[ص 1]

رسالة النفس الباقية

من مصنفات العالم الرباني و الحكيم الصمداني

مولانا المرحوم الحاج محمد خان الكرماني اعلي الله مقامه

[ص 2] بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله و سلام علي عباده الذين اصطفي .

و بعد يقول العبد الاثيم محمد بن محمدكريم تقبل الله عنهما ان حقيقة ادراك النفس و كيفية تحصيلها و بقاءها بعد الادراك و خراب الآلات و ما يتعلق بذلك من المسايل الصعبة و قد خفي اصلها علي الاكثرين الا من شاء الله من المخلصين و مشايخنا سيما ابي اعلي الله مقامه قد صنف فيها و اجاد و احسن و افاد الا انا نحن ناقصوا العقول محرومون عن الفوز بالمأمول لان مشاعرنا مقصورة علي الدنيا الدنية و نحمل ما سمعناه من الحكم الالهية و المعارف الربانية علي ما تداول بيننا من المطالب الظاهرية و الحكم الطبيعية القشرية و جماعة من الحكماء بلغوا مبلغا زعموا ما يقال من العوالم العليا لاشيئا صرفا و ما يذكر من الدنيا شيئا محضا و ليس ذلك الا لاجل انهم علموا ظاهرا من الحيوة الدنيا و هم عن الآخرة هم غافلون كلا انهم عن ربهم لمحجوبون و عن الحق لمعزولون و انا لااريد العيب علي احد و كفي بالله شهيدا لانا علمنا شيئا و غابت عنا اشياء و شاركناهم [ص 3] في جهلنا و ما دام اري عيب نفسي فلااشتغل بعيب غيري و استغفر الله مما ذكرت و لكني اردت تنبه من ينظر في رسالتي هذه علي ان الانسان لا بد له من النظر بعين الهية في حكم الشيخية حتي يعرف المرادات العلية و لايكتفي بمحض الاصطلاحات القشرية الطبيعية الدنياوية و مما حداني الي تصنيف هذه الرسالة ان امرني واحد من الاصدقاء من بيوت الاكابر و كل ما طويت عنه كشحا اصر علي ثانيا و ثالثا حتي استحييت من السائل و اجبت مسؤله بقدر الميسور اذ لايسقط بالمعسور و سميتها بالنفس الباقية و لا بد لنا لشرح مرادنا من بيان مطالب لوضوح المسألة ان شاء الله و لنذكر اولا مقدمة لمعرفة النفس و بعد ما عرفنا النفس بحقيقتها يظهر لنا مطالب اخري ان شاء الله تعالي .

المقدمة

في معرفة النفس و فيها فصول :

فصل - اعلم ان الله سبحانه و تعالي ذات احدية و الاحد جل شأنه لايشغله مكان و لايحده زمان و لايمر عليه وقت و آن اذ لو وصف بشئ مما ذكر لصار محدودا اذ لا بد و ان يكون المكان الشاغل له غيره و ما لم‌يكن من عرضه لم‌يشغله الاتري ان الجسم لايصير مكانا للمثال بل ينفذ المثال في جميعه في اقل من طرفة عين ان لم‌يمنعه مادة جسمانية و الدهر لايشغله مثال و جسم بل يحيط بالجميع و اذا كان الامر في تلك النشأة هكذا فهكذا [ص 4] الامر فوق ذلك و قد ارانا الله آياته في الآفاق و في انفسنا فالله سبحانه لايشغله مكان دونه و لا فوق له حتي نفرض ان يكون فوقه فلا بد و ان يكون المكان نعوذ بالله من عرضه فيصير محدودا بمكانه و مكانه محدودا به و كل محدود متنقص و كل متنقص يقبل الزيادة و كل قابل للزيادة و النقصان حادث مع انه تعالي قديم فاذا شغله مكان هكذا للزم تعدد القدماء و ذلك من المحال اذ معني القديم الموجود الذي لم‌يزل و ان شئت فسرته بالموجود الذي ليس لوجوده ابتداء و اذا صارا اثنين تركبا مما به الاجتماع و ما به الافتراق و لا اقل من ان يسبق عليهما واحد يكون به اجتماعهما فكيف يصدق القدم عليهما و هما مسبوقان بغيرهما و بدؤهما من دونه هذا و اصل القديم في لساننا السابق و كيف يكونان سابقين مع انهما مسبوقان قال الرضا عليه السلام اعلم علمك الله الخير ان الله تبارك و تعالي قديم و القدم صفة دلت العاقل علي انه لا شئ قبله و لا شئ معه في ديمومته فقد بان لنا باقرار العامة معجزة الصفة انه لا شئ قبل الله و لا شئ مع الله في بقائه ه‍ ، فاذا كان هكذا فاجتماع القديمين محال ممتنع و ليس الا كماءالشعير القمحي و العاقل يكفيه الاشارة عن العبارة و لسنا هنا بصدد شرحه فلايشغله مكان غيره و لا زمان بنحو هذا الدليل و ان قيل انهما اي المكان و الزمان عين ذاته الشريفة فاذا هي هي و لايفيدنا اثباتهما له شيئا كما نقول في الصفات الذاتية فاذا [ص 5] كان خلوا من المكان و الزمان لكان نافذا في كل مكان و زمان اذ هو احد و الاحد لايتناهي و لايحد و لايفقد شيئا فان من شئ من العوالم الالف‌الف الا و الله سبحانه ظهر له به و تجلي به فيه منه القي في هويتها مثاله فاظهر عنها افعاله و قد طوي باحديته الوجودات و الماهيات و الاصول و الفروع و الذوات و الصفات جميعها طي الامتناع و الكل ظهوراته و اسماؤه و صفاته و ليس ان الوجود ظهوره دون الماهية بل تجلي فيها كما تجلي فيه و لا ان الذات ظهوره دون الصفة بل تجلي فيهما بالسواء فوجود زيد ظهور ربه و ماهيته ظهور ربه و فعله ظهوره و هو سبحانه يري و يعرف من وجود زيد و ماهيته و مادته و صورته و ذاته و قيامه و قعوده و ضربه و نومه و يقظته و ساير صفاته من غير خفاء بل ليس لغيره ظهور و ما ورد من كشف سبحات الجلال من غير اشارة للمعرفة يراد منه النظر بهذه العين المشار اليها و غض الابصار عن ساير المشاعر لا خرق شئ لظهور شئ فان كل شئ سواه معدوم و هو الموجود اماتقرأ في الدعاء تعرفت الي في كل شئ حتي عرفتك في كل شئ ، فهو الظاهر من كل شئ بكل عين لها بها نعم به امتنع منه انت غير محجوب عن خلقك الا ان يحجبهم الآمال دونك و هي الامنية التي ينسخها الله ثم يحكم آياته اي ظهوراته فافهم هذا البيان الشريف و السر المنيف ظاهره سهل و باطنه ممتنع الادراك و اعرف من ذلك [ص 6] فساد قول القايل بوحدة الوجود و اعلم ان ظهوره سبحانه نفس تجليه و تجليه نفس كينونته و هي عين نفسه و نفسه عين ذاته و هي ذات ظاهرة للذات البحت البات الاحد الصمد الفرد و المنزهة عن الاسم و الرسم و هي في التعبير الوجود نفسه و قد يعبر عنها بالماهية و هو الشئ بحقيقة الشيئية اي لا شئ سواه و لا وجود عداه و لا ماهية خلاه و هو ما يعبر عنه بالفارسية بهست مطلقا فاعرف اسم ربك و اعبده حتي يأتيك اليقين و ان اردت زيادة البيان لمعرفة الله الملك المنان بحوله و قوته فاعلم انك اذا نظرت و وجدت شيئا لاتكاد تعبر عنه بشئ حتي الشيئية و لاتعرفه بالوجود و الماهية مع عدم وجدان انه موجود و لاتكاد تجد شيئا غيره بوجه و لو بلطيف النظر و دقيق الفكر حتي انك لاتري نفسك فانك لو وجدت نفسك لماوجدته و لو رأيت غيرك لمارأيته بل تراه بعينه و لاتعبر عنه بتعبير فهو ربك تعالي شأنه العزيز و استغفر الله من القصور في البيان و ايضاح التبيان و ان نظرت و وجدت الوجود يعني هست تري شيئا تعبر عنه بهست و هو كون الله سبحانه و نفسه و هو المسمي بالاسماء في مراتبها و الموصوف بالصفات في مراياها لا في نفسه و هو في نفسه مظهر القدوسية و السبوحية و التنزه و سبحان ربك رب العزة عما يصفون و سلام علي المرسلين و الحمد لله رب العالمين و مجمل القول انك ان وجدت ما لا تعبير عنه عندك عرفت ربك و ان [ص 7] شاهدت الوجود فقد عرفت الكينونة و لان الله سبحانه لايظهر الا في كينونته و لايوصف الا بماهيته لاتكاد تميز في البين و لا بين و اعلم انك بنفسك لاتعرفه اذ انت انت ما دام وجودك و بقاؤك بانك انت بانيتك و ما دام حفظ انيتك لاتكاد تعرفه و ان خرجت عن انيتك فلست انت انت فهو يعرف نفسه و ذلك معني قوله عليه السلام اعرفوا الله بالله ، و ذلك حظك في المعرفة مع انك لاتعرف غيرك مطلقا فافهم ان شاء الله و كن من الشاكرين و الحمد لله رب العالمين و ان اردت اخبار المقام فالحوالة الي كتب الاعلام رحمهم الله الملك العلام .

فصل - اول ما ظهر به الكينونة المشية قد ظهرت بها كما ظهرت نفسك بفعلها او السراج بضوئه و الشمس بضيائها لا ان المشية غيرها و هي غيرها و ربما نقول هي نفس المشية التي قال عليه السلام خلق الله المشية بنفسها ثم خلق الاشياء بالمشية و في رواية بالعلم خلقت المشية ، فالعلم نفسها و هي انيتها فالكينونة هي حيث الرب للمشية و ان ابيت الا اللسان العلمي القشري اقول ان المشية هي الوجود الراجح اما الوجود فهو النفس و حيث الرب و النور و اما الرجحان فهو مقام الصورة و حيث العبودية التي كنهها الربوبية فاذا نظرت اليها و وجدت الوجود من غير ملاحظة الرجحان لرأيت الكينونة و ان نظرت و شافهت الراجح لرأيت المشية و الكينونة هي الوجود الحق [ص 8] و الحقية لازمتها و لكن الوجود نزل الي المشية و تهيأ بهيأتها و كذلك الامر فيما بعد فالاطلاق و الرجحان لازمة درجة المشية لاتنزل منها و الوجود يسطع منها الي غيرها و خلق الاشياء بها تجليها اليها بوجودها كما ان خلق الشعلة اضواءها تجليها لها بناريتها يعني انها تعطي ناريتها ما سواها كذا المشية تعطي وجودها ما سواها و نفس هذا العطاء و التجلي تجلي ربنا جل شأنه .

فصل - اعلم ان الله سبحانه قد تجلي للخلق بلا كيف فانه لا كيف لفعله كما لا كيف له و معني ذلك ان الموجودات في مقام وجودها جلوته سبحانه مثال ذلك جلوة الشمس كما قال عليه السلام يفصل نورنا من نور ربنا كما يفصل نور الشمس من الشمس ، فانه لم‌يتقطع من الشمس قطعة تظهر في غيرها و لم‌تتحرك هي من مقامها و ليس النور الظاهر غيرها بل الضوء بنفسه دهري و قد ظهر علي الشمس اي المادة الفلكية فتنورت و بعد ما اشتعلت به فضاءت سطع من تلك المادة الضوء في جميع ما سواها مما يحاذيها و يجانسها فيصير غير تلك المادة مادة للضوء النافذ فتشتعل به كما اشتعلت المادة الاولي و سيجيء زيادة البيان لذلك بعد ان شاء الله فنور الله سبحانه نفذ في كل شئ من فوارة المشية كما نفذ النور من فوارة الشمس بل اعلي و اعلي و اسرع و اسرع الف مرة و ظهر النور علي قوابل الامكان فاشتعل الجميع [ص 9] مرة واحدة بحيث قد صدق علي جميعها اسم النور و هذا النور قد يسمي بالكون و الوجود و هو من حيث انه ظهر في عرصة الامكان مقيد بقيد اطلاقي و مرادنا من القيد الاطلاقي عدم التقيد بخصوص فلان و فلان الا انه مقيد بالامكان و من حيث نفس الظهور الذي هو الظاهر مطلق و يعبر عنه بالراجح و من حيث هو هو هو النور المطلق بلا شرط و هو الحق مثال ذلك الشعلة و النور المنبث منها في الفضاء فاذا نظرت الي الشعلة مع قطع النظر عن الانوار و محال الظهور وجدت حقيقتها و هي آية الحق جل شأنه في عالم الظاهر و اذا نظرت الي المحال و لم‌تجد سوي نور السراج يكون بمنزلة الظاهر الراجح و هو الفعل و اذا نظرت الي المرايا علي الاطلاق و وجدتها منورة فالنور الظاهر فيها من حيث انه ظهر عليها مثال الوجود المقيد و اما النور الظاهر علي المرآة الخاصة ملونا باللون الخاص فهو مثل الاشخاص فافهم فالنور الظاهر في مجموع الملك هو وجود الملك و هو عين الملك و حقيقته و نفس الملك يعني اذا قيل الملك يراد منه هو و ذلك معني النفس و هي آية الله سبحانه و بابه و دليله و سبيله و منهاجه و به يعرف الملك ربه اذ ظهر له به الاتري ان المرآت لاتعرف السراج الا بما ظهر لها بها و لم‌يظهر لها بها الا بعكسه الظاهر فيها و الا فهي غافلة عما ظهر من السراج في الهواء و عن نفس السراج فكل ما تقوله او تعرفه كلها من الشعاع الظاهر فيها [ص 10] و السراج قد تجلي لها بتلك الشعلة الظاهرة فيها و بنفسها و انيتها اي صبغها و شكلها امتنع منها و كذلك الامر في العالم الاعلي و لله المثل الاعلي و سبحانه عما نصفه .

فصل - اعلم ان هنا اشكالا عظيما لايرتفع الا ببيانات مشايخي انار الله برهانهم و رفع درجتهم و هو ان الخلق خلقوا بمشيته سبحانه و لم‌يكونوا شيئا قبل وجودها و قد بينا ان نور المشية قد ظهر فيهم و تقيد بقيدهم فما هذا القيد المذكور هل هو نور المشية فهو النور المذكور و لا زايد او غيره فهو غير صادر من المشية اقول وجه هذا الاشكال انصباغ الاذهان بالاوقات الزمانية و القبلية و البعدية المعهودة فنفرض للمشية زمانا و للمواليد زمانا و زمان المشية قبل زمانها و زمان المواليد بعد زمانها و لذلك اذا قيل خلق الله المشية اولا نزعم ان الاشياء لم‌تكن ثم اوجدها الله ففي يوم السبت مثلا كانت المشية و في يوم الاحد الاشياء حاشا ان يكون هكذا ابدا بل هذه الاوقات كلها زمانية و ليس فوق الزمان لها ذكر بوجه نعم يوجد في الدهر زمان مطلق بلا قيد الاعوام و الشهور و الايام و الدهور فاقطع نظرك عنها حتي تفوز باعز الامور فقبل الدنيا لا وقت و لا مكان هكذا بل وقت الدهر رتبي فان رتبة الجماد الدهري مثلا دون النبات الدهري و النبات دون الحيوان و الحيوان دون الانسان و هكذا فالدهر درجات و مراتب الجنان مختلفة لذلك و فوق الدهر السرمد و وقته [ص 11] عين نفسه و نفسه واحدة و نسبته الي الدهر كنسبة الدهر الي الزمان بلا تفاوت فاذا عرفت ذلك فاعلم انه لم‌يمض وقت زماني و لا دهري و لا سرمدي لم‌يكن ملك الله موجودا لان الزمان من ملك الله بل دون الدرجات و ثابت في محله من بدء الخلق و كذلك الدهر ثابت في محله و هو من الملك و السرمد وقت الجميع فلم‌يمض علي الملك وقت لم‌يكن هو هو فملكه تعالي قديم و ذلك ما قال عليه السلام اللهم يا ذا الملك المتأبد بالخلود و السلطان الممتنع من غير جنود و لا اعوان و في دعاء و الملك القديم ، فملكه سبحانه قديم لايمر علي مجموعه الاوقات فجميع الملك و الملكوت و الجبروت ثابتة في محالها و امكنتها و المشية ثابتة فوقها و الوجود المقيد ايضا ثابت فوقها تحت المشية فاذا كان الامر هكذا فليس ذلك الا كزيد و صفاته و اسمائه فان ذاته ثابتة في مقامها حية باقية دايمة بالنسبة الي صفاتها و لايرد عليها التغيير و الزوال ثم من بعدها فعلها المطلق الذي هو صلوح جميع الاسماء و الصفات صلوح الفعل و هو ايضا ثابت لم‌يمض علي الذات وقت لا فعل لها و معني حدوثه فاقته اليها و ليس بقديم و لكنه دايم حادث ثم من بعده الصفات و هي ثابتة في مقامها دون درجة الفعل و لم‌يمض علي الفعل زمان لم‌يكن الصفات دونه بل الصفات هي معني الفعل و الفعل هو نورها و وجودها فتلك الصفات التي هي نفس الفعل من حيث الظهور في [ص 12] الصفات وجودها دايم ابدي فاذا كان الامر هكذا ففعلك فوق صفاتك و هي حاضرة لديه فاذا نظرت الي القوابل الموجودة في اوقات وجودها و اماكن شهودها وجدت انيتها و اذا نظرت الي الفعل وجدت النور و اذا نظرت الي الذات وجدت الذات فافهم ذلك المثال فانه من الامثلة الملقاة في هويات الاشياء و ان اوردت اشكالا آخر ان جميع الخلق نور الله و قلت سابقا انه ظاهر في جميع القوابل و المقبولات فما التوفيق بين ما قلت سابقا و لاحقا اقول اذا نظرت الي الكينونة و نسبت ما دونها اليها و لا نسبة فلا قابل و لا مقبول و لا فاعل و لا مفعول و لا ظل و لا حرور و لا ظلمة و لا نور و الكل شعاعها و لم‌يظهر شئ في شئ حتي تقول انه الصابغ و هو المصبوغ و اما اذا نظرت الي الوجود المقيد فهناك شيئان وجود و قيد و الوجود هو النور و القيد هو الظلمة و القيد يقيد النور مسلما فافهم ذلك فانه دقيق و بالتدقيق فيه حقيق فجميع ما يقال من الانظار و النسب كلها في اسفل من الكينونة لا معها ثم اي نسبة منها واقعية هل جميعها واقعية او بعضها و ذلك ايضا مشكل جدا جدا و بيان الاشكال انا نقول انك اذا نسبت الاجزاء بعضها الي بعض حصل التقديم و التأخير و العلو و السفل و الفاعل و القابل و غير ذلك و اذا نسبت الجميع الي الذات اي الظاهرة فلا نسبة بوجه من الوجوه فهل النظران كلاهما واقعيان موجودان او واحدهما ثابت و الآخر محض [ص 13] نظر وجداني و ان كان الثاني فما الحاصل في وجدان بلا وجود و الحكيم لايقول ما ليس بواقع و ان كان الاول فكيف يصدق ان يكون الشئ علة و لا علة و معلولا و لا معلول و كذلك يرد هذا الاشكال في اكثر بيانات مشايخي حيث لاحظوا النسب فاقول و الله المأمول لالقاء الجواب و القبول ان لهذا الاشكال اجوبة كثيرة اتعرض لبعضها علي نهج الايجاز و الاختصار : منها و هو جواب قشري ظاهري لاهل القشر و هو ان الانظار قد اختلفت باختلاف الجهات و الحيوث و اذا اختلفت جهات الاشياء و قد وفقنا الله علي النظر الي جميعها ننظر الي كلها و الكل حق واقع و لما كان نفس الانسان نفسا واحدة و ماجعل الله لرجل من قلبين في جوفه و لاتقدر النفس الواحدة غير المحيطة علي النظر الي جهات مختلفة بانظار متعددة في آن واحد كان كل نظر منها في آن غير آن الآخر مسلما فتري في كل آن جهة و تغفل عن الباقي مع ان تلك الجهة في الواقع الخارج مقترنة بغيرها الاتري انك مرة تنظر الي لباس زيد فتراه قد تردي برداء احمر و انت ح غافل عن جميع خصوصيات زيد غير لباسه و مرة تنظر و تراه قائما و مرة تنظر و تري مكانه و مرة زمانه و مرة بلده و مرة نسبه و مرة زيديته و جميع ذلك واقع في الخارج الا انك غافل عن كلها في كل آن و لاتري الا واحدا و اذا رأيت واحدا تحكي ما رأيته [ص 14] منفصلا عن الباقي و الحال ان الخارج هو زيد بن عمرو المكي القائم في المسجد يوم فلان في رداء يماني فافهم و هذا الجواب يغنيك في كثير من الموارد الا انه يبقي معه بعض الاشكال في بعض الموارد . و منها و هو ابطن من ذلك و اشرف انا نفصل الكلام فنقول لايخلو من ان يكون تلك النسب في المراتب الخلقية او فيها بالنسبة الي الاعلي او بينها و بين الاعلي اما الاول فهو واقع بلا اشكال و اما الثاني فيقال و لايراد منها النسبة اذ اذا نسبتها الي الاعلي فلايخلو اما تري الاعلي و اياها فذلك خطاء اذ لايجتمعان او تري الاعلي فليست هي هناك او تراها فليس الاعلي مثلا نقول ان القايم و القاعد و غيرهما من الصفات اذا نسبتها الي الذات لا تقدم بينها و لا تأخر و ليس معني ذلك ما يعرفه اهل السوق من النسب الاربعة او غيرها من القرانات اذ محال ان نري زيدا مع صفاته و ما لم‌يجتمع شيئان في المشعر لايلاحظ الانسان النسبة بينهما ابدا الاتري انك ما لم‌تجد الذئب و النعجة و فرارها منه لاتعرف الخوف و النسبة التصديقية منهما و انت لاتتصور زيدا مع صفاته و ما تري من تصديقك في قيام زيد فتري زيدا قايما فالذي تراه ح الزيد الظاهر في القيام و هو ايضا من الصفات لا الذات البحت البات و ان من شرط وجود الذات عدم الصفات فتدبر فالتصديق في هذا المقام محال [ص 15] لانه فرع التصور و تصورهما معا محال بل تصور زيد بالمشعر الذي يتصور به صفاته محال فصح ان نقول في تلك المشاعر لا علم لنا بزيد و درك ذاته شأن الفؤاد و لا تصور هنا و لا تصديق و شرح دركه بغير هذا الفصل اليق و سيأتي ان شاء الله فاذا كان الامر هكذا فمرادنا من لفظ النسبة هنا غير ما هو المعروف و هو من المتشابهات و هو انا نريد ان نبين ان جميع التقدمات و التأخرات في نفس الصفات و لكن الذات ظاهرة في جميعها بالسواء اي زيد قايم كما انه قاعد و راكب كما انه جالس و في كل صفة هو هو و كل صفة تحكيه كصاحبها فعلي ذلك اذا نظرت الي الجوهر المحفوظ في جميع الفعليات و نسبته الي الفعليات علي ما ذكرنا تري الدهر ، و السرمد هو الامر الواحد المرئي في الكل و لسنا بصدد شرح ذلك الآن و هذا النظر بالحقيقة اقرب من النظر الاول اذ النسب و القرانات اضافيات سترتفع حكمها و ذلك واقعي دايم فافهم و اما الثالث فكلام باطل و لايقال و ان الكلام اذا انتهي الي الاعلي نسكت عنه فمجمل القول انه لا نسبة بين الاسفل و الاعلي و ليس الاعلي بمعزل عن الاسفل و ليس من الاسفل فلايمكن ان يثبت اسمه للاسفل بنظر اذ النظر هنا مقطوع و هو ظاهر من الاسفل بكل نظر الا انا نري بكل مشعر ما يخص بذلك المشعر من كمالاته لا انا نجد غيره و امثل لك مثالا انا نقول لا شئ في الملك الا [ص 16] الوجود و ما سواه ممتنع مع انا ندرك باعيننا الالوان و باسماعنا الاصوات و بالسنتنا الطعوم و بشامتنا الروايح و ببدننا الملموسات اذ ليس شئ منها غير الوجود و نحن لاندرك سوي الوجود الا ان الوجود الذي يدركه البصر هو هكذا و السمع هكذا و الغير هكذا و ليس ذلك دليل عدم الوجود بل وجود المسموع صوتي و وجود المبصر لوني و وجود المذوق طعمي فالفرض انا نقول ليس في الدار غير زيد ديار فيرد عليه عاجز عن جميع المدارك فاقد لها الا السمع و غير فاقد للكل الا البصر و هكذا يرد عليه خمس يملك كل واحد مشعرا غير ما يملك صاحبه فاذا وردوا علي الدار فصاحب السمع يجد صوتا و الصوت هو زيد الظاهر له و صاحب البصر يجد لونا و شكلا و هو زيد الظاهر له و لا فرق بينهما و ان زعم الزاعم ان صاحب البصر رآه و غيره لم‌يره فان غيره سمعه و الحاصل واحد و صاحب الذوق ذاق طعم بدنه و صاحب الشامة استشم رايحته و صاحب اللمس عرف خشونته و ملاسته و حرارته و برودته و شأن الكل واحد فان مثل الجميع مثل العميان و الفيل كل منهم ادرك من الفيل شيئا و اختلفوا فيه فقيل انه خرطوم طويل او اسطوانة او ذنب او غير ذلك و كذلك الامر في الوجودات الملحوظة فصاحب السمع يقول زيد صوت طويل و صاحب البصر يقول شخص بهذه الصورة و هكذا و بالجملة جميع ما شاهدوه زيد الظاهر [ص 17] لهم بتلك الصور و كذلك الامر في الملك فالكل وجود تدركه لا غير و الوجود اسم الله الرضي و وجهه المضيء و ان قلت فمم الاختلاف اقول ان الامر هكذا و لايسأل عما يفعل و هم يسألون و ان نظرت في ما بينته في هذه القوايم القليلة لاتسأل بعد ذلك عنه .

فصل - و اذ قد عرفت هذه المقدمات فاعلم ان ما ظهر من النور علي وجنات القوابل هو نفس القوابل و روحها و عينها فان بقاء كل موجود بذلك النور و حيوته و دوامه به و ذلك واضح ان شاء الله لمن جاس خلال الديار و ذلك ما اشار اليه علي عليه السلام قال عليه السلام هي قوة لاهوتية بدؤ ايجادها عند الولادة الدنيوية مقرها العلوم الحقيقية الدينية موادها التأييدات العقلية فعلها المعارف الربانية ، قال ابي اعلي الله مقامه اعلم ان حقيقة النفس الناطقة مثال فعل الله و صورته كما قال علي عليه السلام في صفة العالم العلوي صور عارية عن المواد عالية عن القوة و الاستعداد تجلي لها فاشرقت و طالعها فتلألأت فالقي في هويتها مثاله فاظهر منها افعاله انتهي ، و ذلك المثال نفس الهوية اي هو الملقي و الملقي فيها لقوله عليه السلام تجلي لها بها و بها امتنع منها و اليها حاكمها ، و هي للمشية كالصورة في المرآة و مرآتها نفسها و كالنور للمنير و الكلام للمتكلم و هي جوهرة اصلها صورة علمية لله ابرزتها المشية بواسطة العقل و المشية [ص 18] كالزناد و قابلية تلك الجوهرة كالحجر و هي كالنار الحاصلة بينهما و يشهد بذلك قوله عليه السلام الصورة الانسانية هي اكبر حجة الله علي خلقه و هي المختصر من اللوح المحفوظ و هي كتاب الله الذي كتبه بيده الحديث ، فان اللوح المحفوظ هو لوح العلم الذي خلق به المشية و لذا قال عليه السلام هي اكبر حجة الله و لو كانت من الاسفل لماكانت اكبر و لذلك صارت آية الله و سبب تعريفه و تعرفه فقال عليه السلام من عرف نفسه فقد عرف ربه ، و هي الفؤاد و هي الحقيقة التي سأل عنها كميل بن زياد و لما صدرت عن ذي الجلال و الاكرام بواسطة مشيته سبحانه تعلقت بنوع الملك فصارت نفسا له و فؤادا و قلبا و حجة و قد تسمي في عرف القشريين بالوجود المقيد و لا مشاحة في الاصطلاح عند الناس لا عندنا و صارت بمنزلة السراج المستنير و البدر المنير المستضيء من مس نار مشية الله سبحانه و ظهرت في ساير القوابل فظهرت في مرايا قوابل الموجودات و تخصصت فيها بها فهي من حيث الصدور من النور الاول واحد لا اختلاف فيه لانه نور و النور لا خصوصية له من حيث انه نور اذ هو واحد و صفة واحد و لكن القوابل قد خصصته فظهر فيها علي حسبها لا علي حسبه فالذي ظهر في قابلية زيد صار ذات زيد فخصوصية لونه و شكله من عند الاسفل و الاطلاق من عند الاعلي فما من الاعلي مادة للمولود و ما من الاسفل صورته و المركب من تلك [ص 19] المادة و الصورة زيد فقبل التخصص لم‌يكن زيد و لا بعده و هو موجود ما دام التخصص و لا شك ان التخصص ان كان زمانيا لايكون باقيا بعده و ان كان مثاليا لايكون بعده و ان كان دهريا لايكون بعده و لما كان ذات زيد مخصصة بجميع انحاء هذه الخصوصيات تلقي كل خصوصية في عالمها و لما كان آخر خصوصيتها الدهر لاتتجاوزه فلا ذكر لها خاصا فوق الدهر بل الاشخاص لايذكرون في اعلي الدهر ايضا فلا خصوصية لاحد في العقل بل و اعالي الروح و لايتجاوزون سماوات عالم النفس و سيأتي بيان ذلك آخر الكتاب ان شاء الله و لعلك قد تنبهت مما ذكرنا علي انك ما دام توجهك الي نفسك المخصصة لاتكاد تطلع علي المطلق ابدا فانت ما دام انت انت لاتتجاوز ما وراء مبدئك فليس لك من الاعلي الا الآية و هي انت فلاتعرف غيرك و جميع ما تري من الاحاطة و البساطة و الاحدية جميعها مما يخص مقامك فلاتطلع علي فوقك و اذ كنت عميانا عن فوقك تزعم ان ما شاهدته فوق الفوق و ليس هكذا و ان قلت اني اجد ما لايتناهي بعرش و لا كرسي و لا افلاك و لا عناصر اقول انت لاتجد من العرش و الكرسي و الافلاك و العناصر الا ما تظهر لك و لاتظهر لك الا بك و فيك فلم‌تقطع نظرك عن اركانك و لم‌تجد الا الواحد فوقها لا فوق الملك و ان قلت انا اقطع نظري عن انا ايضا اقول فاذا لست انت انت و يعرف هو هو و ان نظرت الي كلامي لرأيت قولي [ص 20] ظاهرا بينا و لكنك ان سمعته و لم‌تنظر فيه لوجدته هجرا .

فصل - لما اتينا علي مجمل من امر النفس نزيد فصلا آخر في بيان الطبع و المثال ان شاء الله . فاعلم بحول الله و قوته ان الطبيعة هي ظاهر النفس و النفس باطنها و النفس حيث الفاعلية للشئ و الطبيعة حيث المفعولية كما قال الله تعالي يا ابن آدم روحك من روحي و طبيعتك علي خلاف كينونتي ، و بيان ذلك علي نحو الاجمال يستدعي بيان خلق الطبع فاعلم انك اذا اخذت من المواليد المكونة او العناصر اركانا و ركبتها و مزجتها اي خلطت بعضها ببعض بحيث حصل بينها امتزاج علي ما قال علي عليه السلام في صفة خلق آدم (ع) ثم جمع سبحانه من حزن الارض و سهلها و عذبها و سبخها تربة سنها بالماء حتي خلصت و لاطها بالبلة حتي لزبت فجبل منها صورة ذات احناء و وصول و اعضاء و فصول اجمدها حتي استمسكت و اصلدها حتي صلصلت لوقت معدود و اجل معلوم ثم نفخ فيها من روحه انتهي ، فبعد ما حصل الاختلاط و الامتزاج تعلق بها واحد فوقها خارج عن عرصتها غير داخل فيها و هو المسمي بالطبيعة الخامسة و هي المزاج لا ما زعمه الزاعمون و بينه الظانون و هي طبع الشئ و صورته و لها حيثان حيث فاعلية هي يد الله سبحانه فيها و حيث مفعولية هي حيث القبول و قد ظهر الحيث الاعلي في الاسفل و لولاه لماكاد ان يظهر كما ظهر النار في الدخان [ص 21] و لولا الدخان لماكان يظهر النار ابدا ابدا و ذلك واضح ان شاء الله و لولا النار لماكان شعلة كذلك لولا النفس لماكان طبيعة فان الطبيعة علي خلاف كينونة الله فهي معدومة اذ كينونته موجودة و وجوده قبل القبل في ازل الآزال و ان قال قايل ان النفس تقول انها الفؤاد فما تقول في النفس التي تعد دون الروح فوق الطبع اقول ان بيان ذلك من المستصعبات سيما لامثالنا اذ انهمكت طبايعنا في القشر و وقفنا في عالم الفصل و نزعم ان المراتب الاربع الغيبية بعضها منفصل عن بعض فالنفس عالم غير الروح بمعني انها دونه كما ان القمر دون الزهرة مثلا و الروح دون العقل و الفؤاد فوقهما هكذا و حاشا ان يكون كذلك بل لذلك بيان خاص محجوب عن الناس و هو ان المجموع شئ واحد و مراتب شئ واحد فان مجموع الملك مركب من غيب و شهادة و روح و بدن و ذلك من صريح كلمات ابي اعلي الله مقامه و رفع في الخلد اعلامه فاما الشهادة اي عالم الشهادة برمتها لها مراتب فاسفلها مقام التفصيل و عرصة الدنيا و من الزمان و الجوهر النوعي الساري في الكل هو فوق الزمان اذ لم‌يحدث في زمان و لايعدم في زمان و الزمان حد من حدود صوره فذلك الجوهر النوعي هو الجسم الكلي الساري في جميع هذه الاجسام المعطي اياها حدها و اسمها و ذلك الجسم دهري و مادته و صورته دهريتان لم‌تحدثا في زمان و لاتنتقلان في ازمنة و الجسم [ص 22] هو اسفل الدهر و صورته الحد النوعي و هو القبول للحدود الشخصية و لذا قد عبر عنه ببعض خواصه و قيل جوهر قابل للابعاد الثلثة و هي بعض خواصه و الاولي التعبير عنه بجوهر قابل للحدود الشخصية فالجوهر مادته و القابل صورته و هما دهريان و هذا الجسم هو معروض جميع الصور الزمانية المتقلب في جميعها القائم فوقها في الدهر السابق عليها سبقا دهريا و ذلك الجوهر هو المادة النوعية و تلك الصورة هي الصورة النوعية و تلك المادة قبل التعلق بالصورة هي الطبيعة الكلية التي ينحل اليها الجميع و يبطل فيها صورها و موادها و ليس معني قولي قبل التعلق القبل الزماني بل المراد القبل الرتبي و القبل الرتبي يعني ان الشئ موجود في الاعلي فوق الاسفل و خلقه الله من يوم اول هكذا فالطبع فوق المادة و المادة فوق الصورة و الكلية فوق الجزئية دائما فلاتغفل فاذا قطعت النظر عن الاعلي تري الاسفل و اذا قطعت النظر عن الاسفل تري الاعلي فتدبر ثم انها اي الطبيعة مبدؤ الاجسام و مبدؤ عالم الطبيعة و هي الياقوتة الحمراء التي نظر الله اليها بنظر الهيبة فذابت و صارت ماءا و هو جوهر الهباء و المادة الدهرية و صورتها صلوحها و هي الريح التي سلطها الله عليه فموجه بها حتي ازبد فخلق الله من بخاره السماء و من زبده الارض فالمادة تمثل الطبيعة يعني ليست موجودة بصرافتها الا في المادة و فوقها و تمثل المادة [ص 23] الصورة النوعية المطلقة و فيها و هي المقومة و تمثل ذلك المطلق في البسايط و تلك المراتب فيها و فوقها و خارجة منها في الدهر فالجسم دهري المبدأ زماني المنتهي فالزمان امتداد عرضي حاصل من ترتب بعض الصور الشخصية علي بعض و الدهر امتداد طولي حاصل من ترتب الصور علي المادة و اما النفس فعرصتها فوق عرصة الطبيعة كما عرفت و لها ايضا اربع مراتب : مقام جزئية و شخصية و فوقها مقام صورة نوعية و فوقها مقام مادة نوعية و مقام طبيعة فيها انحلال الكل و يسمي مقام الطبيعة فيها بالفؤاد و مقام المادة فيها بالعقل و الصورة بالروح و لهما كلية و نوعية و يسمي الجزئية المذكورة بالنفس فبهذه المراتب تكمل مراتب النفس فاذا عرفت ذلك تعرف ان الفؤاد و العقل و الروح لاتقوم خارج ملك النفس فليس الا النفس و امثل لك مثلا و هو السرير فان له صورة شخصية هي تلك الصورة و صورة نوعية هي صورة الخشب المطلق و مادة نوعية هي الجسم و مادة شخصية و هي القطعة من الخشب و المادة مادة في ضمن الصورة و معها و اذا قطعت النظر عن الصورة فتلك المادة هي الطبيعة و غيبها النفس و لها مراتب هي غيب تلك المراتب و اذا عرفت ذلك فاعلم ان النفس مخلوقة هكذا و لها تلك المراتب و لولا الظاهر لماكان باطن و لولا الباطن لماكان ظاهر فالمراتب العالية هي موجودة في الدانية فلولا [ص 24] النفس لماكان فؤاد ظاهرا فافهم ان شاء الله فظهر لك من ذلك ان معني وجود الفؤاد هذه النفس المقدسة و لست بصدد زيادة البيان هنا . و اما المثال فهو فعل النفس في الجسم و مثالها الملقي في هويات الاشياء فانها بنفسها دهرية و بعد ما تجلت في الجسم سميت جلوتها مثالا كما قال عليه السلام القي في هويتها مثاله و سمي مثالا لانها صارت ممثلة هنا و شبحا و ظلا و هو اي المثال من حيث الصدور من النفس دهري و من حيث الظهور صوري شخصي فاذا ارتفع البسايط الكلية التي هي حوامل للفعل المطلق ارتفع الشخصية و بطل الزمان و بقي الدهر و لذلك يقال ان المثال متقض و اما لفناء المواليد الزمانية لاتفني امثلتها لانها باقية بالافلاك فافهم فالمثال فعل النفس المطلقة و قد عرفت من اشارة كلامي انها الصورة الشخصية الظاهرة علي المادة الشخصية و اذا عرفت الامر في مجموع الملك فقس عليه امر الاشخاص و الله سبحانه يربي بالجسم المطلق الاجسام و بالمثال المطلق مواليدها و بالمادة المطلقة موادها و بالطبع المطلق طبعها .

فصل - لا علينا ان نبين المراتب بلسان آخر و هي الجسم و المثال و المادة و الطبيعة و النفس و الروح و العقل و الفؤاد و وجه التقسيم غير ظاهر علي العوام فاقول اعلم ان المشية [ص 25] مركبة ببداهة الحكماء لان الله سبحانه لم‌يخلق شيئا فردا قائما بذاته للذي اراد من الدلالة عليه الا انها قد تركبت من اجزاء متحدة غير متكثرة لاتسبقها وجودها بل هي معها و لاينافي ذلك التركيب الاتري ان النفوس الاخروية مركبة مع ان اجزاءها في غاية البساطة و الاتحاد لا اختلاف فيها و لاتسبق مواليدها و ذلك سر واضح ان شاء الله فللمشية اجزاء مسلما الا انا نثبتها بالتمييزات الفؤادية لا المشاهدات العقلية و العلمية و قد قال عليه السلام خلق الله المشية بنفسها فعرفنا من ذلك ان هناك نفسا و مشية فان زيادة المباني تدل علي زيادة المعاني و اختلاف الاسماء تدل علي اختلاف المسميات و لذلك نقول ان الله سبحانه ليس مسمي الاسماء اذ هي متعددة مختلفة و الله واحد نعم هي مع معانيها ظهوراته و ذلك ما ورد ان المعني بها واحد لا ان الله بذاته هو معني الاسماء فافهم ففي الخلق اذ اختلف الاسماء يدل علي اختلاف مسمياتها و لما كان التكثر في الخلق جايزا عرفنا ان المعبر قد عبر عن الواقع فالمشية من الخلق و قال الامام عليه السلام ان الله لم‌يخلق شيئا فردا قايما بذاته فهي مركبة و قال خلقها بنفسها فهما اثنان فالنفس هي الحيث الاعلي لها و جهتها الي ربها و المشية هي الحيث الاسفل و جهتها الي نفسها اي انيتها لان النفس هي يد الخالق و حيث الانية هي المخلوقة و الخالق سابق علي مخلوقه مسلما و لا شك ان كلا منهما يخصه [ص 26] ما يخصه من المزاج و الهيئة و الصفة و الفعل فالحيث من الرب لما كان من العالي فهو علي صفته لا محالة فهو حار لحرارة العالي كما في الخبر ان لله تعالي سبعين‌الف حجاب لو كشفت لاحرقت سبحات وجهه ما انتهي اليه بصره من خلقه ، و يابس لان الاحراق من شأن الحرارة و اليبوسة فلما قال عليه السلام احرقت سبحات وجهه عرفنا ان نوره حار يابس مع ان الرطوبة صفة القبول و الميل و الانوثية و الله الفاعل لا اقتضاء له فلا ميل له و لا قبول فنوره يابس و مذكر لما قال الكم الذكر و له الانثي تلك اذا قسمة ضيزي و كذلك هو صاحب جميع الكمالات لانه نور الله سبحانه و هو جامع لجميع الكمالات لايفقدها و نوره علي صفته و اما حيث النفس فهو بارد لبعدها عن المبدأ يابس لقلة مطاوعته فان الشئ كلما بعد عن المبدأ يقل انفعاله لغلبة البرد فان البرد اذا غلب علي الشئ يورث التقلص الكثير و الانجماد فيقل الرطوبة الاتري ان البرد اذا غلب علي الماء ينجمد و اذا غلب علي البدن البرد يتقلص الاجزاء و تنجمد و تتقشف و ذلك دليل ان البرد يورث اليبوسة كما ان الحر الكثير يورث اليبس الا ان الحرارة سبب اليبوسة مع الانتشار و البرودة سببها مع التقلص و التقشف و لا شك ان بين البرودة و اليبوسة و الحرارة و اليبوسة كمال العداوة و التضاد فلايكادان يتصلان ابدا ابدا فلايحصل التركيب بينهما فلذلك جعل الله سبحانه بينهما [ص 27] حكما من اهل الحرارة و حكما من اهل البرودة لان يحصل الصلاح بينهما فيجتمعا فاما الحكم من اهل الحرارة فحار لا محالة لانه من جانب الرجل و لما كان حرارته قليلة لانه بعيد عن المبدأ بالنسبة و كلما يبعد عنه يقل جهة النور فيه قل حرارته و مع ذلك هو مطيع قابل فهو صاحب الرطوبة و لا بد للحكم من رطوبة فانه لو لم‌يكن رطبا لقل فيه جهة الميل فلايكون موصلا للشئ الي ما يريده البتة فالحكم من جانب النفس حار رطب علي مزاج الهواء ثم الحكم من جانب الاعلي لانه من الاعلي لطيف حار و يخالف مزاج الاسفل بالكلية بل بينهما منافرة كلية فان الحرارة ضد البرودة و الرطوبة ضد اليبوسة الا ان حرارتها اقرب الي البرودة من حرارة النار و لكن مع ذلك لايمتزج مع الاسفل فلا بد من حكم من اهله يكون علي مزاجه الا انه احر منه مع رطوبة تكون سبب الازدواج و التركيب و ذلك واضح ان شاء الله فلا بد و ان يكون الحكم من الاسفل باردا رطبا لان يتصل الحار الرطب بالبارد الرطب لاجل الرطوبة و يمد الحار الرطب الحار اليابس بحرارته و البارد الرطب البارد اليابس ببرودته فكأنهما بمنزلة الصابون بينهما فتتركب الاجزاء فهذه الاربعة مما لا شك في وجوبها في تركيب الاجزاء نعم تختلف اسماؤها في العوالم و هنالك نعبر عنها بالباطن و الظاهر و الباطن من حيث البطون و الظاهر من حيث [ص 28] الظهور فبهذه الاربعة يتم المولود اي مولود المشية نعم هي فيها في غاية الاتحاد لانها ابسط ما يمكن في الامكان و لايجري فيها الاختلاف و لما تجلت للاشياء تجلت علي ما هي عليه و هي علي ما ذكرنا و قد نثبت و الحمد لله للعلماء ان النور اذا سطع من المنير يصدر منه علي ما هو عليه و لكنه اذا ظهر في القوابل يظهر علي ما هي عليه فالنور الآتي من عنده ينصبغ في القوابل و تحكيها القوابل علي ما هي عليه فكلما كان القابل صالحا لحكايته مما اتصف به النور يحكيه و ما لايكون صالحا لحكايته يخفيه مثال ذلك الدخان قابلية صالحة لحكاية نور السراج و الثلج قابلية فاذا استضاء السراج يحكي الدخان حرارته و نوره و الثلج لايحكي الا نوره و رب شئ يحكي حرارته و لايحكي نوره كما اذا كان النار من وراء لوح ينفذ فيه حرارتها و لايري نورها كذلك الامر في قوابل الملك فهي تحكي للمشية و لكنها مختلفة متفرقة لبعدها عن المبدأ و باختلاف صورها اختلف امزجتها و لما كانت متخصصة لاتحكي نور المشية الا علي حسب انفسها لا حسبها فكل منها يحكي من المشية ما يكون قابلا لاظهاره من كمالاتها فافهم و لاتغفل فاني اوضحت البيان من غير اشارة و لا كناية و ذلك حق المطلب فرب شئ يصلح لحكاية الاعلي و رب شئ يصلح لحكاية الاسفل و رب شئ يصلح لحكاية الاوسط فلذلك صار كليات المراتب اربع فتم مراتب الغيب [ص 29] علي اربع كليات و لكن القوابل الغيبية لما كانت مبهمة مطلقة لاتخصصها بل تحكيها مبهمة فالتي تحكي حيث الرب تحكي مبهما و التي تحكي حيث النفس تحكي مبهما و هكذا فالتي تحكي حيث الرب من عرصة القوابل تسمي بالفؤاد فانه حاك للوجود الحق الذي هو حيث رب للمشية من حيث الظهور و التي تحكي حيث الباطن من حيث البطون تسمي عقلا لانه المعني الذي لايقع عليه اسم صوري و هو مقام الظهور بالبطون و التي تحكي الظاهر تسمي بالروح فانه معنوي بالنسبة الي الاسفل و التي تحكي الظاهر من حيث الظهور تسمي بالنفس لانها مقام الانية و الماهية و العبودية الليل الدامس و سميت بالنفس لانها انية المشية اي حاكية لها و ليس النفس الا بمعني الانية فعلي ما ذكرنا بل ذكر مشايخنا لانه قولهم الفؤاد يحكي الوجود الظاهر بالمشية و العلم و الكينونة و النفس تحكي الاطلاق و الراجحية الا انهما قد خصصا فيهما علي ما تعرفه في ظهور النار في الشعلة حرفا بحرف فان التي يحكيها الشعلة هي النار بلا شك الا انها ظهرت في الدخان علي حسبها و اذا نسيت حسب الدخان رأيت النار واقعا حقيقة من غير نكير اذ ليس ثم الا نار و صورة دخان فاذا لم‌تجد صورة الدخان وجدت النار و كذلك الامر في الاعلي اذا نسيت خصوصية فؤادك رأيت الكينونة و اذا نسيت خصوصية النفس وجدت حيث نفس المشية فافهم ثم لما كان الظهور تمام البطون و البطون تمام الظهور [ص 30] و كليات الحكمة ما لم‌تكن تامة في ظهورها تامة في بطونها كانت الحكمة ناقصة من الحكيم جعل الله للغيوب الاربعة ظواهر شهادية فللفؤاد ظاهر هو الياقوتة الحمراء مقام الطبيعة و للعقل ظاهر هو مقام المادة و للروح البرزخ ظاهر هو المثال و للنفس الغيبية ظاهر هو الجسم و هذا الغيب و الشهادة مثالهما النار الغيبية و الشعلة و الروح و البدن بمعني انك اذا اشرت الي الجسم اشرت الي النفس يعني انك اذا وضعت اصبعك علي الجسم وضعت اصبعك علي النفس و كذلك في ساير المراتب و اذا عرفت ذلك تتيقن ان النفس ايضا جسم لانها لطيفة هذا الجسم و غيبه و ليس هنا محل اثبات ذلك و الامر اوضح من نار علي علم و النفس التي نقول انها حقيقة الانسان هي هذه النفس التي ذكرناها انها غيب الجسم و لا اشكال في المقام اذا عرف المطلب اذ قلنا ان النفس هي الفؤاد و الوجود اذ امر السلسلة مما هو واضح لاهله و اذ قد اتيت علي ما ذكرت لا علي ان اذكر فصلا آخر ابين فيه رمزا مبهما و سرا منمنما و لكن اجمع قلبك فانه لايمكن بيان جميع الحكمة في فصل و رسالة خاصة و لكني اشير الي المرام علي نهج الاختصار تاركا للمجادلة و الموعظة مكتفيا بالحكمة .

فصل - اعلم ان جميع الاكوان ظهورات للمشية و جلوات الا انها قد ظهرت في القوابل علي نحو الترتب يعني انها لم‌تظهر [ص 31] في الجميع بنسبة واحدة من حيث القوابل لا من حيثها فان من حيثها لها ظهور واحد نوعي غير مختلف الصورة و الهيئة و هو دايما في اول الصدور كما ان المشية دايما في اول الصدور من الله جل و عز و لا صدور و اما من حيث القوابل فبعضها الطف من بعض و بعضها اعلي من بعض فكل قابلية اجزاؤها اوحد و اختلافها اقل تكون اقرب و ما كان بخلاف ذلك فهو ابعد و لا شك ان الاقرب يشتعل بالنور اولا قبل الابعد و ذلك بديهي و لعدم الاختلاف في صورته يحكيها احسن و اشبه لامحة الاتري ان المرآة كلما كانت اصفي يحكي وجهك احسن و اشبه فالمولود الاول احكي للمشية من غيرها و لما كان المرآة الثانية اي القابلية الثابتة بعد الاولي من وراء القابلية الاولي لاتحكي من المشية الا ما ظهر في الاولي و منها كما تري المردنجي الذي وضعته علي السراج لايحكي النار الا بواسطة الدخان المشتعل بالنار و الدخان هو اول مشتعل بالنار لا ان النار اقرب من الدخان و ابعد من المردنجي بل هي دهرية و نسبتها اليهما بالسواء و لكن الدخان مستعد لحكايتها من نفسها دون المردنجي فانه يستعد بتعديد الدخان لغلظته و كثافته فافهم فالمردنجي يحكي عن النار بواسطة الدخان و الهواء يحكي عن المردنجي و الجدار عن الهواء و هكذا حتي يذهب الي ما شاء الله فالقابلية الاولي اذا حكت النار تحكيها علي حسبها مسلما و تتخصص [ص 32] في بطنها و تلقي ما خصصته الي المردنجي فالذي تراه في المردنجي هو النار المصبوغة بصبغ الدخان ثم تزداد خصوصية اخري من بطن المردنجي و هكذا تزيد خصوصيات في البطون علي حسبها و ذلك واضح ان شاء الله و كذلك الامر في المشية و ما دونها فاذا عرفت ذلك و تبينت ما هنالك ازيدك بيانا ان النور الظاهر الذي سميناه نفس الانسان هو نور المشية و غير النور لايكون ظاهرا اذ قد ثبت انه لايكاد يظهر شبح الا بالنور كما في العالم الظاهر و قد علم اولو الالباب ان الاستدلال علي ما هنالك لايعلم الا بما هاهنا فما لم‌يكن نور المشية لايظهر منها شئ بل لا وجود لشئ كما هو ظاهر اذ جميع الاشباح و ذوو الاشباح نور المشية و شعاعها فالنفس هي نور المشية الا انه قد انصبغ في بطن العقل و الروح و ظهر منهما منصبغا بصبغهما و لذلك نقول ان موادها التأييدات العقلية فان تأييدات العقل هي انوار المشية الظاهرة فيها مثال ذلك اذا اخذت مرآة في مقابلة الشمس يظهر فيها عكس الشمس و اذا اخذتها مع ذلك مقابلة لجدار غليظ يسطع عكس الشمس منها و يظهر علي الجدار فالذي علي الجدار هو نور الشمس و شعاعها الاتري انه مدور كالشمس منور محرق مثلها الا انه قد اختص في المرآة بمختصاتها و ظهر منها و لولا المرآة لماكان يظهر علي هذا الجدار و لولا خصوصيات المرآة من الحمرة و الكدرة و الزرقة [ص 33] و امثالها لظهر علي نحو الشمس و لولا الشمس لماكان يظهر من المرآة شئ فما علي الجدار نور الشمس و المختصر من اشباحها و مادته تأييد المرآت لما نري من صبغ المرآت و ان كان اصله الشمس و كذلك جميع ما ظهر في الملك كلها من المشية و لكنها قد انصبغت في البطون فاذا عرفت ذلك فاعلم ان الظاهر من النفس في افرادها ايضا نور المشية لا غير الا انه قد تخصص في قوابلها اذ ذكرنا انه لولا نور المشية لماكان شئ حتي يظهر من شئ فان جميع ما في الملك انوار لها فما في الاناسي الخاصة انوار للمشية الا انها تظهر عليها من النفس دون المشية كما عرفت في المثال المزبور فتدبر .

فصل - اعلم ان القوابل هي الصور و ما به الشئ هو هو ،

و لكل وجدت منهم مقاما ذكره في الكلام مما يطول

و صورة كل مما يخص مقامه فالاطلاق مما يخص مقام المشية لايكاد ينزل منها ابدا و الرجحان من شأنها لاينزل منها ابدا كما ان البرودة و الرطوبة صفة الماء لاتفارقانه و المعنوية صفة العقل و صورته و لاتفارقه ابدا ابدا لاتنزل منه و لاتصعد و الملكوتية صفة الروح لاتفارقه ابدا ابدا و العلم صورة النفس لاينزل منها و كذلك يخص كليات عالم الشهادة بظواهرها فلاتفارق صورة شئ اياه و لاتلبس علي غيره و الوجود هو الظاهر النافذ في الكل فاذا تعلق بالمشية ينفذ فيها و ينزل منها و يبقي الاطلاق علي حاله و ينفذ في العقل [ص 34] و المعنوية علي حالها و ينفذ منه في الروح و منه في النفس و منها في الطبع و منه في المثال و منه في الجسم و اذا وصل الي عالم الاجسام ينفذ في العرش و منه في الكرسي و هكذا حتي يصل الي التراب و لازمة كل مقام في مقامه لايصعد و لاينزل اذ كل شئ لايتجاوز ما وراء مبدئه نعم يظهر من العالي صبغ في الداني و لايغيره عما هو عليه اذ ذاته في مقامها و حدها و لكن الداني لايدرك هذا الصبغ الا متلطخا بصبغه لانه لايدرك ما لايصل اليه و اذا وصل اليه ينصبغ فورا و هو يجد ما انصبغ فصبغ العالي عند الداني ما ظهر له بنفسه لا غير و اذ كان وجوده و نوره ما ظهر له من العالي فنفسه نور العالي لديه لا غير فكل دان في حد نفسه نور العالي و ذلك معني التنزل لا غير و ليس مع ذلك اثر عاليه لانه قائم معه و علي خلاف صفته و الاثر لايخالف مؤثره ببداهة العقول السليمة و لايقوم معه لفنائه عنده و اما الوجود المتعلق بالمشية من حيث نفسه احدي نسبي يطوي باحديته جميع الملك و لكن اطلاق المشية باق في مقامها الاتري انك تقول كل شئ موجود و لاتقول كل شئ مطلق نعم كل شئ مطلق اذا لم‌تر الحكم الواقع عليه و ذلك مشكل جدا فافهم ذلك فانه دقيق جدا مثال ذلك فعلك المطلق فان نفس الفعل الذي ينبأ عن حركتك يظهر في جميع مشاعرك و مراتبك و يتلبس في كل مقام بما يخصه و لكن اطلاقه لازمة محله و ذلك من الاسرار التي لم‌يفشها [ص 35] ابي في جميع المواطن بل بينه في بعض الرسائل اعلي الله مقامه و رفع في الخلد اعلامه فكل قابلية لاتملك الا ما هي عليه لا غير فاذا صعد النازل من مقام الي مقام لا بد و ان يترك ما يخص كل مقام في مقامه اذ لايصعد كما انه ترك ما يخص العالي في مقامه فما يقال ان المراتب السافلة تنزل المراتب العالية ليس المراد انها نزلت بذواتها كما مر الاشارة اليه بل المراد ان السافل في مقامه هو تنزل العالي فالكرسي تنزل العرش و العرش ثابت في مقامه و لذلك قد نعبر عن ذلك بانه نزل بصفته و اشراقه يعني ان السافل بنفسه صفته و اشراقه فافهم و كذلك ما يقال ان البدن المثالي في هذا الجسم العنصري و الدهري فيه و هكذا لايراد انهما نزلا من مقامهما بل هما في مقامهما الآن ثابتان حيان و الجنة و النار الآن مخلوقتان و لكن لكل مقاما و قد ظهر اشراق الابدان الغيبية في البدن لصلاحيته لحكايتها و قد حكاها كما يحكي المرآة للشمس فان الشمس لم‌تخل مقامها و لم‌تنزل منه بل هو دارتها في الفلك و قد ظهر شعاعها في المرآة و هكذا البدن المثالي في المثال و البدن الاخروي في الآخرة و لما انهمك الانسان في الدنيا عمي عنها و اذا مات بالموت الاختياري او الاضطراري و قل تعلقه بالبدن الدنيوي يصعد صاعدا الي مقامه و يري ما يري ، فاذا عرفت هذه المقدمة اقول ان القوابل اوعية للنور النازل [ص 36] من عند المشية و هو يظهر في كل وعاء علي حسبه و هو بنفسه صاحب جميع الكمالات و الفعليات و ما سمعت من ان المشية امكان يراد منه صورتها التي هي الاطلاق لا وجودها فان وجودها فعلية صرف و لذا سمي بالفعل و العلم و اسم الله و لا معني لكون علم الله قوة و يلزم من ذلك كون الوجود عدما و ذلك محال فهو صاحب جميع الكمالات علي نحو الاطلاق و لكن الاطلاق الذي هو حيث نفس المشية و عبوديتها هو قوة المقيدات فلاعلاها فعلية و اسفلها قوة و النور النازل منها هكذا فاما اعلاه و هو نفس النور فكامل بالفعل و اما اسفله و هو الاوعية و القوابل في حد نفسها قوي صالحة للكمالات و لكنها مختلفة لتكثرها و اختلاف حالاتها فالاوعية تحكيه و تظهر كمالاته علي حسبها فان كانت خاصة تحكي كمالات خاصة و ان كانت عامة تحكي كمالات عامة فالعوالم الغيبية التي عددناها لما كانت مطلقة حكت نور المشية علي نحو الاطلاق فظهر في العقل معني مطلق نوعي لايخص شيئا دون شئ و ظهر في الروح حيوة نوعية ملكوتية و في النفس علم كلي نوعي لايخص شيئا دون شئ و انسانية نوعية مطلقة غير مخصصة و في الطبع صورة واحدة مطلقة و هي المزاج المطلق و في المادة امكان مطلق و في المثال فعل مطلق غير خاص بصورة خاصة فان ما تري من خصوصيات عالم المثال و تخطيطاته كلها من الجسم و لو رفعت المواد [ص 37] الجسمانية لاتري هذه التفاصيل بعد نعم ما من المثال يرجع اليه و هو ما يحصل للانسان و غيره مما يخص نفس المثال و لكن التخطيطات الجسمانية راجعة الي الجسم و كذلك لما ظهر في العرش اخذ صورة عرشية مبهمة و كذلك في كل فلك بما يخصه من مزاج مبهم و لاتكاد تري في ما عددناه شيئا خاصا في وقت من الاوقات بدءا و عودا ابدا فانها مطلقات مبهمات نعم بعد ما تولد المواليد الخاصة تخصص الوجود المطلق في بطونها فبعد ما خلق الحيوان الخاص تخصص الوجود فيه بالحيوة الخاصة و بعد ما خلق الانسان و كان جامعا لجميع ما ذكرناه من القوابل علي نحو الخصوصية ظهر فيه الوجود بالكمالات الخاصة فلما كان له عقل خاص و صار حيا بنور الوجود تعقل المسائل و اما العقل المطلق الملكي فلايتعقل شيئا و لما كان له نفس خاصة تعلمت العلوم و المسايل و النفس الملكية لاتعلم مسألة و لما كان له طبع خاص اقتضي الامر الخاص و الطبيعة المطلقة لاتقتضي الا امرا منها و هو الاطلاق و لما كانت له مادة خاصة تصورت بصور خاصة و لما كان له مثال خاص حصل اشباح خاصة و اظلة مختصة و لما كان العرش الخاص ظهر فيه العقل الخاص و لما كان الكرسي الخاص ظهر النفس الخاصة و لما كان زحل خاص ظهر عاقلة تعقل المعاني الجزئية و لما كان مشتري خاص ظهر عالمة خاصة تعقل [ص 38] صورا هكذا و هكذا الباقي و الخصوصيات كلها من نفس المولود لا المطلقات فانها مطلقة فلو خلي الوجود و طبعه لماكان له خصوصية بل كان محيطا بجميع الذرات و ذلك اصل اصيل اردت ذكره في المقام فاذا صار الوجود النازل ذات كل شئ و نفسه يكون خصوصيته في المقام لا غير فزيد ثابت في مقامه لا غير و لاتجد زيدا في السماء و الارض الا في مقام الزيدية و هي نفسه و ذاته و حقيقته و منها جميع ما يخصه لا غير و لايتجاوز ما وراء مبدئه و انت يا هذا ربما تنظر في السماء و الارض و تريد ان تجده او في المطلقات فيشكل عليك الامر و يشتبه و ليس زيد الا في بيته و بيته نفسه و نفسه حقيقته و هي في مقام وجودها و حين شهودها حين الامضاء مع الامضاء لا غير .