[ص 1] خلاصه مواعظ ماه مبارك رمضان سال ١٢٥١
[ص 2]خلاصه مواعظ ماه مبارك رمضان سال ١٢٥١
از فرمايشات عالم رباني و حكيم صمداني
مولانا المرحوم الحاج سيد كاظم الرشتي اعلي اللّه مقامه ●
[ص 3] بسم اللّه الرحمن الرحيم
الحمد للّه رب العالمين و صلي اللّه علي محمد و آله الطاهرين .
اما بعد قال عز من قائل :
ان اول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا و هدي للعالمين فيه آيات بينات مقام ابرهيم و من دخله كان آمنا و للّه علي الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا و من كفر فان اللّه غني عن العالمين .
اعلم ان اللّه سبحانه كان و لميكن معه شيء و الآن علي ما عليه كان فلما اراد ان يعرف خلق الخلق لذلك فلما كان خلق الخلق مبتنيا الي كونهم مكلفا لانه سبب الايجاد لاتصالهم الي اعلي درجات القرب و التكليف انما حصل بالاختيار و الا فلا تكليف ثم لا ايجاد مع ان الايجاد يلزمه للوصول الي اعلي الدرجات و الترقي الي اسني المقامات فلما صار حصول التكليف بالاختيار الحاصل من الجهتين جهة الترك و جهة الفعل خلق الخلق كلهم من جميع الذرات الوجودية مختارا كما دلت عليه الادلة القطعية من العقلية و النقلية اما العقلية فهو انه لا شك في رجحان اولوية المختار من المضطر و اما النقلية فهو اما من الكتاب كقوله تعالي و ما من دابة في الارض و لا طائر يطير بجناحيه الا امم امثالكم و قوله انا عرضنا الامانة علي السموات و الارض و الجبال فأبين ان يحملنها و اشفقن منها و حملها الانسان انه كان ظلوما جهولا و قوله [ص 4] و تري الجبال تحسبها جامدة و هي تمر مر السحاب او من السنة فهو ما شاء اللّه منها كعرض ولايتهم (ع) علي المياه و الاراضي و الثمرات و الحيوانات و النباتات فلما قال و ما من دابة في الارض و لا طائر يطير بجناحيه الا امم امثالكم و قال في موضع آخر و ان من امة الا خلا فيها نذير علمنا انه كان لكل امة من جميع الاشياء المخلوقة من نذير مع كونها مختارة فلما كانوا مكلفا و مختارا لا بد لهم من العلم و العمل لانه لا ريب ان حصول الرفع الي الدرجات العاليات لايحصل الا بهما فصار العلم و العمل هما الاصل في الايجاد و الدين و لا شك ان العلم كله في القرآن لانه فيه تفصيل كل شيء من احكام الانس و الجن و الملك و النبات و الجماد فلما كان الاصل في الايجاد هو الوصول الي الدرجات و هو حصوله موقوف بالتكليف و التكليف موقوف بالاختيار و المكلف لا بد له من العلم و العمل قلنا ان العمل بلا علم كان هباء منثورا و قدمنا الي ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا و ان العلم بلا عمل كالطائر المكسور الجناح اليسري فلما كان الايجاد موقوفا بالعلم و العمل قلنا ان العلم هو العلم باللّه و برسوله و بوليّه فان قلت ان العلم النافع هو العلم باللّه لانه تعالي قال فاحببت ان اعرف و قال و ماخلقت الجن و الانس الا ليعبدون اي ليعرفون فقولك في تقسيم العلم باللّه و برسوله و بوليّه ما له معني اصلا قلت و هو كذلك لكن لما كان اللّه سبحانه لميصل اليه احد و لاكان هو نازل الي الخلق لانه تعالي عن ذلك خلق واسطة بينه و بين خلقه ليعرفهم مصالحهم و مضارهم و ذاك الواسطة هو النبي (ص) ثم لما كان النبي (ص) مدنيا بالطبع (كذا) بحيث ماكان باقيا ابد الآبدين في الدنيا وجب ان يكون له وليا و وصيا [ص 5] نائبا قائما مقامه حافظا لما جاء به حتي لايضمحل الشريعة المقصودة بها فلما كان كذلك خلق وليا كذلك ثم لما كان لاتحصل المعرفة باللّه الا بالمعرفة بالنبي (ص) و المعرفة بالنبي كذلك لايكون الا بالمعرفة بالولي (ع) قلنا ان العلم منحصرة في الثلثة فاذا عرفت هذا اعلم ان من عرف الولي عرف النبي و من عرف النبي (ص) فقد عرف اللّه و من لميعرف الولي لميعرف النبي و من لميعرفه (ص) لميعرف اللّه و لذا قال (ع) في الزيارة الجامعة الكبيرة من اراد اللّه بدأ بكم و من وحده قبل عنكم و من قصده توجه بكم ، فلما انحصر الامر في المعرفة في الولي (ع) كان هو الاصل في الايجاد و الصنع فلا بد من معرفته (ع) لشمول معرفته (ع) كلا المعرفتين المشار اليهما و لذا قلنا ان اشرف الاذكار الصلوات عليهم (ع) لان الآتي بها آت بكل ذكر من لا اله الا اللّه و الحمد للّه و اللّه اكبر و الحي و القيوم و غيرها فلما قلنا ان المقصود من الايجاد معرفته (ع) اعلم انها لاتحصي و لاتستقصي فمن اراد حصرها اراد محالا لانه تعالي اشار الي هذا في قوله الحق بكلامه الصدق و ان تعدوا نعمة اللّه لاتحصوها و قال في تفسير النعمة في الزيارة السلام علي نعمة اللّه علي الابرار و قال في الزيارة فبلغ اللّه بكم اشرف محل المكرمين ... و قال تعالي لو ان ما في الارض من شجرة اقلام و البحر يمده من بعده سبعة ابحر مانفدت كلمات اللّه ان اللّه عزيز حكيم و المراد بالارض ارض الامكان و المراد بالاشجار الاكوان لانها اقلامها و المراد بالابحر الحقايق الذائبة لانها سواقيها و اما الزارع قال ءانتم تزرعونه ام نحن الزارعون و اما السبعة كما قال الكاظم (ع) في جواب يحيي بن اكثم ثم قال (ع) نحن الكلمات التي لاتحصي و لاتستقصي فالمراد من الابحر السبعة السبعة السبعة ، الحاصل لما انحصر العلم به (ع) ثم [ص 6] انحصر العلم في القرآن و القرآن جميع ما فيه موجود في آية منه بل و في كل كلمة منه بل و في كل حرف لانه تعالي كان يعلم انهم يحذفونه و يسقطون منه شيئا و لذا انزله جامعا هكذا حتي لايضمحل دلالته المقصودة بها في وصف علي (ع) كان القرآن كله في وصفه تعالي و لذا تري انه مشحون بذكره (ع) من اوله الي آخره لما عرفت ان الكتاب كله في وصفه و عرفت ان الكتاب كتابان كتاب تدويني و كتاب تكويني اعلم انه لايتكلم متكلم بلسان طلق و لاينطق ناطق بكلام ذلق و لايتحرك متحرك الا و هو في مدحه (ع) و يكون وصفا له (ع) فجميع الكلمات الصادرة في فضله (ع) و كلها شرح فضائله (ع) بل و كل موجود في العالم كذلك و لذا اشار الي هذا حسن بن علي العسكري الكليم البس حلة الاصطفاء لما عهدنا منه الوفاء و روح القدس في جنان الصاقورة ذاق من حدائقنا الباكورة ، و كذلك الابعر المحملات التي رآها النبي (ص) ليلةالمعراج كلها في فضائل علي (ع) و هي ذاهبة بلا نهاية و لا بداية ابد الآبدين فلما كان تعداد النعمة و شرح فضائله (ع) لاتحصي استحال احصاؤها و استقصاؤها كما قال تعالي مشيرا اليه بقوله بئر معطلة و قصر مشيد فالبئر المعطلة علمهم (ع) و القصر المشيد مجدهم (ع) ثم لما كنا من انوار انوار اجسادهم (ع) كيف لنا الوصول الي درك وصفهم و فضائلهم كما ان النور من الشمس لايحيط بوصف الشمس ابدا ، الحاصل ذات اللّه لايوصف و لايكتب و لا يقال و لايشار و لايحد بل و خلقه كذلك و لذا قال (ع) في الكافي ان اللّه تبارك و تعالي خلق اسما بالحروف غير مصوت و باللفظ غير مجسد و بالتشبيه غير موصوف و باللون غير مصبوغ منفي عنه الاقطار مبعد عنه الحدود محجوب عنه حس كل متوهم مستتر غير مستور ، فلايدخل بالحروف و لايشبه بشيء [ص 7] لانه في عالم آخر من عالم آخر مع ذلك كله هذا فضيلة من فضائله (ع) و اما القرآن و ان قلنا انه كله من وصفه (ع) لكنه بالحروف مصوت و باللفظ منطق و بالشخص مجسد و باللون مصبوغ فكان ذاك الاسم فضيلة اعلي من القرآن و اما اعلي من ذاك الاسم فهو قوله (ع) في الدعاء بعد صلوة الليل في الصحيفة الكاملة الي ان قال و استعلي ملكك ، لا ذاتك ، علوا سقطت الاشياء دون بلوغ امده ، فالاشياء جمع محلي بالالف و اللام يعني جميع الاشياء سقطت عن بلوغ امده كما قال في نهج البلاغة ينحدر عني السيل و لايرقي الي الطير ، و لميبلغ ادني ما استأثرت به من ذلك اقصي نعت الناعتين ، فاذا وصفه (ع) كذلك فما عسي ان يذكر في القرآن فلما كان جميع العالم شرح فضائله (ع) كان كل احد يتشبث ببعض ذكر فضيلة عنده من بضاعته (ع) هذه بضاعتنا ردت الينا لكن الحركة من الفلك و من كل شيء حركة المشتاق اليه (ع) لان الفلك به و له و دائما لايتحرك اليه ( الا اليه . ظ ) لانه مطلوب كل طالب و غايته و لنيجده ابدا فهذا الامر العظيم الذي خلق له السموات و الارض و الجن و الانس و غيرها من الكواكب و الشمس و القمر و النباتات و الجمادات و ساير المخلوقات مع هذا ليس لهذه المسألة عندهم من ذكر و اما كونه علة لخلق السموات و الارض لانه عين الدين و اصله فاصل الدين محبته (ع) فالذي لايحبه يكون مخلدا في جهنم كما روي اخطب خوارزم ان النبي لما عرج الي السماء قال تعالي يا محمد لو عبدني عبد حتي يصير كالشن البالي ثم مااتاني بولاية ابن عمك علي بن ابيطالب (ع) لأكببته علي منخريه في نار جهنم الحديث ، فمحبته (ع) باعث لمعرفته و معرفته سبب استشراق القلب و استشراق القلب سبب علو المقام في جنة عدن و [ص 8] اما الذي مايحبه فلايعرفه فيكون قلبه ظلمانيا فيكون ناقصا مع انه تعالي اكمل به (ع) الدين و رضي من الاسلام به يعني ماكان الدين قبل الاقرار به (ع) كاملا بل كان ناقصا قال اليوم اكملت لكم دينكم و اتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الاسلام دينا فلما نزلت هذه الآية صاح الشيطان صيحة منكرة بين السماء و الارض بان كل ما تعبنا قبل و نتعب فيما بعد فني و اضمحل و ضاع فلايكون له حاصل اصلا فلما صاح و اجتمع عليه الشياطين و الابالسة سألوا منه اي شيء وقع قال كمل الدين و ضاع امرنا لكن صيحتي لجهة حصول الفرج لنا فأمر قومه من الشياطين ان تصرفوا همكم في تشكيك شيعة علي (ع) في محبته (ع) بالاحتمال اولا ثم تخرجوهم من ولايته (ع) شيئا فشيئا و الشياطين عددهم بقدر عدد الملائكة و اما الملائكة فعددهم ... هذا العدد ليس الا بالنوع و الا فهو كما قال و مايعلم جنود ربك الا هو اما ظني في الشيطان انه نال مقصوده و اخبر عنه تعالي و لقد صدق عليهم ابليس ظنه فاتبعوه الا فريق من المؤمنين فالشيطان الآن همه في تشكيك هذه الامة في علي (ع) و اما هذه الفرقة المحقة فليس تشكيكه لهم من هذه الجهة بل من جهة اخري فيجره شيئا فشيئا الي هذا اللهم احرسنا بحراستك و اكلأنا بكلائتك و لاتكلنا الي انفسنا و وفقنا في معرفة الحق و الثواب و العمل به و جنبنا عن الزلل و الخطاء و طغيان الفهم و العلم بمحمد و آله بالجملة اول ما يفعل الشيطان بالانسان هو انه يعظم الحديث عند الشخص حتي يقول الشخص اولا ان هذا ليس بحديث ثم يأتي له بدليل عقلي من امثاله و اقرانه و يقول له فلان ماقبل هذا و ماقال به و فلان ماقبل هذا فيعد له العلماء من سنخه و اما اذا ثبت انه حديث فيأتي و يقول له لو سلمنا ان هذا حديث صحيح [ص 9] لانسلم ان هذا المعني ثابت له (ع) ليكون هو (ع) صاحب هذا المقام فيترقي في الانكار بحيث يجوز السهو للنبي (ص) كما سمعت من واحد من العلماء انه لما سئل عنه حديث سوادة انه قال له (ص) يا محمد انت ضربتني في منزل الفلاني بسوطك حين كنت ناويا ضرب ناقتك قال (ص) يا سوادة ماتعمدت باذيتك الحديث ، فكر و قدر ثم قدر و فكر قتل كيف قدر ثم نظر و بسر ، قال ذلك العالم انه (ص) سها بدليل قوله ماتعمدت ثم قال و لا استبعاد لان الصدوق ذهب الي هذا ايضا ● فالشيطان في بعض الاحيان يجر الامر الي ان يقول الشخص انا اثبتنا ولاية علي (ع) بالدليل و لعله قد يكون الحق مع الثاني في الواقع كما قيل ، الحاصل لما اندرس العلم وجب علي العالم اظهار علمه لانه قد ورد عنهم (ع) اذا ظهرالبدع فللعالم ان يظهر علمه و لو لميظهر علمه فعليه لعنة اللّه و لعنة الملائكة اجمعين و لا شك ان البدع ليس اشد من انكار فضيلة علي (ع) مع انه اصل الدين و اس العلم فلو انكر فضيلته او بخل بها او ستر بها و لميظهر فعليه لعنة اللّه فلما كان كذلك وجب علينا ان نذكر من عجائب فضائله و غرائب اوصافه (ع) لعلها ينتفع بها الناس لانه ورد عنهم (ع) من ذكر فضيلة [ص 10] من فضائل علي عليه السلام يغفر اللّه له ذنوبه التي فعلها بلسانه و من سمعها غفر اللّه له الذنوب التي فعلها بأذنه و من فهم معناها و تصورها في خياله و مشاعره بل و جميع مداركه غفر اللّه له ذنوبه التي فعلها بها نقلت بالمعني ، الحاصل ان اللّه سبحانه لما خلق الخلق لينفعهم لا لينتفع بهم لانه تعالي غني عنهم فخلقه تعالي اياهم لطف و منة و كرم منه لايصال النفع عليهم لا لجهة اظهار العظمة و لا لاظهار ذاته تقدس و تعالي بل محض العطاء و الفضل لانه سبحانه لايحتاج في امره الي خلق الخلق حتي يظهر بهم و ان كان قال بعض قاصري النظر انه تعالي خلق لاجل معرفته و ظهور امره و لكن نحن نقول لجهة العطاء و الفضل لا لغيره لايريد منهم جزاء و لا شكورا فلما اراد ان يخلقهم وجب ان يخلقهم علي اكمل ما يكون و اعلي ما ينبغي بحيث لايقال لو كان كذا لكان احسن فلما كان كذلك نقول لا شك ان المختار اشرف و اولي من المضطر اجماعا فيجب عليه ذلك و الا لاختلت الحكمة و لبطل النظام و لا شك ان الاختيار هو عبارة عن مبدء ميلين متضادين بحيث ان شاء فعل و ان شاء ترك و لا شك ايضا ان الشيء الحادث مخلوق من جهتين جهة رب و جهة نفس و بعبارة اخري من جهة غيب و من جهة شهادة و عبارة اخري من روح و جسد و لما كان كذلك وجب في الحكمة ان يكون لكل واحد منهما لتربية كل منهما عقاقير و ادوية حتي لايضمحل لان المطلوب بقاؤه للعلم و العمل كما قلنا فلما احتاج الشيء من حيث التركيب و الخلقية الي اسباب الترقي قلنا ان السبب وجودا و عدما لايخلو من سببين سبب دفع و سبب جلب و ان شئت زد عليهما سببا للترقي و لا شك ان الاسباب عبارة عن التكليفات الشرعية ثم لا شك ان [ص 11] الخلق في تلقي هذه الاسباب مختلفة قوة و ضعفا و لهذا اختلفت مراتب الجنان و دركات النيران و هذه الاسباب قد تكون معارضا و قد تكون مساويا و قد تكون احديها غالبة علي الاخري فلما كانت الاسباب متعارضة خلق اللّه سبحانه سببا قاهرا قويا لكل داء حاصل للجسد و هو الاكسير و اما الروح فلما كانت مطابقا للجسد لتطابق عالم الظاهر و الباطن فلا بد لها من العقاقير و الادوية و الاسباب ايضا كالجسد حرفا بحرف في المعارض و عدمه و في السبب القوي القاهر الغالب الدافع جميع الداء و لذا قلنا ان اسباب ترقيها العلم و العمل و الاعتقاد و المعرفة مجملا لما كان سبحانه كاملا غاية الكمال المطلق وجب في الحكمة ان يخلقهم مختارين فلما وجب الاختيار وجب ان يأمرهم و ينهاهم حتي ترقوا الي اعلي المقامات فوصلوا به الي اسني الدرجات و لا شك ان الوصول موقوف بالاسباب لانه تعالي ابي ان يجري شيئا الا بالاسباب و قلنا ان الاسباب يختلف قوة و ضعفا و لما كان كذلك وجب علي اللّه ان يوضع لهم شيئا قاهرا بحيث اذا ظهر يدفع جميع المعارضات كلها ثم لما علم تعالي ان الخلق لاينفك عنهم المعصية بل و لا بد صدورها عنهم الا اناس مطهرون و لايلزم من قولنا لاينفك عنهم المعصية لزوم المعصية و وجوبها لهم بل المراد ان الخلق لدنائة رتبتهم و اسفلية مقامهم صاروا هكذا و لذا ورد ان الانبياء صدر عنهم ترك الاولي منهم آدم ابو البشر لانه ورد في حقه ترك الاولي مع انه (ع) كان بيده تعالي و نفخ تعالي فيه من روحه و اسكنه (ع) بحبوحة جنته و اسجده ملائكته لكن لما جاء الشيطان و احلف له ارتكب بما ارتكب فالشيطان عدو مبين و له تصرف في جميع الجوارح و البدن و الناس في معرفة ربهم ضعيف بالجملة لما كانت بنية العالم ضعيفة ليست لها قوة لترفع العوارض و يجلب المنافع فيترقي الي المقامات و [ص 12] يصعد الي الدرجات وجب له تعالي ان يجعل لهم معجونا قويا دافعا كل شيء من المضارات و لو كانت سمّا و هو ولاية آلمحمد (ص) لانها تقوي الروح و تدفع المرض و تضمحل المعارض كلها و لذا قال و من دخله كان آمنا و لا شك ان الناس كلهم محتاجون الي هذا المعجون لان المخلوقات لما ثبت بالدليل القاطع من العقل و النقل انهم من امة محمد (ص) و هو مبعوث عليهم كلهم كما اشار اليه تعالي بقوله تبارك الذي نزل الفرقان علي عبده ليكون للعالمين نذيرا و ثبت ان كل فرد فرد من افراد الموجودات مختار ذي شعور وجب له تعالي ان يظهرهم (ع) لكل احد مقامهم و معرفتهم (ع) حتي يجعل لهم من ولايتهم (ع) دواء فمحبتهم و ولايتهم دواء لكل داء عند من يعلم هذا و الا فلا فلما كان الخلق امة محمد (ص) و وجب علي اللّه ان تعرفهم (ع) اياهم و كان كل ما جاز علي اللّه وجب لئلايستلزم الاخلال بالحكمة عرفهم فردا فردا في العالم الاول و قال ان من ارادني يبدء بهم (ع) و من وحدني يقبل عنهم (ع) و من قصدني يتوجه بهم (ع) لانهم (ع) بابي و مظهري فقولهم قولي و امرهم امري و نهيهم نهيي ثم قال كل من اراد شيئا و احتاج الي شيء لا بد و ان يأخذ منهم (ع) و نص علي هذا مولينا علي بن محمد (ع) في الزيارة الجامعة الكبيرة بقوله فبلغ اللّه بكم اشرف محل المكرمين و اعلي منازل المقربين و ارفع درجات المرسلين حيث لايلحقه لاحق و لايسبقه سابق و لايطمع في ادراكه طامع حتي لايبقي ملك مقرب و لا نبي مرسل و لا صديق و لا شهيد و لا عالم و لا جاهل و لا دني و لا فاضل و لا مؤمن صالح و لا فاجر طالح و لا جبار عنيد و لا شيطان مريد و لا خلق فيما بين ذلك شهيد الا [ص 13] عرفهم جلالة امركم و عظم خطركم و كبر شأنكم و صدق مقاعدكم و ثبات مقامكم و شرف محلكم و منزلتكم عنده و كرامتكم عليه و خاصتكم لديه و قرب منزلتكم منه ، فعرفهم سبحانه و تعالي المقامات العشرة المذكورة فلما عرفهم اللّه تعالي عرفوهم (ع) كل احد لكن لما كان تعريف اللّه غير تعريف الخلق لا بد ان يكون علي اكمل ما يكون و علي اعلي ما ينبغي في الحكمة و القدرة حتي لايختلفون فيه و لما كان من الاولي ان يكون تعريفه تعالي بحيث لايقال لو كان كذا لكان اولي وجب ان يعرفهم علي طور يفهمه كل احد فان كان عربيا يلزم ان يفهمه العرب و لو كان خطّا و كلاما كان للاعمي و الاصم علي اللّه حجة بانا مارأيناه و مافهمناه فلما كان الاولي ان يعرفهم علي وجه لايحتمل السهو و النسيان و يكون ان لايمكن اجلي منه تعريف و اعلي منه بيان فعل ذلك له الشكر و له المنة فاذا وجب كذلك قلنا ان التعريف علي قسمين حالي و مقالي اما الحالي فهو عبارة عن وصف كينونة الشيء علي ما هو عليه الشيء كما اذا كنت اردت ان تصف فرسا مثلا ببيان الحالي نقشت صورته او تأتي به و اما المقالي فهو عبارة عن نقل اوصاف الشيء قولا و الفرق بينهما ان الوصف الحالي اذا دريته و رأيته لاتشك اذا رأيت الفرس نفسه بخلاف المقالي لانه قد يختلف ثم لا شك ان الحالي اجلي من المقالي و ثم لا شك ان الجمع بينهما اي بين البيانين اظهر و اجلي و اوضح و ادل علي المطلوب و لما كان هذا هو الاكمل و اللّه سبحانه لايترك الاكمل فيجب في الحكمة ان يأتي بالاكمل لانه لما عاتب انبياءه بترك الاكمل و الاولي و عاقبهم لايرتكبه فكيف و هو يقول لم تقولون ما لاتفعلون فلما وجب الجمع فعل له الحمد و الشكر ثم نقول ان التعريف الحالي و المقالي هو الاصل [ص 14] في وجود الجنة و النار بل و في وجود جميع خلق كل خير و شر فلا بد من ذكره فذكر له المنة و الحمد و اما المقالي فملأ جميع الدفاتر و الطوامير اما الكتب السابقة السماوية لا شك في كونه فيها و اما القرآن فقد تقدم منا لكم ان التورية مثلا وجه من وجوه القرآن و كذلك الانجيل و غيره و لا شك ان القرآن كله من اوله الي آخره في وصف محمد و آلمحمد و لو اعترض معترض و قال كيف و اني لك الدليل من العقل بان القرآن في وصفهم (ع) و ان كان ظهر من قولي ان القرآن من العالم و العالم كله وصف حالي و شرح حقيقي لوصفهم لكن نقول انه لا شك ان العلوم خير و هم (ع) اصل الخير و انها حق و هم (ع) اصل الحق و انهم (ع) اول متعلق الجعل الالهي و اول المتعلق اصل لكل شيء مما هو حاصل لمن دونه كما حقق في محله لما جر الكلام الي (كذا) نقول ان الحالي هو الاصل و هو اجلي بحيث كل احد يعرفه لكن الآن صار اخفي من كل شيء لان الناس بعضهم تشبثوا بحديث الارباع و بعضهم بحديث الاثلاث و بعضهم بحديث النصف لانهم (ع) قالوا في بعض كلماتهم الشريفة ان القرآن ربعه فينا و ربع في اعدائنا و ربع في القصص و الاحكام و ربع حكايات و قال في مقام ان ثلثه فينا و ثلثه في اعدائنا و ثلثه في القصص و الاحكام ، هذا و امثاله صدوره منهم (ع) بقدر فهم الناس من العوام و اما عند الكاملين من العرفاء فهو كله وصف شرح فضائلهم (ع) لانه ورد عنهم (ع) ان كلما في الكتب المنزلة في القرآن و كلما في القرآن في الحمد و كلما في الحمد في البسملة و كلما في البسملة في الباء و كلما في الباء في النقطة و انا النقطة تحت الباء [ص 15] ه، فلما ثبت هذا نقول انه لو انصف منصف لعلم و فهم و اعتقد و قال ان كل علم في الدنيا و الآخرة في فضله (ع) و يري ان جميع الدفاتر و العلوم و كل الاذكار من جميع الرسوم ذكر آلمحمد (ص) و قد نص علي هذا مولينا الصادق (ع) لما جاءه رجل و سأل عنه يا مولينا سمعت حديثا عن جدك و ماادري أهو صدق ام لا ثم قال و هو انه ورد ان رسول اللّه (ص) لما اراد ان يجيب داعي ربه وصي عليا (ع) و قال له يا علي لما اجبت غسلني و حنطني و كفني ثم اقعدني علي سريري ثم سلني اجبتك فلما فعل علي ما وصاه (ص) و اقعده علي سريره فسأل عنه (ص) عما اراد اجابه بالف باب يفتح من كل باب الف الف باب فلما سمع الصادق (ع) هذا قال يا فلان نعم هذا صحيح ثم سأل الرجل يا سيدي هل وصل الي شيعتكم من هذا شيء ام لا قال (ع) باب او بابان فلما استشعر الرجل ان العلوم كلها من فضلهم قال يا مولاي ما وصل الي شيعتكم من فضلكم باب او بابان قال (ع) واللّه ما عسي ان يصل اليكم الا الف غير معطوفة ه، اي لايفهمون شيئا فلما قال (ع) هكذا ما اكثر جهلا الذي مايعلم شيئا و ماوصل اليه معني يقول ان مقالاتنا و معتقداتنا غلو في حقهم (ع) فاعتبروا يا اولي الابصار ، الحاصل الشاهد من الحديث العلوم لانه (ع) قال كلها في فضلنا و لا شك انها في فضلهم لان العلوم خير و هم اصل الخير ان ذكر الخير كنتم اوله و اصله و فرعه و معدنه و مأواه و منتهاه ، و انها حق اشهد ان الحق معكم و فيكم و منكم و اليكم فالخير كله محصور عندهم كما ان الشر في اعدائهم بالجملة ان القرآن و جميع الموجودات في فضلهم و شرح احوالهم (ع) كما ذكر [ص 16] المجلسي في كتبه من الفارسية بان الموجودات من السموات و الافلاك و الارضين و ما بينهما كلها مخلوقة من انوارهم (ع) فلما كان كذلك نقول انه لا شك ان النور لايدل علي غير المنير و لا له دلالة الي غيره اذ غيره لايكون ابدا فهذه الدلالة هو العلم لان العلم اما طبيعي و هو يذكر فيه الاجسام او رياضي يذكر فيه الهيئات و الاوضاع و الاقترانات و الاعداد و الحدود و الاشكال او غيرها فهذه و غيرها كلها احوال العالم و العالم مخلوق من انوارهم (ع) فصار كلها وصفهم (ع) ،
ما في الديار سواي لابس مغفر و انا الحمي و الحي مع فلواتها
فلما كان العالم كله في وصفهم (ع) و ان القرآن بعض من العالم كان القرآن بعض وصفهم (ع) لا كله لان مقامهم فوق ثم فوق ثم فوق و لذا ورد ان اسماءهم (ع) مكتوبة علي كل شيء كما ورد ان عليا (ع) قال كتب اسمي علي البرق فلمع و علي الودق فهمع و علي الليل فاظلم و علي النهار فأضاء ه، و ليعلم ان هذا الخط ليس عربيا و لا عجميا و لا غيرهما بل علي طور آخر و نعم ما قال الميرزا نعيما السمناني :
من گنگ خواب ديده و عالم تمام كر من عاجزم زگفتن و خلق از شنيدنش
فنقول ان العالم كله هو لانه ورد في الاحتجاج للطبرسي ان اللّه سبحانه لما خلق العرش كتب فيه لا اله الا اللّه و لما خلق الكرسي كتب فيه لا اله الا اللّه و كذا غيرهما ، و الاشارة الي هذا في قوله (ع) فبهم ملأت سماءك و ارضك حتي ظهر ان لا اله الا انت ، و قوله فأينما تولوا فثم وجه اللّه ، چشم حق بين هركجا رو آورد پيدا علي است .
[ص 17] الحاصل الدليل المقالي هو القرآن كله من اوله الي آخره و الاحاديث كلها كذلك و اما لما كان الكلام لنا الآن في هذه الآية المباركة فنقول ان جميع احكام الذرات الوجودية فيها لان الموجودات لما كان كلها امة محمد حتي العرش و الكرسي و الاراضي و السموات و الجبال كانت الآية لها كلها فلما كان العرش من امته (ص) و هو نفسه ذي شعور و ادراك لانه مختار فلا بد ان يكون له عبادة و تسبيح و زجل و تقديس فلما كان كذلك نقول اذا عرض هذه الآية ان اول بيت وضع للناس الخ ، للعرش هل يفهم من البيت هذا المعني الذي عند الناس و لا شك ان المعني المفهوم منه عنده غير هذا و كذلك عند اهل الجنة لانهم لايفهمون ان البيت هو عبارة عن هذه الارض السوداء القفر الوادي الغير ذي زرع الواقع بين الحجرين الاسودين بل غيره و ان كان هذا ايضا منه .
نور - و ليعلم ان القرآن لكل شخص لا لشخص واحد او اكثر و لذا نقول انه ليس معجزة لنبينا (ص) خاصا دون غيره بل لكل احد بعث اليه فالقول بانه معجزة لطائفة مخصوصة ليس بتمام مع ان الرب عظيم لايريد التخصيص ابدا نعم محمد بن عبداللّه اول ما بعث للانبياء فقرأ لهم القرآن و اخذ العهد منهم في ابن عمه قأقروا له (ع) ثم اتي لهم معجزة و هو القرآن قال و كذلك اوحينا اليك روحا من امرنا ماكنت تدري ما الكتاب و لا الايمان ثم نقول مجمل الكلام انه نحمل الكلام في جميع المقام الي حقيقته فلانلتفت الي التجوز من جميع انحاء التكلفات المحتاجة الي القرينة الصارفة الحالية او المقالية مع ان الاستعمال الحقيقة و الصرف الي المجاز يحتاج الي القرينة و لا احد قال ان عدم الفهم قرينة المجاز فلما كان من الواجب صرف الكلام الي حقيقته نقول ان قوله في الآية [ص 18] هدي للعالمين المراد به جميع العالمين الذي اللّه ربهم هذا البيت هاديهم فيكون هدايتهم جميعا بهذا البيت و لا شك ان هذا البيت الهادي للكل ليس هو مكة فان قلت ان العالمين هو هذا المحصور عندنا قلت علي قولكم يلزم تخصيص الاكثر الممنوع عندكم و ان كان صحيح عندنا ثم نقول البركة هي الزيادة و النمو فهي في هذا البيت لان من الزيادة زيادة العرش و زيادة الكرسي و زيادة الجنة و زيادة النار و غيرها من العالمين و لا شك انها لاتحصل زيادتها من هذه البلدة اي مكة و اما قوله آيات بينات مقام ابرهيم فنقول ليس هناك الا حجرة و ابرهيم و بلدة و بيت كيف تكون هذه بينات مع ان الشمس و العرش و الكرسي و الكواكب ابين منها و ان الشمس و القمر كذلك و لو قيل قصة اصحاب الفيل و الابابيل من البينات نقول لا شك في ابينية الشمس لانها لو فرض انها اذا غربت يفسد الامر علي الخلق كما لايخفي و انها ابين من البيت من هذه الجهات قطعا و لما كان كذلك نقول ان اللّه سبحانه لايخلي بالامر العظيم فلو فرض كذلك يكون مثله ( تعالي ) مثل الشجاع العظيم الذي ليس له نظير و اراد ان يخبر من شجاعته و يقول انا شجاع كبير و انا شجاع عظيم ثم يقول انا قتلت قملة ، الحاصل علة جمود الناس عدم فهمهم و اما بعض بياناتهم (ع) في بعض الاحاديث من معاني فقرات الآية فبقدر فهمهم و اما البيان لنا فقد بينوا (ع) بالقواعد الكلية لهم المنة و الشكر بالجملة لما كان لنا حصول صرف المعني الي الحقيقة لا بد لنا من الصرف الي المجاز او القول بالتخصيص لانه لا وجه له حينئذ و اما قوله تعالي و من دخله كان آمنا لا بد لغيرنا ان يخصصوه و يأولونه بالمجاز لانه ورد ان ابن زبير دخل البيت و قتل فيه فلما رأوا هذا حملوا الكلام [ص 19] و قالوا ان الجملة الخبرية في مقام الجملة الانشائية كما قالوا في قوله و الوالدات يرضعن اولادهن حولين كاملين و ليس قولنا عليهم في تخصيصهم بعضا دون بعض بل كل المفسرين ماذهبوا الا الي التجوز و التخصيص و اما التجوز في قوله و من دخله الخ ، فهو غير صحيح لان لفظة مَن من ادوات العموم الشاملة لجميع من دخله و اما قوله و من كفر فان اللّه غني عن العالمين نقول انهم قالوا ان المراد من الكفر هنا كفر الطاعة لا غيره لانهم لايعلمون غير هذه التخصيصات مع ان الذي لايحج لايكفر و قوله حج البيت الخ ، قالوا الالف و اللام للعهد مع انها للجنس للاصل و صرفه الي العهد مجاز يحتاج الي قرينة صارفة و اما تعقيبه تعالي بقوله و من كفر فان اللّه غني عن العالمين فعجيب لان الذي مايحج ليس من الفصاحة ان يقال عقيبه و ان اللّه غني عن العالمين مع هذا كله نقول هذه التخصيصات و التكلفات كلها مراد في الحقيقة و اما اذا قلت بالمعني الحقيقي و اردته يدخل فيه هذا البيت و هذه الآيات و غيرها بلا تكلف الحاصل كلامنا كان في المعاني (ظ) فنقول ان السلسلة الوجودية علي ثمانية اقسام اولها الحقيقة المحمدية ثم الانبياء ثم المؤمنين من الانس ثم المؤمنين من الجن ثم الملائكة ثم الحيوانات ثم النباتات ثم المعادن ثم الجمادات اما كلامنا الآن فليس في هذه المراتب الا في الانسان من المؤمنين من الانس و لا شك انهم علي ثلثة اقسام خصيص و خواص و عوام و ليعلم ان العوام ايضا علي ثلثة اقسام قسم اعلي و قسم اسفل و قسم بينهما فهذه الاقسام احكامهم كلها موجودة في هذه الآية المباركة فان استطعتم معي صبرا سأنبئكم بما فيها خبرا .
[ص 20] تنوير و تفصيل تنزيل و تثبيت - من المعلوم انه تعالي لما جعل العالم عالم الاسباب لانه ابي ان يجري الاشياء الا باسبابها كما هو مأثور فجعل لكل شيء سببا كما في التنزيل و هو كما يشبع الشخص بالخبز مثلا و يرويه بالماء و يوجده بأبيه و امه و يستره باللباس فلما كان هذا المعني جاريا في العالم الصغير لا بد و ان يكون ثابتا في العالم الكبير لتطابقهما و لقوله (ع) ان الاستدلال علي ما هنالك لايعلم الا بما هيهنا ، فلما كان كذلك جعل سبحانه للعالم الكبير سببا كليا و حافظا حقيقيا و مدبرا قاهرا لبقاء نظام العالم الكلي كما قلنا و نقول ان النار للاحراق و الماء للتبريد و الشمس للاضاءة مع انه تعالي مارفع عنها يده و لافوض اليهم امره بل هو تعالي المحرق و هو المضيء لكنه جعلها محلا لامره و مظهرا لمشيته و سببا لاظهار فيضه و قدرته و لما كان السبب الاعظم لهذا العالم محيطا علي كل شيء كالقلب المحيط علي البدن جعله بحيث يدور عليه جميع الامور من العلل و الاسباب و المعدات و الشرائط و المبادي كلها بذلك السبب الاعظم كما انك تري ان السفليات كلها مستمدة من السموات و ان كان الممد هو اللّه سبحانه كما قلنا ان اللّه سبحانه يغذيك و يرويك و يمدك لكن بالسبب القوي الذي هو القلب لان مدار البدن به و لذا اذا كان البدن سقيما يدل علي سقمه و اذا كان سمينا قويا يدل علي قوته و اذا كان ساكنا مطمئنا يدل علي اطمينانه و اذا كان مضطربا متزلزلا يدل علي اضطرابه كذلك فالقوة و الضعف و الاضطراب و السكون كلها من القلب لان كل المضافات المنسوبة الي البدن وجودا و عدما و نفيا و اثباتا كلها بالقلب الاتري ان البول و الغائط و ساير النجاسات اكثف ما في البدن و ان المشاعر و القوي احسنه و انهما كلاهما قائمان بالقلب [ص 21] كلا نمد هؤلاء و هؤلاء من عطاء ربك فالقلب هو عطاء اللّه سبحانه هذا عطاؤنا فامنن او امسك بغير حساب و لا شك ان البدن جامع لجميع ما في العالم الاكبر لقوله (ع) :
و تزعم انك جرم صغير و فيك انطوي العالم الاكبر
● اي من سمواتها و ارضيها و جبالها و سهلها و براريها و ابحارها و مياهها و مجرديها و ماديها و بسايطها و مركباتها و ما لها و منها و اليها و بها و عنها و فيها و لديها فلما جامع البدن هذه كلها لا بد لها من مِلاك و حافظ يحفظها و يكون قوامها به و هو القلب و لا شك انه خلق من خلق اللّه سبحانه و عبد من عباده تعالي لايملك لنفسه ضرا و لا نفعا و لا موتا و لا حيوة و لا نشورا فلما كان هو الملاك القائم به جميع امور البدن ليس علي الجوارح و الاعضاء من الصدر و الكبد و الدماغ و غيرها ان يعترضن له تعالي لم كان القلب رئيسا لنا و لم جعلته حافظا لنا لانه ماقدم شيئا علي شيء الا بتقدم ذلك الشيء في الاجابة و اطاعته له سبحانه قبل كل الاشياء فلما كان تقدم جعله تعالي محلا لامره فاحتاج البدن في جميع ما يحتاج اليه اليه من امور نظامه و احكامه و لا شك ان القلب ليس هو اللّه بل خلقه فالقلب المتقدم في الاجابة المطيع للّه صار حافظا للبدن باللّه سبحانه و ليس علي اللّه حجة لسائر البدن اذاً لان اللّه اعلم حيث يجعل رسالته فلما كان ما في البدن سلطانه و ملاكه القلب كان للعالم الكبير كذلك لتطابقهما لعدله تعالي و لكون الوحدة اشرف و ما امرنا الا واحدة و لذا قلنا ان له لا بد و ان يكون قلبا و ملاكا كليا و سلطانا قويا قاهرا و نورا شعشعانيا و حافظا [ص 22] ثابتا جامعا مملكا بحيث يدور ما في هذا العالم علي هذا القلب المعظم و السبب المكرم مما به و له و فيه و عنه و لديه و عنده و لا شك انه باب للامدادات و ممد لما يحتاج اليه الذرات لتقدمه عليهم كلهم في الاجابة و لعبوديته لربه حق العبادة فلما كان كذلك شرفه اللّه تعالي علي من دونه و اعطاه ما عنده و كرمه و اغناه و قرّبه و ادناه فملكه ما سواه و ليس يرفع تعالي يده عنهم لانه تعالي هو المالك لما ملكهم و القادر علي ما اقدرهم عليه يعلم ما بين ايديهم و ما خلفهم و لايشفعون الا لمن ارتضي و هم من خشيته مشفقون و من يقل منهم اني اله من دونه فذلك نجزيه جهنم و قولي ان البدن مداره بالقلب المراد به هو المشار اليه بأنا كما تقول جسدي و روحي ● . و عقلي و مثالي و طبيعتي و سري و علانيتي من جميع مضافاتك و منسوباتك و اما قلبي فالاضافة هنا بيانية فافهم فالقلب هو باب اللّه سبحانه فنسبة هذا القلب بهذا البدن نسبة القلب الاعظم بعالم الكبير حرفا بحرف بمعني انه كما يفني البدن و ينعدم بعدم القلب كذلك العالم الكبير ينعدم بعدم الامام (ع) كما هو ثابت من ضرورة المذهب ان العالم لو خلي بلا امام (ع) ليفني و لولا (ظ) الامام لساخت الارض باهلها فلما ثبت التطابق بين العالمين الكبير و الصغير في احتياجهما الي ملاك و حافظ نقول الآن من الذي يوجد العالم بوجوده و يعدم بعدمه و لا شك انه هو الامام (ع) مع كونه لايملك لنفسه نفعا و لا ضرا و لا موتا و لا حيوة و لا نشورا لانه لايسبقه تعالي بالقول و هو بامره يعمل [ص 23] لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون لانهم لما سبقوا الخلق في اجابتهم لربهم (ع) اعطاهم بحقيقة ما هم اهله فصار بيدهم مفاتيح الامور كلها فلما كان كذلك اَجْرِ الحكم الذي تنسبه الي القلب بالنسبة الي البدن الي القلب الاعظم الكلي بالنسبة الي العالم الكبير فالمراد من هذا البيان كله ان يعتقد المكلف السالك في امامه (ع) بالنسبة الي العالم كله كنسبة قلبه الي بدنه كله مما قدمناه فلما احتاج العالم الكلي الي القلب الحافظ المالك القاهر الممد نقول لا ضير اذا في كون هذا القلب هو الامام (ع) لانه لما ثبت احتياجه ( اي العالم ) الي مدبر و باب و هادي لا شك ان الباب و الهادي لو كان اكمل و اشرف لكان اولي و احسن و لا شك ان الاولي و الاكمل من الامام (ع) ليس و لايكون ابدا اتفاقا من الفريقين نعم لو قلت انه رب و اله او الامر مفوض اليه جميعا لايقبل منك لانه ليس بصحيح و اما اذا قلت ان اللّه هو المدبر وحده بهذه الاسباب لايلزم شيئا و لا ضير فيه اصلا فلما ثبت الملاك و الحافظ نقول انه لا ريب ان البدن معلوم للقلب و هو عالم به بجميع ما فيه حديثا و قديما نفيا و اثباتا وجودا و عدما كما انك اذا ورد عليك شيئا علي ظاهر بدنك من الآلام او النعم من المكروهات و المحبوبات يعلمه في تلك الساعة ثم لا شك ان القلب يعرفه جميع اجزاء البدن مما فيه و ان كلها مادّة اعناقَها اليه مدَّ الفقر و الاحتياج و مد الاستمداد و السؤال ثم يأخذن منه ما يحتاج اليه و يقبلن اليه و يتوجهن به فلما تمهّدت هذه المقدمة نقول ان العالم جميعه غيبه و شهادته علويه و سفليه ظاهره و باطنه كلها عرفوا آلمحمد (ص) بسر الحقيقة و بحقيقة الكينونة حتي لايبقي ملك مقرّب و لا نبي مرسل و لا صدّيق و لا شهيد و لا عالم و [ص 24] لا جاهل و لا دنيّ و لا فاضِل و لا مؤمن صالح و لا فاجر طالح و لا جبّار عنيد و لا شيطان مَريد و لا خلق فيما بين ذلك شهيد الا عرّفهم جلالة امركم و عِظم خطرِكم و كبر شانكم و تمام نوركم و صدق مقاعدكم و ثبات مقامكم و شرف محلِّكم و منزلتكم عنده و كرامتكم عليه و خاصّتكم لديه و قرب منزلتكم منه ، فلايخفي اذا عليهم (ع) علم شيء ابدا لقوله تعالي و كذلك جعلناكم امة وسطا لتكونوا شهداء علي الناس و يكون الرسول عليكم شهيدا ● لانهم (ع) سابق علي كل شيء و باب لكل شيء و محيط علي كل شيء و لا شك ان المحيط عالم بالمحاط بجميع ما له لا سيما اذا كان مبدأ جميع ما فيه منه و اليه و به فان شئت امثل لك مثلا لتقريب المعني و هو لو فرض ان واحدا قاعد في السماء لكان يعلم كل من تحته و دونه من اهل الارض كما ان الملك القاعد في دائرة المارة بالاقطاب الاربعة و هو يصيح كل يوم وقت الصلوة قوموا علي نيرانكم التي اوقدتموها علي ظهوركم الحديث ، او كعزرائيل المحيط بجميع العالم و العالم به كله لان العالم عنده كالقصعة او كالدرهم علي اختلاف الروايتين ثم نقول هل الائمة (ع) يعلمون القرآن ام لا و لا شك انه لايسعك انكار هذا بانهم عالمون به و لا شك ان فيه تفصيل كل شيء من احوال جميع الذرات مما سواه تعالي لانهم امام علي كل مذروء و مبروء بنص الاخبار و الآيات كما تقدم و كما سيجيء ان شاء اللّه فيما بعد فلما كانوا هم (ع) شهداء علي الناس وجب ان يكون الشاهد شاهد صدق و حق لا شاهد بهتان و زور فلما كان علي الصدق وجب [ص 25] ان يكون الخلق بمرأي منه و مسمع السلام علي صاحب المرأي و المسمع فاذا كان كذلك اعلم انه تعالي عرفهم (ع) الخلق بثلثة تعريفات تعريف تكوين و افتقار و تعريف حالي كشفي و تعريف مقالي اما الاول فكمعرفة البدن في فقره الي القلب لان للمحتاج لا بد و ان يعرف غنيته و اما المستضعف فنقول انه فرق بين تعريف فقر و بين تعريف ادراك فلما كان كذلك نقول ان المستضعف يدري و يعلم و يعرف احتياجه الي غني ما و لكنه لايدركه من هو و لذا قلنا ان المستضعف يعلم غنيا مطلقا و اما ليس له علم علي علمٍ بانه من هو بخلاف المؤمن الممتحن لانه له ادراك علي العلم بالعلم اي يدري انه يحتاج الي غني و يعلم ان هذا الغني من هو فالافتقار تعريفه ثابت لكل شيء و لذا يقول بالممد كل احد بشيء دون ما يقول غيره لكن نريد العلم بالعلم و اما في يوم القيمة يوم الذي يكشف عن ساق كل الخلق يقولون هذا هو الذي كنا نريده كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون ففي ذلك اليوم كلما رزقوا من ثمرة منها قالوا هذا الذي رزقنا من قبل و اما الثاني فهو تعريف حال و ضرب مثال و شرح حال و بيان امثال بمعني انه كتب في كل شيء من كل شيء بكل شيء معرفة آلمحمد (ص) في سرائرها و حقايقها كائنة ما كان و بالغة ما بلغ بانهم (ع) خير الخلق و اقدمهم و اسبقهم و انهم هم المدبرون فلو كان لك بصر حديد و القيت سمعك و انت شهيد تعرف كلها بفطرتك الالهية انهم باب اللّه و عينه و اذنه و سمعه و ان قولهم قول اللّه و امرهم امر اللّه و نهيهم نهي اللّه لان كل مولود ولد علي هذا و انما ابواه يهودانه و ينصرانه و يمجسانه و الفرق بين التعريفين اي تعريف الكينونتي الافتقاري و بين تعريف الحالي الكشفي البياني هو ان الاول [ص 26] تعريف اضطرار و افتقار بحيث لايسع الانكار هناك بوجه من الوجوه ابدا بخلاف الثاني اي في معرفة الكشفي الحالي لانه قد ينكر كما انكروا يعرفون نعمة اللّه ثم ينكرونها و اما الثالث فهو علي قسمين قسم حكم اصحاب الوحدة و قسم حكم اصحاب الكثرة و الكثرة علي قسمين قسم في بيان حكم النفس الامري و قسم في بيان حكم الواقعي و النفس الامري ايضا علي قسمين قسم احكام اهل الدنيا و قسم احكام اهل الآخرة و الدنيوي ايضا علي قسمين قسم حكم اصحاب العالم العلوي من السموات و قسم حكم اصحاب عالم السفلي و السفلي علي قسمين قسم احوال كائنات الجو و قسم احوال حقائق الجوهرية و العرضية .
زيادة توضيح - لما كان اللّه سبحانه فردا كاملا في وحدانيته خلق العالم علي كمال ما ينبغي ثم لما كان الخلق جهالا لايعرفون شيئا مما يليق لجلاله سبحانه تعالي مما ينبغي من اعمالهم و افعالهم و طاعاتهم و معاملاتهم و معاشراتهم وجب ان يعلمهم بما يتوجهون به الي اللّه سبحانه و ما يعرفونه به و لما كان الخلق لميمكنهم الوصول الي جنابه الاحدي الصمدي جعل لهم معلما ليرشدهم علي طريقة سلوكهم مع اللّه في مصالحهم و مضارهم و يعلمهم اسراره و جميع ما يحتاجون الخلق اليه بالجملة لما كان الصعود اليه تعالي محالا و النزول منه الي الخلق كذلك و لانه لايعرف بهذين لو فرض بل هو تعالي يبين نفسه و يعرفها اعرفوا اللّه باللّه و قال و انت دللتني عليك و دعوتني اليك ، لان المناسبة ثابتة بين المدرك و المدرك علي الاصح فلما ماكانت المناسبة هناك لا معرفة بل المعرفة به بنفسه نفسه و لما كان الخلق جهالا لا بد ان يعرفهم سبحانه نفسه لهم كما قلنا و يعرفهم اعمالهم و اقوالهم و احوالهم و حركاتهم بكل الاطوار في جميع الاكوار لانهم ليس لهم التلقي من الذات ابتداء بلا واسطة و لذا قلنا لا جرم لا بد لهم من معلم يعلمهم [ص 27] جميع ما يحتاجون اليه و لما كان سبحانه اجل من المباشرة وجب له تعالي جعل المعلم لهم و لما وجب هذا عليه تعالي حكمة فلا بد ان يكون ذلك المعلم له قابلية تحصيل علم الذي يحتاج اليه كل الخلق من المعارف و علم الفقه و الرياضي و الجفر و الاعداد و غيرها و لا بد له من قلب يسع جميع العلوم المحتاج اليها للرعية من مبدء الوجود الي آخر مرتبة الشهود فلما كان كذلك لا بد ان يكون قلبه متحملا لجميع الاسرار و الحقايق و جميع العلوم و الدقايق و جميع الرسوم و الانوار و لما ثبت كونه قابلا كذلك وجب ان يكون له احاطة علي جميع الذرات الوجودية من الدرة الي الذرة لانه لا بد و ان يعلم جميع الموجودات الاكوانية دون الامكانية بعد ثبوت وحدته و كون الخلق متعلما منه و انه مبعوث علي كافة الخلق لان الخلق لايخلو اما خير او شر او حق او باطل فان كان خيرا فهم اصل الخير و مبدأه و منتهاه كما اخبر به الصادق محمد الجواد (ع) في الزيارة ان ذكر الخير كنتم اوله و اصله و فرعه و معدنه و مأواه و منتهاه ، و ان كان حقا قال (ع) في الزيارة ايضا اشهد ان الحق لكم و معكم و فيكم و منكم و اليكم ، فان قيل انهم (ع) سبب للخير و الحق لا غير قلنا و كذلك لان المسبب لاينفك عن السبب بل وجوده به و لذا قال (ع) في زيارة مولانا الصاحب عجل اللّه فرجه في زيارة آل يس الي ان قال (ع) و من تقديره منائح العطاء بكم انفاذه محتوما مقرونا فما شيء منا الا و انتم له السبب و اليه السبيل خياره لوليكم نعمة و انتقامه من عدوكم سخطة فلا نجاة و لا مفزع الا انتم و لا مذهب عنكم ، فلا مذهب عنهم (ع) لانه اينما تولوا فثم وجه اللّه [ص 28] قال (ع) فبهم ملأت سماءك و ارضك و قال اللهم اني اسألك باسمك الذي ملأت اركان كل شيء فملأ الدهر قدسه الحاصل لو كان المكون خيرا فهو نور من انوارهم (ع) و ان كان المكون شرا فهو من عكس نور انوارهم (ع) فهو عالم حينئذ بالنور و الظل معا كما ان السراج عالم بالنور و الظل كليهما لان النور منه و به و الظل بالنور فافهم . ●
[ص 29] توبيخ - لو كان الامام الهادي المعلم كاملا لمايلزم شيئا من القبيح و لا استغراب في كونه (ع) عالما محيطا كاملا من جميع الجهات اصلا بل و انما الاستغراب في عدمه لانا لما اثبتنا ان اللّه كامل من جميع الجهات و انه قادر كذلك و هم (ع) لهم الامكان في قبول كونهم جامعا جميع العلوم و متحملا جميع الرسوم و محيطا علي كل المصنوعات كائنة ما كانت و بالغة ما بلغت و لا شك انهم ان كانوا كذلك يكون اولي و لا شك ان اللّه سبحانه لايترك الاولي و لما كان كذلك ثبت انهم العالمون القادرون المحيطون بجميع الخلايق و لذا قال تعالي مااشهدتهم خلق السموات و الارض و لا خلق انفسهم الآية ، و اما كونهم عالمين بالغيب فنقول الغيب علي قسمين حقيقي و اضافي اما الحقيقي اي الامكاني الغير الموجود فلايعلمونه ● و اما الاضافي الكوني اي الموجود الحادث فلا شك في كونهم عالمين به ، ثم اعلم ان الموجود الكوني لايسمي غيبا [ص 30] لان الغيب هو الذي لايعلمه و لايكون عنده حاضرا كما ان الشخص لايقال انه يعلم الغيب اي يعلم ما في داره و لكنه نقول قال تعالي عالم الغيب فلايظهر علي غيبه احدا الا من ارتضي من رسول فالمرتضي من الرسول هو المرتضي و هو العالم بالغيب ثم قال في موضع آخر و ماكان اللّه ليطلعكم علي الغيب و لكن اللّه يجتبي من رسله من يشاء فالمرتضي و المجتبي (ظ) عالمان بالغيب دون غيرهما فهم يعلمون كل شيء لحضور كل شيء عندهم (ع) و لذا قال (ع) في الزيارة السلام علي صاحب المرأي و المسمع ، بالجملة لا بد من كون المعلم عالما محيطا ناظرا بجميع الذرات من علومهم و اسرارهم و حقايقهم و ذواتهم و صفاتهم و مجازاتهم و اشتراكاتهم و استعاراتهم و كناياتهم و ما لهم و منهم و بهم و فيهم و معهم لانهم اشهد اللّه خلق انفسهم و السموات ، فلما وجب المعلم هكذا خلقه اللّه كذلك له الحمد و الشكر ثم اخبر سبحانه عن هذا المعلم عن سعة علمه و قدرة احاطته و عموم رعيته و كبر ملكه و كثرة متعلمه بقوله تبارك الذي نزل الفرقان علي عبده ليكون للعالمين نذيرا و لا شك ان العالمين ليس منحصرا في الانس و الجن لاصالة عدم التخصيص فلما ماكان التخصيص قلنا ان العالمين الذي اللّه ربهم في قوله الحمد للّه رب العالمين هذا العالمين النبي (ص) رسولهم الحاصل لما اثبتنا ان كل شيء مختار ذي شعور و ادراك و اثبتنا ان كل شيء مكلف لان الايجاد لايتحقق الا بالتكليف و التكليف لايحصل الا علي المختار الذي يكون ذا شعور و لا شك ان كل مكلَّف يحتاج الي مكلِّف و نذير فلما تمهدت هذه المقدمات نقول لا شك و لا ريب ان المكلف المنذر لا بد و ان يري المكلَّف و يكون حاضرا عنده لحصول وجود التكليف فيجب ان يكون جميع الاشياء حاضرة عنده موجودة لديه من مجردها و ماديها [ص 31] و عنصريها و مركبها و زمانيها و دهريها ناسوتيها و ملكوتيها مجملها و مفصلها مطلقها و مقيدها و لا شك ان الحضور بلا خضوع لاينفع كما قلنا فلا بد ان يكون منقادة ذليلة خاضعة بحيث يصدق في حقهم و بخع كل متكبر لطاعتهم و طأطأ كل شريف لشرفهم و ذل كل شيء لهم ، و الدليل الآخر علي كون الاشياء مختارة قوله انا عرضنا الامانة علي السموات و الارض و الجبال الآية، و قوله و ما من دابة في الارض و لا طائر يطير بجناحيه الا امم امثالكم كما قدمنا بالجملة هم (ع) عالمون بكل شيء و الاشياء كلها حاضرة لديهم و هذا العلة فيه هي انهم (ع) لما اذلوا انفسهم اكثر من كل الخلق للّه سبحانه و اخضعوا (ظ) له سبحانه و اخشعوا اكثر آتاهم اللّه ما لميؤت احدا من العالمين لا نبي مرسل و لا مؤمن ممتحن و لا صديق و لا شهيد و لا عالم و لا جاهل و لا دني و لا فاضل و لا خلق من المخلوقات فلما كانوا (ع) اعطاهم اللّه كذلك لايجوز للناس ان يحسدوهم (ع) ام يحسدون الناس علي ما آتاهم اللّه من فضله ثم نقول ان اللّه سبحانه لا شك في قدرته ان يخلق خلقا كذلك ثم لا شك ان الائمة (ع) يسع مقامهم هذا اي ممكن في حقهم فاذا حصل وجود المقتضي و حصل رفع المانع فوجب ايجاده ففعل له الشكر و الحمد فلما جعل لنا معلما مبلغا و اوجده و علمه جميع الاسماء كلها بلغ له المنة و الشكر قال تعالي و علم آدم الاسماء كلها اعلم انه لا كلام في ان الجمع المعرف بالالف و اللام يفيد العموم و لا شك بان اردافه بالكل بعده بقوله كلها تأكيد علي عمومه فلما كان كذلك نقول ان كلما صدق عليه انه اسم علمه آدم و لا شك ان الاسم معناه هو [ص 32] كما قال علي (ع) الاسم ما انبأ عن المسمي ، ثم لا شك ان الاشياء كلها كل فرد فرد منها ينبئ علي اللّه تعالي فاذا ثبت هذا ناشدتكم باللّه من هذا المتعلم الاسماء كلها هل هو آدم ابو البشر ام غيره و لا شك ان آدم الذي يعلم اسم كل شيء لايكون الا محمد (ص) و لو اعترض معترض ان التخصيص ليس بصحيح نقول لو نجري حكم ما من عام الا و قد خص هنا ثم نخصصه ينافي قوله كلها فلما استحال التخصيص لوجود كلها فما لنا التصرف الا في آدم فقلنا ان آدم خير ام شر و لا شك انه خير فاذا كان خيرا و ثبت انهم (ع) اصل الخير و معدنه قلنا ان آدم الاول هو محمد مع انه (ع) قال في خطبته انا مع آدم الاول فآدم اسم اولا لمحمد ثم لمن دونه لانه لما خلق اللّه سبحانه آدم ابونا ابو البشر و حكي آدم وصفه (ع) اعاروه له اسمه فالاسماء لهم (ع) حقيقة اولا ثم لما خلق الانبياء (ع) و عرض عليهم ولايتهم و قبل كل واحد علي طور و حكي كل واحد حكاية خاصة سموه باسم خاص كما قال الصادق (ع) ان ابرهيم سمي ابرهيم لانه بر و هيم في محبة اللّه و لا شك ان محمد بن عبداللّه (ص) بره و هيمه في معرفته كان اكثر من ابرهيم و لا شك ان المناسبة ثابتة بين الاسم و المسمي فابرهيم محمد اولا و لست اقول ان ابرهيم محمد بل ابرهيم من فاضل نوره (ص) ثم نقول قال (ع) خلق اللّه الف الف عالم و الف الف آدم و انتم في آخر تلك العوالم و اولئك الآدميين و لا شك ان آدم الاول من الف الف هم (ع) بالجملة هذا آدم الذي علمه اللّه سبحانه جميع الاسماء كلها هو محمد لو كان المراد من الاسماء جميع الاسماء كلها كما في تفسير العسكري و لو قيل ان الاسماء المراد منها اسماء العظام دون غيرها لنقول لو كان الامر علي ما تقول اعلم ان الاسماء العظام ماكان منها عند آدم الا اربعة و عشرون فاذا لا شك ان كلها عند آلمحمد كما هو المروي .