ان الزمان الذي قد كان يضحكنا بقربهم صار بالتفريق يبكينا
خلت لفقدهم ايامنا فغدت سودا و كانت بهم بيضا ليالينا
فهل تري الدار بعد البعد آنسة ام هل يعود كما قد كان نادينا
يا ظاعنين بقلبي اينما ظعنوا و بالفؤاد مع الاحشاء داعينا
ترفقوا بفؤادي في هوادجكم فقدته يوم راحت من اراضينا
فو الذي حجت الركبان كعبته و من اليه المطايا الكل ساعينا
لقد جري حبكم مجري دمي فدمي من الفراق جري سؤلا لبارينا
قال الراوي عن الصادق ان الشمس بكت علي يحيي و علي الحسين اربعين صباحا قيل له ما بكاؤها ؟ قال كانت تطلع حمراء و لمتزل حمراء الي ان تغيب . قال الفارسي رضي الله عنه عن ابيه ان قال ارسل عبد الملك بن مروان الي رسول جالوت و قال له هل كان في قتل الحسين علامة قال نعم ماكشف يومئذ حجر الا وجد تحته دم عبيط . [ص 321] و عن الاسعد بن قيس قال لما قتل الحسين ارتفعت حمرة من المشرق و حمرة من المغرب فكانتا تلتقيان في كبد السماء . و عن انس انه قال لما قتل الحسين كسفت الشمس بين الكواكب نصف النهار . و عن العباس قال بينما انا راقد في منزلي اذ سمعت صراخا عاليا من بيت امسلمة فخرجت أتوجه بقائدي الي منزلها و قد اقبل اهل المدينة اليها رجالا و نساء فقالت يا بنات عبد المطلب عددن و ابكين معي فقد قتل الحسين و الله سيدكن و سيد شباب اهل الجنة فقلت لها يا امسلمة من هو ؟ فقالت الحسين فقلت لها و من اين علمت ؟ قالت رأيت رسول الله صلي الله عليه و سلم في المنام مذعورا فسألته عن ذلك فقال قتل الحسين و اهل بيته و الساعة فرغت من دفنهم قالت ام سلمه فدخلت البيت و انا لا أكاد اعقل و نظرت فاذا تربة الحسين التي اتي بها جبريل من كربلاء الي النبي و قال له اذا صارت مثل الدم فاعلم انه علامةٌ علي قتل الحسين وقد نظرت اليها فوجدتها دما عبيطا .
قال الراواي ثم ان امسلمة اخذت ذلك الدم و لطخت به وجهها و صار تبكي و تنوح قال الحافظ المنذري حدثني شيخ من بني تميم كان يسكن الرابية قال سمعت ابي يقول والله ماشعرنا بقتل الحسين حتي كان سابع يوم عاشورا فبينما انا جالس في الرابية فسمعت صوت متكلم فقلت له من انت يرحمك الله ؟ قال انا و ابي نفران من جن نصيبين اردنا مواساة الحسين بانفسنا فسبقنا المقدور فوجدناه قتيلا . و يروي عن احمد البابي عن الاعمش قال التجأت الي البيت الحرام فبينما انا اطوف و اذا برجل في الطواف يقول اللهم اغفر لي و لاتؤاخذني بفعلي لاني مقهور من اليزيد فقلت له يا عبدالله مالي اراك في مثل هذا المكان تقول هذا الكلام و انت في محل يغفر الله لمن دخله [ص 322] و من دخله كان آمنا قال قصّتي عجيبة فقلت اخبرني بها فقال دعني فقلت اقسمت عليك بالله العظيم ان تخبرني فقال اقسمت عليَّ بقسم عظيم فخذ بيدي فاخذت بيده فاذا هو اعمي ثم خرجنا الي شعب من شعاب مكة و جلسنا فيه فقال لي ايَّ شعب هذا ؟ فقلت هذا شعب علي المرتضي فقال والله مااجلس في شعب والد رجل كنت في قتل ولده فنهضت و اخذت بيده و خرجنا الي الابطح و جلسنا هناك فقال لي من انت فقلت انا سليمان بن مهران الاعمش فقال لي اعلم اني كنت من اصحاب اليزيد و كنت من جلسائه فلما اتي برأس الحسين امر بوضعها في طشت من اللجين فوضعت ثم وضع الطشت بما فيه بين يديه فجعل ينكت ثناياه بقضيب كان بيده و يقول اشتفيت فيك و في ابيك غير ان اباك خرج علي ابي باهل العراق فظفر به ثم ان اهل العراق خدعوك و اخرجوك فظفرت بك فالحمد لله الذي مكنني منك و لميزل علي هذا الحال مدة من الايام فلما عظم ذلك علي الناس خشي علي نفسه فجمعهم و قال يا قوم أتظنون اني قتلت الحسين فوالله ماقتله الا عاملي ابن زياد ثم دعا برأس الحسين فغسلها و طيّبها و كفنها و جعلها في صندوق و غلق عليها و قال دعوها في قصري واجعلوا حولها السرادق و قصد بذلك كف السنة الناس عنه ثم جعل خارج السرادق خمسين رجلا و وكلني بهم و كان اذا اتي الليل يرسل لهم طعاما و خمرا فيأكل اصحابي و يشربون و انا لمآكل و لماشرب ثم ينامون و لمانم خوفا علي الحسين فبينما انا ذات ليلة قد استلقيت علي ظهري و انا متفكر في ذلك و اذا بسحابة عظيمة سمعت فيها دويّا كدويّ النحل و اذا بخفقان اجنحة الملائكة حتي نزلوا الي الارض و رأيت ملكا عظيما قد نزل و بيده بسط مكللة بالدر و الياقوت ففرشها ثم نزل خمس ملائكة و بايديهم كراسي [ص 323] من النور فوضعوها علي البسط ثم نادي مناد انزل يا آدم يا ابا البشر فاذا برجل ابهج الرجال وجها و اكثرهم هيبة و عليه حلة من حلل الجنة و قد نزل من الهواء و اقبل علي الرأس و سلم عليها و قال عشت سعيدا و قتلت طريدا عطشان حتي الحقك الله بنا غفر الله لك يا بني و لاغفر لقاتلك و الويل له غدا من النار ثم جلس علي كرسي من تلك الكراسي ثم جاءت سحابة اخري اعظم من الاولي فسمعت فيها خفقان اجنحة الملائكة حتي نزلت الي الارض ثم نادي مناد انزل يا نوح يا نبي الله فنزل و اذا هو رجل تعلوه سمرة و هو احسن الناس هيبة و عليه حلة من حلل الجنة فاقبل حتي وقف علي الرأس و قال مقالة آدم و جلس علي كرسي من تلك الكراسي ثم جاءت سحابة عظيمة فسمعت فيها خفقان اجنحة الملائكة حتي نزلت الي الارض ثم نادي مناد انزل يا نوح يا نبي الله فنزل و اذا هو رجل تعلوه سمرة و هو احسن الناس هيبة و عليه حلة من حلل الجنة فأقبل حتي وقف علي الرأس و قال مقالة آدم و جلس علي كرسي من تلك الكراسي ثم جاءت سحابة عظيمة فسمعت فيها خفقان اجنحة الملائكة حتي نزلوا الي الارض ثم نادي مناد انزل ياموسي يا كليم الله فنزل و اقبل علي الرأس و قال مقالة نوح و جلس علي كرسي من تلك الكراسي ثم جاءت سحابة عظيمة فسمعت فيها خفقان اجنحة الملائكة حتي نزلوا الي الارض ثم نادي مناد انزل يا عيسي فنزل و اذا هو رجل حسن الوجه تعلوه شقرة و عليه حلة من حلل الجنة فاقبل علي الرأس و قال مقالة موسي ثم جلس علي كرسي من تلك الكراسي ثم جاءت سحابة اعظم من تلك السحائب و لها دويّ كدويّ الرعد القاصف و سمعت فيها خفقان اجنحة الملائكة حتي نزلت الي الارض ثم نادي مناد انزل يا [ص 324] اباالقاسم يا اول يا آخر يا ماحي يا عاقب يا حاشر يا طاهر يا مزّمّل يا مدّثّر يا طه يا احمد انزل يا محمد فنزل المصطفي عليه الصلوة و السلام و عليه حلل من حلل الجنة و عن يمينه صف من الملائكة لايحصيهم الا الله و عن يساره علي المرتضي و ولده الحسن و فاطمة الزهراء فاقبل النبي علي الرأس الشريفة و اخذها و ضمها الي صدره و بكي بكاءً شديدا و قال يا حبيبي يا حسين عشت سعيدا و قتلت طريدا عطشان حتي الحقك الله بنا غفر الله لك يا بني و لاغفر لقاتلك و الويل له غدا من النار ثم دفعها الي علي المرتضي فاخذها و ضمها الي صدره و بكي بكاءً شديدا و قال مقالة النبي ثم دفعها الي فاطمة الزهراء فاخذتها و ضمتها الي صدرها و بكت بكاء شديدا و قالت مقالة علي ثم دفعتها الي الحسن فاخذها و ضمها الي صدره و بكي بكاءً شديدا و قال مقالة فاطمة رضي الله عنهم اجمعين ثم ان آدم اقبل علي النبي صلي الله عليه و سلم و قال له السلام عليك ايها الولد الصالح عظّم الله اجرك و قوّي صبرك و احسن الله عزاءك ثم اقبل نوح و قال مقالته ثم اقبل موسي و قال مقالته ثم اقبل عيسي و قال مقالته ثم قال لهم النبي صلي الله عليه و سلم يا آدم و يا نوح و يا موسي و يا عيسي اشهدوا علي ما ترون من فعل هؤلاء القوم باولادي ثم بكي فبينما هو كذلك اذ اقبل الملك الموكل بسماء الدنيا و قال السلام عليك ايها النبي الكريم اعلم ان الله امرني بالطاعة لك فان امرتني ان اهلك القوم جميعا اطبقت عليهم السموات حتي لايبقي منهم احد جزاء بما فعلوا فقال له النبي مهلا و اذا بملك ثان و بيده حربة عظيمة و لها شعبة بالمشرق و شعبة بالمغرب و قال السلام عليك ايها النبي الكريم قد [ص 325] قطع قلبي بكاك اعلم اني الملك الموكل بالبحار و ان الله امرني بالطاعة لك قال فان امرتني ان اهلك هؤلاء القوم اطبقت عليهم البحار جزاءً بما فعلوا فقال له مهلا و اذا بنور قد ملأ ما بين السماء و الارض و اذا بالملائكة قد احاطت به و قالوا يا محمد العلي الاعلي يقرئك السلام و يخصّك بالتحية و الاكرام و يقول لك اخفض صوتك فقد بكي لبكائك اهل السموات و قد ارسلنا اليك الله نمتثل امرك فقال من الله بدء السلام و اليه يعود السلام فمن انتم ؟ فقال احدهم اني ملك الشمس ان امرتني ان احرقهم فعلت و قال الآخر انا ملك الجبال ان امرتني ان اطبق عليهم الجبال فعلت فقال لهم رسول الله صلي الله عليه و سلم جزاكم الله تعالي خيرا دعوهم ان لهم موقفا اكون انا و اياهم فيه بين يدي الله عز و جل فيحكم بيننا بالحق و هو احكم الحاكمين فعند ذلك قال جميع من حضر من الانبياء و الملائكة جزاك الله خيرا يا محمد عن امتك ما ارحمك بهم و ارأفك عليهم و هذا كله يا سليمان رأيته بعيني و سمعته باذني و انا يقظان بحالة الصحة الكاملة و ماذكرته لاحد غيرك بل اصبحت هاربا من الدنيا خائفا وجلا من الله عز و جل لصحبتي لليزيد و انا علي البكاء و النحيب حتي ذهبت عيناي و ماادري ما عاقبة امري ان كان الله تعالي يمنّ عليَّ من فضله و يغفر لي ام يؤاخذني فعند ذلك بكي سليمان و قال لعل الله تعالي يمن عليك بفضله ثم مشي معه الي ان اتوا الطواف علي حالتهم الاولي و صار الرجل يدعو بدعائه الاول .
[ص 326] و روي عن زين العابدين انه قال لما اتي برأس ابي لليزيد كان يتخذ في مجلسه الخمر و الرأس بين يديه في طشت من الذهب مغطاة بمنديل حرير فبينما هو جالس ذات يوم و حوله اكابر دولته و هم يشربون الخمر و الرأس بين ايديهم اذ دخل عليهم رسول ملك الروم و كان من اشرف الروم و اعظمها و كان يأتي للزيد بالكتب من عند ملكهم فسلّم علي اليزيد و من حوله و اعطاه كتابا كان معه ثم جلس و تحدث معهم و هم علي تلك الحالة و رأس الحسين بينهم في الطشت فاستعظم ذلك فقال لليزيد لمَ تشربون الخمر و هذه الرأس بينكم فلمن هي ؟ فقال لاتسأل عما لايعنيك فقال اريد ان اخبر ملكنا بما انتم عليه لانه يسألني عن كل شيء رأيته فلهذا اريد ان تخبرني بقضية هذه الرأس حتي اشاركك في الفرح و السرور فقال له اليزيد هذه رأس خارجي خرج علي عاملي بالبصرة و العراق فقال له و من يكون هذا الخارجي ؟ قال : الحسين بن علي فقال امه من ؟ قال فاطمة الزهراء بنت محمد فقال اف لك ولتدينك يا يزيد الآن ديني احسن من دينك فقال لماذا قال له ان ابي كان من حواري داود النبي و بيني و بينه اكثر من اربعين جدا فمن ذلك النصاري يعظمونني و يأخذون من تراب اقدامي تبركا بي و انتم تفعلون بابن بنت نبيكم هذه الفعال و ما بينه و بينه جد فاي دين دينكم ؟ ثم قال يا يزيد هل سمعت حديث كنيسة الحافر ؟ قال لا فقال اعلم ان بين كمان و الصين بحر مسيرة سنة ليس فيه عمران الا بلدة واحدة في وسط الماء ثمانين فرسخا في ثمانين ما علي وجه الارض اكبر منها و منها يحمل الياقوت و الكافور و اشجارها العود و العنبر و هي في ايدي النصاري و في تلك البلدة كنائس كثيرة و اعظمها كنيسة الحافر و في محرابها [ص 327] حلقة ذهب معلقة و فيها حافر مرصع بالدر و الياقوت و من حوله الذهب و الفضة و ليس بائنا منه شيء من كثرة الذهب و الفضة و الحلي الا اسفله و تعظيم هذا الحافر يكون بسبب زعمهم انه حافر حمار كان يركبه عيسي عليه السلام و كثير منهم يقصدون زيارته في كل عام و يطوفون حوله و يقبّلونه و يرفعون حوائجهم الي الله عنده فهذا شأنهم و دأبهم بحافر حمار يزعمون ان نبيهم كان يركبه و هذا نبيكم حقا لا شك فيه و قد هداكم من الضلالة الي الهدي و من ظلمة الكفر الي نور الاسلام و ابو المقتول هو الساقي علي الحوض يوم القيامة فلابارك الله فيك و لا في فعلك فغضب اليزيد غضبا شديدا و قال اقتلوه لئلا يفضحنا فلما سمع ذلك قال أتريد قتلي ؟ قال نعم فقال اعلم اني رأيت نبيكم في المنام و قد ضمن لي الجنة فتعجب اليزيد من كلامه ثم قال تقتل ابن نبيكم و تزعم انك علي دين الاسلام فانا اشهد ان لا اله الا الله و ان محمدا رسول الله ثم تقدم الي الرأس و ضمها و قبّلها و بكي ثم قتل رحمه الله و هو يقول : وا خجلة الاسلام من اضداد ظفروا به و قوم المسيح يعظّمون حافر حماره .
و روي عن جعفر الصادق رضي الله تعالي عنه انه قال اذا كان يوم القيامة ينصب الله سرادقا من نور بين يدي رسول الله صلي الله عليه و سلم و الخلائق كلهم حاضرون ثم ينادي مناد يا معشر الناس غضّوا ابصاركم فان فاطمة الزهراء بنت محمد المصطفي تريد ان تجوز السرادق فيغضّون ابصارهم فاذا هي مقبلة فاذا وضعت رجلها في السرادق نوديت يا فاطمة فتلتفت فتري ولدها الحسين واقفا بجانبها من غير رأس فتصرخ صرخة لايبقي ملك مقرب و لا نبي مرسل الا جثا علي ركبتيه و خرّ مغشيا عليه ثم انها تفيق من غشيتها فتجد الحسين يمسح وجهها بيديه و رأسه قد عادت اليه فعند ذلك تدعو علي قاتله و من اعانه فيؤمر بهم الي جهنم و لا شفيع لهم .
[ص 328] و يروي عن الصادق رضي الله عنه انه قال اذا كان يوم القيامة ينصب لفاطمة كرسي من نور فتجلس عليه فبينما هي جالسة و اذا بالحسين مقبل عليها و رأسه بيده فاذا رأته صرخت صرخة عظيمة حتي لايبقي في الجمع ملك مقرب و لا نبي مرسل الا بكي لبكائها فيمثّله الله عز و جل في احسن صورة و يجمع له من حضر في قتله و المتجاهر عليه و من اشار في قتله فيقتلهم الحسين عن آخرهم ثم ينشرون فيقتلهم الحسن و هكذا ينشرون و يقتلون حتي لميبق من ذريتنا ( ذريتهم ظ ( احد الا و يقتلهم فعند ذلك يكشف الهم و يزول الحزن .
و يروي عن الرسول عليه الصلوة و السلام انه قال اذا كان يوم القيمة تقبل فاطمة علي ناقة من نياق الجنة و بيدها قميص الحسين ملطخ بدمه فتصرخ و تزج نفسها عن الناقة و تخرّ ساجدة لله عز و جل وتقول الهي و سيدي و مولاي احكم بيني و بين من قتل ولدي الحسين فيأتيها النداء من قبل الله عز و جل يا حبيبتي و ابنة حبيبي ارفعي رأسك فوعزتي و جلالي لأنتقمن اليوم ممن ظلمك و ظلم ولدك ثم يأمر بجميع من حضر قتل الحسين و من شارك في قتله الي النار .
و عن النبي صلي الله عليه و سلم انه قال اذا كان يوم القيامة جاءت فاطمة في جماعة من نسائها فيقال لها ادخلي الجنة فتقول لاادخل حتي اعلم بما صنع بولدي الحسين فيقال لها انظري عن يمينك فتلتفت فاذا الحسين قائم و ليس عليه رأس فتصرخ صرخة فتصرخ النساء لصراخها و الملائكة ايضا ثم تنادي وا ولداه وا ثمرة فؤاداه فعندذلك يغضب الله ويأمر نارا قد اوقد عليها الف عام حتي اسودت و لاتدخلها ريح و لايخرج منها ابدا فيقال لها التقطي من حضر قتل الحسين فتلتقطهم فاذا صاروا في جوفها صهلت بهم و صهلوا بها و شهقت بهم و شهقوا بها و زفرت بهم و زفروا بها ثم ينطقون بالسنة ذلقة ناطقة يا ربنا لم اوجبت لنا النار قبل عبدة الاوثان فيأتيهم الجواب عن الله ان من علم ليس كمن لايعلم .
[ص 329] و روي عن آل البيت عن النبي صلي الله عليه و سلم انه قال اذا كان يوم القيامة تأتي فاطمة الزهراء علي ناقة من نياق الجنة خطامها من لؤلو رطب قوائمها من زمرد اخضر ذنبها من مسك اذفر عيناها من ياقوت احمر و عليها قبة من النور يري باطنها من ظاهرها و ضده داخلها عفو الله و خارجها رحمة الله و علي رأسها تاج من النور و له سبعون ركنا كل ركن مرصع بالدر و الياقوت يضيء كما يضيء الكوكب في افق السماء و عن يمينها سبعون الف ملك و عن يسارها مثلهم و جبريل آخذ بخطام الناقة و هو ينادي باعلي صوته غضّوا ابصاركم حتي تجوز فاطمة فيغضون ابصارهم حتي تجاوز عرش ربها و تزجّ نفسها عن ناقتها و تقول الهي و سيدي و مولاي احكم بيني و بين من ظلمني و قتل ولدي فاذا النداء من قبل الله تعالي يا حبيبتي و ابنة حبيبي سليني تعطي و اشفعي تشفعي فوعزتي و جلالي لايجاوزني ظلم ظالم فتقول الهي و سيدي و مولاي ذريتي و شيعتي و شيعة ذريتي فاذا النداء من قبل الله تعالي اين ذرية فاطمة و شيعتها و شيعة ذريتها و محبوها و محبو ذريتها ؟ فيقولون و قد احاطت بهم ملائكة الرحمن ها نحن يا ربنا فتقودهم فاطمة حتي تدخلهم الجنة و هي آخذة بقميص الحسين و هو ملطخ بالدم و قد تعلقت بقوائم العرش و هي تقول يا رب احكم بيني و بين قاتل ولدي الحسين فيؤخذ بها و يقال لها ويل لمن شفعاؤه خصماؤه كما قال القائل هذه الابيات :
[ص 330]ويل لمن شفعاؤه خصماؤه و الصور في بعث الخلايق ينفخ
لابد ان ترد القيامة فاطم و قميصها بدم الحسين ملطخ
فتقول ربي انني لك اشتكي قتل الحسين ابني و ها انا اصرخ
و الله يأمر بالجميع لناره ويل لمن قتلوا الحسين يؤرخ
قال الراوي روي عن عائشة رضي الله عنها ان فاطمة كانت اذا دخلت علي ابيها قام لها و قبّل رأسها و اجلسها مجلسه و اذا جاء اليها لقيته و قبّل كل منهما صاحبه و جلسا معا . و يروي عن النبي صلي الله عليه و سلم انه قال ان موسي بن عمران قال يا رب اخي هرون مات فاغفر له فاوحي الله اليه يا موسي لو سألتني في الاولين و الآخرين لأجبتك . و يروي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال اوحي الله الي محمد اني قتلت بيحيي سبعين الفا . و يروي عن الصادق انه قال قتل بالحسين مائة الف و لمتقم بثاره و سيطلب بثاره قال الصادق ان شهر المحرم كانت الجاهلية يحرمون فيه القتال فاستحلت فيه دماؤنا و انتهب فيه مالنا و تهتكت فيه حريمنا و لميبق فيه حرمة لنا ان يوم عاشورا احرق قلوبنا و ارسل دموعنا و ارض كربلا اورثتنا الكرب و البلاء فعلي مثل الحسين فليبك الباكون فان البكاء عليه يمحوا الذنوب ايها المؤمنون .
و هذا آخر ما ورد في مصرع الحسين بن علي بن ابيطالب و ما جري له و لاهله من قتلهم و سفك دمائهم و سبي حريمهم و ذبح اطفالهم فهم حجة الله و خيرته من خلقه فلعن الله من تعدي عليهم و ظلمهم و من ارضاه ذلك و نسأل الله ان يثيبنا علي ذلك الجنة و يرزقنا اجر من استشهد بين يديه انه صاحب المنة اللهم اجعلنا من عتقائك من النار و بحبهم اجعلنا من جلسائهم في دار القرار بجودك و كرمك يا عزيز يا غفار و الحمد لله رب العالمين و صلي الله علي سيدنا محمد النبي الامي و علي آله و صحبه و سلم آمين .
[ص 331] بسم الله الرحمن الرحيم
وجدت كتابا في اخذ ثار الحسين عليه السلام تأليف عبدالله بن محمد من علماء العامة لا بد لي ذكر تمام الكتاب في هذا المستدرك و يفوت مرامي بذكر بعض الكتاب دون بعض و لذا ذكرت تمام الكتاب و ربما يظهر منه انه بتمامه برواية ابيمخنف ولكن اذا نظر الي تمامه المتأمل يري مواضع الاختلاف مع ما عندنا من روايات ابي مخنف في اخذ الثار و هذا تمام الكتاب :
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الشيخ الامام العالم العلامة عبدالله بن محمد : الحمد لله رب العالمين و الصلوة و السلام علي اشرف المرسلين و علي آله و صحبه اجمعين و التابعين و تابع التابعين لهم باحسان الي يوم الدين .
و بعد فاني لما اطلعت علي نور العين في مشهد الحسين اعقبته بهذا الكتاب و وسمته اذ رسمته بقرة العين في اخذ ثار الحسين فاقول حدثني ابومخنف قال لما قتل سيدنا الحسين و احتوت بنو امية علي الخلافة و فرقوا آل بيت رسول الله شرقا و غربا امر ابن زياد بالنداء في العراق و الكوفة من ذكر علي بن ابيطالب و اولاده و شيعته ضربت عنقه .
قال الراوي و كان بالكوفة رجل معلم من شيعة علي بن ابيطالب يقال له عميرة بن عامر الهمداني و كان ذا ورع و عقل و قد كتب الاخبار عن رسول الله صلي الله عليه و سلم و عن علي بن ابيطالب فبينما هو في بعض الايام جالس بالمكتب و الصبيان بين يديه اذ مر به طالب ماء فاستدعاه و اسقاه شربة ماء و كان الماء باردا فشرب و قال لعن الله ظالمي الحسين و مانعيه شرب الماء فسمعه ابن سنان سياف ابن زياد و هو الذي ساعد علي قتل الحسين فاغتاظ و قال ألميعلم هذا من انا ثم وثب الي المعلم و وقف بين يديه و قال انظر اليَّ و تأملني فنظر اليه و قال له ما شأنك ؟ فقال أتنكر ما [ص 332] تكلم به الشارب قال و ما قال ؟ قال لعن الله ظالمي الحسين و مانعيه شرب الماء ألميعلم ان الذي قتله الشمر بن ذي الجوشن و ابي شال رأسه علي الرمح ؟ و ذلك بامر يزيد اماسمع النداء ان لا احد يذكر الحسين الا قطعت رأسه ؟ فقال له المعلم لاتخبر عنه اباك و لا ابن زياد فقال سمعا و طاعة و قد اضمر بضد ذلك و اسر انه يخبر عن المعلم لا عن الشارب و سكت ساعة لما نسي المعلم ذلك ثم خرج من المكتب و دخل خربة و اخذ طرف عمامته و مزقها ثم جعل يضرب ظهره و سائر بدنه حتي خضبه بالدم و اقبل علي امه فلما رأته صرخت و قالت من فعل بك هذا ؟ فقال معلمي دعا بشارب ماء و اسقاه فلما شرب قال المعلم لعن الله ظالمي الحسين و مانعيه شرب الماء فلما سمعته قلت أتري ما تعرفني فسمعني و قال لي اسكت لعنك الله و لعن اباك و لعن ابن زياد يا ويلك أليس ابوك شال الرأس علي الرمح حين قتل فقلت له بل لعنك الله يا ويلك ايما احق بالخلافة الحسين ام اليزيد فلما سمع كلامي وثب الي و اخذني الي داره و اوثقني و فعل بي كما ترين ثم مضي فهربت منه و لاكنت هلكت فلما سمعت كلامه خرجت و اخبرت اباه بذلك فلما سمع منها ذلك فجر و كفر و سبّ الحسين و اخذ ولده الي ابن زياد و نادي نصيحة يا امير فما كان اقل من لمحة حتي مثل بين يدي ابن زياد فلما نظر الي الغلام و هو مخضب بالدماء قال ما شأنه؟ قال هو في مكتب عميرة فلما كان هذا اليوم دعا بشارب ماء فسقاه ثم قال لعن الله ظالمي الحسين و مانعيه شرب الماء فقال له ولدي بل لعنك الله فغضب من كلامه و اخذه الي داره و فعل به ما تري فلما سمع ابن زياد كلامه [ص 333] انقلب عيناه في ام رأسه ثم دعا بحاجبه و قال له امض الي عميرة و احضره بين يدي و من سألك عن امره فخذ رأسه فركب و أتي اليه و اخذه و اوقفه بين يدي ابن زياد فلما نظره قال يا ويلك أتسب امير المؤمنين ابن معاوية و تمدح ابن ابي تراب و اولاده ثم قال لغلمانه كبّوه فكبّوه علي وجهه و ضربوه فقال له اتق الله في امري فوالله مافعلت شيئا مما تحدث به الصبي عني و ان شهد علي احد من خلق الله فدمي للامير حلال فقال انطلقوا به الي حبس شيعة ابي تراب فاتي الحجاب به اليه و فتحوا بابه و هو من حديد ثم قيدوه و ادخلوه فيه قال عميرة ثم قفلوا من ورائي فنزلت خمسين سلما حتي وصلت الي الارض و في حال النزول لمارللضوء اثرا و لما انتهيت الي الارض اضاء لي الموضع فرأيت قوما يستغيثون فلايغاثون و هم مقيدون ثم سمعت في صدر الموضع انينا عاليا فقصدته فاذا هو رجل جالس و عليه قميص اسود و في رجليه قيدان و في عنقه طوق حديد و يداه مغلولتان و هي لايقدر ان يتحول يمينا و لا شمالا فسلّمت عليه فردّ عليَّ السلام و رفع رأسه و اذا بشعر رأسه علي عينيه فقلت يا هذا ماذا جنيت حتي نزل بك هذا ؟ قال محبة اهل البيت فقلت و من تكون من شيعتهم انت ؟ فقال انا المختار بن عبدالله الثقفي فانكببت علي رأسه و قبّلتها فقال من انت يرحمك الله فقلت عميرة بن عامر الهمداني معلم صبيان الكوفة فقال يا اخي ما هذا موضع المعلمين بل هو موضع من اراد ان يغلب بني امية و يأخذ بثار الحسين و لكن طبْ نفسا و قرَّ عينا فانك عن قريب يفرّج الله عنك قال عميرة ثم سألته عن سبب حبسه و عن اولئك القوم فقال اردت الاخذ بثار الحسين انا و اياهم فاخذنا غدرا و حبسنا هنا و هذا كان قبل مجيئه من المدينة ثم جلسا يتحدثان اياما قلائل .
[ص 334] قال الراوي و كان لعميرة ابنة اخ و كانت داية اولاد ابن زياد و قد ارضعت اولاده و ذرية اولاده فلما بلغها خبر عمها دخلت علي حصنية زوجة ابن زياد و مزقت جيبها و جزّت شعرها و هي تبكي فقالت لها ما شأنك و ما نزل بك ؟ فقالت يا سيدتي عمي شيخ كبير و قد علّم اولادكم و وجب حقه عليكم و قد تكلم عليه بعض الصبيان بكلام لميقله و هو الآن محبوس فقالت حبا و كرامة ثم قامت و دخلت علي ابن زياد و كانت احظي نسائه و قالت له الشيخ المحبوس انا اعلم انه بريء و اريد ان تهبه لي فقال لك ذلك و امر باطلاقه و قال لحاجبه ائتني بالمعلم فمضي الي السجن و امر السجّان بخروج المعلم فقال حبا ثم فتح الباب فسمعه المختار فقال يا اخي يا عميرة قد اتاك الفرج قال عميرة يعزّ عليَّ فراقك حتي يفرّج الله عنك قال المختار يا اخي احب ان تقضي لي حاجة فقال و ما حاجتك ؟ فوالله لاجتهدن في قضائها قال اذا خرجت سالما فاحتل لي بحيلة و ارسل لي ورقة و لو قدر اصبع و مدادا و لو في قشرة جوزة و قلما و لو كعقده ابهام فقال حبا و اذا بالنداء يا معلم اخرج فودع المختار و صعد و اتي الي الحاجب فاتي الي ابن زياد فنظر اليه و قال عفونا عنك لاجل من سألنا في امرك و اياك ان تعود فقال اني تائب ان لا اعلّم صبيانا ابدا و لا اجلس في مكتب ابدا ثم خرج و اتي الي منزله و دعا بزوجته و اعطاها صداقها و خلي سبيلها و قال في نفسه اني لااقضي حاجة اخي ثم عمد الي كيس فيه مائة دينار و طيّبه بالمسك و العنبر و عمد الي شاة سمينة فشواها و اضاف اليها خبزا كثيرا و فاكهة فلما جن الليل حمل ذلك كله حتي اتي دار السجّان و طرق [ص 335] الباب فلميجده فسلّم ذلك لزوجته و قال لها اذا اتي زوجك فقولي له ان المعلم يقرئك السلام و يقول لك نذر نذره ثم مضي فلما ورد السجّان الي منزله اخبرتْه زوجته بحال المعلم و ما سلّم من الهدية ففرح ثم ان عميرة اتاه ثانيا بما قد اوصي به المختار و قال اقرأه مني السلام و قل له ان كان لك خدمة فنحن لها .
قال الراوي و قد كان للسجّان صبي رباه حتي بلغ فقال لزوجته اني لاآمن علي بناتي و عليك منه فقالت له يا هذا هو عندي بمنزلة ولدي و لايطيب قلبي علي اخراجه من عندي و كان الصبي يسمع كل ما حصل فخرج الي دكان بقال قريب من السجن و اخذ سوادا من القدر فسود وجهه و شق جيبه ، هذا ما كان من امره ثم رصد السجّان حتي اوصل الدواة و القرطاس و القلم الي المختار و ورد الي باب الامارة و نادي نصيحة يا امير فنظر اليه و قال ما نصيحتك ؟ قال ان المعلم الذي حبسته ثم اطلقته قد حمل الي ابي السجّان ما هو كذا و كذا ليوصله الي المختار فانقلبت عيناه و قال عليَّ بفرس فاوقفت بين يديه فركبها و سار الي السجن و اقبل علي السجّان و ضربه حتي خضبه بالدماء ثم امر باحضار المعلم و ضربهما فقال له السجّان ايها الامير ما هذه الجناية ؟ فقال يا ويلك ظننت ان يخفي علي خافية فقال ما الخبر ؟ فقال له ما اخبره الغلام فقال ها انا و المعلم و المختار ماغاب منا احد و مامضي علي هذا الخبر يوم و ان المختار مالحق ان يأكل الطعام فدونك و انظره فان وجدت ما قيل لك فدماؤنا لك حلال فامر ابن زياد الغلمان ان ينزلوا السجن و يصعدوا بجميع ما فيه من الطعام و غيره ففعلوا ذلك و فتشوه فلميجدوا فيه شيئا و قد ستر الستار ثم صعدوا و اخبروه فخجل ثم قال علي [ص 336] بالصبي فاحضروه بين يديه قال له ويلك اخبرتني ان المعلم قد صنع مكيدة فقال السجّان ايها الامير ليس هذا ولدي بل وجدته طفلا فاخذته و ربيته حتي بلغ ثم امرت زوجتي باخراجه فاضمر لي ذلك فلما سمع ابن زياد صدقه في قوله انعم عليه و علي المعلم و خفف علي المختار قيوده و امر بقتل الغلام و ارتد الي قصره و قد كان المختار قسم الورقة نصفين و كتب لاخته كتابا و لزوجها كتابا و هو عبدالله بن عمر بن الخطاب و قد دسهما مع الدواة و القلم تحته حين التفتيش ثم بعد ايام قلائل اخرج ما كان خبأه و سلمه الي السجّان بعد ان اخذ عليه العهود و المواثيق ان لايفشي سره و امره ان يسلّم ذلك الي المعلم فاخذه و دفعه اليه فقرأ عنوان الكتابين فوجدهما من المختار الي المدينة النبي الي عبدالله بن عمر فذهب الي الحمام و حلق ومضي الي ابن زياد و اخبره انه عازم علي الحج فقال ادفعوا له الف دينار فدفعوها له فاخذها و سار قاصدا المدينة فماكان الا ايام قلائل حتي وردها سالما و اقبل علي دار عبدالله بن عمر بن الخطاب زوج صفية اخت المختار و قد كانت قد قدمت اليه مائدة عليها غرائب الطعام فقال لها كلي معي فقالت والله لااكلت لذيذ الطعام حتي اعلم بخبر اخي فبينما هي كذلك و اذا بعميرة قد طرق الباب فقالت الجارية من بالباب ؟ فقال رجل من اهل الكوفة قد اقبل في حاجة الي مولاك فلما سمعت صفية ذلك خرت مغشيا عليها شوقا الي اخيها و قد بادر عبدالله الي الباب ففتحه و ادخل عميرة و قدم اليه الطعام و اكلا معا ثم اخرج الكتابين و دفعهما اليه فقرأ عنوانهما ثم بكي و قام الي زوجته و قال لها ابشري فهذا كتاب اخيك بكت و قالت بالله لاتخفي عني من امر اخي شيئا فقرأ و لميزل يقرأ حتي بلغ الي قوله مقيد مغلول مريض [ص 337] البدن و قد منع ابن زياد عنه الاطباء فصرخت و دخلت مخدعها و جزّت شعرها و شعر بناتها و جمعته بين يديها فدخل عليها زوجها و رأي ذلك فقال ويحك ما هذا ؟ فقالت شعري و شعر بناتي والله لايجمعني و اياك شقف بيت و اخي علي هذه الحالة فقال والله لو ان احدا يمضي بكتابي الي يزيد لماكان اخوك لبث في السجن أكثر من ذهابه اليه فقال عميرة انا امضي بكتابك الي يزيد قال و هل تفعل ذلك ؟ قال نعم ففرح و كتب الي يزيد كتابا يعظه فيه و سأله مكاتبة لابن زياد باطلاق المختار ثم ختمه و طواه و كتب عنوانه من عند عبدالله بن عمر بن الخطاب الي يزيد بن معاوية و دعا بثوب و ديباج و لفّ فيه الكتاب و الشعر و دفعه الي عميرة و قال له اذهب بالكتاب الي يزيد ثم امر ان توطأ له ناقة فوضع عليها ماء و زادا ثم استوي عليها و سار الي ان ورد دمشق فدخلها و اكتري حجرة و كان في كل يوم يأتي مسجدا قريبا فيصلي مع الجماعة و اذا فرغ من صلاته قال رحم الله من دعا لي بقضاء حاجتي ثم يأتي الي باب يزيد ليدخل فلايتمكن من الدخول فلما كان في بعض الايام قال لهم الامام يا قوم ان اهل الكوفة فيهم جفاء و مانري من هذا الشيخ الا المعرفة و مع ذلك يقول رحم الله من دعا لي بقضاء حاجتي و نحن لانسأله من حاجته فقالوا له انت احق بالمسألة منا فما كان من الغد ورد عميرة علي العادة و صلي معهم ثم خرج فقال الناس للامام قم و اسأله عن حاجته فمضي خلفه و دخل معه منزله و اكرمه ثم سأله الامام و قال انا سمعناك تقول رحم الله من دعا لي بقضاء حاجتي فما حاجتك ؟ فان كانت دينا فنحن نوفيه فعند ذلك اطرق عميرة برأسه الي الارض متحيرا في رد الجواب [ص 338] فلما رآه الامام مطرقا اقبل عليه و قال له يا هذا انت ما لك مطرقا أتخشي ان ابوح بسرك فوالله العظيم و رسوله الكريم و علي بن ابي طالب و الحسن و الحسين ان اخبرتني بحاجتك قضيتها لك فلما سمع عميرة كلامه وثق به ثم قال له اعلم اني معلم اهل الكوفة و اسمي عميرة و حدّثه بالقصة من اولها الي آخرها فلما سمع كلامه و عرف مرامه قال له اذا كان الغد فالبس افخر ثيابك و تطيب ثم البس فوق ثيابك ثوبا روميا و ثوبا زئبقيا و اشدد وسطك بمنديل زئبقي و خذ علي كتفك مثله و تأخذ هذا الثوب الذي معك تحت ابطك كانك من بعض العمّال و سر الي دار يزيد فاذا وصلت اليها فادخل اول دهليز تراه طويلا فيه دكتان عن اليمين و عن الشمال و عليهما بسط من الديباج الاحمر علي كل دكة خمسمائة حاجب بين يدي كل حاجب غلام بيده مروحة يروح بها عليه فجز و لاتعبأ بهم فاذا دخلت تري دارا عالية و دكتان اخريان في دهليز آخر علي كل دكة من الفرش و من الرجال و من الغلمان مثل ما تقدم فجز و لاتعبأ بهم و ادخل فتري مثل ما تقدم و هكذا الي ان تجوز الدهليز الثامن تري ثلاثة انفار معهم المجامر يبخرون الحمام ليزيد فلاتلتفت اليهم و ادخل تري غلاما امرد حسن الوجه و عليه قباء ديباج و علي رأسه عمامة و في رجليه خفان من الاديم و بيده مدخنة من الفضة و الاخري صينية من الذهب فيها ند و عليها قطرميذ مملوة ماء ورد لغسل الحمام و تبخيرة فلاتخاطبه ثم يخرج من بعده غلام آخر و فعله كفعله فلاتلتفت اليه و لا الي من تقدم فانك متي التفت اليه او الي من تقدم عرفوا انك غريب فيقبضوا عليك ثم اذا جزت هؤلاء باجمعهم فانظر الي غلام حسن الوجه كانه القمر عليه قباء اسود و عمامة سوداء و ذلك حزنا علي [ص 339] الحسين منذ قتل لايأكل الا خبز الشعير و ملح جريش و هو من شيعة الحسين و يزيد مشغول بحبه فاذا رأيته فاسرع اليه و قبّل يديه و اعطه الكتاب و قل له انا من شيعة الحسين و قل له حاجتك فانه يعينك علي قضائها فانه استاذ الدار و قوله المطاع عند يزيد و سائر دولته و مملكته و كلهم يخدمونه بالنوبة و ان يزيد لايثق و لايأنس الا به و ستراه اذا ذكرت الحسين يبكي و لايملك عبرته و كل ما امرك به افعله قال عميرة جزاك الله خيرا ثم انصرف الامام فلما كان من الغد صلي عميرة صلاة الفجر ثم فعل ما امره به ثم وافي دار يزيد فرأي الوصف الذي وصفه الامام ثم تقابل مع الغلام فلما نظره اقبل عليه مسرعا فقال لا اله الا الله و الله اكبر يا عميرة اين كنت منذ سبعة عشر يوما و انا متوقع لك فما الذي اخرّك عني و انا مستنظر لقدومك قال عميرة فقلت يا سيدي و من اعلمك باسمي و اخبرك بخبري و انني دخلت دمشق منذ سبعة عشر يوما و لارأيتك و لارأيتني و لارأيتني قبل يومي هذا فقال اعلم اني رأيت مولاي الحسين بن علي في منامي و هو الذي حدثني بخبرك ثم اخبرني بقضاء حاجتك و اعلمني ان جده شفيعك يوم القيامة و انه سايقك الي الجنة و انك تحشر بين يدي ربه فيقول هؤلاء الذين تولوني و نصروني ثم بكيا .
قال الراوي قال عميرة فبينما نحن كذلك و اذا بخدم كبار و صغار اكبرهم له عشرون سنة و اصغرهم ابن سبع و هم يزيدون عن خمس مائة خادم بالاقبية الديباج و المناطق الذهب و بايديهم دبابيس الجوهر و اذا بيزيد قد اقبل و عليه ثوب زئبقي وعلي رأسه رداء اسود مطوي اربع طبقات معلّم بالذهب و في وسطه منديل مقضب بقضبان الذهب و في رجليه نعلان من الذهب شراكهما اللؤلؤ الرطب مبطنان بالحرير و قد [ص 340] سوّد الله وجهه في الدنيا و الآخرة و في وجهه ضربة كغم البعير و هو افطس الفم لايطأ علي الارض برجليه الا تكاد تهتز و يخطر مثل جمل هايج و هو يتوكأ علي قضيب خيزران مكتوب عليه لا اله الا الله وحده لا شريك له قال عميرة فلما نظرت اليه جرت عبرتي علي خدي لانني تذكرت مولاي الحسين بن علي و ما جري له من يزيد ثم ان الغلام اخذ الكتاب من يدي و استقبله قبل ان يصل الينا و قال له يا امير المؤمنين أماحلفت بحق ابيك انك تقضي لي كل يوم حاجة ؟ قال بلي قال قد سألتك بحق ابيك الا ما قضيت لي حاجتي قال ما حاجتك ؟ قال حاجتي ان تقرأ هذا الكتاب في هذه الساعة فدفع اليه الكتاب ففكه و قرأه و هو قائم فلما فهم ما فيه قال اين موصل هذا الكتاب ؟ قال ها هو يا امير المؤمنين فقال عليَّ به قال عميرة فأتيت اليه و وقفت بين يديه فاذا هو ذميم المنظر احمر اللون منقوط الوجه سواده كثير و ما فيه خصلة من خصال الملوك قال عميرة ثم انه اقبل عليَّ و قال لي هذا كتاب عبدالله بن عمر بن الخطاب يسألني الافراج عن المختار من سجن عاملي عبيد الله بن زياد قلت نعم يا امير المؤمنين قال وانت من شيعة الحسين بن علي فقلت انا رجل استأجرني عبدالله بن عمر لاجل هذا الكتاب الي حضرتك يا امير المؤمنين فقال له الغلام يا مولاي ما عليك منه ان كان من شيعة الحسين او من غيره اجبه عن كتابه فدعا بدواة و بياض و كتب كتابا الي عبيدالله بن زياد بالافراج عن المختار بن عبيد الله الثقفي و ان يحمله الي المدينة مكرما الي عبدالله بن عمر و امره بالاحسان اليه ثم انه رفع رأسه الي الغلام و قال له يا غلام قد قضينا حاجتك والله لقد وددت انه سألني في مال الف دينار [ص 341] و اهبها لك و لا افرج عن المختار و لكن قد جمعنا بذلك بين الحالتين احداهما قضاء حاجة عبدالله بن عمر نتخذها عنه منةً و حمدا و شكرا و الثانية انعمنا عليك و اجبناك الي ما سألت ثم طوي الكتاب و دفعه الي عميرة ثم قال يؤتي له بناقة و خمسة آلاف درهم و خلعة فماكانت الا لحظة حتي اتي له بما امر به يزيد قال عميرة فاخذت ذلك الكتاب و خرجت من دمشق و لمازل سائرا حتي وصلت الكوفة بعد احد عشر يوما ثم وردت الي ابن زياد و قد ضيقت لثامي و غيرت لباسي باثواب يزيدية .
قال الراوي قال عميرة سألني رجل من اين اقبلت ؟ قلت من عند يزيد و ماعرفني ثم دخلت علي ابن زياد فضحك ضحكة الغضب و قال يا ويلك فعلتها قلت نعم ثم اخرجت الكتاب من كمي و دفعته اليه فاخذه و قبّله و استوي قائما و قعد كما هي عادته ثم جلس و قال سمعا و طاعة ثم امر باحضار المختار فماكان الا قليل حتي مثل بين يديه فامر بفك قيوده و اغلاله و احضر له طبيبا فداواه ثم امر له بالحمام فدخله ثم خلع عليه خلعة و امر له بعشرة آلاف درهم و لعميرة بمثلها ثم امر له بناقة محملة بالزاد و الشراب و ناقة اخري لركوبه فحضروا بهما و ذلك بعد ان قدمت اليهم مائدة عليها غرائب الطعام ، قال عميرة فقلت له كل فقال لي سرا والله لااخالط ريقي لحما حتي اقتل من بني امية كما فعلوا بالحسين ثم اجلس انا و انت و نأكل لحما و غيره ثم قاموا و قد قربت النوق فتقدم المختار اليهما و قال استودعتك الله يا اخي فقلت لا والله ماافارقك ابدا حتي اموت فقال لي اركب معي فركبت و تقدم الجمال و اخذ بزمام الناقة بعد قطر الثانية فيها ثم سرنا نجدّ في السير حتي قدمنا المدينة و كان عبدالله بن عمر [ص 342] ابن الخطاب قد طبخ له هريسة وكان يحبها و قد قدمت له فجلس يأكل و يقول لزوجته كلي معي و كان يحبها حبا شديدا فقالت والله لا آكل حتي اعرف خبر اخي قال عميرة فبينما هم في الكلام و نحن نطرق الباب فقالت الجارية من ؟ فقال انا المختار فلما سمعته اخته عرفته ففتحت لهما ثم وثبت اليه و بكت و قبّلته و اعتنقته ثم بكيا جميعا و قد طال عناقهما ثم سقطت الي الارض فحرّكوها فاذا هي قد قضي عليها رحمة الله عليها فاخذ المختار في تجهيزها فدفنت في حجرتها و حزن عليها عبدالله و المختار حزنا شديدا ثم ان المختار اقام في المدينة الي ان اراد الله ان ينتقم من ظالمي آل محمد صلوات الله عليهم اجمعين و يأخذ بالحق ممن سفك دماءهم و ينتقم ممن غصبهم في حقوقهم .
قال الراوي هذا ما كان من امر المختار و اما ما كان من امر يزيد فانه ركب في بعض الايام في خاصته و جيشه و هم عشرة آلاف فارس و خرج الي الصيد و القنص فساروا حتي بعدوا عن دمشق قدر يومين فلاحت لهم ظبية فقال لمن حوله لأجدّن في طلبها و لميتبعني احد ثم اسرع بجواده في طلب الظبية و جعل يطردها من موضع الي موضع حتي اتت واديا عظيما فدخلت فاسرع في طلبها فلما توسطه لميجدها و قد اخذه العطش الشديد فلميجد هناك ماء فعند ذلك امر الله سبحانه و تعالي زبانية جهنم يخطفه فخطفوه و كان له عشرة اصدقاء فلما لميجدوا له خبر اخرجوا في طلبه في ذلك الوادي فاختطفتهم الزبانية و الحوهم به و لميعرف لهم خبر الي وقتنا هذا و اسم ذلك الوادي يعرف بوادي جهنم .
[ص 343] قال الراوي هذا ما كان من امر يزيد و اصدقائه و اما ما كان من امر الجيش فانه لميزل يتردد بالوادي طولا و عرضا فمااستدل علي سيده و ندمائه فرجع الي دمشق و قداخبروا الناس بذلك فوقعت الفتن فيهم و تنبه المؤمنون فتبادروا الي داره و ذبحوا اولاده و حريمه و اخذوا جميع ماله .
قال الراوي و كان يزيد مولي ابن زياد علي الكوفة و البصرة فكان يقيم في كل منهما ستة اشهر و كان في ذلك الوقت في البصرة فكان في حبسه الذي بالكوفة اربعة آلاف وخمسمائة فارس و هم الذين كانوا مع المختار مقيدين مغلولين و لميتمكنوا لذلك من نصرة الحسين فلماء جاء لخبر بهلاك يزيد فاول ما فعل اهل الكوفة ان نهبوا دار ابن زياد و قتلوا اصحابه و اولاده و هتكوا حريمه و اخذوا خيل رجاله و كسروا حبسه و اخرجوا من فيه و هم المتقدم ذكرهم فكان فيهم سليمان بن صرد الخزاعي و سعيد بن صفوان و يحيي بن عوف و مثلهم من الابطال و الشجعان فلما خرجوا تقاسموا الخيل و المال و اهلكوا الباقين من اهل ابن زياد و لميبق منهم الا نفر قد هربوا و ساروا الي البصرة و اعلموه بما حصل فلما سمع بذلك امر بالنداء في شوارع البصرة ان تجتمع الناس في الجامع فاجتمعوا ثم حضر و رقي المنبر و كان الناس لايعلمون بهلاك يزيد فقال لهم ايها الناس اعلموا اني ذاهب الي الكوفة لاجل حوائج عرضت لامير المؤمنين فحاضركم يعلم غائبكم اني مخلف عليكم خليفتي و انا سائر علي بركة الله فقالوا سمعا و طاعة و قد عرّفهم بالخليفة من بعده ثم عزم علي المسير باكر يومه و قد احضر الرجال و الفرسان لما بلغه ان اهل الكوفة مرتقبون له في الطريق و كان معه عمر بن الجارود و هو مطاع في قومه وكان له احد عشر ولدا كل واحد يعد بعشرة ابطال و له الف مملوك ثم ان عمر بن الجارود سار هو و ابن زياد يريد الكوفة فلما سمعوا بخروج من في السجن و قد انضاف اليهم اهل الكوفة و هم بارزون في البرية مرتقبون ابن زياد .
[ص 344] قال الراوي و كان لعمر ولد ينظر الغبرة من حد الفرسخين و يعلم هل هي غبرة خيل او غيرها فمد نظره فرأي غبرة تلوح فاقبل علي ابيه و قال ان اري غبرة و خيلا كثيرة من نحو الكوفة و أظن انها في طلبنا فلما سمع ابوه ذلك اقبل علي ابن زياد و قال له اصدقني من قبل ان يصل القوم الينا ما الذي اخرجك من البصرة ؟ قال له اعلم ان يزيد قد هلك فوصل خبره الي الكوفة فنهبوا داري و هتكوا حريمي و ذبحوا اطفالي و رجالي و اخذوا خيلي و كسروا حبسي و اخرجوا خصمي و اظن انهم علموا بقدومي فقعدوا ينتظرونني فقال له ابن الجارود ان كان الامر كما تقول فوالله ما لك منهم مخلص الا بما اشور به عليك فقال و ما تشور ؟ قال اشدّك تحت الناقة و احمل عليها الماء و اجعلها بين النوق و متي جاؤا الينا فتّشونا فلميجدوك فقال افعل ماتريد ففعل ابن الجارود ما ذكر فماكان الا قليل حتي طلع عليه سليمان بن صرد الخزاعي و هم ينادون يا لثارات الحسين قال سليمان بلغنا ان معك عدوّ الله ابن زياد و تريد ان تحملها الي الشام فقال ابن الجارود نحن في نهار و في برية فاذهب انا و اولادي و عبيدي و رجالي بعد ان تفتشونا ثم فتشوا احمالنا فلعل سليمان ذلك هو و اصحابه فلميجدوا اللعين فولوا راجعين ثم قال سليمان يا قوم ان الذي اخبركم بخروج ابن زياد من البصرة لصادق و اني اظن انه سار الي اولاد يزيد فنمضي اليه و نكمن له في الطريق فاذا لقيناه اشتفينا منه لآل محمد صلي الله عليه و سلم و من معه و لانتركه يذهب و لانترك احدا من بني امية و لا ممن عاون في قتل الحسين الا و قتلناه فقالوا نحن بين يديك .
[ص 345] قال الراوي هذا ما كان من امر سليمان و اصحابه و ما اتفقوا عليه و اما ما كان من امر عمر فانه لما بعد القوم عنهم و غابوا تقدم الي ابن زياد و حله و الي ظهر جواده اعاده فوهب له عشرة آلاف دينار و هي التي كانت معه ثم ساروا الي دمشق حتي دخلوها و قد اجتمعت اهل دمشق و سائر الناس علي مبايعة عبدالله بن عمر بن الخطاب .
قال الراوي هذا ما كان من امر اهل دمشق و اما ما كان من امر ابن زياد فانه دخل علي مروان بن الحكم و ذلك بعد ان ابلغه ما عليه اهل دمشق و قال له انت موجود و يبايع الناس لعبدالله بن عمر فلما سمع كلامه قال ماذا اصنع قال تجمع الناس و تقبضهم الاموال و تسألهم بيعتك فاذا بايعوك جردت معي جيشا للعراق و الكوفة و انا ابايع لك اهلها فمتي بايعوك سرت الي مكة و المدينة و خطبت لك فيهما ثم اكتب الي خراسان و اصفهان و اعمال فارس و طبرستان انك انت الامير و ان الناس قد اجتمعوا علي بيعتك فعند ذلك يخطب لك من في المشرق و المغرب فقال مروان افعل ما اردت فانا و انت في هذه الامارة سواء ثم ان مروان انتقل من داره الي دار يزيد و انفق ما عنده من المال علي رجاله و الابطال ثم عقد لابن زياد الرايات و ارسله الي العراق و الكوفة في مائة الف فارس فاخذهم و سار ليقتل من ضاده في الخلافة و ذلك بعد ان قال له قد اعطيتك الكوفة و البصرة و زدتك الحرمين ففرح ابن زياد لذلك ثم سار هو و من معه و كان ابن زياد قبل ذلك قد ارسل غلاما من غلمانه اَمامه و معه الذخائر و المآكل و المشارب و العلوفات و لميزالوا سائرين حتي وصلوا الي اول اعمال العراق ثم انه عقد لقائد من قواده راية و ضم اليه [ص 346] ثلاثين الف فارس و قال له كن اَمامي فانه بلغني ان في طريقي اربعة آلاف و خمسمائة فارس من شيعة الحسين و هم الذين سجنتهم مع المختار ثم اطلقوا بعد هلاك يزيد و فعلوا بالكوفة ما فعلوا و الآن يريدونني فاذا لاقيتهم فلاتبق منهم واحدا و ها انا علي اثرك ثم ارتحل القائد بمن معه بعد ان قبّل ركابه و قال انا اكفيك شرهم .
قال الراوي هذا ما كان من امرهم و اما ماكان من امر سليمان و اصحابه فانهم قد نزلوا في موضع يقال له عين الوردة ينتظرون قدوم ابن زياد و كان كل من مر بهم من بني امية و اشياعهم يقتلونه فبينما هم كذلك اذ طلعت عليهم راية القائد المذكور فلما نظرها سليمان و اصحابه ركبوا خيولهم و اعلنوا بالتهليل و التكبير و الصلاة علي البشير النذير و نادوا يا آل بيت الحسين ثم قال لهم سليمان هذا ابن زياد و رايته مكتوب عليها اسم مروان فاظن انه مضي الي دمشق و بايع له الناس فاحملوا بارك الله فيكم و نصركم علي اعدائه و اعد اء رسوله فعند ذلك قوموا الاسنة و اطلقوا الاعنة و نادوا باجمعهم لا اله الا الله محمد رسول الله يا لثارات الحسين ثم حملوا علي القوم و قاتلوا قتالا شديدا و لميزالوا كذلك الي ان ادركهم الليل و حال الظلام بين الفريقين و قد حصر سليمان من قتل من اصحابه فاذا هم الف و خمسمائة فارس و اما قائد ابن زياد فانه قتل من اصحابه خمسة آلاف فارس ثم باتوا و ما فيهم احد يملك نفسه من شدة التعب و الم الجراح الي ان طلع الفجر و لاح فاذن سليمان و صلي باصحابه صلاة الافتتاح ثم ركبوا خيولهم و ذكروا سيد الملاح ثم حملوا و هم ينادون يا لثارات الحسين و قد حمل عليهم القوم و لميزالو في طعن و ضرب و كرّ و فرّ الي ان هجم الليل و منع الفريقين [ص 347] و قد حصر كل من الفريقين فاذا اصحاب قائد ابن زياد قد قتل منهم عشرة آلاف فارس و انهزم الباقون و اما اصحاب سليمان فانهم في حفظ من الرحمن ثم لما ان رأي سليمان و اصحابه انهزام القائد و من معه نزلوا موضعهم و ملكوا خيامهم و تقاسموا سلبهم .
قال الراوي هذا ما كان من امر سليمان و اصحابه و اما ما كان من امر قائد ابن زياد و اصحابه فانهم لما انهزموا لميزالوا سائرين حتي لحقوا بابن زياد و هم منه علي مسيرة يومين فلما رآهم علي تلك الحالة عظم عليه و كبر لديه و قال يا ويلكم انتم ثلاثون الفا تنهزمون من اربعة آلاف و خمسمائة و قد قتلوا منكم خمسة عشر الف فارس ثم جعل يجدّ في المسير و يقطع الارض قطعا فاصبح في اليوم الثالث بالقوم و قد بقي سليمان و اصحابه و هم ثلاثة آلاف فارس فلما عاين العسكر جمع اصحابه و ركبوا خيولهم و حملوا عليهم و نادوا يا لثارات الحسين و لميزالو في قتال الي ان هجم الليل و قد حال الظلام بين الفريقين و قد حصر كل منهما من قتل من اصحابه فاذا قد قتل من ابن زياد اثنا عشر الف فارس و من اصحاب سليمان الفان ثم ان سليمان اقبل علي اصحابه و قال بارك الله فيكم فقالوا ايها الامير قدكنا اربعة آلاف و خمسمائة و الآن صرنا الفا و ابن زياد في ثلاثة و سبعين الف فارس فان اصبحنا علي الحرب قتلنا عن آخرنا فالصواب اننا نعبر الي جانب الفرات و نقطع الجسر و نسير الي الكوفة او ارض العراق و نجمع الجيوش و نلقي اعداء الله و اعداء رسوله فقال يا قوم لااقوم و لاافارق عدوّ الله ابدا حتي ابلغ منه ارادتي فان كنتم تقاتلون لطلب ثار ابن بنت رسولكم فاثبتوا فقالوا والله مانقاتل الا لطلب ثارات الحسين و ما لنا في الدنيا من حاجة و مانرجوا بذلك الا [ص 348] التقرب من الله تعالي و رسوله و ها نحن بين يديك حتي نقتل عن آخرنا ثم انهم باتوا تلك الليلة حتي اصبح الله بالصباح و اضاء بنوره و لاح فصلي بهم صلاة الافتتاح ثم ركبوا خيولهم و ذكروا سيد الملاح و التقي الجمعان و لميزالوا في قتال و خصام مدة سبعة ايام فلما كان في اليوم الثامن اصبح سليمان و قد بقي معه سبعة و عشرون فارسا و مع ابن زياد سبعة و ستون الف فارس و لميزالوا يقاتلون الي ان هجم الليل و منع الفريقين فرجع سليمان و اصحابه بعد العشاء الاخيرة و قد اصاب كلا منهم نحو مائه ضربة فعبروا الفرات و قطعوا الجسر و نزل ابن زياد من الجانب الآخر بعسكره و ليس فيهم رجل يطيق الكلام مع صاحبه من التعب و قد ركبهم الغبار و عاد الدم عليهم كالمكبات و تغيرت اصواتهم من كثرة الزعاق و كانت الخيل تسقط من الجوع و العطش و التعب الذي مر بها .
قال الراوي هذا ما كان من امر ابن زياد و عسكره و اما ما كان من امر سليمان و اصحابه فانهم القوا نفوسهم عن ظهر خيولهم و هم يقرؤن القرآن و يصلّون علي رسول الله الملك الديان و ما فيهم احد الا و يتمني الشهادة و يقول اللهم الحقني بمولاي الحسين و كان ذلك في اليوم الثالث و قد رأي سليمان في منامه انه في روضة خضراء و فيها اشجار و اثمار و اطيار و كانه قد اتي به الي قصر من ذهب و اذا بامرأة قد اقبلت عليه و هي متخمرة بخمار من سندس و عليها حلل من سندس اخضر قال سليمان فلما رأيتها كاد قلبي ان ينقدح هيبة و اجلالا لها فضحكت في وجهي و قالت يا سليمان قد شكرك الله و اخوانك بهذه الفعال فشكرناكم فابشروا فانكم معنا حيث حللنا و جميع من قتل في محبتنا ثم دمعت عيناها رحمة لنا فقلت يا سيدتي من [ص 349] انت ؟ فقالت خديجة الكبري و هذه ابنتي فاطمة الزهراء و هذان ولداها الحسن و الحسين رضي الله عنهم اجمعين و هما يقولان لك انت عندنا غدا بعد الزوال و نجتمع بين يدي رسول الله صلي الله عليه و سلم فافض عليك هذا الماء و عجل الاوبة علينا و القدوم الينا فانتبه سليمان و اذا عند رأسه قدح من ذهب مملوء ماء افاضه عليه و ترك القدح و اشتغل بلبس ثيابه فذهب القدح حيث اتي فقال الله اكبر - ثلاث مرات - و لله الحمد فانتبه اصحابه لتكبيره و قالوا ما الخبر ايها الامير ؟ فقال اتتني خديجة الكبري هي و اولادها واخبرتني انني عندها بعد الزوال و نجتمع بين يدي رسول الملك المتعال ثم ناولتني قدحا فيه ماء فافضته عليَّ و وضعته فغاب عني و ها انا لااحس بالم الجراح ثم سجد هو و اصحابه شكراً لله و لميزالوا كذلك حتي طلع الفجر و لاح فصلي بهم صلاة الافتتاح ثم ركبوا خيولهم و عبروا الفرات حتي وصلوا الجانب الذي فيه ابن زياد و عسكره فحملوا عليهم و التقي الجمعان و لميزالوا كذلك الي وقت الظهر فدارت عليهم الاعنة و حطت فيه الاسنة فقتلوا عن آخرهم رحمة الله تعالي عليهم و جزاهم بما صبروا الجنة ثم ان ابن زياد امر بحزّ رؤسهم فحزت ثم وجّه بهم انفارا الي مروان بن الحكم و اقام ينتظر ردّ الجواب .