[ص 1]

مواعظ سنة ١٢٥٧ في شرح قوله تعالي ان اول بيت الآية

من تقريرات السيد الاجل الاوحد المرحوم

السيد كاظم بن السيد قاسم الحسيني الرشتي اعلي الله مقامه

[ص 2]
اليوم الاول من شهر رمضان من سنة

١٢٥٧

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الله تعالي : ان اول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا و هدي للعالمين فيه آيات بينات مقام ابرهيم و من دخله كان آمنا و لله علي الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا و من كفر فان الله غني عن العالمين .

* * *

هذه الآية الشريفة الآن مدة ثمانية سنوات تكلمنا في تفسيرها في الوجه الثاني الذي يتعلق بباطنها من الوجوه الغير المتناهية الي ان بلغ الكلام في تفسير قوله و من دخله كان آمنا فقلنا ان المراد من هذا البيت هو بيت الشرف و بيت السؤدد و بيت العلم و بيت المعرفة و بيت الكمال و بيت الجلال و بيت الرفعة و بيت المجد و بيت العزة و بيت القدس و بيت الرحمة و بيت الهيمنة و بيت الاستعلاء و الرفع اذن الله ان ترفع و بيت الجمع و بيت الشمول و البيت المعمور الذي حوي جميع ما اراد الله تعالي من خلقه في جميع العوالم من جميع الاحوال و الافعال و الاكوار و الادوار و هم بيت العلم و هو بيت الله ، ماوسعني ارضي و لا سمائي و انما يسعني قلب عبدي المؤمن ، قالوا اذا تعذرت الحقيقة فاقرب المجازات متعين و لا شك ان بعد تعذر الحقيقة في ان يكون هذا القلب حاويا لها يكون هذا القلب حاويا لجميع الافعال الخلقية و الصفات الربوبية من الاسماء و الصفات الامكانية الحادثة مطلقا فيكون هذا القلب بيتا و محلا للصفات الالهية و الاسماء الربانية فيكون هذا البيت اشرف البيوت اذ هو محل معرفة الله فلا بد ان يكون هذا البيت اوسع البيوت و احسنها و اشرفها و اكملها و لا شك ان عليا (ع) [ص 3] قلب لرسول الله (ص) و بيت لعلمه و لا شك ان عليا اميرالمؤمنين هو الذي وضع ببكة مباركا فيه آيات بينات فلما كان هو عليه السلام بيت الطهارة و القدس و مأوي النظافة و الانس نقول ان الداخل في هذا البيت لايجوز ان يكون نجسا لا ظاهرا و لا باطنا سواء كان نجاسة مسرية ام لا و سواء كان حصول النجاسة من الجنابة او من المحيض او من الحدث الاصغر او من غيرها فانه اذا كان كذلك لايجوز له الدخول فيه ابدا لان الدخول له شرايط فاذا تحققت حصل الدخول و اذا تحقق الدخول كان آمنا فاذا علمت ما اشرنا اليه فاعلم ان للانسان جسم و روح و له غيب و شهادة و لا ريب ان احكام الغيب و احكام الشهادة متطابقة لكون وحدة امر الله و ما امرنا الا واحدة فلما لم‌يجز الدخول الا لمن كان ظاهر جسده طاهرا كذلك لايجوز الدخول الا لمن يكون باطن جسده يعني روحه طاهرا فلما كانت الروح طاهرة من الارجاس و الاخباث و مطهرة من الانجاس حصل شرط الدخول فالداخل يري سر المقام ثم حقيقة الركن و حقيقة حطيم و يري سر المنبر و يري حقيقة معني امانتي اديتها و ميثاقي وافيت بآدابه الخ ، و هذا الداخل الذي طهر باطنه يشاهد سر الكلمة اي سر تفاصيل اوضاع البيت و احوالها كلها فهو اذا امن عن جميع الاهوال و الشدايد مطلقا و لا ريب ان ابن‌زبير دخل مكة و قتل في البيت فليس المراد بالدخول هذا المعني الظاهري بل له شرايط كما سنذكرها لك و نتلوها عليك ان شاء الله تعالي ثم اعلم ان من لم‌يأت بالشرايط الباطنة و الظاهرة معا لم‌يدخله ابدا لان هناك ملائكة غلاظ شداد يمنعونه عن [ص 4] الدخول فمن راعي الشرايط و وافي بها دخله ظاهرا و باطنا و الداخل الحقيقي الواقعي الحاضر قلبه يري ان رسول الله (ص) و الائمة الطاهرين (ع) و الانبياء كلهم هناك خاضعين خاشعين ذليلين منقادين ساجدين فيخشع حينئذ قلبه فكيف يجتري بعدم الخضوع مع مشاهدة حقيقة الجلال و كيف يجسر في مخالفته مع تلك الحال لانه يري الامام (ع) ورد ان موسي (ع) لماسأل ما سأل تجلي له ربه بقدر سم الابرة مات بنواسرائيل و اندك الجبل و خر موسي صعقا و قد كان النور من رجل من شيعته (ع) فما ظنك بنور الامام (ع) نفسه و لا شك ان نور جسد الامام (ع) و حضور روحه (ع) في البيت اعلي و اعلي لكن هيهنا اجسام لا ارواح لها فلايرون ما اراهم الله و لايسمعون و لايعقلون اموات غير احياء فهم لايشعرون نعم ظنوا شيئا و لكن الظن لايغني من الحق شيئا فان الايمان ليس بالظن و التخمين و انما هو بالقطع و اليقين و لايكون الايمان و اليقين الا بالعمل قال (ع) يقين المرء يري في عمله ، و الحاصل هذا البيت بيت الله الذي قال ماوسعني ارضي و لا سمائي و انما يسعني قلب عبدي المؤمن ، فهذا البيت لايدخله الا من كان اولوا روح طيبة طاهرة و اما دخول البيت من غير دخول الروح فليس الدخول دخولا لأن هناك ملائكة غلاظ شديد ( شداد ظ ) اذ يمنعونه عن الدخول فالداخل له آداب و شرائط فمن دخل بآدابها و شرايطها يعرف البيت و صاحبه و مقاماته و لكن الداخلين قليلون و المؤمن قليل و المؤمن قليل و انما نجري احكام الايمان علي هؤلاء المؤمنين لاجل الايمان الظاهري و الا فهم ليسوا [ص 5] بمؤمنين في الحقيقة و اليه الاشارة بقوله تعالي و اذا رأيتهم تعجبك اجسامهم و ان يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله اني يؤفكون فهؤلاء همج رعاع و هم البهائم قال الباقر عليه السلام الناس كلهم بهائم الا المؤمن و المؤمن قليل و المؤمن قليل و قال (ع) المؤمنة اعز من المؤمن و المؤمن اعز من الكبريت الاحمر و هل وجد احدكم الكبريت الاحمر ه‍ ، و هؤلاء هم الذين قال الله فيهم لهم قلوب لايفقهون بها و لهم آذان لايسمعون بها و لهم اعين لايبصرون بها اولئك كالانعام بل هم اضل اولئك هم الغافلون فليس لهم قلب مخلوق يعني لايلتفتون الي ما يريد الله تعالي منهم من المعارف و الاعمال و الدليل الي انهم لاتلتفتون ( لايلتفتون ظ ) الي تكاليفهم المرادة منهم هو هذه الابداعات منهم و دقايقهم المرعية لديهم في الامور الدنيوية فلو كانوا هؤلاء متوجهين مقبلين الي ربهم ناظرين الي صانعهم و بارئهم بصفاء سريرتهم و حسن طويتهم و كينونتهم لكانوا واصلين داخلين و لكان لهم نور اشرق من نور الشمس فلما لم‌يكونوا داخلين ليس لهم نور و لا لهم ظهور كأنهم الحجارة او اشد قسوة و لا ريب ان الامام (ع) نور اي منير و لا ريب ان الشيعة نوره (ع) اي اشعته و لا ريب ان كل جزء من اجزاء نور الشمس له نورانية كنور الشمس لان الشيعة يحكي امامه (ع) و نور الشيعة به يندك الجبل و يذوب ما في الارض الاسمعت ان نور رجل من شيعته (ع) لما ظهر و تجلي علي الجبل خر موسي صعقا و مات بنواسرائيل و اندك الجبل ثم احترقوا [ص 6] فاذا كان نور الامام (ع) و ظهوره كذلك فما ظنك بالامام (ع) بنفسه ، و الداخل له علامات شاهدة علي انه داخل يقين المرء يري في عمله و الداخل الذي يكون آمنا من جميع الاهوال و الشدائد مطلقا في الدنيا و البرزخ و الآخرة له صفات و علامات يعرف بها فنذكرها فيما بعد ليعرف الداخل من غير الداخل من شاء فليؤمن و من شاء فليكفر من جملة صفاته انه لايلتفت الي غيره (ع) لما يدخل حضرته و يري نفسه بحضرته و من جملتها انه ينزل عليه الملائكة ان الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تنزل ( تتنزل ظ ) عليهم الملائكة و يستقبلونه فيدخلونه بالحرم الشريف فيشاهد ما يشاهد من الجلال و الجمال و العظمة و الكبرياء و الآلاء و لهذا لما وصل الي الباب يقف عندها و يشهد الشهادتين و يكبر مائة مرة علي النحو المأثور لان هذا المقام يقتضي هذا لا غير لعظمته و رفعته و مجده لانه بيت جمع جميع الخيرات كلها فادخلوا الباب و قولوا حطة نغفر لكم خطيئاتكم و سنزيد المحسنين ، و صلي الله علي محمد و آله .

[ص 7]
اليوم الثاني من شهر رمضان سنة

١٢٥٧

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الله تعالي : ان اول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا و هدي للعالمين فيه آيات بينات مقام ابرهيم و من دخله كان آمنا و لله علي الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا و من كفر فان الله غني عن العالمين .

* * *

قال تعالي : و من دخله كان آمنا ، قلنا ان هذا البيت المبارك قد انحصر الامان فيه فمن دخله كان آمنا و الا فلا و قلنا ان هذا البيت المراد به بيت الشرف و بيت الفخر و بيت السؤدد و بيت العلم و بيت الكرم و هو البيت المكرم المعظم و هو اول بيت وضع للناس للذي ببكة و هو هذا البيت الذي من دخله كان آمنا و هذا البيت هو ولاية علي (ع) و معرفته و هو بيت الامان من جميع الحدثان و هو مأمن من كل مكروه و محذور و هو البيت الذي هو القبلة الآن لكل احد من الخلق اجمعين لايؤمن من عذاب الله الواصب الا من دخله فلما نظرنا الي علة الامان رأينا امان كل احد هو اميرالمؤمنين (ع) لان من اقر به (ع) فقد اقر بالنبوة و الربوبية بخلاف من اقر بالنبوة او الربوبية وحدها كما ان كثيرا من الناس آمنوا بالله و بالرسول و لم‌يؤمنوا بعلي عليه السلام فلم‌يك ينفعهم ايمانهم ابدا لان الاقرار بالنبوة بل الاقرار بالانبياء عليهم السلام هو مقدمة للاقرار بالولي الاتري قوله تعالي يا ايها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك في علي فان لم‌تفعل فمابلغت رسالته مع انه (ص) كان يبلغ الناس مدة ثلثة و عشرين سنة لان المراد ببعثة نبينا (ص) هو تبليغ ولايته (ع) و تبليغ الاحكام القرآنية لانها وصف قالي و بيان نقلي لعلي (ع) قال (ع) كل ما في القرآن في الباء و كل ما فيها في النقطة و انا النقطة تحت الباء ه‍ ، و هو (ع) الهداية المشار اليها في قوله تعالي و اني لغفار لمن تاب و آمن و عمل صالحا ثم اهتدي يعني ثم اهتدي الي ولاية علي عليه السلام لانه (ع) هو المقصود من الايمان [ص 8] لان من اقر به اقر بالرسول و من اقر بالرسول اقر بالله من غير عكس و يؤيد هذا قوله (ص) كما رواه اخطب خوارزم عنه (ص) قال قال لما اسري بي الي السماء قال لي تعالي شأنه لو ان عبدا عبدني حتي يصير كالشن البالي ثم يحج مائة‌الف حجة و يعتمر مائة‌الف عمرة و يشبع مائة‌الف جائع و يروي مائة‌الف عطشان و يكسي مائة‌الف عريان و يعتق مائة‌الف نسمة و يجاهد مع رسول الله (ص) مائة‌الف غزوة ثم قتل بين الركن و المقام مظلوما شهيدا و يأتيني بغير ولاية ابن عمك علي بن ابيطالب (ع) لاكببته علي نار جهنم ، نقله الفريقان فاذا كان الايمان منوطا بولاية علي (ع) و الاقرار له (ع) كان جميع الانبياء (ع) مقدمة له (ع) فلايكون المؤمن مؤمنا الا بالتسليم له و الاقرار به عليه السلام و كذلك لايغفر احد و لاتنفع توبة الا به (ع) و اليه ناظر قوله تعالي و لو انهم اذ ظلموا انفسهم جاؤك فاستغفروا الله و استغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما لان الخطاب في جاؤك لعلي عليه السلام بقرينة و استغفر لهم الرسول و الا لكان الانسب ان يقول لاستغفرت فالمراد هو ان الظالم العاصي اذا جاءك يا علي و استغفر الله و استغفر له الرسول يغفر و يتاب عليه و الا فلا كما يؤيد ذلك ما هو في آية اخري حيث يقول استغفرت لهم ام لم‌تستغفر لهم لن‌يغفر الله لهم فلما كان مناط الايمان هو الاقرار لعلي عليه السلام قال فان لم‌تفعل فمابلغت رسالته فلما كان كذلك علمنا ان هذا هو الدين و هو الايمان و هو الاسلام و علمنا ان الداخلين في ولايته قليلون لان الدخول له شرايط و آداب اعظمها و اصلها [ص 9] بل كلها الاقرار لعلي (ع) بظاهر جسده و باطن روحه لان الايمان الكامل هو الاقرار باللسان و العمل بالاركان و الاعتقاد بالجنان فلا كل من آمن لسانا آمن قلبا كما ان كل من دخل المسجد الحرام بجسده دخل بقلبه و انه مأمون من الشدائد و الاهوال و سائر المكاره لانا نقطع و نجزم بان جميع الداخلين في بيت الحرام ليسوا بآمنين من المكاره الدنيوية و الاخروية بل كثير منهم في نار جهنم خالدون و في السقر معذبون و في البرزخ و اهوال القبر و الضحضاح متألمون و الضحضاح هو اهون العذاب و قوله تعالي و من دخله كان آمنا مطلق غير مقيد و لا ريب ان المطلق حجة في افراد الحقيقة كلها فيفيد العموم يعني ان من دخله كان مأمونا من كل شئ من المكاره و الاهوال لان حذف المتعلق دليل علي عموم المتعلق و الا لكان ذكره لازما علي الحكيم يعني آمنا من اهوال الدنيا و اهوال البرزخ و اهوال الآخرة فاذا علمت هذا نقول انه علي ظاهر الآية ترد ايرادات منها انه قد ورد عذاب البرزخ للشيعة مع ان الشيعة دخل بيت الولاية و عذاب المحشر كذلك و هكذا في الدنيا كما تري تعرضه الآلام و الاسقام ثم الهموم و الملمات و النوازل و الزلازل و المكاره و غيرها من انواع البلايا و المحن حتي ان ائمتنا عليهم السلام ابتلوا ببلايا و كرب كالقتل و السبي و النهب فقتلوا و سموا و سبوا و نهبوا و سلبوا و تأذوا و ابتلوا و كذا شيعتهم من الانبياء (ع) و غيرهم من الرعية المخلصين كسلمان و اشباهه مع ان هؤلاء نخبة الوجود و سر الغيب و الشهود و هم (ع) دخلوا [ص 10] هذا البيت قطعا فلولاهم داخلون لم‌يكن لاحد الدخول قط لانه اذا تكليف بما لايطاق فاذا كان الامر كذلك يجب بيان التوفيق بين قوله تعالي و من دخله كان آمنا من جميع المكاره و بين هذه الآلام و الشدائد الواردة علي هؤلاء الكرام عليهم السلام فنقول لهذا الايراد جوابان احدهما قريب الي الافهام و الآخر بعيد عنها في الجملة فاما الاول فلما كان في العالم الاول عالم الذر عرض عليهم التكليف اول من قبل التكليف و اجاب داعي ربه اولا قبل جميع الموجودات هو محمد (ص) كما يؤيد ذلك ما رواه محمد بن جرير الطبري الي ان قال سئل النبي (ص) لم بعثت آخر الانبياء و انت اشرفهم قال (ص) لاني اجبت داعي ربي اولا قبل كل الموجودات ، فاول من سبق في هذا الميدان هو رسول الله (ص) ثم عرض التكليف علي علي عليه السلام فقبل هو كما قبل محمد (ص) ثم عرض علي الحسن ثم عرض علي الحسين ثم عرض علي القائم ثم عرض علي الائمة الثمانية عليهم السلام ثم عرض علي فاطمة (ع) قبل كل واحد منهم علي الترتيب فسبقوا هم (ع) في الاجابة قبل جميع الذرات الوجودية من الغيبية و الشهودية و كان ايمان نبينا (ص) و اقراره بجميع ظاهره و باطنه و سره و علانيته و غيبه و شهوده بشعره و بشره و مخه و عصبه و عروقه و اوردته و جواهره و اعراضه و صفاته و ذاته و فعله و اضافاته و نسبه و كمه و كيفه و زمانه و مكانه و جهته و رتبته و حركاته و سكناته و لحظاته و خطراته و لمحاته و بجميع ما له و منه و به و عنه و فيه و عليه و لديه و عنده و معه و كذلك اقرار علي و اولاده الاحدعشر و فاطمة الصديقة [ص 11] (ع) حرفا بحرف فلما اقروا هم عليهم السلام و ظهرت منهم انوار مشرقة مضيئة استضاء العالم بنورهم و استشرق بحيث لم‌يبق هناك مدلهم غاسق ابدا انكر الاول حسدا و عنادا و بغضا و عتوا انكاره في الاحاطة و الشمول كاقرار رسول الله (ص) يعني انكر بظاهره و باطنه و جهره و علانيته و ذاته و فعله و مجرده و ماديه و اعراضه و جواهره و كمه و كيفه و جهته و رتبته و وجوده و مهيته الخ ، ثم تلاه الثاني في الانكار حرفا بحرف ثم الثالث كالثاني ثم الرابع ثم بنوامية ثم بنوالعباس و قال المنافقون بعد ما رأوا اطاعة ائمتنا و عبادتهم و خضوعهم و خشوعهم لربهم قالوا يا ربنا لو اعطيتنا دولة و خصصتنا بسلطنة كما جعلت لهم (ع) لنطيعك و نعبدك مثلهم يعني قالوا ربنا حيث انك شرفتهم و سلطتهم و كرمتهم و قويتهم و اعطيتهم من الكمالات و الفضائل و جعلت لهم الشوكة و السلطنة و التصرف و التدبير و رزقتهم الصولة و القدرة اطاعوك و فعلوا ما فعلوا و عملوا ما عملوا من الصالحات و الخيرات و المبرات ثم باشروا اوامرك و نواهيك فلو جعلتها اي لو جعلت هذه السلطنة و القدرة و القوة لنا لكنا مثلهم فيما صدر عنهم من الاعمال بعينه كما هو في قضية ابليس و ايوب النبي (ص) حرفا بحرف فاجاب الله سبحانه دعوتهم و اعطاهم مأمولهم و رزقهم مسؤلهم فجعلهم سلاطين اقوياء ثم قدم سلطنتهم علي سلطنة الحق ليعلم الناس بعدهم بانهم كانوا كاذبين في دعويهم بالنسبة الي اطاعة الله مع قدرتهم و تمكنهم عليها حتي لايكون للناس علي الله حجة يعني لما كان الله سبحانه لايجعل لاحد حجة الا و [ص 12] يقطعها جعل لهم الدولة و المكنة في برهة من الايام و لكنه تعالي لم‌يجعل للكافرين علي المؤمنين سبيلا و انما جعل الدولة للمنافقين بعد ما اخذ من الاكابر و المؤمنين من الانبياء و المرسلين التزهد و التورع من هذه الدنيا و الاعراض عن حطامها و لذاتها و ما فيها من المطاعم و المآكل كما اشار اليه عليه السلام في دعاء الندبة حيث قال الحمد لله علي ما جري به قضاؤك في اوليائك الذين استخلصتهم لنفسك و دينك اذا اخترت لهم جزيل ما عندك من النعيم المقيم الذي لا زوال له و لا اضمحلال بعد ان شرطت عليهم الزهد في درجات هذه الدنيا الدنية و زخرفها و زبرجها فشرطوا لك ذلك و علمت منهم الوفاء به فقبلتهم و قربتهم و قدمت لهم الذكر العلي و الثناء الجلي و اهبطت عليهم ملائكتك و اكرمتهم بوحيك و رفدتهم بعلمك و جعلتهم الذرائع اليك و الوسيلة الي رضوانك الدعاء ، فبناء علي هذا تريهم (ع) يتحملون في هذه الدار الكربات و البلايا و المكروهات و الاذيات كلها لاجل العهد الاول في العالم الاول فلما كان الامر كذلك تريهم مغلوبين مغمورين مستورين مخفيين لان الظلم شأنه دائما اطفاء النور و اما شأن المؤمن الصبر و التحمل قال تعالي يا ايها الذين آمنوا اصبروا و صابروا و رابطوا لعلكم تفلحون و قال فاصفح عنهم و شاورهم في الامر فهذه البلايا و المحن ارادوها هم (ع) للعهد الذي كان في العالم الاول كما مر فيكون هذه البلايا راحة لهم و هي دائمية حتي يظهر امر الله لايتوهم ان هذا الامر حتم عليهم عليهم السلام من الله لانهم لما ارادوا ازاحة الظلمة الحادثة بانكار المنافقين قبلوا [ص 13] تحمل هذه الاذيات كلها ليكون شيعتهم (ع) في راحة في الدنيا و الآخرة و الا فليس شئ محتوما عليهم (ع) كما ان اهل الجنة كذلك الارأيت المكتوب الذي وقع علي قربوس سرج فرس الحسين (ع) يوم الطف و قد كان مما فيه يا حسين ماحتمنا لك هذا الامر و انما كان هذا راحة للناس و اظهارا لما في بواطن المنافقين و حسما لحجتهم فلما كان الامر كذلك اختاروا هم (ع) ما اختار الله تعالي لهم من الشهادة و السبي و النهب و السلب و غيرها من الشدائد الدنيوية من غير حصول عدم رضاء منهم (ع) ابدا و لذا كانوا هم بشاشين مستبشرين فرحين علي ما آتاهم الله من فضله فلما كان العوالم متطابقة وقع في عالم الاجسام ما وقع في عالم الارواح من العهد و الميثاق كما ذكرنا و لكن لما كان الناس صنفين صنف هم الذين مانسوا العهد الاول بل بقوا علي علمهم و صنف هم الناسون ذاك و ذلك حيث تنزلوا في قوس الادبار الي هذا العالم قال تعالي لهؤلاء الناسين اللاهين عن العهد القديم فاسألوا اهل الذكر ان كنتم لاتعلمون و من العهد المنسي هو فقر المؤمنين في هذه الدار و اما المنافقون فلهم المال و الثروة لما قلنا من تقديم دولتهم في الدنيا كي تقطع حجتهم الباطلة ليميز الخبيث من الطيب فيكون مالهم و ثروتهم و مهلتهم وبالا لهم انما نملي لهم ليزدادوا اثما و لهم عذاب مهين و لولا ان يكون الناس امة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة و معارج عليها يظهرون فلما تقدمت دولتهم صار اهل الحق حقيرين ذليلين مغلوبين مقهورين متشتتين في اطراف الارض فقراء مساكين و اما سليمان بن داود و اشباهه من حيث ماله و مكنته و سلطنته و جبروته و قهاريته فكان تسلطه و استيلاؤه لاجل ان الحق [ص 14] لما اراد ان يختفي بالمرة و كاد ان تنمحي الكلمة كلمة الحق لاستيلاء الباطل و غلبة الجور اظهره الله تعالي لاعلاء الكلمة و حفظها و بقائها في الجملة لان العالم لايدور الا علي الحق فلولاه لانعدم العالم بالمرة فلما كان الانعدام خلاف الحكمة المتينة و كانت عادة الله هي انه لما غلب الجور و اشتد الظلم و اختفي الحق و ظهرت البدع يبعث الله تعالي واحدا من كرام عباده ثم يؤيده بالقدرة و السلطنة و الشوكة لاعلاء الكلمة و اظهارها و لو كان بالقتل و الجهاد ثم يخفي ذلك المعلي و يغيب لحصول المطلوب الذي هو الاعلاء دون وجود من يعلي الكلمة و ذلك لما علمت بان الدولة الآن للظالمين ان هذه عادة الله في الابلاغ كيف لا و انه تعالي حتم علي نفسه الايلجأ احدا علي شئ و هو تعالي مع ذلك اراد اظهار كلمة الحق فلايكون ذلك الا كما ذكرنا ثم لما كان المؤمنون احبوا الفقر و الفاقة و رضوا بالشدائد و المحن كالعلاجات للمرضي الاتري انهم يرضون بالكي و الفصد و الحجامة و امثالها في محلها و ان كان لها وجع مولم الا ان ذلك الوجع و التأثير بالنسبة الي تلك المقامات و المراتب و الدرجات من قرب الحق و الاستيناس بالمحبوب مستهلك معدوم لايقال ان بعضا من المؤمنين في دار الدنيا يميلون الي الدنيا و هم غير متمكنين منها فلو كان الامر كما قلت بانهم كانوا تركوها باختيارهم في ذلك العالم فكيف يطلبونها ثانيا ثم انهم اذا كانوا مختارين فلماذا لايعطون ما يطلبون لانا نقول اولا هؤلاء نسوا العهد لضعفهم و اعراضهم و بعدهم عن مبدء الحق و لهذا يقولون ذلك بظاهر السنتهم و هم في قلوبهم لايرضون بها ابدا [ص 15] فهؤلاء حكمهم حكم المريض اذا امره الطبيب بشرب الادوية المرة و العقاقير المهوعة حيث انك تري ان المريض لايرضي بظاهر لسانه و لايشتهيها و ان كان راضيا بها في قلبه و لذا لايستجيب دعوته طبيبه الذي يعالجه ضرورة ان في ما يشتهيه ظاهر لسانه هلاك نفسه فالمقتضي لتشريب الادوية اياه لسان حال المريض و سؤال كينونته فانه راض بذلك العلاج كيف ما كان شاعرا مختارا و الدليل علي رضاء المريض و ارادته هو انه لما يبرء هو بعد ان يعتدل مزاجه يدعو للطبيب و يسترحمه و يحمده و يثنيه و هو راض غاية الرضاء من علاجه قال (ع) لو كشف الغطاء لمااخترتم الا الواقع ه‍ ، يعني اخترتم ما وقع لكم و قبلتم ما هو حاصل لديكم و رضيتم بما عندكم نعم الناس قسمان قسم لم‌ينسوا العهد القديم علي ما ارادوا من الاحكام الواردة عليهم و قسم هم الناسون ذلك فلاجل هذا النسيان بعث الانبياء و العلماء الذاكرون فعلمهم آداب ذلك العهد و احكامه و شرائعه ليوصلهم بها الي الدرجات العاليات و ينبههم بتلك المراتب و المقامات التي نزلوا منها و غفلوا في قوس الادبار ثم اعلم ان الله تعالي اوجب علي نفسه ان لايعمل بعلمه و الا لكان يدخل الجنة اهل الجنة و مثله النار اهلها قبل نزولهم الي هذه الدنيا و انما اقتضت حكمته المتينة و تعلقت ارادته الماضية بان يجزيهم حسب ما يظهر من اعمالهم الحسنة المقبولة و اعمالهم القبيحة المردودة كي لايبقي لمحتج حجة علي الحكيم تعالي و لا ريب في كثرة المنافقين و خدعهم فلو لم‌يختبروا في هذه الدار باعمالهم بعد ما هداهم الله النجدين [ص 16] لكانوا يحتجون في القيمة فكانوا يقولون يا ربنا قلنا ما قال اهل الجنة و فعلنا ما هم فعلوه فلماذا يا الهنا تجزيهم بجنتك و تحشرنا الي نارك و هوانك فعند ذلك لايجوز له تعالي ان يدخلهم النار و لا ان يدخلهم الجنة فلما اراد الله قطع حججهم و حجج العالمين كلفهم بما كلفهم كما كلفهم عليه و هم نازلون الي هذه الدنيا الدنية ثم جعل لهم القدرة و الاستطاعة حتي تزيلوا و امتازوا كي يعرفوا هم انفسهم و يعرفهم من سواهم قطعا لما يأتون من حجة كاذبة ذلك تقدير العزيز العليم و بالجملة ان البلايا و المحن للانبياء و المؤمنين و الابرار تحف من الله اليهم انعمهم بها و هم يعلمون حكمتها و سرها و يرون حقيقتها و هم مستبشرون بما يرد عليهم من البلايا و المحن فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به و اما الباقون من المكلفين المؤمنين المستضعفين الذين نسوا ما ذكروا به من العهد فهم كالاطفال و المرضي فاولئك لما طابوا من المرض و كبروا و هم راشدون يحمدون الله علي ما انعم عليهم من الفقر و الشدة و المحنة و المكروه في هذه الدنيا و يعرفون ان ما ادخر لهم ربهم في الآخرة مما لا عين رأت و لا اذن سمعت و لاخطر علي قلب بشر غاية العناية و الكرم فيشكرون الله لذلك و هم مستبشرون قال عليه السلام الناس نيام اذا ماتوا انتبهوا و اهل البعث نيام اذا ماتوا انتبهوا و هم نيام اذا اكلوا من كبد الثور انتبهوا و هم نيام اذا اكلوا من كبد الحوت انتبهوا و هم نيام اذا شربوا من عين الكافور انتبهوا و هم نيام اذا شربوا من عين سلسبيل الذي مزاجه زنجبيل انتبهوا و هم نيام اذا [ص 17] دخلوا الكثيب الاحمر انتبهوا و هم نيام اذا دخلوا الرفرف الاخضر انتبهوا و هم نيام اذا دخلوا ارض الزعفران انتبهوا و هم نيام اذا دخلوا عالم الاعراف انتبهوا و هم نيام اذا دخلوا عالم الرضوان انتبهوا فهم لايأخذهم نوم و لا سنة ه‍ ، فهم هنالك عالمون بالغون موجودون ابد الآبدين خلقتم للبقاء لا للفناء ، و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين .

[ص 18]
اليوم الثالث من شهر رمضان المبارك سنة

١٢٥٧

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الله تعالي : ان اول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا و هدي للعالمين فيه آيات بينات مقام ابرهيم و من دخله كان آمنا و لله علي الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا و من كفر فان الله غني عن العالمين .

قال تعالي : ان اول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا و هدي للعالمين فيه آيات بينات مقام ابرهيم و من دخله كان آمنا الآية ، ورد ان رجلا اتي رسول الله صلي الله عليه و آله فقال اني احب الله تعالي قال صلي الله عليه و آله فاستعد للبلاء ثم قال يا رسول الله اني احبك قال (ص) فاستعد للفقر ثم قال اني احب عليا عليه السلام قال (ص) فاستعد لكثرة الاعداء ، فعلي مفاد هذا الحديث كيف يكون المؤمن آمنا مع وجود الفقر و البلايا و المحن و كثرة العدو قال بعض العلماء في تفسير ذلك و بيانه ان الداخلين مأمورون ( مأمونون ظ ) في الآخرة و اما في الدنيا فلا لعروض العوارض و البلايا عليهم قلنا في جواب القائل ان هذا ماقطع العلم بضرس قاطع وجه ذلك هو ان هذه المحن و الآلام انما جعلت للمؤمنين بعد ما حسد الحاسدون و قالوا يا ربنا انك حيث جعلت للمؤمنين دولة و قدرة علي ما شاؤا كيفما شاؤا يعبدونك و يقبلون اليك فلولا ذلك لم‌يكونوا عابدين بحال من الاحوال كما قال الشيطان في قصة ايوب (ع) و ابتلائه مدة سبع سنين بتلك البلية العظمي و العطية (كذا) الكبري و اراد هو تعالي ابطال حجتهم و نقض قولهم اتحف سبحانه عباده المؤمنين بهذه التحف و البلايا بعد ما اخذ منهم العهد بالزهد ما داموا في هذه الدار الملعونة الفانية الزايلة و هم يعلمون انه تعالي جعل الدولة لاهل الباطل في هذه الدنيا الدنية الخسيسة الملعونة في ايام قلائل فصبروا علي ذلك و هم قادرون علي دفعها عن انفسهم لكنهم امتثلوا ما اراده الله تعالي ، هذه [ص 19] البلايا من الامان يهديها الله للمؤمن حتي يكره الدنيا و يحب الآخرة حتي ينقله اليها باختياره قال تعالي ماترددت في شئ انا فاعله كترددي في قبض روح عبدي المؤمن يكره الموت و اكره مسائته الخبر ، لان الموت مااحبه الا محمد و آله (ع) و اما الباقون حتي الانبياء (ع) فكانوا يكرهونه كما في قصة موسي و ابرهيم لكنهم كانوا يريدون البقاء لاجل العبودية و الاخلاص لله تعالي فلم‌يتمني الموت الا هم (ع) و لذا ورد ان وقت المباهلة يقول الكافر للمؤمن ان كنت حقا تمني الموت فالمؤمن هو الذي يتمني الموت فتمنوا الموت ان كنتم صادقين و الحاصل ان المؤمن لايكون مؤمنا الا اذا دخل البيت خاضعا خاشعا و انه لكبيرة الا علي الخاشعين الذين يظنون انهم ملاقوا ربهم و انهم اليه يحشرون فادخلوا الباب اولا و قولوا حطة نغفر لكم خطاياكم و سنزيد المحسنين لان دخول البيت من دون بابه محال لان الباب ظاهره ( ظاهر ظ ) البيت و مظهره و هو القرية الظاهرة للسير الي القري المباركة لكن بني‌اسرائيل دخلوا الباب فقالوا حطة سمقاسا يعني حنطة حمراء بادغام النون في الطاء كما يقال ات في انت الا قليل منهم دخلوا كما امروا فامنوا بعد ما آمنوا من الاهوال في الاحوال كلها و العلة في باب الحطة التي بناها موسي (ع) لبني‌اسرائيل هي انه مابعث نبي الا و بشر بنبينا محمد بن عبدالله (ص) و بوصيه الذي هو باب الله الاعظم بعد النبي المكرم المعظم صلي الله عليه و آله فلما بشر بني‌اسرائيل موسي نبيهم اقروا به ظاهرا اختبرهم موسي بوحي من الله سبحانه بباب حطة كما اختبر موسي الاول نبينا (ص) بباب [ص 20] حطته علي لان معرفته تحط الذنوب و تأكل السيئات كما تأكل النار الحطب :

قل لمن والي علي المرتضي لاتخافن عظيم السيئات

حبه الاكسير لو ذر علي سيئات الخلق صارت حسنات

و البلايا هدايا لاهل الايمان و من الهدايا الفقر كما كان في عصر ابرهيم الخليل (ع) كل من آمن يفتقر فقرا لا حد له و ان كان هو قبل ايمانه من اهل الالوف و اللكوك فلما رأت امته (ع) كذلك شكوا اليه من ذلك فدعي ابرهيم (ع) ربه ان يجعل في المؤمنين ايضا من اهل المكنة و الدول لئلايضطربوا في امر معاشهم فالغناء هذا انما هو بطلب النبي ثانيا و الا فعلي مقتضي العهد في الذر هو الفقر و الزهد لا غير و انما جعل سبحانه الدولة و الثروة للكفار و المنافقين لا لانهم يستحقون ذلك و انما هو استدراج منه تعالي لهم انما نملي لهم ليزدادوا اثما و لهم عذاب مهين فهذه البلايا الواردة علي المؤمنين تارة لاجل اللطخ مع الكفار و الاشرار و اخري لما وقع في عالم الذر اي عالم ألست حين ما خلق الخلق فقال لهم ألست بربكم و محمد نبيكم و علي و اولاده الاحدعشر المعصومون و فاطمة الصديقة اولياؤكم و ائمتكم قبل من اقبل و انكر من انكر فمن آمن و قبل جعل ارواحهم في عليين باطن الكرسي و من انكر و كفر جعل ارواحهم في سجين كتاب الفجار في الثري و المقبلون المؤمنون منهم السابقون السابقون اولئك هم المقربون و منهم التابعون لاولئك السابقين هم اصحاب اليمين و المنكرون الكافرون ايضا منهم المتبوعون الذين قالوا لا (ظ) سبقوا في الانكار قبل كل احد فهم الائمة الذين يدعون الي النار و منهم [ص 21] التابعون لهم و من اهل عالم الذر المتوقفون الذين لم‌يعرفوا الحق من الباطل المسمون بالمستضعفين و الي الاقسام الخمسة المذكورة نص الله سبحانه في كتابه العزيز و السابقون الاولون من المهاجرين و الانصار و الذين اتبعوهم باحسان رضي الله عنهم و رضوا عنه و اعد لهم جنات تجري تحتها الانهار خالدين فيها ابدا ذلك الفوز العظيم و ممن حولكم من الاعراب منافقون و من اهل المدينة مردوا علي النفاق الي قوله و آخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا و آخر سيئا و قال و آخرون مرجون لامر الله اما يعذبهم و اما يتوب عليهم فاما السابقون فهم الائمة الطاهرون المتقون المصطفون عليهم سلام الله ما دام الناس سائرون الي درجات القرب واصلون و اما الذين اتبعوهم باحسان هم الانبياء (ع) ثم الرعية الذين خلقوا من شعاع الانبياء (ع) و اما السابق في الانكار فهم اول الاشرار و رئيس الكفار الذي لايسمي لانه عار علي الاخيار ثم الماردين عليه من الناكثين و المارقين و القاسطين الضالين و اما المتوقفون فهم المرجون عسي الله ان يتوب عليهم ان الله غفور رحيم و هؤلاء المنكرون منهم من انكر الرب و منهم من اقر به تعالي لكنه انكر الرسول و منهم من اقر بالرسول لكنه انكر الولي و في الحقيقة لايكون مرد الانكار الا الولي كما قال (ص) يا علي مااختلفوا في الله و لا في و انما الاختلاف فيك يا علي ، قال تعالي [ص 22] عم يتساءلون عن النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون و هو النبأ العظيم لله الرب الكريم و بيان ذلك ان الانكار كله راجع الي انكار علي عليه السلام لان الله تعالي لما دعاهم الي توحيده و نبوة نبيه و ولاية علي (ع) فقال ألست بربكم فقالوا بلي فاما المؤمن فهو الذي اجاب بقلبه و لسانه مسلما مصدقا طائعا و اما الكافر فقد قال بلسانه بلي و اضمر انه اذا اقتصر علي هذا الاقرار فهو لانه لا ضير فيه لانه خالقنا و رازقنا دعانا الي طاعته و ان تجاوز منه الي طاعة غيره لم‌نجب دعوته لانه (كذا) لانا اولي من غيرنا ثم قال لهم و محمد نبيكم فاجاب المؤمن بقلبه و لسانه كما مر فازداد ايمانا بتسليمه و سكت الكافر و قال في نفسه تجاوز بنا الي غيره لكن هذا الغير لم‌يجعل له ولاية علينا و انما هو داع الي خالقنا فان اقتصر عليه اجبنا و الا انكرنا ثم قال تعالي لهم و علي وليكم اجاب المؤمن بلي و ازداد ايمانا علي ايمان و نورا علي نور و انكر الكافر و قال الكافرون كيف نرضي ان يكون علينا ولي و هو بشر مثلنا فوقع الاختلاف في علي (ع) و لذا قال (ص) مااختلفوا في الله و لا في و انما الاختلاف فيك يا علي ، و مما يدل علي اختلافهم ما انزل الله الي نبيه (ص) و لايزالون مختلفين الا من رحم ربك و لذلك خلقهم و هؤلاء المنكرون بقوا في سجين مدة سبعين‌الف سنة و المراد بالسنة الرتبة فلما اراد الله سبحانه ان يأتي اولئك المؤمنين في هذه الدنيا خلق اولا تحت العرش بحرا اسمه بحر الصاد ثم خلق ماء اسمه المزن و المزن هو الماء الذي كان العرش عليه و الكل واحد ثم خلق شجرة تحت [ص 23] ذلك البحر اسمها شجرة المزن فجعل ارواح المؤمنين في ذلك البحر ثم قطر ذاك البحر علي تلك الشجرة قطرات كل قطرة كان محلا لروح مؤمن من المؤمنين لايقع قطرة منها علي ماكول من المأكولات و لا علي خضرة من الخضروات و البقولات ثم يأكل ذلك المأكول او الخضرة مؤمن او كافر الا و يخرج من صلبه مؤمن صالح و خلق شجرة في سجين فوق بحر الطمطام اسمها شجرة الزقوم طلعها كأنه رؤس الشياطين و تلك الشجرة فوق البحر ثم صعد من ذلك البحر بخار علي تلك الشجرة ثم ارتفع منها متصاعدا الي وجه الارض الي ان وقع علي المأكولات و الخضروات التي علي وجه الارض مااكل منها مؤمن او كافر الا و قد خرج من صلبه كافر طالح منكر لاهل البيت عليهم السلام و فضائلهم ثم اعلم ان بالتقاء القطرة و البخار الواقعين علي مأكول علي وجه الارض حصل لطخ باعتبار المجاورة و المقارنة و لاجل ذلك تري يخرج من صلب الكافر المؤمن و من المؤمن الكافر يخرج الحي من الميت و يخرج الميت من الحي فهنالك تري صفات هؤلاء في هؤلاء و صفات هؤلاء في هؤلاء من حسن الآداب و قبحها حصل هذا باللطخ دون الخلط لما فصلنا في محله بان الخلط انما هو في امتزاج نفس الطينة بخلاف اللطخ فانه انما حصل في الصورة و لايخفي ان ما يحصل بالمجاورة و المقارنة بين القطرة و البخار شيئان احدهما اللطخ نفسه و ثانيهما آثار اللطخ فاما آثاره حيث كان نبينا (ص) رؤفا عطوفا بالمؤمنين جعل تلك الآثار و العقوبات علي نفسه بل نسبها الي نفسه و قد اخبر به سبحانه في كلامه ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك و ما تأخر [ص 24] قال الباقر (ع) اي ذنوب شيعة علي (ع) فهو (ص) اشتري امته بتحمل المشاق و الاذيات علي نفسه و علي عياله و ذراريه الطاهرين و الطاهرات و رضي (ص) بقتلهم عدوانا و سبيهم و نهبهم و سائر انواع البلايا الواردة عليه و علي ذريته من اراذل اهل الدنيا الدنية لعنهم الله تعالي اجمعين ، و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين .

[ص 25]
اليوم الرابع من شهر رمضان المبارك سنة

١٢٥٧

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الله تعالي : ان اول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا و هدي للعالمين فيه آيات بينات مقام ابرهيم و من دخله كان آمنا و لله علي الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا و من كفر فان الله غني عن العالمين .

قال تعالي : و من دخله كان آمنا ، يعني من دخل هذا البيت بيت الولاية و بيت العلم و بيت الشرف و المعرفة و بيت التوحيد و بيت النور و الكمال و بيت المعرفة و الجمال و بيت الحسن و العز و السؤدد و بيت الفخر و المجد و البهاء و بيت الضياء و الجلال و بيت المعمور و هذا البيت اعظم البيوت و اشرفها و لا حد لرفعته و مقامه كما قال تعالي في بيوت اذن الله ان ترفع و لم‌يقيد الرفعة بشئ اذ الاطلاق دليل علي الكمال المطلق و هذا البيت هو نعمة الله التي قال فيها و ان تعدوا نعمت الله لاتحصوها و هو اي البيت المرفوع الذي قال في النهج ينحدر عني السيل و لايرقي الي الطير اي طير العقول و الادراكات و القوي و المشاعر كلها لان هذا البيت هو البئر المعطلة و القصر المشيد الذي قال فيه شعرا :

بئر معطلة و قصر مشرف مثل لآل‌محمد مستطرف

فالقصر مجدهم الذي لايرتقي و البئر علمهم الذي لاينزف

فلا حد لهذا البيت اذ هو فيض الله و نعمته و نعمت الله لاتحصي و لو صارت الاشجار اقلاما و الجن و الانس كتابا و الابحر مدادا و اليه ناظر قوله تعالي قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل ان تنفد كلمات ربي و لو جئنا بمثله مددا و قال تعالي و لو ان ما في الارض من شجرة اقلام و البحر يمده من بعده سبعة ابحر مانفدت كلمات الله لانهم كلمات الله التامات التي لايجاوزهن بر و لا فاجر و هم الكلمة التي انزجر لها العمق الاكبر و المراد بالارض في الآية ارض القابليات و المراد [ص 26] بالشجر افراد الموجودات و المراد بالابحر السبعة المراتب السبعة للكائنات من العقل و الروح و النفس و الطبيعة و المادة و المثال و الجسم و هذا البيت هو الملك الذي استعلي علوا سقطت الاشياء دون بلوغ امده و لايبلغ ادني ما استأثر به من ذلك اقصي نعت الناعتين لان الناس في هذا المقام لهم قلوب لايفقهون بها و لهم اعين لايبصرون بها و لهم آذان لايسمعون بها اولئك كالانعام بل هم اضل لا بل كالنبات لا بل كالجماد لا بل كالعرض لا بل لا شئ ، الهي من كانت حقايقه دعاوي فكيف لايكون دعاويه دعاوي ضرورة ان الشعاع عند المنير دعوي محض و باطل صرف كل شئ هالك الا وجه الله فان قلت هذه المراتب و المقامات كيف كانت لهم (ع) دون غيرهم و ان فيض الله واحد و عطاؤه تعالي في كل شئ سواه ( سواء ظ ) من دون تخصيص و لا ترجيح قلنا ان الاختلاف انما نشأ من الاختيار و منشأ الاختيار هو وجود مبدء ميلين متضادين الحاصل من الخلق و الانخلاق لان الله تعالي لم‌يخلق فردا قائما بذاته دون نفسه للذي اراد من الدلالة عليه قاله الرضا (ع) اذ كل ممكن زوج تركيبي فلما حصل الاختلاف في قوابل الاشياء و مهياتها حصلت السلسلة العرضية لانها عبارة عن حقيقة واحدة اختلافها انما هو باعتبار الصور و الحدود لاجل ميولات الاشياء و شهواتها فلما ثبت مبدء الاختيار و منشأه في الممكن علي قول مطلق و ثبت تكليفه تعالي و دعوته اياهم الي ما اراد منهم من التكاليف من الاوامر و النواهي و المعرفة و الاقبال و قال لهم ألست بربكم فاول من سبق بالاجابة المجعول الاول الحقيقة المحمدية فلما كان الله تعالي كاملا خلقه [ص 27] كاملا و الكمال انما يكون اذا كان له نور و جمال اي يكون له اثر و الا لم‌يكن كاملا فلما كان للمجعول الاول نور و اثر تحقق المعلول فحصلت السلسلة الطولية و الحقيقة المحمدية لها اطلاقان مرة نطلقها و نريد منها حقيقة كلية واحدة تشعبت بالاربعة‌عشر (ع) و مرة نطلقها فنريد منها النور الصادر من تلك الحقيقة المقدسة الذي هو المفعول المطلق الذي هو مادة الاشياء و الاثر متصل بمؤثره كاتصال نور الشمس بها من حيث انه دليله و آيته قال (ع) نحن آخذون بحجزة ربنا و قال عليه السلام ان شيعتنا اشد اتصالا بنا من اتصال نور الشمس بها ، فاذا ثبت الاختيار ثبت ان الاختلاف راجع الي ميولات الاشياء و شهواتها مع صلوحها بضد ما اختاروه كائنا من كان فلا ترجيح له تعالي من غير مرجح بل المرجح انما هو في انفس الاشياء باعتبار الاختيار الذي ذاتهم مفطورة به فاذا علمت ذلك فاعلم ان الاختلاف علي قسمين اختلاف باعتبار الصورة دون المادة هذا كما في السلسلة العرضية و اختلاف هو باعتبار المادة كما في السلسلة الطولية كما اشرنا اليه و الذي اختلافه بالمادة كالحقيقة المحمدية و حقيقة الانبياء و الانسان من الرعايا الي آخر السلسلة الثمانية كما ستقف عليه فيما بعد ان شاء الله تعالي و لا ريب ان الحقيقة المحمدية علة للموجودات و سبب للكائنات لولاها لماكانت و ذلك بالعقل اللائح و النقل الساطع اما العقل كما ذكرنا آنفا ان اثر الكامل كامل و الكامل هو الذي كان ذا اثر و نور و الا لزم نقصان الفاعل تعالي و تقدس و اما النقل فكثير منه قوله عليه السلام كما في الزيارة لمولينا صاحب الامر [ص 28] (ع) المعروفة بزيارة آل يس و ما من شيء الا و انتم له السبب و اليه السبيل و كما في قوله (ص) لعمه عباس في تفسير قوله تعالي : اولئك مع النبيين و الصديقين و الشهداء و الصالحين و حسن اولئك رفيقا ، قال (ص) اما النبيون فانا و اما الصديقون فابن عمي علي بن ابيطالب عليه السلام و اما الشهداء الحسين و اما الصالحون ففاطمة و سائر الائمة و اما حسن اولئك رفيقا فهو القائم عجل الله فرجه ثم قال ان الله فتق نوري فخلق منه العرش و الكرسي و نوري والله اعظم من العرش و الكرسي ثم فتق نور علي عليه السلام فخلق منه الملئكة و نوره اعظم من الملائكة ثم فتق نور فاطمة فخلق منه السموات السبع و الارضين السبع و نورها والله اعظم منها ثم فتق نور الحسن فخلق منه الشمس و القمر و النجوم كلها و نوره والله اعظم منها ثم فتق نور ابني الحسين (ع) فخلق منه الجنة و الحورالعين ه‍ ، انظر الي العالم و انحصاره بهذه المذكورات اذ انها مخلوقة من انوارهم عليهم السلام تحقق انهم (ع) علة للعالم و سبب للخلق كالنور للمنير كيف لا و هم محل مشية الله التي خلقت الاشياء بها قال عليه السلام كما في الزيارة المطلقة للحسين (ع) ارادة الرب في مقادير اموره تهبط اليكم ثم يصدر من بيوتكم الصادر عما فصل من احكام العباد ، و الامور و الاحكام جمع مضاف يفيد العموم اي جميع الاحكام سواء كان من التكوينيات او من التشريعيات ثم اعلم ان التقديرات في جميع ذرات الكائنات و حقايق الموجودات من الذوات و الصفات كلها بالملائكة و الملائكة كلهم اجمعون مأمورون بامر الولي المطلق (ع) اذ الملائكة من نوره (ع) من الملائكة ملائكة المدبرات ثم [ص 29] المسخرات ثم المعقبات ثم الحافظات ثم الذاريات ثم المرسلات ثم الخلاقين ثم الحاملين للارضين و السموات و هكذا و كونهم بامر الولي في التقديرات لايستلزم الاستقلال لان الولي يأمر الملائكة بالله تعالي من دون شركة و لا تفويض و لا وكالة و لا عزلة كالشمس في الاشراق و الماء للانبات و الوالدان لتوليد الاولاد و القلب لتربية البدن و قوامه و امثال ذلك من الاسباب فلا استقلال في الامكان و لا شراكة و لا وكالة و لا ان الله استعان به بل الخالق هو الله وحده لا شريك له هو الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم اليه ترجعون لكنه بالاسباب الاسمعت ذنب بقرة بني‌اسرائيل لما ضرب علي المقتول حيي و ان الشيطان يتصرف في ابن آدم و يجري فيه مجري الدم في العروق و ان الملائكة هم الاسباب و حملة الفيوضات و البركات و اما ائمتنا (ع) فهم السبب الاعظم و هم اسباب الاسباب و علة العلل فنقول ان كلما يفعله الملك من التدبيرات و التسخيرات و التقديرات لا شك انه خير ان ذكر الخير كنتم اوله و اصله و فرعه و معدنه و مأويه و منتهاه و انه حق اشهد ان الحق فيكم و منكم و اليكم و انهم (ع) محل فعل الله فمع هذا كله فمن قال ان غير الله فاعل او خالق او رازق او محيي او مميت فهو مشرك و من قال ان الائمة (ع) هم المستقلون في افعالهم و تصرفاتهم فهو كافر كفر الجاهلية الاولي و من قال ان الائمة عليهم السلام ليسوا باسباب و وسائط للفيوضات الالهية كافر كفر الجاهلية الاولي كيف و ان الله قد اخبر بلسان حججه ابي الله ان يجري الاشياء الا باسبابها و انه تعالي لايقترن بالحادث و لايتعلق به [ص 30] ضرورة انه سبحانه لاتختلف حالاته و ذلك عند العقلاء كافة فيكون التصرفات و التدبيرات المتعلقة الي الخلق بالاسباب و الوسائط و الحاصل كان كلامنا في الاختيار في ان الاختلاف نشأ به الا ان بعضا من الاشياء قوي الاختيار في اظهار اثر الميلين المتضادين كالانسان و الآخر ضعيف الاختيار كالجماد لكن يظهر اختياره بالمعين كما تري الرجل ان القي الحجر نحو العلو كان معينا في اصعاده لا قاصرا ضرورة ان القصر جعل الفاعل في الشئ ما لم‌يتمكن منه في رتبة وجوده الاتري ان المريض و الراكب مثلا مختاران لكن الاختيار فيهما ضعيف يظهر بالمعين كالحجر المرمي الي العلو فعليه يصدق علي الراكب انه مختار يعني ان شاء فعل و ان شاء ترك و كذلك المريض الذي اخذ الرجل بيده لتمشيه و فعل الشئ و تركه انما هو دليل الاختيار الاثري دون الاختيار الذاتي ضرورة ان الاختيار نوعان كما ستعلم في محله مفصلا ان شاء الله تعالي ، و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين .

[ص 31]
اليوم الخامس من شهر رمضان المبارك من سنة

١٢٥٧

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الله تعالي : ان اول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا و هدي للعالمين فيه آيات بينات مقام ابرهيم و من دخله كان آمنا و لله علي الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا و من كفر فان الله غني عن العالمين .

كان بلوغ كلامنا الي قوله تعالي و من دخله كان آمنا فقلنا كيف يعقل الامان في هذا المقام مع هذه الآلام و الاسقام فذكرنا ان الله سبحانه لما جعل الارواح ارواح المؤمنين في عليين في بحر المزن و اراد ان يوجد اولئك شاء ان تتقطر من ذلك البحر علي شجرة المزن الواقعة علي ساحل البحر قطرات ثم نزلت تلك القطرات من الشجرة من سماء الي سماء الي ان وقعت علي الارض علي البقولات و الاثمار و سائر المأكولات لم‌يأكل من المأكولات احد شيئا الا و خرج من صلبه مؤمن سواء كان الآكل مؤمنا او كافرا هذا حكم القطرة الحاملة لروح المؤمن المقبل و اما البخار الحامل لروح الكافر المعرض فجعله الله في الطمطام فلما اراد الله ان يوجد روح الكافر و المنافق امر البخار بالصعود الي الاراضي الي ان وقع علي شجرة الزقوم ثم منها علي وجه الارض فيقع علي البقولات و المأكولات فمايأكل منها مؤمن او كافر الا و خرج من صلبه كافر معرض عن الحق و الي الحكمين اشار تعالي بقوله يخرج الحي من الميت و يخرج الميت من الحي فان ارواح المؤمنين و اختيارهم غيب مستكن في القطرة النازلة كما ان ارواح الكفار و المشركين غيب مستتر في البخار الصاعد هذان القسمان انما كان الحسن و القبح منهما ذاتيان اي باعتبار الاجابة الذرية في عالم الذر و هناك قسم آخر من الخلق حصل لهم الحسن و القبح لا باعتبار الذات و انما هو باعتبار المجاورة عند تلاقي القطرة و البخار حيث وقعا علي المأكول و ذلك عند نزول القطرة من عليين [ص 32] بحر الصاد و صعود البخار من الطمطام فلما تلاقيا اثر كل واحد في الآخر علي حسب الغلبة اي غلبة احدهما علي الآخر فاذا رأيت المؤمن كريه المنظر معوج الصورة سيئ الخلق ثم تري الكافر حسن الصورة حسن الخلق امينا وفيا صادقا فاعلم ان كل واحد من الاخلاق و الصفات انما حصل باعتبار المجاورة عند التلاقي علي ما علي الارض من المأكولات فان غلب صفة المؤمن علي صفة الكافر صار الكافر حسن الخلق و الآداب و ان غلب صفة الكافر علي صفة المؤمن صار المؤمن سيء الخلق و الآداب فهذه الصفات في هؤلاء و هؤلاء عرضية حصلت باعتبار اللطخ بالمجاورة في هذه الدار فلما خرج كل واحد من المؤمن و الكافر من هذه الدار ثم انتقل المؤمن الي دائرته دائرة العقل و النور و انتقل الكافر الي دائرته دائرة الجهل و الظلمة فلايميل المؤمن الي المعصية ابدا كما لايميل الكافر الي الطاعة ابدا بل يظهر من كل واحد منهما ما كان مقتضي نوعه و سنخه و هذه الآثار اللطخية قد تكون باعتبار المتشابهات الصورية و قد تكون باعتبار الافعال المتشابهة و نحوها و لقد ذكر سبحانه في كتابه متشابهات ليتمكن بها الاخباث الارجاس من التشبث بها حتي يظهروا ما في بواطنهم و ضمائرهم من النفاق و الكفر و الشقاق دون المحبة و الوفاق كما عبر سبحانه عن عدة خزنة جهنم بتسعة‌عشر في قوله و ماادريك ما سقر لاتبقي و لاتذر لواحة للبشر عليها تسعة‌عشر فلما سمع المنافقون ان سدنة سجن اله محمد (ص) تسعة‌عشر قال واحد من اولئك الضالين و هو ابوالاشيد بن اسيد و هو رجل قوي يا جماعة سبعة‌عشر من [ص 33] السدنة علي و الاثنان الباقيان عليكم ثم اخذوا بالضحك و الصفق و الاستهزاء علي محمد (ص) و ابرزوا ما في صدورهم من الضغائن و النفاق مما القي الشيطان فيها فتنة للذين كفروا فلما اظهر اولئك المنافقون ما في انفسهم من الغل و الكبر و النفاق نسخ ذلك الحكم المتشابه الملقي في قلوبهم بايحاء الشيطان لاوليائه فقال تعالي و ماجعلنا اصحاب النار الا ملائكة و ماجعلنا عدتهم الا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين اوتوا الكتاب و المؤمنون و ليقول الذين في قلوبهم مرض ماذا اراد الله بهذا مثلا كذلك يضل الله من يشاء و يهدي من يشاء و مايعلم جنود ربك الا هو فعبر سبحانه بتسعة‌عشر حتي يقدروا علي اظهار بواطنهم و ليهلك من هلك عن بينة و يحيي من حي عن بينة و من الآيات الدالة علي المقام التي هي متشابهة الظاهر قوله تعالي انما وليكم الله و رسوله و الذين آمنوا الذين يقيمون الصلوة و يؤتون الزكوة و هم راكعون نقل ان فخر الرازي صرفها الي ابي‌بكر بوجوه خمسة ذلك مسطور في زبرهم و دفاترهم ثم من الآيات المتشابهة لاهل الخلاف آية غديرخم و روايته حيث قال (ص) فمن كنت مولاه فعلي هذا ( فهذا علي خ‌ل ) مولاه اذ المولي علي ما ضبطوه له خمسة‌عشر معني منها المحب و الجار و ابن العم الي غير ذلك ثم نسخت في اخري و هي قوله النبي اولي بالمؤمنين من انفسهم لان الولاية في هذه الآية لايجوز فيها من المعاني الخمسة‌عشر الا الاولي بالتصرف فلما ثبت الاولوية له (ص) ثبت لنفسه علي (ع) لآية انفسنا ضرورة ان ما ثبت له (ص) ثبت لنفسه الا [ص 34] ما استثني كالنبوة و الخواص الخاصة له (ص) و اما البواقي من الصفات و الكمالات فداخل تحت عموم انفسنا و الحاصل كان الكلام في هذا المقام في اللطخ فنقول ان اللطخ و اثره في المؤمنين من المعاصي و السيئات باعتبار ظاهر جسدهم و اما قلوبهم فهي مخلوقة من فاضل طينة ائمتهم المعصومين (ع) و لذلك تريهم لايرضون بالمعاصي و انما هم كارهون لذلك اشد كراهة عند صدورها عنهم و فعلها منهم الهي ماعصيتك حين عصيتك و انا جاحد بربوبيتك و اما الخلط فذلك علة لحصول الخلط في الاخيار و الاشرار و المراد بما به حصل الاختيار القبضتان قبضة اليمين و قبضة الشمال قبض قبضة بيمينه فقال للجنة و لاابالي و قبض قبضة بشماله فقال للنار و لاابالي و كلتا يديه يمين بخلاف اللطخ لانه عرضي لا ذاتي فلذا قلنا ان المعصية من الشيعة عرضية لا اصلية و هذا هو معني قول الاعرابيين الاول و الثاني حيث يقولان في الرجعة عند ما يصلبهما الصاحب (ع) علي الشجرة ( جذع النخلة خ‌ل ) اليابسة و اثباته عليهما المعاصي الصادرة من العصاة كلهم يقولان نحن فعلناها ضرورة انهما اصل للمعاصي و السيئات و اما العصاة فهم اياديهما كما ان اهل الطاعة ايادي لائمتهم (ع) ثم اعلم ان المعاصي التي هي آثار اللطخ لاتبقي آثارها الي الآخرة ضرورة ان منشأها الدنيا فترجع اليها و لو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا لم‌يبق علي ظهر الارض من دابة و قد ورد ان رسول الله صلي الله عليه و آله لما اسري به الي ربه ليلة المعراج قال تعالي مخاطبا لنبيه محمد (ص) و ان تبدوا شيئا او تخفوه يحاسبكم به الله [ص 35] بل لم‌يبعث نبي قط الا و كلفه ربه بمضمونها فاما الانبياء الذين سلفوا لما كلفوا عليه لم‌يقبلوه بل اعتذروا فقالوا امتنا ضعفاء لايقدرون علي ذلك فاخذهم الله بذلك و الزمهم به و حاسبهم بما ابدوا في ضمائرهم من الخطورات و الخيالات و التوهمات بخلاف نبينا محمد (ص) لانه لما كان حبيب الله لم‌يعتذر بل قبله كمال القبول و الاذعان فلما قبلها رفع الله حكمها عن امته كرامة له و لقد انزل الله قرآنا في ذلك حيث قال آمن الرسول بما انزل اليه من ربه فلما قال تعالي في نبيه ذلك قال النبي (ص) قيمومة عن امته و المؤمنون كل آمنوا بالله و كتبه و رسله فلما آمن النبي (ص) كذلك اوحي الله اليه ان يا محمد سل تعط فاشفع تشفع فسأل ربه فقال ربنا لاتؤاخذنا بما نسينا او اخطأنا قال تعالي لك ذلك و لامتك بخلاف الامم السابقة لانهم كانوا مأخوذون بنياتهم و خطوراتهم و سهواتهم و نسياناتهم بخلاف هذه الامة المرحومة حيث رفع عنه التسعة الخطاء و النسيان و ما اكرهوا عليه و ما لايعلمون و ما لايطيقون و ما اضطروا اليه و الحسد و الطيرة و التفكر في الوسوسة في الخلق ما لم‌ينطق بشفة ، اي رفع لوازمها بخلاف الامم الماضية الذين كانت آصارهم شديدة ثم قال (ص) و لاتحمل علينا اصرا كما حملته علي الذين من قبلنا لان الامم السابقة كان عليهم آصار منها قرض العضو الذي اصابه البول و منها حمل قربانهم باكتافهم و ان كان القربان بعيرا الي محل الذبح المعلوم و ان ( كان ظ ) المكلف سلطانا عظيما و رجلا جليلا و منها وجب عليهم ان يصلوا في مواضع مخصوصة و اماكن معلومة و منها انهم اذا اطاعوا ربهم كتب في ديوانهم واحد لا عشرة و منها اذا عصي واحد منهم معصية في ليلة كتبت علي باب [ص 36] داره في صبيحتها بان فلان بن فلان فعل المعصية الفلانية و منها لم‌تكن توبتهم مقبولة في مدة ستين سنة او سبعين مع انهم كانوا في المدة باكين و هم بارزون الي الصحاري و الجبال و قد كانوا عراة حفاة يتزهدون عن الدنيا غير راغبين اليها و لا مايلين الي الوقاع بل من الدنيا و زخرفها و نعيمها معرضون بخلاف هذه الامة المرحومة لانهم قد رفع الله عنهم آثار الذنوب الحاصلة باللطخ و الخطاء و النسيان بل يغفر لهم عصيان سبعين سنة او اكثر بتوجه واحد و اقبال واحد فذلك هذه الامة الشريفة لايؤاخذون بمعاصيهم ما دام نبيهم فيهم او خليفته ماكان الله ليعذبهم و انت فيهم ثم انه من بركة سيدنا محمد بن عبدالله لاتكتب الخطورات بالمرة و لا السيئات و المعاصي الا بعد سبع ساعات كل ذلك تكريما لجنابه المستطاب ثم لهم ان يصلوا اينما يريدون ثم قال (ص) و لاتحملنا ما لا طاقة لنا به قال تعالي هذه سنتي في الامم كلهم لايكلف الله نفسا الا وسعها ثم قال و اعف عنا و اغفر لنا و ارحمنا انت مولينا غفر سبحانه لامته سيئاتهم لقوله تعالي ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك و ما تأخر يعني لامة الاجابة من شيعة علي (ع) كما هو المروي عن الباقر عليه السلام و المراد بالغفران انه يؤل امر هؤلاء العصاة من الشيعة الي النعيم المقيم ثم قال فانصرنا علي القوم الكافرين و الكافرين جمع محلي باللام يفيد العموم يعني جميع الكافرين و لا شك انهم مانصروا علي الكافرين الي الآن فلا بد من وقوع النصر في الرجعة و لا بد من تلك النصرة التامة الكاملة حتي يظهر علي الدين كله و لو كره المشركون حتي [ص 37] تحل الحيوانات و الا لهلكت اذا لم‌تكن محللة اللحوم و هو صلي الله عليه و آله لايرد دعاءه ( دعاؤه ظ ) و انما هو (ص) مستجاب الدعوة فلما استجاب الله دعاء نبيه قال له يا احمد اخبر امتك باني آليت علي نفسي من عمل مثقال ذرة خيرا يره فمن عمل مثقال ذرة شرا يره فلا بد للعصاة من العقوبة فلما كانت عصيانهم باللطخ الدنياوي كانت عقوبتهم في الدنيا ايضا بعد ان غفر لهم ربهم في الآخرة ثم قال تعالي يا احمد بشر عبادي في الدنيا يستعدوا للفقر و الفاقة و ان يصبروا علي الشدائد و المحن و البلايا من القتل و الضرب و الشتم و السبي و النهب و انواع المصائب و الرزايا فلما سمع النبي (ص) ذلك رق و بكي فقال يا رب اجعل هذه الشدائد كلها علينا فانا صابرون ذلك رأفة منه صلي الله عليه و آله و رحمة فانزل الله قرآنا و قال لقد جاءكم رسول من انفسكم عزيز عليه ما عنتم بالمؤمنين رؤف رحيم ، و صلي الله علي محمد و آله .

[ص 38]