اليوم السابع من شهر رمضان سنة

١٢٥٧

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الله تعالي : ان اول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا و هدي للعالمين فيه آيات بينات مقام ابرهيم و من دخله كان آمنا و لله علي الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا و من كفر فان الله غني عن العالمين .

قال تعالي : و من دخله كان آمنا ، قلنا ان مقتضي اللطخ المعاصي في الذين آمنوا و المحامد في الذين كفروا و قلنا ان هناك شيئان لطخ و آثاره التي هي المعاصي و السيئات في اصحاب الايمان و قلنا ان النبي (ص) رفع عن امته ما يترتب علي المعاصي و جعله علي نفسه الشريفة فعد المعاصي عصيانه و تحملها في الدنيا و الآخرة و اما علة ورود المصائب و الشدائد الواردة علي المؤمنين في الدنيا مع انه (ص) جعل علي نفسه كلها هي ان المؤمنين ضعفاء لايقبلون الي الله تعالي تمام الاقبال اذا رأوا انفسهم اغنياء بلي ان الانسان ليطغي ان رآه استغني ثم هذا الوارد عليهم لم‌يكن تمام الشدائد التي هم استحقوها باعتبار اللطخ و انما هذا لطف خاص من الله تعالي لهم و اما تلك العقوبات فلولارفع بجعلها النبي (ص) لنفسه لكان الناس في شدة عمياء فلما رفع النبي (ص) عن امته العقوبات الواردة عليهم مطلقا بقي حكم نفس اللطخ و ذلك لايفني و لايرفع الا بعد ورود البلايا و المحن و الشدايد من الفقر و الفاقة و سائر المكاره فالبلايا نعمة من الله تعالي و هدية يهدي بها عبده المؤمن اذ انه ليطغي لو استغني و وجه كون المكاره هدية منه تعالي هو ان المؤمن الثابت الشاكر بها يتنبه و يزيد زيادة تنبيه و يتوجه و يقبل زيادة اقبال الي بارئ السموات و النسمات و التوجه اليه تعالي و الاقبال الي وجهه هو اصل الخيرات و اس الانوار اذا كان عارفا بالله تعالي فبالتوجه اليه ينقص اللطخ و يذهب شيئا فشيئا لكن هنا مسألة يجب علينا بيانها فنقول و [ص 39] الذي فلق الحبة و برأ النسمة لولا حضور الحاضر و قيام الحجة بوجود الناصر و ما اخذ الله علي العلماء ألايقاروا علي كظة ظالم و لا سغب مظلوم لألقيت حبلها علي غاربها و لسقيت آخرها بكأس اولها و لألفيتم دنياكم هذه ازهد عندي من عفطة عنز لكن لما امرنا فيما رزقنا الله باظهاره من العلوم و الكمالات نبرزها للناس بعد ما بينه الله تعالي و انبياؤه كي لايشملنا لعن اللاعنين كما قال تعالي في كتابه المبين ان الذين يكتمون ما انزلنا من البينات و الهدي من بعد ما بيناه للناس في الكتاب اولئك يلعنهم الله و يلعنهم اللاعنون قال الباقر (ع) نحن اللاعنون فكل ما نقول ليس بسر اذ السر هو الذي لايدخل تحت قاعدة و لايكون له قانون يعرف بها و كل شئ يقبل البيان ليس ذاك بسر ايها الانسان و اولئك الذين يعترضون علينا انا نذيع الاسرار ليس كما يزعمون مع انهم قاطعون بانه غير وارد الا انهم يريدون اجتراء الناس عليهم ما يقولون و لنا ما نقول مما قاله آل الرسول و تلك المسئلة الواجب علينا بيانها انما نريد ذكرها لزيادة الراغبين و ليزيد بشارة المستبشرين ليكون لهم عزا و فخرا يوم الدين علي جميع الآدميين بل علي الخلق اجمعين و ليزداد توجههم لفاطر السموات و الارضين و تلك المسئلة مسألة يجب التدين بها و العمل لها و هي ان الدين المتين يدور علي شيئين علم و عمل و هما كالروح و الجسد لاينفك احدهما عن الآخر لكن لكل واحد منهما آفة و اسباب لفساده و اسباب لاصلاحه و تداركه فاما آفة العمل تندفع و تغفر بالتدارك به في هذه الدار او بشفاعة الشافعين من الانبياء [ص 40] و المرسلين فلايوجب التخليد ابد الآبدين و اما العلم فلايتدارك اذا اخل به و افسده و ان يشفع له الشافعون اجمعون و انما المماطل المقصر فيه مخلد في النار ابد الآبدين و دهر الداهرين ما دامت القدرة لله رب العالمين و ذلك بحيث لاينفعه استغفار النبي (ص) و هو اشرف المخلوقين ان تستغفر لهم او لاتستغفر لهم ان تستغفر لهم سبعين مرة لن‌يغفر الله لهم و المراد بالاخلال في العلم المعرفة بالله تعالي سبحانه و بالرسول الكريم و بعلي الامام العظيم و بيوم الدين و ما يتعلق بالتوحيد و المعاد من الاعتقادات الحقة الصحيحة الالهية التي اتي بها ائمتنا الاطهار (ع) و الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا و لما اختلف الذين آمنوا فنقول ان طريق العلم و المعرفة واضح كيف لا و هو تعالي انما خلق الخلق للمعرفة و العلم و اليه نص في تنزيله و ماخلقت الجن و الانس الا ليعبدون و العبادة ملزومة بالمعرفة كما في القدسي كنت كنزا مخفيا فاحببت ان اعرف فخلقت الخلق لكي اعرف ، فاذا كان غاية الايجاد المعرفة و العمل وجب علي الله البيان اي في الحكمة و اللطف لانه تعالي لم‌يجب عليه شئ فعرفهم نفسه و عرفهم احكام عبادته فان قلت انا نري ان الاقوال مختلفة و المذاهب متشتتة و الآراء متفرقة غير مجتمعة علي شئ بل ينفي كل واحد الآخر بناء علي هذا كيف تحصل البصيرة في الدين و المعرفة الي المأمور المطلوب علي اليقين و انما لايحصل بهذا الاختلاف و الاضطراب الا الظن و التخمين فانسد باب العلم و الايقان و خفي طريق المعرفة و الايمان قلت كيف يتصور الظن و الحيرة مع وجوده [ص 41] تعالي شأنه في الامر المنسوب اليه من الهداية للذين جاهدوا فيه تعالي و طلبوا من طريقه الذي جعل لهم أليس هو سبحانه عاتب الانبياء و ذمهم لاجل ترك الاولي فكيف يرتكبه هو تعالي أتأمرون الناس بالبر و تنسون انفسكم مع انه تعالي قادر علي ذلك و ليس رادا ( لا راد ظ ) لحكمه و لا مانعا ( مانع ظ ) لامره و لا سادا ( ساد ظ ) لمشيته و ارادته ان ربي قادر علي ما يشاء و هو عالم كريم لطيف بعباده و خلقه فعليه تعالي الهداية و الارشاد من معرفة المبدأ و احكام المعاد اين يتاه بكم و فيكم عترة نبيكم اين تذهبون و رايات الحق منصوبة و اعلام الهداية واضحة و هو الميزان المستقيم و القسطاس القويم و زنوا به و لاتبخسوا الناس اشياءهم فتكونوا مطففين الذين اذا اكتالوا علي الناس يستوفون و اذا كالوهم او وزنوهم يخسرون ذلك هو الخسران المبين فتعالوا الي كلمة سواء بيننا و بينكم و هي الميزان الراجح و لكنهم عنه غافلون و عن معرفته جاهلون و هم لشهوات انفسهم عنه معرضون كلا سيعرفون ثم كلا سيعرفون انه لامر مبين لمن طلبه و يستبين مع انهم يقرون بعدالته و علمه و كماله و شرفه و معتقدون برفعة مقامه و مرتبته و عالمون بشجاعته و سخاوته رحم الله هشام بن الحكم و رفعه الله في فراديس الجنان و حشره مع ساداته اهل الشرف و الايمان عليهم سلام الله الرحمن الي ان قال بحضور الامام ابي‌عبدالله (ع) للشامي يا هذا أربك انظر لخلقه ام خلقه لانفسهم فقال الشامي بل ربي انظر لخلقه قال و فعل بنظره لهم ماذا قال اقام حجة و دليلا كيلايتشتتوا و يختلفوا و يتألفهم ( و يقيم ظ ) اودهم و يخبرهم بفرض ربهم قال فمن هو قال رسول الله (ص) [ص 42] قال هشام فبعد رسول الله (ص) قال الكتاب و السنة قال هشام فهل ينفعنا اليوم الكتاب و السنة في رفع الاختلاف عنا قال الشامي نعم قال فلما اختلفت انا و انت و سرت الينا من الشام في مخالفتنا اياك قال فسكت الشامي فقال ابوعبدالله (ع) للشامي ما لك لاتتكلم قال الشامي ان قلت لم‌يختلف كذبت و ان قلت ان الكتاب و السنة يرفعان عنا الاختلاف ابطلت لانهما يحتملان الوجوه و ان قلت قد اختلفا و كل واحد منا يدعي الحق فلم‌ينفعنا اذا الكتاب و السنة الا ان لي في هذه الحجة فقال ابوعبدالله (ع) سله تجده مليا فقال الشامي يا هذا من انظر للخلق أربهم او انفسهم فقال هشام ربهم انظر لهم منهم لانفسهم فقال الشامي فهل اقام لهم من يجمع لهم كلمتهم و يقيم اودهم و يخبرهم بحقهم من باطلهم فقال هشام في وقت رسول الله صلي الله عليه و آله او الساعة قال الشامي في وقت رسول الله (ص) رسول الله و الساعة من ؟ فقال هشام هذا القاعد الذي يشد اليه الرحال و تفد دونه الرجال و يخبرنا باخبار السماء وراثة عن جده الي آخر الحديث ، و هو طويل اخذنا منه موضع الحاجة و قد وسع له ابوعبدالله (ع) في هذا الحديث لهشام و عظمه و قال ناصرنا بقلبه و لسانه و يده فاذا عرفت ان الميزان الرافع للاختلاف هو الامام (ع) من مات و لم‌يعرف امام زمانه مات ميتة جاهلية و اما في غيبته فنوابه لانه هو المبين الهادي للناس و جعلنا بينهم و بين القري التي باركنا فيها قري ظاهرة و قدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي و اياما آمنين و القري الظاهرة هم الرجال العارفون [ص 43] باحكامهم الراوون احاديثهم و اخبارهم فروعا و اصولا و ان كان الامام (ع) غائبا لكن يربي هو (ع) نوابه من وراء حجاب ماضرني غيبتي و لانفعهم حضورهم و لقائل ان يقول اني تفحصت الملل و الاديان رأيت انهم مختلفون فكيف يكون حجة الله بالغة مع وجود هذا الاختلاف العظيم ضرورة ان كل امة اخذ بشطر من القرآن من متشابهه و يستدل به علي ما هو عليه من الطريقة و العمل قلنا ان الله سبحانه قال الر كتاب احكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير فقل لله الحجة البالغة و هو الذي يشد اليه الرحال و هو الميزان للرجال انا غير مهملين لمراعاتكم و لا ناسين لذكركم و لولا ذلك لاصطلمتكم اللأواء و احاطت بكم الاعداء لنا مع كل ولي اذن سامعة قال (ع) في الجامعة كلاما ما احسنه و ما اجمعه : و بينتم دعوته و اقمتم حدوده و سننتم سنته و نشرتم شرايع احكامه ، دعوته مصدر مضاف يفيد العموم و كذلك حدوده يعني بينتم جميع دعوته و جميع حدوده كذلك الشرايع و الاحكام يعني فصلتم جميع الشرايع و جميع الاحكام فعلي هذا لم‌يبق حكم الا ارشدونا اليه و لم‌يترك امر و لا نهي الا بينوا لنا و الا فلا تكليف و لا حساب و لا حجة و لا عقاب و ليس كذلك كما عرفت آنفا و لان التسديد لحجة الله ثابتة و التأييد من عين الله نازلة و ان كان هو (ع) غائبا عنا و لكنا نحن لسنا عنه بغائبين بل نحن منه بمرئي و مسمع كما في تعقيب الظهر علي ما رواه في المصباح ماضرني غيبتي و لانفعهم حضورهم ، فلا حيرة بعد البيان من الله المنان بل امره ابين من الشمس في رابعة النهار و نحن نقول ان كان الله [ص 44] سبحانه موجودا و اراد من الخلق ما كلفهم عليه لايخلو اما انه تعالي قادر علي ان يوصلهم ما يريد منهم من الاحكام و الشرايع ام لا فان كان قادرا علي ذلك لايخلو اما انه عالم بهم انهم اناس جاهلون عاجزون ام لا و علي فرض انه تعالي عالم بهم بضعفهم يوصلهم ما اراد منهم ام لا فعلي عدم الايصال مع العلم و القدرة نقول هل الايصال اولي ام لا فعلي فرض ان الايصال اولي و لم‌يفعله تعالي كان تاركا للاولي و يلزم ان يكون ملاما بقوله سبحانه أتأمرون الناس بالبر و تنسون انفسكم فان اراد من الخلق ما اراد من الاوامر و النواهي و الاحكام و لم‌يكن قادرا علي ايصاله ليس باله و ان كان قادرا و لكنه ليس بعالم علي كيفية الايصال فلم‌يكن الها ايضا و مثله اذا كان عالما بخيلا او تاركا للاولي فلما كان بطلان العجز و الجهل و البخل و ترك الاولي بديهيا ثبت انه الهادي الذي لا مانع لحكمه و لا ساد لامره و انه لقادر علي كل شئ ان علينا للهدي و الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا لاتحرك به لسانك لتعجل به ان علينا جمعه و قرآنه فاذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم ان علينا بيانه و علي الله قصد السبيل بالميزان و الدليل فانه هو المولي الجليل نعم المولي هو و نعم الوكيل و لكن المدركين ذاك قليل انما خفي لشدة ظهوره و استتر لعظم نوره فاذا علمت ما زبرنا فاعلم ان حكم الله تعالي واحد يختلف علي حسب اختلاف الموضوعات و هذا ليس بنسخ لان النسخ رفع الحكم بامر النبي (ص) و الرافع هو الامام الوصي المأمور بالنسخ و لذا نحن اوقعنا الخلاف بينكم لانه هو المبين للاحكام و ما في القرآن من الحلال و الحرام لولاه (ع) [ص 45] لايعرف النور من الظلام و لاينفعنا القرآن التام ضرورة ان الفرق به يستدلون و ان الاديان به يتمسكون هذا و ان القرآن سهل ممتنع فلولا القائم بالامر اليوم لكان الامر علينا صعب شديد ليس لنا عنه تحيد و هو (ص) من ورانا يمدنا و يؤيدنا الي ما فيه صلاحنا و رشدنا و هو المطاع المطلق لجميع الخلق اجمعين من الانبياء المرسلين و الرعية المرعيين لانه (ص) كالشمس للنجوم و النجوم هم الانبياء (ع) و ان كان انه تعالي قال و ماارسلنا من رسول الا ليطاع الا انهم (ع) لما يظهر نبينا (ص) كما في الآخرة كلهم بايعون ( مبايعون ظ ) له (ص) فهو المطاع الفرد الكامل المطلق المقيد بالتوحيد و الوحدة فزمان الانبياء زمان الليل يمتاز النجوم كل واحد منها عن الآخر و لها آثار و انوار و اما في النهار فلا ظهور لها و لا اثر لان النهار زمان نبينا (ص) و اما اذا ظهر هو (ص) فلا حكم لهم ابدا و من يقل منهم اني اله مطاع من دونه فذلك نجزيه جهنم بل الانبياء ذلك اليوم عباد مكرمون لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون اي بامر محمد (ص) عاملون و الانبياء لهم الشفاعة لشيعة محمد باذنه (ص) و ظهور سلطنته و وحدته و جلاله و جبروته و كبريائه و عظمته و شوكته انما يكون في العود حين ما نصب لهم منبر الوسيلة الذي له الف مرقاة من كل مرقاة الي اخري بعدو فرس الجواد الف سنة يقطع ذلك الجواد في كل طرفة عين بقدر الدنيا سبعة مرات ورد انه (ص) علي المرقاة العليا و انه قاعد عليها و الخلق كلهم قيام تحت المنبر و علي عليه السلام واقف دونه بمرقاة و بيده لواء الحمد و الحسنان دون ابيهما في الثالثة ثم الائمة الثمانية في [ص 46] الرابعة ثم الصديقة في الخامسة و باقي المرقاة خالية و الناس حينئذ وقوف تحت المنبر و انهم باجمعهم ساكتون اما الانبياء و المؤمنون كلهم فمن جانب اليمين من المنبر انهم اصحاب اليمين و اما الاعداء و المخالفون و جميع فرق الكفار فهم من جانب الايسر من المنبر هم اصحاب الشمال ففي ذلك اليوم يظهر معني قوله عليه السلام و ذل كل شئ لكم و خشعت الاصوات للرحمن فلاتسمع الا همسا فهنالك يظهر معني قوله تعالي و من يقل اني اله من دونه الآية ، كما اشرنا و اما قوله تعالي خطابا لنبيه (ص) ليس لك من الامر شئ و قوله و لو تقول علينا بعض الاقاويل لاخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فلاجل ان لايتخيل الناس فيهم الاستقلال كما تري انهم (ع) مانالوا الي ما نالوا الا بالعبادة و الخضوع لله تعالي فمع ذلك هم محفوظون بيد الله القادرة القاهرة بحيث لو اراد الله سلب ما اعطاهم من المقام العظيم لوقع و اليه الاشارة في قوله تعالي و لو شئنا لنذهبن بالذي اوحينا اليك فمن توهم في حقهم (ع) الاستقلال او التفويض او يقول مثل هذا الخلق و ان الخلق ليسوا تحت احاطتهم و هيمنتهم فقد خرج عن هذه الفرقة الناجية الحقة بل خارج و هو رجيم فستذكرون ما اقول لكم و افوض امري الي الله ان الله قوي عزيز ، و صلي الله علي محمد و آله الطيبين الطاهرين .

[ص 47]
اليوم الثامن من شهر رمضان

١٢٥٧

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الله تعالي : ان اول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا و هدي للعالمين فيه آيات بينات مقام ابرهيم و من دخله كان آمنا و لله علي الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا و من كفر فان الله غني عن العالمين .

* * *

قال عز من قائل : و من دخله كان آمنا ، كان الكلام في المقام ان اللطخ علة للمعاصي الظاهرة من المؤمنين الذين لم‌يرض قلبهم بها قط و انما صدر ما صدر عنهم من القبائح و الافعال الشنيعة باعتبار اللطخ و المجاورة لاولئك كما ذكرنا شطرا منه و الآن نقول ان هذه المعاصي منهم في الدنيا علي خلاف الاصل و الكينونة حيث انهم هم الشيعة خلقوا من انوار ائمتهم عليهم السلام و لذا سموا شيعة و الشعاع انما خلق من المنير فعليه كان ظهور العصيان منهم محالا اذ هم من انوارهم و فاضل طينتهم و انهم مرايا اشراقاتهم الحاكون عنهم فلما ثبت انهم عليهم السلام معصومون عن الخطاء و الزلل محفوظون عن السيئات و الخلل فكذلك هؤلاء الشيعة الا ان عصمة الشيعة دون عصمتهم (ع) لان عصمة الائمة (ع) ذاتية و عصمة الشيعة عرضية لما علمت انهم الفروع التابعون و التابع يعرب باعراب سابقه و متبوعه و يحكم بحكمه اما في الجنة فالشيعة متمحضون في الحكاية التابعية بخلافهم في هذه الدنيا فانهم فيها كالذهب المغشوش يصفون شيئا فشيئا بورود البلايا و عروض المحن و الآلام عليهم و المرض و الفقر و الفاقة و فقد الاحبة و الاولاد و نحوها هذا انما هو حكم ضعفاء المؤمنين و اما الاقوياء منهم فهم يتحملون المصائب و الواردات كلها ثم يصبرون علي النوازل و الملمات عن غيرهم من الضعفاء فالمواساة انما هي هنا فافهم و اعمل و ذلك الي ان يتصفوا من اللطخ فمن صفي من اللطخ و الكدورات في هذه الدار يحضره الائمة الاطهار (ع) عند وفاته [ص 48] و احتضاره ضرورة ان المؤمن نور لايغيب عن منيره فيكون معه (ع) حيثما كان و يحضر معه (ع) جبرائيل و عزرائيل فيحتفون بالمحتضر اما رسول الله (ص) فهو عن جانب رأسه و اما علي فهو عند رجليه و اما الائمة الباقون فيحتفون عليه فيقدم رسول الله و صهره علي (ع) فيقول محمد للمؤمن يا فلان انا رسولك و نبيك الذي آمنت بي انا اليوم انفعك ثم يوصي لعزرائيل و يقول له يا عزرائيل هذا من امتي كن به ارءف من الام الرؤفة و الاب الرؤف ثم يتقدم علي فيقول يا فلان انا الذي اقررت بولايتي فانا اليوم انفعك ثم يوصي علي (ع) لعزرائيل فيقول له يا عزرائيل هذا من شيعتي و اوليائي ارفق به رفق الام الشفيقة لولدها ثم يوصي له الائمة واحدا بعد واحد فيبشرونه بالخير و دفع المكاره بعد ذلك هذا هو البشري الذي يراه المؤمن في الدنيا قال تعالي ان الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملئكة الاتخافوا و لاتحزنوا و ابشروا بالجنة التي كنتم توعدون و البشارة منهم له علي حسب مقامه و مقتضي درجته من المعرفة و الكمال فلما وصوا لعزرائيل يقول عزرائيل يا ساداتي انا له ابر له من والد عطوف و ام شفيقة فعند ذلك يقومون فيصعدون و يقعدون في ظل قصر المؤمن فاذا يكون المحتضر يحد نظره الي جانب سقف البيت الي جانب العلو تدمع عينه اليسري لان القلب في الايسر و الحرارة و الرطوبة انما هي في جانب القلب و لم‌يبق من الرطوبة الا في الجملة فيخرج الباقي اذا فهنالك يقول له عزرائيل أتدري ان هذا القصر المرئي في الجنة لك و هؤلاء ائمتك مستظلون بظله فلما نظر المؤمن و هو يشتاق [ص 49] اليهم (ع) و لكنه في قلبه شئ من حب الدنيا فعند ذلك تموج بحر اللطف فتهب علي المحتضر ريح من رياح الجنة تسمي بالمشوقة فلما هبت عليه يشتاق المحتضر الي الجنة ثم تهب عليه ريح اخري اسمها المنسية فينسي جميع احوال الدنيا و اوضاعها و اهلها و مالها و ما منها و فيها كلها ثم تأتيه ريح مسخية فتسخيه ببذل روحه فيظهر عزرائيل علي صورة جميلة حسنة فيقول له المؤمن يا ملك الموت عجل بي في قبض روحي فيقبضها علي اسهل ما يكون فيخرج روحه كاخراج الشعر من الدهن بل يجذبها كانجذاب الحديد للمقناطيس بل كانجذاب المحب للمحبوب هذا لمن كان ماحضا ايمانه و خالصا اذعانه بالائمة المفضال عليهم سلام الله الملك المتعال فله البشري قال تعالي ان الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا قال ابوعبدالله (ع) اي استقاموا علي الائمة واحدا بعد واحد تتنزل عليهم الملائكة الاتخافوا و لاتحزنوا و ابشروا بالجنة التي كنتم توعدون ، هذه البشارة عند الموت كما في تفسير علي بن ابرهيم ورد ان رسول الله صلي الله عليه و آله قال لملك الموت يا عزرائيل اجعل الم موت المؤمنين وقت ما تقبض روحهم علي لانهم لايطيقونه لضعف بنيتهم و فتور كينونتهم هذا لمن لم‌يكن مضطربا في ايمانه بل يكون مطمئنا غاية الاطمينان و الثبات فلما قبض المؤمن تكون روحه عند الموت جنينا كيوم ولادته الدنيوية فتترقي روحه شيئا فشيئا في درجات الآخرة و مراتب الجنان الي ما شاء الله الي غير النهاية كما ان الآخر المقابل يتسافل في دركات الهلاك و اعلم ان الترقي في كل شئ من [ص 50] نوع ذلك الشئ و سنخه فكل شئ يكمل في رتبته لايخرج منه الي سواه و الا لم‌يكن ذلك الشئ ذلك الشئ فالترقي تدريجي آنا فآنا علي خلاف ما قالوا ان العقول كمالاته فعلية ليس لها حالة منتظرة فقالوا ان الكمالات التدريجية انما هي في دار الدنيا لاهلها و اما في المجردات الدهرية فلا لانها لا زيادة لها و هذا القول باطل ضرورة ان العقول و المجردات حادثة و الحادث ممكن و الممكن لايستغني عن المدد بحال و الا لانعدم او انقلب واجبا بل الممكن يستمد دائما و العجب انهم قالوا ان الشئ مستغن في ذاته و مفتقر في جهة بقائه و حفظه و اما نحن فنقول ان الممكن ذاتا و صفة محتاج فبعد خلقه في الافتقار كقبل خلقه فقبل ايجاده لم‌يكن ثم كان بايجاده تعالي فكذلك هو في خلق جديد و القول بان الشئ مستغن في النصف الاول اي الوجود اي الذات و محتاج في النصف العرضي الذي هو حفظه كلام ظاهر البطلان كما علم مما سبق ان الحادث لايستغني عن المدد بل هذا اشرف المخلوقات محمد بن عبدالله (ص) لازال يستزيد من ربه تعالي قال (ع) لو لم‌نزد لنفد ما عندنا ، و اما استزادته صلي الله عليه و آله بصلواتنا فجماعة قالوا ان محمدا و آل‌محمد بلغوا في مقام الكمال الامكاني الي رتبة لم‌يكن فوقه مقام و الا لاستلزم ان يكون الله ناقصا جزءا (ظ) كما قال ذلك الآخوند اليزدي المدعو بملا اسمعيل عقدائي ما هذا لفظه : پيغمبر آخر الزمان (ص) كاسه قابليتش پر شد كه ديگر جاي ندارد كه استمداد كند ، و هذا الكلام كما تري ، فالحق هو ما صرنا اليه من الترقي مطلقا اي لكل ممكن في العوالم كلها و [ص 51] الا لخرج الامكان عن كونه ممكنا الي ما ليس كذلك او ينعدم و هذا هو الذي يساعده العقل الصراح و النقل الصحاح و انه يوافق المذهب و الدين فالشئ كائنا ما كان و بالغا ما بلغ يترقي بالاسباب من العمل و العلم في الذات و الصفات و الجواهر و الاعراض و اما حفظه فدائما يحتاج الي بدل ما يتحلل كالسراج و هذا هو البقاء و الوجود كلا نمد هؤلاء و هؤلاء من عطاء ربك و ماكان عطاء ربك محظورا فجميع الخلق في جميع المراتب و المقامات يترقي سواء كان في الذات و الحقيقة او الصفات و العرض ( الاعراض خ‌ل ) ثم اعلم ان مدد كل شئ من سنخ ذلك الشئ و نوعه يعني ان مدد الجماد جمادي و النبات نباتي و هكذا علي اختلاف انواعها و تري الجبال تحسبها جامدة و هي تمر مر السحاب اذ الجبال محتاجة الي المدد آنا فآنا و اما كيفية استمدادها كمدد الطفل في بطن الام اذ طور هذا الاستمداد غير طور الاستمداد الخارجي و الحاصل ان الحادث لايستغني عن المدد و مدده من سنخه كالولد في الرحم اذ الولد اذا كان ذكرا يكون ذكرا في الدنيا و ان كان انثي فانثي فكل نوع يترقي في الكمالات و المراتب و المقامات من نوع ما كان هو عليه فكذلك اذا مات حرفا بحرف لان الدنيا مزرعة الآخرة و انه ماتري في خلق الرحمن من تفاوت يعني في الترقيات فان قلت ان الترقي انما يحصل بالكسب و العمل فاذ ليس فليس و لا شك ان دار الآخرة دار الجزاء لا دار العمل قلت ان دار الآخرة تكليفها و عملها علي حسبها و العمل و الكسب عبارة عن جهة القبول و الاستمداد فكلما تكون جهة القبول و المهية [ص 52] موجودة كان الترقيات موجودة و انت عليم بان المهية التي هي جهة الاكتساب لاتعدم ابدا ضرورة عدمها يستلزم عدم الشئ لانا قد برهنا بالادلة العقلية و النقلية بان الشئ مركب من الوجود و المهية فليطلب من مظانه فالاستزادة و الاستمداد الحاصلة انما هي في الذات و الصفات و الاطوار و الاحوال كلها من دون تخصيص و من المعلوم عند اهل الله ان الكمالات الامكانية كلها تدريجية لا دفعية و الا فينقلب واجبا لانه تعالي كمالاته فعلية حاضرة من غير حالة منتظرة و الممكن بخلافه فمن ذهب الي استغناء الممكن في الذات او يقول به له بحال من الاحوال فقد اثبت ذلك له في جميع الاحوال و هو باطل محال فلما بطل هذا علي سبيل الاطلاق ثبت بطلان قول من ذهب الي استغناء محمد بن عبدالله صلي الله عليه و آله حيث قال انه (ص) لايترقي بدعائنا و صلواتنا و لا بغير ذلك من الامدادات الالهية لان كلما يتصور في الامكان من الكمالات فقد حصل فيه عند ايجاده و الا لزم نقصه المستلزم لنقص الصانع تعالي فالتالي باطل و المقدم مثله و اما نحن فنقول ان الكلام هذا منحل الزمام و انه منهدم الاركان لدي اهل المعاني و البيان لان الضرورة قاضية ناهضة علي حدوثه (ص) بل المسلمون قاطبة قائلون بذلك من غير نكير و لا ريب في ان الحادث اذا لم‌يستمد يفني و يعدم كما انك لو لم‌تتغذ تموت فكذلك الارواح و المجردات ضرورة ان كل شئ يفتقر الي بدل ما يتحلل الذي كناية عن الاستمداد سواء فيه الارواح و الاجساد بناء علي هذه المقدمة الصريحة الضرورية نقول ان محمدا (ص) و آله (ع) يستزيدون بدعائنا لهم و [ص 53] صلواتنا عليهم و ارفع درجته و قرب وسيلته اللهم صل علي محمد و آل‌محمد . مسئلة يجب لنا التنبيه عليها و هي ان العلماء قد اختلفوا فقالوا ان الترقي هل هو له (ص) لنفسه او له باعتبار انواره و فروعه بمعني ان دعاءنا يوجب الترقي لنا لا له (ص) و الحق الذي يساعده العقل السليم و الاعتبار المستقيم انه له لا لنا لما قلنا ان الحادث في نفسه محتاج الي مدد هو فاقده و الا لزم الاستغناء المحال في حق الحادث الذي من شأنه الاستمداد لازال و قد عرفت حكمه و ايضا قد تبين من هذا الحكم بطلان قول من ذهب الي احتياج الشئ في البقاء دون الايجاد في الوجود لان الوجود قد حصل بالايجاد فافتقاره الي المدد ثانيا و ثالثا و هكذا تحصيل للحاصل و ذلك كما تري نعم انما الافتقار الي المدد لاجل الحفظ و البقاء فمما كررنا و رددنا ثبت لمن صفت بنيته و حسنت طويته ان الامكان بقول مطلق محتاج الي المدد و الا يكون واجبا و ثبت بطلان قول من ذكر بان الشئ انما يفتقر الي المدد في فعله و حفظه دون ذاته لان ابقاء الشئ خارج عن نفس مهيته التي في ذاته واجب فلما بطل الاستقلال في حق الممكن في جميع الاحوال جاء الاستمداد و الاستزادة في الحقيقة و الافعال ثم ثبت ان الحكم ثابت للمجعول الاول و غيره من دون فرق في المقام اذ الامكان معني واحد بلا كلام و الشئ كائنا ما كان لازال يسير الي الله بلا نهاية كما يؤيد ما قلنا قوله تعالي في القدسي حيث قال كلما رفعت لهم علما وضعت لهم حلما ليس لمحبتي غاية و لا نهاية ، و تري الجبال تحسبها جامدة و هي تمر مر [ص 54] السحاب و قال تعالي مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة اصلها ثابت و فرعها في السماء تؤتي اكلها كل حين باذن ربها فكلما كان التوجه و الاقبال اكثر يشرق شمس صبح الازل اكثر و لا شك في الائمة (ع) بان توجههم الي الله تعالي اكثر من المخلوقات كلها فلا احد اكثر توجها منهم و لا اخضع قط الاسمعت قول مولينا الحسين (ع) حيث يقول الهي من كانت محاسنه مساوي فكيف لاتكون مساويه مساوي الهي من كانت حقايقه دعاوي فكيف لاتكون دعاويه دعاوي و قال علي بن الحسين عليه السلام انا مع ذلك اقل الاقلين و اذل الاذلين بل مثل الذرة او دونها ، حتي قال تعالي لنبيه ليس لك من الامر شئ فهم (ع) لازال مفتقرين عاجزين ذليلين في جميع مراتبهم فلايملكون لانفسهم نفعا و لا ضرا و لا موتا و لا حيوة و لا نشورا و لكن لما عبدوا الله تعالي بكلهم و خضعوا له بجميع مراتبهم اعطاهم الله نفسه بكله آتاكم الله ما لم‌يؤت احدا من العالمين . تنبيه و ليعلم انهم عليهم السلام من اعظم فضائلهم و اشرف مقاماتهم الجمع بين المقامين المتضادين احدهما العبودية ضرورة انهم (ع) قد وصلوا في هذا المقام الي محل طمع فيهم كل احد حتي قتلوهم و نهبوهم و سبوهم و عاملوا معهم ما لايعامل احد من عرض الناس مع غيره و ثانيهما مقام الولاية و التصرف و الهيمنة و القهارية و الجبروت لانهم (ع) في هذا المقام وصلوا الي محل جعلهم الناس اربابا من دون الله فالناس في حقهم (ع) بين افراط و تفريط ، و صلي الله علي محمد و آله .

[ص 55]
اليوم التاسع من شهر رمضان من شهور سنة

١٢٥٧

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الله تعالي : ان اول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا و هدي للعالمين فيه آيات بينات مقام ابرهيم و من دخله كان آمنا و لله علي الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا و من كفر فان الله غني عن العالمين .

قال عز من قائل : و من دخله كان آمنا ، ان الكلام كان في ترقي الخلق فنقول ان الموجودات باسرها تترقي متعالين في الدرجات او متسافلين في الدركات كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها و لدينا مزيد لاهل عليين ، هيهنا مسألة اختلف القوم فيها اختلافا بينا و ذكروا من الطرفين ادلة و براهين و تلك المسألة هي هذه : ان الاشياء بانفسها تترقي مطلقا ام في الابقاء و الحفظ دون الوجود ثم ان الائمة عليهم السلام يترقون و هم اشرف الامكان بحيث لايتصور اشرف منهم ام لا فنقول انه قد اختلف العلماء الاعلام في النفي و الاثبات بالنقض و الابرام فاما المثبتون القائلون برفع الدرجات لهم (ع) بصلواتنا و دعواتنا فقالوا ان صلواتنا و دعواتنا عليهم (ع) تعبد صرف قلنا ان الدعاء لهم (ع) لايخلو اما ان له معني ام لا فعلي الاول يستجاب ام لا فان قلت بانه لايستجاب قلت هذا خلاف وعده تعالي حيث قال ادعوني استجب لكم فيجب ان يستزيد الائمة (ع) فان قلت انك قد قلت انهم (ع) كاملون علي نحو لايقال لو كان كذا لكان احسن فكيف تعقل الزيادة اذا في حقهم (ع) قلنا ان ما قلنا فيهم من الكمال بالنسبة الي غيرهم الذي تحت رتبتهم و مقامهم و اما بالنسبة الي الواجب تعالي فدائما يحتاجون اليه تعالي و يستمدون منه كما قال السيد السجاد (ع) في الصحيفة المعروفة منه (ع) اللهم اني اخلصت بانقطاعي اليك و اقبلت بكلي عليك و صرفت وجهي عمن يحتاج الي رفدك و قلبت مسألتي عمن لم‌يستغن عن فضلك و رأيت [ص 56] ان طلب المحتاج الي المحتاج سفه من رأيه و ضلة من عقله فكم قد رأيت يا الهي من اناس طلبوا العز بغيرك فذلوا و راموا الثروة من سواك فافتقروا و حاولوا الارتفاع فاتضعوا فصح بمعاينة امثالهم حازم وفقه اعتباره و ارشده الي طريق صوابه اختباره فانت يا مولاي دون كل مسؤل موضع مسألتي و دون كل مطلوب اليه ولي حاجتي الدعاء ، فهم (ع) فقراء الي الله قال عز من قائل يا ايها الناس انتم الفقراء الي الله و الله هو الغني قال (ع) نحن الناس فقرهم الي الله سبحانه اكثر من فقر غيرهم اليه تعالي لانهم عليهم السلام لهم فقر بالنسبة الي استمدادهم من ربهم لانفسهم و فقر لامدادهم لنا و لا ريب في فقرهم الي الله تعالي كما هو وارد في الادعية المروية عنهم و المناجات المأثورة منهم كلها علي الحقيقة دون ان يكون هضما لانفسهم بل من حيث العبودية و الخضوع منها قوله (ع) و كم من موبقة حلمت عن مقابلتها بنقمتك و كم من جريرة تكرمت عن كشفها بكرمك الهي ان طال في عصيانك عمري و عظم في الصحف ذنبي فما انا مؤمل غير غفرانك و لا انا براج غير رضوانك الهي افكر في عفوك فتهون علي خطيئتي ثم اذكر العظيم من اخذك فتعظم علي بليتي آه آه ان انا قرأت في الصحف سيئة انا ناسيها و انت محصيها فتقول خذوه فيا له من مأخوذ لاتنجيه عشيرته و لاتنفعه قبيلته آه من نار تنضج الاكباد و الكلي آه من نار نزاعة للشوي آه من غمرة من لهبات لظي الدعاء ، و اما النافون فقد قالوا ان الاثر لايؤثر في المؤثر كما ان النور لايؤثر في المنير كيف و انهم [ص 57] الكاملون و الا يلزم نقص الحق تعالي فالزيادة راجعة الينا لا اليهم لقوله (ع) و جعل صلواتنا عليكم طيبا لخلقنا و طهارة لانفسنا و تزكية لنا و كفارة لذنوبنا الزيارة ، و اما نحن فنقول ان ائمتنا (ع) ممكنون حادثون محتاجون الي المدد آنا فآنا لان الحادث لن‌يستغني عن المدد بحال من الاحوال فعلي هذا كان ائمتنا (ع) يزيدون في انفسهم و بدعاءنا و صلواتنا نعم لايزيدون في ذواتهم و انما يزيدون في افعالهم و انوارهم اي يزيدون في شوكتهم و سلطانهم و نحن تلك الشوكة و السلطنة و هذا معني قوله (ع) و جعل صلواتنا عليكم و ما خصنا به من ولايتكم طيبا لخلقنا و طهارة لانفسنا و تزكية لنا و كفارة لذنوبنا ، و اعلم انه لايجوز لنا ان ندعو لانفسنا بل ندعو لهم (ع) لانا منهم كالنور من المنير و النور عدم عند المنير و اما نبينا (ص) فقد ورد انه يدعو لنفسه اولا ثم يدعو لرعيته لانهم انما بقاؤهم بوجوده (ص) ورد ان نبينا (ص) ذات يوم من الايام قال هذه ساعة يستجاب فيها الدعاء و كان عنده جماعة من الصحابة دعا كل واحد منهم علي مقتضي مقامه و اهويته المختلفة و ميولاتهم الغير العديدة (كذا) من امور دنياهم و حوائجهم الباطلة الزائلة قال النبي (ص) عند ذلك لو كان اويس حاضرا ليدعو فلما رأوه الصحابة فقالوا له يا اويس ماكنت تسأل عن حاجتك في تلك الساعة قال كنت اسأل اللهم ابق لنا هذا النبي الي آخر الدهر ، فلو بقي كذلك كان يرقي كينونات الخلق الي اعلي المقامات و اسني الدرجات لكن حيث كان الناس يعتقدون بربوبيتهم ان بقوا مدي الدهر مع هذا تري الناس قالوا في حقهم (ع) بالربوبية مع [ص 58] ارتحالهم من هذه الدار الي دار الآخرة فلما لم‌تقتض المصلحة لبقائهم ابد الآبدين ارتحلوا من هذه الدار الي اخري و بالجملة كان الكلام في ان الزيادة حاصلة لجميع الخلق مطلقا نزولا و صعودا و وصل الكلام الي ان دعائنا بالنسبة اليهم (ع) هل يؤثر فيهم (ع) في زيادتهم في ذاتهم ام لا فالحق انه لايزيدون في ذاتهم (ع) لان الاثر لايجوز ان يكون واسطة للمؤثر كما ان الشعاع ليس واسطة للمنير و الا للزم الطفرة الباطلة نعم صلواتنا و دعاؤنا انما يزيد في سلطانهم و ولايتهم و شوكتهم و ليست شوكتهم الا رعيتهم يعني صلواتنا و دعواتنا عليهم طلب اصلاح انفسنا حتي نكون مستشرقا بولايتهم بحيث يظهر فينا ما ظهر فيهم (ع) كما قال في الحديث القدسي اطعني اجعلك مثلي انا اقول للشئ كن فيكون و انت تقول للشئ كن فيكون ، فلايزدادون بدعائنا لعدم تأثير الاثر في المؤثر و ان كانوا هم (ع) يزدادون في ذواتهم و ترقياتهم في توجهاتهم و اقبالاتهم الي ربهم لكنا نحن لاندرك زياداتهم (ع) و ترقياتهم كما لاندرك ساحل البحر العظيم اذا وقفنا بالساحل منه ثم لاندرك الزيادة منه كلما ازداد فالصلوة لزيادة نور رعيتهم كما انه اذا كان هناك بيت زجاجي يظهر فيه نور الشمس اكثر مما لم‌يكن كذلك و كذلك يزيد في نوره و اشراقه اذا كان البيت من البلورة و لا ريب ان ظهور النور في البلورة اكثر مما يظهر في الحجارة و لا ريب ان العالم كله بيتهم (ع) اعطاهم الله اياه و جعل لهم سلطانا علي العالم كله بل العالم [ص 59] انما هو سلطانهم و شوكتهم حتي ان النار هي دار غضبهم و دار قهاريتهم و لذا ورد انه عليه السلام يقول للنار خذي هذا و ذري هذا و ورد ان قوله تعالي القيا في جهنم كل كفار عنيد خطاب لمحمد و علي عليهما السلام و ايضا كلما ندرك منهم (ع) في ترقياتهم مما نري في عالم الرجعة و البرزخ و القيمة مع تلك الجلالة العظيمة و السلطنة الكبري لان هذا الترقي انما هو باعتبارنا نحن لا باعتبارهم هم (ع) لانهم هم في الدنيا و في الرجعة و في القيمة لايزيدون زيادة نحن ندركها بل الترقي فيما نريهم عليه من المراتب و المقامات في منبر الوسيلة و في درجات الجنان الي ما شاء الله كل ذلك باعتبار الترقي الحاصل لنا كما ان العين اذا كانت ارمد لاتدرك الشمس كما هي مع كونها موجودة ثم تدركها شيئا فشيئا كلما تصح العين و تحد في ادراكها و الشمس هي هي في جميع الاحوال قبلها و بعدها و هي علي حالة واحدة فما نحن في المثال الا كعين ارمد و الشمس حرفا بحرف في معرفتهم (ع) باعتبار ترقياتهم الظاهرة لنا في العوالم و المقامات فائمتنا (ع) في الآخرة هم الذين رأيتهم في الدنيا لكن هناك اذا رأيتهم رأيت ثم نعيما و ملكا كبيرا يقال لك كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد و هذا لاينافي ما قلنا من زياداتهم الذاتية بالنسبة الي فقرهم الذاتي الي الله تعالي كما قلنا انهم هم الناس الفقراء الي الله في قوله يا ايها الناس انتم الفقراء الي الله و الله هو الغني و ضمير الفصل و الخبر المعرف باللام يفيدان الحصر فهم يزدادون آنا فآنا مع ذلك قال علي (ع) لو كشف [ص 60] الغطاء لماازددت يقينا ، لانه (ع) بالنسبة الي الحادثات التي هي من نوره لايزيد و له علم بهم علم احاطة لا علم اخبار و اما بالنسبة الي فيضه تعالي و امداده تعالي اياهم بهم منهم فشجرة طيبة ثابتة تؤتي اكلها كل حين باذن ربها من غير نفاد و لا زوال لكنا نحن لاندركهم لانهم القصر المشيد و الجبل الشاهق الشامخ الذي ينحدر عنهم السيل و لايرقي اليهم الطير طير الاوهام و الادراكات و المشاعر و القوي كلها و الدليل علي ما قلنا من عدم ادراكنا اياهم (ع) في ترقياتهم الذاتية الحقيقية ما قال مولينا السجاد في صحيفته و استعلي ملكك سقطت الاشياء دون بلوغ امده و لايبلغ ادني ما استأثرت به من ذلك اقصي نعت الناعتين ضلت فيك الصفات و تفسخت دونك النعوت و حارت في كبرياءك لطائف الاوهام ، و لا شك ان ملكه تعالي هذا حادث فلايبلغ هذا الملك منتهي نعت جميع الواصفين حتي النبي المرسل و الملك المقرب و المؤمن الممتحن قال المجلسي (ره) في عدم معرفة الامام (ع) كما هي فان قلت ان عليا (ع) يقتل في كل ليلة خمسمائة رجل و حددت شجاعته بهذا ماعرفته و انما عرفت مالكا و ان قلت انه (ع) هو قالع باب خيبر ماعرفته و انما عرفت رستم مثلا و ان عرفت انه (ع) يجيب عن كل مسألة مسألة فقد عرفت العلامة مثلا او واحدا من شيعتهم و محبيهم الصادقين الذين قال (ع) و ما من عبد احبنا و زاد في حبنا و اخلص في معرفتنا و سئل مسألة عنا الا و نفثنا في روعه جوابا لتلك المسألة ، و هو اي المجلسي (ره) فتح هذا الباب في معرفة علي (ع) بان من عرفه كذا و كذا و كذا لم‌يعرفه و انما [ص 61] عرف دونه و اما نحن فنقول بان العالي له جهة جامعة مع السافل و له جهة يمتاز بها عن السافل كالانسان مثلا له جهة جامعة مع الجماد يشاركه فيها و يمتاز عنه في اخري و هي النامية النباتية ثم له جهة جامعة مع النبات يشاركه فيها و يمتاز في اخري و هي النفس الحساسة الحيوانية الفلكية ثم له جامعة مع الحيوانات كلها و لكنه يمتاز عنها بالناطقة القدسية فاذا علمت ذلك فاعلم ان عليا (ع) و اولاده له جهة جامعة مع الموجودات كلها و له جهة يمتاز بها عنها فاذا تمهدت هذه المقدمة المتقنة المحكمة الشريفة الكلية التي لايأتيها باطل قط فنقول ان الكمالات المتفرقة الموجودة في الاشياء كلها ثابتة للامام (ع) موجودة تحت سلطانه و قدرته ثم له (ع) جهة يمتاز بها عنها و تلك الجهة فوق ادراك المدركين اذ هي عطاء الله الذي آتاه دون العالمين و خصصه به دون الثقلين كيف لا و هو عين الله و نفسه و سر الله و يده و لسانه و جنبه و علمه ، مثلا اذا قلت ان الارض يحفظها الثور الذي هي علي قرنه تقبل و اذا نسبت الحفظ الي علي (ع) تستبعد مع انك لو لم‌تستبعد حفظ الارض كلها بيده او بقدرته لم‌تعرفه به كما هو و انما عرفت الثور و مثله اذا نسبت حفظ السموات و الارض بل العرش و ما خلقه الله اليه ماعرفته و انما عرفت ملكا من الملائكة الذي جعل العالم علي رأسه و امسكه بيديه من الطرفين كما هو المروي و اذا قلت انه (ع) عالم بالعالم كله علم احاطة كعلم الرجل بالقصعة التي بين يديه او قلت ان العالم لديه (ع) كالدرهمة في كف احد من الناس ماعرفته (ع) و انما عرفت عزرائيل و هكذا فلايعرف [ص 62] الامام (ع) كما هو لاحد كيف يعرفه من هو من نوره مخلوق و هو (ع) ملك الله الذي سقطت الاشياء دون بلوغ امده و لايبلغ ادني مقاما من مقاماته اقصي نعت الناعتين لانه لايعرفه (ع) الا الله و محمد (ص) و قد مضي الخبر و ايضا نقول ان هذه الكمالات المنتشرة في افراد الممكنات كلها من الافلاك و الاملاك و الجن و الانس و سائر الذرات و الكائنات لاتخلو من انها حاصلة لهم (ع) او لمن دونهم او لمن فوقهم و لا رابع فان قيل ان تلك الكمالات لمن فوقهم قلنا انهم (ع) لم‌يسبقهم سابق بالنقل و الضرورة و ان قيل انها لمن دونهم قلنا اذا لم‌يكن لقوله (ع) و لايبلغ ادني ما استأثرت به من ذلك اقصي نعت الناعتين معني لانهم من الناعتين اذ كل من هو دون شئ يكون ذلك العالي محيطا به فيكون عالما بالسافل فلما بطل الاثنان من الاقسام الثلثة ثبت الثالث و هو كونهم (ع) جامعا لجميع هذه الكمالات كما قال (ع) ان ذكر الخير كنتم اوله و اصله و فرعه و معدنه و مأويه و منتهاه ، و الحاصل الحادث كله يترقي سواء كان نورا او منيرا فاما النور فهو امة الاجابة و هؤلاء هم الذين لم‌يكفروا بالايمان اي بعلي (ع) قال تعالي و من يكفر بالايمان فقد حبط عمله و دعوة النبي لم‌يجبه احد الا هؤلاء الفرقة المحقة الذين آمنوا بالله و رسوله و بامير المؤمنين عليه السلام ثم باوالي من والوا و اعادي من عادوا الذين لايشفعون الا لمن ارتضي من رسول و نحن ان شاء الله نفصل معرفة اوالي من والوا الذي هو من شرايط الايمان و اركان التوحيد فان تعريفه واجب علينا فنبينه مشروحا مفصلا من شاء فليكفر و من شاء فليؤمن انا اعتدنا للظالمين نارا و قد احاطت عليهم النار سرادقها ،

و صلي الله علي محمد و آله .

[ص 63]
اليوم العاشر من شهر رمضان من سنة

١٢٥٧

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الله تعالي : ان اول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا و هدي للعالمين فيه آيات بينات مقام ابرهيم و من دخله كان آمنا و لله علي الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا و من كفر فان الله غني عن العالمين .

قال عز من قائل : و من دخله كان آمنا ، كان الكلام في بيان اللطخ بانه اما ان يزول و يضمحل في الدنيا باعتبار الشدائد و المحن و الآلام الدنيوية من الجوع و نقص من الاموال و الاولاد و الانفس و الثمرات و امثال ذلك من البلايا الواردة علي العبد المؤمن بحيث تذهب تلك الآلام باثر اللطخ فلايبقي للآخرة شئ منه فلما صفت كينونته و طهرت بنيته و حقيقته و مراتبه يحضره عند موته الائمة (ع) فيؤل امره الي هذا الامر الذي هو خير عظيم و يأتيه بعد موته في قبره رومان فتان القبور قبل الملكين و الملكان هما اسودان ازرقان رأساهما في السماء السابعة و رجلاهما في الارض السابعة السفلي يخرج من فيهما نار و صوتهما كالرعد لهما شعور سود عيناهما كالمشعلة بيد كل واحد منهما عمود من النار فيسئلانه ما يسألان و هذان الملكان لكل احد من المخلوقين الا لمن مات بحضرة الائمة (ع) و هو علي ولايتهم مات مقرا لفضائلهم معرضا عن اعدائهم عاملا بقولهم عالما بما اعطاهم الله و كرمهم و شرفهم به و هذا الحكم جار في الروضات المقدسات كلها الا ان في مشهد الحسين (ع) الي اربع فراسخ و في غيره في الصحن خاصة و اما الملك النقال فهو لمن كان خارجا من المذهب هذا و اعلم ان الائمة (ع) خلقوا من عشر طين خمسة منها من الدنيا من بيت المقدس و مكة و مدينة و الكوفة و كربلا و شيعتهم المؤمنون منهم فاذا ماتوا في اي بلد يكون ينقل الي محل تربته من الاماكن [ص 64] الشريفة و هذا معني قوله كل مؤمن يدخل الكوفة حيا و ميتا و اما الاول و الثاني فلم‌يكونا في المحل الذي دفنا فيه قال (ع) كلاما ما احسنه انكما لتنبشان و لتخرجان من قبريكما الذين لم‌تدفنا فيهما ، و اما اخراجهما من ذلك الموضع المعروف فلئلاينكر احد من الخلق بانهما ليسا هما ان خرج من غير ذلك الموضع و الا ففي الحقيقة فليسا هناك قط و بالجملة ان الميت لايدفن الا في المحل الذي اخذ ترابه من ذلك المحل بيان ذلك ان نطفتي الرجل و المرأة نقيضتان في الطبيعة لان طبع نطفة الرجل حار يابس طبع النار و نطفة المرأة بارد رطب طبع الماء فلايجتمعان و لايعقدان الا بعاقد له جهتان كالتراب لانه ببرودته يناسب نطفة المرأة و بيبوسته يناسب نطفة الرجل و ذلك التراب في النسبة بقدر ربع النطفتين كما يعلم في علم المكتوم و التراب هو القاضي يحكم بينهما بالتراضي فان زيد التراب علي الربع يكون المولود احمق بليد الفهم كما يكون صاحب الجربزة ان قل عن الربع و هذه التربة يأخذها الملك من الارض و هذا الملك الآخذ واحد من جنود عزرائيل فلما يأمره تعالي يقبضها منها ورد انه شكت الارض الي الله تعالي فقالت يا رب انا عبد من عبادك تنقص (ظ) مني لغيري و لاتسأل انت عما تفعل الا اني انا عبدك و انت ارحم الراحمين و اكرم الاكرمين ، فلما لم‌ترض الارض علي الاخذ منها وعد الله تعالي ان يعيد التراب المأخوذ منها اليها و لن‌يخلف الله وعده و قال و منها خلقناكم و فيها نعيدكم و منها نخرجكم تارة اخري ، هيهنا مسئلة و هي انا نري عيانا ان كثيرا من الاموات ينقلون الي المشاهد المقدسة من [ص 65] بلاد بعيدة كيف يتصور ان يكون ترابهم مأخوذا منها و كذلك كثير من الناس نريهم يموتون في ولايات بعيدة من ولاياتهم فكيف يتصور ان تربتهم مأخوذة من ذلك المحل و الجواب علي الوجه الصواب ان نقل التراب علي انحاء شتي فمرة بتصفيق الرياح و تارة بنقل المأكولات من الفواكه و الاغذية و الادوية و امثال ذلك فيأكله ابواه فيخرج الي محله بعد موته اما بالوصية و ذلك اشرف لانه دخيل لهم (ع) مستجير بهم متمسك بعروتهم او بنقل النقال و هم سبعون‌الف ملك شأنهم النقل ينقلون كل شئ الي محله و الشيعة علي العموم مرجعهم اليهم لانهم من فاضل نورهم و النور مع منيره ابدا و الا لم‌يكن النور نورا و لا المنير منيرا ورد ان المؤمن يدخل الكوفة حيا و ميتا فلايستغربه مستغرب عن الرجوع اليها اذ الكائن حيثما كان كيفما كان يكون في الكوفة لانها وسيعة لا حد لها علي ما ورد و هو ان لامير المؤمنين عليه السلام قبة تظهر في الرجعة لها اربعة اركان ركن في الكوفة و ركن في الحجاز و ركن في البحرين و ركن في اليمن و اما قبة الحسين عليه السلام فاكبر من تلك القبة لانه ورد ان قبته (ع) من ياقوتة حمراء في اطرافها تسعون‌الف قبة خضراء سعة كل واحد من القباب التسعين اكبر من قبة اميرالمؤمنين عليه السلام بعشر مرات و الحاصل كل من يستجير بهم (ع) كان له امان من كل خوف و ان كان ذنبه كذنب اهل العالم كله قيل ان العرب اذا استجيروا باطناب خيامهم فاجاروه و انت يا مولاي سيد العرب و العجم هذه الاجارة و الامان و الرجوع و العفو و الصفح لمن هو ثابت في الولاية [ص 66] الي ان يموت و لايكثر في المعصية لان اكثارها يخرج الرجل عن الولاية بالكتاب و السنة اما الكتاب فقد قال تعالي ثم كان عاقبة الذين اساؤا السوءي ان كذبوا بآيات الله فيكذب الائمة عليهم السلام ثم يختم له بالشقاوة العياذ بالله و لاتنفع له حسنة و ينكر فضائلهم و اما السنة فورد ان لكل مؤمن اربعون جنة بكل معصية تهتك جنة من الجنن الاربعين الي ان تتم الجنن فيستره الملائكة باجنحتهم الي ان يتبذخ في المعصية فيأخذ في عداوتنا اهل البيت (ع) و بغض شيعتهم هو بغضهم عليهم السلام و منكر الفضائل و منكر الحقايق سيان فالواجب للمؤمن الخالص الاقرار بفضائلهم (ع) بجميعها اجمالا و تفصيلا بجميع ما يري و يسمع يدرك او لم‌يدرك الا اذا كان فيها اثبات الربوبية لهم او الشراكة لهم مع الله او الوكالة او التفويض اليهم في الخلق و الرزق و الموت و الحيوة او اثبات شرافة الامام (ع) علي النبي (ص) بانه (ع) اشرف منه (ع) فانه لو ادعي احد من الناس واحدا من المذكورات المنهية فاحث التراب في فيه فانه ضل و غوي و كذب و افتري لانه خرج عن المذهب و الاسلام و دخل في الكفر التمام و اما ما سوي ذلك فقل ما تشاء فانك مأمور بذلك كما قال (ع) نزلونا عن الربوبية و قولوا فينا ما شئتم فلن‌تبلغوا ، و بالجملة علامة الايمان و التشيع و علامة انه ممن لاينقله الملك من المشاهد المشرفة الي خارجها هي الاقرار بهم (ع) و بما ورد عنهم و التسليم لما صدر عنهم كما انه نص منهم في دعاء المعروف بالاعتقادات نقله ابن‌طاوس في مهج‌الدعوات و غيره في غيره عن مولينا الكاظم عليه السلام الي ان قال [ص 67] و ان عليا اميرالمؤمنين و سيد الوصيين و وارث علم النبيين و قاتل المشركين و امام المتقين و مجاهد الناكثين و القاسطين و المارقين امامي و حجتي و عروتي و صراطي و دليلي و محجتي و من لااثق بالاعمال و ان زكت و لااراها منجية لي و ان صلحت الا بولايته و الايتمام به و الاقرار بفضائله و القبول من حملتها و التسليم لرواتها الدعاء ، و قال (ص) كما في خطبة يوم الغدير و الجمعة ان لعلي بن ابيطالب عليه السلام فضائل لايمكن احصيها في مجلس واحد الا من اتاكم بشئ منها فصدقوه ه‍ ، فيجب لنا تصديقه (ص) بفضائله و اما انكارها فقد اخبر عن ذلك في كتابه العزيز انهم لايكذبونك و لكن الظالمين بآيات الله يجحدون و لا شك انهم (ع) آيات الله الباهرة و دلائله الظاهرة فانكار فضائلهم يستلزم احد امور ثلاث احدها كذب النبي صلي الله عليه و آله فيما اخبر به عنه و ثانيها عجز الرب القادر علي كل شئ و ثالثها انهم (ع) ليس لهم قابلية لهذه الفضائل و الكمالات فكل واحد من الثلثة ينادي باعلي صوت لمنكره بالكفر مع ان الله تعالي آتاهم الله ما لم‌يؤت احدا من الخلق آتاكم الله ما لم‌يؤت احدا من العالمين طأطأ كل شريف لشرفكم و بخع كل متكبر لطاعتكم و خضع كل جبار لفضلكم و ذل كل شئ لكم فلو فرض فارض التساوي لاحد من الخلق معهم في شئ من الاشياء من الفضل و الكمال لماكان لقوله عليه السلام و ذل كل شئ لكم ، معني اصلا و لكن الناس لايتحملون فضائل علي اميرالمؤمنين عليه السلام و ولايته لانها كبيرة عليهم قال تعالي و استعينوا بالصبر و الصلوة و انها لكبيرة الا علي الخاشعين [ص 68] الذين يظنون انهم ملاقوا ربهم و انهم اليه يحشرون قال (ع) الصبر رسول الله (ص) و الصلوة ولايتي قال و انها لكبيرة و لم‌يقل و انهما لان رسول الله (ص) اقر به المسلمون اجمع و اما علي (ع) فقد اختلفوا فيه كلا سيعلمون بعد حين ثم لا ريب في ان الاقرار بانهم (ع) اشرف الخلق و احسنهم هذا من ضروريات المذهب فثبت لهم (ع) ما ثبت للخلق و ما لم‌يثبت لما قلنا آنفا ( سابقا خ‌ل ) بان الامام له جميع ما للخلق من الكمال و الزيادة لايقال ان هذه الصفات و الفضائل التي تنسبونها الي الامام (ع) و تثبتونها له (ع) هذه صفات الله تعالي لانا نقول من لم‌يفرق بين صفات الخلق و صفات الخالق فليس بمسلم قال عليه السلام توحيده تمييزه و قال عليه السلام و كنهه تفريق بينه و بين خلقه و غيوره تحديد لما سواه ، و قال (ع) كل ما ميزتموه باوهامكم في ادق معانيه فهو مخلوق مثلكم مردود اليكم ، و قال (ع) الطريق مسدود و الطلب مردود ، ثم انا قد اثبتنا بالبراهين القطعية من العقلية و النقلية ان صفات الله عين ذاته و ذاته لايدرك و لايحاط و اثبتنا ان كل ما ندركه فهو صفة فعله تعالي او صفة صفة فعله و هكذا و لا ريب في ان هذا ثابت بضرورة المذهب و الايمان فانكاره يوجب الخسران و بالجملة كان الكلام في المستجير بذمتهم عليهم السلام فنقول ان اللائذ بهم (ع) و المستجير بذمتهم (ع) يطهر عن المعاصي و لو كان آتيا بمعصية الثقلين لان مثاله حينئذ كالنجس المرمي في البحر العظيم لانه يطهر لا محالة الا ان الخوف كل الخوف في الادمان بها اذ ادمانها يوجب الخلود بعد ان يخرجه من الولاية و بعد ان يأخذ [ص 69] العاصي في بغضهم و انكار فضلهم فيخلد ابد الآبدين ثم كان عاقبة الذين اساؤا السوءي ان كذبوا بآيات الله كما سبق نستجير بالله من هؤلاء المنكرين يدعون انهم من محبيهم (ع) ثم بعد ذلك يشمأزون اذا سمعوا فضيلة من فضائلهم و هل هذا الا طغيانا و كفرا مبينا مع ان شرط المحبة الاستبشار و الفرح اذا سمع شيئا من كمالات المحبوب (ع) و يحلفون بالله انهم لمنكم و ما هم منكم و لكنهم قوم يفرقون لو يجدون ملجأ او مغارات او مدخلا لولوا اليه و هم يجمحون ، و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين .

[ص 70]