و صيّروا نسوة المختار حاسرة لله كم اصبع من حسرة قطعوا

و سلبوها قناعا و الغطاء و كم من خيمة حرّقوا او خيمة تشعوا [ص 232] 

و زينب لست انساها اذا نظرت للرأس تشهق مهما ان به رفعوا

تقول يا ابن امي يا قوي جلدي يا تاج رأسي و قلبي فيك قد صدعوا

اراك فوق الثري و الجسم منجدل و الرأس من نحرك الدامي لقد قطعوا

خليت منصرعا فوق التراب علي حر الجبين و منك الدرع قد نزعوا

وا حرّ قلبي لنسوان الحسين لما ليثرب حسرا بالضيم قد رجعوا

قالت سكينة بنت الحسين عليه السلام بينما نحن في خيمتنا فنباكي علي ما اصابنا و اذا نحن بفارس نزل علينا و انحدر عن فرسه و ربطها بعنانها في طنب الخيمة و دخل و سيفه مسلول بيده و الغيظ يلوح في وجهه فلما نظر الي علي بن الحسين عليهما السلام همّ ان يذبحه بالسيف فتعلقت به عمته زينب و ضمته الي صدرها و قالت له يا ويلك هذا طفل صغير و هو يومئذ سقيم عليل فارحم يتمه و وحشته من ابيه فردّ السيف في غمده و لطمه بيده علي صحن خده الايمن قلّبه علي خده الايسر و كان تحته نطع فاخذه من تحته و اخذ جميع ما كان في الخيمة فجعلت زينب ترمي جميع ما كان عليها من الحلي و الحلل مخافة ان يلمسها الملعون فقالت سكينة والله ماينجيني من هذا الظالم العنيد الا الفرار بنفسي في البر الواسع فامهلته حتي التهي بالطمع فرفعت طنب الخيمة و هربت علي وجهي و لم‌ادر الي اين اتوجه .

قال الراوي فلما هربت سكينة افتقدها الملعون فركب جواده فطلبها فبينما هي سايرة و اذا بكعب الرمح بين كتفيها فوقعت علي الارض فنزل عن جواده و اخذ قناعها و قرطين كانا في اذنيها بعد ما اهنّها بالضرب و السبي و السب و السلب فاتت اليها عمتها زينب و خلصها منه فقالت سكينة لعمتها يا عمتاه هل معك خرقة استر بها رأسي فقالت زينب يا سكينة ان عمتك مثلك و اعظم منك و رجعنا [ص 233] الي الخيام فرأيناهن مقشوعات منهوبات و النساء مسلبات و الاطفال مذبحات و علي بن الحسين مكبوبا علي وجهه و رأسه مكشوف و رجليه مقيدات و الشمس تصهره فانكبت عليه سكينة و شبكت يديها علي رقبته و اعتنقته فبكته و بكاها و قالت يعزّ عليَّ والله ان اراك علي هذه الحال فاين عنك جدك محمد المصطفي و ابوك علي المرتضي و امك فاطمة الزهراء لم ‌لايعينونك علي هذه النوائب و يعزونك علي هذه المصايب قال فاتي علي بن الحسين عليه السلام رجل اكوس اللحية ازرق العينين و حط في رقبته جامعة من حديد و اخذه اسيرا و ذهب به الي عمر بن سعد لعنه الله و اما زينب و سكينة فقد جائتا الي عند الحسين عليه السلام فرأتا نساءه و حريمه و بناته في صراخ و عزاء قايم و نحيب و بكاء دايم و هن حول الحسين عليه السلام و هو جثة بلا رأس و منهن من تأخذ يدها و تلطم بها وجهها و ناصيتها و تصرخ و تقول وا حسيناه و منهن من تتناول حجرا و تضرب به صدرها و تنادي وا اخاه وا خليصاه و منهن من رأت ولدها مقطوع رأسه و معدوم قواه فبكت عليه فقالت وا ولداه وا ثمرة فؤاداه وا مهجة قلباه قال فاتت زينب و وقعت علي صدر اخيها الحسين عليه السلام و قابلتها ام‌كلثوم و اجلستا الحسين (ع) و هو جثة بلا رأس و جعلن يبكين عليه فبينما هم كذلك و اذا هن بنور ساطع و ضياء لامع و اذا هن بأمرءة جليلة القدر و هي لابسة لبس السواد فدخلت بين النساء و لم‌يعرفونها ( لم‌يعرفوها ظ ) فانكبت علي الحسين و جعلت تقبله و تشم نحره الشريف و تمسح عنه الدم ثم انها قامت علي قدميها و شقّت جيبها و جاءت الي النساء و جعلت يد كل واحدة منهن بيد الاخري و جعلوا يدورون حول الحسين (ع) فزاد علي النساء بكاءهن و نوحهن و [ص 234] صراخهن و رأين نساءا كثيرة و هن مختلفات الالوان و الصور فاخذ الناس الصواعق و اغبرت الدنيا فاتوا الملاعين اليهن و قطعوا عزاءهن و ركبوهن كرها فوق الجمال باكباد محروقة و افئدة بالحزن ممزوقة . الي هنا نقلت ما نقلت علي ما وجدت و لااعتمد عليه و انا حسين بن جعفر الموسوي .

بسم الله الرحمن الرحيم

وجدت كتابا سمّاه عقود الدر النضيد في مناقب سيدنا الحسين الشهيد لمحمد صالح بن صديق كمال من علماء العامة اذكره بتمامه و هذا تمام الكتاب :

بسم الله الرحمن الرحيم

ان افضل ما طرزته اَلسنة الاقلام في صفحات الطروس البهية و اجمل ما نظمته جهابذة الاعلام في اسلاك العقود الدرية حمد الله الذي جعل حب اهل البيت سفينة النجاة و اردف هذا الحمد بالشكر علي نعمه الوافرة الوفية التي من اعظمها عقد قلوبنا علي حبهم عقداً لايعتريه حل و لا شكوك وهمية و المرء مع من احب كما ورد عن رسول الله و اشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له شهادة ادخرها لحلول المنية و افتخر بها ان شاء الله تعالي عند حصول الامنية و اشهد ان سيدنا محمدا رسول الله و اصلي و اسلم علي يتيمة عقد السلسلة القرشية و امام الانبياء و المرسلين بالحضرة القدسية من لاجله اوجدت الكائنات و لم‌توجد لولاه و علي آله فروع الدوحة الهاشمية و اصحابه نجوم الهدي للبرية و اتباعهم باحسان و الائمة الهداة .

اما بعد فان مفاخر اهل البيت و ان كانت ظاهرة جلية اذ لاحت انوار النبوة علي وجوههم السنية و ابتهجت القلوب بانوار سرهم و ضياه احببت ان اذكر شذرة من بعض فضائل الشهيد ذي الاخلاق المحمدية و قطرة من بحر مناقب السعيد ذي الاوصاف المصطفوية سيدنا الامام القتيل في كربلاء و سميتها بعقود الدر النضيد في بعض مناقب سيدنا الحسين الشهيد لتتلي ليلة حوله علي المحبين لسماع اوصافه العلية و تجلي يوم عاشوراء علي المجدين في اتباع السنة النبوية الذين اذا [ص 235] اصابتهم مصيبة قالوا انا لله اذ بذكر الكمل الصالحين تتنزل البركات الالهية و تفرج الكربات الاخروية و الدنيوية فكيف بذكر ابن سيدنا رسول الله و نظمتها في ثلاثة عقود جوهرية : الاول في نسبه الشريف و ما ورد في فضله المنيف من الاحاديث النبوية التي شهرتها تغني ذوي النباهة و الانتباه . الثاني في ذكر مولده و تحنيكه له صلي الله عليه و سلم و مدة حمله و القابه و جواهر حكمه الوهبية و بوابه و شاعره و نقشة خاتمه النورانية فهو الفرع و الاصل الذي طاب شذاه . الثالث في ذكر سبب استشهاده و بيان عمره و اولاده و ما لاقاه من الاهوال الكريبة التي تتضعضع عند ذكرها الجبال الصمية و لا حول و لا قوة الا بالله . فقلت مستمدا من فيوضاته الفيضية مستعينا بالقدرة الاحدية متيمنا بفضائل بسم الله .

العقد الاول في ذكر نسبه الشريف الذي هو سبيكة ذهبية و ما ورد في فضله المنيف من الاحاديث الصحيحة القوية هو سيدنا و مولانا و قرة اعيننا الحليم الاوّاه ملجأ القاصدين و كهف الطالبين و سبط خير البرية الذي اشرقت شموس فضله في الخافقين و لاحت كواكبه الدرية و ملاذ الوجل الخائف و حماه معدن الجود و الكرم و العلوم اللدنية و طور التجليات الالهية منّ بالقرب الي حضرة قدسه حباه شريف النسب الطاهر عن الادناس الحسية و المعنوية ذوي الاسرار و المكاشفات الغيبية شهيد الدارين سيدنا الحسين المكني بابي‌عبدالله ابن سيدنا علي امير المؤمين باب المدينة العلمية ابن ابيطالب ذي المآثر الفائقة البهية ابن عبد المطلب بن هاشم طاب ثراه و امّه سيدتنا فاطمة الزهراء البتول التي خصها الله بالفضل علي نساء الامة الاحمدية و حين ينادي في الموقف الاكبر بأهل تلك الجمعية غضّوا ابصاركم حتي تجوز بنت رسول الله ،

[ص 236]

نسب طاهر يفوق ضياه نور شمس الضحي باوج المعالي

ينفح الطيب منه يا صاح مسكا يزدري الزهر نوره المتلالي

قد حوي سادة حووا كل فضل خير خلق الاله من كل آلي

و اما ما ورد في فضله رضي الله عنه فقد اخرجه الحاكم و صححه عن يعلي العامري ذي الشيم المرضية ان النبي صلي الله عليه و سلم قال حسين مني و انا من حسين اللهم احب من احب حسينا حسين سبط من الاسباط فيا لها من مزية . و عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما عنه صلي الله عليه و سلم من سرّه ان ينظر الي سيد شباب اهل الجنة فلينظر الي الحسين بن علي و ذلك فضل الله . و عنه صلي الله عليه و سلم انه قال اللهم اني احبه فاحبه و احب من يحبه و نعمت الدعوات الخيرية . و عن جعفر الصادق رضي الله عنه قال اصطرع الحسن و الحسين بين يدي رسول الله صلي الله عليه و سلم فقال رسول الله صلي الله عليه و سلم ايها حسن فقالت فاطمة رضي الله عنها يا رسول الله تستنهض الكبير علي الصغير فقال صلي الله عليه و سلم هذا جبرئيل يقول ايها حسين خذ الحسن فاكرم بها من ملاحظات سنية تهب لذي القلب العليل شفاه . و عنه صلي الله عليه و سلم انه كان يمتصّ لعاب الحسين كما يمتصّ الرجل التمرة . و عنه صلي الله عليه و سلم انه مر علي بيت فاطمة رضي الله عنها فسمع حسينا يبكي فقال ألم‌تعلمي ان بكاءه يؤذيني . و روي انه صلي الله عليه و سلم خرج و عليه مرط مرجل من شعر اسود فجاء الحسن فادخله ثم جاء الحسين فادخله ثم فاطمة ثم علي ثم قال انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت . [ص 237] و عن ابن عباس رضي الله عنهما لمانزلت هذه الآية قل لااسألكم عليه اجرا الا المودة في القربي قالوا يا رسول الله من هؤلاء الذين امرنا الله مودتهم ؟ قال علي و فاطمة و ابناهما . و عن انس بن مالك رضي الله عنه في قوله تعالي مرج البحرين يلتقيان قال علي و فاطمة يخرج منهما اللؤلؤ و المرجان قال الحسن و الحسين . و روي البخاري و الترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما انه سأل رجل عن دم البعوض فقال له من انت ؟ فقال رجل من اهل العراق فقال انظروا الي هذا يسألني عن دم البعوض و قد قتلوا ابن رسول الله صلي الله عليه و سلم و قد سمعت النبي صلي الله عليه و سلم يقول هما ريحانتاي من الدنيا فيا ويل هذه الفئة و يا عظم تلك الخطية و سبحان من اختار ابنا حبيبه و صفّاهم من كل سمة ردية كما اختار نبيه من بريته و اصطفاه ،

همو القوم من اصفاهم الود مخلصا تمسك في اُخراه بالسبب الاقوي

همو القوم فاقوا العالمين مناقبا محاسنهم تجلي و آثارهم تروي

موالاتهم فرض و حبهمو هدي و طاعتهم ودّ و ودّهمو تقوي

العقدالثاني في ذكر مولده و تحنيكه له صلي الله عليه و سلم و مدة حمله و القابه و جواهر حكمه الوهبية و بوابه و شاعره و نقشة خاتمه النورانية فهو الفرع و الاصل الذي طاب شذاه .

اما مولده رضي الله عنه فلخمس من شعبان سنة اربع هجرية و كانت امه رضي الله عنها علقت به بعد ان وضعت اخاه الحسن بخمسين ليلة عددية - هكذا صح النقل عن الائمة الرواة - و حنّكه صلي الله عليه و سلم بريقه الشريف و اذّن في اذنه و تفل في فمه و سمّاه حسينا يوم السابع و عقّ عنه بكبش و قال لامه احلقي رأسه و تصدقي عنه بزنة شعره فضة كما فعلت باخيه الحسن فامتلثت لامره بهمّة عليّة .

[ص 238] و اما القابه فهي ثمانية - كرؤياته السرية - : الرشيد و الطيب و الزكي و الوفي و السيد و المبارك و التابع لمرضات الله . و شاعره يحيي بن الحكم و جماعة غيره و بوابه اسعد الهجري و نقشة خاتمه البهية : لكل اجل كتاب تبركا بالآيات القرآنية و مدة حمله ستة اشهر قيل ماولد مولود لستة اشهر و عاش الا سيدنا الحسين رضي الله عنه و سيدنا عيسي بن مريم عليه صلي الله .

و من جواهر حكمه رضي الله عنه حوائج الناس اليكم من نعم الله عليكم فلاتملوا النعم فتعود نقما و قال رضي الله عنه صاحب الحاجة لم‌يكرم وجهه عن سؤالك فاكرم وجهك عن ردّه و قال رضي الله عنه الحلم زينة و الوفاء مروة و الصلة نعمة و الاستكثار صلف و العجلة سفه و السفه ضعف و الغلو ورطة و مجالسة اهل الدناءة شر و مجالسة اهل الفسوق ريبة و قال رضي الله عنه من خطبة خطبها ايها الناس نافسوا في المكارم و سارعوا في المغانم و لاتحتسبوا بمعروف لم‌تعجلوه و اكتسبوا الحمد بالمنح و لاتكتسبوه بالمطل فمهما يكن لاحد عند احد ضيعة و رأي انه لايقوم بشكرها فالله له بمكافئته بمكان و ذلك اجزل عطاءً و اعظم اجرا و اعلموا ان المعروف يكسب حمدا و يعقب اجرا فلو رأيتم المعروف رجلا لرأيتموه حسنا يسرّ الناظرين ولو رأيتم اللؤم رجلا لرأيتموه منظرا قبيحا تنفر منه القلوب و تغض منه الابصار ، الي غير ذلك من الجواهر النثرية و من كلامه المنظوم رضي الله عنه :

[ص 239]

غدر القوم و قدما رغبوا عن ثواب الله رب الثقلين

قتلوا قدما عليا و ابنه حسن الخير كريم الابوين

حسدا منهم و قالوا اقبلوا نقتل الآن جميعا للحسين

خيرة الله من الخلق ابي ثم امي فانا ابن الخيرتين

فضّة قد صفيت من ذهب فانا الفضّة و ابن الذهبين

من له جد كجدي في الوري و كشيخي فانا ابن القمرين

فاطمة الزهراء امي و ابي قاصم الكفر ببدر و حنين

و له غير هذا من اللآلي الشعرية كما ذكره الائمة الثقاة .

العقد الثالث في ذكر سبب شهادته و بيان عمره و اولاده و ما لاقاه من الاهوال الكريبة التي تتضعضع عند ذكرها الجبال الصمية و لا حول و لا قوة الا بالله .

اما سبب استشهاده رضي الله عنه فانه لما خرج من المدينة المنورة الي مكة المشرفة ممتنعا عن البيعة اليزيدية اتاه كتاب اهل الكوفة يستقدمونه ليبايعوه فارسل اليهم ابن عمه مسلم بن عقيل ذا الطلعة الوضية لأخذ البيعة له و لم‌يقم بعد مسيره الا قليلا حتي تجهز للمسير رضي الله تعالي عنه و ارضاه فخرج باهله من مكة يوم الثلاثا يوم التروية ثامن ذي الحجة و معه اثنان و ثمانون رجلا من اهل بيته و مواليه و شيعته المرضية قاصداً الكوفة و كل من لقيه في الطريق و علم قصده حذّره من اهلها فسار الي ان اتي تغلبية فأتاه خبر قتل ابن عمه مسلم بن عقيل بالكوفة فقال له بعض اصحابه ننشدك الله ان ترجع فانه ليس لك بالكوفة من ناصر و انّا نتخوف ان يكون عليك لا لك فوثب بنوا عقيل و قالوا والله لانرجع حتي نأخذ بثارنا او نذوق كما ذاق مسلم فقال لهم رضي الله عنه لا خير لي في الحياة بعدكم و افوّض الامر الي الله ثم ارتحل نحو الكوفة فلما كان بينه و بينها مسافة مرحلتين وافاه انسان يقال له [ص 240] الحر بن يزيد الرياحي و معه الف انسان من اصحاب ابن زياد شاكي السلاح فقال للحسين رضي الله عنه ان ابن زياد أخرجني عينا عليك و قال لي ان ظفرت به لاتفارقه او تجيء به و انا والله كاره ان يبتليني الله بشيء من امرك غير اني اخذت بيعة القوم يعني الفرقة اليزيدية فقال له سيدنا الحسين رضي الله عنه اني لم‌اقدم هذا البلد حتي اتتني كتب اهله و قدمت عليَّ رسلهم يطلبوني و انتم من اهل الكوفة فان دمتم علي بيعتكم و قولكم في كتبكم دخلت مصركم و الا انصرفت من حيث اتيت فقال له الحر والله لم‌اعلم بشيء مما ذكرت و لايمكنني الرجوع الي الكوفة فخذ انت طريقك هذا و اذهب حيث شئت و انا اكتب الي ابن زياد بان الحسين خالفني في الطريق و لم‌اظفر به و انشدك الله في نفسك و فيمن معك فسلك الحسين رضي الله عنه طريقا غير الجادة راجعا الي الحجاز و ساروا ليلتهم فلما اصبحوا و اذا الحر بن يزيد في جيشه و هو معهم و انعكست القضية فقال له سيدنا الحسين ما جاء بك ؟ قال سعي بي الي ابن زياد و عليَّ عين من جهته فامرني ان اكون عينا عليك و لا سبيل لي الي مفارقتك فنزل سيدنا الحسين رضي الله عنه و حط بتلك الارض التي اصبح بها فسأل عنها فقيل له هذه كربلاء فقال رضي الله عنه موضع كرب و بلاء هذا مناخ ركابنا و محطّ رحالنا و مقتل رجالنا و كان ذلك يوم الاربعاء الثامن من المحرم سنة احدي و ستين و كتب الحر الي ابن زياد يخبره بنزول الحسين رضي الله عنه فكتب ابن زياد الي سيدنا الحسين كتابا يقول فيه : اما بعد فان يزيد بن معاوية كتب اليَّ ان لاتغمض جفنك من المنام و لاتشبع بطنك من الطعام اما ان يرجع الحسين الي حكمي او تقتله و السلام . [ص 241] فلما ورد الكتاب الي سيدنا الحسين رضي الله عنه و قرأه القاه من يده و قال للرسول ما له عندي جواب فلما رجع الرسول الي ابن زياد و اخبره اشتد غضبه و خرج اليه مع الف مقاتل و اول من خرج معه الشمر بن ذي الجوشن في خيل كثيرة حتي نزلوا بشاطئ الفرات فحالوا بين الحسين و بين الماء و هم في ستة آلاف و قيل اكثر فعند ذلك ضاق عليه الامر و اشتد به و باصحابه العطش فتيقن ان القوم مقاتلوه و عظمت الرزية فامر اصحابه فاحتفروا حفيرة كالخندق و جعلوا جهة واحدة يكون القتال منها و برزت عساكر ابن زياد و احدقوا بالحسين و اصحابه من كل جانب و وضعوا فيهم السيف و رموهم بالنبال حتي قتلوا منهم ما يزيد علي خمسين ففازوا بالشهادة و السعادة الابدية فعند ذلك صاح سيدنا الحسين رضي الله عنه اما ذاب يذبّ عن حريم رسول الله صلي الله عليه و سلم و اذا بالحر ابن يزيد المتقدم ذكره قد خرج من عسكر ابن زياد راكبا علي فرسه فقال انا يا ابن رسول الله كنت اول من خرج عينا عليك و لم‌اظن ان الامر يصل الي هذا الحال و انا الآن من حزبك و انصارك ارجو شفاعة جدك محمد صلي الله عليه و سلم اقاتل بين يديك حتي اقتل فقاتل بين يديه حتي قتل فلما فني اصحاب الحسين و قتلوا جميعهم و بقي وحده حمل عليهم فقتل كثيرا من الرجال و الابطال و رجع سالما الي موقفه فحال الشمر بن ذي الجوشن بينه و بين الحريم و اقبلوا عليه فلم‌يزل يقاتلهم حتي اثخنوه جراحا فسقط عن فرسه الي الارض و نزلوا و جزّوا رأسه الشريف وا حر مهجتي لتلك البلية ثم ان القوم ساقوا الحريم و الاطفال كما تساق الاساري حتي اتوا الكوفة فخرج الناس ينظرون اليهم و يبكون و كان علي زين العابدين معهم قد انهك جسمه المرض فجعل يقول ان هؤلاء يبكون [ص 242] من اجلنا فمن قتلنا ؟ فلما دخلوا علي ابن زياد ارسل بهم و رأس الحسين معهم الي الشام الي يزيد مع شخص يقال له زجر بن قيس و ارسل بالنساء و الصبيان علي اقتاب و معهم علي زين العابدين و قد جعل ابن زياد الغل في اعناقهم و لم‌يزالوا سائرين بهم علي تلك الحالة حتي وصلوا الي الشام و باؤا بغضب من الله و فازوا بالشهادة العظمي في مقعد صدق عند المليك الاسمي في حلل سندسية بين الظهر و العصر يوم الجمعة العاشر من عام الحادين و الستين و عمره ستة و خمسون سنة و اشهر و قتل معه سبعة عشر شابا من اهل بيته ذوي النفوس الابية و دفنت جثته الشريفة بالطف بكربلاء من الارض العراقية و وجد بها ثلاث و ثلثون طعنة و ثلاث و ثلاثون ضربة قيل ان الذي قتله سنان بن انس و قيل رجل من مذحج و قيل الشمر بن ذي الجوشن و الصحيح المنقول عن السدي انه سنان . و اما الرأس الشريف فقيل اعيد الي الجثة و قيل بالقاهرة و قيل بالبقيع مع اخيه عليهما رضوان الله .

و اما اولاده رضي الله عنه فستة بنين و ثلاث بنات و هم علي الاكبر و امه ليلي بنت عروة بن مسعود الثقفية و علي الاوسط و عبدالله و علي الاصغر زين العابدين و محمد و جعفر و زينب و فاطمة و سكينة ذوات الاخلاق المسكية الزكية و العقب كله من نسل عليّ زين العابدين و لم‌يكن علي الارض حسيني الا من نسله الطاهر حفظه الله و لقد احسن من قال و اجاد في المقال :

[ص 243]

بكت عيني بدمع بانسجام و زايد فيضه فيض الغمام

و حالفني و رافقني سهادي و خالفني و فارقني منام

احسّ بمهجتي حرّاً و نارا و بين جوانحي وقع السهام

لخطب هائل عمّ البرايا و هول قد دهي كل الانام

فاودي بالقلوب الي انهدام و اودي بالقوي للانهزام

فيا لله من خطب مهيل تقاصر دونه هول الحمام

و يا لله من امر عظيم تصاغر عنده شأن العظام

تصدعت القلوب به ارتياعا و حق لها علي قتل الامام

حسين البرّ ذخري بل و فخري و نوري في الدجا و شفا سقام

همام ضيغم اسد هصور و ليث في الوغا مجلي القتام

ثكلت به فوا حرقي عليه و وا قلقي علي نور الظلام

و وا حرّ الفؤاد عليه و آها كأنّ بمهجتي لفح الضرام

و وا اسفي و وا ندمي و حزني و وا كربي عليه و اهتمام

و وا لهفي لقد عزّ اصطباري و باين مقلتي طيب المنام

فطوبي ثم طوبي ثم طوبي لقبر قد حوي تلك العظام

و يا طوبي لارض حلّ فيها لقد سعدت و فازت بالمرام

و طاب ثراؤها حقا و طابت بطيب نزيلها بدر التمام

فحياها الحياء بكل مزن و جاد بسوحها صوب الغمام

الي دار النعيم و طيب عيش و حور قاصرات في الخيام [ص 244] 

رضي الرب الكريم و في جوار لحضرته مع القوم الكرام

رقي صدق المقاعد في جنان و عند مليكنا اعلي مقام

فنرجو الله نسأله و ندعوا بجمع الشمل مع حسن الختام

و يرفعنا و يجمعنا جميعا مع الاحباب غايات المرام

و يشفع احمد خير البرايا عظيم الجاه في يوم القيام

حبيب للاله و مصطفاه عليه الله صلي مع سلام

و آل مع صحاب ما تغنت علي الاغصان ساجعة الحمام

و ما برق الغوير سرا سحيرا فاشجي روح صبّ مستهام

و حمد للاله و ما قضاه رضيناه و نسأل بالدوام

و يبقي السر في عقب كرام و يشمل نفعهم كل الانام

و يعظم اجرنا فيه و يحسن عزانا كي نفوز مع الامام

و بالجملة ففيما اصاب سيدنا الحسين و اهل بيته من الخطوب و الاهوال دليل ظاهر و برهان باهر علي ان الله تعالي لم‌يرض الدنيا دار جزاء لانبيائه و اوليائه تشريفا و تكريما لهم كما نطقت به الكتب السماوية و تسلية لاهل البلاء و تقوية لهم علي الصبر علي احكامه المقضية فاذا سمع المصاب ما وقع علي الاحباب هان عليه والله ما دهاه .

و في الخطط للمقريزي لما قتل الحسين بكت السماء و بكاؤها حمرتها . و عن عطاء في قوله تعالي فمابكت عليهم السماء و الارض قال بكاؤها حمرة اطرافها . و عن الزهري بلغني انه لم‌يقلب حجر من احجار بيت المقدس يوم قتل الحسين الا وجد تحته دم عبيط و مكثت الدنيا سبعة ايام و الشمس علي الحيطان كالملاحف المعصفرة و احمرت آفاق السماء ستة اشهر بعد قتله ثم لازالت الحمرة تري فيه بعد ذلك اليوم و لم‌تكن تري فيه قبله . و روي ان السماء امطرت دما فاصبح كل شيء لهم مملوا دماء و لم‌يبق احد ممن قتل الحسين الا عوقب في الدنيا قبل الآخرة اِما بالقتل او سواد الوجه او تغيير الخلقة او زوال الملك في مدة يسيرة و هذه العقوبة الدنيوية و لما بلغ اهل المدينة قتل الحسين خرجت ابنة عقيل بن ابيطالب في نساء من بني هاشم و هي حاسرة تلوي ثوبها و تقول :

[ص 245]

ماذا تقولون ان قال النبي لكم ماذا فعلتم و انتم آخر الامم

بعترتي و حريمي بعد مفتقدي منهم اساري و منهم ضمخوا بدم

ماكان هذا جزائي اذ نصحت لكم ان تخلفوني بسوء في ذوي رحم

و عنه صلي الله عليه و سلم انه قال استوصوا باهل بيتي خيرا فاني اخاصمكم عنهم غدا و من اكن خصمه خصمه الله و من خصمه الله ادخله النار . و عن ابن عباس رضي الله عنهما اوحي الله الي سيدنا محمد صلي الله عليه و سلم اني قتلت بيحيي بن زكريا سبعين الفا و اني قاتل بابن ابنتك سبعين الفا و سبعين الفا . و روي ان قاتل الحسين في تابوت من نار عليه نصف عذاب اهل الدنيا .

و قال الجلال السيوطي في المحاضرات : حصل في الكوفة جدري في بعض السنين عمي فيه الف و خمسمائة من ذرية من حضر قتل الحسين رضي الله عنه فشؤم الآباء متصل بالابناء فنسألك العفو يا الله . و عنه رضي الله عنه سمعت رسول الله صلي الله عليه و سلم يقول ما من مسلم و لا مسلمة تصيبه مصيبة و ان قدم عهدها فيحدث لها استرجاعا الا احدث الله له عند ذلك اجرا و اعطاه ثواب ما وعده لها يوم اصيب هذا و حيث انتهي ما رمناه فلنوجه القلوب و الوجوه لواهب العطية و نمتري ضروع الضراعة الي رب الفضل و مولاه فنقول اللهم يا من وسعت رحمته جميع البرية يا من لايخيب للسائل رجاه نتوسل اليك بحبيبك الاعظم صلي الله عليه و سلم في حصول الامنية فانه بابك الذي ماخاب من لجاه و بآله و اصحابه الاسد الشرية و بسائر اوليائك يا سيداه يا مولاه ان توفقنا لصالح الاعمال و الاقوال المرضية و تحفّنا باللطف يا من يجيب المضطر اذا دعاه و ترزقنا صفاء السريرة و حسن الطوية و تجلو عن عين القلب عماه و تطهرنا ظاهرا و باطنا [ص 246] من كل خصلة ردية و تغسل عنّا درن الذنب و صداه و حققنا باسرار اهل البيت و احشرنا في زمرتهم العلية و اجعلنا من المخلصين لهم الي بلوغ الاجل منتهاه و امدّنا بمددهم و اجعل عيشتنا هنية و يسّرْ لنا كل امر عسير و انجح لكل منا مسعاه و ارزقنا الايمان الكامل و اصلح لنا الذرية و احسن ختامنا كما انعمت بالايمان في مبتداه و حفّ مجلسنا هذا بالمغفرة و ارفع عنا و عن المسلمين كل بلية و لاتفضحنا يوم العرض و ملقاه و ارزقنا حسن الادب في جوار الكعبة البهية و اغرقنا في بحار العفو و لاتؤاخذنا بما جنيناه و اجمع لنا بين خيري الدنيا و الآخرة و انلنا شفاعة حبيبك الدرة المنتقاة و امنح من كان السبب في اجراء الصلاة الخيرية و اعطه سؤله فيما يرضيك و ارحمه يا الله رحمة يعمها رضاك و اطل بالصالحات بقاه و اجعل الاجر لجامع هذه المناقب المفتقر الي فيوضاتك الاحسانية محمد صالح المدرس بالمسجد الحرام شرفه الله المشهور بكمال من الاسماء اللقبية ابن العلامة صديق عليه رحمة الله و صلي الله و سلم علي كل ولي لك و وليه و آخر دعوانا ان الحمد لله .

اقول و لابي‌اسحق الاسفرايني من علماء العامة كتاب في مقتل الحسين عليه السلام و لكن في اوايل الكتاب في اوراق عديدة خلط عملا صالحا و آخر سيئا و فيه كلمات لاتليق بمذهبنا و مسلكنا و لكن ما بعد تلك الاوراق ما لاينافي مذهبنا و ساير اخبارنا من اخبار المقتل فانا اترك الاوراق التي في اوايل الكتاب و اذكر باقي الكتاب محض حفظ آثار المقتل و حسرتي اني عند تأليفي لمقتلي المسمي بابدع المقاتل لم‌يكن عندي هذا الكتاب و الحمد لله الذي وقفت عليه مطبوعا فاترك الاوراق الاولة منه و اشرع في هذا المقام الي آخره و هو خروج الحسين (ع) من مكة و نزوله في المدينة و حركته من المدينة .

[ص 247] قال الاسفرايني في ذلك الكتاب ثم ان الحسين (ع) لم‌يزل سايراً هو و من تبعه ‌اي من مكة الي ان دخلوا مدينة يثرب و اتوا الي ضريح جدهم و زاروه و تمتعوا بانواره ثم اتوا الي دار محمد بن الحنفية و قد كان مريضا فدخلوا و سلّموا عليه فقال محمد يا اخي يا حسين اني انظر معك الحريم و الاطفال و الفرسان و الرجال فما يكون الخبر فقال له يا اخي نريد الكوفة و العراق و اخبره انهم ارسلوا اليه نحو الف كتاب يطلبونه خليفة فبكي محمد بن الحنفية بكاءا شديدا و قال له يا اخي ما لك بالكوفة و العراق فان احوالهم كلها نفاق و ما لهم رأفة قد ضرب المثل في حقهم « الكوفي لايوفي » و اهل العراق لاتطاق و هم يا اخي قوم غدروا بابيك و ثنوا باخيك فما لنا بهم حاجة اقم هنا يا اخي في حرم جدك و في دار ابيك أو في داري او في اي ما تختار من المنازل الاخيار و لاتسرْ الي دار الفجار و الا فارجع الي مكة المشرفة بين اهلك و جنودك و عشيرتك فبينهم يا اخي تصير قيمتك مرفوعة و كلمتك بينهم مسموعة و اترك يا اخي مسيرك الي الكوفة و العراق لان قلوبنا من فعلهم في عظيم احتراق فقال له الحسين يا اخي دع عنك هذا القول كم ارسلوا من رسول و طلبوني للحضور و اوعدوني بنزع الخلافة من اليزيد و قالوا ان لم‌تحضر و تنقذنا من جور هذا الرجل و الا خاصمناك غدا بين يدي الله يوم لايجزي والد عن ولده و لا مولود هو جاز عن والده شيئا ان وعد الله حق فماذا اقول لهم يا اخي ؟ فلا بد لي من المسير و لله عز و جل المشيئة و التدبير فعسر ذلك علي محمد بن الحنفية و بكي بكاءً شديدا و قال له يا اخي اقم هنا حتي يأذن الله و يشفيني من مرضي و اسير معك و انظر ما يجري و افديك بنفسي فابي الحسين ذلك و قال لا بد لي من المسير و لا حاجة لي باحد غير هؤلاء السبعة و سبعين الذين معي و هم من قرابتي و اخوتي فبكي اخوه بكاءً شديدا و جعل يقول :

[ص 248]

و لما تبدت للرحيل حمالهم وجدت بها الحادي ففاضت مدامعي

فقلت الهي كن عليه خليفة فيا رب ماخابت لديك الودائع

فقال له والله ما من مسافر يسير و يدري ما به الدهر صانع

عسي من قضي بالبعد بيني و بينكم يجمعنا و القلب في ذاك طامع

مضوا و اختفوا عني و سرت بحسرتي انوح و ابكي بعد ما القلب هاجع

رعي الله اياما تقضّت بقربهم و حيّا زمانا و هو للشمل جامع

لقد ضاق صبري حين فارقت ركبهم فياليت يومي للحسين مراجع

قال الراوي فمااتم محمد بن الحنفية شعره الا و قد دخل عليهم عبدالله بن العباس رضي الله عنهما و سلّم علي الحسين و علي اخيه محمد و جلس عندهما و قال للحسين يا ابن العم اخبرني عن هذاالجيش الذي معك فقال اريد السفر الي الكوفة و العراق لانهم ارسلوا اليَّ نحو الف كتاب و هم يقولون احضر لنا و خذ خلافتك من اليزيد و نحن نساعدك و اشتكوا لي من جوره و ظلمه عليهم و انا لم‌التفت اليهم ثم ارسلوا الي آخر كتاب و قالوا فيه ان لم‌تحضر خاصمناك بين يدي الله و نقول خلّص حقنا من الحسين فماذا تقول ؟ فمن ذلك اريد السفر اليهم فقال له اقم هنا حتي يشفي الله اخاك محمدا و اركب معك انا و اياه و عشيرتنا جميعا كي ننظر ما يجري عليك من اهل الكوفة والعراق فاني لم‌آمن عليك منهم فقال له الحسين والله لاتسيرون معي و لا حاجة لي بغير هؤلاء الذين معي ليقضي الله امرا كان مفعولا فعسر ذلك علي عبدالله بن العباس رضي الله عنهما ثم انشد يقول :

[ص 249]

لقد ذاب قلبي من فراق احبّتي و قد سهرت عيني و زادت بليتي

حرام علي الدار حتي اراكمو و انظر في تلك الوجوه بمقلتي

و قد ضرّني من بعدكم طول بعدكم و ابكي و تجري بالمدامع عبرتي

رعي الله عيشا لذلي بجواركم و حيّا زمانا كنتمو فيه جيرتي

اذا غبتم عني تذوب حشاشتي و تزهق روحي كل وقت و ساعة

فلاتحرموني رؤيتي لجنابكم فرؤيتكم دوماً تزيد مسرتي

الا يا غراب البين روّعت خاطري و اسهرت عيني لارثيت فرقتي

سلام عليكم كلما هبت الصبا و ماناح قمري علي كل دوحة

قال الراوي و لم‌يزل يدخل علي الحسين واحدا بعد واحد و هم يعدلونه عن المسير و هو لايلتفت الي احد منهم الا بعزم و جزم ثم انهم اقاموا في المدينة بعد عيد النحر اربعة ايام و في اليوم الخامس زاروا قبر جدهم عليه افضل الصلوة و السلام و امر بتحميل الحمول علي الجمال و ركب عليها النساء و الاطفال و ركب عشيرته الخيل الجياد و عدتهم سبعة و سبعون من الاولاد و الفرسان و الرجال و خرج بهم الحسين قاصدا الي بلاد الكوفة و العراق و هو متوكل علي الله الكريم الخلاق و خرجت معه اهل المدينة تشيعه الي ان خرج منها و اخذ خواطرهم و حلف عليهم ان يرجعوا فرجعوا و هم يبكون و عبدالله بن العباس في شدّة الاحتراق فجعل يقول :

فقدت ظعونا في دجي الليل حملوا و ساروا و لم‌اعرف لهن مقاما [ص 250] 

فلا القلب يسلاهم و لا النار تنطفي و لا العين تتهني بذلك مناما

و فرقتنا يابين ليتك مثلنا تبيت و تضحي لاترد كلاما

كما كنت بالتفريق بيني و بينهم و قلبي عليهم قد رميت سهاما

ادور عليهم في الديار بمقلتي و ابكي عليهم دائما الزاما

ايا من دري ان الزمان يلمنا نداوي جراحات لنا و سقاما

اذا لم‌اراهم في الديار هجرتها و سكنتها عادت عليّ حراما

و من كان مثلي ناضج القلب موجعا ينوح و يبكي مايخال ملاما

قال الراوي فلما خرج الحسين من المدينة باهله و عشيرته قاصدا الي الكوفة و العراق اتته افواج من الملائكة و بايديهم الحراب و هم ركوب علي نجب من الجنة فسلّموا عليه و قالوا له يا اباعبدالله ان الله تعالي ايّد جدّك رسول الله صلي الله عليه و سلم في امور كثيرة و ان الله تعالي قد امرنا ان نطيعك في جميع ما تأمرنا به و نحن بين يديك ان كنت تأمرنا ان نسير معك الي الكوفة و العراق او ايّ محل تريده ننصرك علي كل من تعرّض لك بسوء و نقاتل معك جميع من قاتلك فقال لهم الحسين لا حاجة لي بكم فالله تعالي يعفل ما يشاء فقالوا ان الله تعالي قد امرنا ان نطيعك و نردّ عنك كل ما تخشاه فقال لهم لا سبيل لاحد عليَّ و لا علي قتالي لانه لم‌يكن لهم عندي شيء يوجب القتال و انما انا عامد الي بقعتي و حفرتي فانصرفوا عنه ، ثم اتته طائفة من مؤمني الجن و سلّموا عليه و قالوا له يا اباعبدالله نحن من شيعتك و انصارك فلو امرتنا بقمع كل عدوّ لك و انت بمكانك لكفيناك شرّه فقال لهم جزيتموا خيرا اني لااقاتل احدا و لا احد يقاتلني ثم قال لهم أماقرأتم كتاب الله العزيز المنزل علي جدي صلي الله عليه و سلم ؟ أمااطلعتم علي قوله [ص 251] تعاي اينما تكونوا يدرككم الموت و لو كنتم في بروج مشيدة و قوله تعالي قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل الي مضاجعهم و اذا انا مت بمكاني فبماذا تمتحن هذه الامة و من ذا يكون ساكنا في بقعتي و حفرتي و انما العلم عند الله فقالوا والله يا اباعبدالله لولا انها لاتجوز مخالفتك لخالفناك و قتلنا كل عدوّ لك قبل ان يصل اليك فقال لهم رضي الله عنه والله اني لااقدر ( لاَقدر ظ ) عليهم منكم و لكن ليقضي الله امرا كان مفعولا ففارقوه و سار باهله وعشيرته رضي الله عنه الي بلاد الكوفة و العراق و توكل علي الله الكريم الخلاق .

قال الراوي هذا ما كان من امر الحسين و اما ما كان من امر اليزيد فانه لما بلغه خبر اهل الكوفة و العراق و ارسال مكاتيبهم للحسين طول السنة الي ان بلغوا الف كتاب و مرامهم ان يأتي و يأخذ الخلافة و هو لايلتفت اليهم ثم ارسلوا له و اكدوا في حضوره و قالوا ان لم‌تحضر و الا خاصمناك غدا بين يدي الله و يقولون ظلمنا اليزيد و رضي فينا بالظلم و الجور و انك تحضر و نحن نساعدك علي حربه و قتله و تأخذ خلافة ابيك و جدك منه فمن ذلك ارسل لهم مسلما يصلي بهم و يخطب لهم و يقضي بينهم و ارسل معه امرا الي النعمان ليحكم فيهم الي ان يحضر و الآن قد حضر مسلم و فعل ما امر به و سلّم الامر الذي معه للنعمان فقرأه و فهم معناه فقال سمعا و طاعة و احضر الناس و بايعهم للحسين فدخلوا في بيعته و اخبرهم ان الحسين قادم اليهم قريبا يأخذ الخلافة ففرحوا بذلك و تجهّزوا الملاقاته و اعانته عليك فلما سمع اليزيد ذلك الخبر عسر عليه و كبر لديه و كثر ( كسر [ص 252] ظ ) وجْده و ذاب قلبه و طار الشرر من عينيه فأمر من ساعته و وقته باحضار دواة و قرطاس و قلم من نحاس و كتب الي عبيدالله بن زياد : اعلم يا امير ان الحسين ارسل اليه اهل الكوفة و العراق مكاتبات كثيرة ليحضر و يأخذ الخلافة و ينازعنا في ملكنا و هم يساعدونه علي ذلك فعند وصول كتابنا اليك تركب من البصرة بعسكرك و جنودك و اعمد الي الكوفة و انزل بها في قصر الامارة و اعلم ان النعمان دخل في بيعة الحسين فراجعه عن ذلك و ان لم‌يرجع فمره ان يلزم بيته و ان لم‌يطعك فحزّ رأسه و ارسلها اليَّ و ان لزم لك جنود و عساكر ارسلنا لك جميع ما يلزم و اقتله هو و من يلوذ به لان الخلافة لنا و لابينا نولي من نشاء بامرنا و نرفع من نشاء و اعلم ان الحسين ارسل الي اهل الكوفة و العراق مسلما يصلي بهم و يخطب لهم و يقضي بينهم فاسرع اليه و اقتله و ارسل اليَّ رأسه و انظر جميع من يحب الحسين او يذكره علي لسانه او دخل في بيعته فانهه و ان لم‌ينته فاقتله و اقتل عياله و انهب ماله و اسب حريمه و احتل في قتل الحسين و جميع من معه لانه قادم اليهم قريبا و افعل ما شئت فانك ولي الامر دوني علي جميع البلاد و كل ما فعلته رضينا به و الحذر ثم الحذر ان تتهاون في قتل الحسين و اصحابه . ثم ختمه و طواه و ارسله مع رسول من عنده فلم‌يزل الرسول سائرا بالكتاب الي ان دخل البصرة و اتي الي دار الامارة و استأذن في الدخول علي ابن زياد فاذن له الحاجب فدخل و وقف بين يديه و ناوله الكتاب فقرأه و فهم معناه فدعا بدواة و قرطاس و قلم من نحاس و كتب يقول : من زياد الي اليزيد [ص 253] اعلم ايها الملك اني سمعت بهذا الخبر و كذبته و لكن من حيث انه بلغك فهو صحيح و جميع ما تأمرني به افعله سمعا و طاعة لك و لقولك و اني في هذا اليوم اركب و اعمد الي الكوفة و جميع ما القاه من هذه الشيعة قتلته و ارسلت لك رأسه و لاتهتم بهذا الامر فانت الخليفة و انت الملك و الخلافة ليست لاحد غيرك . ثم ختمه و طواه و سلمه الي رسول اليزيد و ارسله له و قام من وقته و ساعته و احضر سائر جنوده و عسكره و اقام منهم نائبا في البصرة يحكم محله و ركب هو و جنوده و عمد الي الكوفة و لم‌يزل سائرا الي ان بقي بينه و بين الكوفة مسيرة مرحلة فامرهم بالنزول جميعا ثم انه امر ان يقدم له بغلة زرورية فاتوا له بها فقام و قلع ما كان عليه من اللباس و لبس ثيابا بيضا و اخذ في يده قضيب خيزران و ركب البغلة و تزيا في زي الحسين حيلة منه و مكرا حتي ينظر حقيقة الامر من الناس ان كانوا علي بيعة اليزيد او بيعة الحسين و لعل احدا من اهل الحسين يكون بالكوفة فان نظره في زيه خرج يلاقيه لكي يقتله و سار ثم امر العسكر بالرحيل فساروا حوله و لم‌يزل سائرا في تلك الحالة حتي دخل الكوفة و كان يوم جمعة فصار لايمر بقبيلة او باحد جالس بعيد منه الا و اومأ اليه بالقضيب و يقول السلام عليك من غير كلام يسمع و هم يردون عليه السلامَ و يقولون قدم خير حلت علينا البركة يا ابن بنت رسول الله فلما رأي ابن زياد تباشر الناس بقدوم الحسين عظم ذلك عليه و كبر لديه و اشتد امره و لم‌يزل سائرا حتي اتي الي قصر الامارة فلاقاه عمر الباهلي فعرفه فأتي الي اهل الكوفة و قال لهم يا ويلكم هذا عبيد الله بن زياد و ليس هو الحسين كما زعمتم [ص 254] و استبشرتم به فقالوا نراه في زيه فظننا انه هو . ثم ان ابن زياد لما نزل عن بغلته و طلع القصر لاقاه النعمان و سلم عليه و رحب به فقال له ابن زياد انت ترحب بي و تفرح بي و قد دخلت في بيعة الحسين و لم‌تعلمني و لم‌تعلم اليزيد و اخرج له كتاب اليزيد فقرأه و فهم معناه و قال سمعا و طاعة لله فما لي بالخلافة و الحكم ما انا الا من جملة الرعية لمن يتولي منكم او غيركم فقال ابن زياد تدخل في بيعة اليزيد فقال له نحن رعية لليزيد او غيره فقال له الزم بيتك فقال سمعا و طاعة ثم اخذ جميع ما له في القصر لانه كان خليفة الكوفة يومئذ من تحت امر اليزيد ثم عمد الي بيته و جلس فيه و صار لايخرج منه و قال في نفسه ليقضي الله امرا كان مفعولا و لكن قلبه من جهة الحسين في لهيب لانه يحبه و يحب جميع آل بيت رسول الله صلي الله عليه و سلم . ثم ان ابن زياد بات في القصر تلك الليلة فلما اصبح الله بالصباح امر بجمع الناس في المسجد فاجتمع فيه خلق كثير من اهل الكوفة حتي ضاق بهم المسجد فنزل ابن زياد من قصر الامارة و صعد المنبر و خطب لهم خطبة فيها تحذير و قال لهم يا اهل الكوفة اني اراكم متباشرين بالحسين بن علي بن ابيطالب و ارسلتم له مكاتبات يأتي اليكم و يأخذ الخلافة من اليزيد و تساعدونه عليه بالحرب أتظنون انه يخفي علي اليزيد او عليَّ امر من الامور أماتعلمون انه اخذ الخلافة عن ابيه فمن وقتنا هذا اثبتوا علي بيعة اليزيد قبل ان يبعث اليكم من الشام جنودا لا قدرة لكم عليهم .

[ص 255] قال الراوي فلما سمع اهل الكوفة منه هذا الكلام جعلوا ينظرون الي بعضهم و يقولون ما لنا و الفتنة بين السلاطين نحن رعية من تولي ان كان اليزيد او الحسين فقال لهم يا اهل الكوفة الحاضر منكم يعلم الغائب ان البيعة من هذا الوقت لليزيد فاثبتوا عليها ثم نزل عن المنبر و قصد الي قصر الامارة و جلس فيه و صار يحكم بين جنده . ثم لما جاء اوان العصر خرج مسلم من بيته و دخل الجامع لصلاة العصر و اقام الصلوة فلم‌يصلّ احد خلفه و كل من رآه نفر منه فلما فرغ من صلوته طلع الي خارج المسجد و اذا هو بغلام واقف فقال له مسلم يا غلام ما بال اهل الكوفة ؟ فقال يا مولاي انهم نقضوا بيعة الحسين و دخلوا في بيعة اليزيد و حكي له ما جري من ابن زياد في خطبته فصفق مسلم بيمينه علي يساره و قال لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم و صار يطلب من يجيره و كان في الكوفة رجل يقال له هانئ بن عروة و قد قضي عمره علي محبة آل بيت رسول الله صلي الله عليه و سلم و كان من اكابر الكوفة و له قدر عند ارباب الدول و كان مسلم يعرفه فسأل عن داره و اتي اليها و دق الباب فخرجت جارية و قالت له ما تريد ؟ فقال لها اخبري سيدك ان رجلا من بني هاشم اسمه مسلم بن عقيل يريد الدخول فدخلت الجارية لسيدها فاخبرته فقال لها ادخليه فادخلته فسلّم عليه و كان مريضا فجلس مسلم بجانبه و اخبره بما جري و ان ابن زياد يطلبني ليقتلني فقال له هانئ لاتخف مرحبا بك احتال لك ان شاء الله تعالي فقال له مسلم و كيف ذلك و هو الامير و له جنود و عساكر فقال له هانئ اعلم ان بيني و بينه محبة و صداقة و هو سيعلم اني مريض و لا بد له [ص 256] ان يعودني و يأتي الي هنا فاذ انظرته و دخل عندي فليكن سيفك في يدك مسلولا و قف بين الستور و تكون العلامة بيني و بينك ان ارفع عمامتي عن رأسي و اضعها علي الارض و اعيدها علي رأسي فاخرج اليه و اضرب عنقه من ورائه فقال مسلم نعم الرأي ثم ان عبيدالله بن زياد بعد يومين سأل عن هانئ و عن تأخيره فقالوا له هو مريض في بيته فقال واجب عليَّ ان اعوده فقام من ساعته و نزل من القصر و ركب و اخذ معه خدمه و ساروا الي ان اتوا دار هانئ و استأذنوا له في الدخول عليه فقال هانئ لجاريته ادفعي لمسلم سيفا و ادخليه الستر فناولته سيفا قاطعا فأخذه و ادخلته من داخل الستر بحيث لايراه ابن زياد و لا من معه ثم اذنت له بالدخول هو و من معه و جلسوا عنده و تحدثوا معه و سأله عن حاله ثم بعد برهة قلع هانئ عمامته و وضعها علي الارض ثم وضعها علي رأسه اولا و ثانيا و ثالثا و مسلم لم‌يخرج فلما طال ذلك علي هانئ جعل يرفع صوته كانه يصلي ليسمع مسلم و يخرج من وراء الستر يضرب عبيدالله بن زياد بالسيف في عنقه كما هو متفق عليه مع هانئ بن عروة ثم ان هانئا حصل عنده غيظ من مسلم في تأخيره عن الخروج فانشد يقول :

حيي سليمي و حيي من يحييها ما لي انتظار بسلمي ان تحييها

هل شربة عذبة اسقي علي ظمأ و لو تلفت و كانت نكبتي فيها [ص 257] 

فاخرج اليها و لاتبطئ بسقيها ان كان في الكاس ماء هاك فاسقيها

و جعل هانئ يرددها و ابن زياد لايفطن الي ذلك فلما كثر الترديد من هانئ قال ابن زياد ما بال الشيخ يهزأ قال هذا دأبي من نصف الوقت ثم قام من عنده و ركب جواده الي القصر و اما مسلم فانه لما خرج ابن زياد خرج من بين الستور و السيف في يده مشهورة فقال له هانئ ما الذي اعاقك عن الخروج لقتله ؟ فوالله ماظفرت بمثله فقال له مسلم اني لما هممت بالخروج اول مرة رأيت كاَنّ قابضا قبض يدي ثم هممت ثانيا و ثالثا و اذا بهاتف يقول يا مسلم لاتخرج حتي يبلغ الكتاب اجله قال ثم ان مسلما قام في دار هانئ لايخرج و اما ابن زياد فانه عجز عن احضار مسلم فدعا برجل من اهل الكوفة يقال له معقل و كان ذا هيبة عظيمة فلما حضر بين يديه اعطاه ثلاثة آلاف دينار و قال له خذ هذا المال و اسأل عن مسلم بن عقيل و استأنس معه و قل له اني من شيعة الحسين فخذ هذا المال و استعن به علي عدوّك فانك اذا اعطيته هذا المال اطمأن و امن علي نفسه و لم‌يكتم عليك شيئا من اموره ثم عد اليَّ بالخبر فقال سمعا و طاعة و اخذ المال و خرج و صار يدور بالكوفة طول النهار يصلي في المساجد و يتجسس الاخبار حتي اتي مسجدا بجوار دار هانئ فاجمتع برجل يقال له مسلم بن عوشة ( عوسجة ظ ) الاسدي فجلس ينتظره حتي فرغ من الصلوة و كان يعلم انه من اصحاب هانئ فقام اليه و عظّمه و اكرمه ثم قال له يا شيخ اني رجل من اهل الشام و لي حب باهل البيت و معي ثلاثة آلاف دينار و قد احببت ان التقي مع الرجل الذي قدم الكوفة يبايع الناس لابن بنت رسول الله صلي الله عليه و سلم لاعطيه هذا [ص 258] المال و لم‌اعرف مكانه و اظن انك من اصحابه فاريد ان تدخلني اليه حتي اقبضه هذا المال لانك ثقة من ثقاته و عندك كتمان لامره فقال لمسلم بن عوشة ( عوسجة ظ ) يا اخي لاتسمعني كلاما لااحب سماعه و ما انا من اهل هذا الامر و قد خاب من ارشدك اليَّ فقال له يا شيخ ليس انا ممن تكرهه و انا قد ارشدت اليك فلاتخيبني و ان لم‌تطمئن فخذ عليَّ المواثيق و العهود فلما سمع كلامه قال له ان كنت صادقا فاحلف لي ايمانا مؤكدة فحلف له فعند ذلك اطمأن قلبه و ادخله الي دار هانئ و قابله مع مسلم بن عقيل و اخبره معقل بخبره فوثق به و اخذ يبايعه بعد ان اخذ عليه عهد الله و ميثاقه ثم قبض منه المال و صار مسلم بن عقيل يشتري به كل ما يلزم للحرب و معقل يناظره في ذلك و يخبر به ابن زياد فلما صح ذلك عند ابن زياد دعا محمد بن الاشعث الكندي و اسماء بن خارجة الفزاري و عمر بن الحجاج الديناري و قال لهم امضوا الي دار هانئ و ائتوني به فانطلقوا اليه فوجدوه جالسا علي باب داره فقالوا يا هانئ الامير يدعوك بخدمته فاحسّ قلب هانئ و علم ان ابن زياد معول علي قتله فدخل الي داره و اعلم مسلما بذلك ثم انه اغتسل و تحفظ و تقلد بسيفه و سار مع القوم الي ان دخل علي ابن زياد و سلّم عليه فلم‌يردّ عليه السلام و كان قبل ذلك يكرمه ففكر في امره و مكث ثلاث ساعات من النهار واقفا بين يديه متكئا علي سيفه و لم‌يرد له جوابا و لم‌يبد له خطابا فقال له حاجبه ايها الامير انت تعلم ان هذا الشيخ من اشراف اهل مكة ( الكوفة ظ ) و لم‌ترد عليه السلام و لم‌تأذن له بالجلوس فاقبل ابن زياد علي هانئ يكلّمه كالمستهزئ و هو يقول يا هانئ قد اخفيت عدوّ يزيد [ص 259] عندك و واسيته بنفسك و شريت له السلاح أتظن ان ذلك يخفي عليَّ ؟ فقال معاذ الله ان افعل ذلك و ان الذي حدّثك غير صادق فقال له بل هو اصدق منك فقال من يكون هو فقال يا معقل اخرج فخرج و كان هو الذي يأتي الي دار هانئ و ينظر امورهم فلما اتي و نظره هانئ بين يدي ابن زياد قال مرحبا يا هانئ أتعرفني ؟ قال نعم اعرفك كافرا فاجرا غادرا و علم انه كان من عند ابن زياد و انه الذي اخبره بما كانوا عليه ثم ان ابن زياد التفت الي هانئ و قال له انك لاتقدر تفارقني طرفة عين حتي تأتيني بمسلم بن عقيل او افرق بينك و بين اولادك فغضب هانئ و قال له ان فعلت ذلك ليهرقن دمك بين سيوف مكة و غيرها فغضب ابن زياد من كلامه و ضربه بقضيب كان بيده شق جبينه و سال الدم علي وجهه و لحيته فضرب هانئ يده الي قوائم سيفه و ضربه به و كان عليه جبة من الخز فقطعها و جرحه جرحا منكرا فاعترضه معقل فضربه هانئ بسيفه قطع رأسه و عجل الله بروحه الي النار فلما رأي ابن زياد ذلك قال ويلكم دونكم و اياه فعند ذلك احتاطوا به فحمل فيهم و جعل يضربهم بالسيف حتي قتل منهم اثنين و عشرين رجلا فتكاثروا عليه فوقع بينهم فاخذوه اسيرا و اوثقوه كتافا و اوقفوه بين يدي ابن زياد فقال يا هانئ ائتني بمسلم فقال له يا ويلك كيف آتيك برجل من آل بيت رسول الله تقتله والله ماكان ذلك فامر بضربه بعمود من حديد حتي قتل رحمة الله عليه فلما وصل الخبر الي عمر بن الحجاج الديناري اقبل باربعة آلاف فارس حاصروا القصر لقتل ابن زياد فلما سمع ابن زياد بذلك قال للقاضي اخرج الي القوم و قل لهم ان صاحبكم حي لم‌يقتل و انما اعتقلناه عندنا لاجل حاجة فخرج شريح القاضي الي القوم و اخبرهم [ص 260] بما قاله ابن زياد فقال عمر بن الحجاج اذا لم‌يقتل فالحمد لله ثم انصرفوا فلما علمت الضجة في دار هانئ لاجل قتله و كثر البكاء و خرج مسلم بن عقيل و جعل يطلب لنفسه مجيرا و دار في شوارع الكوفة فبينما هو يمشي اذ رأي دارا عالية و امرأة جالسة علي بابها فوقف ينظر الي تلك الدار فقالت له المرأة يا فتي ما وقوفك علي هذا الباب و في الدار حريم ؟ فقال لها يا امة الله ماخطر ببالي شئ من ذلك و انما انا رجل مطلوب و اريد من يجيرني بقية يومي هذا فقالت له المرأة من اي الناس انت ؟ فقال من بني هاشم انا مسلم بن عقيل قد غرّني هؤلاء القوم و بايعوني و نقضوا بيعتي فقالت و انا من بني هاشم و احق باجارتك ثم انها ادخلته الدار و اجلسته في بيت و عرضت عليه المأكل و المشرب فلم‌يتناول غير الماء فلما جن عليه الليل همّ بالانصراف و اذا بولد المرأة قد اقبل و كان ابوه من جلساء ابن زياد فلما احسّ باقباله لم‌يمكنه الخروج و كانت قد ادخلته في بيت منفرد و صارت تكثر التردد عليه و تطيب خاطره و تؤانسه بالكلام فلما نظر الولد الي امه و هي تكثر الدخول في هذا البيت و ليس لها فيه حاجة قال يا اماه ما لي اراك تكثرين الدخول و الخروج في هذا البيت و ليس فيه حاجة فقالت يا بني اعرض عن هذا الكلام فردده عليها فلما رأت منه ذلك قالت يا ولدي هذا رجل من بني هاشم استجار بي فاجرته فقال يا اماه يكون مسلم بن عقيل ؟ فقالت نعم فقال اكرميه فقد احسنت ثم انه بات علي باب البيت الذي فيه مسلم الي وقت السحر و فتح الباب قليلا قليلا و جعل يسعي الي ان اتي قصر الامارة فدخل الدهليز و وضع اسبعه علي اذنيه و نادي باعلي صوته النصيحة و كان في وقتها يتحدث [ص 261] ابن زياد مع ابيه فقال له ابوه ما نصيحتك يا ولدي ؟ قال يا ابي ان امي تجير مسلم بن عقيل في دارنا فلما سمع ذلك ابن زياد فرح فرحا شديدا و طوّقه بطوق من الذهب الاحمر ثم دعا بمحمد بن الاشعث الكندي و ضم اليه خمس مائة فارس و قال له انصرف مع هذا الغلام و ائتني بمسلم بن عقيل اسيرا فسار محمد و من معه خلف الغلام الي ان قاربوا الدار فسمع مسلم صهيل الخيل و همهمة الرجال فاقبل علي المرأة و قال لها ما هذه الخيل و الرجال ؟ فقالت اظنها من عند ابن زياد فقال ائتيني بكوز ماء فأتت به فاخذه منها و اسبغ الوضوء و صلي ركعتين و دعا الله ثم نهض و تقلد بآلة الحرب فقالت اراك تتهيأ للحرب فقال نعم اتهيأ الي لقاء هذه الرجال لانهم لم‌يطلبوا غيري و اخشي ان يهجموا علي هنا و لايكون لي فسحة في المجال فيأخذوني من بين يديك اسيرا و يصيروني قتيلا فعند ذلك بكت المرأة و قالت ليت الموت اعدمني الحياة و لاافارقك ثم ان مسلما ودّعها و اقبل نحو الباب و خرج و اذا بالقوم قد اقبلوا عليه فلاقاهم و صاح فيهم و قاتلهم قتالا شديدا حتي قتل منهم مائة و خمسين فارسا من البارزين و انهزم الباقون و المرأة علي السطح تنظره فلما نظر محمد بن الاشعث الي مسلم و ما فعل بالابطال ارسل الي ابن زياد يقول له ادركني بالخيل و الرجال فان مسلما قتل منا مقتلة عظيمة فغضب ابن زياد و ارسل يقول له ان كان هذا رجلا واحدا قتل منكم هذه المقتلة فكيف اذ ارسلناك الي من هو اشد منه بأسا و اصعب مراسا فأرسل اليه ابن الاشعث يقول انك ماارسلتني الي رجل من رجال الكوفة و انما ارسلتني الي ليث همام و اسد ضرغام و سيف من سيوف الله الملك العلام فعند ذلك ارسل اليه خمسمائة فارس آخر ، فلما وصلوا [ص 262] الي محمد بن الاشعث سار بهم و قصد مسلما فلما وصلوا اليه حمل فيهم و صاح عليهم كالاسد الكاسر و الوحش النافر و قتل منهم خلقا كثيرا فلما نظروا الي شدة بأسه و شجاعته جعلوا يوقدون النار و يرمونه بها ثم بالحجارة ثم بالنبل و هو لايبالي و لم‌يزل يقتل منهم حتي لم‌يبق الا نحو خمسين فارسا فبعث ابن الاشعث نحو ابن زياد يقول ادركني بالخيل والرجال فبعث اليه ثمانمائة و قال لهم ويلكم اعطوه الامان و الا قتلكم عن آخركم ، فلما وصلوا الي ابن الاشعث نظروا الي فرسانهم فلم‌يجدوا منهم الا القليل فهجموا علي مسلم و قالوا له ابن الاشعث يعطيك الامان فقال لا امان لكم يا اعداء الله و اعداء رسوله ثم حمل عليهم و جال في اوسطهم و لم‌يزل يقاتلهم حتي قتل منهم خمسمائة فقال رجل من القوم ينصب له شرك لاينفك منه ابدا فقالوا و ما هو ؟ فقال اثبتوا هنا في اماكنكم حتي احفر حفرة في الطريق ثم انصرفوا من بين يديه فيجري عليكم فيقع فيها فامسكوه فاقام منهم جماعة قدّامه في القتال و الآخرون حفروا بئرا في الطريق كما امرهم ذلك الرجل و انهزموا قدامه فتبعهم و هو لايعلم انهم مكروا به فسقط في البئر فاحاطوا به من كل جانب و امسكوه و اتوا به الي ابن الاشعث فضربه بالسيف في محاسن وجهه فلعبت اصراسه فأخذوه اسيرا و صاروا يسحبونه علي وجهه حتي اتوا به الي قصر الامارة فنظر مسلم في دهليزه فرأي كيزانا معلقة و كان قد عطش فقال للبوّاب اسقني شربة ماء و اسقيك غدا عوضها فدفع اليه كوزا فاخذه من يده و اقامه الي فيه فلما احس ببرد الماء سقطت ثناياه فيه و صار دما عبيطا فامتنع من شربه فقال لبوّاب خذ كوزك فلا حاجة لي به و لعلي اموت عطشان فاخذه منه فادخله القوم الي ابن زياد فلما نظره مسلم قال [ص 263] السلام علي من اتبع الهدي و خشي عواقب الردي و اطاع الملك الاعلي فتبسم ابن زياد ضاحكا فقال بعض الحجاب يا مسلم لم‌ لاقلت السلام عليك ايها الامير فقال لا امير غير سيدي و مولاي و ابن سيدي و حبيبي و قرة عيني و ابن عمي الحسين بن علي بن ابيطالب و انا مسلم بن عقيل و اني لااخاف من الموت فقال ابن زياد لا بد من قتلك في يومك هذا فقال يا ويلك ان كان و لا بد لي من القتل فاصرف لي رجلا قرشيا اوصيه وصية فقام اليه عمر بن سعد و قال له يا مسلم اوص حاجتك فقال اولا شهادة ان لا اله الا الله و ان محمدا رسول الله الثانية اذا قتلتموني واروا جسدي بالتراب الثالثة بيعوا درعي هذا و ادفعوا ثمنه لفلان فان له علي دينار الرابعة اكتبوا الي سيدي الحسين انه لايأتيكم لكيلا يصيبه ما اصابني لانه بلغني انه خرج من المدينة هو و اولاده و عشيرته قاصدا الي هنا ، فقال له عمر بن سعد ما ذكرت من جهة الدرع فنحن المخيرون و اما ما ذكرته من جهة الحسين فلا بد من مجيئه و شربه الموت غصة بعد غصة فعند ذلك التفت ابن زياد الي عمر بن سعد و قال له ما ( اما ظ) الذي اوصاك به فاعلمه بجميع ما اوصاه به فقال ابن زياد قبحه الله من مستودع و لكن لو سألني ذلك لفعلته ثم دعا برجل من عنده و قال له اعلم ان هذا قتل من الفرسان الفا و خمسمائة فاصعد به الي اعلي و القه علي وجهه فاخذه و صعد به و هو يسبح الله تعالي و يستغفره و يصلي علي النبي صلي الله عليه و سلم فلما اراد ان يرميه قال له مسلم دعني اصلي ركعتين ثم افعل ما بدا لك فقال ما لي الي ذلك من سبيل فعند ذلك بكي مسلم تأسفا علي ابن عمه الحسين و صار [ص 264] ينتظر شمالا و يمينا فلم‌يلق محبا و لا معينا فدفعه الرجل من اعلي الي اسفل فانقض علي ام رأسه فخرجت روحه فعجل الله بها الي الجنة ثم ان جماعة ابن زياد اخذوا جثة مسلم و هانئ و صاروا يسحبونهما في الاسواق ثم ان ابن زياد قطع رأسهما و ارسلهما الي اليزيد مع هانئ بن جبلة الرداعي و الزبير بن الارواح و كتب يقول : الحمد لله الذي اخذ لامير المؤمنين بحقه و كفاه شرّ عدوّه و اعلم ايها الامير ان مسلم بن عقيل ورد الي دار هانئ بن عروة و وقعت عليه العيون فاستخرجتهما و الواصل اليك رؤسهما مع هانئ بن جبلة الرداعي و الزبير بن الارواح اليمني و هما من اهل السمع و الطاعة فاسألهما عما شئت و اوصهما بما شئت فان عندهما علما صادقا ثم امرهما بالمسير بالرؤس و المكتوب فساروا و لم‌يزالوا سائرين الي ان وصلوا دمشق و دخلوا علي اليزيد و سلّموا عليه و عرضوا عليه الرؤس و اعطوه كتاب ابن زياد فاخذه و قرأه و فهم معناه ففرح فرحا عظيما ثم دعا بدواة و قرطاس و كتب الي ابن زياد يقول : اما بعد ايها الامير فانك كنت كما احب و صلت كصولة الاسد و الآن قد بلغني ان الحسين خرج من مكة باهله و اولاده و عشيرته و توجه الي نواحي العراق فانت تسير اليه و تضيق عليه المسالك و لاتتوسد بوسادة و لاتشبع بزاد حتي تقتله و ترسل اليَّ رأسه و رؤس من معه ، ثم طوي الكتاب بعد ان كتبه و ناوله لقصاد بن زياد و خلع عليهم خلعا سنية ثم امرهم بالمسير فتوجهوا و لم‌يزالوا سائرين الي ان وصلوا الكوفة و دخلوا علي ابن زياد و سلموا عليه و اعطوه الكتاب فقرأه و فهم معناه و كتب الي الحسين عن لسان مسلم يقول فيه : بسم الله الرحمن الرحيم اما بعد يا ابن العم ان العراق قد طابت و اتت الينا بالسمع [ص 265] و الطاعة فعجل الينا و لاتتأخر و قلوب الناس معنا و هم متباشرون بقدومك فانهض و احضر الينا سريعا ، ثم ان ابن زياد طوي الكتاب و اعطاه لرجل من اهل الكوفة و قال اعمد به الي الحسين و ان لاقيته في الطريق او في المدينة او في مكة فاعطه له فقال سمعا و طاعة فاخذه و سار الي ان بقي بينه و بين المدينة مرحلة فصادف الحسين في يوم خروجه منها فلاقاه و كانت عصرية النهار فسلّم عليه و اعطاه الكتاب فقرأه و فهم معناه ففرح به فرحا شديدا ثم انزل من معه و قرأه عليهم ففرح به الجميع ثم امرهم الحسين بالاقامة في ذلك المحل بقية يومهم و ليلتهم و كان ذلك اليوم خامس عشر ذي الحجة فلما نزلوا اخذ خاطرهم قاصد ابن زياد و فارقهم في ذلك المحل و لم‌يزل سائرا في البراري و القفار آناء الليل و اطراف النهار الي ان اتي ابن زياد و اعلمه بخبر الحسين و انه فرح بالكتاب و عن قريب واصل الي الكوفة فقام ابن زياد في الوقت و ارسل الحصين بن نمير في الف فارس برصد الحسين و يسايره في الطريق الي ان يدخل الكوفة لئلا يسمع بخبر مسلم فيرجع و لايقتله فسار الحسين هو و من معه و لم‌يزل سائرا الي ان اتي القادسية و نزل بها .