بسم الله ال رحمن الرحيم

في بعض المؤلفات و لااعتمد عليه : روي ان فاطمة الكبري ابنة الحسين عليه السلام كانت مريضة يوم خروج والدها من المدينة الي العراق بعد ما ودّع جده و اخاه و امه فاطمة الزهراء عليها السلام و امر اخاه العباس بتجهيز الامور فلما اراد المسير تبعته فاطمة الي ظاهر المدينة و تعلقت باذياله و بكت و قالت يا ابي كيف تمضي عني و ابقي وحيدة فريدة و لم‌تأخذني معك و انا ضعيفة عليلة ذليلة و ليس معي من يونسني و كيف استقرّ بعدكم و أري منازلكم خالية منكم و لم‌ار فيها انيس و لا صديق و لا جليس ينادمني و يلاطفني يا ابي خذني معك فليس لي صبر علي فراقك و فراق عماتي و اخواتي و اخوتي خصوصا اخي الرضيع ثم بكت بكاءا شديدا حتي غشي عليها فلما رآها الحسين عليه السلام باسوء حال ذرفت عيناه بالدموع و اجمتع همّ الدنيا عليه و كثر فكره و ضاق صدره و رفع رأسه الي السماء و حرّك شفتيه و مدّ يده و اجلسها و هو مشغول بالبكاء و قال لها يا فاطمة اذهبي الي دارك [ص 205] و استأنسي بزوجك و ديارك و جوارك فاذا وصلت الي العراق ارسلت لك اخاك زين العابدين و يأتي بك الينا فطيبي نفسا و قرّي عينا فلما تيقنت فاطمة بالفراق و رأت اهلها علي المحامل فوق النياق و اباها الحسين عليه السلام يقدمهم و هي تراهم نادت وا اباه وا عماه وا اخاه قفوا للضعيفة العليلة حتي تتزود منكم و تقبّل اخاها و ترجع و هي تمشي و تعثر في اذيالها و هي تبكي و يبكي العدو علي حالها فلما سمع الحسين عليه السلام صراخ فاطمة و بكاها رجع الي عندها و التقاه و هو باكي العينين حزين القلب فوقف عندها و خاطبها بكلام لين و هو يقول لها ارجع ( ارجعي ظ ) يا فاطمة فاستعبرت و قالت يا ابي لاتلمني فقد خطر في بالي امر خطير و بقيت في همّ و تفكر و نفسي تحدثني باني مريضة و اني اخاف ان اموت قبل ان يأتيني اخي و يحملني اليكم و الآن اريد اودعكم و اتزود منكم و اقبّل اخي و ارجع منكم فبالله عليك يا ابي لاتكسر خاطري و مُنَّ عليَّ بحط الرحال بقدر توديعي مع الاهل و العيال ثم ارجع الي منزلي و اصبر حتي يحكم الله و هن خير الحاكمين قال الحسين عليه السلام لاخيه العباس ان حط الرحال و اشار الي فاطمة و قال امضي يا بنية و سلّمي علي اهلك و تودعي و تزودي من الطفل الفطيم فلما اقبلوا النساء لها بصراخ و نحيب و احسنوا معها التوديع فقالت ايتوني باخي الرضيع و اتوها به فلما رأته تغيّرت الوانها فمدت اليه يديها و ضمته و انحنت عليه و قبّلته و شمته ثم قالت للنساء امضوا سالمين بحفظ الله و يبقي اخي عندي استأنس به فلا صبر لي علي فراقه و اخاف عليه من هذا المسير و اخشي ان يتغير لونه فالوقت صيف هجير فاجابوها النساء و هن مختنقات بالعبران يا فاطمة ناولينا طفلنا فانه لايصبر علي [ص 206] فراق امه و اجتمعوا عليها و اخذوا الطفل منها و ساروا الي العراق طالبين و في قلوبهم نار الفراق فرجعت فاطمة الكبري و هي كئيبة حزينة الي ان دخلت المدينة فدخلت دارها و عددت ( عبرت ظ ) و ندبت و صاحت حتي ضعفت قوتها فاجتمعت عليها النساء فهجعوها و بقيت مدة طويلة و هي عليلة نحيلة و لما استوحشت من اهلها و ابيها و ذكرت ما به اودعها و واعدها كتبت لهم كتابا فيه سلام و عتاب ثم طوته و لبست ازارها و وقفت بباب دارها مع لمّة من جوارها فمر عليها اعرابي فسألته الي اين تريد يا هذا فقال اريد العراق قال فمدت فاطمة يدها و ناولته الكتاب و قالت يا اخا العرب اوصل هذا الكتاب الي والدي الحسين عليه السلام و قبّل يديه و رجليه نيابة عني و قل له ابنتك فاطمة تقرئُك السلام و هي بالانتظار الي اخيها و لم‌تعلم متي يأتيها فقال لها حباً و كرامةً لله و لك يا فاطمة فاخذ الكتاب و مضي يجد السير حتي وصل الي ارض كربلا فوجد الحسين عليه السلام فريدا وحيدا و هو ينادي يا قوم اما من ناصر فينصرنا ؟ اما من ذاب فيذب عنا ؟ فلم‌يجبه احد فدني منه الاعرابي وسلّم عليه و قبّل يديه و رجليه و استأذن منه و مضي الي حال سبيله بعد ما ناوله الكتاب فلما وصل الكتاب بيد الحسين عليه السلام و فهم انه من ابنته فاطمة الكبري توجه الي نحو المخيم و نادي باعلي صوته يا زينب و يا ام‌كلثوم و يا شهزنان و يا سكينة و يا رقية هلمّوا اليَّ فقد عظم المصاب و وردنا الكتاب فقمن اليه مسرعات و بالذيول عاثرات و قالوا له يا اخانا و يا ملاذنا اما المصاب فقد عرفناه فاخبرنا ما الكتاب ؟ فصاح عليه السلام و قال أبشركم بان ابنتكم فاطمة الكبري قد ارسلت اليكم كتابا و فيه مكتوب : بسم الله الرحمن الرحيم [ص 207] من الضعيفة العليلة الغريبة الذليلة فاطمة الكبري الي ابيها الحسين عليه السلام الف الف سلام و الف الف تحية و اكرام و بعد السلام علي عمي و عماتي و اخوتي و اخواتي خصوصا اخي الرضيع و بعد السلام علي اولاد العم الاماجد واحدا بعد واحد و بعد يا ابي كانّكم جفوتموني و من البعاد نسيتموني اين الذي به اوعدتموني ؟ فاني قد اشرفت علي الهلاك من كثرة شوقي اليكم و اعظم مما انا فيه فراق اخي فبالله عليكم الا شممتموه نيابة عني و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته و بعد السلام علي المحبين و الانصار و المجاهدين .

قال الراوي فلما فرغ الحسين عليه السلام من قرائة الكتاب ابتدر يبكي بالانتحاب و عظمت مصائبه و الاحزان و تغيّرت منه الالوان لان الذين كانت مسلّمة عليهم مقتولين و من ثيابهم مجردين و فوق التراب مطرحين سوي اخيها زين العابدين عليه السلام لانه كان مريضا و مرضه رفعهم عن قتله ثم طوي الكتاب و قال والله لابلغنّ سلامك يا فاطمة علي اهلك و اعمامك كرامة لك يا فاطمة ، مضي الي القتلي فاول ما وقع نظره علي جثة اخيه ابي‌الفضل العباس فجلس حوله و ناداه يا اخي و مساعدي ان ابنة اخيك فاطمة الكبري تقرئُك السلام ثم بكي حوله و مضي الي جثّة ولده الاصغر و سلّم عليه من لسان فاطمة و قال له يا ولدي ان اختك فاطمة الكبري تقرئك السلام و تستجفيك ثم وقف عليه السلام علي جثة ابن اخيه القاسم بن الحسن عليه السلام و سلّم عليه نيابة عن فاطمة و لما جائت وقفته علي الرضيع تحسر و خطر بباله ما اوصت به فاطمة حيث انها ذاكرة له في الكتاب يا ابي اوحشتموني خصوصا اخي الرضيع فسلّموا لي عليه و قبّلوه نيابة عني بوجنتيه فانكبّ الحسين عليه السلام علي ولده يقبّله و يطيل الشم و يبكي و يناديه يا ولدي بك افجعوني و بعد ذا يقتلوني فلما رأوه [ص 208] النساء ثاويا علي ولده اجلسوه و اخذوا الطفل منه و تنحوا به ناحية عن ابيه الحسين عليه السلام و وضعوه بينهم و احاطوا به و نصبوا العزاء و جددوا و اكثروا البكاء و النحيب و ندبوه حتي ضعفت قوتهم ثم قام الحسين عليه السلام و اخذ الطفل ما بينهم و حمله علي يديه ليضعه علي القتلي فغارت البنيات عليه و قالوا يا ابانا دعنا ننوح علي اخينا و نقبّله عن اختنا فاطمة الكبري .

قال الراوي فلما فرغوا من العزا و ركب الحسين جواده و تقلّد سيفه و مزق اثوابه لئلا يسلب منه فلما رأته النساء يمزق اثوابه تبادروا الي الخيمة لكي لايروه بحالة الذل و الهوان ثم انه عليه السلام غار علي القوم و غاص في اوساطهم فقتل منهم مقتلة عظيمة ثم رجع الي خيمة النساء و نادي يا زينب و يا ام‌كلثوم و يا عاتكه و يا صفية و يا شهزنان و يا سكينة و يا فاطمة و يا رقيه و يا رباب عليكم ( عليكن ظ ) مني السلام و بعد اوصيكم اذا قتلت و فجعتم بي و رماكم زمانكم الي المدينة مدينة جدكم فاقرأوا ابنتي فاطمة الكبري مني السلام و اخبروها بقتلي و قتل اولادي و انصاري و اهل بيتي و سلوها و لاتحزنوها. الي هنا نقلت ما نقلت بعينه و لااعتمد عليه و انا حسين بن جعفر الموسوي اليزدي .

بسم الله الرحمن الرحيم

في بعض المؤلفات و لااعتمد عليه و انا حسين بن جعفر الموسوي هذه قصة زعفران نقل ان الحسين عليه السلام نظر الي اثنين و سبعين رجلا من انصاره و اهل بيته صرعي علي الارض رجع الي الخيمة و التفت الي ولده علي بن الحسين و كان مستوجع عليه فقرّبه اليه و ادناه منه و قبّل ما بين عينيه و بكي بكاءً شديدا و بكي علي بن الحسين عليه السلام فقال الحسين عليه السلام يا ولدي انت اطيب اهل بيتي و عترتي و افضل [ص 209] ذريتي و انت خليفتي علي هؤلاء العيال و الاطفال فاوصيك بهم خيرا فانهم غرباء كرباء مكسورين مخذولين قد شملهم اليتم و الضر و شماتة الاعداء عليهم و نوايب الزمان يا ولدي سكّتْهم اذا صرخوا و انّسْهم اذا استوحشوا و سل خواطرهم بلين الكلام و عليك يا ولدي باللطف في حقهم و المدارات لهم فانه مابقي من رجالهم من يستأنسون به و يشكون اليهم ضرك (كذا) سواك فدعهم يشمّوك و تشمّهم و يبكون عليك و تبكي عليهم و نحن احتبسنا في سبيل الله و غداً ان شاء الله تعالي نتلاقي علي الحوض عند جدّنا رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم ، قال ثم انه نادي باخته زينب الكبري و قال لها ايتيني بالصندوق الذي فيه مواريث الانبياء فاتت به اليه فاخرج منه كلام الله و عمامة رسول الله (ص) و سيف علي بن ابيطالب عليه السلام ذو الفقار و قميص فاطمة الزهراء عليها السلام و قلادتها و الصحيفة التي فيها النص علي امامة الاثناعشر عليهم السلام و اعطي ابنه علي ما كان في الصندوق من مواريث الانبياء و آبائه و ما كان فيه من صلاح امور الدنيا و الدين ثم اخذه بيده و صاح باهل بيته و اخواته و بناته و قال يا ام‌كلثوم و يا زينب و يا رقيه و يا عاتكة و يا رباب و يا فاطمة اسمعوا كلامي و افهموا ( ما ظ ) اقول لكم فاني اوصيكم ان ابني خليفتي عليكم فاني راحل عنكم و مفارقكم عن قريب و هذا ولدي مفترض الطاعة منصوص عليه من الله تعالي فاسمعوا له و اطيعوا و ائتمروا بما يأمركم به فانه وصيي و خليفتي من بعدي و الائمة عليهم السلام من صلبه الي يوم القيمة ثم قال يا ولدي الله الله في شيعتك و موالينا و محبينا و عليك باللطف في حقهم و لُم‌ّ شعثهم و سدّ امورهم مهما قدرت فانهم مستضعفون فابلغ يا ولدي مني شيعتك السلام [ص 210] و قل لهم ان ابي الحسين عليه السلام قد مات غريبا و مات شهيدا و ابكوه فانه مات ظامي فروّدوه من قطرات مدامعكم الهامي فان في البكاء عليه و تجديد العزاء له فيه اجرا عظيما و ثواب جسيم ( ثوابا جسيما ظ ) قال ثم انه لبس لامة حربه و تقلّد بسيفه و اعتقل برمحه و اتي الي عياله و ذراريه و عبيده و جواريه يقبّلهم و يشمّهم واحدا بعد واحد و ودّعهم وداع الفراق و يزودهم بلفظ تنفطر منه الاسماع و الاكباد لمن سمعه و ماجت الخيام باهلها و ارتجت بهم الارض ارتجاجا عظيما كرجّة القيامة قال فلم‌تزل تلك النساء الضعفاء و الارامل النحفاء قد تعلقوا باذيال الحسين عليه السلام و هو يردّهم عنه و يعزّيهم علي الصبر فلم‌يصبروا و يعزيهم فلم‌يتعزوا و يسكتهم فلايسكتون فمنهن من تقول وا اباه و منهن من تقول وا قرة عيناه وا ثمرة فؤاداه و منهن من تصرخ وا اخاه و هذه تتعلق باثوابه و تنادي وا شقوتاه و هذي تحث التراب علي وجهها و علي رأسها و هذي ترمي برأسها عليه و هذي ترمي نفسها عليه تتعلق باكتافه و تقول لاتتركينا يا باعبدالله و هذي تقول اين تمضي عنا يا ابتاه و الحسين عليه السلام تارة يبكي رحمة لهم و تارة يمسح علي رؤسهم ، هذا و اوتاد الخيم و اطنابها و اعمدتها تصرخ الفراق الفراق ، هذا و اما ما كان من العليل علي بن الحسين عليه السلام لما رأي وحدة ابيه و قلة ناصره قام و هو يعثر باذياله و لبس لامة حربه و تقلد بسيفه و همّ بالخروج من الخيمة و قدماه و رجلاه ينحطبان من شدة المرض و الضعف فالتفت اليه ابوه فنهض قايما مسرعا له فاستقبله و ضمّه الي صدره و هو يقول مهلا مهلا يرحمك الله يا ولدي ارجع الي مكانك تريد ان تقطع نسلي و انا ارجوك يا بني ان تكون ذريتي و عقبي من صلبك [ص 211] و تكون خليفتي من بعدي فاذا انت قتلت خفيت انوار الائمة عليهم السلام و ضاع الدين و شتّت هذه الارامل و المساكين فبحقي عليك يا ولدي ان تترك هذا العزم الذي انت عازم عليه و ترجع و تأخذ بيد هذه العيال الضايعة و تصبروا علي قضاء الله و قدره و تلزم محرابك و عبادتك الي ان تصير الي ربك و تلحق بي و بجدك و السلام ، ثم اخذ بيده و ردّه الي مكانه و انكب عليه و بكي بكاءً شديدا و هو يقول يعزّ عليَّ فراقك يا ولدي ثم اشار الي اهل بيته جميعا و قال السلام عليكم و رحمة الله و بركاته و هو يقول ودعتكم الله يا اهل بيتي لقد حان الرحيل و الفراق و خرج من الخيمة و كان آخر ما خرج و آخر ما رأوه اهله .

قال الراوي فلما خرج الحسين عليه السلام من الخيمة انكسرت و تنكست الخيم حزنا علي مفارقته وتقطعت اوتادها اسفا علي مصابه و خرجت قلوب اهل العباء و حلت الظليمة علي اهل الخيم و ثار الغبار و اليتم في وجهه و في وجه تلك الايتام و تبكي علي وحدته و نادت باعلي صوتها و قالت يا عدل يا حكيم انت تنظر و تري هذا الحسين ابن بنت نبيك يبكي بين الاعداء وحيدا فريدا لا ناصر له و لا معين قد قتلت انصاره و قل نصيره و ءاذن لنا يا ربنا في نصرته كما اذنت لنا في نصرة جده و ابيه لعلنا نفوز بالرحمة و الشهادة بين يديه فاتاهم الاذن من الله تعالي و نزلت ملائكة السماء افواجا افواجا حتي ملئوا الارض و نادوا يا حسين لقد ارسلنا الله تعالي لنصرتك و انا لما رأيناك وحيدا فريدا بين هؤلاء الطايفة الملاعين فاستأذنّا و اشتغلنا الوجد عليك عن العبادة فاذن لنا يا مولاي لعلنا نفوز بالشهادة بين يديك فبكي الحسين عليه السلام و قال يا ملائكة ربي اذا انتم قتلتم اعدائي فمن [ص 212] يكون ساكن ارض كربلا و قد اختار ها الله تعالي لي معقلا و قد جعلها لشيعتي و انصاري و زوّاري فنصرتكم الاستغفار لزوّاري و وفّاد قبورنا و المقيمين عزاءنا و الباكين علي مصابنا و الباذلين امولهم في محبتنا قال فصعدت الملائكة الي السماء و هم يبكون عليه و يدعون علي قاتله و يستغفرون لشيعته و محبيه .

و قد نقل آخر انه لما كان الحسين عليه السلام موقفه بكربلا اتته سبعون الف ملك و في ايديهم حراب من نار فطلبوا ان يأذن لهم لنصرته فلم‌يأذن لهم فهم عنده غبر شعث الي ان يقوم المهدي ، صدور اشعارهم ينادون يا لثارات الحسين عليه السلام قال فلما صعدت الملائكة الي السماء فاذا بغبار قد علي و ارتفع الي عنان السماء فسودت ارض كربلا و هبت ريح سوداء مظلمة و صار النهار كانه الليل المظلم و لم‌يعلموا ما الخبر و اذا قد خرج من تحت ذلك الغبار فارس غرقان في الحديد و هو يركض كالشهاب اذا انقض و قد ارتجت الارض من ركضته و ارتعدت فرايص العسكر من هيبته و بقي مقبلا حتي وصل الي سيدي و مولاي الحسين عليه السلام فانحطّ عن فرسه عجلا و انكبّ علي ركاب الحسين عليه السلام و هو يقول السلام عليك يا سيدي و هو يبكي فقال الحسين عليه السلام انت ايها السعيد الذي سلّمت عليَّ في هذا الوقت الذي لم‌يسلّم عليَّ فيه احد غير الانبياء و المرسلين و الملائكة المقربين فمن انت و من تكون ؟ فقال انا مولاي من محبيك و شيعتك و مواليك انا امير الجن في بئر ذات العلم و قد اسلمت مع قومي علي يد ابيك امير المؤمنين عليه السلام و قد جعلني اميرا عليهم و نحن لله الحمد من بركاتكم من اهل الاسلام و الايمان و اني كنت في هذه الساعة نائما فرأيت اباك امير المؤمنين عليه السلام و هو متغيّر اللون مغبرّ الوجه و قد غيّر التراب جبينه و لحيته و [ص 213] هو يبكي و دموعه تجري علي خديه و هو لابس ثياب السواد فتطرق بطرف عمامته فاقشعرّ من رؤيته جلدي و تزلزل قلبي و طار لبي فقلت له يا مولاي فدتك روحي و مالي و قومي مالي اراك متغيّر اللون فبكي زعفران و بكي الامام و قال يا زعفران ألم‌تعلم ان هذه الساعة ولدي الحسين عليه السلام في ارض كربلا ء وحيدا فريدا و قد قتلت رجاله و انصاره و هو هذه الساعة واقف في الميدان و قد حف به سبعون الف فارس و راجل من كلاب بني امية و الكل يريد قتله و هو يستغيث فلايغاث و يستجير فلايجار و ينادي فلايجاب فان كنت يا زعفران صادقا في محبتنا فبادر الي ولدي لتعينه و تنصره فانتبهت من نومي فزعا مرعوبا و صحت في قومي و جمعتهم و قصّيت عليهم رؤياي و ذكرت لهم قصتك فقالوا سمعا و طاعة فركبنا في سبعين الف فارس و أتينا لنصرك و ها هم يا سيدي وقوف تحت هذا الغبار فاذن لنا يا مولانا لنفوز بالشهادة تحت ركابك العالي فبكي الحسين عليه السلام و قال جزاك الله افضل الجزاء يا زعفران و لكن انتم اهل تخوم الارض و هم في صور غير صوركم و انتم ترونهم و هم لايرونكم فكيف ارضي اقاتلهم بعسكر لايرونهم هذا بعيد من انصافنا فقال يا مولانا ان امرتنا نتصور بصورهم لفعلنا و قاتلناهم فقال الحسين عليه السلام يا اخا الجن ان الله تعالي منّ علي شيعتنا و محبينا و موالينا اهل البيت عليهم السلام و جعل في شهادتي اجرا عظيما لشيعتنا و محبينا فانهم يحزنون لمصابنا و يبكون علي ما اصابنا حزنا علينا و يبذلون اموالهم في اقامة العزاء علينا و يخرجون من بيوتهم و مساكنهم لزيارتنا فينالون بذلك اجرا عظيما و لايحصل ذلك الا بحصول الشهادة فلاجل هذا رضيت بالسيوف و شرب الحتوف و رغبة في ثواب الله لشيعتنا قال فانصرف زعفران و من معه و هم محزونون يبكون علي ما يصيب الحسين عليه السلام . [ص 214] الي هذا نقلته و لااعتمد عليه و انا العبد حسين بن جعفر الموسوي اليزدي نقلته كما وجدته .

بسم الله الرحمن الرحيم

في بعض المؤلفات و لااعتمد عليه و انا المذنب الراجي حسين بن جعفر الموسوي اليزدي : روي انه لما سقط الحسين عليه السلام علي الارض و قد اثخن بالجراح فلما سال دمه علي ارض كربلا اضطربت الارض و ارتجت و ماجت باهلها و صار الدم يغلي بها كما يغلي المرجل علي النار و صار لها حنين و اصوات و لجوانبها رعيد كرعيد الرعد العاصف و ثار لها غبار حتي اظلم النهار و صرخت الملائكة من السماء و تنادي بان الجن من تحت اطباق الثري و تزاعقت اهل القبور و ظنوا انه نفخ في الصور و قدّت الشمس جبينها و لبست برقع الحزن علي رأسها و زلّ القمر عن منزلته من شدّة جبنه و تساقطت النجوم من السماء و انقلبت الافلاك علي الوري و تلاطمت امواج البحار و دهشت الوحوش بالفلا و ارخي جبرئيل رأسه بين ركبتيه و اشتغل اسرافيل عن ضبط الغيوث و صارت السماء ترمي حجارا و عزف و صفّت الاطيار اجنحتها في الهواء و تناثرت اوراق الاشجار مسبحة لربها و سمعت الوحوش اصواتا موحشة و امتنعت عن الرعي و بهتت الخيول و صفت آذانها و بقيت تتجاول في خبيبها و تقطع ارشامها و اما فرس الحسين عليه السلام بقيت تجول و تصهل و تخوض في العسكر يمينا و شمالا و تنتحب كما ينتحب الآدمي و تلطم خدودها بيديها و تتعفر في التراب و تعض لسانها باسنانها و مدامعها تجري علي خدّها حتي اتت الي الحسين عليه السلام و اذا هو يخبط بيده و رجليه فاتت اليه و وضعت صدر فمها علي صدره الشريف و هو تشمه و تمرغ خدّها بدمه الزاكي ثم تدور عليه من رأسه الي رجليه و تصهل صهيلا عاليا فلما رآها الحسين عليه السلام و هو علي هذا الحال بكي بكاءاً شديدا رقّة و شفقة [ص 215] عليها و اشار اليها بصوت ضعيف فاتت و بركت الي جانبه فمد يده اليها و بقي يمسح عليها و علي وجهها و عرفها و ينفض عنها التراب و هو يقول يا فرس لاتخافي و لاتحزني يا فرس فلايركبك الا امام معصوم من ولدي و ذريتي و نسلي ثم اخذ سيفه و درعه و ما كان معه من الهياكل و الادعية التي في عضده و قوسه و كنانته و وضعه علي قربوس الفرس و شدّ عليها بمنطقته و قال يا فرس قومي هذه الساعة و جهدي نفسك و امضي علي هذا الطريق و سيطوي الله لك البعيد قريب فتأتي الي جزيرة في آخر الدنيا و صفتها كذا و كذا فخذي الاسلحة و هذه الاغراض و ضعيها في المكان الفلاني منها لتبقي الي ولدي فانه لايأخذها غير صاحب العصر و الزمان قائمنا آل محمد هو الذي ينتقم لي من اعدائي و يأخذ بثارنا اهل البيت عليهم السلام فاذا وضعتيها فارجعي في طريقك فاذا وصلتني ستريني قتيل و نزح ( نزع ظ ) رأسي عن جسدي فاطلبيني بين القتلي فاذا رأيتني قتيلا و قد كثرت في جسمي الجراحات و بقيت اعودت النبال و اسنة الرماح في جسدي النحيف فلما قصدتني تمرغي بدمي و خضبي وجهك و ناصيتك فاذا تودعتني من زيارة جسدي فاقصدي الي الخيام لتخبري بقتلي و غربتي من اهلي و اولادي و عيالي فاذا وصلتي الي الخيام نادي يا ايتام الزمان قوموا فقد حل بكم الذل و الهوان اخرجوا فقد قتل ابوكم الحسين عليه السلام و اشتعلت في بيوتكم نيران البين كاني بكم منشرات الرؤس و الجعود و كاني باطفالكم مربطة بالحبال و القيود . الي هنا وجدت ما ذكرته و لااعتمد عليه و انا العبد المذنب حسين بن جعفر الموسوي اليزدي .

[ص 216] بسم الله الرحمن الرحيم

في بعض المؤلفات و لااعتمد عليه و انا حسين بن جعفر الموسوي اليزدي : روي الثقات الاخيار ان يوم قتل الحسين كانت الزهراء جالسة في الجنة و معها الحور العين فاذا هي تري الجنة متكدرة و ضياؤها مغيّر و تري نور الجنة مايلا الي الحمرة في كل مكان من الجنة فتعجبت فاطمة الزهراء عليها السلام من ذلك عجبا شديدا فقالت مالي اري هذا اليوم نور الجنة متغير و ضياؤها متكدر وا عجباه من هذه الحمرة و الظلمة و هو لايكون الا لامر عظيم فلقد غضب الرب الجليل فجعلت تنظر في الجنة فرأت مريم ابنت عمران فقامت و اذا هي تنظر في الجنة فاذا هي تري طيرا ابيضا صافي البياض متلطخا بدم قان و هو يحنّ و يأنّ من قلب حزين و هو يسيل الدموع و ينادي في قلب الجنة سبحان من لايعجل في الانتقام علي قاتل الحسين ثم ينادي وا اسفاه عليك يا ابن امير المؤمنين وا فجعتاه يا ابن فاطمة الزهراء وا حسرتاه عليك يا اباعبدالله نفسي لنفسك الفداء روحي لروحك الوقاء يا ريحانة محمد المصطفي و يا نسل علي المرتضي فلما سمعت فاطمة ذكر ولدها قربت الي ذلك الطير قالت له بحرقة قلبها سألتك بالله الذي خلقك الا ما اخبرتني عن هذه القصة و الرزية العظيمة و هي باكية العين حزينة القلب و قالت له اخبرني لاني بنت سيد المرسلين فرفع رأسه اليها فلما عرفها انها فاطمة الزهراء ازداد حنينه و بكاؤه و ضرب بجناحه علي رأسه و صاح باعلي صوته وا سيداه وا اماماه وا شقوتاه وا مقتولاه اعلمي يا فاطمة الزهراء ان ولدك الحسين اصيبت بمصيبة مااصيب به احد من جميع الاقطار يا فاطمة رأيته في كربلا جثة بلا رأس و قد ذبحوه كما تذبح الشاة و هو مكبوب علي حر وجهه في الفلاة تصهره الشمس لا له ستر عنها و لا رمس و بنيه و بني ابيه و اهل بيته مجزرين كالاضاحي علي [ص 217] الرمال و هم علي طروس و قد اخذت منهم الرؤس و اخذوا بناته و اخواته و نساءه سبايا علي اقتاب عراة بلا ستر و لا حجاب يهدي الي اشر الناس ليس لها شفيق من غير كافل و لا انيس لاتسكن لها عبرة و لاتقطع لهم حسرة مجردة الاكتاف لا لهن ستر و لا لحاف غير ظلام الليل و لا قوتهم الا النياحة و العويل و هم يستغيثون بجدهم المرسل و بابيهم علي المرتضي و هن مربطاة بالحبال قد اضرهم المسير و اعنف بهم حرّ الهجير و لو رأيت السجاد الزاهد مركب علي جمل ادبر لايحسن عليه الركوب و هو مقيد مغلغل مكروب ثم ان الطير حنّ و انّ و انتحب نحيبا عاليا من قريح فؤاده و كثر عليه غرامه ثم انشأ يقول ● :

بالله يا فاطم الزهراء لو نظرت عيناك ما صابهم من فعل ارجاس

و لو نظرت الي جسم الحسين لقا في كربلا و هو جثمان بلا رأس

لهفي له عاريا بالطف وا اسفا عليه منقلبا بالخيل ينداس

و لو نظرت ايا زهراء لحالته و شيبه من دماء اوداجه كاسي

و لو نظرت لجسما ضل منعفرا و الشمس تصهره بين ارجاس

قد ضل في كربلا و الريح سافية و نوره قد اضا في حندس الماسي (كذا) [ص 218] 

قال الراوي ثم ان فاطمة الزهراء سمعت هذا المقال من ذلك الطير و البكاء و الحنين صرخت صرخة و غشي عليها فلما افاقت من غشوتها نادت بعالي صوتها وا ولداه وا ثمرة فؤاداه وا مهجة قلباه وا حسيناه وا اباعبدالله فجاوبتها الملائكة و الحور و مريم بالصراخ و النحيب ثم انها اهوت الي جيبها و قدته و القت قناعها من رأسها و رفعت يدها الي ربها جل و علا و قالت يا من هو بالمرصاد و يعلم بكل شيء تعلم ما فعل بولدي و ما لقي من اهل الكفر و العناد فارتجت السماوات و الارضين من كلام فاطمة الزهراء و اذا النداء من العزيز الجبار يا فاطمة طيبي نفسا و قرّي عينا اني انا الله لا اله الا انا و عزتي و جلالي لاعطينّ ولدك الحسين رضاه و لاعوضنه بشفاعته علي من اراد و احب من شيعته و قسمت الجنة و النار في ايديكم فاَدخلوا الجنة من اردتم و ادخلوا النار من اردتم و لاشفعنكم فيمن اردتم و لو كان ذنوبه تعادل اهل الثقلين و لاعلين منزلته عندي مع منزلته عندي مع جده رسول الله صلي الله عليه و آله و لاجعلن من ذريته خلفاء في ارضي و اجعلهم الوارثون في ملكي دون خلقي و لاعوضنه بما فعلته امة جدّه و لانتقمنّ من اعدائه اجمعين يا فاطمة اني تكرمت علي ولدك بتحريم شيعته علي النار خصوصا المقيمين عزاءه و الزايرين قبره و الباكين عليه ، مااجتمع احد منهم في مجلس او غيره يذكرون مصيبته و يبكون عليه الا حرمت النار علي صاحب تلك الدمعة و لااقشعر جلد احد منهم في مصيبة ولدك الحسين عليه السلام الا جعلته في اماني ، يا زهرا فطوبي لمن احبّكم و الويل لمن ابغضكم و عاداكم فتنفست صعداء و انّت كمدا و قد انجلي بعض الحزن الذي في قلبها و قالت لك الحمد و لك الشكر علي ما اعطيتني ، يا رب اسألك الوصول الي جسد [ص 219] ولدي الحسين عليه السلام فعند ذلك امر الله تعالي مريم ابنت عمران و حواء و سارة و آسية و جميع الحور العين ان اهبطوا الي الارض مع صفوتي فاطمة الزهراء عليها السلام و ساعدوها علي ولدها الحسين عليه السلام فاني اعددت للمقيمين عزاءه ما لا عين رأت و لا اذن سمعت و لاخطر علي قلب بشر فقامت فاطمة الزهراء و الحور و نساء النبيين معها و لاتت خمارها علي رأسها و بكت بكاءا شديدا و تقصد علي الحسين تقول ● :

لهفي علي ولدي بالطف منعفرا علي التراب عفيرا الا وا ولدي

اين النبي ابي يأتي اليك يري كيف العداء فعلوا بالجسم وا ولدي

صُبّت عليَّ مصيبات المنون اسا في وسط قلبي بذبحك آه وا ولدي

من ذا يساعدني بالنوح في ولدي علي الذبيح الذي في الطف وا ولدي

قوموا لمحزونة و الحزن انحلها تبكي علي من قتل في التراب وا ولدي

كل الرزايا و ان جلت رزيتهم تسلي و رزؤكم في القلب وا ولدي

يا ليت حيدرة ينظر مصابكم فيكشف الكرب عنكم آه وا ولدي

وا حسرتا عليكم و اضنا كبدي علي الشهيد رهين البطش و الجلد

ملقي طريحا بلا غسل و لا كفن و لا حنوط و لا نعش و لا لحد

و الرأس في عالي الخرصان مرتفعا يزهو كبدر الدجي في التم وا ولدي [ص 220] 

قال الراوي ثم انها قامت باكية العين حزينة القلب و هي يغمي عليها ساعة و تفيق اخري و هي تنادي وا ولداه وا مهجة قلباه وا ثمرة فؤاداه يا بني قتلوك اتراهم ماعرفوك و لاعرفوا من جدك و ابوك و من الماء منعوك و للمنايا و الغصص جرّعوك و من بعدنا استفزوك و مااعانوك و ذا دأبها الي ان وصلت الي سماء الدنيا و اذا بجبرئيل عليه السلام و معه قنديل من الملائكة قد اقبلوا من كربلاء و هم شعث غبر و قد اغمروا اجنحتهم من التراب و قد صبغوا رؤسهم من دم الحسين عليه السلام و الوانهم متغيرة من كثرة البكاء و اثر الحزن في وجوههم ظاهر فلما رأت فاطمة الزهراء الي جبرئيل علي هذه الحالة بهتت و حارت و قالت يا جبرئيل ما لي اراكم علي هذه الحالة و انت متغير الحال و انه منزوح التاج ناحل البدن و التراب علي رأسك فقال جبرئيل يا فاطمة الزهراء نزلنا لزيارة الحسين عليه السلام فرأيناه في كربلا قتيلا و هو جثة بلا رأس و الرياح سافية عليه فاقمنا عليه الماتم المقرحة للاجفان بالنوح و الاحزان و بقي عنده قنديل من الملائكة لايفارقونه الي يوم القيمة . فلما سمعت فاطمة الزهراء هذا المقال خرّت مغشية عليها فلما افاقت قامت و صرخت صرخة عظيمة من عظم دهشتها و نادت وا ولداه وا حسيناه وا ثمرة فؤاداه وا كربتاه وا مصيبتاه فبكي جبرئيل و الملائكة و الحور و نساء النبيين ثم التفتت الي جبرئيل و قالت له اين خلفت جثة ولدي و ريحانة فؤادي و سبط محمد المصطفي و نسل علي المرتضي و اين تركت نساءه و بناته و اطفاله و هي باكية العين حزينة القلب فضجت الملائكة بالتسبيح و التهليل و الثناء لله رب العالمين فقال جبرئيل عليه السلام يا فاطمة قد سبق في علم الواحد الخلاق انه يراكم علي هذه الحالة قالت يا جبرئيل من قتل ولدي الحسين عليه السلام ؟ قال [ص 221] جبرئيل يا فاطمة قوم يزعمون انهم من امة جدّه محمد (ص) لاانالهم الله شفاعته يوم القيمة ثم ان فاطمة بقيت تارة يغشي عليها و تارة تفيق ثم انها نادت يا ابي رسول الله انظر الي ما فعلت امتك بولدي قال جبرئيل عليه السلام انه في اعلي عليين فاذا الندا من الحق جل جلاله يا جبرئيل انزل انت و الملائكة مع فاطمة الزهراء الي الارض و عزّوها علي ولدها الحسين عليه السلام فنزلوا جميعا هذا و الزهراء تستغيث الي ربها الي ان وصلوا الي ارض كربلا و اذا هي موحشة مقفرة و الزهراء تنظر في عرصتها يمينا و شمالا فلما وصلت الي اول المعركة فرأت فيها انصار الحسين و هم مجزرين كالاضاحي علي الرمال و الرياح سافية عليهم و لم‌تر جسومهم و هي تخاطبهم و تقف عليهم واحد بعد واحد و تقول طوبي لكم من انصار و هنيئاً لكم من ابرار والله لقد فزتم بالجنة ذات القرار فبينما هي علي تلك الحالة اذ وقع نظرها علي طفل في المعركة فاتت اليه و اذا هو مذبوح من الاذن الي الاذن و مشدود بقماطه و ملقي علي وجهه في التراب و قد دفنه الرمل فأخذته و طرحته في حجرها و هي باكية العين و قالت يا جبرئيل ما هذا الطفل ما لي اراه مذبوح و مشدود بقماطه ؟ فقال جبرئيل هذا عبدالله بن الحسين عليه السلام و قد كضه العطش فاخذه الحسين عليه السلام الي نحو الاعداء لعلهم يسقونه جرعة من الماء فرموه نبلة فاصابته في نحره فذبحته من الاذن الي الاذن و مات من حينه و هو في حجر ابيه فاخذ من دمه و مسح به رأسه و لحيته و قال هكذا القي ربقي و انا مخضب بدم ولدي فشهقت شهقة في اثر شهقة و طرحته في حجرها و هي تمسح الدم و التراب عنه باردائها و هي تارة تشمه و تارة تبكيه و تقول فدتك جدتك يا ولدي اين عنك جدك و [ص 222] عمك ؟ قتلوك ظلما و عدوانا وا ويلتاه ثم وا حسرتاه وا مصيبتاه فحملته و هي تمشي به بين القتلي حتي نظرت جثة رجل تضيء و هي ناحية عن القتلي مكبوب علي وجهه و هو جثة من غير رأس و عريانا و قد غيّرته الشمس و الرياح سافية عليه و بدنه فيه جراحات عظيمة و يداه مقطوعتان من الزند فتعجبت فاطمة غاية العجب و هو ملقي قريبا من نهر العلقمي قالت يا جبرئيل و من يكن هذا الرجل ؟ قال هذا العباس بن امير المؤمنين فقالت ما لي اراه في حالة الضر من كثرة النبال و السيوف و الرماح ؟ قالت و ما هذه الركوة المعلقة في زنده و يداه مقطوعتان ؟ قال جبرئيل اعلمي انه لما نزل الحسين في هذا الموضع مع عياله و انصاره و نسائه و اطفاله و بنو امية احتووه علي الماء و سدوا الشرايع و المشارع علي الحسين و قد كضّهم العطش فنادي الحسين في جميع عسكره و انصاره من يأتي بالماء و لو شربة لهذا الطفل لان الظما احرق قلوبنا و السموم قد ايبس افئدتنا و افواهنا و قد وصل الهلاك فأتي العباس الي اخيه فاستأذن منه فاذن له فنزل نحو القوم و فرقهم عن المشرعة و ملأ ركوته ثم اغترف غرفة من الماء ليبل غليله فذكر عطش الحسين عليه السلام و اطفاله و عياله عطاشا لما كان ذلك فرمي الماء من يده و خرج من المشرعة و الركوة في كتفه الايمن فلما رأوا الملاعين الي ذلك احاطوا به من كل جانب و مكان فجاهدهم مجاهدة الابطال فقطعوا يده اليمني فشال القربة بيده اليسري فقطعوها فشال القربة باسنانه فرموه بنبلة فاصابت الركوة فاريق ماؤها و لم‌يزل يجاهدهم الي ان اثخنوه بالجراحات فقطعوا رأسه و علوه في قناة طويلة و بقي ملقا علي الرمضاء مرمل بدمائه فصاح يا اخي ادركني فاتاه الحسين عليه السلام و احتمله و طرحه في هذا المكان فلما سمعت فاطمة الزهراء نادت وا عباساه وا حبيب قلباه فاين عنك امير المؤمنين و اين عنك حمزة الهجوم و اين عنك اخيك المسموم فانشأت فاطمة الزهراء و جعلت تقول ● :

[ص 223]

مررت بارض الطف شفت العجايب رأيت بها القتلي من كل جانب

فلله كم جسم بها متعفّرا علي الارض ناحل و هو شاحب

و كم من دماء سائلات علي الثري لقد صبغ البيداء حتي الرحايب

تهب عليها غربها و دبورها و تبكي علي الاجساد سافي الترايب

ابوالفضل قد واسي اخاه بنفسه و ذاق حمام الموت من كل ضارب

فديتك مقتولا بكت مهجة العلي و تبكي عليها شرقها و المغارب

قال الراوي ثم ان فاطمة الزهراء قامت من جثة العباس فاذا هي تري جثة شاب مطروح ملقي علي الرمضاء و قد تسربل بالدم و يده مقطوعة و تخضب بدماه كالحناء و جميع بدنه مجروح قال جبرئيل هذا القاسم ابن ولدك الحسن عليه السلام قد زوجه الحسين بابنته سكينة في يوم القتال فما نال مراده و لاتهنا بعرسه فاحتضنته و هي تمسح الدم من وجهه و تندبه و تقول وا ولداه وا مهجة قلباه وا شاب ما تهنا بعرسه و قد علي منها البكاء و النحيب ، هذا و الحور العين تساعدنها فبينا هم في غاية الحزن علي القاسم اذ نظرت الي رجل شاب الي جانبه و نوره يتلألأ و قد غيرته الشمس و غيرت محاسنه و التراب ساف عليه فبقيت حيرانة لاجله قالت يا جبرئيل من يكون هذا الشاب ؟ فقال هذا علي بن الحسين عليه السلام فوقعت عليه تقبّله و تندبه وا علياه وا ولداه وا حرّ قلباه عليك يا نور بصري ثم انشأت تقول ● :

[ص 224]

اصيبت ذراري المصطفي بمصيبة تكاد لها شم الجبال تزول

فغادرهم ريب المنون فاصبحوا مذادون عن اوطانهم و طلول

غدوا فرقا في كل صعق و شرّدوا فمن بين مسموم و بين قتيل

و في كل ارض نضحة من دمائهم و تذري عليهم في الفلاة رمول

و حزني عليهم في الصباح و في المساء و قلبي عليهم لايزال عليل

قال الراوي ثم ان فاطمة الزهراء عليها السلام هاج علي قلبها الغرام من اجل انها لم‌تر جسد الحسين عليه السلام فقالت يا جبرئيل اين جسد ولدي ؟ فقال لها بين القتلي و اصابتها فجعة فقامت تمشي في عرصة كربلا فنظرت الي جثة من غير رأس و هو مكبوب علي وجهه و مسلوب من ثيابه و مضمخ بدمه و هو علي الارض و نحره يجري منه الصديد من حرارة الشموس فلما نظرت اليه و الي حاله خفق فؤادها و ارتعدت فرائصها و داخلها الخوف و الجزع قالت يا امين الله يا جبرئيل لقد نظرت الي القتلي فمارأيت مثل هذا المقتول و هو علي تلك الحالة و نوره يتلألأ فبكي جبرئيل فقال لها هذا جسد الحسين عليه السلام فلم‌تتمالك دون ان رمت نفسها عليه و قد غشي عليها ساعة من الزمان فلما افاقت انكبت علي نحره تقبّله و تقول وا ولداه وا ثمرة فؤاداه وا قلة ناصراه وا غربتاه وا وحدتاه وا مصيبتاه ثم خضبت مفرقها من دمه الشريف و هي تنادي يا ابي رسول الله و يا علي بن ابيطالب ماتنظر الي جسد الحسين عليه السلام و هو مرمل بدمائه ؟ فرأت في جسده ازهي من ثلاثة آلاف و نيف و ثلاثون جرحا فلاتت خمارها فجاوبتها الحور العين و الملائكة المقربين و نساء النبيين بالبكاء و النحيب و قد تزلزلت الارض و السماء من البكاء و النحيب و هي تقبله و تقول ● :

[ص 225]

فديتك مقتولا بعرصة كربلا جديلا علي قيعانها و مرمّل

و من حوله انصاره و حماته علي حنق ماتوا ظمآنا و قتلوا

فديتك لما مر مهرك عاريا له رنة نحو الخيام و يصهل

فديتك مسلوب العمامة و الردا و تعلو عليك الصافنات و تنزل

فديتك مثلول الجبين معفّرا و دمك في دم الوريد محضّل

و مقطوع منك الرأس ثم مركبا علي رأس رمح نوره يتهلل

و فاطمة الزهراء تبكي حبيبها و تنعي عليه و المدامع تنهمل

قال الراوي ثم ان فاطمة الزهراء قالت يا جبرئيل لقد اصابني همٌّ عظيم و حزن متزايد و غم من اجل ولدي الحسين عليه السلام و هو في كربلا غريب وحيد نازح عن الاوطان و ما له من يتمّ عزائه و يبكي عليه فقال جبرئيل يا فاطمة ان الله ينشئ له شيعة كراما مؤمنين يقيمون عزائه عليه و يزورون قبره في كل سنة فعند ذلك طاب قلب فاطمة من الهم و الحزن و قلّت من البكاء ثم قال يا جبرئيل ما جزاهم عند الله ؟ قال ان الله يدخلهم الجنة بغير حساب فعند ذلك قالت الحمد لله و الشكر لك يا رب والله اذا كان يوم القيمة لاوقفنّ علي باب الجنة و رأسي مكشوف فاسأل ربي ان ينتقم لي ممن قتل ولدي الحسين عليه السلام و الثاني ان يشفعني في المذنبين من شيعتي و اقسم علي نفسي ان لاادخل الجنة الا ان يدخلون معي و قد اعطاني ربي ذلك ثم ان فاطمة الزهرا ودعت جسم ولدها الحسين عليه السلام و انصاره و اهل بيته و رجاله و انصرفت مع جبرئيل و الحور و نساء النبيين و قيل انه جاء رسول الله صلي الله عليه و آله و دفنوا الحسين في هذا المكان و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم . [ص 226] انتهي ما اردت نقله و لااعتمد عليه و انما نقلته علي ما رأيت و العلم عند الله و انا حسين بن جعفر الموسوي اليزدي .

بسم الله الرحمن الرحيم

يقول حسين بن جعفر الموسوي اليزدي رأيت في بعض المؤلفات و لااعتمد عليه : روي ان الحسين عليه السلام لما غدروه اهل الكوفة و خذلوه و جعجعوا به و اخرجوه من مدينة جده بخدعهم و مكرهم حتي صار بين ايديهم في عرصة كربلا وحيدا لا ناصر له و لا معين هذا و الحسين عليه السلام ينظر الي اثني‌عشر رجلا من بني عمه و اخوته و بني اخيه صرعي علي وجه الارض رؤسهم مقطعة من رقابهم و اجسادهم منطلة مرمية و نحورهم دامية تسفي عليهم عواصف الرياح و الرمول و تدوسهم حوافر الخيول و الحسين له ثلاثة ايام ماذاق قطرة من الماء و نسوانه و اخواته و بناته يتهافتون من الظماء قد نشفت اكبادهم و يبست افواههم و عظم ذلك عليه و كبر لديه و صاح باعلي صوته و نادي اما من معين يعيننا اما من ناصر فينصرنا اما من ذابّ فيذبّ عنا اهل البيت ؟ فلم‌يجبه احد من الناس فاتي الي باب الخيمة و صاح باعلي صوته علي نسائه و قال يا زينب يا ام‌كلثوم يا سكينة يا رقية يا عاتكة يا رباب يا فاطمة يا شهزنان عليكن مني السلام فخرجن النساء من الخباء و شققن الجيوب و لطمن الخدود و اتين له و تصارخن في وجهه فسكّتهن الحسين عليه السلام و قال لهن اسكتن فان البكاء امامكن فدخلن الخيمة و تداعين بالويل و الثبور و عظايم الامور فسكّتهن الحسين عليه السلام و قال نحن اهل البيت صبورون علي البلاء و المصايب و لكن اوصيكم اذا انا قتلت فلاتشقّوا عليَّ جيبا و لاتخمشوا عليَّ وجها و لاتنشروا عليَّ شعرا و كانت سكينة بمعزل عن النساء فلما سمعت وصية ابيها طاحت مغشية عليها فلما افاقت من غشوتها شقّت جيبها و لطمت خدها و اخذت [ص 227] بيد اختها فاطمة الصغري و اتت بها الي ابيها و هي ترتعش من شدة الجوع و الظماء فناولته اياها و قالت يا ابتاه هذه ابنتك فاطمة الصغري قد اقلبت قلوبنا و كدرت علينا حياتنا و نغصت معيشتنا و زادتنا حزنا علي ما نحن فيه من كثرة بكاها و تضورها و من شدة عطشها و جوعها و ظماها فاخذه الحسين عليه السلام و ضمّها الي صدره و كان يحبها شديدا رحمة لها و شفقة عليها و قال لاخته زينب دني لي سلاحي و لامة حربي لابرز الي هؤلاء الكفرة الفجرة لعلّي اظفر بقطرة من الماء لهذه الطفلة الصغيرة لتروي قلبها و تبرد غليلها و ان انا قتلت فالله خليفتي عليكم فلبس لامة حربه و استوي علي متن جواده و دفعها الي عمتها زينب و دموعه تجري علي خديه و قال لبناته و حريمه ودعتكن الله فقالت له سكينة يا ابي ان تمكنت من الماء فلاتبخل علينا به فان الظماء قد احرق قلبي و نشف كبدي فانتحب الحسين عليه السلام و قال يا بنية ان اباك مثلك و اعظم منك قال ثم انه ودع اهله و عياله وداع من لايعود اليهن و همز جواده و طلب المعركة و ذب القوم عن عياله مخافة ان يهجموا عليهم في الخيمة ثم انه عليه السلام تلهف لهفات و تزفر زفرات متتابعات و انشأ يقول ● :

ودعتكم يا اهل بيتي خالقي ربي الهي سيدي ديانيا

رب كريم بالوري متكفّل ذو العزّ لايلهو و لاينسانيا [ص 228] 

اني غريب ظامئ في كربلا ما لي سواه ناصر يرعانيا

صرخت سكينة يا ابي وا وحشتي من بعد فقدك يا ابي ما حاليا

قال الحسين لها سكينة اسكتي اني ساقتل عاجلا بظمائيا

لاتحرقي قلبي بدمعك حسرة مادام مني الروح في جثمانيا

فاذا قتلت فانت اولي بالذي تأتينه يا خيرة النسوانيا

اني سارحل عن قريب عنكم و اذوق طعم الموت من اعدائيا

قال فبرز الحسين عليه السلام بنفسه الي الميدان و جعل يصادم الابطال و يدفع الرجال فقعدت سكينة علي باب الخيمة و جعلت تطيل النظر الي ابيها حتي غاب شخصه عن ناظريها فلم‌تر الا لمعان السيوف و بريق الاسنة فرفعت طنبا من اطناب الخيمة فثار الغبار و طار العجاج ما بين الحسين عليه السلام و اعدائه فلم‌تر الا جماجما تتساقط علي وجه الارض و رؤسا تتطاير في الهوي فقالت سكينة والله مايطلع ابي من هذه الوقعة الميشومة فقد خاب الظن و انقطع الرجاء ثم انها صاحت باعلي صوتها بعماتها واخواتها و قالت اخرجن الي هذا الفضاء فخرجن و صحن بها العطش العطش الجوع الجوع الظما الظما لعل ابانا ان يأتينا بشيء من الماء و يرانا بشخصه و ينظرنا بعينه و نراه سالما فتفرح به قلوبنا و تسترّ خواطرنا فبينما هن في تلك الحالة و اذا برجل مقبل من المعركة فقلن في انفسهن ان الخبر عند هذا الرجل فحققن الذي في يده و اذا هو حزام الحسين عليه السلام و هو يقطر من الدم فدخلن الخيمة و جعلت سكينة تلطم خدها و تصفع رأسها ثم انها شقت جيبها و صاحت وا غربتاه وا ضيعتاه وا كبر مصيبتاه فدخلت عليها عمتها زينب الخيمة و قالت يا سكينة هذا فرس ابيك الحسين عليه السلام قد اقبل فقومي فتلقيه فلعل عنده شيء من الماء فتشربين و تروين و يزول عنك العطش و الظماء فقامت و تلقته فلما تحققته فاذا هو خال من راكبه [ص 229] و سرجه مايل الي جانبه فصرخت صرخة عظيمة انقرع قلبها من عظم الصرخة حتي سمعها جبرئيل و هو في سابع سماء و رمت بنفسها علي الارض حتي غاب ذهنها و زال رشدها عنها و غشي عليها فلما افاقت من غشوتها صرخت و قالت وا ابتاه وا حسيناه الآن قد تحقق عندي عليك يا ابتاه لقد ضيعتني يا والدي وا ضيعتاه وا حسرتي عليك يا ابتاه وا غربتاه بعدك يا ابتاه فخرجن نساء الحسين عليه السلام من الخيمة و كل قابضة علي جيبها و قلن ما هذا الذي ترين يا سكينة قالت هذا فرس ابي و ابي ليس معه فنظر النساء الي المهر فاذا هو يحمحم و يصهل و سرجه قد انتكس فلطمن الخدود و شققن الجيوب و تداعين بالويل و الثبور و عظايم الامور و صحن و قلن وا محمداه وا علياه وا فاطماه وا حسناه وا حسيناه وا عباساه وا قاسماه وا عطشاه وا غربتاه وا ضيعتاه وا فجعتاه وا وجعتاه وا مصيبتاه وا ويلاه وا غوثاه وا عزاه وا حسرتاه وا قلة رجالاه وا انقطاع ظهراه وا بُعد مداه وا طول سفراه ، قال الراوي فاتي المهر و رمي بنفسه علي باب الخيمة و جعل يضرب الارض برجليه و يديه و يحن و يحمحم و ينشد و يقول ● :

جاء الجواد من المحامي خاليا وا ضيعة الايتام و الاطفال

وا ضيعة النسوان من اهل العبا من بعد فقد خليفة المتعالي [ص 230] 

قامت سكينة عاينته مجدّلا صرخت و شقّت جيبها في الحال

نادت بعمتها الا يا عمتا راح الكفيل لنا و راح الوالي

يا عمتا وا ضيعتا من بعده ضعنا و ضيعنا العزيز الخالي

يا عمتا ليت المنية لي دنت قبل الحسين و قد دني برحالي

يا والدي ضيعتني وا ضيعتي بعد المعزة صرت في الولوال

يا والدي ايتمتني و تركتني بين الاعادي لم‌تسل عن حالي

ودعتك الله المهيمن يا ابي يا سيد رأسي في الوري و ثمالي

قال الراوي ثم ان المهر قام و طلب الحسين عليه السلام ليزوره و يتودع منه فسارت زينب في اثره فلحقته سكينة فقالت زينب يا سكينة ارجعي فقالت سكينة يا عمتاه دعيني اتوصل الي ابي و اتزود منه و لو بنظرة واحدة فادلهن المهر علي الحسين عليه السلام فرأيناه في الرمضاء طريحا علي قفاه و الشمر جاث علي صدره و يرفسه برجله و يهينه بغير السلامة و قد حكم السيف في نحره فرمت زينب بنفسها عليه و ارادت ان تدفع الشمر عن اخيها فدفعها الملعون حتي كبها علي الارض فوقعت علي وجهها فاتت سكينة لترمي بنفسها علي ابيها فلطمها الشمر لطمة علي خدّها حتي نبع الدم من وجنتها و جري و سال من تحت قناعها فلم‌تزل زينب توعظه و تخوفه من الله و رسوله فاغتاظ الملعون منها و قلّب الحسين عليه السلام علي قفاه و مكّن السيف في نحره و جعل يهتزّ اوداج الحسين ، هذا و الحسين عليه السلام ينادي باعلي صوته يا جداه يا محمداه يا ابتاه يا اماه يا اخاه ادركوني ادركوني قبل ان يذبحني الشمر لعنه الله ادركوني قبل ان يجتز رأسي و يخمد انفاسي قال فلما سمعت سكينة شقشقة السيف في نحر ابيها هربت علي وجهها و لم‌تدر الي اين تتوجه و هي تصيح و تعثر في اذيالها فلحقتها عمتها زينب و قالت الي اين تمضين يا [ص 231] سكينة ؟ قالت الي اخي علي بن الحسين عليه السلام لاخبره بما جري علي ابيه من القتل والذبح فدخلت عليه و رأته و قد غارت عيناه في ام رأسه و بطنه قد لصق بظهره من شدة الجوع و العطش فاخبرته اخته سكينة بما جري علي ابيه فقام علي طوله و نطح برأسه عمود الخيمة فانزلع انفه و سال دمه علي وجهه كالمطعون الي الارض و صاح باعلي صوته وا ابتاه وا حرّ قلباه عليك يا ابتاه والله لقد انحلت عروة الاسلام و انهدم عمود الدين و ضاعت الفقراء و المساكين يا ربيع الارامل و الايتام فوالله لقد انهدم ركن من الاركان و انكسر غصن من الدوحة الاصلية و انقصمت العروة المحمدية و هاتت الدولة العلوية فوا حرّ قلبي عليك يا ابتاه وا وحشتي عليك يا ابتاه لقد ضيعتني و ايتمتني علي صغر سني ثم انشأ يقول ● :

بنو امية سامونا و ماهجعوا حتي لرأس ابن بنت المصطفي قطعوا

و صدره هشمته الخيل وا حزني بركضها و هو في الرمضاء منصرع

و طفله غاله سهم بمنحره لاذنه فبراه و هو يرتضع

يا ويلهم ذبحوا طفلا لفاطمة ابوه من لابن الزكي رضع

و ذبحوا فتية للطهر حيدرة لله كم سجدوا لله كم ركعوا