قال الراوي هذا ما كان من امرالحصين بن نمير و اما ما كان من امر الحسين فانه لما بات في ذلك المكان و اصبح امر قومه بالمسير فركبوا و ساروا الي ان أتوا بطن الرملة ونزل بهم وكتب الي اهل الكوفة كتابا يقول فيه : بسم الله الرحمن الرحيم من الحسين بن علي بن ابيطالب الي مسلم اما بعد فان كتابك ورد عليَّ و قرأته و فرحت بما فيه و ما انت عليه من نصرتنا فنسأل الله ان يحسن لنا و لكم الصنع الجميل و اني واصل اليك عن قريب فاذا وصل [ص 266] رسولي اليك فاكتب لي جوابا كافيا بما تريد ، ثم انه ختمه و طواه و ارسله مع قيس بن مسهر فسار به طالبا الكوفة و لميزل سائرا الي ان اتي القادسية فاذا بالحصين و عسكره نازلون فيها فاحتاطوا به من كل جانب و مكان و فتّشوه فوجدوا معه الكتاب فاخذوه و اعطوه للحصين فقرأه و فهم معناه فمزّقه و اوثق قيسا كتافا و ارسله الي ابن زياد فلما وصل اليه قال له من انت ؟ قال انا رسول الحسين الي مسلم قال و لمن غيره ؟ قال لااقصد الا مسلما قال والله لاتفارقني حتي تخبرني باسماء من انت قاصدهم و ان لمتخبر بهم فاصعد الي المنبر و سبّ الحسين و والديه و الا قطعتك ارباعا فقال لااعرف احدا سوي مسلم و لااسبّ الحسين و والديه فقطعه ارباعا وارسله الي اليزيد .
قال الراوي هذا ما كان من امر رسول الحسين و ما حصل له و اما ما كان من امره فانه لميزل سائرا هو و من معه حتي اتي بلدا و فيها قوم فسألهم عن اسم تلك البلدة فقالوا له شط (شاطئ ظ ) الفرات فقال هل لها اسم غير هذا فقالوا له سر يا اباعبدالله و لاتسأل فقال سألتكم بالله و بجدي رسول الله صلي الله عليه و سلم ان تخبروني عن اسمها الثاني فقالوا اسمها كربلا فعند ذلك بكي و قال هي والله ارض كرب و بلاء ثم قال يا قوم ناولوني قبضة من تراب هذه الارض فاعطوه قبضة من تلك الارض فشمها ثم استخرج طينة من حبيبه و قال لهم هذه الطينة جاء بها جبرئيل من عند الله لجدي رسول الله صلي الله عليه و سلم و قال له هذه موضع تربة الحسين ثم رماها من يده و قال هما رائحة واحدة ثم قال يا قوم انزلوا و لاتبرحوا فهيٰهنا والله مناخ ركبنا و هيٰهنا والله يسفك دمنا و هيٰهنا والله يسبي حريمنا و هيٰهنا والله تقتل رجالنا [ص 267] و هيٰهنا والله تذبح اطفالنا و هيٰهنا والله قبورنا و هيٰهنا والله محشرنا و منشرنا و هيٰهنا يصير العزيز ذليلا و هيٰهنا والله تقطع اوداجي و تخضب لحيتي بدمي و يعزّي جدّي و ابي و امي من ملائكة السماء و هيٰهنا والله وعد بي ربي لجدّي و لا خلف لوعده ثم نزل و نزلت اصحابه جميعا و قد كان الحر اسرع و حال بين بحر الفرات و بين الحسين و من معه و كان بينه و بينهم ثلاثة اميال و قيل خمسة و قيل فرسخ ثم ان الحسين امر بنصب الخيام للحريم و الاولاد و جعل يصلح سيفه و آلة حربه و هو يبكي و يقول هذه الابيات :
اهل العراق ما لكم خليل و ما بكم في جمعكم فضيل
و الامر في ذلك جليل و كل حي عنده سبيل
قد قرب النقلة و الرحيل و كل شيء حوله دليل
قال الراوي قال علي بن الحسين و لميزل ابي يردد هذه الابيات و هو يصلح سيفه و آلة حربه فخنقتني العبرة فرددت دمعي و لزمت السكوت و اما عمتي فانها لما سمعته اظهرت الحزن و الخوف و اقبلت تجرّ اذيالها حتي دنت منه و قالت له يا قرة عيني ليت الموت اعدمني الحياة يا خليفة الماضين و حماية الباقين هذا كلام من قد ايقن بالموت والله لقد احرقت قلبي ثم بكت فسمعتها النساء فبكين لبكائها و جعلت امكلثوم تنادي وا محمداه وا علياه وا فاطمتاه وا ضيعتاه بعدك يا ابن بنت رسول الله قال فعزاها اخوها و قال يا اختي تعزي الله فان سكّان السموات يفنون و اهل الارض كلهم يموتون و جميع البرية كلهم يهلكون ثم قال يا امكلثوم و انت يا فاطمة و انت يا رقية و انت يا عاتكة و انت يا سكينة اذا انا قتلت فلاتشقّنّ عليَّ جيبا و لاتخمشنّ عليَّ وجها ثم دخل الخيام فتصايحن و علت اصواتهن من كلامه [ص 268] بالبكاء و النحيب فدخل عليهن الخيام و قال لهن صبرا يا اهل البيت فقالت زينب لا صبر لنا علي فقدك ولاتطيب لنا الحياة من بعدك كيف لانبكي و انت تقول هذا الكلام و نراك قتيلا و مالك نهبا بين العدا و حريمك سبايا و جثّتك الطيبة تذرو عليها الرياح فكيف لانبكي ؟
قال الراوي هذا ما كان من امر الحسين و نزوله بارض كربلا و اما ما كان من امر ابن زياد فانه اتاه رجل من عسكر الحر من غير علمه و قال اعلم ايها الامير ان الحسين نزل في ارض كربلا و ضايقناه و لولانا لرجع الي المدينة فعند ذلك اطلق مناديا في الكوفة يا معشر الناس من يأت برأس الحسين فله ملك الري عشر سنين و ارسل في البصرة مناديا ينادي بمثل ذلك فقام اليه عمر بن سعد و قال انا آتيك برأسه فقال له امض و امنعه من شرب الماء و ائتني برأسه فقال سمعا و طاعة فعند ذلك عقد له راية و امّره علي ستة آلاف فارس ثم امره بالمسير فخرج من عنده و اتي الي داره فدخلت عليه اولاد المهاجرين و الانصار الذين كانوا في الكوفة و قالوا له يا ويلك يا ابن سعد لاتخرج الي حرب الحسين فقال لست افعل ثم جعل يتفكر في ملك الري و حرب الحسين فاختارت نفسه ملك الري علي حرب الحسين ثم جعل يقول :
فوالله ماادري و اني لواقف افكّر في امري علي خطرين
أاترك ملك الري و الري منيتي ام ارجع مأثوما بقتل حسين [ص 269]
فان صدقوا فيما يقولون انني اتوب الي الرحمن توبة مين
و ان كذبوا فزنا بدنيا دنية و ملك عقيم دائم الحجلين
الا انما الدنيا لخير مؤجل و ما عاقل باع الوجود بدين
فان كنت اقتله فقد فاز موعدي يقينا و اعلوا عالم الجيشين
و لكن رب العرش يغفر زلتي و لو كنت فيها اظلم الثقلين
قال الراوي ثم انه لما غلبت عليه الشقاوة ركب هو و عسكره الي ان اتي شاطئ الفرات و نزل بيتا صوب الحسين ثم لحقه من القادسية ابن الحصين و عسكره ثم ان ابن زياد ارسل لهم ابن ربعي في الف فارس و محمد بن الاشعث في الف فارس و شمر بن ذي الجوشن في اربعة آلاف فارس و قد كان ارسل قبل الحر بن يزيد في الف فارس و اتبع الجميع بحجر بن الحر باثنين و عشرين الف فارس و قال له سر بهم الي عمر بن سعد و قل له ان الامير ارسلهم اليك و يعلمك ان جملة ما عندك من الفرسان اربعون الف فارس و ليس فيهم شامي و لا حجازي و لا مصري بل جميعا من اهل الكوفة و معهم السيوف الهندية و الرماح الخطية و جميعهم راغبون في قتل الحسين و اعلم يا عمر ان اهل البصرة ردّوا رسولي و قالوا والله لانحارب ابن بنت رسول الله صلي الله عليه و سلم .
قال الراوي و لميزل القوم سائرين كرة بعد كرة حتي نزلوا في كربلا و فرقوا بين الماء و الحسين ثم ان عمر بن سعد دعا بحجر بن الحر و عقد له راية علي الفي فارس و امره ان ينزل علي مشرعة الغادريات و يمنع الحسين و اصحابه من شرب ماء الفرات و دعا بابن ربعي و عقد له راية علي اربعة آلاف فارس و امره ان ينزل علي المشرعة الاخري و يمنع الحسين و اصحابه من شرب الماء فساروا [ص 270] جميعا و نزلوا علي الشوارع و احتاطوا بالحسين و ضيّقوا عليه فلما رأي ذلك رضي الله عنه اتكأ علي سيفه و تقرّب منهم و نادي لهم ايها الناس هل تعرفوني ؟ قالوا نعم فقال من انا ؟ فقالوا انت الحسين بن علي المرتضي فقال لهم و جدّي من يكون ؟ فقالوا جدك محمد المصطفي فقال و من امي ؟ فقالوا فاطمة الزهراء فقال اذا كنتم تعلمون ذلك فبم تستحلون سفك دمي و تمنعوني شرب الماء انا و من معي ؟ و ابي الساقي علي الحوض و لواء الحمد بيده يوم القيامة و قد قيل عن جدي صلي الله عليه و سلم الحسن و الحسين سيدا شباب اهل الجنة و قال اني مخلّف فيكم ايها الثقلين كتاب الله و عترتي اهل بيتي و نحن والله عترته و اهل بيته فقالوا قد علمنا ذلك كله و نحن غير تاركيك حتي تذوق الموت عطشا فقال الحسين اعوذ بالله ربي و ربكم من كل متكبر لايؤمن بيوم الحساب ثم انه رجع و دخل خيمة الحريم و الاولاد و هو عطشان يبكي فلما رأته النساء يبكي بكين و ارتفعت اصواتهن فقال لهن اسكتوا فان البكاء امامكن ثم انه جلس عندهم حتي اتي الليل و جمع اهل بيته و اصحابه و قال يا قوم اعلموا انه نزل بي ما ترون و قد جعلتكم في خلو و ليس في اعناقكم قيود و هذا الليل قد غشّاكم فتفرّقوا في سواده و ذروني و هؤلاء القوم لايريدون غيري فقال له اخوته و ابناءه و بنو عمه و عشيرته حاشا ان نفعل ذلك فماذا تقول الناس لنا و ماذا نقول للناس والله لانفارقك ابدا بل نجعل نفوسنا دونك و اموالنا دون اموالك و دماءنا دون دمائك و نقتل بين يديك قبّح الله العيش بعدك يا اباعبدالله فقال لهم جزيتم خيرا ثم بات هو و اصحابه تلك الليلة و لهم دويّ بالتسبيح كدويّ النحل و هم ما بين قائم و راكع و [ص 271] ساجد فلما كان من الغداة امر الحسين اصحابه ان يحضروا حول خيمة الحريم ففعلوا ذلك ثم جمعوا حطبا و اضرموه فاقبل رجل من عسكر ابن سعد فلما نظر الي النار صفق بيديه و نادي يا حسين استعجلتم بالنار في الدنيا قبل الآخرة فقال الحسين اللهم اذقه في الدنيا قبل الآخرة فنفر به جواده و القاه في النار فاحترق فقال الحسين الله اكبر من دعوة ما اسرع اجابتها ، ثم برز من عسكر ابن سعد رجل و قال لاصحاب الحسين أماترون الي ماء الفرات و هي تلوح كانها بطون الحيات ؟ والله لاتذوقون منه قطرة حتي تذوقوا الموت عطشا فقال الحسين اللهم اقتله عطشان في هذا اليوم فصحبه العطش في ساعته حتي سقط عن فرسه فوطئته الخيل بحوافرها فمات و عجل الله بروحه الي النار .
قال الراوي فعند ذلك اجتمع القوم علي شاطئ الفرات و باتوا تلك الليلة و الثانية و اصبحوا ثالث يوم و قد ورد كتاب ابن زياد الي عمر بن سعد يامره بالقتال و يحذره من التأخير و الاهمال و كان ذلك اليوم الثالث من المحرم فلما قرأ الكتاب و فهم معناه قام من وقته و ركب هو و قومه و زحف بهم علي الحسين و اصحابه فركب الحسين و لاقاهم و قاتل فيهم بنفسه ساعة من النهار فقتل نحو الف فارس .
قال الراوي روي عن الصادق رضي الله عنه انه قال سمعت ابي يقول التقي الحسين و عسكر ابن سعد و قاتل فيهم و قامت الحرب بينهم فانزل الله النصر حتي رفرف علي رأس الحسين ثم خُيّر بين النصرة علي اعدائه و بين لقاء ربه فاختار لقاء ربه علي النصرة علي اعدائه فقاتل فيهم حتي قتل منهم الف فارس و رجع الي قومه و برز واحدا و حمل علي القوم و لميزل يقاتل فيهم حتي قتل منهم مائة و عشرين فارسا ثم قتل رحمة الله عليه فعند ذلك حمل الحسين علي القوم و قتل حوله خمسمائة [ص 272] و حمله حتي اتي به الي قدام خيمة الحريم و وضعه و قابل الجيش باصحابه فبرز من عسكر ابن سعد فارس و اتي الي الحسين و قال يا اباعبدالله اعلم اني انا حجر بن الحر و انا استشهد بين يديك و برز في قوم ابن سعد و حمل فيهم و لميزل يقاتل حتي قتل منهم مائة و عشرين فارسا ثم قتل رحمه الله فلما نظر اليه ابوه فرح فرحا شديدا و قال الحمد لله الذي استشهد ولدي قدام الحسين ثم اتي الي الحسين و قال يا مولاي ولدي استشهد بين يديك و انا تابع له فقال الحسين اصبر حتي آتي بابنك و حمل علي القوم و لميزل يقاتل فيهم حتي قتل منهم ثمانمائة و حمل الحجر و اتي به الي خيمة الحريم و وضعه فقال له الحر ائذن لي بالبراز فقال له ابرز شكر الله فعلك فبرز و هو يقول هذه السجعات : ٍ
اني انا الحر و مقري الضيف اشرب في اعناقكم بالسيف
عن خير من حل بلاد الخيف اضربكم و لااري من حيف
ثم حمل علي عسكر ابن سعد و لميزل يقاتل فيهم حتي قتل منهم خمسمائة فلما نظر ابن سعد الي فعله قال يا ويلكم من هذا ؟ فقالوا له الحر بن يزيد هو و ولده عصوا علينا و صاروا الي نصرة الحسين فقال عليه برماة النبل فاقبل عليه سبعمائة رام و جعلوا يرشقونه بالسهام حتي صيّروه هو و جواده مثل القنفذ من كثرة النبال فوقع في عين جواده سهم فاضطرب به الجواد و شب به فرماه الي الارض فناداه ابن سعد يا ويلكم ادركوه فتكاثروا عليه و اخذوه اسيرا الي عمر بن سعد فامرهم برمي رأسه عن بدنه فقطعوها و رموها الي الحسين فاخذها و جعلها بين يديه و قال رحمك الله يا حر و جعل يمسح الدم عن رأسه و ثناياه و يقول مااخطأت أمك اذ سمّتك الحر فانت حر في الدنيا و الآخرة ثم بكي و جعل يقول :
[ص 273]لنعم الحر حر بني رياح صبور عند مشتبك الرماح
و نعم الحجر اذ نادي حسينا و جاد بنفسه عند الصباح
و نعم الحر في وهج المنايا و ذي الابطال تخطو بالرماح
لقد فاز الاؤلي نصروا حسينا و قد حازوا السعادة بالنجاح
ثم انه وضع رأسه بين القتلي و حمل علي القوم و لميزل يقاتل فيهم حتي قتل منهم حوله الفا و خمسين فارسا و حمله و اتي عند القتلي و وضعه و قابل الجيش بعزمه فسار شمر بن ذي الجوشن و قال لقومه يا ويلكم كروا عليه من كل جانب و مكان فحملوا عليه حملة رجل واحد فلاقاهم الحسين بنفسه و حمل في اوسطهم و جعل يضرب فيهم يمينا و شمالا و كان يحمل علي القوم كحملة والده و يأخذ الفارس بيده و يضرب به الآخر فيموت الاثنان و يأخذ الاثنين باليدين و يضرب بهم الاثنين فيموت الاربع و الميمون يكظم بفمه علي الفارس يقتله و يضرب برجله الفارس يقتله و يضرب بذنبه الفارس يقتله و لميزل كذلك يكر عليهم حتي ترك الرجال تحت سنابك الخيل فلميترك منهم الا جريحا و صريعا و هاربا فعند ذلك القي الله في قلوبهم الرعب منه و من حربه ثم انه رجع الي الخيمة و انشد يقول :
انا ابن عليّ الطهر من آل هاشم كفاني بهذا مفخر حين افخر
و جدي رسول الله اكرم خلقه و نحن سراج الله في الخلق يظهر [ص 274]
و فاطمة امي سلالة احمد و عمي يدعي ذا الجناحين جعفر
و فينا كتاب الله انزل صادقا و فينا الهدي و الوحي و الخير يذكر
و نحن امان الله للخلق كلهم نقول بهذا للانام و نجهر
و شيعتنا والله اكرم شيعة و مبغضنا يوم القيامة يخسر
ثم اشتد العطش بالحسين و اصحابه و حريمه فشكوا اليه ذلك فدعا باخيه العباس و قال له يا اخي اذهب الي الفرات لعل ان تأتي بشيء من الماء فقال له سمعا و طاعة و سار العباس الي ان اشرف علي الفرات فصاحت به الرجال و تبادرت اليه الابطال فصبر لهم و قاتلهم قتالا شديدا و قتل منهم رجالا و جندل ابطالا فتفرقوا من بين يديه فعند ذلك نزل و انكب علي الماء و شرب و سقي جواده و اراد ان يملأ قربة كانت معه فحملوا عليه فركب جواده و قابلهم بسيفه و قد سدّوا عليه المشرعة و حالوا بينه و بين الحسين و بين الماء فحمل عليهم و انشد و جعل يقول صلوا علي طه الرسول :
نحن الفواضل نسل الهاشميات لسفك تلك الدماء بالمشرفيات
يا لللئام و ابناء الرعيات يا جدنا لو تري هذي الرزيّات
يا خيرها عصبة جادت بانفسها و لمتقصر لدي ارض الغديرات
الموت تحت ذباب السيف مكرمة اذ كان من بعده اسكان جنات
لاتأسفن علي الدنيا و لذتها فعند جدي تمحي كل زلات [ص 275]
قال الراوي فحملت عليه الرجال من كل جانب و مكان فصرخ فيهم و حمل عليهم حملة منكرة و جندل الابطال و افني الرجال فلما نظر مارد بن صديق الي العباس و فعله بالابطال مزق ثوبه و لطم وجهه و قال لقومه ويلكم لو كان كل منكم ملأ كفة ترابا و لطمه به لطمستموه ثم نادي يا معشر الناس من كان عليه لليزيد بيعة او طاعة فليعتزل عن القتال فانا لهذا الغلام الذي قد افني الابطال فقال ابن ذي الجوشن نحن نترك القتال و نبعث لليزيد كتابا انك انت و اخوك تأتي بالقوم جميعا ثم اشار للقوم ان يعتزلوا عن القتال فاعتزلوا و اقبل المارد الي نحو العباس و هو منفرد بنفسه متدرع بدرعه و علي رأسه بيضة عمادية و هو راكب علي فرس اشقر و بيده رمح طويل فلما نظره العباس قد انفرد بنفسه تأهب له حتي دنا منه و صاح به يا غلام ارم حسامك و اظهر للناس اسلامك فان الذين برزوا اليك كانوا رفيقين بك و انا رجل قد نزعت من قلبي الرحمة و نزل مكانها النقمة و ما سمتي ان احتوي علي كبير الا و اتركه حقيرا غير اني لما نظرت الي حداثة سنّك و ملاحة وجهك رقّ لك قلبي فارجع و لاتباه بنفسك و في هذا كفاية للعاقل و اني لماسمح به لاحد غيرك و انشد و جعل يقول :
و لقد نصحتك ان قبلت نصيحتي خوفا عليك من الحسام القاطع
مارقّ قلبي في الزمان علي فتي الا عليك فكن لذاك بسامع [ص 276]
و اعط القياد تعيش ارغد عيشة اولا فدونك من عذاب واقع
قال الراوي فلما سمع العباس من المارد هذا الكلام قال يا عدوّ الله اراك نطقت بالجميل غير اني اري حبك في سباخ بذرته او في صخر زرعته فصارت ارضه بوارا و بعيد انك تحتوي علي الشمس بحيلتك او تخرق البحر بزجرتك و الذي املته ان استسلم اليك و القي يدي في يديك فانه بعيد و الوصول اليه صعب شديد و اما ما ذكرته من ملاحة وجهي و حداثة سني فليس ذلك بضاري لاني اعرف من شريف نسبتي و ذكاء عقلي و ما قد استفدته في ديني مع رياضة نفسي و دخولها و خروجها و معرفتها بمن يعاديها و الصبر علي ملاقاة الرجال و مواجهة الابطال و الخيرة بالضرب و الطعان و معالجة الفرسان و الصبر علي البلاء و الشكر علي الرخاء و التوكل علي الله و الاشارة في كل شيء اليه فمن كانت هذه الاوصاف فيه فلايجب ان يخاف و لايهوله امر و اما انت يا عدوّ الله و عدوّ رسوله فقد خلت منك الفضائل و الخصال و الآداب و قد عرفت يا عدوّ الله ان لي اتصالا برسول الله و انا غصن من اغصان تلك الشجرة و من كان من هذه الشجرة فثقته بالله فلايدخل تحت الزمان و لايستسلم من خوف الحسام و اذا كان ابي علي بن ابي طالب ماارجع عن منازل و لاافزع من مقاتل و لااخشي من كثرة القبائل و لا اولي الادبار من كل كافر غدّار و لااسخط فعل الرحمن فانا منه كالورقة من الشجرة فان كنت ظننت اني استسلم اليك فقد خاب ظنك و ذهب بها ضدك فنحن ليس ممن يأسف علي الحياة و لايجزع من الوفاة و اني اعلم ان الذي في الجنة افضل من هذه الدنيا فكم من صبي صغير افضل عند الله من شيخ كبير .
[ص 277] قال الراوي فلما سمع المارد كلام العباس خفق عليه كالعقاب الكاسر و ظن ان الامر عليه هيّن فمكّنه العباس من نفسه حتي وصل الي سنان رمح المارد فجذبه العباس بيده جذبة عظيمة كادت ان تلقيه علي الارض فخلي المارد الرمح من يده و قد خجل عند ما مسك العباس رمحه ثم اعاده اليه و قال يا عدوّ الله وعدوّ رسوله انا ارجو الله ان اقتلك بسنان رمحك هذا فجال المارد و انتشط و عظم منه الانتشاط فهمّ به العباس و طعن جواده علي خاصرته فشب الفرس و وقع علي الارض فلميكن للمارد طاقة علي قتال العباس راجلا لعظم جسمه و ثقل خطوته و غلظ بدنه فاضطربت الصفوف و ماجت الابطال و نادي الشمر في قومه يا ويلكم ادركوا صاحبكم بجواد و الا فهو مقتول لا محالة قال فخرج اليه غلام اسود يقال له صارفة بجعرة يقال لها الطاوية و هي تضاهي الريح فلما نظرها المارد صرخ بصوت كصوت البعير يا غلام عجل بالطاوية قبل حلول الداهية فاسرع الغلام اليه بها فكان العباس اسرع الي الطاوية من عدوّ الله فوثب وثبة الاسد و وصل الي الغلام صارفة و طعنه العباس في لُبته فجندله يخور في دمه و احتوي علي الطاوية و صار علي ظهرها و اطلق جواده فخرق الصفوف و اتي الي الحسين و اما المارد فلما رأي العباس ركب الطاوية تخبل عقله و ظهر جهله و اصفر لونه و ارتعدت فرائصه و صرخ صرخة و قال اغلب علي جوادي و اطعن برمحي يا لها من معرة فلما سمع الشمر كلامه اطلق عنانه اليه و تبعه سنان بن انس النخعي و خولي بن يزيد الاصبحي و جميل بن مالك المحاربي ثم تبعهم الجيش و ارخوا الاعنة و قوموا الاسنة و تبادروا العباس و مالوا نحوه فناداه الحسين يا اخي ما استنظارك بعدوّ الله و قد ادركتك اللئام فنظر العباس الي سرعة الرجال فكان اسرع منهم الي خصمه و قال له تجرع من [ص 278] سناني كاسا رويا و ضربه بالسيف فقطع يده و اخذ منه الرمح فقال له مهلا يا عباس أكن لك خاصما فقال و ما اصنع بك ثم طعنه طعنة عظيمة فذبحه من اذنه الي اذنه فمات ثم حمل علي القوم و جال في اوسطهم و هو علي الطاوية فماكان غير قليل حتي قتل منهم مائتين و خمسين فارسا و كان قد قتل منهم خمسمائة و عشرين فرجعت منهم الاعداء مكسورة و قال له الحسين يا اخي اليَّ حتي ابادرهم عنك فقال له العباس اين المفر من القضاء ؟ ثم انه جعل يقاتل حتي ركبته الخيل فرجع يطلب اخاه الحسين فصاح به الشمر يا ابن علي قد رجعت المارد عن الطاوية و هي التي قد رحل عنها اخوك الحسن يوم سبط المدائن فلما وصل الي اخيه الحسين ذكر له مقالات الشمر فقال نعم هذه الطاوية التي كانت لملك الري فلما قتله ابوك وهبها لاخيك الحسن و رحل عنها يوم سبط المدائن فلما دنت الطاوية من الحسين جعلت تملس رأسها بثيابه كانها مافارقته يوما واحدا ثم انه قال للعباس ادخل الي الحريم و ودّعهم وداع من لايعود فدخل و كان له زوجة و ولدان فلاقوه و قالوا له قد اشتدّ بنا العطش فقال هم مهلا ثم انه سمع اخاه الحسين و هو يقول ادركني يا اخي فخرج اليه فوجده يقاتل في القوم و الخيل قد احدقت به و هو يدافع عن نفسه و قد قتل منهم مائتين و ثمانين فحمل فيهم العباس و صدهم عنه و قال يا اعداء الله و رسوله لو كان معنا نصفكم لقتلناكم جميعا فبينما العباس في الحرب مع القوم اذ كمن له رجل يقال له زرارة بن محارب فلما مرّ عليه العباس طلع عليه و ضربه علي يده اليمني فبراها كبري القلم و ذلك بعد ان قتل منهم اربعمائة و خمسين فلميبرح عنهم بل اخذ السيف بيده الشمال و التفت الي الحسين و جعل يقول :
[ص 279]والله لو قطعتم يميني لاحمينّ جاهدا عن ديني
و عن امام صادق امين سبط النبي الطاهر الامين
قال الراوي و حمل علي القوم فقتل منهم خمسين فارسا بشماله فقرب منه عبدالله بن شهاب الكلبي فقطع شماله فاخذ السيف بساعده و ضمه الي صدره و انشد يقول :
يا نفس لاتخشي من الكفّار و ابشري برحمة الغفارّ
مع النبي سيّد الاطهار قد قطعوا ببغيهم يساري
و قد طغي فينا ولاة العاري فاصلهم يا رب حر النار
و لميزل يحمل عليهم و يداه ينضحان دما و قد ضعف منهما عن القتال و هو يقول هكذا الاقي جدّي المصطفي و ابي عليا المرتضي فحملوا عليه بعد ان قتل منهم خمسة و ثلاثين ثم ضربه رجل منهم بعمود من حديد علي رأسه ففلقها فانصرع الي الارض و هو ينادي يا اخي يا حسين عليك مني السلام فحمل الحسين علي القوم و حاربهم حربا شديدا حتي قتل منهم ثمانمائة فارس و اتي اليه و حمله و اتي به و طرحه بين القتلي و بكي عليه بكاءً شديدا ثم خرجت النساء و بكين عليه و علت اصواتهن بالبكاء و النحيب حتي بكت لبكائهن ملائكة السماء فادخلهن الحسين الي الخيام و كان الليل قد اتي فباتوا تلك الليلة و هم يسبحون الله تعالي و يحمدونه علي ما حل بهم .
قال الراوي فلما اصبح الله بالصباح ركب القوم و رجعوا علي الحسين فتذكر اخاه العباس و شفقته عليه و جعل ينادي وا غوثي بك يا الله وا غياثاه ثم خرج من قومه فارس بعد فارس و كل منهم يقتل مقتلة عظيمة ثم يقتل فيحمل علي القوم و يقتل منهم نحو المأتين و الثلثمائة و الاكثر و الاقل ثم يحمله و يأتي به الي موضع القتلي و لميزل حتي قتلوا جميع الانصار و المهاجرين الذين معه و هو يأتي بهم واحدا بعد واحد و يفعل بالقوم حسب ما ذكر [ص 280] ثم لما رأي انه لميبق معه الا ابن عمه و بنو اخوته و اولاده جعل ينظر يمينا و شمالا فلمير ناصرا و لا معينا فعاد ينادي وا غوثاه بك يا الله وا قلة ناصراه اَما من معين يعيننا ؟ اما من مساعد يساعدنا ؟ اما من طالب جنة يطلب نصرنا ؟ فخرج عليه من الخيمة غلامان كانهما الاقمار احدهما ابن العباس و الثاني اخوه القاسم و هم يقولون لبيك يا مولانا ها نحن بين يديك فقال كفاكما قتل والدكما فقالوا لا والله يا عمنا بل انفسنا لك الفداء ائذن لنا بالبراز فقال لهم عند الصباح و كان الليل قد اقبل فباتوا و هم مشتغلون بالتهليل و التكبير و مستغيثون بالله الملك القدير .
قال الراوي و لما اصبح الله بالصباح و اضاء بنوره و لاح ركب القوم و زحفوا علي الحسين فقام ولد العباس و قال ائذن لي يا عماه بالبراز فقال له ابرز بارك الله فيك و جعل يقول :
اقسمت لو كنت لنا اعدادا و مثلكم و كنتموا فرادي
يا شرّ جيل سكنوا البلادا و شرّ قوم اظهروا الفسادا
تركتكم و جمعكم ثمادي ارمي ا لرؤس بعد و الاجسادا
ثم انه حمل علي القوم و لميزل يقاتل حتي قتل منهم مائتين و خمسين فارسا قال مسلم الخولاني كان بجانبي رجل عظيم الخلقة فقال والله لاقتلنّ هذا الغلام فاني اراه شجاعا فقلت له المتعلم قرابته من رسول الله صلي الله عليه و سلم فلميلتفت اليَّ و حمل علي الغلام و هو مشغول بوهم الحرب فضربه ضربة عظيمة جندله يخور في دمه فصاح يا عماه ادركني فحمل الحسين و فرقهم عنه و اتي عنده فوجده يضرب الارض برجليه حتي مات رحمة الله عليه فبكي الحسين و قال يعزّ علي عمك يا ابن اخي تستجير به فلايجيرك ثم حمله و وضعه بين القتلي فلما نظره القاسم قال يا عزّ ( ما عزّ [ص 281] ظ ) عليَّ فراقك ثم برز و قال لا حياة لي بعده و كان له من العمر تسع عشرة سنة و انشد يقول :
اليكم من بني المختار ضربا يشيب لهوله الطفل الرضيع
الا يا معشر الكفّار جمعا هلمو دونكم ضرب قطيع
ثم حمل علي القوم و لميزل يقاتل فيهم حتي قتل منهم ثمانمائة ثم رجع الي الحسين و قد غارت عيناه من العطش و هو ينادي ادركني بشربة ماء اتقوي بها علي عدوّي فقال اصبر قليلا حتي تلقي جدك المصطفي يسقيك بكأسه الاوفي شربة لاتظمأ بعدها ابدا فرجع و قاتل حتي قتل منهم عشرين فارسا ثم استشهد رحمة الله عليه فحمل الحسين علي القوم و قتل من حوله اربعمائة فارس و حمله و وضعه مع القتلي ثم برز علي بن الحسين و استأذن اباه في القتال فأذن له ثم نظر الي وجهه و اسبل عبرته و قال اشهد الله انه برز لهم اشبه الناس برسول الله خلقا و خلقا ثم ان ولده عليا الاكبر حمل علي القوم و هو ينشد و يقول هذه الابيات :
اني علي بن الحسين بن علي نحن و حق الله اولاد النبي
اطعنكم بالرمح طعنا صيّبي اضربكم بالسيف احمي عن ابي
ضرب غلام هاشمي عربي من آل بيت الهاشمي اليثربي
ثم انه حمل علي القوم و لميزل يقاتل حتي قتل منهم خمسمائة فارس ثم عاد الي ابيه و قد غارت عيناه من العطش و قال يا ابي قتلني العطش فبكي ( قال ظ ) يا بني قاتل ما اسرع الملتقي بجدك المصطفي يسقيك بكاسه الاوفي فرجع و لميزل يقاتل حتي قتل منهم احدا و ثمانين رجلا ثم ضرب علي رأسه فسقط من علي ظهر جواده الي الارض ثم استوي جالسا يقول يا ابت هذا جدّي و هذا ابي و هذه جدتي فاطمة ثم استشهد رحمة الله عليه ثم ان الحسين حمل علي القوم و قصد [ص 282] الذي قتله و ضربه علي عاتقه اخرج السيف من ظهره و حمل علي القوم و فرقهم عن ولده و بكي عليه بكاء شديدا و قال يا بني يعزّ عليَّ فراقك و حمله عند القتلي و صارت امه سهرانة ولهانة و هي تنتظر اليه و تبكي و زينب تنادي وا حبيباه يا ابن اخي ثم اخذهما الحسين و ردهما الي الخيمة ثم برز مسلم بن مسلم بن عقيل و جعل يقول :
اليوم القي مسلما و هو ابي و فتية ماتوا من اتباع النبي
و التقي بسادة نالوا المني اولاد مولانا الرسول العربي
ثم حمل علي القوم و قاتل فيهم حتي قتل منهم تسعين فارسا و قتل رحمه الله ثم برز من بعده جعفر اخوه و حمل فيهم و قتل منهم خمسة عشر فارسا و قتل رحمه الله تعالي ثم برز من بعده عبد الرحمن اخوه و قاتل حتي قتل خمسين فارسا و قتل رحمه الله ثم برز من بعده عبدالله بن جعفر بن ابيطالب و قاتل فيهم حتي قتل منهم عشرة فرسان و قتل رحمه الله ثم برز من بعده اخوه عون و قاتل حتي قتل ستة و عشرين فارسا و قتل رحمه الله ثم برز من بعده عبدالله بن الحسين و قاتل حتي قتل منهم اربعة عشر فارسا و قتل رحمه الله ثم برز من بعده اخوه القاسم و قاتل حتي قتل عشرين فارسا ثم ضربه ابن فضل الاسدي فوق رأسه فوقع علي الارض و هو ينادي يا ابتاه فجال الحسين كما يجول الصقر و ضرب ابن فضل بسيفه فقسمه نصفين فصاح حتي سمعه القوم فحملوا ليستنقذوه فوطئته الخيل و نظروا الحسين و هو قائم علي رأس الغلام يبكي و يقول بعد اليوم خصمهم يوم القيامة جدي ثم حمله كما هي عادته انه اذا قتل احد منهم يجول حوله و يقتل مقتلة عظيمة ثم يحمله و يضعه عند القتلي و يقول قتلت مثل اصحاب النبي و [ص 283] آل النبي و لميزل كذلك حتي قتلوا عن آخرهم و هم سبعةعشر منهم العباس و عبدالله و جعفر و عمر و عثمان هؤلاء الخمسة اخوة الحسين من علي و امهم ام البنين و منهم ابوبكر و عمر اولاد علي و امهم ليلي و منهم عبدالله و علي اولاد الحسين و منهم محمد و القاسم اولاد الحسن و منهم محمد و عون اولاد عبدالله بن جعفر بن ابيطالب اخي الامام علي و منهم عبدالله و جعفر و عبد الرحمن اولاد عقيل بن ابيطالب اخي الامام علي و منهم عقيل بن ابيجعفر بن ابيطالب ، فهؤلاء السبعةعشر من بني هاشم حفر لهم حفرة مما يلي رجلي الحسين و دفنوا فيها الا العباس فانه دفن في موضع مقتله بطريق الغادرية و قبره ظاهر و اما اخوته الذين ذكروا فمن اراد زيارتهم فعليه بقبر الحسين و يومئ الي نحو رجليه رضي الله عنه و عنهم و اما اصحابه الذين استشهدوا بين يديه و دفنوا حوله فليس يعرف لهم اجداث علي التحقيق و لا شك ان الحاجز محيط بهم رضوان الله عليهم اجمعين و اما الحسين فلما قتل من معه جميعا نظر يمينا فمالقي معينا و نظر يسارا فمالقي مجيرا بل رأي رفقته كلهم امواتا و بقي وحيدا فريدا فرفع رأسه الي السماء و قال اللهم انك تري ما صنعوا ثم بكي و جعل يقول :
يا رب لاتتركني وحيدا بين اناس اظهروا الجحودا
و صيّرونا بينهم عبيدا يرضون في افعالهم يزيدا [ص 284]
و كل شخص قد مضي شهيدا مجندلا في دمه فريدا
ثم دخل الخيمة و قال يا اختي يا زينب ناوليني ولدي الصغير حتي اودعه فقالت له هذا ولدك منذ ثلاثة ايام لميذق الماء فلعلك تطلب له من القوم شربة ماء ثم ناولته له فصار يقبّله و هو يتقلّب في يده من شدة العطش ثم تقدّم الي القوم و قال لهم قتلتم من معي و لميبق غير هذا و ليس لكم عليه ثار و هو يتلظي عطشا فاسمحوا لي بشربة ماء فبينما هو يخاطبهم و اذا بسهم مسموم من فاجر وقع في نحر الولد فذبحه فجعل ابوه يلتقي الدم بيده و يقول اللهم اني اشهدك علي هؤلاء القوم ثم رجع و دفعه لامكلثوم فضمته الي صدرها و بكت و بكين معها جميعا حتي ملائكة السماء ثم انها جعلت تقول :
لهف قلبي علي الصغير الظامي فطمته السهام قبل الفطام
غرغروه بدمعه و هو طفل لهف قلبي عليه في كل عام
احرقوا قلب والديه عليه و رموه بنبلة و انتقام
حاكم بيننا الاله جميعا و لدي الحشر عند فصل الخصام
ثم ان الحسين اراد وداع النساء و هو آيس باكي العين فلاقته اخته زينب و قالت له لاابكي الله لك عينا فقال كيف لاابكي و عما قليل تساقون بين العدا و نادي يا امكلثوم يا رقية يا عاتكة يا سكينة عليكن من السلام فقالت امكلثوم يا اخي استسلمت للموت فقال كيف لااستسلم و نفسي بيدي غيري فلما سمعته سكينة رفعت صوتها بالبكاء و النحيب فعند ذلك بكي الحسين و جعل يقول :
[ص 285]سيطول بعدي يا سكين فعاني منك البكاء اذا الحمام دعاني
لاتحرقي قلبي بدمعك حسرة مادام مني الروح في الجسماني
فاذا قتلت فبعد فابكي بالذي تأتي به يا خيرة السنوان
فابكي و قولي يا قتيلا قد مضي عجلا علي شط الفرات و عاني
فابكي و قولي هدّ ركني بعد ما كانت تزعزع منه بالاركان
قد كنت آمل ان اعيش بظله ابدا من الايام ما يرعاني
ادني الينا يا سكينة عاجلا حتي اودعكي وداع الفاني
اوصيك بالولد الصغير و بعده بالآل و الايتام و الجيران
فاذا قتلت فلاتشقي مئزرا ايضا و لاتدعي ثبور هوان
لكنّ صبرا يا سكينة في القضا ها نحن اهل الصبر و الاحسان
لي اسوة بابي و جدي و اخوتي أخذوا حقوقهم بنوا الطغيان
قال الراوي ثم انه خرج من الخيمة و ركب جواده و حمل علي القوم فانهزموا من بين يديه كالجراد المنتشر فرجع و قال لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم ثم رجع اليهم ثانيا و قال لهم ويلكم علي ماذا تقتلونني ؟ أعلي عهدٍ نكثته ام علي سنةٍ غيّرتها ام علي شريعةٍ بدّلتها ام علي حق تركته ؟ فقالوا نقتلك بغضا منا لابيك فعند ذلك غضب الحسين غضبا شديدا و جعل يقول :
خيرة الله من الخلق ابي بعد جدي و انا ابن الخيرتين
والدي شمس و امّي قمر و انا الكوكب و ابن النيّرين [ص 286]
فضّة قد صبغت من ذهب و انا الفضة و ابن الذهبين
من له جد كجدي المصطفي او كأمي في جميع الثقلين
فاطم الزهراء امي و ابي فارس الخيل و رامي النبلتين
هازم الابطال في هيجائه يوم بدر ثم احد و حنين
ابن عم المصطفي من هاشم و شجاع حامل للرايتين
ترك الاصنام لميسجد لها مع قريش مذ نشا طرفة عين
أخرت عن سيرها الشمس له ليصلي ركعة او ركعتين
عبد الله غلاما ناشئا و قريش يعبدون الصنمين
يعبدون اللات و العزي معا و عليٌّ قائم بالركعتين
جدّي المرسل مصباح الدجي و ابي المعروف يوم الوقعتين
عروة الدين عليٌّ ذو العلا ساقي الحوض امام الخافقين
اظهر الاسلام رغما للعدا بحسام قاطع ذي شفرتين
مع رسول الله يسعي نازلا قاتل الابطال و الموفي لدين
كلمة الدين وفاة و حياة قاتل الجن ببئر العلمين
ترك الاصنام خفضا نازلا و وفي الحرب فويق النيرين
و اباد الكفر في حملته برجال ابرقوا في العسكرين
فانا ابن العين و الاذن التي اذعن الخلق لها في الخافقين
و بنا جبريل اضحي فاخرا و قضي عنا ابونا كل دين
فجزاه الله عنا صالحا خالق العالم مولي المعشرين
ثم حمل علي القوم و صرخ في اوسطهم و دار فيهم و جعل يحصد الابدان حصدا و يضرب فيهم ذات الطول و العرض و ذات اليمين و الشمال حتي ترك الرجال تحت سنابك الخيل و دماؤهم كالانهار ثم ولي النهار فرجع الي الخيمة و جراحاته تشخب دما ثم ضبط القوم كم قتل منهم في ذلك النهار فاذا هم الف و خمسمائة و عشرون فارسا فعند ذلك نزل الرعب في قلوبهم و اما الحسين فقد بات تلك الليلة و قد اشتد به العطش .
[ص 287] قال الراوي فلما اصبح الله بالصباح حمل علي القوم و دخل المشرعة و نزل الي الماء فلما احسّ الجواد بالماء اراد ان يشرب فقال له الحسين يا ميمون انت عطشان و انا عطشان والله ماتشرب حتي اروي فلما سمع كلامه امتنع من الشرب ثم ان الحسين نزل من فوق ظهره فرماه ابن نمير بسهم فوقع في فخذه فنزعه و تلقي الدم بيده و قال يا رب اليك المشتكي ممن اراقوا دمي و منعوني شرب الماء انا و من معي ثم اغترف الماء بيده و اراد ان يشرب و اذا بعمر بن سعد قال يا قوم و حق بيعة يزيد ان روي الحسين الماء افناكم جميعا فناداه خولي بن يزيد الاصبحي يا حسين خيمة الحريم حرقت و انت حي فنفض الماء من يده و ركب جواده و اقبل نحو الخيمة فوجدها سالمة فعلم انها مكيدة و اما امكلثوم فقالت يا سكينة قد جاءنا الماء فخرجن جميعا فرأوه و هو مخضب بدم الجراح فصرخن بالبكاء و النحيب فقال لهم تعزوا بعزاء الله ثم رجع يطلب الماء فلميصل اليه فحمل علي القوم و هو كالاسد فتناهضت الابطال و احتاط به الرجال و تراشقوه بالنبال و هو يزعق فيهم و يزداد انتشاطا حتي قتل منهم الفا و ستمائة فارس و هو مع ذلك يطلب شربة ماء و قد ضعفت قوته و نشف فمه و لسانه من العطش و قد اصابه من القوم جراح كثيرة و صارت النبال في درعه كالشوك في جلد القنفذ فوقف يستريح لضعفه عن القتال فاتاه سهم له ثلاث شعب فوقع في قلبه فقال بسم الله الرحمن الرحيم و بالله و علي ملة رسول الله ثم نزع السهم فخرج من موضعه مزارب من الدم فغضب لذلك و صار كلما اتاه رجل من كندة صرفه عن نفسه بنفسه و قد اشتد عليه حاله و امره فلما ضعف و قلّت همته اتاه رجل من كندة يقال له مالك بن بشير و ضربه علي رأسه [ص 288] فامتلأ السيف دما فتبادرت اليه الفرسان من كل جانب و مكان و طعنه صالح بن وهب المزني علي خاصرته فسقط الي الارض علي فخذه الايمن ثم ضربه زرعة بن شريك علي كتفه الايسر فصرعه فضربه أخري علي عاتقه فاكبّه علي وجهه فطعنه سنان ابن انس النخعي في ترقوته ثم طعنه الاخري في صدره فجلس قاعدا فرماه بسهم في نحره ثم نزعه و جعلوا يتلقون الدم بايديهم جميعا و خضبوا به رأسه و لحيته وهو يقول هكذا الاقي الله و انا مظلوم مخضب بدمي مغصوب مني حقي فقال عمر بن سعد لرجل انزل له و اذبحه فبادر اليه ابن زيد الاصبحي ليحز رأسه فارتعد و رجع فنزل اليه سنان بن اسد النخعي فاخذ بلحيته و جعل يضربه بالسيف في حلقه و يقول والله لآخذنّ رأسك و قد اعلم انك ابن بنت رسول الله ففتح عينيه فيه فولي هاربا فلقيه الشمر بن ذي الجوشن فقال لم لاتقتله فقال قد فتح عينيه في وجهي فتذكرت شجاعة ابيه فخفت منه فقال ويلك هلمّ اليَّ بالسيف والله لميكن احد احق مني بدم الحسين ثم نزل عن جواده و اقبل علي الحسين و ركب علي صدره و سلّ السيف و حطّه علي نحره و همّ ان يذبحه ففتح الحسين عينيه و قال من انت لقد ارتكبت والله اثما عظيما اماتستحي من الله و رسوله ؟ فقال انا الشمر بن ذي الجوشن فقال الحسين ويلك اماتعرفني ؟ قال انت الحسين و ابوك علي بن ابيطالب فقال اذا كنت تعرف ذلك فلمَ تقتلني فقال اطلب الجائزة بذلك من اليزيد فقال يا ويلك احب اليك الجائزة من اليزيد او شفاعة جدي ؟ فقال له دانق من الجائزة احب اليَّ من ابيك وانت فقال اذا كان و لا بد من قتلي فاسقني شربة ماء فقال هيهات ان تذوق الماء بل تذوق الموت غصة بعد غصة و جرعة بعد جرعة فقال له الحسين اكشف لي عن لثامك فكشفه فاذا هو ابرص اعور [ص 289] ابقع له بوز كبوز الكلب و شعر كشعر الخنزير فقال الحسين الله اكبر لقد صدق جدّي فقال له و ما قال جدك ؟ فقال قال لي يقتلك رجل فيه اوصاف الكلب و الخنزير فقال له تشبهني بالكلب و الخنزير والله لاقتلنك يا حسين شرّ قتلة و اعلم ان ما من مسلم الا و له عند الله شفاعة يوم القيامة الا انا ثم ضرب الحسين في مذبحه بالسيف مرارا فلميقطع منه شيئا فقال والله ان سيفك لايقطع موضعا يسبح الله فاكبه علي وجهه و جعل يحزّ رأسه و يقول :
اقتلك اليوم و نفسي تعلما علما يقينا ما به توهما
ان اباك خير من تكلما و هو صهر للنبي المكرما
أقتلك اليوم و سوف اندما و سوف اصلي آخرا جهنما
ثم احتز رأسه و رفعها علي رمح و دفعها الي ابن زياد الاصبحي و كبّر العسكر ثلاث تكبيرات فعند ذلك زلزلت الارض و اظلم المشرق و المغرب و اخذت الناس صواعق ثم نادي مناد من السماء قد قتل الامام ابن الامام ابو الائمة و له من العمر ثمانية و خمسون سنة و كان ذلك اليوم يوم الاثنين العاشر من المحرم ثم بعد ان انكشف ما بهم تقاسموا سلبه فاخذ عمامته عمر بن يزيد و اخذ رداءه يزيد بن سهل و اخذ درعه و خاتمه سنان بن انس النخعي و اخذ ثوبه و نعله محمد بن الاشعث الكندي و اخذ سيفه مالك ابن بشير و اخذ سراويله يحيي بن كعب .
[ص 290] قال الراوي ففي تلك الساعة ارتفع الي السماء غبرة سوداء مظلمة و معها ريح حمراء ثم ظن القوم ان العذاب قد حل بهم . و روي عن الصادق رضي الله عنه انه قال لما قتل الحسين ضجت الملائكة الي الله و قالوا يا ربنا يفعل هكذا بالحسين و هو ابن بنت نبيك فقال لهم بهذا انتقم منهم . و عن هلال بن نافع انه قال كنت واقفا مع عمر بن سعد اتحدث و اذا بصياح يقول ابشر ايها الامير فقد قتل الحسين فوالله مارأيت قتيلا مضمخا بدمه مثله و مع هذا قد شغلني نور وجهه و جماله و هيبته عن الفكرة في قتله ثم حصرت ما في بدنه من جراح السيوف و الرماح و النبال فوجدتها مائة و عشرين جرحا .
قال الراوي ثم ان جواد الحسين جعل يهمهم و يتخطي القتلي في المعركة قتيلا بعد قتيل حتي وقف علي الجسد الشريف فوجده بلا رأس فجعل يدور حوله و يمرغ ناصيته في دمه فلما نظر اليه عمر بن سعد قال للقوم ويلكم ائتوني به فركبوا خلفه و كان من جياد خيل رسول الله صلي الله عليه و سلم و الاصح انه الميمون فلما احسّ الميمون بذلك جعل يمانع عن نفسه و يلطم بفيه و يضرب برجليه حتي قتل منهم ستة و عشرين فارسا و تسعة من الخيل فصاح عمر بن سعد ويلكم اتركوه لانظر ما يصنع فبعدوا عنه فلما رأي الناس تفرقت عنه امن و رجع الي الجسد الشريف و جعل يمرغ وجهه و يقبله بعينيه و يصهل حتي ملأ البرية من صهيله ثم قصد الي خيمة النساء فلما سمعن صهيله أقبلت زينب علي سكينة و قالت قد جاء الماء فاخرجي اليه لتشربي فخرجت فوجدت السرج خاليا و الجواد يصهل و ينعي فصاحت وا قتيلاه وا غريباه وا حسيناه هذا الحسين بين العدا مسلوب العمامة و الرداء بدنه بالارض و رأسه منقطعة و اليوم يصير ماله و عياله بين العدا اواء من نار البلا يا غريبا لايرتجي و جريحا لايداوي ثم التفت الي الميمون فرأته يبكي و يصهل فانشدت :
[ص 291]فويلك يا ميمون فارجع بسرعة و خبّرْ عن السبط الشريف هدي العلا
و اين تركت السبط ميمون قل لنا و اين الذي قد كان للخطب حاملا
أميمون تغدر بالحسين و ما لنا كفيل و للحمل الثقيل تحملا
أميمون ضيعت الحسين و جئتنا تحمحم في خيماتنا ثم تصهلا
أميمون اسقيت الحسين حمامه و بين الاعادي في دمائه تجندلا
أميمون هلا قد فديت جنابه و لكن قضاء الله اصبح منزلا
أميمون أشفيت العدا من ولينا و القيته بين الاعادي مجندلا
أميمون فارجع لاتطيل خطابنا فماعدت ترجو ودّنا و تؤملا
تيتّمت يا ذلّي لفقدك يا اخي و قد عدت بعد العزّ و المجد مذللا
اخي من نري من بعد فقدك يا اخي يدافع عنا من يصول من الملا
اخي من تراه حاميا و مناصرا لقد هدّ هذا اليوم عزمي و عطلا
فمااتمت شعرها الا و قد خرج النساء بجمعهن و تصارخن ثم بكت فاطمة بنت الحسين و قالت وا ابتاه وا غريباه وا ضيعتاه بعدك يا اباعبدالله ثم قالت :
مات الفخار و مات الجود و الكرم و اغبرت الارض و الآفاق و الحرم
و اغلق الله ابواب السماء فلا ترقي لنا دعوة تجلي بها النقم
غاب الحسين فوا لهفي لغيبته و صار يعلو علينا بعده الظلم
يا قوم هل من فداً يا قوم هل عوض تفديه والله هذي الناس و الامم [ص 292]
قال الراوي قال عبدالله بن قيس رأيت الجواد رجع من عند الحريم و حمل علي القوم حتي وصل الي الجسد الشريف فجعل يودعه و يمرغ ناصيته فوق اقدامه و يصهل ثم قصد الفرات و غاص فيه و لمير له خبر بعد ذلك و قيل انه يخرج مع المهدي و يكون راكبه ثم لما انفض امر الميمون امر عمر بن سعد بحصر من قتل منهم في تلك المعركة فبلغوا ثلاثين الف فارس و راجل ثم لما اخبروه بذلك قال دونكم و الخيام انهبوها فدخلوا و جعلوا يسلبون ما علي الحريم و الاطفال من اللباس ثم قطعوا الخيام بالسيوف فخرجت امكلثوم و قالت يا ابن سعد الله يحكم بيننا و بينك و يحرمك شفاعة جدنا و لايسقيك من حوضه كما فعلت بنا و امرت بقتال سبط الرسول و لمترحم صبيانه و لمتشفق علي نسائه فلم يلتفت اليها قالت زينب اخت الحسين كنا ذلك الوقت جلوسا في الخيام اذ دخل علينا رجال و فيهم رجل ازرق العيون فاخذ كل ما كان في خيمتنا التي كنا مجمتعين فيها ثم نظر الي علي الصغير ابن الحسين و هو مطروح علي قطعة من الاديم فجذبها من تحته و رماه علي الارض ثم اخذ قناعي من رأسي و نظر الي قرط كان في اذني فعالجه و قرضه باسنانه فخرم اذني ونزعه و جعل الدم يسيل علي ثيابي و هو مع ذلك يبكي ثم نظر الي خلخال كان في رجلي فاطمة الصغري فجعل يعالجها حتي كسرهما و اخرج الخلخال منهما فقالت له تسلبنا و انت تبكي فقال ابكي لما حل بكم يا اهل البيت قالت زينب فخنقتني العبرة من وجع اذني و بكاء فاطمة فقلت له قطع الله يديك و رجليك و اذاقك الله النار في الدنيا قبل الآخرة .