قال الراوي هذا ما كان من امر سليمان و اصحابه و ما حل بهم من ابن زياد و اما ما كان من امر صاحب الامر و من ارادته فوق كل ارادة فانه قد اعان المختار و ارسله من مدينة يثرب الي الكوفة و معه ختم فمضي به الي ابراهيم بن الاشتر و قال له يرحمك الله اني قد أتيتك برسالة من محمد بن الحنفية و هو يأمرك بان تأمر اهل الكوفة علي بيعته لانه متوعك من قروح اصابته بسبب عين نظرته فلذلك منع عن [ص 350] الخروج مع اخيه الحسين في يوم كربلاء و في هذ الوقت فلما سمع ابراهيم كلام المختار قال له اعلم يا اخي اننا نسمع و نطيع و لو لم‌تعلم ان هذا الكلام حق فقد وجب علينا ان يجمع بعضنا بعضا و نتشاور في اخذ ثار الحسين و ننظر ماذا يردون علينا من الجواب قال فلما كان من الغد و صلي ابراهيم بالناس صلاة الفجر اقبل عليهم و قل يا اهل الكوفة هذا المختار قد ورد من المدينة و معه خاتم محمد بن الحنفية و هو يأمركم ان تبايعوه و تأخذوا بثار الحسين فما ذا تقولون فقالوا لن نبايع حتي نرسل خمسين رجلا من شيوخنا الي المدينة ليسألوا محمدا عن هذا الخبر ان كان حقا بايعنا و قاتلنا و لو قتلنا عن آخرنا و ان كان باطلا فنحن بضد ذلك ثم اختاروا منهم خمسين شيخا و وجّهوهم الي المدينة فلما وردوها اتوا الي دار محمد و استأذنوا بالدخول فاذن لهم فدخلوا و سلموا عليه و قالوا يا ابن امير المومنين قد أتيناك من الكوفة قاصدين و ذلك ان المختار ورد علينا و معه خاتم و اخبرنا انه خاتمك و انك تخاطبنا لبيعتك و اخذ ثار اخيك فقال يا قوم انا ماوجّهت اليكم خاتما و لا غيره و لكن كان الواجب عليكم ان تنصروه و تجاهدوا بين يديه و لكن خذوا هذا خاتمي فسلّموا له و قد ولّيته عليكم فاطيعوه فاخذوا منه الخاتم و رجعوا الي الكوفة و لم‌يزالوا الي ان نزلوا القادسية فبلغ المختار نزولهم فيها فدعا بعبده و قال له امض الي دروب الكوفة و تجسس الاخبار بمن اتي من القادسية هل من كانوا في المدينة جاؤا بولايتي فاذا كانوا جاؤا بها فانت حر و ان كانوا غير ذلك فلاترجع فتوجه العبد فرحا الي القادسية فوجد القوم قد وردوا و معهم خاتم ابن الحنفية و قد جمعوا اهل القادسية و بايعوهم له و اخبروهم بامارة المختار عليهم ثم امروهم بالمسير اليه و [ص 351] الجهاد بين يديه فلما سمع العبد ذلك انثني راجعا الي سيده و حدّثه بذلك ففرح فرحا شديدا ثم قدم المشايخ و اخبروا ابراهيم و سائر اهل بلدهم فبايعوا و اطاعوا المختار جميعهم فعند ذلك عقد راية و دفعها الي ابراهيم و ضم اليه اربعة عشر الف فارس و امرهم بالمسير الي اعمال الشام لقتال عدوّ الله ابن زياد فرحل ابراهيم و من معه عن طريق الغادريات فجعل يجد في المسير تسعة ايام و في اليوم العاشر نزل بانبار و عبر الجيش فخرج اليهم اهل انبار و استقبلوهم و قالوا لمن هذا الجيش ؟ فقيل لهم جيش الحسين فاخرجوا اليهم العلوفة و الزاد فماقبلوا منهم شيئا الا بثمنه ثم ساروا و نزلوا بالنخل الاسود و الحصي المجتمع و هو الكثيب علي عين الطريق فاقام بهم هناك ابراهيم يومين ثم رحل بهم و نزل بالجلحا فاقام بها يوما و ليلة ثم رحل بهم و نزل الي صدر الروضة و اقام بها ثلاثة ايام ثم رحل بهم و مر علي الدار الكبري ثم نزل الي ارض البالست و لها ثلاث حصون ثم رحل بهم و نزل بالعواضة و لها حصنان ثم رحل بهم و نزل بدير الجماجم ثم رحل بهم و نزل بدير الجالية ثم رحل بهم و نزل بالمنصورية و الزهرة ثم رحل بهم و نزل بالدير اللطيف و دير القس ثم رحل بهم و نزل بتكريت و كانت منيعة حصينة فغلقوا الابواب حين نظروا الجيش فقالوا لمن هذا ؟ فقالوا لاخذ ثار الحسين فعند ذلك اعلنوا بالبكاء و النحيب و فتحوا الابواب و هم ينادون وا حسيناه يعزّ علينا يا اباعبدالله ثم اتوهم بالزاد و العلوفة فقالوا لهم لانأخذ شيئا الا بثمنه فعند ذلك اجتمعوا عند ابراهيم و قالوا له نحن لنا في هذا الامر حظ و نصيب و اننا قد اخرجنا من اموالنا خمسين الف دينار و نسألك ان تقبلها منا و تستعين بها علي امرك فلم‌يقبل ذلك ثم رحل و [ص 352] نزل ببادية يقال لها الياليط ثم رحل بهم و مر بالموصل فسل اهلها في وجوههم السيوف فساروا و لم‌يلتفتوا اليها حتي نزلوا بعينين و كان بها رجل من وجوه بني شيبان يقال له حنظلة بن مغاور الثعلبي و كان له عشرة اولاد فكتب اليه ابراهيم كتابا يقول فيه : بسم الله الرحمن الرحيم من خادم الحسين الي حنظلة اما بعد انك تعلم ما جري للحسين و من معه و نحن اصحابه و طالبون لثاره فنسألك بحقه و حق جده ان تبيح لنا العبور من هذا الباب و الخروج من الآخر من غير اقامة فبالامر المحتم عند دخول رسول ابراهيم الي حنظلة ورد رسول ابن زياد فاستلم الكتابين و قرأهما فوجد كتاب ابن زياد مكتوبا فيه من عند ابن زياد الي حنظلة : اما بعد حين وصول الكتاب تجمع العلوفة و الزاد لمائة الف فارس طوعا لامير المؤمنين و لاتتوان فيما امرتك به و نفسك مرتهنة علي ذلك . فغضب و مزقه و رماه ثم قال لاصحابه اضربوا عنق رسول ابن زياد و اما كتاب ابراهيم ففرح به و احضر رسوله و خلع عليه و طوقه بطوق من الذهب و اركبه سابقا من الخيل و قال له انطلق الي سيدك و اعلمه باني مقيم له بالعلوفة و الزاد و ان بلدي له موطئ فعاد الرسول راجعا الي ابراهيم و اعلمه بذلك ففرح و تكامل عسكره خمسة عشر الف فارس فقدم اليهم من عند حنظلة القباب و الخيام و السرادق ثم نصبت لهم و قد شق اهل هذا البلد جيوبهم و جزّوا شعورهم حزنا علي ابن بنت نبيهم ثم حمل حنظلة اليهم الهدايا السنية و العلوفة و الزاد فلم‌يقبلوا منه شيئا و لا من اصحاب بلده الا بثمنة فشكروهم علي ذلك و دعوا لهم بالنصرة فاقاموا بها يومين ثم رحل ابراهيم و قومه و معه حنظلة و اولاده و عبيده و اصحابه و خاصته في الف فارس و جعلوا يسيرون حتي نزلوا علي [ص 353] قلعة ماردين و كان حنظلة اقام فيها نائبا من قبله فنظر اهل القلعة الي الجيش و اخبروا وليهم فبعث غلاما يستخبر لمن هذا الجيش فنزل الغلام و اسرع الي الجيش فرأي حنظلة و بجانبه الامير ابراهيم فتقدم الغلام و قبّل الارض بين يديهما فقال له حنظلة يا غلام ادع والدك فرجع الي والده و قال له يا ابت هذا الامير حنظلة و معه عرب من عرب الكوفة و هو يدعوك فنزل صاحب القلعة الي الامير حنظلة فسلّم عليه و علي الامير ابراهيم فردّ عليه السلام و قال له هل انت لعدوّ الله علي علم أوَ ماعلمت له من خبر ؟ فقال الامير لو كنت قدمت اليَّ قبل هذا الوقت لسلمت اليك ابن زياد اخذا باليد فقال و كيف ذلك فقال اعلم انه قد جاءني قبل اليوم و معه حريمه و اولاده و اربعون بغلا عليها مال فاودعها في القلعة و ها هو علي عشرين ميلا في قرية يقال لها المدينة فقال له ابراهيم بشّرك الله بالخير فاين حريمه و اولاده قال عندي قال احضرهم قال سمعا و طاعة لله و لك يا امير المؤمنين ثم مضي الي القلعة فجاء منها باربعة من اولاد ابن زياد الاكبر منهم من سنه عشرون سنة و مائة و ثلثون جارية و اربعين حملا من المال ذهبا و ورقا و صناديق مملوءة خزّا و قباطي مصرية و ديباجا فاقبل ابراهيم علي اصحابه و قال يا ايها الناس هذه بنات ابن زياد و اولاده و انتم تعلمون انه قتل علي بن الحسين و له من العمر خمس عشرة سنة و قتل عون بن علي و هو ابن احدي و عشرين سنة و قتل محمد بن علي الاصغر و له اربع عشرة سنة و قتل عثمان و له عشر سنين و نهب حريم رسول الله عليه الصلوة و السلام و ساقهم علي الاقتاب بغير وطاء فوالله ماابقيت علي وجه الارض من ذرية ابن زياد احدا ثم سلّ سيفه [ص 354] و كذلك اصحابه و وثبوا الي اولاد ابن زياد و حريمه و جواريه و قطعوهم قطعا و هم ينادون يالثارات الحسين حتي قطعوهم عن آخرهم ثم اقبل صاحب القلعة علي ابراهيم و قال له اعلم ايها الامير ان كل احد بلا تمام مذموم و انا اريد ان اغزو بنفسي في طلب ثار الحسين و اقتل ابن زياد و لو اقتل الوقعة لك بلا قتل و كيف ذلك يا اخي قال اسير انا و انت و اولادي حتي نقرب من عسكره فاذا بيننا و بينه فرسخ نصبت خيمة و قعدت انا وانت فيها و ارسل بعض اولادي اليه فيقول له ان ابي يقول لك اعلم ان الامير حنظلة اتبع رأي ابراهيم و قد بلغني انه حلف ليضربن بالسيف هو و اولاده و سائر دولته طلبا لثار الحسين و انت تلعم ان القلعة له و الآن يطالبني باولادك و حريمك و مالك الذي عنده و اريد ان تخرج قومك و تأتي لتخلوا معي و نتشاور فيما يجوز فعله و لايأتي احد معك لاني لاآمن ان يكون للقوم خبر بان اولادك و حريمك و مالك عندي و بيني و بينك محبة فانه يجيء و لايتأخر لانه يثق بي علي نفسه كما يثق بي علي حريمه و ماله و اولاده فاذا جاء ادخلته الخيمة و اوثقته بين يديك ثم تملك انت قوائم سيفك و تضرب عنقه و تعود الي عسكرك و تأخذهم و تحمل علي عسكره فانه لايجتمع لهم شمل الي يوم القيامة قال ابراهيم يا اخي انا اجيبك الي ذلك و اسير معك و لكنني قد رأيت رأيا قال و ما هو ؟ قال اعلم ان معه سفنا من النحاس علي ظهور الابل يقصد بها للقوم و الصواب ان اسير معك كما تقول و اكثر اصحابي علي البعد يمينا و شمالا و اجعل علي اليمين خمسة آلاف و علي الشمال مثلهم فاذا استوي الامر و فعلت به ما ذكرت فهو الغرض و ان لم‌اتمكن [ص 355] جئت معك الي ان اقف علي المعبر فان السفن التي معه لايقدر يعبر فيها الا فارس واحد فاذ هو عبر أكون بجانبك فانه يظن اني من بعض اولادك فان قاربني ضربت عنقه و صحت يا لثارات الحسين فاذا رآني اولادك و سمعوا الصيحة صاحوا من كل جانب و مكان و احطنا بعسكره و قتلناهم و اخذنا سلبهم قال افعل ما شئت ايها الامير فانني لك و لامرك سامع و لكن قل لاصحابك يكونوا قريبا منك بحيث يسمعون صوتك اذا صحت قال فجمع ابراهيم اصحابه و اوصاهم ان يمكثوا بالقربي من المعبر و يكون لهم طلائع يعرفون بها بعضهم ففعلوا ذلك قال و سار بهم ابراهيم مع صاحب القلعة و اولاده الي ابن زياد يقول له اقبل اليَّ وحدك فان جيش ابراهيم قد نزل قريبا منا و معه حنظلة و اولاده و سائر دولته فمضي الغلام الي عسكر ابن زياد و قصد خيمته و دخل عليه و قبّل الارض بين يديه و عرفه ما قال ابوه فلما سمع ذلك انقلبت عيناه في ام رأسه و خاف علي اولاده و ماله و حريمه فامر بفرس فقدمت اليه و تقلد بسيفه و ركبها و هو فزع مما سمعه و سار مع الغلام قاصدا الي الخيمة و بين يديه عبده و معه شمعة فلم‌يزل سائرا حتي ورد الخيمة فلما رآه صاحب القلعة قام له هو و اولاده و جعلوا يقبّلون يديه الا ابراهيم فجعل يحد النظر اليه ثم نزل عن فرسه و دخل الخيمة و جلس و جلسوا ثم قال لصاحب القلعة ما هذا الخبر ؟ فقال له هو حق ايها الامير قال ابراهيم و جعل يحدّثه و يشاغله و يشير اليَّ بضرب عنقه فجعلت افكر في ضيق الخيمة و طول باعي و عدم تمكني من الضرب و هو يطيل النظر الي و سيفه بين يديه و لست آمن ان يصيح و يمانع عن نفسه ثم طال ذلك عليه وانا مطرق الي الارض متفكر في [ص 356] امري فقال ابن زياد لصاحب القلعة اذا كان ابراهيم قد اقبل هو و حنظلة فما لي الا ان اسير اليه قبل ان يفعل ما بدا له قال له افعل ما تريد و ها انا امامك فنهض و ركب فرسه و رجع الي عسكره فاقبل صاحب القلعة عليَّ و قال ماشبهت ليلتك الا بليلة مسلم بن عقيل . قال الراوي فقال له ابراهيم يا اخي لاتعجل عليَّ قال و كيف لااعجل عليك أترجو فرصة اجود من هذه فقال ابراهيم اسكت فاني اعلم ما لاتعلم فاني تذكرت في قتله و هو جالس و سيفه بين يديه و عبده علي باب الخيمة و عسكره قريب منه فلو صاح و صاح عبده لأتتنا قومه فرأيت قتله في غير هذا الموضع اولي و اصلح و ارجوا ان لايقتل الا بما اضمرت له ثم ارتحلنا و ملكنا المعبر و الجسر منصوب بالاخشاب و قد تملكت سيفي .

قال الراوي هذا ما كان من امر هؤلاء و اما ما كان من امر ابن زياد فانه امر عسكره بالرحيل فرحلوا و لم‌يزالوا حتي وصلوا المعبر و صاروا يعبرون الاول فالاول و هم يتراكضون علي تلك السفن النحاس حتي عبر منهم خمسون الف فارس ثم اقبل ابن زياد علي بغلة كانها البرج و هو في عمارية من الديباج الحرير و فيها طراحة من ديباج احمر و قد حشيت بريش النعام و عليه قبة من الديباج و منطقة من الذهب الاحمر مرصعة بالدر و الجوهر تلوح حمرة الذهب مع بياض الجوهر كجمرة النيران و بين يديه ثلاثون شمعة كقامة الرجل و عن يمينه شمعتان من العنبر و عن شماله مثل ذلك و عليه قلنسوة من ذهب و جوهر و لؤلؤ وكان يحسن في الزي و اللباس قال ابراهيم فلما اقبلت البغلة و الخدم بين يديه يكفون الناس عن طريقه و انا واقف في جملة الجيش علي المعبر متلثما و قد ضيقته فقالوا لي ابعد عن طريق الامير فقلت يا قوم ان [ص 357] لي عند الامير حاجة و مااقدر علي مخاطبته الا هنا فتركوني و جازوا فلما اقبل ابن زياد في العمارية ناديت مستغيث بالله و بالامير فاخرج رأسه لينظر من المستغيث به فضربته علي ام رأسه احدرته الي الارض و صحت يا لثارات الحسين فركب الناس السفن من كل جانب و مكان و قد نزل في قوم ابن زياد الضرب و الطعان الي ان ولي الليل و اقبل النهار و قد قتل من اصحاب ابن زياد ثمانية عشر الف فارس و قال صاحب القلعة قيل ان ابراهيم عند وقوع ابن زياد كتفه و سلّمه الي رجل من اصحابه و هم محيطون به من كل جانب و مكان و كل منهم يلعنه و يبصق في وجهه و يضربه و ينادي يالثارات الحسين ثم ان ابراهيم نزل هو و اصحابه و دعا بابن زياد فاوقفوه بين يديه ثم امر بتقييده و تغليله و اضرام النار حوله ففعل ذلك حالا و سريعا امتثالا لامر الامير و قد احدق اليه اصحابه لينظروا ما يصنع به فتقدم ابراهيم و سل خنجرا حجازيا لو نزل علي بعير قدّه و جعل يشرح من لحمه و يشويه و يطعمه له و عيناه تنظر اليه فاذا امتنع من الاكل نخسه بالخنجر و هكذا حتي أكل لحمه بنفسه و ابراهيم ينادي يالثارات الحسين ثم لما قارب الموت ذبحه من اذن الي اذن و احتزّ رأسه و اخذها ثم امر ان يداس باقدام الخيل ثم يحرق ففعل به ذلك فبعد ذلك احضر الاساري و كان يسأل الرجل عما صنع في يوم قتل الحسين فيخبره بما فعل فمنهم من يقطع اطرافه و منهم من يفعل به كابن زياد حتي لم‌يبق الا سبعون رجلا من خواص اللعين مثل شبث و سنان بن انس و عمر بن الحجاج و الشمر و امثالهم لعنهم الله و هم الذين تولوا قتل الحسين عليه رضوان الله و سبوا حريمه و نهبوا ماله فاوقفهم بين يديه و قال عليَّ بخلع الديباج [ص 358] فقالوا دعنا من هذا الكلام و اصنع ما انت صانع فقال اصدقوني فقال نصدقك فاول من تقدم للحسين خولي و عوقب و مات ثم من بعده سنان هو الذي تقدم للحسين فقال ابراهيم يا ويلك يا سنان ما صنعت يوم قتل الحسين قال تقدمت اليه و هو ملقي علي ظهره فضربت يدي الي تكته فجزبتها ثلاث مرات و في الرابعة حللتها فرأيت يده قابضة عليها فقطعتها و اخذت التكة فبكي ابراهيم و قال أماتستحي من الله و من جده رسول الله ثم اضجعه علي قفاه و نهض قائما و اوقع الخنجر في عينيه فشق البياض و السواد و الدم يخرج علي فخذيه و امر ان تسل اظافره فسلت و تكسر يداه فكسرتا ثم قطعهما و القي في النار و احترق و لم‌يزل يسألهم واحد بعد واحد و يصنع به اشنع مما ذكر حتي قتلهم عن آخرهم و اخذ رؤسهم و حشاها في الغرائر و هم عشرة آلاف و قد اظهر منهم رأس ابن زياد و رؤس السبعين و وجههم الي المختار و كان يومئذ بالكوفة و ضم اليه الخيل و السلاح و الغنائم و هي الف بعير من الذهب و الفضة و لم‌يزل الرسول يجدّ في المسير و معه كتاب الامير ابراهيم الي المختار بشرح الحال و ابراهيم سائر باصحابه علي اثر رسوله فماكان الا قليل حتي وصلت الرؤس و الغنائم و الكتاب الي الكوفة و اشتهر ما فيه ففرح الناس فرحا شديدا ثم اورد الرسول برأس ابن زياد الي المختار فوضعها بين يديه فبصق عليها و قال لعن الله صاحبك ثم امربخبطها في الارض ففعل ذلك .

[ص 359] قال الراوي هذا ما كان من امر ابراهيم و ما فعل و اما ما كان من امر من شرد من عسكر ابن زياد فانه لم‌يزل سائرا الي ان وصل الي مروان واخبره بما فعل ابراهيم فلما سمع مروان بذلك ضاقت عليه الارض و خرج من وقته الي الجامع و قد اطلق النداء بجمع الناس فاجتمعوا فقال و ارتقي المنبر و قال ايها الناس ان الذين خرجوا مع المختار فتنوا العباد و افسدوا البلاد و من فيكم يخرج الي الكوفة و يقتل ابطالها و يفعل بهم مثل ما فعلوا و قد ابحته ذلك فقام اليه عامر بن ربيعه الغساني لعنه الله و قال انا امضي ايها الامير و افعل ما امرت به فعند ذلك ضم اليه مائة الف فارس و امره ان يسير الي حرب المختار فسار هو و من معه و جعل يجد في المسير حتي وصل الي الكوفة في مدة عشرة ايام و برز خارجها .

قال الراوي هذا ما كان من امر هؤلاء و اما ما كان من امر المختار فانه منذ قتل ابن زياد و اصحابه صار يركب كل يوم و جيشه حوله و يخرج للنزهة فخرج ذات يوم فوجد رجلا مقبلا علي نجيب يحثّ به تارة و يسعي به اخري فقال عليَّ بهذا فما كان الا لمحة حتي مثل بين يديه فقال من اين اقبلت و اين تريد ؟ قال اتيت من قوم سائرين خلفي قال أصدقني و الا ضربت عنقك فقال اعلم اني رجل من الازد و هم من جملة عسكرك و قد اتيت اليهم اخبرهم ان لايقيموا في الكوفة لان جيش مروان قد اتي لخرابها وهم مائة الف فارس فلما سمع منه ذلك قال لقواده كم في عسكري من الازد قالوا رجل واحد قال ائتوني به فلما اتي به قال له هل لك في ديواني اسم ؟ قال لا قال هل انتفعت منك بشيء ؟ قال لا قال الزم بيتك و الا فاخرج من الكوفة [ص 360] الي حيث تريد ثم ان المختار خلع علي الازدي و اعطاه مالا كثيرا و قال ما تريد ؟ قال امضي الي صاحبي عامر بن ربيعة فقال له المختار ان سألك عامر عن عسكري ماذا تقول قال اقول معه ثلاثون الف فارس قال تكذب بل قل رأيته في الحيرة و معه اربعة عشر الف فارس قال حبا ثم سار حتي قدم علي عامر و دخل عليه و قال له اعلم انني دخلت الكوفة و رأيت المختار في الحيرة و معه اربعة عشر الف فارس و قد انعم عليَّ فقال له عامر هل لك ان تقضيني حاجة بعشرة آلاف دينار ؟ قال و ما هي ؟ قال تمضي الي عسكر المختار و توصل هذه الكتب الي فلان و فلان حتي احصي له اربعة و عشرين رجلا من خواص المختار و كان قد اوصاهم في الكتب علي قتله قال انا اخاف ان يراني حراسه فيقتلوني او يسلموني له فيضرب عنقي قال انا احتال لك في امر تأخذ منه الجائزة ثم توصل الكتب الي اربابها قال و ما هي الحيلة ؟ قال تلبس ثوبين خلقين و تمشي حافيا الي الكوفة فانك تجد طلائعه يأخذونك اليه و يوقفونك بين يديه فيقول ما لك رجعت تقول يا سيدي ان عامرا لما رأي ما اعطيت لي اخذه مني و امر بقتلي فشفع فيَّ قومه فتركوني وقد اتيت لك فاذا سمع كلامك رقّ لحالك و خلع عليك و آمنك فاذا اطمأننت فارسل الكتب الي اربابها قال حبا ثم اعطاه العشرة آلاف دينار فاخذها مع ما اعطاه له المختار و سلمها الي اهله و نزع ثيابه و لبس ثيابا آخر و سار حتي ورد الكوفة و كان المختار قد ركب مثل عادته فنظر في البرية فوجده يهرول فقال علي بهذا فاحضروه فاذا هو الازدي فقال له ما الذي نزل بك ؟ فقال ايها الامير ان عامرا اخذ ما اعطيتني اياه و امر بقتلي فصفح عني قومه و قد اتيت اليك [ص 361] فلما سمع كلامه رقّ قلبه اليه و امر له بالف درهم و ثوبين و عمامة فلما نظر الازدي الي احسان المختار قال لنفسه الدنيا فانية و الآخرة باقيه فوالله لاابيع الباقية بالفانية ثم اتي الي المختار و قال له يا سيدي اريد ان تخلو معي فخرج المختار من عسكره حتي بعد عنهم و جلسا معا فاخبره الازدي بالقصة من اولها الي آخرها و اعطاه الكتب فشكره علي ذلك ثم عاد المختار بابراهيم و حدّثه بقول الازدي ثم قام و ركب و ابراهيم عن يمينه و الازدي عن يساره حتي اتي الي قومه فوجد المرسل اليهم منتظرين امر عامر و ايديهم علي قوائم سيوفهم فعند ذلك نزل المختار عن جواده و القي سيفه و عمامته و ثيابه و صار بقميص لا غير ففعل ابراهيم مثله و كذلك الاربعة و عشرون ثم امر المختار عبده باحضار الازدي و اوهمهم انه يريد قتله فلما حضر بين يديه و قد كان بيد المختار حربة سنانها وزن عشرون رطلا فنظر اليه و هزّ الحربة و قال له سألتك بالله هل ما ذكرت حقا ؟ قال نعم ايها الامير فقال انظر ما يحصل ثم ضرب احدهم بالحربة فادخلها من بطنه حتي خرجت من ظهره و عطف علي الثاني و الثالث و هكذا حتي قتل الاربعة و عشرين عن آخرهم فقال له ابراهيم ايها الامير لو كنت ابقيت منهم رجلا لسألته عن حالهم قال ابرهيم فتقدمت الي احدهم و الروح تلوح فيه فقلت ان الامير قد ندم علي قتلكم فقال ان شاء لايندم فوالله لقد اردنا ان نخلط لحمه علي دمه و لكن بدأ بنا هو ثم ان المختار دعا بالازدي فاقامه بين يديه و امر ان يفاض عليه المال فقال الازدي ايها الامير والله مالي في المال حاجة و الذي تريد ان تهبه لي احمله للمدينة لورثة الحسين فهم احق و لو كنت اريد المال لرغبت فيما اعطاني ابن زياد و لانصحتك ثم قال ايها الامير انا [ص 362] اسلّم اليك ابن ربيعة و تأخذه باليد قال و كيف ذلك ؟ قال تركب معي و تسير حتي نقرب من عسكره و انا اسرع اليه و اقول اني قد وصلت كتبك الي القوم و قد انفذوا معي اخا لهم ليأخذ منك عهدا و ميثاقا انك لاتغدرهم اذا قتلوا المختار و يريد ان يسألك عن امور و لست اعرف ما هي فاخرج معي اليه فاذا هو خرج و جاء اليك فانت تأخذه باليد فقال ابراهيم هذا رأي لايجيء منه شيء كيف تمضي ايها الامير الي مائة الف فارس و لا بد لهم من طلائع و لايأمن ان يخرج الا و معه بعض خواصه وانت معروف و مشهور و غير خاف و لا منكور و قد اردت ان احتال علي ابن زياد بمثل هذه الحيلة فرأيت غيرها اصوب منها قال المختار افعل ما تري يا ابااسحق قال ايها الامير اريد ان تجعل الازدي ضيفي ثلاثة ايام قال قد فعلت لك ذلك فاخذ الامير ابراهيم بيد الازدي وخرج من حضرة المختار و مشي به الي منزله فامر باحضار الطعام فاكلا و جلسا يتحدثان فقال ابراهيم يا اخي ان جميع ما اشرت به علي الامير صواب غير اني قلت ليس هذا رأي و اردت ان امضي انا و انت فان متُ انا فالامير عوضي و ان مات الامير لم‌يكن له عوض و من الرأي ان تمضي معي الي ابن ربيعة و لعلك تحتال في اخراجه اليَّ كيف شئت فان فعلت ذلك اعطيتك جارية يفرح بها قلبك لاني ان قتلته فلاابالي ان قتلت بعده فقال الازدي صدقت و هذا هو الرأي السديد فافعل ما تريد فاني لك تابع و لقولك سامع فحمد ابراهيم عند ذلك ربه المجيد ثم انهما لبسا ثيابا خضرا و اقبل ابراهيم علي عسكره و قال لهم ان سألكم عني احد فقولوا له انه خرج مع الازدي الي ضيافة ثم ركبا نجيبين و سارا الي ان قربا من عسكر ابن ربيعه فنظر الطلائع [ص 363] اليهما فاحدقت بهما الخيل من كل جانب و مكان و قالوا لهما من انتما ؟ قال الازدي انا صاحب الامير و هم يعرفونه قالوا و من هذا الذي معك ؟ قال رجل من بني عمي فعند ذلك قال ابراهيم انا لله و انا اليه راجعون و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم . ثم ان الطلائع سارعت الي ابن ربيعة و قالوا ايها الامير ان الازدي الذي انفذته الي المختار قد ورد و معه رجل لسنا نعرفه و يزعم انه ابن عمه قال عليَّ بهما فاوقفوهما بين يديه و كان ابراهيم ملثما لايبان منه غير حماليق عينيه فلما نظره ابن ربيعة عرفه فقال يا ويلكم اسفروا عن لثامه فانه ابراهيم بن مالك الاشتر فاسفر عن لثامه فعرفوه فقال ابن ربيعة يا ابن الاشتر ظننت انك لم‌تعرف لقد جئت الآن الي قتلك والله لاقتلنك قتلة يتحدث بها اهل المشرق و المغرب اظننت اني بثار ابن زياد انام و تقول انا رجل من الازد فقال ابراهيم يا ملعون سالحقك به و ان شاء الله آخذ بثار الحسين منك فقال يا غلام عليَّ بسيفي فقال ابراهيم يا ويلك ان تكن قتلتي علي يديك و لكن ارجو الله ان يمكنني منك و اذيقك حرارة سيفي كما اذقت ابن زياد فعند ذلك احضر ابن ربيعة خاصته و قال اريد ان اقتل ابراهيم قتلة يتحدث بها في سائر الامصار فقالوا له اعلم انه ابراهيم وليس المختار و ليس الرأي ان تقتله بالليل فيخفي امره فامهله الي الغد و حزّ رأسه و ارسلها الي مروان فتفرح اعداؤه و تبكي اصدقاءه فلما سمع كلام اصحابه وقع منه بموقع ثم دعا بحاجب لم‌يثق الا به و هو يبغض ابراهيم فضم اليه الف فارس و سلّم اليه ابراهيم و الازدي و قال له احتفظ عليهما فاخذهما و ادخلهما خيمته و قيّد كل منهما باربع قيود فلما هدأت العيون و ازهرت النجوم و لم‌ينم الحي القيوم سمع ابراهيم صوت [ص 364] الازدي و هو يبكي و ينتحب فقال ما بكاؤك يا اخي ؟ قال و كيف لاابكي و انا في غد مقتول فقال الست تعلم اننا اذا قتلنا نلحق بالحسين أماتري من يكون له اسوة بولد فاطمة . . . و كان الحاجب الذي اقامه ابن ربيعة يسمع كلامهما فاقشعر جلده و خشع قلبه و قال يا نفس اي عذر لك عند الله و عند رسوله ؟ فوالله لأطلقنهما ثم وثب قائما علي قدميه و دخل الخيمة و قال لابراهيم قد اقشعر جلدي من كلامك و زجرني زاجر من نفسي و اريد ان احلّكما و اطلق سبيلكما فخذا لانفسكما جهة فقالا ان فعلت ذلك فلنفسك تمهد عند الله و رسوله فعمد الحاجب اليهما و حلهما و دفع الي ابراهيم سيفا و الازدي عامودا فجعلا يتخطيان رقاب المتوكلين بهم حتي خرجوا فقال ابراهيم للازدي انت اعرف مني بهذا الطريق و ان القوم لابد ان يخرجوا في طلبنا فاذا رأيت ذلك فغصّ انت في الرمل ثم ان ابراهيم اقتحم الخلاء و قد صبر الحاجب قليلا حتي بعدوا و صاح و مزق ثيابه فانتبه الناس و ركب ابن ربيعة و في وسطه منديل و بيده سيف مسلول و تبعه العسكر قال ابراهيم لما سمعت الزعقات قلت في نفسي الي اين اذهب فبينماانا افكر اذ لاحت لي شجرة فقصدتها و صعدتها و استترت باغصانها و قد طلع النهار و طال الغبار و القوم يطلبونني و الازدي و قد اخذت كل فرقة منهم طريقا حتي حميت الشمس و اشتد بهم العطش و انا جالس اسبح الله و قد حجبت عنهم فبينما هم كذلك و اذا بفارس اقبل و هو يركض نحو الشجرة فلما رأيته فزعت منه و قلت ان في اثره عسكراً و لكن اجاول بهذا السيف و قد وثبت قائما و السيف بيدي فلما قرب مني تأملته فاذا هو عدوّ الله ابن ربيعة فحمد ت الله و قلت قد مكنني الله منه فاقبل حتي وقف تحت [ص 365] الشجرة و عيناه تنظر يمينا و شمالا فلم‌ير من اصحابه احدا و قد ادار كفل فرسه الي اصل الشجرة فوثبت كالريح و ضربت يدي في اطواقه و جذبته الي الارض و وضعت سيفي علي نحره فقال من انت ؟ قلت انا ابراهيم يا ويلك اخذتني البارحة و تنكرني اليوم أظننت ان الله يفوته هارب ثم حززت رأسه و انا انادي يا لثارات الحسين و استويت علي جواده و الرأس معي و اطلقت عنانه فاتيت الكوفة و كان هذا رابع يوم و قد خرج المختار في طلبي فلما رآني قال اين كنت منذ اربعة ايام قلت في عسكر ابن ربيعة و هذه رأسه ثم القيتها بين يديه و حدثته بجميع ما جري قال و ما فعل الازدي ؟ قلت غاص في الرمل و لا ادري ما كان منه ثم قلت ايها الامير الحق القوم فانك تملكهم عن آخرهم فامر العسكر بالرحيل و هم يومئذ اثني‌عشر الف فارس و جعلوا يجدون السير حتي لحقوا بعسكر اللعين و نادي يا لثارات الحسين بن علي فماكانت الا ساعة حتي انكسر عسكر ابن مروان و اخذ السيف يتحكم فيهم من نحو خمسين ميلا حتي قتل من قتل و اسر من اسر ثم جمعوا الغنائم ثم امرهم المختار بحز رؤس الاساري و اشهارها علي الرماح ففعلوا ذلك و عادوا الي الكوفة فرحين مسرورين و هم ينادون يا لثارات الحسين ثم اقام المختار ما شاء الله حتي مات و لم‌يرفع الله لبني امية راية ابدا الي يومنا هذا و الله اعلم بالصواب و اليه المرجع و المآب و صلي الله و سلم علي النبي الاواب و علي آله و سائر الاصحاب آمين .

( تمت مقابلة هذا الكتاب في فروردين ١٣٩٠ ، ح‌ل )

( جديد شهريور ١٣٩٥ )