[ص 293] قال الراوي فماكان الا قليل حتي ظهر المختار بن عبدالله الثقفي طالبا بثار الحسين فوقع في يده ذلك الرجل و هو خولي بن يزيد الاصبحي فقال له المختار ما فعلت بعد قتل الحسين قال اخذت قطعة اديم من تحت طفل مريض و سلبت قناع امرأة و قرطا كان في اذنيها و اخذت خلخالا كان في رجلي طفلة صغيرة فقال له اي ذنب اعظم من هذا ؟ اماسمعت قولها لك ؟ قال سمعتها تقول قطع الله يديك و رجليك و اذاقك النار في الدنيا قبل الآخرة فقال والله لاجاوزت دعوتها ثم قطع يديه و رجليه و احرقه بالنار و ذهب .
قال الراوي ثم اقبلوا علي ابن الحسين وهو ضعيف و ارادوا قتله فلما رأتهم امكلثوم اقبلت و هي حاسرة الوجه و طرحت نفسها عليه و نادت وا هتيكتاه وا قلة ناصراه يا قوم ان كان و لا بد من قتله فاقتلوني قبله فقال بعضهم لبعض يا قوم هذا صبي صغير فلايحل قتله ثم ان زينب قالت يا ابن سعد لما تدعون ؟ قال اريد بكم عبيد الله بن زياد فقالت يا ابن سعد بالله عليك مُرّ بنا علي جسد الحسين حتي نودعه قبل الفراق فقال سمعا و طاعة ثم اخذهن الي الحسين فلما رأينه بلا رأس صحن و بكين و جعلت زينب تبكي و تقول :
لقد حطّ فينا من زمان نوائبه و فرقنا انيابه و مخالبه
و جار علينا الدهر في ارض غربة و دبّت علينا بالرزايا عقاربه [ص 294]
ارادوا اخي بالقتل عمدا و خيبة و ما خلّفوه ذا الاسي و نوائبه
و جار علينا البين مع غاية الردي و طمت رزاياه و حلت مصائبه
حسين لقد امسي قتيلا مجندلا و اظلم من دين الاله مذاهبه
فلم يبق لي ركن الوذ بظلّه و من ذا يعاني الدهر من ذا يغالبه
و فرقنا هذا الزمان مشتّتا و ارخت علينا الفاجعات نكائبه
ثم انها لما فرغت من شعرها صاحت سكينة و جعلت تقول :
قد سبتنا حسين هذي الاعادي مثل سبي العبيد بين البوادي
قد سبوا مهجتي بقتل حسين و هو سؤلي و بُغيتي و مرادي
يا وحيد الزمان قرّة عيني قد قضوا منك ما لهم من مراد
ابن بنت الرسول و ابن علي انت هادي الوري لطرق الرشاد
رفعوا رأسه علي رأس رمح و لها بارق كقدح الزناد
و بنوا احمد يقادون جهرا و يطعن العدو فوق الجياد
و كذا نحن بعدكم هتكونا و رمونا بمقتهم و العناد
مارعوا حرمة لمجد نبي سيد فاق بالهدي و الرشاد
ظلموا بنته البتول و عاتوا بفساد لهم بكل عناد
و علي المرتضي فجعوه بحسين و رهطه في الجلاد
يا ابن سعد قد ارتكبت عظيما سوف تصلي السعير يوم المعاد
يحكم الله بيننا و عليكم ذلك الحشر بين كل العباد
قال الراوي قال بعضهم لمانس زينب و هي واضعة يدها علي رأسها و هي تقول وا محمداه هذا الحسين مرمل بالدماء صريع بكربلاء مقطّع الاعضاء و بناتك سبايا و الي الله المشتكي و الي محمد المصطفي و الي عليّ المرتضي و الي حمزة سيد الشهداء قال ثم بكت و قالت و الله علي كل شهيد و حفيظ ثم انها اخذت بيد فاطمة الصغري بنت الحسين و هو كان يحبها حبا شديدا فجعلت تمرغ خدّها و شعرها في منحر ابيها و هي تنادي وا ابتاه يعزّ عليَّ ان اناديك و تخيّبني.
[ص 295] قال الراوي فامر ابن سعد ان تؤخذ النساء عن جسد الحسين بالرغم عنهن فحملوا علي اقتاب الجمال بغير غطاء و لا وطاء مكشوفات الوجوه بين الاعداء و ساقوهم كما تساق سبايا الروم في شر المصائب و الهموم و تركوا القتلي مطروحين بارض كربلا فتولي دفنهم قوم من الجن فصلّوا علي تلك الجثث الطاهرة المرملة بالدماء و دفنوهم علي ما هم عليه ● و ارتحل العسكر الي الكوفة و معهم ثمانية عشر رأس علوي قطعوهم وقت قطع رأس الحسين و هم اخوته و اولاده و بنو عمه و شالوهم علي اطراف الرماح و شهروها علي الاعلام و رأس الحسين قد صعد لها نور من الارض الي السماء مثل العمود المستقيم بلا انحراف و كان القوم يسيرون في الظلام علي نوره و صيروه علي رأس عمر بن سعد الي ان دخلوا الكوفة قال مسلم الجصاص كنت في ذلك اليوم دعيت لاجصص دار ابن زياد فبينما انا اشتغل و اذا بالاصوات قد رفعت في جوانب الكوفة فسألت خادما عن ذلك فقال ستأتي الينا رأس خارجي فقلت ما اسم صاحبها فقال لي الحسين فلما سمعت ذلك تركته حتي خرج ثم لبست عمامتي و ثيابي بعد ان غسلت وجهي و يدي و رجلي و خرجت من القصر فوصلت الرأس و انا علي بكاء عظيم فرأيت اهل الكوفة لابسين الثياب الفاخرة و هم يرتقبون رأس الحسين عند دخولها و بعد قليل اقبلت الجمال و عليها حريم الحسين و الشهداء و هم بغير وطاء و لا غطاء و زين العابدين راكب علي بعير و هو ضعيف و رأيت افخاذهم تشخب دما و لما رأي زين العابدين اهل الكوفة مرتقبين دخولهم مع رأس ابن بنت سيد المرسلين بكي بكاء عظيما ثم انشد و جعل يقول :
[ص 296]يا امة الشرّ لايدنوا مزاركم يا امة ماتراعي جدنا فينا
غدا فان رسول الله يجمعكم يوم القيامة عدّوا ما تقولونَ
يا امة الشرّ ما هذا الترقب في تلك المصائب لاتبكون داعينا
تصفقون علي ايديكمو فرحا و انتم في فجاج الارض تسبونا
أليس جدي رسول الله ويحكم اهدي البرية عن سبل المضلينا
قال الراوي فصار اهل الكوفة يناولون الاطفال الذين في المحامل الخبز فصاحت امكلثوم يا اهل الكوفة حجر في رأس من تصدق علينا ثم اخذت ما اعطوه للاطفال و رمته عليهم فعند ذلك ضجت الناس بالبكاء و النحيب و هم ينظرون اليهم فنظرت اليهم امكلثوم و قالت غضّوا ابصاركم عنا فلما سمعها النساء في الربوع بكين عليهن فقالت ويحكن تقتلنا رجالكم و تبكي علينا عيونكم ، الله يحكم بيننا و بينكم فوالله ماحبست عنا نصرة الله في الدنيا الا لاكتساب نعيم الآخرة لارتفاع مقامنا في الآخرة و انتم سوف تردون الي جهنم يا ويلكم أتدرون ايّ دم سفكتم و ايّ لحم قطعتم ؟ قال بشير الاسدي نظرت الي زينب بنت علي فكانها هو و رأيتها قد اومأت للناس ان اسكتوا فهدأت الانفاس و سكتت الاصوات ثم قالت : الحمد لله و الصلوة و السلام علي رسول الله ايها الناس اعلموا ان مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة انكاثا تتخذون ايمانكم دخلا بينكم الا ساء ما قدمت لكم انفسكم ان سخط الله عليكم و في العذاب انتم خالدون قتلتم سبط خاتم النبوة سيد شباب اهل الجنة و ملاذ خيرتكم و منار حجتكم ويلكم أتدرون ايّ كريمة له سبيتم و ايّ دم له سفكتم ؟ ثم بكت ، فتقدمت امكلثوم و قالت : ويلكم قتلتم حسينا و خذلتموه و نهبتم امواله و ورثتموه و سبيتم نساءه و هتكتموهن ايّ داهية دهتكم و ايّ مصيبة اصابتكم و جعلت تقول :
[ص 297]قتلتم اخي ظلما فويلكم غدا ستصلون نارا حرّها يتوقد
سفكتم دماء آل النبي و سفكها محرمة رب العباد و احمد
الا ابشروا بالنار يا اهل كوفة جهنم فيها جمعكم يتخلد
و اني لابكي في حياتي علي اخي علي خيرة من بعده ليس يوجد
قال الراوي فضجت الناس بالبكاء فتقدم زين العابدين و اومأ للناس ان اسكتوا فسكتوا فقال : الحمد لله و الصلوة و السلام علي رسول الله ايها الناس من عرفني فقد عرفني و من لميعرفني انا اعرّفه بنفسي انا علي بن الحسين بن علي انا ابن المذبوح بشط الفرات انا ابن من تهتكت حريمه و انتهب ماله و سلب نعيمه فايّ عين تنظرون بها رسول الله اذا قال لكم قتلتم عترتي و هتكتم حريمي فلستم من امتي ، فعند ذلك ارتفعت الاصوات بالبكاء و النحيب و قال بعضهم لبعض هلكتم ثم بكي علي زين العابدين و جعل يقول :
قتلتم عليا قبل ذلكم الرضي لقد كان خيرا من حسين و اكرما
فلاتفرحوا يا اهل كوفة بالذي اصاب حسينا كان ذلك اعظما
قال الراوي فبينما هم في الكلام و اذا بضجة قد ارتفعت و الرؤس قد طلعت من فوق الرماح يقدمهم رأس الحسين و هو اشبه الناس برسول الله فلما رآهم علي زين العابدين سكت من شعره و بكي .
قال الراوي ثم انهم دخلوا بالرؤس علي عبيدالله بن زياد و انزلوا رأس الحسين من فوق الرمح و وضعوه بين يديه فجعل ينكت ثناياه و يتكلم بكلام يغضب الله ثم ادخلوا السبايا عليه و اوقفوهم بين يديه فقال عليٌّ سوف نقف و تقفون و نسئل و تسئلون فايّ جواب تردون و بخصام جدنا لكم الي النار تقادون ؟ فسكت ابن زياد و لميرد له جوابا ثم قال ايّكم امكلثوم ؟ فقالت ما تريد مني يا عدوّ الله ؟ فقال قبّحكم الله فقالت يا ابن زياد و انما يقبح [ص 298] الفاسق و الكاذب و انت الكاذب و الفاسق فابشر بالنار فضحك من قولها و قال ان صرت الي النار في الآخرة فقد بلغت مرادي و ما اؤمّله فقالت يا ويلك قد ارويت الارض من دم اهل البيت فقال لها انت شجاعة مثل ابيك و لولا انك امرأة لضربت عنقك فقالت لولا اني شجاعة ماوقفت بين يديك ينظر اليَّ البارّ و الفاجر و انا مهتوكة الحباء و اخوتي بين يديك من غير غطاء قال و كانت زينب حاسرة الوجه تختبئ لئلا يراها احد فنظرها ابن زياد فسأل حاجبه عنها فقال هذه زينب اخت الخارجي فصاح بها يا زينب أرأيت صنع الله في اخيك و كيف قطع دابركم لانه كان يريد الخلافة ليتم بها آماله فخيّب الله منها رجاءه و آماله فقالت يا ابن زياد اذا كان اخي طالب الخلافة فهي ميراث ابيه و جدّه و اما انت يا ابن زياد فرد جوابا اذا كان القاضي الله و الحكم جدي و الشهود الملائكة و السجن جهنم و انما هؤلاء القوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا الي مضاجعهم و غداً يجمع الله بينك و بينهم فتحاجج و تخاصم فقال قد شفي قلبي من الحسين و اهل بيته فقالت اذا كانت قرّة عينك بقتل الحسين فسوف تري ممن قرّت عينه به قبل و كان يقبّله و يضعه علي عاتقه ثم بكت فقال زين العابدين و قد نظر لي ابن زياد و قال له الي كم تهتك عمتي بين العرب ؟ فقال من هذا الغلام ؟ فقالوا هذا علي بن الحسين فقال أليس قد قتل الله علي بن الحسين فقال له كان لي اخ يسمي علي بن الحسين قد قتله الناس فقال بل قتله الله فقال الله يتوفي الانفس حين موتها فقال لحاجبه خذ هذا الغلام اضرب عنقه فقام الحاجب و مسكه و جذبه اليه فمسكته زينب و قالت يا ابن زياد نذرت علي نفسك انك لاتبقي من نسل محمد صغيراً و لا كبيرا فسألتك بالله [ص 299] لاتقتله حتي تقتلني ثم جذبته اليها و صرخت فنظر اليها ابن زياد و قال اتركوه لها فقال له انت بالقتل تهددني اماعلمت ان القتل لنا عادة و كرامة للشهادة ؟ فعند ذلك امر ابن زياد باجتماع الناس في الجامع فجمعوا فقام و دخل عليهم و صعد المنبر و جعل يسب عليا و اولاده ثم قال الحمد لله الذي اظهر الحق و نصر اليزيد و قتل الكذاب ابن الكذاب فقام اليه رجل من اوسط الناس يقال له عبدالله بن عفيف الاسدي و كان شيخا كبيرا مكفوف البصر و قال له قرض الله فاك و قطع يديك و رجليك انما الكذاب ابن الكذاب انت ، أتقتل اولاد الانبياء و المرسلين و تتكلم بهذا الكلام علي منابر المسلمين ؟ فغضب لذلك و قال من المتكلم ؟ فقال انا ، اتقتل الذرية الطاهرة و تزعم انك علي دين الاسلام ؟ فازداد غضبه و انتفخت اوداجه و قال عليَّ به فابتدروا اليه ليأخذوه فقامت الاشراف من بني عمه فخلّصوه و اخرجوه و انطلقوا به الي منزله فلما عسعس الليل دعا ابن زياد بخولي بن يزيد الاصبحي و ضم اليه خمسمائة فارس و قال امض و ائتني برأس ابن عفيف الاسدي فلما بلغ ذلك الاسديين اجتمعوا ليمنعوهم من صاحبهم فبلغ ذلك ابن زياد فجمع قبال مضر و ضمهم الي محمد بن الاشعث و امره ان يقاتل القوم فمضي و قاتلهم قتالا شديدا فانهزم الاسديون ثم وصلوا الي بيت بن عفيف و كسروا الباب و دخلوا و كان له ابنة صغيرة فقالت يا ابت قد هجم عليك عسكر ابن زياد فقال لها ائتني بالسيف و قفي ورائي و قولي يمينك شمالك بين يديك ففعلت ما امرها و اوقفته في مضيق و جعل يقاتل حتي قتل ثلاثة و عشرين رجلا ثم قال لو يكشف الله عن بصري اضيق عليكم كل مصدر ثم جعل يقاتل و يذبّ عن نفسه و ابنته تقول القوم عن يمينك القوم عن شمالك القوم بين [ص 300] يديك و لميزل كذلك حتي قتل منهم سبعة و عشرين فلما رأي القوم انه قتل منهم خمسين فارسا حملوا عليه من كل جانب و مكان و اخذوه اسيرا الي ابن زياد فقال له الحمد لله الذي اعمي عينيك و قلبك فلا بد من قتلك فقال انا قد سألت الله ان يرزقني الشهادة علي شر خلقه و مااظن ان في خلق الله اشر منك فعند ذلك امر بضرب عنقه فضرب عنقه رحمه الله ثم لما اصبح الله بالصباح امر ابن زياد ان يطوف القوم برأس الحسين و يشهروها بالكوفة فشالوها علي رمح و طافوا بها قال زيد بن ارقم مرّ عليَّ برأس الحسين و هو علي رمح طويل فلما دنت مني سمعتها تقول ام حسبت ان اصحاب الكهف و الرقيم كانوا من آياتنا عجبا فرفعت صوتي و ناديت رأسك اعجب يا ابن بنت رسول الله ثم بكي و جعل يقول :
رأس الحسين ابن النبي محمد للناظرين علي قناة ترفع
و المسلمون بمنظر و بمسمع لا منكر منهم و لا متفجع
كحلت بمنظرت العيون عماية و اصم شأنك كل اذن تسمع
ايقظت اجفانا و كنت لها كري و انمت عينا لمتكن نتهجع
ما روضة الا نمت اثمارها ما حفرة الا و فيها مضجع
قال الراوي ثم لما ان طافوا بالرأس جميع الكوفة سلّموها الي عمر المخزومي و امروه ان يحشوها مسكا و كافورا ففعل ذلك فما اتم فعله حتي بليت يده و وقعت بها الآكلة و نهرت ثم ان ابن زياد كتب كتابا الي اليزيد يخبره بقتل الحسين و اهل بيته و ارسله مع قاصد من عنده فلما وصل اليه الكتاب ردّ له الجواب من وقته يأمره بحمل رأس الحسين و رأس اهله و معهم الحريم و الاطفال الي دمشق فعند ذلك استدعي ابن زياد بخولي بن يزيد و شبيب بن ربعي و حجر بن الحصين و ضم اليهم الرؤس و الحريم [ص 301] و الاطفال و امرهم ان يسيروا الي اليزيد بدمشق و ان يشهروا ما معهم في سائر البلدان فساروا بهم كما تسير سبايا الروم و هم علي اقتاب الجمال بلا وطاء و لا غطاء و هم باكون ذليلون و الرؤس علي الرماح مرتفعات .
قال الراوي و لميزالوا سائرين الي ان وصلوا الي اول منزلة نزلوا بها فسمعوا امكلثوم تقول :
ماتت رجالي و افني الدهر ساداتي و زاد بي حسرات بعد حسرات
مال اللئام علينا بعد ما علموا انا الشريفات ابناء الشريفات
وحملونا علي الاقتاب عارية كأننا بينهم من غير قيمات
صعب عليك رسول الله ما صنعوا باهل بيتك يا خير البريات
كفاكموا برسول الله خصمكوا و قد هداكم الي سبل الهدايات
ثم انهم باتوا تلك الليلة و اصبحوا فساروا و جدّوا في المسيرالي ان وصلوا ثاني منزلة يقال لها جرايا فنزلوا و وضعوا الرؤس و السبايا بينهم ثم جلسوا يشربون الخمر فبينما هم كذلك اذ سمعوا هاتفا يقول :
ايها القاطعون رأس حسين ابشروا بالعذاب و التنكيل
كل من في السماء يبكي عليه من نبي مقرب و رسول
قد لعنتم علي لسان محمد في الكتاب المجيد و الانجيل
ففزعوا من ذلك فزعا عظيما و تركوا الخمر و باتوا تلك الليلة فلما اصبحوا حملوا و ساروا فبينما هم سائرون اذ سمعوا هاتفا يقول :
الا ايها الغادون ان امامكم مقام سؤال و الرسول سؤل [ص 302]
و فيه رسول الله فيكم مخاصم و فاطمة الزهراء و هي بتول
و ان عليا في الخصام مؤيّد له الحق فيما يدعي و يقول
فماذا تردّون الجواب عليهم و ليس الي ردّ الجواب سبيل
و لايرتجي في ذلك اليوم شافع سوي خصمكم و الشرح فيه يطول
و من يكن المختار و الله خصمه فان له نار الجحيم تؤل
فانهم سفن النجاة لمغرق و نجح و هذا بالنجاح كفيل
مناقبهم بين الوري مستنيرة لها غرر محجولة و حجول
مناقب وحي الله اثبتها لهم بما قام منهم شاهد و دليل
فلما سمعوا ذلك فزعوا فزعا عظيما ثم اقبلوا علي تكريت فكتبوا لحاكمها كتابا ان اخرج تلقانا فان معنا رأس خارجي و اهله سبايا فلما وصله الكتاب و قرأه امر بنشر الاعلام فنشرت و خرج هو و عسكره لملاقاتهم فقالت النصاري ما هذه الرأس ؟ قالوا رأس الحسين فلما سمعوا ذلك ضربوا النواقيس تعظيما لله و قالوا اللهم العن امة قتلت ابن بنت نبيهم ثم دخلوا و باتوا فلما اصبح الله بالصباح ساروا الي ان وصلوا واديا فنزلوا فيه فسمعوا الجن و هم يبكون و يلطمون علي الحسين و هم يقولون :
نساء الجن ساعدن النساء الهاشميات بنات المصطفي تبكي شجيات
بولولة و يندبن البدور الفاطميات و يلبسن الثياب المفظعات
و يلطمن الوجوه علي عظيمات البليات و يندبن الحسين علي رزيّات
ثم سمعوا هاتفا غيرهم يقول :
[ص 303]ذا حسين قتلوه ويلهم سوف يصلون به نار الخلود
فابوه ذا علي فاضل و له لو فهموا خير الجدود
ثم باتوا و هم فزعون فلما اصبحوا حملوا و ساروا الي ان اقبلوا علي الموصل فكتبوا لحاكمه تلقّانا فان معنا رأس خارجي فلما وصله الكتاب امر بنشر الاعلام و ضرب الطبول فعند ذلك قال لهم رجل منهم يا قوم والله ليس بخارجي و انما هي رأس الحسين فلما سمعوا ذلك غضبوا غضبا شديدا و تحالفوا انهم يقتلونهم و يخلصون الرأس منهم فبلغهم ذلك فارتحلوا من طريق آخر و لميزالوا سائرين حتي اقبلوا علي كفرنوبة و كتبوا الي صاحب حلب تلقّانا فان معنا رأس خارجي فلما وصله الكتاب فرح فرحا شديدا و امر بنشر الاعلام و اخذ قومه و خرجوا لمقابلتهم من نحو ثلاثة اميال و انزلهم عنده و اقاموا ثلاثة ايام و اكرمهم غاية الاكرام ثم ارتحلوا علي قنسرين فلما وصلوها و بلغ اهلها خبرهم اغلقوا الابواب في وجوههم و قالوا لايمرّون في بلدنا فارتحلوا الي مدينة النعمان فاستقبلوهم و ذبحوا لهم الذبائح ثم ارتحلوا الي كعرطاب فغلقوا في وجوههم الابواب فارتحلوا الي شيراز فتقلد اهلها بالسيوف و ركبوا القنطرة فلما وصلوا اليهم قال لهم خولي لاتفعلوا ذلك يا اهل شيراز فلميلتفتوا اليه بل حملوا عليهم و قاتلوهم حتي قتلوا منهم ستة و ثمانين فارسا و قتل منهم خمسة رجال فعند ذلك قالت امكلثوم ما يقال لهذه المدينة ؟ فقالوا شيراز فقالت اعذب الله ماءها و ارخص اسعارها و رفع ايدي الظالمين عنها .
[ص 304] قال الراوي فلما رأي خولي من اهل شيراز هذه الفعال امر قومه بالرحيل الي طريق آخر فارتحلوا الي حماء فغلق اهلها الابواب في وجوههم فقالت امكلثوم ما يقال لهذه المدينة ؟ فقالوا حماء فقالت حماها الله من كل ظالم ثم ساروا الي ان اقبلوا علي حمص فكتبوا لحاكمها تلقّانا فان معنا رأس خارجي فلما وصله الكتاب امر بنصب الاعلام و خرج و لاقاهم و اكرمهم غاية الاكرام ثم ارتحلوا الي خندق الطعام فغلق اهلها الابواب فارتحلوا الي جوسية .
قال الراوي حدّثني من حضر ذلك اليوم بجوسية ان حاكمها جرّد اربعة آلاف فارس و امرهم ان يقاتلوهم و يأخذوا الرؤس و الاساري منهم فاحسوا بذلك فارتحلوا الي طريق آخر الي ان وصلوا الي بعلبك و كتبوا لحاكمها كتابا تلقانا فلما وصله خرج بالطبول و قد نشر الاعلام و لاقاهم فقالت امكلثوم ما يقال لهذه المدينة ؟ فقالوا بعلبك فقالت لااعذب الله ماءها و لاارخص اسعارها و لارفع ايدي الظالمين عنها ، ثم ارتحلوا آخر النهار فادركهم المساء عند صومعة راهب في الطريق فنزلوا عندها و اسندوا الرؤس عليها فلما جنّ الليل سمع الراهب دويّا كدويّ النحل فعلم انه تسبيح ملائكة فارخي رأسه من الصومعة فرأي قناديل مدلات من السماء الي الارض و سمع زين العابدين يبكي و يقول :
هذا الزمان فماتفني عجائبه عن الكرام و لاتهدا مصائبه
فليت شعري الي كم ذا يحاربنا بصرفه و الي كم ذا نحاربه
يسري بنا فوق اعياس بلا وطن سائق العيس يحمي منه غاربه [ص 305]
كاننا من اساري القوم بينهموا كأن ما قاله المختار كاذبه
كفرتموا برسول الله ويحكموا يا امة السوء ما هذي مذاهبه
فلما سمع الراهب ذلك خرج من صومعته و اقبل علي القوم و قال من اميركم ؟ فاشاروا الي خولي فقال له انت الامير فقال نعم فقال هذه رأس من ؟ فقال رأس خارجي فقال ما اسمه ؟ قال الحسين فقال و من امه ؟ فقال فاطمة بنت محمد ، فلما سمع ذل خرّ مغشيا عليه فلما افاق قال صدقت الاحبار لانهم قالوا في هذا الشهر يقتل نبي او وصي نبي ثم قال يا امير اعطني الرأس حتي انظرها و اردّها لك فقال ادفع الجائزة فقال و ما الجائزة ؟ قال عشرة آلاف درهم فدفعها له فامر باعطاء الرأس له فلما نظرها انكب علي وجهه يقبّلها و يقول لعن الله قاتلك يعزّ علي ان لا اكون اول شهيد استشهد بين يديك و لكن اذا لقيت جدك فاقرئه مني السلام و اخبره اني علي قول اشهد ان لا اله الا الله و اشهد ان محمدا رسول الله ثم ضمخها بالمسك و الطيب و ردّها لهم ثم ان خوليا اراد ان يعطي قومه مما اخذ من الراهب فوجدها حجارة مكتوبا عليها و سيعلم الذين ظلموا ايّ منقلب ينقلبون فرماها و قال يا قوم اكتموا هذا الامر لانه عار علينا ثم كتب الي اليزيد كتابا يقول فيه نهنئ امير المؤمنين و نعلمه ان معنا رأس عدوّك الحسين و حريمه و اطفاله و نحن قريب من دمشق فاخرج لنا و تلاقانا ثم طوي الكتاب و ارسله مع رسول من عنده فلميزل سائرا الي ان دخل دمشق و سلّم الكتاب لليزيد فقرأه و فهم معناه فامر بتجهيز العساكر فجهزوا ثم امرهم ان يخرجوا لملاقاتهم فخرجوا من باب جيرون و باب اومي و هم عشرون الفا معهم الرايات منشورة و السنتهم بالتهليل و التكبير مشهورة و لميزالوا حتي لاقوا القوم و اتوا بهم الي دمشق .
[ص 306] قال الراوي قال سهيل الشهرزوري كنت حاضرا دخولهم فنظرت الي السبايا و اذا فيهم طفلة صغيرة علي ناقة و هي تقول وا ابتاه وا حسيناه وا عطشاه و هي كانها القمر المنير فنظرت اليَّ و قالت يا هذا اَماتستحي من الله و انت تنظر الي حريم رسول الله صلي الله عليه و سلم ؟ فقلت لها والله مانظرت لكم ( اليكم ظ ) نظرة استوجب بها هذا التوبيخ فقالت من انت ؟ فقلت انا سهيل الشهرزوري فقال و الي اين تريد ؟ فقلت اريد الحج الي بيت الله و زيارة رسول الله صلي الله عليه و سلم فقالت اذا وصلت الي قبر جدّنا فاقرأه منا السلام و اخبره بخبرنا فقلت حُباً و كرامة و هل لك حاجة غير هذا ؟ فقالت ان كان معك شيء من الفضة فاعط منه حامل رأس ابي و امره ان يتقدم بالرأس اِمامنا حتي تشتغل الناس بالنظر اليه عنا و كانت امكلثوم قبل ان يدخلوا دمشق قال للشمر بالله عليك اذا دخلتم بنا دمشق فادخلوا من مكان قليل النظّار ففعل بضد سؤالها قال سهيل ثم نظرت الي روشن عليه خمس نسوة و فيهم عجوز محدوبة الظهر فلما وصلت الرأس قبالها ضربتها بحجر فنظرتها امكلثوم فقالت اللهم اهلكها ومن معها ، فمااستتم دعاؤها حتي سقط الروشن بالجميع فهلكوا و هلك تحتهم خلق كثير فقالت زينب الله اكبر من دعوة ما اسرع اجابتها ثم دخلوا بالرأس من باب جيرون و داروا بها الي باب الفراديس فسقطت الرأس فتلقتها قرن حائط فعمر هناك مسجدا الي يومنا هذا ثم ازدحم الناس حتي خرجوا من باب الساعات و النساء مكشوفات الوجوه و الرؤس علي الرماح فقال اهل الشام والله ما رأينا سبايا احسن من هؤلاء ثم اتوا حتي وقفوا بهم علي باب القصر و قد احدقت النظار الي زين العابدين و هو موثق بالرباط .
[ص 307] قال الراوي ثم ان خوليا بعد ان اوقفهم علي الباب دخل علي اليزيد و قال يا مولاي الرؤس و السبايا واقفون علي بابك فقال ادخلهم لانظر اليهم فعند ذلك عمد خولي الي رأس الحسين و غسلها و طيّبها و دخل بها عليه و هو يقول :
انا صاحب الرمح الطويل الذي به اصول علي الاعداء في كل مشهد
طعنت به في آل بيت محمد لاَرضي مولانا يزيد المؤيد
ثم وضع الرأس بين يديه و ارتد فأخذ الرؤس و السبايا مكشوفات الرؤس و اوقفهم بين يديه و هم علي تلك الحالة باكين فقال له زين العابدين يا يزيد لو رآنا جدّنا في هذه الحالة و سألك فما تقول ؟ فعند ذلك امر بحل الوثاق عنه و بجلوس السبايا ثم امر باحضار طشت من فضة فحضر فوضع فيه رأس الحسين و وضعها بين يديه فلما رأته زينب فعل ذلك بكت و نادت بصوت حزين يا حسين يا حبيب رسول الله يعزّ علينا ذلك يا اباعبدالله و يعزّ عليك لو رأيتنا في هذه الحالة قال فابكت كل من كان في المجلس و يزيد ساكت ثم انه مد يده و اخذ منديلا كان وضعه علي الرأس فلما رفعه صعد منها نور الي عنان السماء فدهش الحاضرون ثم دعا بقضيب خيزران و جعل ينكت به ثنايا الحسين و هو يقول :
يا حسنه يلمع في اليدين يلمع من طشت من اللجين
كانّه حق بعروتين كيف رأيت الطعن يا حسين [ص 308]
قد كنت زينا ثم صرت شينَ و قد قضيت منك كل دين
قال الراوي فعند ذلك قام اليه ابوذر الاسلمي و قال ويحك يا يزيد تنكت بقضيبك ثنايا الحسين و قد كان جده يرشف ثناياه و ثنايا اخيه و يقول انتما سيدا شباب اهل الجنة قاتل الله قاتلكما ، فغضب اليزيد غضبا شديدا و امر باخراجه سجنا و زاد في تنكيت ثنايا الحسين و اذا بغراب علي شرائف القصر ينعق فلما سمعه يزيد ارتعدت فرائصه و تغيّرت احواله فبينما هو كذلك اذ دخل عليه جالوت اليهودي و قد كان حكيمه فقال ما هذه الرأس ؟ فقال له رأس خارجي فقال و ما اسمه ؟ قال الحسين فقال لم قتلته ؟ قال اراد ان يأخذ الخلافة فقال له ويلك يا يزيد انما هو احق بالخلافة اماتعلم ان بيني و بين النبي داود اربعين جدا و اليهود يعظمونني و يتبركون بي و انتم بالامس كان محمد فيكم نبيا كريما و اليوم قتلتم اولاده و سبيتم حريمه ثم سحب سيفه و حمل علي اليزيد ليقتله فحال بينهما الحاضرون فدنا اليهودي من الرأس و قبّلها و قال لعن الله قاتلك و خصمه جدك يعزّ عليَّ ان لا اكون اول شهيد استشهد بين يديك و لكن اذا لقيت جدك فاقرأه مني السلام و اخبره اني علي قول اشهد ان لا اله الا الله و اشهد ان محمدا رسول الله ، فقال له اليزيد والله لولا اني محتاج اليك لاجل امراضي لقتلتك شرّ قتلة فقال والله لااداويك الا بما يزيد أمراضك فامر بضرب عنقه فضرب رحمه الله تعالي قال الشهرزوري فبينما نحن واقفون عند اليزيد و اذا بامرأة لمار احسن منها و هي ترفل في اذيالها و لمتزل مقبلة حتي دخلت علي اليزيد و قالت له ما هذا الرأس ؟ قال رأس الحسين فقالت له والله يعزّ علي جدّه و ابيه و امه و اهله والله لقد رأيت الساعة و انا نائمة كأن ابواب السماء [ص 309] قد فتحت و هبطت منها خمس ملوك بايديهم كلاليب من نار و هم يقولون قد امرنا الله الجبّار بحرق هذه الدار فالتفت يزيد اليها و قال ويلك انت في ملكي و نعمتي و تقولين هذا الكلام والله لاقتلنك شرّ قتلة فقالت و ما الذي ينجيني من ذلك ؟ قال ترقين المنبر و تسبّين عليا و اولاده فقالت افعل ذلك فامر بجمع الناس فجمعت وقال لها قومي ارقي المنبر و افعلي ما امرتك به فقامت علي قدميها و رقت المنبر و قالت يا معشر الانس اعلموا ان اليزيد يأمرني ان اسب عليا و اولاده و هو الساقي علي الحوض و لواء الحمد بيده و ولداه سيدا شباب اهل الجنة فاسمعوا ما اقول لكم الا لعنة الله و لعنة اللاعنين علي اليزيد و علي كل ساع في قتل الحسين و صلوات الله علي علي و اولاده و شيعتهم منذ خلق الله الدنيا الي يوم القيامة عليها احيا و عليها اموت و عليها ابعث ان شاء الله ، فغضب اليزيد من كلامها و قال من يكفيني شرّها ؟ فقال رجل من النصاري انا اكفيك شرّها فقام و ضربها بسيفه فماتت رحمها الله ثم التفت اليزيد الي زين العابدين و قال له يا علي الحمد لله الذي قتل اباك و اخاك فقال انما قتلت ابي انت و الناس فقال الحمد لله الذي قتلته و كفيته فقال عليٌّ من قتل ابي لعنه الله فأمر بقتله فقال لااخاف من القتل بل لي اسوة بمن قتل قبلي فعند ذلك تصايح النساء بالبكاء و النحيب و تقدمت امكلثوم و قالت يا ويلك يا يزيد الي متي تقتل في اهل البيت أتريد ان تخلي الدنيا من نسل محمد رسول الله فضجت الناس بالبكاء و النحيب فامر بعتقه ثم التفت الي زينب و قال لها يا قرة عين علي و فاطمة الزهراء جئتم لتأخذوا الخلافة مني يا زينب قد امكنني الله منكم فقالت يا يزيد اتأخذنا بحقوق بدر و حنين يا [ص 310] ويلك تهتكنا و تحجب نساءك في القصور و اولاد رسول الله مأسورون أماكفاك قتل الحسين ؟ أظننت ان ذلك علي الله هيّن اللهم خذ بحقنا و انتقم من ظالمنا و احلل غضبك علي من سفك دمنا فحسبك يا يزيد الله حاكما و محمد خصما و جبريل ظهيرا و ستعلم ما سؤالك فيما امكنك من رقاب المسلمين بئس للظالمين بدلا و الي الله المشتكي فلميتكلم بل قال يا زينب اخوك قد جحد حقي و نازعني في ملكي فقالت لاتفرح بقتل اخي لانه صفي من اصفياء الله دعاه فاجابه فسعد و اما انت ياعدوّ الله فغداً تسأل بين يدي الله فلمتجد جوابا .
قال الراوي ثم ارتدوا الي القصر و جلسوا فيه و اذا برجل وثب الي اليزيد و قال اريد من غنيمتك هذه الجارية و اومأ الي سكينة فالتفتت الي عمتها و قالت يا عمتي يصير من اولاد الانبياء جوار و عبيد و اذا بامكلثوم قالت للرجل اقصر من هذا الكلام قطع الله يديك و رجليك فما استتمت كلامها حتي زعق الرجل زعقة عظيمة و عض علي لسانه و فقئت عيناه و غلّت يداه الي عنقه فقالت الحمد لله الذي استجاب دعوتي و ازال غصّتي و اراك حسرة في نفسك فهذا جزاء من تعرض لاولاد الانبياء . ثم ان سكينة تقدمت الي اليزيد و قالت اعلم اني رأيت البارحة في نومي قصرا من لؤلؤة بيضاء و له اربعة ابواب و علي كل باب خدم لايحصون فبينما انا انظر اليها و اذا قد فتح باب منها و خرج منه خمس رجال و خمس نسوة يقدمهم غلام لهم فتقدمت للغلام و قلت لمن هذاالقصر ؟ فقال للحسين فقلت و من هؤلاء الذين معك ؟ فقال و من انت ؟ فقلت انا سكينة فقال يا سكينة هذا آدم و هذا نوح و هذا ابراهيم و هذا موسي و عيسي فبينما انا انظر اليهم و اذا برجل قد اقبل و هو متغير اللون و له نور [ص 311] ساطع و هو مغتم يميل كالمرءة الثكلي قابض علي لحيته باكيا حزينا فقلت للغلام من هذا الرجل الذي هو ملتبس بالاحزان ؟ فقال الاتعرفيه ؟ فقلت لا فقال هذا جدك فقلت والله لاشكون له ما حل بنا ثم دنوت منه و لزمت صدره و انا شاهقة بالبكاء فضمني الي صدره و بكي حتي اغمي عليه ثم قال لي لاتخافي يا بنتي فقلت يا جدي قتلوا الحسين و اخوتي و اعمامي و اولاد اخوتي و بني عمي و رجالنا و سبينا و حملنا الي اليزيد لعنه الله مهتكات ينظر الينا البارّ و الفاجر ثم بكيت بكاء عظيما فقال اسكتي يا سكينة فقد ابكيت الملائكة ثم اخذ بيدي و ادخلني القصر مع الخمس نسوة التي رأيتهن و بينهن امرأة عظيمة الخلقة ناشرة شعرها و عليها ثياب سود و معها قميص ملطخ بدم و هي تقوم ساعة و تقعد اخري فقلت للغلام من هؤلاءالنسوة ؟ فقال هذه حواء و هذه مريم و هذه آسيه و هذه جدتك خديجة فقلت و التي معها القميص ؟ فقال هذه فاطمة فدنوت منها و قلت لها قد قتل الحسين و اخوتي و اعمامي و جميع عشيرتنا و حملنا اساري الي اليزيد فعند ذلك ضمتني الي صدرها و بكت و بكت النسوة ثم قالت يا امي حواء و امي خديجة و يا اخوتي انظروا الي هؤلاء القوم و فعلهم باولادي بعدي و صرخت صرخة عظيمة حتي ظننت ان القصر قد انطبق ثم نادت وا ولداه وا ثمرة فؤاداه ثم قالت لي يا سكينة صبرا جميلا يا ابنتي لو رأيت ما صار الي الحسين من النعيم و الكرامات لاشتاقت عيناك اليه و لو رأي اليزيد ما اعد الله له من العذاب الاليم و النار الحامية و السعير لذابت نفسه و نسي يومه اذا وضع في طباقها نهشته حياتها و هذا قميص الحسين معي لايفارقني حتي آتي به اليه [ص 312] و سيعلم الذين ظلموا ايّ منقلب ينقلبون و عند تمام الآية انتبهت فحار اليزيد من كلامها و قال انتم اهل البيت قد خصصتم بالحكمة كبيركم و صغيركم و ذكركم و انثاكم و دعا بخطيبه و كان فصيح اللسان قليل المعرفة بربه و قال له اجمع الناس بالجامع و اصعد المنبر و سبّ عليا و اولاده ففعل ما امره به و ازداد في سبّ عليٍّ و اولاده و اكثر في مدح اليزيد فلما سمعه علي و اخوته صاح به و قال يا ويلك من خطيب لقد اسخطت الرب و ارضيت العبد فعليك لعنة الله ثم تقدم الي اليزيد و قال له ائذن لي ان أرقي المنبر و أتكلم بما يرضي الله و ينفع الناس فابي فقال له الحاضرون لم لاتأذن له فقال يا قوم اني عارف بهذا الغلام و اخوته يا قوم هؤلاء اهل البيت اختصوا بالحكمة كبيرهم و صغيرهم و هم نسل ابيتراب و الحية لاتلد الا حية فقالوا بالله عليك ان تأذن له فقال يا علي ارق و تكلم بما شئت فصعد ثم حمد الله و اثني علي رسول الله و قال : ايها الناس احذّركم الدنيا و ما فيها فانها دار زوال و هي قد افنت القرون الماضية و هم كانوا اكثر منكم مالا و اطول اعمارا و قد اكل التراب لحومهم و تغيرت احوالهم أفتطمعون بعدهم بالبقاء ؟ هيهات هيهات لا بد من اللحوق و الملتقي فتداركوا ما مضي من عمركم بما بقي و افعلوا فيه ما سوف يعدّ لكم من الاعمال الصالحة قبل انقضاء الاجل و فروغ الامل فعن قريب تؤخذون من القصور الي القبور و بافعالكم تحاسبون فكم والله من فاجر قد استكملت عليه الحسرات و كم من عزيز قد وقع في مسالك المهلكات حيث لاينفع الندم و لايغاث من ظلم و وجدوا ما عملوا حاضرا و لايظلم ربك احدا ايها الناس من عرفني فقد عرفني و من لايعرفني فانا علي ابن الحسين بن علي انا [ص 313] ابن فاطمة الزهراء انا ابن خديجة الكبري انا ابن مكة و مني انا ابن المروة و الصفا انا ابن من صلي بملائكة السماء انا ابن من دنا فتدلي فكان قاب قوسين او ادني انا ابن صاحب شفاعة الكبري انا ابن صاحب الحوض و اللواء انا ابن صاحب الدلائل و المعجزات انا ابن صاحب القرآن و الكرامات انا ابن سيد المحمود انا ابن من له الكرم و الجود انا ابن المتوّج بالاشراق انا ابن من ركب البراق انا ابن صفوة اسمعيل انا ابن صاحب التأويل انا ابن الصادر و الوارد انا ابن الزاهد العابد انا ابن الوفي بالعهود انا ابن رسول الملك المعبود انا ابن سيد البررة انا ابن المنزل عليه سورة البقرة انا ابن من تفتح له ابواب الجنان انا ابن المخصوص بالرضوان انا ابن المقتول ظلما انا ابن محزّز الرأس من القفا انا ابن العطشان حتي قضي انا ابن طريح كربلا انا ابن مسلوب العمامة و الرداء انا ابن من بكت عليه ملائكة السماء ايها الناس ان الله ابتلانا ببلاء حسن حيث جعل فينا راية الهدي و جعل في غيرنا راية الردي و فضّلنا علي جميع العالمين و آتانا ما لميؤت احدا من العالمين و خصنا بخمسة اشياء لمتوجد في الخلق اجمعين العلم و الشجاعة و السخاء و حب الله و رسوله و اعطانا ما لميعط احد من العالمين - قال الراوي روي عن جعفر الصادق ان عند ذلك ضجّت الناس بالبكاء و النحيب فقصد يزيد ان يقطع كلامه بالاذان و اشار لمؤذنه يؤذن - فقال الله اكبر فقال عليٌّ الله اكبر فوق كل كبير فقال اشهد ان لا اله الا الله فقال عليٌّ اشهد ان لا اله الا الله فقال اشهد ان محمدا رسول الله فقال عليٌّ بالله عليك اسكت فسكت ثم قال يا يزيد أ كان محمد جدي ام جدك ؟ فان قلت جدي فانت صادق و ان قلت جدك فانت كاذب فقال بل جدك فقال لم قتلت [ص 314] ذريته و سبيت حريمه ؟ فسكت ثم ضجّت الناس بالبكاء و النحيب و قالوا هذه مصيبة في الاسلام فعند ذلك خشي اليزيد علي نفسه من القتل و قال ايها الناس أتظنون اني قتلت الحسين فلعن الله من قتله انما قتله عبيدالله بن زياد عاملي بالبصرة ثم امر باحضار من اتي برأس الحسين و من معها ليسألهم كيف كان قتله فحضروا بين يديه فقال لابن ربعي ويلك انا امرتك بقتل الحسين ؟ فقال لا لعن الله قاتله و لميزالوا كذلك الي ان وصل السؤال الي الحصين بن نمير فقال مقالتهم ثم قال أتريد ان اخبرك بمن قتله ؟ فقال نعم فقال اعطني الامان فقال لك الامان فقال اعلم ايها الامير ان الذي عقد الرايات و وضع الاموال و جيّش الجيوش و ارسل الكتب و اوعد و وعد هو الذي قتله ، فقال من فعل ذلك ؟ فقال انت ، فغضب منه و دخل منزله و وضع الطشت الذي فيه رأس الحسين بين يديه و جعل يبكي و يلطم علي وجهه و يقول ما لي و للحسين قالت هند زوجة اليزيد لما اخذت مضجعي تلك الليلة رأيت في منامي كاَن ابواب السماء قد فتحت و الملائكة باجمعهم قد نزلوا و هم يدخلون الي الرأس و يقولون السلام عليك يا اباعبدالله فبينما انا كذلك اذ نظرت الي سحابة قد نزلت من السماء و فيها رجال كثيرة و بينهما رجل قمري اللون فاقبل حتي دنا من رأس الحسين و انكب عليها و هو يقول السلام عليك يا ولدي قتلوك و من شرب الماء منعوك أتراهم ماعرفوك ؟ انا جدك المصطفي و هذا ابوك عليّ المرتضي و هذا اخوك الحسن و هذا عمك جعفر و هكذا الي آخرهم فعند ذلك ارتعت فانتبهت من نومي و طلبت زوجي فوجدته في مكان مظلم و علي وجهه بيديه يلطم و يقول ما لي و للحسين فقلت له اسكت حتي اخبرك بما رأيت فسكت ثم قصصت عليه الرؤيا و هو [ص 315] منكس رأسه فلما استتمت خرج و دعا بعليٍّ و اخوته و قال لهم ايهما احب اليكم المقام عندي و لكم الجائزة ام المسير الي مكة و المدينة ؟ فقالوا يا يزيد نحن فارقنا الحسين و عبيدالله بن زياد لميمكنّا من البكاء و النحيب فأمر باخلاء دار لهم فقعدوا فيها و عددوا البكاء و النوح ليلا و نهارا و لميبق في دمشق قرشية و لا هاشمية الا و شدّت الاوساط و اقاموا علي ذلك اسبوعا ثم دعاهم و عرض عليهم المسير فاجابوا لذلك فعند ذلك قدمت لهم المحامل علي الجمال و احضرت لهم الرجال و ذلك بعد ان اعطاهم الثياب الفاخرة ثم احضر لهم مالا جزيلا و قال يا زنيب خذي هذا المال عوضا عن مصيبتكم فقالت يا ويلك ما اقل حياءك و اصلب وجهك تقتل اخي و تقول خذوا عوضه مالا فلما ابت دعا بقائد من قواده و ضم اله الف فارس و امره ان يسير بهم الي المدينة او الي ايّ مكان شاؤوا و ان يقضي لهم جميع ما يلزم ثم حشا الرأس بالمسك و الكافور و سلمها لهم فاخذوها وساروا الي كربلاء و دفنوها مع الجسد الشريف . و روي انها بقيت في خزانته الي ان مات و بعد موته وجدها سليمان بن عبد الملك عظما ابيض فكفّنه و دفنه في مقابر المسلمين . و روي ان اليزيد بعد ان ارسل عليا و من معه امر بدفن الرؤس الا رأس الحسين فانه ارسلها خارج دمشق و معها خمسين فارسا يحرسونها ليلا و نهارا و ذلك من كثرة خوفه و فزعه فلما مات أتي بها الحرّاس و وضعوها في خزانته . و روي عن الطائفة الفاطمية الذين حكموا مصر ان الرأس وصلت اليهم و دفنوها في المشهد المشهور .
[ص 316] قال الراوي هذا ما ورد في دفن الرأس و اما علي و اخوته فانهم لما خرج بهم القائد من دمشق و وصلوا الي بعض الطريق قالوا بالله عليك يا دليلنا مُرّ بنا علي طريق كربلا لكي نجدد عهدا بيننا لهم فقال سمعا و طاعة و سار بهم الي ان دخلوا كربلاء و كان ذلك اليوم يوم عشرين من شهر صفر فوافاهم جابر بن عبدالله الانصاري و جماعة من اهل المدينة و اقاموا البكاء و الحزن حتي ضجت الارض ثم ساروا قاصدين المدينة فلما وصلوها بكت امكلثوم و جعلت تقول :
مدينة جدنا لاتقبلينا فبالحسرات و الكسرات جينا
خرجنا منك بالاهلين جمعا رجعنا لا رجال و لا بنينا
وكنا في الخروج علي المطايا و جئنا خائبين و مبئسينا
و كنا في امان الله جهرا رجعنا بالقطيعة خائبينا
و مولانا الحسين لنا انيسا رجعنا لا حسين و لا معينا
فلا عيش يدوم لنا بعز و زين الخلق مدفون حزينا
فنحن الضائعات بلا كفيل غدونا النائحين النادبينا
و كنا الباكيات علي حسين و كنا النادبات الساكبينا
ونحن السائرون علي المطايا نساق علي جمال المغضبينا
و نحن بنات يس و طه و نحن الباكيات علي ابينا
و نحن الصابرون علي البلايا و نحن الباكيات و لا معينا
و قد هتكوا محارمنا و صرنا علي الاقتاب جهرا اجمعينا
و زينب اخرجوها من خباها و فاطمة و ما احد معينا [ص 317]
سكينة تشتكي من حرّ شجو تنادي يا اخي جاروا علينا
و زين العابدين يقيّدوه و راموا قتله اضحي و زينا
و قد طافوا البلاد بنا جميعا و بين الخلق جمعا قد رمينا
فهذي قصتي مع شرح حالي الا يا مسلمون ابكوا علينا
قال الراوي فمااستتم كلامها الا و اهل المدينة قد خرجوا صائحين رجالا و نساء و هم يتصايحون و يبكون الي ان قابلوهم و سلّموا عليهم و هم علي بكاء و نحيب و قد كان محمد ابن الحنفية مريضا من يوم خروجهم و هو باكي العين فلما سمع كثرة البكاء و النحيب سأل عن ذلك فاخبروه بقدوم اهله فلما سمع ذلك خرج هائما يقوم تارة و يقعد اخري الي ان وصل اليهم و هو صارخ قائل وا اخاه وا حسيناه فاقاموا في وجهه الصراخ و البكاء و النحيب فخرّ مغشيا عليه فلما افاق قام و احتضن ابن اخيه و قبله بين عينيه و قال يا اخي يا عزّ عليَّ قتلك و انا لست معك و كنت افديك بروحي ثم انهم اتوا باجمعهم الي قبر جدهم و جعلوا يترامون عليه و هم باكون و ينادون يا جدنا قتلوا حسينا بارض كربلاء لو تري عينك ماحل بنا و استحلال دمنا و سبينا و تحميلنا الي اليزيد علي اقتاب الجمال بغير وطاء و لا غطاء ثم تقدم زين العابدين و بكي و جعل يقول :
الي جدّنا نشكو عداة تحكموا و نالوا بنا والله كل مناء [ص 318]
و يا جدّنا ارادوا ابي متذللا قتيلا و في الاحشاء حرّ ظماء
و قد رفعوا رأسا له فوق ذابل كما البدر يبدو في علو سماء
و عادوا عليها ينهبون خيامنا و ليس لنا في ذاك من نصراء
و قد حملونا فوق ظهر جمالهم بغير وطاء جدنا و غطاء
و لاطافوا بنا شرق البلاد و غربها جميعهم يهجوننا بهجاء
و جاؤا بنا ذلا دمشق يزيدهم و قد اوقفونا عنده بسواء
و قال لقد نلت المني كل مقصد بقتل اخيكم قد بلغت هنائي
و قد رام قتلي كي يقطع نسلنا و ذي عمتي صاحت بغير عزاء
و صاح بهم كل الحضور جميعهم فقال دعوه ذا من الطلقاء
فخذ حقنا يا جدنا في غد و في يوم حشر يوم فصل قضاء
غداً يستحل الآن كل محرم يبيح باهل البيت سفك دماء
اذا يستبيح الآن آل محمد و يسقي لاهل البيت كل رداء
سيوفهم قد جردت في رقابنا فيا ويلهم من حرّ نار لظاء
فقابلهم يا رب عدلا بفعلهم يا من تعالي فوق كل سماء
ثم انه لما فرغ من شعره خرجوا جميعا و مضوا الي منازلهم في حزن و اما القائد فانه ودّعهم هو و من معه بعد ان اكرموه و دعوا له بخير و قد بكي لبكائهم و اما علي فانه لما دخل هو و اهله الي منازلهم سمع لسان حالها كانها تقول :
[ص 319]مررت علي ابيات آل محمد فلمارها الا خوالي مظلمة
فلايبعد الله الديار و اهلها و ان اصبحت خلوا و كانت متممة
اري قتل طفل من سلالة هاشم تنوح له كل الوري نوح مأتمه
و كانوا غياثا ثم بادوا جميعهم و قد عظمت تلك الرزايا بفاطمة
ألمتر ان الشمس اضحت كسيفة لقتل حسين فهي من ذاك معتمة
قال الراوي ثم ان عليا خرج و معه خادم و مع الخادم كرسي له فوضعه علي الباب ثم جلس عليه علي و هو يبكي و يمسح دموعه بمنديل ثم بعد قليل اتي عمه محمد بن الحنفية و جلس بجانبه ثم اقبل اهل المدينة و تصايحوا بالبكاء و النحيب حتي ضجّت الارض فاومأ اليهم علي ان اسكتوا فسكتوا فقال : الحمد لله رب العالمين بارئ الخلق اجمعين الذي بَعُدَ فارتفع عن السموات العلا و قرب فشهد النجوي نحمده علي عظائم الامور و فظائع الدهور ايها الناس ان الله قد ابتلانا بمصائب جليلة و مصيبة في الاسلام عظيمة ايها الناس قتل اباعبدالله و سبيت نساؤه فايّ رجل يسرّون بقتله ام ايّ عين تحبس دمعها فلقد بكت السبع الشداد لقتله و بكت البحار بامواجها و السموات باركانها و الارض بارجائها و الاشجار باغصانها و الحيتان في البحار و الملائكة المقربون و الله لو ان النبي صلي الله عليه و سلم حثّهم علي قتلنا كما حثّهم بالوصية علينا لما زادوا علي ما فعلوا بنا فانا لله و انا اليه راجعون فعند الله محتسبي فيما اصابنا انه عزيز ذو انتقام . و يروي عنه انه كان دائما كثير البكاء لتلك البلوي عظيم البث و الشكوي . و يروي عن الصادق ان زين العابدين رضي الله عنه بكي علي ابيه و هو صائم نهاره قائم ليله فاذا جاء وقت الافطار جيء له بطعام و شراب فيقول قتل ابي جائعا قتل ابي عطشانا و لميزالوا يرددون عليه الطعام و الشراب حتي يمزجهما [ص 320] بدمعه ثم يتعاطي منهما قليلا و لميزل كذلك حتي لقي الله . و روي عن مولي له انه برز يوما الي الصحراء فتبعته فوجدته سجد علي حجارة خشنة فوقفت وراءه فسمعته يبكي و ينوح و هو يقول لا اله الا الله حقا لا اله الا الله ايمانا و صدقا فحصرت ما قاله فبلغ ألفا ثم رفع رأسه فرأيت وجهه و لحيته قد بلت بالدموع فقلت يا سيدي ماآن لحزنك ان ينقضي و لبكائك ان يقل ؟ فقال ويلك ان يعقوب بن اسحق ابن ابراهيم عليه السلام كان نبيا ابن نبي و له اثناعشر ابنا فغيّب الله واحدا منهم فشابت رأسه من الحزن و تحدب ظهره من الغم و ذهب بصره من البكاء و ابنه في دار الدنيا و انا رأيت ابي و سبعة عشر من اهل بيتي مقتولين فكيف ينقضي حزني ثم بكي بكاءً شديدا و جعل يقول :