اليوم الاثنين السادس‌عشر من شهر رمضان من سنة

١٢٥٧

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الله تعالي : ان اول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا و هدي للعالمين فيه آيات بينات مقام ابرهيم و من دخله كان آمنا و لله علي الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا و من كفر فان الله غني عن العالمين .

بعد ما ذكرنا ان الكفر تحققه بشيئين احدهما انكار الضروري و ثانيهما انكار ما تبين و علم ثبوته و حقيقته في الدين الي ان بلغ الكلام الي مسألة العلم و قلنا ان من المعلوم عند المسلمين كافة ضرورة ان الله عالم بذاته بالاشياء قبل وجودها و بعد الاشياء و حين الاشياء فعلمه تعالي بها قبل كونها كعلمه بها بعد كونها بلا كيفية و لا نسبة و لا اضافة و لا ربط و لا اتصال و لا انفصال اذ علمه تعالي لايحتاج الي معلوم لان علمه ذاته و ذاته علمه فكذلك قدرته تعالي و حيوته فكون علمه تعالي عين ذاته هذا ضروري المذهب ثم من الضروري ان علمه تعالي بعد ما كان لا كيف له و لا رتبة و لا نسبة و لا جهة و لا حصول و لا حضور و لا انكشاف و لا من مقولة الكيف و لا الانفعال لانهم قالوا لو كان علمه تعالي من مقولة الحصول يلزم ان يكون علمه حاصلا بالتصور فيكون حضوريا اوردوا علي القائلين بالحضوري ايرادا مااجابه احد الي الآن و هو انه علي فرض كونه حضوريا يلزم احد الامرين احدهما قدم الاشياء و ثانيهما جهله تعالي قبل الايجاد لو كان حادثا اذ لم‌يكن قبله حاضرا لديه و لكنا قلنا لا فرق بين الحضور و الحصول اذ الحاصل لديك حاضر عندك فالحضور و الحصول واحد معني و اعلم ان العلماء قالوا ان ايراد المذكور غير منحل الي الآن و هو كذلك اذ مسئلة العلم من اغمض المسائل و اصعبها و اما قولهم من مقولة الاضافة او من مقولة الكيف او الكم الخ ، فهذا ايضا باطل لان الاضافة و الكيف و الكم و الفعل و الانفعال كلها من الاعراض فكيف يكون ذاته تعالي [ص 102] عرضا ثم انه يلزم ايضا ان يكون هناك شئ منسوب اليه يكون ذلك اعلي من الذات لان الذات هو العلم و العلم هو الاضافة فلا بد من مضاف اليه فتدبر و انت عليم بان الذات لاينتسب الي شئ قط و الا لكان حادثا فلما عرفت بطلان هذه الاقوال اجمالا فاعلم انه تعالي علمه ذاته من دون تعدد و لا تكثر و لا اختلاف لا في المفهوم و لا في المصداق و لا في الخارج و لا في الذهن و لا في الفرض و لا في الاعتبار و لا ريب في صعوبة هذه المسألة و لذا تري ان كل واحد من العلماء الفحول و حكماء المعقول كتبوا كتابا في حل هذه المسألة و تقريبها و تسهيلها لكنهم لم‌يزيدوا في الامر الا بعدا و الحق هو الذي قلنا من كون العلم عين الذات من دون وهم مغايرة و لا كثرة بوجه من الوجوه و انه عالم بالاشياء بذاته قبل وجودها و بعد وجودها و حين وجودها لايعزب عن علمه مثقال ذرة في السموات و لا في الارض فهو هو وحده لا شريك له قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون فهو سبحانه يعلم بلا كيف و لا ارتباط قال بعض الاعلام في هذا المقام ان من ادعي معرفة ذاته و اكتناهه فاحث التراب في فيه فانه ضل و غوي و كذب و افتري ثم قال هذا العالم في ذلك الكتاب بعيد هذا القول كلمة يتبين بها كيفية تعلق علم الله الازلي بالاشياء مع هذا انه قال ان العلم عين ذاته تعالي يا عجبا من هذا الاختلاف ليس هذا الا لغموض المسألة و الحاصل انه لا ريب في ضرورة علمه تعالي بالاشياء و لا ريب ان علمه هو ذاته و لا ريب انه تعالي يعلم كل شئ قبل وجوده و بعد وجوده بلا كيف و لا اشارة لايعلم ذاته الذي هو علمه احد لا نبي مرسل [ص 103] و لا ملك مقرب و لا مؤمن ممتحن و اما ما تكلمنا من علمه تعالي فهو تعبير من الكمال المطلق حيث رأينا ان العلم كمال هذا و لكن نحن لما تتبعنا الاخبار و نظرنا الي كلمات ائمتنا الاطهار رأينا ان العلم اطلق علي غير الذات القديمة من الاشياء الحادثة المخلوقة منها قوله (ع) في دعاء سحر شهر رمضان حيث قال اللهم اني اسألك من علمك بانفذه و كل علمك نافذ ، لان العلم الذاتي لم‌يتصف بالنافذ و الانفذ و لا بالنفوذ ايضا لانه صفة الحدوث و قوله (ع) و كان عليما قبل ايجاد العلم و العلة و قوله تعالي علمها عند ربي في كتاب لايضل ربي و لاينسي و قوله تعالي قد علمنا ما تنقص الارض منهم و عندنا كتاب حفيظ و قوله تعالي و ليعلمن الله الذين جاهدوا و ليعلمن الصادقين و قوله (ع) في الزيارة الجامعة و خزنة لعلمه و عيبة لعلمه ( علمه بدل ) و قوله (ع) كما في الكافي و العيون و غيرهما ان لله علمين علم علمه ملائكته و رسله و علم استأثره في الغيب عنده ، الي غير ذلك من الروايات و لا ريب ان ذاته تعالي ليس في كتاب و لا هو في اللوح المحفوظ لان الكتاب و اللوح حادثان و كذلك العيبة و الخزينة اذ هما حادثان كاللوح و الكتاب و اما قوله و ليعلمن الله فبتأويل الولي اي و ليعلمن ولي الله اذ لايكون لله سبحانه حالة منتظرة بالادلة القطعية من العقلية و النقلية و ضرورة المذهب و ضرورة الدين و انما نسبه لنفسه تشريفا و تكريما كما قال تعالي طهرا بيتي للطائفين و العاكفين الآية ، و كما قال و نفخت فيه من روحي و كما قال اذا آسفونا انتقمنا و قال و مارميت اذ رميت و لكن الله رمي لانه تعالي خلق اولياء [ص 104] فجعل اسفهم اسفه و حزنهم حزنه كما ذكرنا سابقا نسب فعلهم (ع) الي نفسه و نسب فعله تعالي اليهم اذ لا جهة لهم (ع) الا جهته تعالي و لهذا صار فعلهم فعله و امرهم امره و هذا معلوم لمن تتبع الآثار و تفحص خلال تلك الديار لانه يجد ما قلنا اوضح من الشمس في نصف النهار فنقول ان الموجودات كلها علم الله تعالي و لهذا لما قال شيخنا اعلي الله مقامه ان العلم علي قسمين علم قديم هو ذاته تعالي و علم حادث هو الواح الموجودات كالقلم و اللوح و انفس الخلايق و جميع ذرات الكائنات من العلويات و السفليات من المجردات و الماديات و البسايط و المركبات و من الملائكة و الانبياء و الاولياء فلما رأي هذه العبارة اهل الحسد و العناد تمسك بها فصاح فقال ان الشيخ يقول ان علم الله تعالي بعض منه حادث و بعض منه قديم يعني انه تعالي قبل حدوث ذلك العلم كان جاهلا ثم علم و مارأوا قوله (( علم قديم هو ذاته )) لان الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة و من الضروريات مسألة المعراج في الجملة لان بعضها ضروري و بعضها ليس بضروري اما الضروري فهو الاعتقاد بنفس وقوع المعراج هذا ضروري عند المسلمين و اما انه (ص) عرج بجسمه فهذا ضروري عند الفرقة الاثني‌عشرية لان اهل السنة اختلفوا هل هو عرج بجسمه ام رأي في المنام ام المعراج حالة بين اليقظة و المنام كما ذكر في الكشاف عن عايشة حيث قالت مافقدنا جسد النبي (ص) تلك الليلة و عن معوية ايضا مثلها فكون المعراج من حيث الكيفية مختلف فيه بناء علي هذا كان المنكر للمعراج مطلقا كافرا و [ص 105] اما انكار المعراج الجسماني فهل يحكم علي المنكر بالخروج عن المذهب ام يحكم بالكفر خلاف فاما نحن فقد فصلناه تفصيلا اذ المسألة لاتخلو من انها قد يتبين تارة بالدليل و البرهان ثم اخري يتبين خلافه بالبينة و البرهان ايضا فيعدل عن الاول الي الثاني اي ينكر ما عرفه اولا فهذا لايقال في حقه انه كافر و انما هو خارج عن المذهب و دخل في (ظ) مذهب آخر و هو مذهب الاسلام و من انه يتبين حقية المذهب بالبينة و البرهان ثم عدل عنه الي غيره ظلما و عتوا عنادا و استكبارا هذا كافر مردود نجس مخلد في نار جهنم ابد الآبدين ان لم‌يرجع و بالجملة ما هو ضروري من المعراج عند اهل المذهب الاثني‌عشرية (ظ) صعوده و عروجه بجسمه حتي بثيابه و نعله و لما وصل الي فوق العرش و اراد ان ينزع نعله قال تعالي يا محمد لاتخلع نعليك حتي يتشرف عرشي بهما و لا ريب انه لم‌يصعد عريانا و هو (ص) عند صعوده صعد من جميع الجهات و مر علي كل شئ من الموجودات عند ايجاد ذلك الشئ حتي انه (ص) مر علي ايجاد آدم و هو بين الماء و الطين بمعني انه (ص) رجع قهقري في الزمان و المكان الي الزمان الماضي ثم مر في تلك الليلة بجميع ما يكون و ما سيكون الي يوم القيمة بل انه (ص) عرج الي عوالم اللانهاية من مراتب اهل الجنة و مقاماتها و كذا مراتب دركات اهل النار بمعني انه صلي الله عليه و آله ملأ جميع العوالم فلما ثبت عروجه بجسمه الشريف نقول ان الفرقة قد اختلفوا في كيفية صورة الجسم الذي عرج به الي مقامات الانس و مراتب الموجودات فقيل انه عرج باحسن صورة و قيل انه عرج بصور مختلفة في [ص 106] كل عالم بصورة ذلك العالم علي حسب اختلاف العوالم ففيها خلاف فان قلت انه (ع) قال في الدعاء و عرجت بروحه الي سماءك ، و هذا يدل بظاهره علي المعراج الروحاني قلت مفهوم اللقب لم‌يكن حجة عند الاصوليين ثم ان المعروف عند اهل العلم هو ان اثبات الشئ لاينفي ماعداه اذا عرفت هذا نقول ان مسئلة المعراج من اصعب المسائل و اغمضها و اعمقها و هي و ان كانت في الجملة ضرورية الا انها نظري في كيفيتها و فيها مسائل لاتنحل مثل لزوم الخرق و الالتيام لان العروج بالجسم مع صحة الخرق و الالتيام هذا من المحالات و لاجل هذا انكر من انكر انه عرج بجسمه لبطلان الخرق في الفلك و لكن العالم كل العالم هو ان يثبت بطلان الخرق و الالتيام ثم يثبت انه (ص) عرج بجسمه الشريف لان هذا الرجل الذي يثبت امثال هذه المسائل الغامضة هو الداء العضال و محنة الرجال كما انه ورد ان النبي (ص) عرج بعد البعثة بسنة او بسنتين او بسبع سنين علي اختلاف الروايات و ورد انه قد شرعت شريعته (ص) بل الشرايع كلها في تلك الليلة و هذه من العويصات ثم ورد ان الصلوات كانت خمسين انما صارت خمسة بشفاعة موسي (ع) ثم ورد ان الاذان و الاقامة قد شرعا في تلك الليلة و ورد ان فصوله شرع كل فصل فصل منه في ليلة المعراج الي ان وصل الي السماء الرابعة و قد ورد بانه صلي هو (ص) مع الانبياء في بيت المقدس و صلي مع الملائكة في بيت المعمور و صلي في العرش ثم ورد بانه (ص) صلي في تلك الليلة صلوة الظهر و ان هذا من العويصات فان قلت ما تقول في قول جناب الشيخ اعلي الله مقامه في جوابه عن مسألة المعراج حيث قال انه (ص) لما صعد القي عند كل رتبة من العناصر ذلك العنصر فهذا يدل بظاهره [ص 107] انه (ص) صعد بروحه دون جسمه قلت ليس كذلك لانه اعلي الله مقامه من الاكابر و الاجلاء و انه القري الظاهرة و انه الملجأ و المفزع و انه الركن للمؤمنين اذ مثل وجود هذا الملجأ لازم في كل عصر و زمان لانه (ره) لايسأل عن مسألة الا و يجاب لانه محلل مشكلات العلوم و مبين غامضات الرسوم و هو اعلي الله مقامه كان عالما باطوار المطالب و انحاء المقاصد و جميع انواع درجات الايمان و الكمالات الدينية من الاصولية و الفروعية و هو (ره) كان يعرف الناس مراتبهم و درجاتهم بنور التوسم لانه كان صاحب التفرس و الفراسة اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله فلما كان عارفا بمراتب الناس قوة و ضعفا اجاب كل واحد من السائلين علي حسب مقامه من القوة و الضعف في العلم الاتري انه (ره) له اجوبة المسائل في المعراج كل جواب خرج علي حسب شأن السائل و وقوفه فاجاب هذا دون جواب هو لآخر فصدور الاجوبة المختلفة دليل علي قوة باعه و حسن نظره و معرفته بالاشخاص و مقاماتهم و وقوفهم في مراتب العلم و لا ريب في ان الله كامل لايجعل ملجأ الا و هو عارف باطوار الكائنات من المتحركات و الساكنات و ماارسلنا من رسول الا بلسان قومه فلما كان المرحوم قويا في العلم بصيرا بالناس و احوالهم و علومهم قال في جواب هذا السائل عن مسألة المعراج ما هذا لفظه : ان الصورة البشرية عند ارادة صعوده يجوز فيها احتمالان في الواقع هما سواء و في الظاهر الاول ابعد عن العقول و الآخر اقرب فالاول ان الصاعد كلما صعد القي منه عند كل رتبة منها مثلا اذا اراد تجاوزه كرة [ص 108] الهواء القي ما فيه من الهواء فيها و اذا اراد تجاوز النار القي ما فيه منها فيها و اذا رجع اخذ ما له من كرة النار فاذا وصل الي الهواء اخذ ما له من الهواء لايقال علي هذا ان هذا قول بعروج الروح خاصة لانه اذا القي ما فيه عند كل رتبة لم‌يصل الا الروح و لانا نقول انا لو قلنا بذلك فالمراد بها اعراض ذلك لان ذوات ذلك لو القاها بطلت بنيته و بنيته باقية لاتنفك و انما مرادنا ان الجسم بالنبسة الي عالم الكون و الا فهو علي ما هو عليه من التجسد و التخطيط انتهي ، فنقول اعلم ايها الطالب ان المعراج حقيقة ليس لاجل تكميل نفس النبي بنفسه و انما هو لتكميل الناقصين من الموجودات اجمعين لانك خبير ان هذا العالم كله من الدرة الي الذرة مخلوق من فاضل نوره (ص) و اشراق ظهوره و الشئ لايكمل بنوره و انما هو يكمل نوره و الاثر لايزيد في المؤثر شيئا الا عند نوره و في نوره فلما كان العروج لتكميل الناس وجب ان يكون في صعوده كلما وصل الي رتبة من المراتب يظهر بصورة تلك الرتبة من باب و للبسنا عليهم ما يلبسون ، فلما علمت هذا نقول ان هؤلاء البهائم بل هم اضل و هؤلاء طغام الناس بل هم اذل لما رأوا هذه العبارة التي ذكرت قرؤا قوله (ره) مثلا بالضم مثلا بالفتح و ذلك لاجل الاكنة التي علي قلوبهم فلذا قالوا ما قالوا من الاكاذيب و الاباطيل ثم نسبوا افتراءات علي ذلك الجناب المستطاب التي تكاد السموات يتفطرن و تنشق الارض و تخر الجبال هدا لانه ورد ان الافتراء يزلزل العرش و السموات و يزعزع الارض و الجبال فبيان قوله (ره) مثل هو انه يقول ان الصاعد كلما صعد من مقام الي مقام [ص 109] القي مقتضيات ذلك المقام العرضية و تجاوز منه الي غيره و الا لم‌يتحقق الصعود من ذلك المقام الي مقام آخر و تلك المقتضيات العرضية البرانية مثالها المجاور بالنار اذ هو ما دام مجاورا لها كان منفتح المسامات محمر اللون و ذلك لاجل الحرارة فلما تجاوز من مجاورتها الي الماء مثلا اي الي محل بارد يلقي هذه العوارض الحاصلة من الحرارة من احمرار الوجه و انفتاح المسامات و انتفاخ الجوارح و الاعضاء ثم يكتسب من مجاورة المكان البارد البياض و انسداد المسامات و انهزال الجوارح فالمراد بالالقاء القاء المثل بالضم هو الاعراض دون الجواهر و الذوات كما هو صريح قوله (ره) حيث قال لايقال ان هذا قول بعروج الروح خاصة لانا نقول ان المراد بها اعراض ذلك لان ذوات ذلك لو القاها بطلت بنيته و بنيته باقية الي ان قال فهو علي ما هو عليه من التجسد و التخطيط فانت تري يا ايها الطالب صراحة هذا الكلام علي ان الصاعد هو الجسم بتخطيطاته و عناصره و اركانه و الا يلزم انعدام الشئ و فناؤه بالمرة و اعلم انهم انما نسبوا هذا الاعتقاد السخيف الي ذلك الجناب المستطاب ثم منعوا الناس من التردد عندنا و عند من له نظر في هذه المسائل كيلايظهر كذبهم لكن غفلوا عن الامر و لم‌يعلموا ان هناك عصي موسي يلقف ما يأفكون و الحاصل اعتقاده (ره) في المعراج هو اعتقاد ما عليه الفرقة المحقة بانه (ص) عرج بجسمه الي العوالم و المقامات التي عرج و ماوصل الي ما وصل الا بجسمه حتي بنعله الشريف و ثيابه و نحن ايضا علي هذا الاعتقاد فمن نسب اليه (ره) غير ذلك كذاب مفتري الا لعنة الله علي الكاذبين ، و صلي الله علي محمد و آله .

[ص 110]
يوم الثلثاء السابع‌عشر من شهر رمضان المبارك من سنة

١٢٥٧

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الله تعالي : ان اول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا و هدي للعالمين فيه آيات بينات مقام ابرهيم و من دخله كان آمنا و لله علي الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا و من كفر فان الله غني عن العالمين .

كنا في بيان كيفية دخول البيت فقلنا ان الدخول لايكون الا بالمعرفة و المعرفة لايكون الا ببيان معرفة حقيقة الكفر و الاسلام و قلنا ان الكفر يتحقق بانكار ما في الاسلام ضرورة ثم عددت الضروريات الي ان بلغ الكلام في ان المعراج في الجملة من ضرورة المسلمين و اما انه جسماني ففيه خلاف بين المسلمين ذهب قوم الي انه روحاني ثم آخرون الي انه (ص) صعد في النوم و آخرون انه كان في حالة بين النوم و اليقظة و ذكروا رواية عن عايشة و معوية ان تلك الليلة كان جسد النبي (ص) عندنا اي في البيت نائما علي فراشه فكون المعراج جسمانيا هذا من ضرورة الايمان و المذهب و انا ذكرنا الكلام هذا الي ان وصل الي ان معتقد شيخنا اعلي الله مقامه و انار الله برهانه ثم شيد اركانه و هو انه (ص) صعد بجسمه حتي بثوبه و نعله و صعد الي السموات و اطوارها و اركانها و اكنافها و الي العرش و جهاتها ثم صعد الكرسي و الكواكب كلها و سائر المخلوقات و قد ذكر اعلي الله مقامه جواب مزخرفات هؤلاء الجهال في عبارة جنابه في اجوبة الشيخ احمد بن صالح بن طوق القطيفي في معني القي في كل مرتبة ما فيها من العناصر و بينا نحن ان هؤلاء الضعفاء حيث قرؤا قوله (ره) مثلا بالضم مثلا بالفتح قالوا ما قالوا من الافتراءات و نحن ذكرنا سابقا ان معني المثل هو الاعراض الحاصلة من قران كل شئ معه في كل عالم من العوالم و مثلنا بمجاورة الرجل مع النار و احمرار وجهه و فتح مساماته ما دام مجاورا مع النار ثم بمجاورته مع الثلج [ص 111] البارد في المثلجة بعد انتقاله من مكان الحار اليه و بياض لونه و سد مساماته اذ الحرارة و البرودة الحاصلتان من النار و الثلج كلتاهما عرضيتان تلقي بعد ما اعرض عنهما الرجل و لا ريب في انهما ليستا جزء لحقيقة الرجل بوجه من الوجوه فكذلك القاؤه (ص) مثله عند صعوده مع انه (ره) ذكر بعد ذلك عبارة ناصة علي العروج الجسماني لكن اصحاب الغرض يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة فان قلت اذا كان المراد بالمثل الاعراض لم‌يكن لهذا التعبير ثمرة بوجه من الوجوه لانه امر بديهي الا انه مزال الاقدام و سبب لاضلال كثير من الانام قلنا ان هذا الكلام فيه فوائد كثيرة لمن عرف المشرب لانه مأخوذ من علم الضم و الاستنتاج و هو علم شريف ذكر هناك ان الاشياء كثافتها و صغرها و كبرها و زيادتها و نقصانها هل هي من جهة ازدياد المادة ام من حيث ازدياد الصورة المتراكمة المقترنة بعضها ببعض ثم مذكور فيه ان الكثافات ليست من جهة المادة و انما هي من جهة الصورة و العرض الاتري ان الماء الساكن الغير المتحرك تنطبع فيه الصورة بخلاف ما اذا حركته لانه يختلف حكمه باعتبار عروض الحركة و قرانها مع الماء و اعلم ان هناك اشياء احكامها من حيث الذات و اشياء احكامها من حيث القرانات فما وجد بالقران يذهب ذاك بالقاء القران مع ان الشئ هو هو قبل القران و بعد القران و حين القران من دون تعدد و لا تغير فلما عرفت ما مهدنا و ذكرنا علمت ان مراد المرحوم المغفور اشارة الي هذا المعني و الحاصل عروجه (ص) لم‌يكن الا بهذا الجسم و هذا امر سهل اجماله في الجملة و انما الاشكال كل [ص 112] الاشكال في مسئلة المعراج و هي كثيرة منها تشريع الصلوات كلها في تلك الليلة مع انه (ص) كان يصلي قبلها فعليه هل الصلوة التي كانت من قبل نسخت ثم شرعت غيرها ام هي هي ثم ما معني صلوة الظهر في الليل ثم قولنا ان الخرق في الافلاك ثابت مع انه (ص) عرج بجسمه و هذا كما تري تناقض الا انه ممكن عقلا و هو تعالي قادر عليه و ان الافلاك اثر منه (ص) و نور و الاثر عدم عند المؤثر ثم انهم احالوا الخرق للزوم الفساد في عالم الكون السفلي و نحن لما قلنا ان جسده الشريف لما خرق الفلك كان ذلك الجسد اصلح من جزء الفلك في التأثير في الاشياء السفلية و هذا مما لا ريب فيه فهو (ص) لما عرج وقف في عروجه علي كل شئ حين وجوده فوقف علي آدم و نوح و سائر الانبياء حين وجودهم بسير قهقري و وقف علي العقل الكلي ثم علي النفس الكلية ثم علي الزمان المستقبل و ما ظهر فيه من الكائنات الي ما شاء الله فان قلت كيف يتعقل هذا السير الطويل في الزمان القليل قلت انه (ص) اسرع من كل سريع ألاتري انه ورد انه (ص) اذ كان عارجا و وصل الي مكان من السموات فسأل عن جبرئيل يا جبرئيل هل صار الزوال اي وصل الشمس الي الدائرة ام لا قال جبرئيل لا و نعم قال (ص) لماذا يا جبرئيل قلت لا ثم قلت نعم من دون فصل قال جبرئيل يا سيدي انك حين ما سألت عني عن الزوال نظرت الي الشمس فاذا هي قريبة من الحلقة و الدلوك بها فلما قلت لا و تممت كلمتي هذه رأيت انها واصلة اليها مع انها قطعت خمسمائة سنة و انت يا ايها الفطن خبير بان قول جبرئيل لا و نعم [ص 113] اسرع من لسان غيره حيث انه ملك من الذوات النورية لا مانع له ثم انت خبير برجوعك الي مذهبك بان الشمس من نور نور نور محمد (ص) ثم انت خبير بما ورد في ختم علي (ع) القرآن كله حينما اراد الركوب فانه كان يشرع الي الختم وقت الذي جعل رجله في الركاب و يتم الختمة بعد ما استقر علي متن جواده و استواءه (ع) عليه ، سألني واحد مستعجبا عن ذلك قلت في جوابه يا فلان لاتستعجب من ذلك و لاتستغرب اذ اني اذكر لك اغرب من هذا قال و ماذا قلت انه ورد ان مولينا الكاظم (ع) لما اراد ان يركب فهو من ابتداء ركوبه الي استواءه علي متن جواده كان يختم الكتب الاربعة السماوية التي هي الزبور و التورية و الانجيل و القرآن كلها ، و من المسائل الضرورية مسألة المعاد و حشر الارواح الي الاجساد و اعلم ان المعاد انما يكون للجزاء و هذا القدر ضروري عند المليين و اما انه جسماني فضروري عند المسلمين فانكار هذا القدر من الضروري كفر صراح فمن قال هذا الجسم لايعاد كفر كفر الجاهلية الاولي فعليه اللعنة من الله العلي الاعلي و بيان ذلك انا نقول ان الروح بعد مفارقة البدن يرد الي البدن المثالي في القبر عند سؤال رومان فتان القبور ثم المنكر و النكير كما تقدم بعض بيانه و هو لايخلو اما انه ماحض الايمان محضا او ماحض الكفر محضا فان كان مؤمنا خالصا يكون روحه مع قالب المثال ( قالبه المثالي ظ ) الذي هو في هذا البدن الدنياوي الآن في جنة البرزخ تتنعم و ان كان من الكافر المحض كان قالبه المثالي و روحه في جهنم البرزخي تعذب و تتألم الي نفخ الصور نفخ الجذب الذي يسمي بنفخ [ص 114] الصعق ايضا فلما نفخ نفخة الصعق صعق من في السموات و الارض الا من شاء الله ربك و من شاء الله تعالي لايكون الا هم (ع) لانهم لايهلكون قال تعالي كل شئ هالك الا وجهه قال (ع) نحن وجه الله ، فعند ذلك النفخ يبقون الناس في حفرهم و امكنتهم علي ما هم عليه اربعمائة سنة لا حس و لا محسوس لا حركة و لا متحرك و اما خصوص هذا العدد فلاجل ان العناصر اربعة ثم بملاحظتها في القبضات العشر يكون اربعين هذا في الدنيا و اما في البرزخ فلما كان رتبته رتبة التفصيل صار كل واحد من الاربعين عشرة فيكون الحاصل اربعمائة و ذلك لسعة ذلك العالم و كبره فان قلت ان البدن المثالي الذي ذكرته هل هو من هذا العنصر ام من العنصر الآخر في هذا البدن ام لا قلت ان ذلك البدن المثالي قالبه ليس من هذا العنصر و انما كان الطف و اصفي من عنصر البدن و هو الآن في هذا البدن و هذا هو الذي تشاهده في الرؤيا و تراه انه يزور مكة و المدينة مثلا و تراه هو انت مع ان جسمك المشهود المرئي هذا انما هو في فراشك نائم ورد انه لما انكرت طائفة هذا البدن المثالي سلط الله تعالي عليهم هذا النوم ليكون آية لوجوده و هذا البدن المثالي موجود بين الروح و الجسم فكان عنصره بين بين يعني لايكون في اللطافة كالروح و لا في الكثافة كالجسم فلذا سمي مثالا لانه يناسب الطرفين و هذا العالم وجوده مما لا ريب فيه عقلا و نقلا لانا قد برهنا بالبرهان الواضح و البيان اللايح بان بين العالمين المتباينين لا بد من وجود برزخي يناسب الطرفين و العلة في ذلك هو ان الطفرة في الوجود كانت باطلة و انه تعالي كان حكيما [ص 115] و ان مدد الجسم انما يأتي بواسطة الروح فلولا هناك واسطة كما قلنا لم‌يصل الفيض من الروح الي البدن لتقدس الروح و تجردها و تدنس الجسم و تكثفها لانه مادي فلما كان كذلك وجب وجود عالم ثالث بينهما فلاتصغ الي قول من ذهب الي عدميته فمن قال انه لم‌يثبت بالعقل و انما هو ثابت بالشرع ثم قال نعم ان اهل المكاشفة لما اخبروا عنه بما رأوه قلنا بوجوده ذكره البهائي في اربعينه فلاتقل ان هذا البدن المثالي هو بدن ( قالب خ‌ل ) خارج عن هذا البدن المحسوس المرئي لانا نقول ان كان هذا جائزا في البدن البرزخي بان يكون قالبا خارجا عن هذا الجسم يتنعم في البرزخ و يتألم هناك يجوز ان يكون في المعاد ان يحشر جسم غير هذا الجسم و انت تري انه لايجوز ذلك عقلا و لا نقلا و لا ضرورة لان المكلف الطائع العاصي انما هو بهذا البدن لا بذاك القالب الخارجي فما ذنب ذلك فتنبه راشدا مهديا و الحاصل هذا البدن البرزخي من عالم آخر بين هذا الجسم و بين الروح كما قلنا فلايدركه البصر الجسماني في هذه الدنيا و انما يراه في الآخرة اذ يحد البصر هناك حيث يقول لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد نعم يراه الخيال في هذه الدنيا ألاتري انك الآن في الحضرة الشريفة تصلي جماعة و هو موجود هناك لايقال ان هذا خيال و وهم لانا نقول بل انه موجود واقع يدركه الخيال في محله لا انه شئ لا اصل له فلما علمت ان هذا موجود في عالمه فاعلم ان القول بتجسم الاعمال قول مانقحوه و ماعرفوه و لذا تري اقوال العلماء مضطربة في بيانه و آرائهم متزعزعة في [ص 116] فهمه منهم من قال كيف يتجسم العرض و منهم من قال انه يلزم القول بالتجسم القول بقلب المهية الي مهية اخري و هو باطل عقلا و منهم من تحير و وقف و منهم من اخذه تقليدا فنقول و لا حول و لا قوة الا بالله ان الاعمال لا شك انها حادثة فهي ممكنة و لا شك ان كل ممكن زوج تركيبي من المادة و الصورة كما برهن في محله فالعمل بهذا المعني شئ كعامله الا انه متقوم بالعامل فكما كان للعامل مادة هو امر الله التكويني في قوله كن و له صورة هي قبوله و انفعاله في قوله فيكون فكذلك العمل له مادة و له صورة مثلا ان الصلوة مادتها صل و صورتها و قابليتها عمل العامل و نحن قد ذكرنا في دروسنا و مباحثاتنا و اجوبتنا للمسائل بان الجسم مركب من المادة و الصورة و قلنا ان كل ما هو مركب منهما فهو جسم فعلي هذا كان الاعمال اجساما و انت تراها بحسك بانك تصلي في الحضرة فلاتنكر حسك كلما ميزتموه باوهامكم في ادق معانيه فهو مخلوق مثلكم مردود اليكم قال تعالي و ما امرنا الا واحدة و ما خلقكم و لا بعثكم الا كنفس واحدة و نحن قد ذكرنا مرارا و كرارا بان كل شئ جوهر باعتبار و عرض باعتبار بناء عليه ان شئت قل ان الاعمال اعراض حيث تقومت بالعامل و ان شئت قل انها جواهر متأصلة في انفسها بالنسبة الي اعراضها كما انك انت جوهر بالنسبة الي فعلك و عرض بالنسبة الي الحقيقة المحمدية (ص) لانك لا تحقق لك بها فعلي هذا كان الاعمال اجساما و بالجملة الكلام انما كان في القالب المثالي قلنا انه موجود بين العالمين المتباينين و قلنا انه لا بد منه لبطلان الطفرة ألاتري الماء بين الهواء اللطيف [ص 117] و الارض الكثيف يناسبهما من حيث لطافته و كثافته و قلنا انه لما نفخ في الصور نفخة الصعق بموت الاشياء كلها لا حس و لا محسوس فعند ذلك ينادي الله سبحانه فيقول اين الجبارون اين المتكبرون الذين أكلوا رزقي و عبدوا غيري فلا احد يجيب النداء و انما المجيب حينئذ هو الله تعالي بلسان نفسه الملك اليوم لله الواحد القهار قال الصادق (ع) في تفسيره نحن السائلون و نحن المجيبون ، و لايظن ظان انه تعدم الاشياء عند النفخ او يتوهم انه يلزم التعطيل ضرورة انا علمنا انه تعالي قال بلسان لسانه خلقتم للبقاء لا للفناء و نعلم ان للاشياء وجودين اي حالتين حالة التأليف و التركيب و حالة التفكيك و علمنا ان كل واحد من الحالتين موجود كما ان السكنجبين حين كونه سكنجبينا له حالة و مزاج و تأثير غير الحالة التي اذا جعلته في القرع و الانبيق و عزلت الحلاوة من الحموضة مع انه موجود في حالة التركيب و انه موجود في حالة التفكيك و اما كسره تعالي هذه الاشياء بين النفختين فهذا سئل عن حكيم هل ربك حكيم قال نعم قال السائل فلما خلقهم ثم كسرهم قال الحكيم انما كسرهم ليصيغهم صوغا لايحتمل الكسر ابدا فيكون الكسر من حكمته ثم بعد تمام مدة اربعمائة سنة ينزل من بحر المزن ماء رائحته رائحة المني يعني انه تعالي امطر الله من بحر تحت العرش اسمه صاد رائحته كرائحة المني حتي يكون الارض كلها بحرا واحدا فيتموج علي وجه الارض حتي تجتمع اجزاء كل جسد في قبره فتنبت اللحوم في قدر اربعين يوما ثم يبعث الله عز و جل اسرافيل فيأمره بالنفخ فينفخ في الصور نفخة النشور [ص 118] ثم بعد ذلك يدخل الروح في الجسد فاذا هم قيام ينظرون ان الميزان قد نصب و ان الصراط قد امتد و ان الملائكة صفوف و جيء بالنبيين الي غير ذلك من احوال يوم القيمة و لا ريب في ان المفهوم من هذا البيان التام هو ان المحشور في يوم النشور هو هذا الجسم الدنياوي المرئي المحسوس الملموس بعينه و الا لزم الظلم بالنسبة اليه تعالي و لزم ان لايكون حكيما لان العاصي و المطيع انما عصي و اطاع بهذا البدن هذا اعتقادنا في المعاد و هو ضروري عند كافة المسلمين اما عند المليين فهو مطلق العود للجزاء في دار اخري و اما عند المسلمين فبالجسم لان ضرورتهم قاضية بذلك و اما كبر الجسم و صغره و سمنه و هزاله و جميع بدل ما يتحلل الذي يخرج منه شئ و يدخل شئ هذه كلها فان الله ربي قادر علي ردها و ذلك لاينافي الضرورة بان المحشور هو الجسم ثم اعلم ان العلماء اتفقوا في ان عود الجسم ثبوته انما يكون بالنقل دون العقل و قالوا ان الشرع لما حكم عليه قلنا به اذ ليس عندنا برهان عقلي علي عود الجسم و اما نحن و لا حول و لا قوة الا بالله فبرهنا ببرهان جلي واضح عقلي و نقلي ان ما دل علي عود الارواح هو بعينه دل علي عود الاجسام بعد ما اثبتنا الاختيار لجميع الذرات الوجودية من الجواهر و الاعراض فمن اراده طلبه من مظانه ، و صلي الله علي محمد و آله .

[ص 119]
اليوم الثامن‌عشر من شهر رمضان من سنة

١٢٥٧

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الله تعالي : ان اول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا و هدي للعالمين فيه آيات بينات مقام ابرهيم و من دخله كان آمنا و لله علي الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا و من كفر فان الله غني عن العالمين .

كان الكلام في بيان كيفية دخول البيت و قد ذكرنا ان الدخول متوقف علي المعرفة و هي متوقفة علي بيان الفرق بين الكفر و الاسلام و معرفة حدودهما و قلنا ان الكفر يتحقق بانكار ما علم من الدين ضرورة الي ان بلغ الكلام في ذكر الضروريات الي بيان المعاد الجسماني الذي هو من ضروريات المسلمين و قلنا ان المراد بالمعاد هو عود الارواح الي الاجساد بعد ما تفككت الاجزاء و الجسم و الروح كل واحد من الآخر لان الجسم كما كان فيه اعراض خارجية و محل لامور غريبة كذلك الروح لانها ايضا فيها غريبة فلا بد من تفكيكها لتتطهر عن الاوساخ المعنوية لتكون صالحة للجنة و الخلود فيها و العلة في ذلك هي ان الروح ممكن و كل ممكن زوج تركيبي كالجسم فتعرضها العوارض الخارجية فلا بد من تصفيتها كتصفية الجسم و لان المراد بالروح هيهنا هو النفس التي لها مراتب سبعة من الامارة بالسوء و الملهمة و اللوامة و المطمئنة و الراضية و المرضية و الكاملة قال يوسف الصديق ان النفس لامارة بالسوء الا ما رحم ربي و قال تعالي في آخر فالهمها فجورها و تقويها و قال في آخر لااقسم بيوم القيمة و لااقسم بالنفس اللوامة و النفس اللوامة هذه لونها اسود يميل الي الخضرة و فعلها اللوم في فعل الخيرات و فعل الشرور فلما رسخ المكلف في فعل الطاعات و كثرة التوجه و الاقبال الي الله الملك المتعال تطمئن هذه النفس فتكون مطمئنة لونها حينئذ ازرق سماوي فتكون النفس عند ذلك راضية عن ربه بما اعطاها فيكون الرب راضيا عنها رضي [ص 120] الله عنهم و رضوا عنه فتكون النفس راضية مرضية قال تعالي يا ايتها النفس المطمئنة ارجعي الي ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي و ادخلي جنتي فتكون حينئذ نفسا كاملة فعالة في الوجود يا ابن آدم اطعني حتي اجعلك مثلي انا اقول للشئ كن فيكون و انت تقول للشئ كن فيكون و بالجملة كما كانت الصورة محلا للعوارض و الغرائب الخارجة لا بد من ازالتها كذلك المادة حيث انها تزيد و تنقص تصح و تمرض تصلح و تفسد كالجسم كالصورة و ماتري في خلق الرحمن من تفاوت ثم اعلم ان الشئ يتصور بصورة عمله ان خيرا فخير و ان شرا فشر ان حسنا فحسن و ان قبيحا فقبيح و ذلك علي حسب مقامه من الحسن و القبح من صور البهائم و الحيوانات مثلا ان النمام يحشر علي صورة عقرب و الحريص الموذي للغريب يحشر علي صورة الكلاب و هكذا فبعض علي صورة القرد و الآخر علي صورة الدب و الآخر علي صورة الحمار و الآخر علي صورة الفرس و الآخر علي صورة الخنزير و هكذا و كون الرجل بهذه الصورة هو الآن موجود حقيقة يرونه اهل البصيرة علي تلك الصورة و هذا ليس بنسخ لان النسخ عبارة عن خروج روح الانسان ثم دخولها في قالب انسان آخر كما ان المسخ دخولها في قالب حيوان من الحيوانات بل انما هو هو لكنه علي الصورة القبيحة كالمسوخات و لا شك ان المسوخات ليست بنسخ و الحاصل ان العامل يحشر علي صورة عمله و هو الي الآن ( و هو الآن ظ ) علي هيئته التي يحشر في القيمة الا ان تلك الصورة لاتراها العيون الضعيفة و انما تراه العيون القوية من العرفاء و المؤمنين و [ص 121] الاكابر الكاملين فهؤلاء الاكابر ابدا من الناس في تعب و اذية ما وراءها اذية و تلك الاذية اشد من اللعن و السب و التكفير لان هؤلاء الاكابر الاجلاء يرون بواطن الناس و حقايقهم لانها مكشوفة عندهم و هم مع ذلك يشاورونهم و يصدرونهم في صدر مجالسهم و لازال يخالطهم و يأكل معهم و هم انتن من الجيفة التي في حر الشمس ضرورة ان المعصية نتنها اشد ما يكون من هذه الجيف قال (ع) لو ظهر نتن المعاصي لايجلس احد بجنب صاحبه ، فهؤلاء العظماء الاكابر يجلسون مع هؤلاء الاشرار و يعاملون معهم معاملة الابرار الاخيار و لذا تري ان كثيرا من الاكابر الكملين مايظهرون انفسهم بين الخلق الا بعض منهم لارشاد الجهال و هم مع ذلك عباد مكرمون لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون ، ثم نقول ان اهل القيافة البالغين منهم درجة الكمال في ذلك العلم يميزون الناس حسنهم عن ( من بدل ) قبيحهم و يعرفون الخلق بصورهم لان الظاهر عنوان الباطن كما انه ورد ان عبدا عصي سيده و اراد السيد قتله انهزم العبد الي مولينا الصادق (ع) فقال له كيت و كيت قال (ع) يا فلان ارجع الي سيدك فقل ان جعفر بن محمد يقول لاتقتلني فلما خرج الي الطريق صادفه رجل عالم بالقيافة فقال له يا فلان وجهك وجه المقتول ثم نظر الي يده فقال يدك يد المقتول ثم الي رجله و بطنه و صدره فقال كل جوارحك تشهد علي قتلك ثم قال ابو القيافة اخرج لسانك فاذا رأي امرا عظيما فقال يا فلان علي لسانك رسالة لو جعلتها علي الجبال لقدت ، فان قلت ان علم القيافة لا تأثير له مع وجود اللطخ قلت نعم و لكن الكامل يميز الاصل [ص 122] من اللطخ كما ان الطبيب الحاذق البالغ يعرف المرض باي طور كان المريض فان كان المريض جوعانا يعرفه و كذا اذا كان شبعانا متحركا او ساكنا نائما او يقظانا و كذا يعرف اهل القيافة الاحكام المتعلق بالرجل كلها بشهادة ان الظاهر عنوان الباطن و امر الباطن لاهله ظاهر في الظاهر و اما فراسة المؤمن فهو غير القيافة لان المؤمن البالغ يري الناس العاصين علي صورة البهائم و ان كان هو علي صورة الايمان ظاهرا كما يقال انه يستسقي به الغمام و هو في قلبه كافر شاك ملعون فان قلت انا نري ان الناس علي صورة الانسان كيف يعقل انه علي صورة البهائم في الباطن قلت هذا امر ظاهر لمن انصف ثم دقق النظر لانا نعرف بعلم قطعي جازم بان الحيوان هو عبارة عما يكون ظهره الي الاعلي و رأسه الي الاسفل منكس الرأس و لا شك ان العاصي ظهره الي الاعلي و رأسه الي الاسفل اي ناكس الرأس عند ربه و لا ريب في ان كل عاص معرض عن ربه مقبل الي نفسه و لا شك ان هذا هو الحيوان و الحاصل كان الكلام في مسألة المعاد بانه من ضرورة المسلمين و انه عبارة عن عود الارواح الي الاجساد الا ان بعض الجهال اوردوا شبهة الآكل و المأكول فقالوا انه لو فرض ان واحدا اكل واحدا او اكل رجل غنما و صار ذلك الغنم جزء للرجل لانه صار بدلا لما يتحلل منه هذا لايخلو من حشر الآكل و المأكول معا اي يحشر شخصان او واحد منهما فان كان المحشور الاثنان هذا بطلانه من ابده البديهيات حيث ان احدهما صار جزء لآخر و ان كان المحشور احدهما لا غير لزم حشر بعض الاجسام فهؤلاء الموردين هذه الشبهة انكروا [ص 123] المعاد الجسماني رأسا قالت العلماء من الفرقة المحقة رضوان الله علي المؤمنين منهم في جواب الايراد و هم غير منقحين لذلك حيث قالوا ان للانسان اجزاء اصلية ثم اجزاء فضلية و بعبارة اخري اجزاء غريزية و اجزاء غريبة فقالوا ان المأكول هو الاجزاء الغريبة لا الغريزية و اما نحن فنقول في هذا المطلب بعبارة محبرة مذهبة و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم ان الانسان له جسم و روح او قل غيب و شهادة فاولا نميز المعنيين ثم نأتي بالحكم فنقول انه لا شك في ان الجسم تحققه انما يكون بالعناصر الاربعة التي هي الاجزاء الغريزية علي الصحيح ضرورة ان الاطباء ذهبوا الي ان الاجزاء الغريزية عبارة عن الحرارة و الرطوبة فقط فهذا الجسم لايتحقق الا بها لكن بتركيب خاص بحد معلوم مثلا جزءان من الماء و جزء من النار و جزء من التراب و جزء من الهواء فلو فرض نقصان او زيادة من ذلك الحد الخاص لفسد الجسم مثلا لو زادت رطوبته فانه يتمرض بمرض الفالج مثلا فيفسد و كذا لو زادت حرارته فانه تعرض حينئذ عليه امراض اخر كالمحرقة و الشقاقلوس و لو زادت يبوسته يعرض عليه مرض علي ما يناسبها من الامراض السوداوي كالماليخوليا و نحوه و بالجملة هذه العناصر هي الاجزاء الاصلية و انها لهي معتدلة لايختلف تأثيرها قط و كون مدار الجسم الصحيح الغير الفاسد انما علي هذا و اما الزيادة و النقيصة توجبان الفساد ثم ان هذه العناصر الغريزية الحافظة لوجود الشئ لما اظهرها الله في الدنيا جعلها بحيث يقبل الزيادة و النقيصة بخلاف العناصر الاخروية فانها غير قابلة للزيادة و النقيصة [ص 124] العرضية ضرورة ان الاعتدال التام انما هو في الآخرة كما بدأكم تعودون فلما حصلت الغرائب باعتبار الزيادة و النقيصة من العناصر الغريبة الفضلية احتاج دفعها الي العلاج كما ان المرض يدفعه المعالج بالعلاجات المناسبة من تشريب المنضجات و استعمال المسهلات ثم المعاجين و العقاقيرات فصحة البدن حينئذ يتوقف بازالة الغرائب ألاتري ان المريض حين المرض وجهه قبيح و صورته كريهة فلما صح و برأ عن مرضه يصفي لونه و يطيب مزاجه و تعتدل عناصره فيكون سمينا بعد ما كان مهزولا و يكون قويا بعد ما كان ضعيفا و لايخفي عليك ان الغريزية لايتغير بتغير الغريبة و عروضها فهذه العناصر الاصلية المعبر عنها بالغريزية سماه شيخنا اعلي الله مقامه بالجسد الاول ثم بالجسد الهورقليوية و بالجسد الباقي و بالجسد المحشور ثم بالجسم الطبيعي و بالبدن الحقيقي و اما العناصر الغريبة التي هي موجبة للامراض و التغييرات المنافية للتخليد و البقاء الابدي فقد سماه (ره) بالجسد الثاني و الجسم التعليمي و الغريبي الفضلي و لا مشاحة و معني هورقليا هو ملك آخر و انه كلام سرياني فلما علمت هذا فاعلم ان هذه الغرائب علة للموت و انها مقتضية للفناء و تفكيك الاجزاء فلما كان الموت انما هو بوجود المقتضي فما دام ذلك المقتضي موجودا يكون الموت حاصلا فلو فرضت وجود هذه الغرائب في الآخرة لزم ان تكون الآخرة بعينها هي الدنيا من غير زيادة و لا نقصان فيجب ان يعرضهم الموت هناك كما عرضهم و حل بهم في الدنيا و انت خبير بان الآخرة غير الدنيا و انت عليم [ص 125] بان المخلدين في دار الرضوان صورهم علي احسن ما يكون من البهاء و الضياء و الشوكة و الصفاء و الشفافية بحيث يري مخهم من وراء اللباس و اللحوم بناء علي هذا تكون صورهم في المحشر غير صورهم في الدنيا جزما الا ائمتنا (ع) لانهم في الآخرة هم الذين كانوا في الدنيا حرفا بحرف من دون زيادة و لا نقيصة بالنسبة الينا و ان كانوا في انفسهم يزيدون و لكنا لاندرك زيادتهم (ع) كما مثلنا لكم سابقا بالبحر الخضم الذي انت علي ساحله لانك ماتراه ( ماتري ظ ) ساحله الآخر حتي تدرك زيادته و انه لازال في الزيادة فلما ثبت ان في الآخرة لم‌يكن مقتضي للموت بوجه من الوجوه و ان المحشورين صورهم هنالك غير صورهم هيهنا في الدنيا لاقتضاء اعمالهم حسنة و قبيحة و الدنيا مزرعة للآخرة و لان التخليد لايكون الا ببدن معتدل ليكون ابد الآبدين في احدي من الدارين دار الرضا و دار السخط نقول علي هذا يحشر في الآخرة الاعمي بصيرا و البصير اعمي و قبيح الصورة وجيها كالعكس كما ورد عن ائمتنا (ع) ان ابابصير الليث المرادي البختري الذي هو ممن قال (ع) في حقهم لولاهم لاندرست آثار النبوة و انطمست و قال ايضا بهم يرزق الله العباد و بهم يدفع عن البلاد و بهم يكشف الضر و بهم يدفع الهم و بهم و بهم كذا و كذا هذا ابوبصير من الاركان أتظن انت في حقه انه يحشر حينما يحشر بالصورة التي كان في الدنيا اعمي حاشا و كلا و كذلك لقمان (ع) لانه كان قبيح المنظر في الصورة الظاهرية اسود في غاية السواد و انما يحشر هو (ع) علي صورة الانبياء و اما ان البصير يحشر اعمي فلقوله تعالي [ص 126] و من اعرض عن ذكري فان له معيشة ضنكا و نحشره يوم القيمة اعمي قال رب لم حشرتني اعمي و قد كنت بصيرا قال كذلك اتتك آياتنا فنسيتها و كذلك اليوم تنسي و ورد ان من واظب علي سورة يس يحشر علي احسن صورة يكون لانها قلب القرآن و من عجايبها ان زبره يطابق لبيناته فبهذا التعديل يعدل قاريها فيظهر في سره و قلبه النور و الحيوة لانه عند الاعتدال يشابه جوزهر فلك القمر فيكون نورانيا حيا بحيوة ابدي علي احسن ما يكون فلما ظهر فيه النور يري ظاهره من باطنه و باطنه من ظاهره و ورد ايضا من داوم علي سورة يوسف حشره الله تعالي يوم القيمة علي صورة يوسف من الحسن و الصفا و التلألؤ و الشعشعانية ورد ايضا في حق الذين ينشرون فضائل آل‌محمد (ع) و هم مسلمون كل ما اتي اليهم من احاديثهم و هم قائلون في اول كل يوم من ايامهم ما قال آل‌محمد قلنا و ما دانوا دنا انهم يحشرون في الآخرة علي احسن ما ينبغي من الجمال و الكمال علي رؤسهم تاج من تيجان الجنة و كان لذلك التاج اركان اربعة سطع من كل ركن نور لايوصف يملأ بذلك النور المحشر كله و لهؤلاء الناشرين زينة فوق الوصف و البيان فكل من اخذ منهم في الدنيا حكما و تلقي منه مسئلة و نورا من انواره و علومه الساطعة يتعلق بنور من ضياء الساطع من تاجه فبذلك يدخل الجنة و بالجملة المنكر المعرض يحشر اعمي و من اعرض عن ذكري فان له معيشة ضنكا و نحشره يوم القيمة اعمي ثم اعلم ان المحشور يحشر بما كان في قلبه من العمل و الاطمينان فاذا مات علي الاطمينان من قلبه في [ص 127] هذه الدنيا يكون اطمينانه بذرا للآخرة فانه به يزيد شيئا فشيئا لوجود البذر و لولا هذا القدر لم‌يحصل له ترقي في الآخرة بل يكون مخلدا في نار جهنم ان كان من المنكرين او الشاكين و الحاصل لما عرفت ان علة الموت هي عدم الاعتدال في الاجزاء الاصلية و ان علة التخليد و البقاء الابدي السرمدي هي رفع الغرائب و القائها علمت ان ائمتنا (ع) لم‌يكن لهم عدم اعتدال في حال من الاحوال بوجه من الوجوه حيث ان الغرائب انما هي حاصلة بالاعراض عن الحق و عدم امتثال اوامر الحق تعالي او الجهل بما هو سبب الاعتدال او انهم خلقهم الله غير معتدلين من اول الايجاد و الكل باطل لايحتاج الي برهان لمن كان له عينان الذي يقال بانه انسان و الادلة لاثبات كمالاتهم (ع) و عدالة الصانع الحق و عبوديتهم (ع) كثيرة و كلها نثبتها بضرورة الاسلام و الايمان بل بضرورة جميع العقلاء كافة و بالجملة ماكنا منه و انما كان الكلام في كونهم (ع) معتدلي المزاج في الجملة فلايقال في حق النبي و الائمة (ع) انهم يتمرضون لعدم اعتدال بنيتهم و صفاء كينونتهم حتي يقال ان النبي (ص) كان محموما و كل محموم متعفن الاخلاط فهو (ص) متعفن الاخلاط كيف يا قوم يتصور هذا في حق من كان عطر اهل الجنة من مدفوعاته و برازه فكيف يكون مزاجه متعفنا غير معتدل كما يقول به الاطباء ان هذا الا لسوء فهمهم و اعوجاج عقيدتهم و سليقتهم و تكدر ادراكهم و قلة معرفتهم في صانعهم شفاهم الله من هذه العلة المزمنة المهلكة أليس يدرون ان عدم الاعتدال من الاعراض أليس يعرفون انهم (ع) ماغفلوا عن الحق بوجه من الوجوه [ص 128] أليس يعرفون ان الخلق يهلكون كلهم الا هم (ع) أليس يعرفون انهم من عين الحيوة ثم من عين الصحة و الاعتدال أليس يعرفون ان اعتدال الجنة و الجنة كلها من فاضل نور الحسين (ع) فما ظنهم بعد ذلك بمن هو اصل للجنة و الحاصل كان كلامنا في بيان الاجزاء الاصلية و الاجزاء الفضلية فقلنا ان شيخنا (ره) سمي الاجزاء الاصلية الباقية بالجسد الاول و سمي الاجزاء الغريبة الفضلية بالجسد الثاني و الجسد التعليمي يعني ان القوم سمّوا الغرائز بالاجزاء الاصلية و سمي هو (ره) اياها بالجسد الاول و القوم سموا الغرائب بالاجزاء الفضلية و اما هو (ره) فقد سماها بالجسد الثاني و لا مشاحة في الاصطلاح فكل من قال غير هذا الذي نحن نقول كما دريت في بيان تسمية الاجزاء و معناها فان كان عنادا لم‌يكن القائل عادلا و ان كان من حيث العقيدة فليس بمسلم ضرورة انك عرفت من بياناتها ( بياناتنا ظ ) المرددة المكررة ان التفاوت انما هو باعتبار التسمية و الاصطلاح ثم عرفت ان المسلمين كلهم متفقون في ان الاجزاء الابدانية قسمان اصلية و فضلية و قد سمعت ما نحن اخترنا في التعبير بان هذا جسد اول و هذا جسد ثان ، و صلي الله علي محمد و آله .

[ص 129]
اليوم التاسع‌عشر من شهر رمضان سنة

١٢٥٧

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الله تعالي : ان اول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا و هدي للعالمين فيه آيات بينات مقام ابرهيم و من دخله كان آمنا و لله علي الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا و من كفر فان الله غني عن العالمين .

قد كان مسئلتنا في بيان المعاد الجسماني الثابت بضرورة المسلمين كافة قلنا ان الشئ هو المركب من الروح و الجسد و قلنا ان الجسم مركب من العناصر الاربعة بهيئة تأليفية معتدلة بميزان خاص بحد معلوم لا اقل من الحد و لا اكثر كالاكسير لان مادته من هذه العناصر الا ان تحققه و وجوده يحتاج الي تركيب خاص من معيار معين و هذا هو العلة في جهل الناس به و قلنا ان الشئ الذي في الآخرة هو الذي في الدنيا و الشئ الذي في البرزخ هو الذي في الدنيا بعينه و كذلك ان الرجل حال كونه جنينا لانه هو هو ثم حال كونه رضيعا ثم فطيما ثم مراهقا ثم مميزا ثم بالغا ثم رجلا ثم كهولا ثم شيخا ثم هرما فانه هو هو في الحالات و التنقلات كلها من دون ارتكاب مجاز بل هو هو حقيقة فاذا استقرض (ظ) رجل رجلا في حال الصحة ثم تمرض المديون عليه ان يقضي من غير انكار اني لست ذلك الرجل المديون بملاحظة الاختلاف و التغيير في حاله بعروض المرض العارض عليه ثم اعلم ان الشئ اصله هو القلب الذي تفصل الي الاعضاء و الجوارح كالبذر و الشجرة و غصونها و لقاحها لانها هو و (ظ) اصل الشئ ثلث نقاط نقطة القلب و نقطة الصدر و نقطة الدماغ و نحن قد قلنا سابقا بان الجسم مركب من العناصر الغريزية الاصلية المعتدلة و قلنا ان الجسم حصل له باعتبار اللطخ اعراض و غرائب خارجة بالنسبة الي الشئ و الا فتلك الاعراض ذاتية بالنسبة الي سنخه و اصله كالدهن و الفتيلة و السراج [ص 130] لان الدهن الزايد بالنسبة الي السراج فضل و غريب لا بالنسبة الي سراج آخر فاذا زيد شئ من الدهن يفسد السراج فكذلك اذا قل و مثل ذلك الجسد اذ هو مركب من العناصر بتأليف معتدل ان زاد فسد و ان نقص فسد ان ذلك تقدير العزيز العليم و قلنا ان المادة محفوظة في جميع هذه الصور و الاعراض و قلنا ان الاعراض حقيقة خارجة عنها و هي محل ظهور للمادة حصولها انما هو باعتبار القرانات الخارجية و الآن نقول ان الشئ له روح و مثال و جسم و الروح كما قلنا هو الجسم الاول و المثال هو البرزخ الذي هو الجسم الثاني الاصلي و الجسم الحاصل من العنصر العرضي الغريبي و انما سميناه بالغريبي و العنصر الذي لايعود لانه حصل بالقرانات و ذلك كالثوب للانسان تسميتنا هذا بالثوب كتسمية المتكلمين هذه العناصر بالكون و الفساد اي عالم الكون و الفساد في قبال ان الافلاك لا فساد فيها و لا تغيير و لا اختلاف بخلاف العناصر لانها متبدلة مختلفة و بالجملة تسمية مرحوم الشيخ هذا الجسد الذي لايعود بالبدن العنصري بملاحظة ان العناصر مختلفة الحالات و هي عالم الكون و الفساد و بملاحظة ان هذا الجسد هو الجسم التعليمي العرضي الذي هو الحدود و الهيئات و الصور و بالجملة عبر مولينا الشيخ (ره) عن الجسد الطبيعي الاصلي بالجسد الاول الهورقلياوي و عبر عن الجسد الثاني التعليمي بالعنصر الذي لايعود و مراده بالعنصر هنا هو الهيئة و العرض و الحد اذ العنصر علي قسمين جوهري اصلي و غريبي عرضي كما قلنا في محله ان الكم مثلا منه جوهري و منه عرضي فالملحوظ في الحالات كلها هو الجوهري [ص 131] و اما المتغير المتبدل فهو الكم العرضي و حصول هذه الاعراض انما هو باعتبار القرانات في الخزائن و ان من شئ الا عندنا خزائنه و ماننزله الا بقدر معلوم و لا شك في ان الشئ النازل في هذه العوالم السائر في هذه الاطوار كلها ليس المقصود منها هذه الاطوار اذ هي منازل و حالات و انما المقصود وطنه الذي نزل منه فالسموات و العناصر و بطن الام و صلب الاب و سائر الاطوار من النطفة و العلقة و المضغة و الجنينية و الرضيعية و الفطيمية و المراهقية و البلوغ و الشيبوبة و الكمال و الكهولة و الهرمية و نحوها كلها اعراض و غرائب و كلها مظاهر للشئ كالمرآة للصورة المنفصلة لانها موجودة في الخارج الا انها غير ظاهرة تظهر بالمرآة و الاغذية للانسان كالمرآة للصورة و كذلك التراب الذي في الظرف المغروس فيه الشجرة ليس جزء لها و الا لقل التراب شيئا فشيئا بل لتم و انت تري هذه البساتين الحادثة مدة خمسمائة سنة و ترابها علي حالتها الاولي من دون حصول نقيصة فلو كانت هذه الاتربة جزء للاشجار و النخيلات لكانت تنقص الاتربة نقصانا بينا واضحا فاذ ليس فليس و العلة في هذا هي ان الاغذية لما لم‌تكن جزء و لا هي بدلا لما يتحلل ضرورة ان الامدادات انما هي من المبدأ دون الاسباب نفسها نعم انما هي ظاهرة بها الاتري هذا محيي‌الدين بن عربي لم‌يأكل مدة تسعة اشهر في رياضته و هو حي و كذلك الذين لايأكلون خمس سنين او اقل او اكثر من الذين يحبسون انفاسهم و اولئك طائفة معروفة في الهند ثم نحن نري اناسا ان اكلهم اقل ما يكون و هم اقوي الناس و اسمنهم و نري [ص 132] اناسا آخرين ان اكلهم اكثر ما يكون و هم اضعفهم بنية و اكثرهم هزالا فاذا عرفت هذا فاعلم ان المدد غيب في هذه الاشياء من الاغذية و المأكولات و كلها كنون الوقاية لحفظ المدد و ايصاله الي المستمد فلما صار المدد امرا غيبيا في الغذاء اعلم ان الغذاء كائنا ما كان لايكون جزءا لشئ آخر يعني ان المأكول لايكون جزءا للآكل و الا لكان الحكيم تعالي عاجزا فعلي هذا لايكون الغنم و لا الطير و لا البقر و لا البعير المأكولة جزءا للانسان و لا جزءا لآكله بوجه من الوجوه لانها لم‌يكن بدلا لما يتحلل منه حيث علمت ان المدد غيب في الشئ المأكول اذ المبدأ انما هو من المبدء الاعلي و العلة في هذا هي ان الله خلق كل شئ دائرا علي نفسه لانه كامل حكيم فمقتضي الكمال و الحكمة هذا لا غيره فلذا قلنا ان كل شئ مستدير فاذا حققت ما قلنا بالامثلة عرفت بطلان شبهة الآكل و المأكول اذ الحيوانات المأكولة لم‌يكن جزءا للشئ و لا دونها ضرورة ان المناسبة مفقودة بين الانسان و النبات و الحيوان فلما افتقدت المناسبة و لا هي جزء للانسان يحشر يوم القيمة علي احسن ما كان في الدنيا و اذ الوحوش حشرت قال تعالي و ما من دابة في الارض و لا طائر يطير بجناحيه الا امم امثالكم مافرطنا في الكتاب من شئ ثم الي ربهم يحشرون و قال تعالي و ان من امة الا خلا فيها نذير فكل شئ يعود قل يحييها الذي انشأها اول مرة و هو بكل خلق عليم قال تعالي و لقد جئتمونا فرادي كما خلقناكم اول مرة و تركتم ما خولناكم وراء ظهوركم و مانري معكم شفعاءكم الذين زعمتم انهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم و ضل [ص 133] عنكم ما كنتم تزعمون و المراد بقوله و تركتم ما خولناكم وراء ظهوركم هو الاعراض الخارجة اي الهيئات و الصور فهذه الحيوانات و النباتات كلها تحشر يوم القيمة مع انها صارت غذاء للآكل و هذه الاعراض انما حصلت من القرانات فلما حصلت لها مقتضيات ما دامت موجودة فلما بطلت الاجزاء و تفككت ذهبت الي ما منه بدئت يعني كل شئ يرجع الي اصله و محله كما كان اول مرة لايقال فعلي هذا يكون العايد هو النطفة لانها هي التي اول مرة لخلق الشئ لانا نقول ان النطفة منزل من المنازل و سبب من اسباب الظهور للشئ فالاعراض الخارجة كالصبغ من الحنا في اليد و كالثوب للانسان ليس جزء له فلايعود و هذه هي الاجزاء الفضلية بعينها التي اتفقت العلماء بوجودها فمن قال بغير هذا فليس بمسلم لان ما قلنا هو الذي ذهب اليه المسلمون قاطبة الا انه بعبارة اخري كما علمت آنفا لايقال علي ما تقول ان هذا البدن المرئي لايعاد لانا نقول بانا قلنا ان هذا المرئي المحسوس هو البدن الاصلي الذي يعود بل قلنا ان الحيوانات تحشر كما ورد انه ليقصن للجماء من القرناء ثم تصير الحيوانات بعد الفراغ من الحساب ترابا مع انه تعالي يقول و ان الدار الآخرة لهي الحيوان مع هذه التأكيدات اللفظية في هذه الفقرة الشريفة من كون ان حرف تأكيد و ان خبره فيه لام تأكيد ثم هي ضمير فصل ثم ان خبره معرف باللام و اعلم ان هذا الاشكال بين الآية و الرواية دفعه يحتاج الي بحث آخر ليس هيهنا محل بيانه و بالجملة هذا البدن العنصري هو الاجزاء الفضلية و هذا هو الجسم التعليمي عند الحكماء و [ص 134] الجسم التعليمي هو هذه الحدود و الهيئات و لا شك في انها اعراض لم‌تكن جزء حقيقة الشئ بحيث يكون تقوم الشئ بها الاتري انت انت في جميع حالاتك و حركاتك و سكناتك و تطوراتك و تنقلاتك و كبرك و صغرك و صحتك و سقمك الي غير هذه من الحالات المتعاورة مع ان الحالات تتصف بالمجيء و الذهاب فلاتعود الحالات لا في الدنيا و لا في الآخرة لان هذه كلها نقائص و فضائل و الدار الآخرة محل الكمالات الاصلية الباقية كما ذكرنا سابقا و انما سمي الجسم التعليمي بالتعليمي لان هذه الاعراض و الصفات و الحدود و الهيئات كلها اعلام ( تعلم خ‌ل ) الرجل الي الجسم الطبيعي الحقيقي و اما الحكماء فهم انما سموا الجسم التعليمي به فلان كلما يتكلم فيه انما يتكلم عن الصور و الهيئات كالرياضي الذي كان دأبهم فيه ان يعلمون صبيانهم في اول عمرهم ذلك ليتسع خياله و بالجملة هذا الجسم التعليمي الذي هو الحدود و الهيئات العرضية بالنسبة الي الانسان كالحجر الموضوع بجنب الانسان و اما هذه العرضيات بالنسبة الي عللها فهي ذاتية له كما مثلنا بالدهن و الفتيلة و السراج اذ الدهن لو زاد فسد السراج و ان نقص فكذلك مع ان الدهن ذاتي كانت زيادته عرضية بالنسبة الي ذلك السراج لا بالنسبة الي ماعداه بناء علي هذا هو سبحانه يعيد المأكولات كلها الي اصولها و محالها ان ربي علي كل شئ قدير كما انه تعالي امر ابرهيم (ع) بان اخذ من الطيور الاربعة و دقها ثم جعل علي كل واحد من الجبال العشرة جزء منه ثم دعا كل واحد من الاربعة فرجعت الاجزاء المنتشرة علي الجبال [ص 135] فلحقت اجزاء كل واحد برأسه الحمامة بالحمامة و الديك بالديك و الغراب بالغراب و الطاوس بالطاوس مع ان لحومها كانت مختلطة اختلاطا لا امتياز فيها و لكن الله بكل شئ عليم ثم قدير فاذا علمت هذا فاعلم انك انت كابرهيم (ع) ثم مأكولاتك من النباتات و الحيوانات من الاباعر و الثيران و الاغنام و الطيور ثم السموك التي كسرتها في الطبيعة و طبختها فيها ثم خلطت بعضها ببعض كلها تخرج منك علي الوجه الذي كانت من قبل اي قبل الاكل ، تكرير و تأكيد لما ذكرنا سابقا من بيان العود و سره بعبارات اوثق و بيانات احكم من الاول و هو انا قد قلنا من اسباب دخول البيت اعتقاد المعاد و حشر الارواح الي الاجساد علي وجه كان في الدنيا و لكنه بصور مختلفة مثلا كان الشئ في الدنيا قبيحا يرجع في الآخرة حسنا و بالعكس او كان في الدنيا هرما يرجع في الآخرة شابا و كذلك اذا كان سقيما يحشر صحيحا و بالعكس في كلها و ذلك لان الجسم مشتمل علي الاجزاء الغريزية الاصلية و علي الاجزاء الغريبة العرضية التي يعبر عنها بالتعليمي فالقسم الاول الذي هو الجسم الاصلي هو الروح لقوله (ع) الروح جسم لطيف البس قالبا كثيفا ، و الجسم الثاني المثال و اما الجسم العنصري اي الاعراض و الحدود و الهيئات و الامراض و العيوب و النقايص و الزيادات و التبدلات و التغييرات كلها خارجة عن حقيقة الشئ و عن جسمه الاصلي المعتدل الذي باق ابد الآبدين و محفوظ من فناء و دثور و انعدام فالذي قال شيخنا المرحوم انه يذهب و لايعود هذا هو الجسم التعليمي اي الجسد الثاني العرضي اذ العناصر عندنا كما قلنا مرارا [ص 136] قسمان جوهري و عرضي فالجوهري هي التي منها الاجزاء الاصلية المعتدلة و العرضي هي التي ليست منه فلاتعود و انما هي تعود لنفسها وحدها او انها جزء لشئ آخر فتلحق بذلك الشئ ثم يعود في الآخرة . تنبيه و ازالة و اعلم ان تعبير جناب الشيخ المرحوم عن الجسم التعليمي بالعنصر له وجه و ذلك حيث انا نعلم ان الشئ ينسب الي حالته الغالبة و لا شك في ان العلماء قالوا ان عالم الكون و الفساد هو عالم العناصر ضرورة انها لازال متغيرة متبدلة في مقابلة الافلاك التي لا تغير لها و لا اختلاف كالعناصر فهو اعلي الله مقامه حيث كان الجسد الهورقلياوي لا اختلاف فيه و لا تغيير و انما التغيير في الحدود و الهيئات العرضية سماه اي الجسد الثاني من حيث الاختلاف بالعنصري يعني ان كلما كان من شأنه التغير و التبدل فهو المعبر عنه بالعنصر و لا ريب في ان الصورة متغيرة لازالت هي موجودة و المراد بالعنصر الاصلي هو الذي يكون سببا لحفظ الكينونة و اما العنصر الذي علة لظهور الشئ فهو غريبي كالمني من الانسان و كذلك غيره من الخزائن العلوية و العنصرية و الاصلاب و الارحام و اطوار الشئ الي زمان هرمه و موته فانها كلها بالنسبة الي الجسم الاصلي كالمرآة للصورة المنفصلة لانها موجودة لكنها غير ظاهرة و العلة في ان هذه الاشياء من الاسباب التي تستمد الشئ منها كلها عرضية غريبة لا دخل لها في اصل كينونة الشئ هي ان كل شئ لايستمد من غيره و لا غيره منه مثاله كما اذا زرعت شجرة في حب مطروس من التراب ثم تكبر الشجرة من دون حصول نقص في التراب فلو [ص 137] كان التراب جزء لها لكان ينعدم بالمرة باغتذاء الشجرة منه شيئا فشيئا و ليس كذلك و كذلك اذا زرعت البطيخة في قصعة فيها تراب فانه لاينقص منه شئ مع كثرة البطيخات فلو كانت هذه الامدادات من هذه العناصر لم‌يبق للبساتين تراب اصلا في هذه المدة الطويلة مع ان ترابها باقية علي حالته الاولي و العلة في هذا هي ان الامدادات كلها من المبدء الاعلي بناء علي هذا تكون الاغذية للانسان كالتراب للبستان من دون حصول نقصان فمن عرف ما قلنا فقد عرف مسألة الآكل و المأكول باتم بيان فعلي ما اصلنا لايكون الاغذية بدلا لما يتحلل و انما هي حاملة لظهور المدد فلايكون جزءا لبدن الانسان بل انما هي كنون الوقاية و المرآة تقريبا في كونها سببا لظهور الصورة مع كونها موجودة ثم ان المستمد لايخلو من كونه من اهل عليين او من اهل سجين فعلي اي تقدير يكون مدده منها فصارت الاغذية اسبابا للظهور كالماء للشجر حرفا بحرف فمن عرف ما ذكرنا فقد حلت له شبهة الآكل و المأكول لان الشئ لايصير مددا لشئ اصلا حتي يوجب الشبهة و الاشكال كما علمت من الامثلة النافعة الالهية الآفاقية فلما كانت الاغذية اشياء عرضية و اسبابا للظهور لا دخل لها باصل الكينونة قلنا انها كالحجر الموضوع بجنب الانسان فلو فرض ان الشئ يصير جزءا لشئ آخر يلزم عجز الحكيم سبحانه بناء علي هذا الذي مهدنا لايكون شئ جزءا لشئ فلايرد اشكال نعم لما تنزل الشئ في القوس النزولي حصلت له هذه الاعراض و الغرائب من الحدود و الهيئات الخارجة الغريبة باعتبار القرانات الحاصلة في كل عالم لذلك الشئ فهذه [ص 138] الاجزاء العرضية بعد تفكيك اجزاء الشئ يرجع كل واحد منها الي اصله فتبقي الاجزاء الاصلية في القبر مستديرة كالبرادة من الذهب في دكان الصائغ و المراد بالاستدارة كون كل جزء في محله فاذا علمت ان الله خلق الاشياء لمعرفة نفسه و عرفت ان الاشياء كلها مختارة دراكة و عرفت ان كل شئ نزل من العالم الاعلي من الجنة او من ظلها الجحيم و علمت ان الله حكيم و علمت انه ليس هذه الدار دار الجزاء فاعلم ان الاشياء كلها محشورة عائدة في الآخرة قال تعالي و ما من دابة في الارض و لا طائر يطير بجناحيه الا امم امثالكم مافرطنا في الكتاب من شئ ثم الي ربهم يحشرون و قال تعالي و ان من امة الا خلا فيها نذير فيكون لكل شئ من الموجودات عقاب و عذاب كل علي حسب مقامه فالوحوش و الحيوانات كلها تحشر و لكنه ورد ان الحيوانات بعد الحساب تصير ترابا مع انه تعالي قال و ان الدار الآخرة لهي الحيوان و بالجملة هذه الاجزاء العرضية و الاعراض الخارجة كلها من اللوازم الدنيوية لانا قد ذكرنا كرارا و مرارا بان هذه الهيئات و الحدود و الاطوار كلها اسباب ظهور للشئ ثم ان هذه انما هي محتاج اليها في هذه الدار و اما بعد ذلك فلا و ذلك كالمربي للاطفال لانه انما يكون فيما كان الولد صغيرا فلما كبر يستغني عنه قال تعالي و لقد جئتمونا فرادي كما خلقناكم اول مرة و تركتم ما خولناكم وراء ظهوركم اي من الاعراض و الفضائل من الاجزاء و الهيئات و الصور و لا ريب ان الرجل في الدنيا غريب اذ انه جاء من العالم الاعلي فكان وطنه هناك فلا بد من طي المسافة اذا اراد الوصول الي [ص 139] وطنه بناء عليه كلما عرضه من الاعراض و اللوازم الدنياوية يبقي كلها في الدنيا قل يحييها الذي انشأها اول مرة اي من العناصر المعتدلة الاصلية التي ذكرنا انها باقية و قلنا انها هي حقيقة الجسم المحشور و انها هي الجسم الطبيعي في لسان الحكيم و هو هذا الذي تراه في الدنيا ثم ان هذه الاشجار المرئية هيهنا باسرها اشجار الجنة و كذلك حيواناتها و جماداتها لانها هي هي و هي غيرها باعتبار القاء كل شئ عرضه في الادبار الحاصل بالقرانات الخارجة فافهم و لاتكن من الغافلين حيث انا قد بينا هذه المسألة علي ما هو مذهب المسلمين ، و صلي الله علي محمد و آله .

[ص 140]