١٢٥٧
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الله تعالي : ان اول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا و هدي للعالمين فيه آيات بينات مقام ابرهيم و من دخله كان آمنا و لله علي الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا و من كفر فان الله غني عن العالمين .
قال تعالي : و من دخله كان آمنا ، قد كنا نعد الضروريات فعددنا كثيرا منها و منها التي ثبتت بين المسلمين هو الاعتقاد بان للنبي (ص) حالتان احدهما الحالة الملكوتي التي منها برزت آثار الربوبية و خوارق العادات و سائر التصرفات و ثانيهما الحالة البشرية الظاهرة نحن بشر مثلكم فهو (ص) في هذه الحالة مبلغ الاحكام الشرعية و الاوامر و النواهي الالهية هاتان الحالتان اتفقت بهما المسلمون اجمع و اما الفرقة الاثنيعشرية فهم اثبتوا الحالتين لعلي عليه السلام حيث انه (ع) نفس النبي لآية انفسنا من حيث ان الولد جزء الوالد اثبتوهما لكل واحد من الائمة واحدا بعد واحد الا ما اخرجه الدليل من النبوة و الخواص التي هي للنبي وحده و لكن الناس جهال لايعلمون من العلم شيئا و لهذا يخبطون خبط عشواء لانهم لايفرقون بين الحالتين و لايميزون بين المقامين و لايجعلون كل شئ في محله ألاتري ان المبين اختل عليه الامر و السامع كذلك فلهذا اضطرب المبينون و السامعون المتعلمون الا فمن كسر احدا فعليه جبره فان لميجبره فعليه ما علي المكسور من العقوبات و المثلات في الدنيا و الآخرة فلما كان الجهل غالبا علي الناس في خبط الموضوعات و لايجعلون كل شئ في محله اردت توضيح ذلك لئلايضل احد عن الطريق فقلت ان مقام ظاهريتهم عليهم السلام الذي هو مقام قطبيتهم قال ظاهري امامة ، فهم (ع) في هذا المقام مبلغون الاحكام الشرعية الفرعية و ان مقام ملكوتيهم الغيبي الربوبي و باطني غيب منيع لايدرك [ص 179] فهم فيه واسطة عامة فلهم الولاية المطلقة السارية في جميع الذرات من البسايط و المركبات فلهم النفوذ في ذلك المقام في الكائنات كلها و هذا التصرف و الاحاطة لهذا المقام الخاص (ظ) دون مقام البشرية الظاهرة فان قلت ان الحسين عليهم السلام ورد انه خلص الرجل في الصين من السبع و هو في كربلا يوم عاشورا هذا من مقامه الملكوتي قلت لا يا شيخ ليس هذا من ذاك و انما هو من الحالة البشرية لان اعتقادنا و اعتقاد اهل الحق في حق امامهم في رتبتهم البشرية هو انه (ع) ببشريته افضل من جميع الاكوان و اكمل من جميع الخلق من العلويات و السفليات من البسائط و المركبات و ما سكن في الارضين و السموات ثم الجن و الانس و الملك و النبات و الجماد ثم الملأ الاعلي و ما هم في وراء جبل قاف و جزيرة الخضراء اجمل لك الامر فاقول ان الامام (ع) افضل و اكمل من جميع ما سوي الله سبحانه فردا فردا بل مجموعا من حيث المجموع في جميع صفاتهم و كمالاتهم من علومهم و اقدارهم و سخاوتهم و شجاعتهم و تصرفاتهم في الاشياء هذا المدعي مستغن عن البرهان ضرورة انه من البديهيات الاولية لمن كان له ادني شعور و ادراك في الدين لانه (ع) مطاع فلولا كذلك لايخلو من كونه (ع) اخس من رعيته او مساويا معهم فلو كان اخس و انزل من الرعية يلزم تقدم المفضول علي الفاضل و يلزم ترجيح المرجوح علي الراجح و هو قبيح عند كافة العقلاء و ان كان مساويا معهم يلزم ترجيح احد المتساويين و ذلك ينافي حكمة الحكيم تعالي فلايكون هناك ترجيح المرجوح علي الراجح و لا تخصيص بلا مخصص [ص 180] فلو كان المفروض احد الامرين لزم خروجه تعالي عن حكمته و قدرته و اخراجه تعالي عن الحكمة اثبات العجز و الجهل له تعالي تعالي ربنا عز و جل علوا كبيرا فلما انقضي القسمان الباطلان ثبت القسم الثالث الذي هو الحق و هو انه لا بد و ان يكون الامام (ع) اكمل الرعية و افضلهم في كمالاتهم و شرافاتهم كلها كيف لايكون كذلك و هو حجة علي ما سوي الله اجمع و ان ما سوي الله شاعر مكلف و ان الخلق كلهم يستمدون في امداداتهم منه عليه السلام فالكائنات في علومهم و اقدارهم و ما لهم و منهم و فيهم و عنهم و عليهم و لديهم و عندهم اليه راجعون و عنه (ع) يأخذون لانه محل فيض الله و ارادته و قدسه ثم كيف لميكن هو (ع) ببشريته افضلهم و انه مبعوث علي الخلق و نذير لهم قال تعالي تبارك الذي نزل الفرقان علي عبده ليكون للعالمين نذيرا فلايكون نذيرا لهم الا اذا كان اكمل منهم ثم افضل لانه تعالي عالم خبير ثم بصير بالامور و حكيم فهو اعلم حيث يجعل رسالته فان قلت ان ما قلت مما لايتصور لان للامام الشهيد ابيعبدالله الحسين عليه السلام مثلا ان كان قوة اكثر من جميع رعيته و مع ذلك لميجاهد معهم و لميقاتلهم يلزم التقصير في حقه (ع) و التقصير من الامور المخرجة عن العصمة و العدالة مع ان في كربلا ماكان من رعيته (ع) الا قليل بالنسبة الي جميع خلق العالم بل لا شئ فعلي هذا انت اردت ان تمدحه (ع) ذممته اذ لزوم التقصير للامام (ع) اقبح كل شئ ثم بعد ان كان اعلم الخلق فيكون عالما بكل شئ فحينئذ هل كان عالما بقتله ام لا فان كان يعلم ان هؤلاء المنافقين يقتلونه و مع [ص 181] ذلك جاء هو (ع) و القي بنفسه الشريف الي التهلكة فعليه يلزم انه عليه السلام كان مخالفا لكتاب الله عز و جل حيث قال تعالي و لاتلقوا بايديكم الي التهلكة و بالجملة يظهر منه انه (ع) اما لميكن اقوي و اقدر و اشجع من رعيته كلهم او قصر في الجهاد و خالف الكتاب او لميكن عالما بما وقع من القتل و النهب و السبي و كل ذلك كما تري قلنا و لا حول و لا قوة الا بالله اما انه لو كان (ع) اقوي من الرعية ثم لميفعل لزم التقصير فجوابه ان الامام (ع) لايفعل شيئا الا بامر من الله عباد مكرمون لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون فعليه كان مأمورا بالجهاد بل آمرا الي الجهاد فلايكون المأمور من الله علي الجهاد ايقاع النفس بالتهلكة قال (ع) و سلمتم له القضاء ، فهم (ع) بامر الله مسلمون ثم بقضائه راضون فاذا كان الجهاد بامر من الله لميكن منافيا هذا مع كونه (ع) اقوي الخلق و اقدرهم و ثانيا ان السر في هذا هو انه (ع) كان بصيرا ناظرا و عليما مهيمنا مطلعا علي ما في الاصلاب الخبيثة من النطف الطيبة الطاهرة الي سبعين بطن او سبعينالف بطن او كرور فيدعهم حتي يخرج من صلبهم تلك النطف الطاهرة هذا نوع مما لميقتلهم و قد كان فيهم نوع آخر و هو (ع) يعلم ان زمرا منهم قد قدر الله لهم ان يقتلهم مختار الثقفي ثم يعلم (ع) ان فيهم قوما يموتون بالصيحة قد قدر الله لهم تقديرا و كان يعلم ايضا ان فيهم من يموت بحتف انفه بعد ما ان اخرج الله النطف الطيبة من اصلابهم و كان يعلم (ع) ان فيهم من يقتلهم الصاحب عجل الله فرجه كل ذلك بعد خروج النطف من اصلابهم فلما كان هو (ع) عالما [ص 182] محيطا بالاصلاب نظر (ع) الي اصلابهم الخالية من النطف الفارغة من المؤمنين فقتل الفارغين الاصلاب فقط دون من سواهم بتعليم من الله و امداده كما كان ذلك مكتوبا في صحيفته (ع) فلما لميكن (ع) مأمورا بقتلهم لما قلنا قعد عن الحرب فلميقاتلهم فلما لميقاتلهم و لميتعرض لهم قتلوه (ع) ظلما و زورا ثم ان هذه المقاتلة كلها لاختبار الخلق و امتحانهم علي ما وقع العهد و الميثاق في عالم الذر و اما كونه عليه السلام لميكن عالما بما وقع و الا لزم القاء النفس الي التهلكة فجوابه انه (ع) كان عالما اسروا قولكم او اجهروا به انه عليم بذات الصدور اذ هو (ع) خزانة (ظ) علم الله و عيبة علمه ثم اقول أوليس يعلم الكتاب اي القرآن فاذا كان عالما بالقرآن و كان القرآن فيه تفصيل كل شئ و فيه تبيان كل شئ ثم فيه ما في اللوح المحفوظ و لا رطب و لا يابس الا في كتاب مبين و كل شئ احصيناه كتابا و لا ريب في ان كل شئ مبين في الكتاب المبين و ان كل حكم مذكور فيه فيكون الامام العالم بالقرآن عالما بكل شئ فان قلت انه (ع) لايعلم القرآن كفرت كفر الجاهلية الاولي بل انكرت العقل و النقل فلما كان عالما بالقرآن كان عالما بكل شئ مما كان و ما يكون و ما هو كائن فلما كان عالما بالقرآن الذي فيه علم كل شئ كان عالما بوقعة كربلا ثم بانه (ع) يقتل بامر من الله تعالي قال (ع) شاء الله ان يراني قتيلا ، فلا منافاة بين قتله (ع) و بين ان يعلم كل شئ لان مما كان يعلمه (ع) هو قتله فيها فلذا كان (ع) يخبر عن قتله كثيرا مع ان وقعة كربلا كانت عهدا مأخوذا في عالم الذر ثم الانبياء (ع) كانوا عالمين بها الاسمعت [ص 183] ان سفينة نوح (ع) لما بلغت في المحاذاة مع هذه الارض صارت مشرفة علي (ظ) الغرق فسأل الله عن ذلك اوحي الله اليه ان يا نوح انك الآن علي محاذاة ارض يقتل فيها حسين بن بنت نبي آخر الزمان محمد بن عبدالله (ص) فلما سمع نوح ذلك بكي و تضرع بالبكاء و العويل فدعا علي قاتليه (ع) فكذلك ابرهيم و موسي و عيسي و سائر الانبياء (ع) بناء علي هذا كيف لايعلم امره بل يعلم جميع احوال جميع الموجودات في العوالم كلها بل في المقامات و الآنات الايعلم من سبق و هو المنير البصير فليس في ذلك استغراب و لا استنكاف لان الاصل يقتضي ان يكون كاملا و لا شك ان الاصل يقتضي مضافا الي ما ذكر ان يكون كماله (ع) علي اكمل ما يكون و لا ريب ان العلم من الكمالات بل اشرفها و اعلاها فلما كان كذلك وجب ان يكون عالما بجميع الموجودات حين وجودها لما قلنا ان مقتضي مطلق الكمال ذلك لايقال ان هذا الكمال الذي قيل في حق الامام (ع) من العلم و القدرة هذه كمالات ثابتة لله تعالي فلايجوز لاحد من المخلوقين ان يتصف بها بوجه من الوجوه لانا نقول هذه ليست بصفات الله تعالي لانه تعالي لايدرك بوجه من الوجوه و لاتدرك صفاته نعم لاتدركه الابصار فان قلت ان هذه هي صفاته الذاتية و اما اذا قلت انها صفاته الفعلية فهو (ع) صفة الله تعالي و اسمه و هو محل ارادته و مشيته بل نقول ان الامام (ع) لايوصف و لايعرف كما عن الرضا عليه السلام في الكافي و غيره حيث قال في وصف الامام (ع) حديثا طويلا فيه مناقب عظيمة و اوصاف جمة اخذنا منه موضع الحاجة لضيق الوقت الي ان قال (ع) الامام واحد دهره [ص 184] لايدانيه احد و لايعادله عالم و لايوجد منه بدل و لا له مثل و لا له نظير مخصوص بالفضل كله من غير طلب منه له و لا اكتساب بل اختصاص من المتفضل الوهاب فمنذا الذي يبلغ معرفة الامام او يمكنه اختياره هيهات هيهات ضلت العقول و تاهت الحلوم و حارت الالباب و خسئت العيون و تصاغرت العظماء و تحيرت الحكماء و تقاصرت الحلماء و حصرت الخطباء و جهلت الالباء و كلت الشعراء و عجزت الادباء و عييت البلغاء عن وصف شأن من شأنه او فضيلة من فضائله و اقرت له بالعجز و التقصير و كيف يوصف بكله او ينعت بكنهه او يفهم شئ من امره او يوجد من يقوم مقامه و يغني غناه لا و كيف و اني و هو بحيث النجم من يد المتناولين و وصف الواصفين فاين الاختيار من هذا و اين العقول من هذا و اين يوجد مثل هذا يظنون ان هذا يوجد في غير آل الرسول محمد (ص) كذبتهم والله انفسهم و منتهم الاباطيل فارتقوا مرتقا صعبا دحضا تنزل عنه الي الحضيض اقدامهم راموا اقامة الامام (ع) بعقول حائرة بائرة ناقصة و آراء مضلة فلميزدادوا منه الا بعدا قاتلهم الله اني يؤفكون لقد راموا صعبا و قالوا افكا و ضلوا ضلالا بعيدا و وقعوا في الحيرة اذ تركوا الامام عن بصيرة و زين لهم الشيطان اعمالهم فصدهم عن السبيل و كانوا مستبصرين الحديث ، و بالجملة ان الامام (ع) خلقه الله عظيما جليلا فلماذا تختاره بعقلك الناقص ان الامام (ع) له كذا و كذا من الصفات و لماذا ترضي بذلك و انت جعلت نفسك ذليلة خاضعة منقادة له (ع) أوليس ان الامام (ع) اذا كان اكمل اولي ، اگر رنجي كشي رنج نگاري ، فان قلت تسليم الامامة من [ص 185] امام الي آخر دليل علي نقص الامام المسلم له لانه كان و لميكن له هذا الكمال قلت ليس كما ذهبت لان المراد بالتسليم الاذن بالتصرف في التصرف فيما كان الامام المسلم متصرفا فيه من الذرات الوجودية و الاذن دليل علي وجود هذا الكمال له الا انه كان صامتا امر بالتكلم و النطق يعني التصرف و بالجملة ان الامام (ع) هو العالم بالعالم بما كان و ما يكون و ما هو كائن كليها و جزئيها عاليها و دانيها غيبيها و شهوديها فان قلت انه ورد ان الحسين (ع) كان يسأل الناس عن ارض مقدسة كربلا و عن غيرها و غيره (ع) عن غيرها قلت اولا سؤاله كسؤاله تعالي حيث قال ما تلك بيمينك يا موسي و كسؤاله تعالي عن عيسي بن مريم (ع) ءانت قلت للناس اتخذوني و امي الهين و ثانيا نقول لا شك و لا ريب ان القرآن هو الاصل الثابت للاستشهاد و العمل فعلي هذا كل ما خالف القرآن (كذا) فلما نظرنا الي القرآن رأينا الله تعالي قال و لا رطب و لا يابس الا في كتاب مبين و كل شئ احصيناه كتابا و كل شئ احصيناه في امام مبين و فيه تبيان كل شئ و فيه تفصيل كل شئ و لا شك انه (ع) عالم بالقرآن كله و القرآن فيه جمع ما هو موجود مخلوق في العالم في خزائنه في غيبه و شهوده نقول انه (ع) عالم بالقرآن و القرآن فيه علم كل شئ فهو (ع) عالم بكل شئ و العلة في انه عالم بكل شئ هي انه علة كل شئ يعني ان كل شئ من فاضل نوره خلقه الله تعالي من شعاعه (ع) و لا شك ان المنير يعلم نوره و يحيط به و لا شك ان جميع امدادات النور و الاثر من المنير لا غير و ثانيا لا شك في انه (ع) مبعوث علي الخلق كافة و حجة علي ما سوي الله [ص 186] كلهم اجمعين اعراضهم و جواهرهم تبارك الذي نزل الفرقان علي عبده ليكون للعالمين نذيرا علي التفصيل الذي سبق قال الباقر (ع) ان جماعة من الناس يدعون ان طاعتنا اهل البيت لازمة كطاعة رسول الله و يكسرون حجتهم و يخصمون انفسهم و يقولون انا لانعلم كل شئ كيف يجعل الله احدا حجة علي الخلق و يحجب عنه علمهم و ما يحتاجون اليه انتهي ، بناء علي هذا الحديث الشريف و غيره من الاخبار بان ائمتنا (ع) يعلمون كل شئ مما كان و ما يكون و ما سيكون و اعلم ان ما سيكون علي قسمين قسم دخل في الكون و هو في الخزائن و لكنه ليس بظاهر و قسم لميدخل في الكون و انما هو في الامكان فائمتنا (ع) لايعلمون القسم الثاني بخلاف القسم الاول لان ما في الامكان متوقف بباب البداء و لكنهم مرة يعلمون بلا واسطة و مرة مع الواسطة و بعبارة اخري ان علمهم عليهم السلام علي قسمين قسم يعرفونه بواسطة الملك كما انك في ادراك الاجسام تحتاج الي العين او السمع او غير ذلك من الخمسة الظاهرة مع ان المدرك هو القلب لكنه بواسطة الحواس و قسم يعرفونه بلا واسطة ملك كتعقلاتك و خيالاتك فان قلت ان الاكمل ان يكون علومهم (ع) بلا واسطة احد لان الاحتياج نقص بالنسبة الي ايجاد الواجب قلت ان الاشياء تحتاج الي الواسطة لتسافلها و تدنسها و خساستها و عجزها لا ان في المدرك نقص و عجز و كون علمهم (ع) بالواسطة كايجاد الواجب تعالي بالاسباب حرفا بحرف فهم (ع) يعلمون كل ما دخل في الكون و برز الي الوجود و اما ما لميدخل في الكون فيوجد ذلك اذا ارادوه (ع) و [ص 187] ذلك انما يوجد عند ارادتهم لو شئنا شاء الله لايريد الله الا ما نريد ماتشاؤن الا ان يشاء الله فان قلت ان علمهم (ع) ارادي لا حضوري و تريد هذا المعني الذي قلنا قل فانك اصبت ثم نقول ان الامام (ع) لميكن يريد ان يكون جاهلا اذ العلم كمال فهو (ع) لازال يريده و الجهل نقص فلميرده ابدا و الحاصل كان الكلام في ان الامام (ع) له مقامان اي عالمان عالم ملكوتي و عالم بشري فقلنا ان له (ع) في الملكوتي الذي هو محل للظهورات الكلية و الارادات الالهية و الافاعيل الربانية في ذلك المقام احاطة و هيمنة و تصرف في العالم كله و ان جميع العالم في قبضة تصرفهم فهم عليهم السلام واسطة للفيوضات و الامدادات كلها و قد يعبر عن هذا المقام باللاهوتي الغيبي و عالم بشري قلنا انه عليه السلام في هذا المقام واسطة للاحكام الشرعية و مبلغها لا غير لانه عليه السلام لايتصرف في هذا المقام فاذا علمت ان له (ع) مقامين فهمت معني قوله (ع) : اما تفويض الاحكام و الشرايع الينا فنعم و اما التفويض في الخلق و الرزق فلا ، هذا انما كان بعد ما سأله (ع) سائل عن معني التفويض لان نفيه (ع) راجع الي البشر لا الي الملكوتي لانه (ع) هناك اي في الملكوت و قصبة الياقوت المعبر عنه باللاهوت له التصرف و التفويض المنفي بامر بين الامرين فهو (ع) في هذا المقام للخلق و الرزق اسباب كالملائكة الا انه السبب الاعظم فهم (ع) في هذا المقام يتصرفون في كل شئ فبهم ملأت سماءك و ارضك لانه قال انه لا فرق بينك و بينهم ، هذا اشارة الي الرتبة الملكوتية الا انهم عبادك و خلقك ، اشارة الي الرتبة البشرية فهو (ع) [ص 188] في الملكوت جلال جمال الله و كمال قدرة الله ثم علم الله و حلم الله و نور الله و عين الله و صفة الله و اسم الله و دليل الله و آية الله و سلطان الله و محل ارادته و امره و نهيه فهو (ع) في هذا المقام جميع مضامين ما في دعاء سحر شهر رمضان فهو (ع) بهاء الله و عظمة الله و كلمة الله و قدرته المستطيلة و مشيته النافذة و ملكه القديم و عزته و سلطانه و رحمته و علمه النافذ و جبروته الدعاء ، ثم اعلم ان نسبة الملكوتي الي البشري نسبة الروح الي الجسد و لا ريب في كون ظهور آثار الروح في الجسد فباللسان يظهر اثر الكلام ان اراد الكلام و بالعين الرؤية ان ارادها و بالسمع السماع و هكذا و من الضروريات ان الامام (ع) يحضر عند كل ميت و عند كل مولود و كذلك في مسائلة القبر سواء كان كافرا او مؤمنا منافقا او مشركا ظالما ورد في حديث البساط ان الحسن عليه السلام سأل اباه عليا عليه السلام عن شجرة يابسة كانت علي جبل قاف او وراءه عن علة يبسها قال علي (ع) يا بني فاسألها تجبك فسألها (ع) عن علة اليبس قالت الشجرة ان اباك يا سيدي كان يصلي عندي كل يوم ركعتين و الآن مدة ثلثة ايام مضت لميحضرني ابوك للصلوة فلهذا ذهبت نضارتي و عدمت خضارتي كما تري ، و المراد بالصلوة هو التوجه بكله و اما كونها ركعتين فانها اشارة الي التلقي و الايصال يتلقي من الغيب ثم يوصله الي الشهادة و بالعكس هذا هو معني الركعتين فلما علمت حال الشجرة و نضارتها و يبسها و قد كانت ريانة بحضوره (ع) لديها فاعلم ان هذا الحكم ليس خاصا بالشجرة فقط و انما هو عام لجميع [ص 189] الذرات الوجودية من الكائنات الغيبية و الشهودية لانه (ع) هو الماء الذي به حيوة العالم بلي و من الماء كل شئ حي و هو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا و صهرا فنضارة العالم به فلولاه لساخت الارض باهلها كالقلب للبدن الانساني و هذا المقام الملكوتي هو الذي من فاضله حقيقة الانبياء و لاتستغرب من حضوره (ع) عند كل شئ لانا قد برهنا ان الامدادات الحادثة آنا فآنا بواسطته لانه (ع) حامل الامدادات قال في الزيارة الحسينية (ع) ارادة الرب في مقادير اموره تهبط اليكم ثم يصدر من بيوتكم الصادر عما فصل من احكام العباد ، فلولاكان حاضرا عند كل شئ لايصال امداداته لفني ذلك الشئ و انت تعلم ان الشئ لايستغني من المدد ابدا كلا نمد هؤلاء و هؤلاء من عطاء ربك و ماكان عطاء ربك محظورا و عطاء الله هو الامام (ع) و هو رحمته تعالي أفلاينظرون الي آثار رحمة الله كيف يحيي الارض بعد موتها قال تعالي انا ارسلناك رحمة للعالمين و المراد بهذه الارض ارض الامكان لا الارض المعروفة لانه (ع) احيي ارض الامكان مطلقا فلما كان هو (ع) له هذا المقام وجب ان يكون له القيومية و الاحاطة و العلم لانه اول المجعولات و هو محل ارادة الله و اول المجعول سبق المجعولات في جميع كمالاتها فاذا علمت ذلك فاعلم انه (ع) في هذا المقام حيه و ميته سواء قال (ع) ان ميتنا لميمت و قتلنانا ( قتيلنا ظ ) لميقتل ، بخلاف المقام البشري انك ميت و انهم ميتون و اما في الملكوتي : و لاتقولوا لمن يقتل في سبيل الله اموات بل احياء عند ربهم يرزقون بل نقول كل مؤمن شهيد مقتول في سبيل الله و لو مات بحتف انفه [ص 190] قال تعالي نصا علي ذلك الذين آمنوا و عملوا الصالحات اولئك هم الصديقون و الشهداء قال (ع) من مات في ولايتنا فقد مات شهيدا و في مختصر البصائر للشيخ حسن بن سليمان الحلي عن جابر عن ابيجعفر (ع) في قوله تعالي : و لئن قتلتم في سبيل الله او متم الآية ، فقال يا جابر أتدري ما سبيل الله قلت لا والله الا اذا سمعت منك فقال القتل في سبيل علي و ذريته فمن قتل في ولايته (ع) قتل في سبيل الله تعالي ، فلما علمت ما قلنا اعتقد به و المراد بالاعتقاد هو الثابت الجازم الذي لايزول بتشكيك مشكك قط ، و من ضروريات الدين ان الحسين (ع) شهيد مقتول و نسبة انه (ع) لميقتل الينا كذب و زور و افتراء محض لشهادة رسالتنا المسماة باسرار الشهادة و اختيار مجاورتي في هذه الارض الطيبة لهذا السيد الطاهر الشهيد فلولا ذلك لكنت في صفحات العجم فان هناك احسن لعيشي بالنسبة الي الدنيا و بالنسبة الي جمعية الاسباب لتحصيل زاد الآخرة فتحملي للزحمات كلها في هذه الارض المقدسة لادراك هذه السعادة التي هي المجاورة رزقني الله تعالي و جميع المؤمنين ثم ان امر الشهادة استحكم في عالم الذر ثم اخبر بها النبي (ص) و اميرالمؤمنين (ع) و نزلت فيها آية و اما قول بعض الجهال انه (ع) لميقتل لقوله تعالي ماقتلوه و ماصلبوه و لكن شبه لهم فباطل لان المراد بالتشبيه هو ان مدفن عيسي ( كان ظ ) معينا فان قلت ان الحسين عليه السلام وارث عيسي روحالله فلا بد ان يكون لميكن له قتل كما ماكان لعيسي قلت ان الحسين (ع) وارث عيسي و وارث موسي و ابرهيم و نوح [ص 191] و وارث جميع الانبياء و الاولياء بل و جميع الخلق و كنا نحن الوارثين انا نحن نرث الارض و من عليها لانه (ع) محل فعله تعالي لانه تعالي لميكن وراثته في ذاته و انما هي في فعله فاياب الخلق اليه (ع) في الرجوع كما ان ظهورهم منه في الصدور بكم فتح الله و بكم يختم فان قلت ان الامام عليه السلام يظهر عند كل شئ من غير استثناء قلت اجل رغما علي آنافهم لانه لاتمرض مريض الا بحضوره و لابرء عنه احد الا بحضوره و لاسقطت ورقة الا بحضوره و لانبت نبات الا بحضوره و لاصدر شئ و لاوجد الا بحضوره لانه باب المدد و عضد الخلق و ورد ان رسول الله (ص) لما قال اللهم انصر الاسلام بعهد العمرين عمر بن الخطاب و ابوجهل لان اسمه كان عمر نزلت الآية مااشهدتهم خلق السموات و الارض و لا خلق انفسهم و ماكنت متخذ المضلين عضدا مفهومه اني اتخذ الهادين عضدا و المراد بهذه السموات و الارض سماء المقبولات و ارض القابليات من غير تخصيص فالذي يكون الاشياء بمرأي منه و مسمع هو الذي اشهده الله خلق السموات و خلق نفسه فلا بد من حضوره عند كل شئ لحدوثه به و لان المدد لايوصل الي الشئ الا به (ع) و الذات عن شؤنها لاتغفل ، هذه الرتبة و المقامات انما حصلت له (ع) بالعبودية و الخشوع و ما آتاه الله (ع) لميؤته احدا من العالمين قال (ع) كما في الزيارة الجامعة الكبيرة آتاكم الله ما لميؤت احدا من العالمين ، فمن انكر ما اعطاهم الله من الفضل و الكمال و العلم و الجلال فقد انكر قدرة الله تعالي و اثبت عجزه تعالي عن الايجاد اي ايجاد ممكن كذلك و لايخفي ان المنكر علينا لميكن [ص 192] منكرا علينا و لا علي النبي و لا علي خليفته عليه السلام و انما هو ينكر علي الله تعالي و الانكار بالله كفر و قد اخبر الحق سبحانه بذلك في كتابه حيث قال انهم لايكذبونك و لكن الظالمين بآيات الله يجحدون ، و صلي الله علي محمد و آله .
[ص 193]١٢٥٧
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الله تعالي : ان اول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا و هدي للعالمين فيه آيات بينات مقام ابرهيم و من دخله كان آمنا و لله علي الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا و من كفر فان الله غني عن العالمين .
مسألة عظيمة مهمة اصغوها ثم احفظوها لتنفعكم بعد حين فنقول اعلم ان العلوم و الاسرار و جميع الرسوم و الانوار كلها عند الله تعالي فلما خلق آدم الثاني في القوس الصعودي علمه تلك العلوم و الانوار كلها بواسطة آدم الاول و علم آدم الاسماء كلها و المراد بالاسماء جميع الذرات الكونية و الموجودات الحادثة لان غير الله يعبر عنه بالامكان و مرة يعبر عنه بالحدوث و مرة بالعالم و مرة يعبر عنه بالاسماء فاما انه اسماء لما قلنا قال (ع) الاسم ما انبأ عن المسمي ، لانه مشتق من الوسم بمعني العلامة فيكون المراد بتعليمه الاسماء تعليمه جميع الحقايق و الذوات من الجواهر و الاعراض و الصفات من المجردات و الماديات و غيرها و عدم تعيين الاسماء دليل علي ان المراد بها اسم الله تعالي و الدليل علي ان المراد بالاسماء هي الحقايق و الذوات لا نفس الاسم المعروف عند الناس قوله ثم عرضهم ضرورة ان هم ضمير جمع العاقل مرجعه الاسماء باعتبار المسميات كما كنت افسرها سابقا و اما الآن فانه انما يرجع الي الاسماء من دون تقدير و لا تأويل ثم هذه الاسماء هي الاسماء التي لميتحملها الملئكة من دون واسطة آدم (ع) نعم انما يعلمونها بتعليم آدم عليه السلام لا جميع الاسماء بل بعضها فلما علمه الله تعالي هذه الاسماء و اعطاه هابيل امره تعالي ان يعلمها اياه حيث كان قابلا فعلمه و جعله وصيه و خليفته و خصصه بمزايا من الالطاف و اظهار المرحمة و الوداد فازداد حبه يوما فيوما لابنه هابيل فلما رأي قابيل ان هابيل محترم مكرم عند ابيه آدم و انه وصيه و خليفته حسده و ابغضه فجاء عند آدم ابيه فقال له انا ابنك [ص 194] و هو ابنك فلماذا كرمته و فضلته و خصصته بما لمتخصصني به قال بامر من الله تعالي قال بل انما كان هذا منك لا من الله تعالي لحسده و بخله قال له آدم (ع) ان قربوا قربانا فاتي قابيل حزمة من سنبلة حنطة ضعيفة خسيسة ثم اتي هابيل غنما سمينا قد رأي (ظ) في سواد و اكل في سواد و نام في سواد لانه كان راعيا للاغنام و كان قابيل زارعا فقبل قربان هابيل و لميتقبل قربان قابيل فازداد حسد قابيل حينئذ و غيظه علي هابيل الي ان قتله فلما قتله لميقارب آدم عليه السلام لحواء (ع) مدة خمسمائة عام حزنا علي هابيل الي ان اوحي الله اليه بالمقاربة فلما قاربها رزقه الله تعالي شيث هبةالله فلما كبر و استوي رشدا نظر اليه آدم (ع) فاذا هو اهل للخلافة و تعليم العلوم و الاسرار و ايداع الرسوم و الانوار فعلمها اياه و جعله وصيه كما جعل هابيل من قبل فلما علم منه قابيل ذلك جاء اليه فقال يا شيث انك لو اظهرت ما عندك من العلوم و الاسرار ثم الاحكام و الانوار المودوعة عندك لاقتلنك بسيفي الذي قتلت به اخاك هابيل فها انا ذاك القاتل بالك بالك عن الابراز فلما مات آدم عليه السلام و رزق الله تعالي لعبده شيث ابنا اسمه انوش علم شيث ما عنده من العلوم و الانوار فجعله وصيا له فلما ارتحل شيث و مات ثم مات قابيل جاءت اولاد قابيل الي انوش ابن شيث فقالوا له لاتظهر يا انوش علومك و الا فنقتلك فخاف انوش و لميظهر منها شيئا فبذلك بقيت العلوم مخفية في الصدور و الضمائر يعلم كل لوصيه ثم الوصي الي من هو وصيه و هكذا الي ان وصلت النوبة الي الوصي العاشر لآدم (ع) و قد ورد ان له (ع) [ص 195] اثنيعشر وصيا بل لكل واحد من اولي الشرايع الست اثناعشر وصيا فالوصي العاشر لآدم (ع) اسمه اخنوخ و هو ادريس النبي و هو هرمس الهرامسة انما سمي ادريس ادريسا لكثرة تدريسه و سمي بهرمس الهرامسة لانه كان حكيما بالغا فلما صار الزمان زمان خلافة ادريس النبي درس الناس علوما كثيرا من الحقايق و الاسرار ثم من الرياضي و غيرها فلما اشتهر امره و بلغ كماله الي اقطار الارض ثم اشتهر في المشارق و المغارب استولت الازارقة علي المؤمنين الي ان خفيت العلوم و الاسرار بالمرة الا انها كانت مودوعة عند الاوصياء و الحملة غير ظاهرة ظهورا عاما لجميع الخلق او اكثرهم الي زمان سليمان بن داود فلما كان سليمان سلطانا مقتدرا عظيما نافذ الحكم فاظهر سليمان (ع) ما اظهر من العلوم و الانوار من دون اكتراث من احد ثم بعد ذلك خفيت العلوم عند الاوصياء الي ان جاءت النوبة الي زمان اسكندر فيلقوس اسكندر الرومي هذا غير اسكندر ذيالقرنين و كان وزيره ارسطاطاليس الحكيم فاراد اسكندر اظهار تلك العلوم و الاسرار من الصدور الي السطور ليكون نفعه عاما للناس اجمعين ثم امر المعلم الاول ارسطو بكتب العلوم و الانوار علي الالواح و الدفاتر فلذا سمي بالمعلم الاول و قبل ذلك لمتكن العلوم مدونة مكتوبة لشدة حرصهم علي الضبط و الحفظ و لئلاتقع الاسرار في ايدي الطغاة و الاشرار ثم السفهاء و الحمقاء فاول من دونها هو هذا ارسطاطاليس فلما كان اول التدوين كان التعبير صعبا علي المدون علي ما كان في الضمير علي كمال ما ينبغي فعبر هو مع ذلك في البدو بالسرياني [ص 196] ثم جاء من كان بعده فنقلوا الي العربي بالترجمة و لا شك في ان النقل من لسان الي آخر يختلف فيه التعبير بحيث يختفي المقصود بل كثيرا ما يوجد في اللغات ما ليس له تعبير في الاخري فلاجل ذلك اختل المعني و فسد ما اتي به الانبياء علي ما اوحي الله اليهم كما ينبغي الاتري في اللغة الفارسية (( قسم بخور )) اذا اردت ان تعبر عنه باللغة العربية (( كل القسم )) و هذا كما تري يعطي خلاف ما هو المقصود و مثله (( شير )) بالفارسي لانه مشترك بين السبع الاسد و بين الحليب بل انه اذا لميكن منقطا كان (( سيرا )) في قبال (( پياز )) في الفارسي او في قبال (( گرسنگي )) في الفارسي و هكذا فلما كان الامر كذلك اضمحلت العلوم و الآداب و اندرست الي ان صار العصر عصر عيسي (ع) فهو (ع) ابرز شطرا منها و لكنه علمها اوصياءه منهم شمعون الصفاء فلما ضعفت اوصياء عيسي (ع) في ايام الجاهلية خفيت العلوم بالمرة بحيث قالوا لميكن لعيسي (ع) من خليفة و لا وصي فصار الزمان زمان الفترة فترة العلوم و الرسول و فترة الدين الي ان من الله علي العالمين بوجود خاتم النبيين (ص) فلما ظهر هو صلي الله عليه و آله و كان القوس قوس الصعود اظهر هو (ص) الشرايع و الفروع اولا ثم جعل في طيها تلك العلوم و الاسرار التي كانت عند الانبياء التي اضمحلت و خفيت و انما جعلها في طيها حرصا علي حفظها و لئلايلزم فضح الحكمة فاستودع تلك العلوم و الاسرار ثم تلك الحقايق و الانوار في تعبيراته في الشرايع و الاحكام الظاهرية فلهذا صار هو (ص) صاحب جوامع الكلم لايقال ان شأن النبي الهاشمي انما كان بيان الشرايع [ص 197] و الاحكام خاصة دون الحقايق و الذوات و غيرها من العلوم حتي اللغات لانا نقول ان شأن النبي الخاتم الفاتح الجامع تبليغ جميع العلوم و تعليم جميع الرسوم فلما علم اختلاف الناس بعده (ص) جعل تلك المطالب و الاسرار في طي بياناته و احكامه ليعلم كل اناس مشربهم قال (ص) رحم الله عبدا سمع مقالتي فوعاها و حفظها و بلغها من لميسمعها فرب حامل فقه ليس بفقيه و رب حامل فقه الي من هو افقه منه ه ، ثم بعد زمانه (ص) و ارتحاله كانت العلوم مختفية الا ان الامام الوصي عليه السلام اقتداء برسول الله صلي الله عليه و آله جعل تلك العلوم و الانوار في طي كلماته فلميبرزها ابرازا واضحا يعرفها كل احد و انما جعلوا كلماتهم مشحونة بالعلوم الحقة و هي واضحة ظاهرة لمن طلبها من طلب شيئا و جد وجد و الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا و انما لميجعلوها واضحة ليعرفها كل احد لئلايلزم فضح الحكمة ان الله يأمركم ان تؤدوا الامانات الي اهلها و قال لاتؤتوا السفهاء اموالكم و بالجملة تلك الاسرار جعلوها في كلماتهم الاتري ان كلماتهم (ع) جارية في العلوم كلها و يستدل منها الفرق ٧٣ كلهم فانها مشرب لكل وارد من اهل العلوم الظاهرة و الباطنة فلما ظهر نبينا (ص) حصل للعالم رونق آخر و كمال آخر لميكن قبل ذلك و لا ريب ان كلامه نور فاذا جاء النور بطل الظن ثم الشك و الابهام لانه لولاكان يفهم منه واحد من الناس لميكن نورا بل لا بد ان يفهمه كل احد ثم ان شأن الامام (ع) انما هو الارشاد و الهداية دون التعمية و الضلالة بناء علي هذا كان كلامهم (ع) منهلا لكل وارد بحيث [ص 198] كل من اراد منه شيئا و طلبه حصل و وصل و بالجملة فلما ارتحل النبي صلي الله عليه و آله قال المخالفون المنافقون الجاحدون حسبنا كتاب الله مع ان الكتاب وحده كما تري لايكفي و انما يكفي مع مبينه و حامله و شريكه و المبين الحامل الذي هو شريك القرآن هو الوصي (ع) فلما اعرضوا عن مبين القرآن و شارحه كتاب الله الناطق اختفت العلوم المودوعة عنده فغلب الجهل الي ان اراد معوية اعدام هذا الدين و اظهار ما كان عليه اهل الجاهلية من عبادة العجل و عبادة الاصنام لكنه علي وجه اكمل يعني يعبدون الناس الاصنام و العجل الذي جاء علي صورة الانسان أفحكم الجاهلية تبغون فلاجل هذا امر الناس معاوية الطاغية في جعل الاحاديث في مدح نفسه و ذم الخليفة الحق اميرالمؤمنين علي بن ابيطالب عليه السلام و قد زبر في الكتب انهم كانوا يجعلون كل يوم سبعينالف حديث الي ان اشتدت عداوته في علي (ع) و اولاده (ع) بحيث بني ان يقتل كل من سمي باسم علي (ع) ثم اسم الابنين الطاهرين الحسنين (ع) حتي اشتدت ظلمة الكفر فاخذ المؤمنين بالتهمة و سماهم باسمه (ع) فقتلهم فلما فعل معوية هذا الفعل ذهب النور و جاءت الظلمة فامتلأ العالم بالجهل و اليه الاشارة بالكريمة السبحانية او كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض اذا اخرج يده لميكد يراها فلما رأي الحسين عليه السلام ان هذه الطاغية اظهرت القبايح و الظلم فامر بالمنادي في شوارع المدينة بالحج للناس كافة فقال ان بنيهاشم و جميع اصحاب رسول الله (ص) ممن سمع منه (ص) [ص 199] و حضر لديه ان يحجوا في هذه السنة فلما فرغوا من مناسك الحج صعد سيدنا الحسين عليه السلام المنبر فحمد الله و اثني عليه ثم قال ايها الناس تعلمون انتم ان هذا الطاغية معوية اخفي الامر بالمرة ثم قرأ (ع) عليهم الاحاديث التي ذكرها رسول الله (ص) و قرأها عليهم فقال لهم ايها الناس أليس قال جدي كذا و كذا في فضلنا ثم توجه الي القوم واحدا واحدا فقال يا فلان أليس جدي كذا و كذا أولاسمعت يا فلان من جدي كذا و كذا ثم ذكر في ذلك المجلس جميع ما صدر عنه (ص) من الفضائل في حق علي عليه السلام و اولاده بعناية من الله تعالي فلما فرغ (ع) نزل من المنبر فذهب الي طريقه و لا شك في ان هذا (ظ) القدر غير كاف في اظهار العلوم و المراتب و لايتم الامر بهذا و لايستقر شئ في الاذهان من امر الدين ثم لما رأي الحسين عليه السلام ان بالبيعة مع معوية قد اضمحل الدين بالمرة قدم اسباب الشهادة علي التفصيل وسيلة الي اعلاء الكلمة لانه بيان فعلي يعرفه كل احد فلما استشهد انكسفت الشمس في العاشر من الشهر خلافا للمنجمين ثم انخسف القمر في ليلة الحاديعشرة خلافا لهم ايضا ثم ظهرت رياح صفراء ثم سوداء ثم نبع من الارض دم عبيط و قطر من السماء كذلك حتي احمرت الثياب البيض المشردة (كذا) علي السطوح و الحيطان فلما رأي الناس الحال هكذا علموا ان له مع الله من رابطة و اتصال ثم علموا انه له عليه السلام اي لوجوده مدخلية في الكائنات فلما تذكروا ذلك بردت القلوب عن معوية و اعرضت ثم اشمأزت متنفرة طباعهم و رانت حتي علموا ان الحق مع الحسين (ع) [ص 200] لكنه لميكن شئ من الحق ظاهرا الي ان جاء ابومسلم الخراساني و قتل بنيامية كثيرا منهم فضعفت بنواامية بعد ذلك شيئا فشيئا الي ان انقرضت دولتهم فصار بعد ذلك بين دولة بنيامية و دولة بنيالعباس فترة و فرصة فقام الصادق عليه السلام مظهرا لما كان عنده من العلوم و الاسرار الي مدة مديدة و كان في مجلسه اربعمائة كاتب يكتب درسه فكتبوا اربعمائة مجلد من احاديثهم فاذا حصل للقلوب نور و للصدور شرح الي ان استولت دولة بنيالعباس فنظرت بنواالعباس فاذا قد رأوا تدبير بنيامية في قتل ذرية الرسول (ص) و قتل اصحابه ضعيفا و لما رأوا ان فيه زيادة افتضاح و خسران فهؤلاء فكروا و قدروا فقتلوا كيف قدروا ثم نظروا الي الناس فوجدوهم محتاجين الي الامام (ع) في العلوم الفرعية الشرعية ثم نظروا انهم يحتاجون الي علم الكلام في العقائد الظاهرة ثم رأوا ان الناس محتاجون الي البواطن و الاسرار فحينئذ جاؤا مدبرين فرقوا ابوحنيفة و الشافعي و الحنبلي في العلوم الظاهرة من الطهارة و الصلوة الي الديات فجعلوهم السادات للراجعين اليهم في الفقه الظاهري كانوا بحيث كل من ذهب اليهم كان نافذ الامر مطاعا بين الناس من اصغي اليهم كان عزيزا مكرما بخلاف ما اذا ذهبوا الي جعفر بن محمد الصادق (ع) ثم رقوا للعقائد الظاهرة هؤلاء المتكلمين المتكلفين كالكرامية و الاشاعرة و الجبائيين و الباقلاني و قاضي ابيبكر و الحسن البصري حتي ان اسمعيل . . . ابيبشر الاشعري صعد المنبر فقال ايها الناس كنت اقول ان مشية الله حادثة و القرآن حادث و الترجيح [ص 201] بلا مرجح باطل و ان صفات الله عين ذاته و انه تعالي خلق الكافر كافرا و اراد منه الايمان و بالعكس و لكن الآن تبين لي خلافها فعدلت عنها فاقول ان مشية الله قديمة و ان الترجيح بلا مرجح جائز و ان صفاته الذاتية غير ذاته و ان القرآن قديم فلما نزل من المنبر صنف في ذلك خمسين كتابا فمشيها بين الناس بقوة سيف السلطان حتي علم الصبيان في المكاتيب و اما في البواطن و الاسرار فارشدوا هؤلاء الصوفية الضالة و عظموهم ثم وقروهم بل كلما سمعوا منهم احد في الاطراف بعثوا اليه و اكرموه فهؤلاء الفرقة اتوا من اباطيلهم ما لا ظهور لها عند الناس لخلطهم اياها بالحق اخذوا ضغثا من الحق ثم ضغثا من الباطل فمزجوا كل واحد بالآخر بحيث لميكن يعرفه الناس و لايميزونه حتي قال ذلك الصوفي لو شئت لاوقرت من تفسير الف الحمد لله سبعين حملا في قبال قول علي (ع) اني لو شئت لاوقرت من تفسير باء بسم الله الرحمن الرحيم سبعين حملا ، فهؤلاء الصوفية ضررهم في الدين اشد من ضرر يزيد بن معوية عليه اللعنة ، و صلي الله علي محمد و آله .
[ص 202]١٢٥٧
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الله تعالي : ان اول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا و هدي للعالمين فيه آيات بينات مقام ابرهيم و من دخله كان آمنا و لله علي الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا و من كفر فان الله غني عن العالمين .
كان الكلام في ان بنيالعباس رقوا الصوفية في علم البواطن و المتكلمين في العقائد الظاهرة و المجتهدين و الفقهاء للاحكام الشرعية من الطهارة الي الديات من العبادات و المعاملات و العقود و القضايا و الايقاعات حتي يغووا الناس و حتي يرجع الناس عن متابعة آلمحمد فدبر بنوالعباس هذا التدبير فنفعهم تدبيرهم و اغواؤهم لانه واقع في محله فنالوا ما نالوا من دنياهم و من اخماد ذكر آلمحمد عليهم السلام و الاخذ منهم و لايخفي ان اعراض هؤلاء المنافقين عن آلمحمد (ص) ماكان لاجل تحصيل الدنيا وحده بل كان من جهة انكارهم في عالم الذر و الاشارة الي ذلك هي ان الله لما خلق المعصومين الاربعةعشر سلام الله عليهم و اخذ منهم (ع) العهد و الميثاق بقوله ألست بربكم الخ ، قالوا بلي بظاهرهم و باطنهم و سرهم و علانيتهم و ارواحهم و اجسادهم بل ببشرتهم و شعورهم و جلودهم و عضلاتهم و اوردتهم و شرياناتهم و مخهم و عظمهم و لحمهم و شحمهم و احشائهم و امعائهم بكلهم اقروا و آمنوا بالعهد و الميثاق و بجميع ما اراد الله تعالي منهم فلما اقروا كذلك سطع من اقرارهم هذا نور ملأ العالم علي السواء فكان بهذا النور المتلألئ الوقت وقت الظهر لظهور النور علي جميع الاشياء و احاطته بكل شئ علي ما فصل في محله فلما عرض التكليف علي الخلق من هؤلاء المقابلين فقال تعالي ألست بربكم و محمد نبيكم و علي و اولاده الطاهرون و الصديقة ائمتكم فاول من انكر هو الاول بكله كاقرار رسول الله [ص 203] صلي الله عليه و آله بكله حرفا بحرف فانكر بظاهره و باطنه و سره و علانيته و روحه و جسده الخ ، و قال في الجواب نعم و نعم جواب في المنفي يعني لست بربنا و ليس محمد نبينا و ليس علي و اولاده ائمتنا و اولياءنا فلما انكر كذلك ظهر من انكاره ظلمة فوقعت علي ذلك النور و كدرته فصار الوقت وقت العصر فخلق الله عز و جل في ذلك الوقت الظن فاوجب الله سبحانه لرفع هذه الظلمة صلوة العصر ليستعاذوا بها من شر تلك الظلمة و اثرها ثم عرض التكليف ثانيا فانكر الثاني ، المنكر ، عدده مطابق لعدد اسمه رضي الله تعالي عنه و قد كان انكاره كانكار الاول الا ان انكاره تفصيلي ظهرت من انكاره ظلمة شديدة اشد من ظلمة الاول فصار الوقت وقت المغرب وقتا بين الليل و النهار فخلق الله تعالي الشك في ذلك الوقت فلذا يقال (( بر شكاك لعنت )) و الشك عبارة عن تعاور الصورتين المتعادلتين اللتين لا ترجيح لاحديهما علي الاخري كما ان الظن جهة الرجحان و الوهم جهة المرجوح فاوجب الله تعالي هنالك صلوة المغرب ليستعيذوا بها عن شر هذه الظلمة و اثرها ثم عرض عليهم التكليف ثالثا فانكر الثالث و بنوامية كلهم فمن انكارهم تراكمت الظلمات و اضمحل النور بالمرة فخلق الله من هذا الانكار الجهل المركب فاوجب الله تعالي صلوة العشاء ليستعيذوا بها عن شر هذه الظلمة المدلهمة و من شر اثرها و الاهتمام في صلوة العشاء اكثر من غيرها و لهذا وجب الصوم في غده علي من نسيها و تركها فالصلوة اعظم الاعمال في جلب النور و جذبه فلذا صارت عمود الدين و صارت خير موضوع فلما انكروا و ظهرت [ص 204] الظلمات المدلهمات الدامسات غلب الجهل في العالم و خفي الحق بالمرة و الي هذه الظلمات اشار في التنزيل بقوله او كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض قال عليه السلام كما في تفسير علي بن ابرهيم ان البحر اللجي هو الاول و يغشاه موج هو الثاني و من فوقه سحاب هو الثالث و ظلمات بعضها فوق بعض بنيالعباس فوق بنيامية فهنالك صارت ظلمة بحيث اذا اخرج يده لميكد يريها يعني اذا اخرج يد الله لميكد يريها احد مع انها يد الله الظاهرة اظهر من كل شئ كما كان كذلك في زمان معوية عليه الهاوية فهؤلاء الضلال لما ارادوا صرف وجوه الناس من آلمحمد (ص) ارشدوا الصوفية و المتكلمين و الفقهاء و الآن طريقتهم هذه لا غير و كانوا في المخالفة بحيث كلما قال علي عليه السلام كانوا يقولون بخلافه و لهذا صار من ادلتنا في اصول الاحكام الشرعية العمل بخلاف القوم خذ ما خالف القوم فان الرشد في خلافهم و قال ابوحنيفة لو كان جعفر بن محمد الصادق (ع) يغمض عينه او يفتح في السجدة لافعل انا عكس ما فعله هذا انما يكون من شدة المخالفة و العناد و هؤلاء كانوا يعلمون انهم علي الباطل و طريقهم علي الضلال كما ان الرازي قال ان النصاري قالوا ان الله ثالث ثلثة كفروا و اما اصحابنا فقالوا ان الله تاسع التسعة فلميكفروا و العلة في تمسكهم بدينهم و طريقتهم مع كونهم عالمين بطلانه هي ان الاسلاف و الآباء و الاجداد كلهم حيث سلكوا هذا الطريق سلكناها انا وجدنا آباءنا علي امة و انا علي آثارهم لمقتدون يعني لايقدرون علي اظهار [ص 205] بطلان دين آبائهم و فساد طريقة اجدادهم من حيث عادة النفس و من جهة الدنيا و من سر اخري و هو قبولهم في عالم الذر و بالجملة لما فعلوا هذا الفعل من التدبير ضاق الامر علي اصحاب ائمتنا عليهم السلام حيث لميكن لاحد قدرة التكلم مع الآخر لاسيما في الاحاديث و الاسرار الي ان رموا كتبهم في الآبار و بنوها في الحيطان و الابنية و دفنوها تحت الارض الي ان آل الامر في شدة التقية بحيث ماكانوا يعرفون الامام (ع) بعد جعفر بن محمد الصادق (ع) و لذا ورد ان المؤمن الطاق و جماعة من خواص الاصحاب تشاوروا فقالوا نحضر مجلس عبدالله الافطح اخو موسي (ع) فنسأله عن اشياء من المسائل فان اجابنا كما اجاب ابوه جعفر (ع) فهو امام و الا فلا فلما ذهبوا اليه و سألوا عنه رأوه انه لايعرف شيئا بل رأوه مدعيا للباطل و قائلا بالكذب فلما خرجوا من عنده كانوا متحيرين متقائلين اين نذهب الي المرجئة ام الي القدرية او الي الاشاعرة او الي الحرورية فكانوا كذلك برهة من الزمان الي ان صار ذات يوم يمشون الاصحاب في طريق و معهم المؤمن الطاق فاذا قد رأوا رجلا من بعيد يشير اليهم بيده قال المؤمن الطاق تستروا انفسكم عني ثم استغيبوا يا اصحابي فان المشير من اصحاب المنصور الدوانيقي يريد قتلي ثم اوصي اليهم في ماله و عياله ثم ذهب الي الرجل فكان يمشي معه الي ان دخل الرجل دارا فاذا قد خرج بعده غلام من الدار فقال يا فلان ذاكرا باسمي الذي سمتني امي و هو لميرني من قبل و لميعرفني فتعجبت من ذلك ثم قال يا فلان ادخل فدخلت فاذا قد رأيت [ص 206] شيخا منهمكا في العبادة توجه الي فقال الي الي لا الي المرجئة و لا الي القدرية و لا الي الاشاعرة و لا الي الحرورية قلت له ٔانت امام قال لااقول ذلك قلت فهل عليك امام قال لا فاذا سمعت ذلك علمت انه امام فقلت له يا سيدي اخبر بذلك اصحابك و ابشرهم به اشار عليه السلام بيده الي حلقومه و اراد منها ان القوم يقتلونني ان اخبرت الاصحاب فينتشر بذلك خبري بما انا عليه من الشأن ، و الحاصل كانت التقية شديدة بحيث لميعرفوا امامهم فضلا عن اخذ العلوم و الآداب ثم ادراك المعارف و الانوار و لكن حيث كان ائمتنا (ع) ظاهرين بالعبادة و الزهد و الآداب الحميدة و الاخلاق المرضية كان يعرفهم من رآهم من اهل زمانهم و انهم موقنون بانهم اهل الحق و معدن العلم و الايمان ثم التقوي و القدرة و الحلم هذا مأمون حيث اراد ان يشتبه الامر علي الناس في علي بن موسي الرضا (ع) و كان عالما بان الامر و الحكومة و السلطنة و التصرف في الاموال و الدماء له عليه السلام فتفكر المأمون في نفسه بان المصلحة هي ان اجعل علي بن موسي الرضا (ع) خليفة فاقول ان امر الخلافة راجع اليك لانك انت اهله و معدنه و مأويه فلما قبل مني ذلك فلا محالة يتصرف في الاموال فعند ذلك اقول للناس هؤلاء ان هذا و اجداده من اهالي الدنيا فليسوا بزهاد و انما كان زهادا معرضا عن الدنيا حيث لميتمكن منها بل كان ممنوعا عنها و اما الآن حيث حصل له هذا التمكن و تيسر له الامر فانه يفعل اذا ما يفعل فلما تفكر المأمون هذا الفكر الفاسد و قد كان الامام (ع) خبيرا بما اضمره امتنع عن ذلك [ص 207] فبامتناعه (ع) ظهر زهده و ورعه (ع) فاشتهر بذلك امره فنتج الامر بعكس ما اضمره فصار تدبيره تدميرا فعند ذلك زاد حقد المأمون لميجد لحقده ملجأ الا ان يسمه فسمه عليه السلام و كذلك المتوكل فانه اتي بعلي النقي (ع) الي سامرة و اراد ان يحضره في مجلسه الذي يشرب فيه خمر و يلعب ثم يأتي بالملاهي و المعاصي فامتنع الامام الهمام (ع) ذلك حيث كان عالما بضميره بانه يريد بذلك تشييع نسبة الفاحشة اليه (ع) حتي يكون ذلك موجبا لادخال النقص في معدن الطهارة و الزهادة و ليكون سببا في ادخال الشك في السلسلة النبوية العلوية فلما امتنع عن الحضور في مجلسه قال الملعون لوزيره فتح بن الخاقان ما الحيلة يا فتح قال ابعث لاحضار اخيه فلما يحضر مجلسك قل ان ابن الرضا فعل كذا و كذا و حيث كان الناس جهالا (ظ) لايفرقون بين علي النقي و اخيه فاذا يحصل مأمولك فلما احضر اخاه قال له يا اخي لاتحضر مجلس هذا الطاغي و لاتهتك ستر بيت النبوة قال اخوه لايمكنني منعه فقال عليه السلام اذا لاتراه ورد انه بقي بعد ذلك ثمانيةعشر شهرا فمااتفق له حضور مجلس المتوكل هكذا يحفظون من ارادوا و بالجملة لميحضر مجلس الطاغي الي ان قتل المتوكل فطال خفاء الامر لشدة التقية الي قريب ثلثمائة سنة او اربعمائة سنة تقريبا و قد كان الاصحاب مغمورين ذليلين محقرين الي ان استقرب دولة آلبويه فهؤلاء ارشدوا علماء الشيعة فظهرت سلطنتهم بعلماء الشيعة ورد ان شيخنا المفيد و السيد المرتضي و الشيخ الطوسي (ره) كانوا في اوائل غيبة الكبري و ان اولئك المعظمين [ص 208] كانوا مسموعي الكلمة معروفين مشهورين نقل انه حضر علي جنازة المفيد عليه الرحمة في سوق الاشنان ببغداد ثمانونالف نفس لتشييع الجنازة و هؤلاء كانوا من الموافقين دون المخالفين و هذا علمالهدي السيد المرتضي (ره) كان له ثمانونالف مجلد كتابا من هذه العلوم التي ذكرناها من اولئك الفرق الثلثة لا دونها .