الله لاداء الاشباح الي الروح و تؤديها اليه علي ما ينبغي و كذلك الطعوم ترد علي جميع البدن و تؤثر في كلها و لكن لايؤديها الي الروح الا اللسان و كذلك الروايح تؤثر في جميع البدن كما تؤثر في ساير الاجسام و لكن لاتؤدي واحد منها الي الروح الا الانف بواسطة حلمتين خلقهما الله تحت الدماغ اعلي الخيشوم و اما اللمس فجميع البدن يحكيه الا ان قوته في اليد و من اليدين اليمني و من اليمني السبابة فانها تحكي الخشونة و الملاسة و الحرارة و البرودة و غيرها من الملموسات للروح علي ما ينبغي فافهم فالروح دراك مطلق و جميع البدن آلة لدركه غاية الامر ان كلا من اجزاء البدن يحكي له شيئا مخصوصا من انواع المدركات بكيفيات سنذكرها ان شاء الله في المشاعر في بابين و كذلك البدن الهورقلياوي له مشاعر خمسة غيبية يدرك كل منها ما يناسبه علي ما ذكرنا .

الباب الاول - في ذكر المشاعر الظاهرة و فيه مشاعر :

المشعر الاول - في درك العين و فيه فصول :

فصل - في تشريح العين . اعلم ان الله سبحانه قد ركب العين من اجزاء بعضها آلات الدرك و بعضها حافظ للعين و بعضها [ص 62] اسباب التغذية و قد اختلف مشرحوا الافرنج مع المتقدمين من اليونانيين و غيرهم في التشريح و قال كل بقول و لايبعد ان يكون ما قاله اهل الافرنج حقا لان تشريحهم كامل و قد شرحوا الاناسي كثيرا و نظروا في بدنهم كثيرا بخلاف السابقين نعم ربما يكون ما ذكروه في الفوايد خطاءا لجهلهم بما يغيب عن نظرهم من النظريات كما انه قد اشتبه علي بعضهم امر الادراك و بالجملة فلايبعد ان يكون قولهم في المحسوسات حقا فاما قول السابقين فاعلم ان العين مركبة من عشرة اجزاء و هي سبع طبقات و ثلث رطوبات فالبصر جزء واحد منها و ساير الاجزاء الاخر اعدت لمنفعة ينتفع بها ذلك الجزء فاما الجزء الذي هو آلة البصر فهي رطوبة مستديرة الشكل في وسطها تفرطح يسير صافية نيرة و هي موضوعة في وسط الطبقات و يقال لها الرطوبة الجليدية و جعلت مستديرة لتبعد عن الآفات و اما التفرطح الذي فيها فلتمكنها فان الشكل الكري لايتمكن في مقام و لكن المتفرطح يقوم و يسكن و لان ينعكس فيها مقدار كثير من المحسوس لانها لو كانت مستديرة لم‌يلق فيها من المحسوس الا مقدار يسير و جعلت صافية لتستحيل الي الالوان بسرعة و جعلت في الموضع الوسط ليكون ساير الاجزاء التي اعدت من اجلها محيطة بها فاما الاجزاء التي اعدت لمنافع ينتفع بها فهي رطوبتان و سبع طبقات اما الرطوبتان فاحديهما رطوبة موضوعة من خلف [ص 63] و هي غايصة فيها الي النصف و هي رطوبة بيضاء شبيهة بالزجاج المرصوص و قيل لونها قريب من الحمرة خلقها الله سبحانه ليغذي الرطوبة الجليدية اذ كانت تحتاج الي غذاء يقرب من طبيعتها ليسهل عليها تغييره و قلبه الي طبيعتها و ذلك انه لما كانت الاعضاء كلها يغتذي من الدم و كان الدم بعيدا من طبيعة الرطوبة الجليدية فيغتذي منها الزجاجية و لذلك تكون لونها شبيها بالدم فانها حمراء في الجملة و تحول الدم بطبيعتها كما يحول الثدي و وعاء المني فيغتذي الجليدية من ذلك الدم المحول و اما الرطوبة الاخري فموضوعة من قدام الرطوبة الجليدية و هي بيضاء شبيهة ببياض البيض جعلت لتندي الرطوبة الجليدية لئلايجففها الحرارة و الهواء و تقيها من ملامسة ساير الطبقات و هي مجموع فضول غذائها فاما السبع طبقات : فمنها ثلث طبقات من خلف الرطوبة الزجاجية و منها ثلث طبقات من قدام البيضية و منها طبقة في ما بين الجليدية و البيضية فاما من المؤخر فعلي هذه الصفة اعلم ان العصبتين الجوفاوين اللتين يسيران من الدماغ الي العينين هما ملبستان بغشائين من موضع منشأهما من امي الدماغ الغليظة و الرقيقة فاذا خرجتا من الثقب الذي في قعر العينين فارقهما الغشاءان و عرضا و انبسطا و انتسج حولهما عروق و شرائين من الام الرقيقة و اتصل كل واحد منهما بالرطوبة [ص 64] الجليدية و التحم بها في النصف منها في الموضع الذي ينتهي فيها الرطوبة الزجاجية و الرطوبة البيضية و هذا الموضع هو نصف الجليدية بالحقيقة و يسمي هذه الطبقة بالشبكية لشباهتها بالشبكة لاشتباك العروق فيها و منفعة هذه الطبقة ان تؤدي الي الرطوبة الجليدة من الدماغ الباصرة كذا قيل و العروق و الشرائين التي فيها تؤدي الدم الي الزجاجية علي طريق الرشح لعدم اتصالها بها لانه لا عروق في الزجاجية حتي تجذب من تلك العروق كما يغتذي الجليدية من الزجاجية فانه ليس ايضا بالجذب بل بالرشح لعدم وجود مكان فيهما يجري فيه الغذاء و اما الغشاءان اللذان علي العصبة فالرقيق منهما يحوي الشبكية و يلتحم بها في الموضع الذي يلتحم الشبكية بالجليدة و منفعته تغذية الشبكية بما فيه من العروق و تأدية الحرارة اليها بما فيه من الشرائين و يقال لهذه الطبقة المشيمية كما يقال للام الرقيقة من امي الدماغ المشيمية اذ كان منشاؤها و اما الغشاء الغليظ الصلب فانه يحوي الطبقة المشيمية و يتصل بها في الموضع المنتصف من الرطوبة الجليدية عند التحام الطبقة الشبكية بها و منفعة هذه الطبقة ان يوقي العين من صلابة العضو المحتوي عليها و ان يربط العين بالعظم فهذه صفة الثلث طبقات التي من خلف الرطوبة الجليدية و هي كلها يلتحم بعضها ببعض في الموضع المنتصف من الرطوبة الجليدية التحاما وثيقا و يقال لهذا الموضع قوس‌قزح [ص 65] لانه يشبه القوس في شكله و في اختلاف الوان طبقاته و اما الطبقات الثلث التي من قدام الرطوبة الشبيهة ببياض البيض فهي الطبقة القرنية و العنبية و الملتحمة فاما القرنية فهي صلبة كثيفة بيضاء شبيهة في لونها و هيئتها بقرن بيض رقيق لانها مركبة من اجزاء اذا قشرت بعضها من بعض تقشرت كالصفائح و تنبت من الصلبة التي قلنا انها من الام الجافية و منفعتها ان تحفظ الرطوبة الجليدية من الآفات الواردة عليها من خارج اذ كانت في طبعها لينة سريعة القبول للآفات و جعلت بيضاء رقيقة لئلايمنع النور من النفوذ فيها و جعلت صلبة لرقة الجليدية و اما الطبقة العنبية فانها تحوي الرطوبة الشبيهة ببياض البيض و هي شبيهة بنصف عنبة و ذلك انها من قدام مما يلي ظاهر البدن ملساء و من باطنها مما يلي الرطوبة البيضية خملاء مثل الخمل الذي داخل العنبة و هي في لونها ممتزجة بين السواد و الآسمانجوني الا انه يختلف في الاشخاص و منشاؤها من المشيمية و منافعها ثلثة احديها تغذية القرنية و لذلك جعلت كثيرة العروق و الثانية لتحجز بين الجليدية و القرنية لئلايضر بها لصلابتها و لذلك جعلت لينة و الثالثة لتحفظ العين عن الانتشار بسبب سوادها فان اللون الابيض اذا غلب عليه النور يشتد انتشاره و لمعانه فلايري كما هو مجرب و لذلك يجعل الانسان يده حايلة لعينه في غلبة النور و لذلك خلق الحاجب و الاشفار و كذلك العنبية خلقت مايلة الي السواد لذلك و لها منافع اخر [ص 66] و اما الملتحمة فهي طبقة بيضاء رقيقة و هي تلتحم باستدارة الطبقة القرنية و تلتحم بجميع جوانب العين و ليست تغشي الطبقة القرنية بل تلتحم حواليها و هي بياض العين و نباتها من الغشاء الذي يعلو قحف الرأس من فوق و هو الذي يسمي السمحاق و منفعته ان يربط العين كلها بالعظام و ان يغطي الفصل الذي تحرك و اما السابعة فهي طبقة في غاية ما يكون من الرقة و بياض اللون و الصقال و الصفاء مغشية علي النصف الظاهر من الرطوبة الجليدية تسمي بالعنكبوتية لشباهتها بنسج العنكبوت و الصورة التي يراها في ثقب العين عند ما ينظر في المرايا انما هو في هذه الطبقة لما هو عليه من الصقال و البريق فهذه صفة جميع اجزاء العين علي هذا الترتيب ، الجليدية قطبها و الزجاجية من ورائها و البيضية قدامها و الشبكية و المشيمية و الصلبية من وراء العنكبوتية و العنبية و القرنية و الملتحمة من قدام هذا علي مذهب السابقين و اما مذهب اهل الافرنج فقالوا ان المقلة مركبة من ثلث طبقات احاطت بعضها علي بعض و في باطنها وقع غشاء الجليدة قدامها رطوبة بيضية و خلفها رطوبة زجاجية اما الطبقة الاولي تسمي نصفها الذي من خلف بالصلبية و ما من قدامها بالقرنية و الطبقة الثانية نصفها مشيمية و نصفها عنبية و عند انتهاء المشيمية بالعنبية غصون تسمي بالشبكية او عنكبوتية و الطبقة الثالثة غشاء عصباني نصفها شبكية و نصفها عنكبوتية و اما الصلبية [ص 67] فغشاء ليفي كري ضخيم خلفها ثقبة دخل فيها العصب المجوف و القرنية تحد بها اكثر و شكلها كزجاجة مقدار الساعة و هي غشاء كثيف شفاف و سطح ظاهره المحدب ملبوس بالملتحمة و سطح باطنه المقعر مماس بقشر دقيق وقع فيها البيضية و تحصل منها و المشيمية تلاقي باطن الصلبية و هي غشاء دقيق لين نسجه من عروق و اعصاب التصقت بواسطة اللحم و نفذ فيها لون اسود و الدايرة الشبكية او الدايرة العنكبوتية التي ذكرناها غصون ملتحمة بلحم كثير و نفذ فيها لون اسود و نزل من انتهاء المشيمية غشاء بالاستقامة تسمي بالعنبية و هي ايضا مركبة من عروق و اعصاب و لحم و عضلات معدودة و خلفها طبقة من اللون الاسود و في وسط هذا الغشاء ثقبة لاتسع و لاتضيق داخل فيها ايضا اعصاب كنكليانية و اما غشاء الشبكية و العنكبوتية حصل من افتراش العصب المجوف و يلاقي سطح باطن المشيمة و هو غشاء دقيق لين ابيض في مؤخره تحدب صغير هو موضع دخول العصب و ليس موضع ورود العصب في محور العين بل في جوف المحور و في محل المحور وقع نقطة صفراء و الشبكية انتهت قريب العنكبوتية و وقعت في غصونها و تسمي بلسان لاتين بدايرة ديليس اسم حكيم و من وراء العنبية الجليدية و قد تسمي بعدسة البلور و هي عدسي شفاف كالجليد مركب من طبقات كالبصل محاط و معلق من غشاء موسوم بكيس الجليدية و فيها رطوبة [ص 68] رقيقة و اذا كدر جرمها او فسد ينزل الماء و هو مرض معروف و قد انقسم فضاء ما بين الجليدية و القرنية بواسطة العنبية الي بطنين فيهما رطوبة رقيقة شفافة تسمي بالبيضية و بطن مقدمها بين القرنية و العنبية و مؤخرها بين العنبية و الجليدية و من خلف الجليدية رطوبة كالزجاج المحلول علي لون و قوام بياض البيض تسمي بالزجاجية في غشاء دقيق يسمي بقشر الزجاج و من هذا الغشاء دخل فيها حجب كثيرة كحجب الرمان لتمنع الرطوبة من الخروج اذا انصدمت ثم فصلوا طريق الابصار و الظاهر انهم تحيروا فيه و اعلم انك اذا دققت النظر في القولين لاتجد اختلافا كثيرا في البين الا في بعض الجزئيات و لا شك ان دقة هؤلاء اكثر من دقة السابقين في التشريح الا انه لايفيدنا كثير فايدة .

فصل - في بيان الرؤية . اعلم ان الله سبحانه لما خلق الاشباح و الكيفيات و اراد ان يريها الاناسي و الحيوانات للاطلاع عليها ليروا آياته رزقهم العين للرؤية و الدرك فاما شرح العين و تشريحها فقد علم مما قد مضي و اما بيان الرؤية فاعلم ان الله سبحانه قد جعل لكل شئ شبحا اي صورة و مثالا و اخفاه من حيث نفسه بحيث لايري اذ الرؤية من التكميل و الاشباح غير النورية ناقصة في حد انفسها من حيث القاء الشبح و الظهور للاعين فلاتري الا بعد ما القي عليها النور الكامل الظاهر في نفسه المظهر [ص 69] لغيره فبعد ما القي في هوية الاشياء مثاله اظهر منها فعله الذي هو الظهور و لا بد لي من بيان حقيقة ذلك في فصول اخر حتي تعرف حقيقة ذلك ان شاء الله و نجعل المثال في السراج لوضوحه و اقتداءا بمشايخي اعلي الله مقامهم و رفع في الخلد اعلامهم .

فصل - اعلم ان الله سبحانه قد جعل النار بحقيقتها غايبة عن الانظار خفية عن الابصار لاتري من حيث نفسها و لم‌تظهر لانها منبثة في جميع العالم و لو ظهرت للاعين لاحرقت جميع الاجسام و اضر نورها بالاعين و لم‌يكن الظهور بلا احراق من الحكمة لجهات شتي فاخفاها و لكنه جعلها في قوة جميع الملك علي التفاوت و مما جعلها في قوته الهواء و البخار و الدخان و التراب و ساير المواليد و لذلك تري انها تخرج من قوتها بتدبير مدبر و تكميل مكمل و ذلك اصل و لا شك ان اسباب تكميلها ما يناسبها بكمال المناسبة و لايناسبها الا شئ من صفاتها الخاصة بها من مقوماتها فان المتممة صالحة لكل شئ غيرها و لاتكون مكملة للنارية خاصة الاتري ان الصفرة مثلا يمكن ان تكون في غير النار ايضا و صورة الشعلة مما لايخصها و لكن الحركة مثلا مما تورث الحرارة و لاتفارقها و الحرارة من مختصاتها و النور من مختصاتها فلا بد لنا من تحصيل مكمل لها حتي يخرجها من الكمون الي الظهور فاما النور فلايمكننا تحصيله [ص 70] الا بعد ظهور نفس النار لانها نفس النار اي صورتها و اما الحركة فمن لوازمها و يتمكن الانسان من احداث الحركة بلا نار خارجية فالله سبحانه جعل لابراز النار في الملك الحركة الشديدة و لكنها اي النار بنفسها مثالية و لاتقوم في الدنيا من غير مادة فلا بد من وجود مادة و لولا المادة لماظهرت ابدا و ان وجد مكمل كما في جميع المثاليات فان الطول مثلا مثالي و لايظهر الا علي جسم فلو اردت استخراجه من القوة لايكاد يقوم ابدا الا علي المادة الجسمانية فقوامها اي المثاليات علي المواد علي حسب المواد ان كانت لطيفة فلطيفة و ان كانت كثيفة فكثيفة و ان كانت خفية فخفية و ان كانت واضحة فواضحة فبروزها علي الهواء مما يمكن و لكن الهواء لطيف خفي فلايكاد يظهر النار عليه و لان التكميل و التكمل لايحدثان الا بين مجانسين فلايتأثر الجسم الغليظ من الهواء اللطيف و ما تري من تأثرك من الهواء فذلك من الهباء الغليظ المجانس للاجسام الغليظة لا الهواء فانه غير مشهود و لا ملموس بل تنفس الحيوان في الهواء مشكل جدا لكثرة لطافته كما اذا صعدت جبلا طويلا لاتقدر علي القيام هنا كما هو مجرب فلا بد لحفظها اي النار في الدنيا لرفع حوايجنا في الاحايين من مادة غليظة تقيها فاما الهباء الذي قلنا انه يحكيها لايقوم حتي تنتفع به لانبثاثه و انتشاره و كثرة الموانع فيه فكأنه يحدث فيه النار و تفني فورا مع انه لطيف ايضا فلايحكي [ص 71] النور حكاية تامة واضحة للعين فلا بد و ان يكون المادة من المواليد القايمة الغليظة و هي ايضا مختلفة فان كانت غليظة في الغاية كالاحجار و المعدنيات لاتكاد تحكي جميع صفات النار نعم ربما يظهر عليها حرارة و حمرة في بعضها كالمعادن و لكنها لاتحكي فشو النار و لمعانها علي نحو الحقيقة الا مع وجود المكمل الخارجي معها الاتري ان الحجر في نفسه لايشتعل نعم ربما يصير حارا احمر و الحديد لايشتعل و لكنه ربما يصير حارا احمر و هكذا غيرهما من الاجسام الغاسقة غير الصقيلة فلا بد من وجود جسم صقيل و الاجسام الصقيلة ايضا مختلفة فمنها ما تكون غليظة متحجرة كالمرايا و الصفائح الصقيلة فانه يظهر عليها المنير شبيها في الغاية و ربما يظهر منها في غيرها و علي غيرها و لكن اصل العمل براني لا جواني فيحتاج الي وجود ذي النور في الخارج فهي ايضا ليست صالحة لحكاية النار علي ما نحتاج اليه فلا بد من وجود مادة صالحة لاستخراج النار من نفسها حتي تبقي عليها و تظهر منها و لايكون ذلك الا في جسم صقيل شفاف لطيف في الوسط حار في المزاج يابس في الطبع حتي يصلح لبروز النار منها و حكايتها لجميع صفات النار فبعد ما نظرنا في الاجسام لم‌نجد شيئا غير الدخان موصوفا بهذه الصفات فانه جسم صقيل لطيف حار يابس فبجسمانيته يصلح لظهور صورة النار عليه و بصقالته يحكي فشوها و لمعانها و بلطافته يكون [ص 72] سريع التكمل صالحا للقبول و بحرارته و يبوسته يكون شبيها بالنار قريبا منها فيمكن استخراج النار من كمونه و ان كان يمكن ذلك في ساير المواليد ايضا الا ان ما كان منها باردا او علي مزاج آخر غير مزاج النار لايكون صالحا لحكاية النار بحيث تبقي عليه و لو لم‌يكن مكمل خارجي فتدبر فانحصر الامر في الدخان و لا بد لتحصيل الدخان من مادة فانه لايقوم بنفسه في الخارج كما لايقوم البخار فانهما من المواليد المستحدثة التي لاتبقيان بعد الحدوث لان الهواء ينشرهما و يبددهما و يفرقهما و ليس شئ اقرب و اولي لتحصيل الدخان من الدهن لان الدخان هو لطيف الدهن كما جرب انه بعد التقطير يرجع دهنا كما ان البخار لطيف الماء و يرجع ماءا فلا بد لنا من تدبير دهن مع ان الدهن بنفسه ايضا صالح للاشتعال كما تري انه اذا غلب عليه الحرارة يشتعل فورا و ذلك لان الحكيم خلقه بميزان يكاد يضيء و لو لم‌تمسسه نار و الادهان في تركيبها مختلفة و اقل ما يحصل منه الدهن جزءان من الحرارة و جزءان من اليبوسة و جزء من البرودة و اربعة اجزاء من الرطوبة و ربما يزيد و ينقص هذه الاجزاء بواسطة تفاوت الادهان و كلما كانت الرطوبة قليلة و اليبوسة و الحرارة اكثر كان الدهن اقرب الي الاشتعال و اعلم ان الدهن موجود في باطن اغلب الاجسام بل كلها الا انه يمكن استخراجه من بعض و لايمكن من بعض [ص 73] و ما يمكن استخراج الدهن منها ايضا متفاوت فبعضها قريب الحصول و بعضها بعيد الحصول و ما يكون قريب الحصول ايضا متفاوت فبعضها ما يخرج منه دهن معتد به و بعضها ما لايخرج منه دهن معتد به و ما يخرج منه دهن معتد به ايضا متفاوتة فبعضه كثير القيمة و بعضه قليلها و الناس قد اختاروا لانتفاعهم ما كان قليل القيمة و ربما يستخرج الدهن من المعادن المنطرقة مع صلابتها و تلزز اجزائها .