المقصد الثالث في الضرورة المذهبية و هي التي من انكرها او خالفها كان خارجا من المذهب و لا بد لك ايضا ان تعرف معقد الاجماع عليها و محلها من المذهب اي شيء فنقول ضرورة المذهب تشارك ضرورة اهل القبلة فيما به الاشتراك و تمتاز عنها فيما به الامتياز و الذي به الامتياز في الاصول و الفروع علي ما قررناه في مباحثاتنا انه من اصل الايمان لا الاسلام كاعتقاد عدل الله في كل شيء و القول بالمنزلة و ان كان المحقق لها كما ينبغي في اهل المذهب كالكبريت الأحمر و القول بالامامة و النص علي اميرالمؤمنين و اولاده الاحدعشر عليه و عليهم الصلوة و السلام و في معظم احكام الفرائض و الواجبات الي غير ذلك مما به الامتياز فاذا عرفت ذلك فاعلم ان ضرورة المذهب علي قسمين :
ضرورية ذاتية ابدية مايمكن رفعها و الخروج من تحتها ما دام التكليف موجودا كاعتقاد وحدانية الله سبحانه في المقامات الأربعة و اعتقاد عدله تعالي و حكمته في كل شيء و اعتقاد كماله المطلق من كل وجه و من كل حيث و اعتقاد عصمة الانبياء (ع) و حقية شرايعهم في وقتهم و اعتقاد ان محمدا (ص) خاتم النبيين و افضلهم عند الله و انه اكمل الخلق و افضلهم علي الاطلاق و اعتقاد ان شرعه الشريف ناسخ لجميع الشرايع و انه باق ببقاء التكليف و انه لا نبي بعده و ان آله و هم علي بن ابيطالب و اولاده الاحدعشر الذين اولهم الحسن و آخرهم الحجة ( بن الحسن خ ) المنتظر ( صلٰوة الله عليهم اجمعين خ ) هم خلفاؤه و الوارثون لمقامه و انهم من نوره و طينته و علي وصفه و شاكلته و انهم لا فرق بينهم و بينه في كل شيء الا انه نبيّ و هم اوصياؤه و ان لهم علي الرعية من الحقوق و الطاعة ما له صلي الله عليهم اجمعين و ان وليهم ولي الله و عدوهم عدو الله و ان الرادَّ عليهم في القول و الفعل و الاعتقاد كالراد علي الله و علي رسوله [ص 30] و هو الشرك بالله الي غير ذلك من حقوقهم عليهم السلام و ان نفس ما امر الله به من العبادات كالصلٰوة و الزكٰوة و غيرهما واجب علي كل مكلف و نفس ما نهي الله عنه كالزني و عقوق الوالدين و الفواحش كلها و الاثم اي الخمر و البغي حرام علي كل مكلف و ما اجمع عليه اهل المذهب و امتازوا به من غيرهم كحلية المتعة و بطلان العول و التعصيب و حرمة البدع المخترعة كصلوة التراويح و غيرها مما هو مخترع كله حق يجب علي كل مكلف الديانة به و من خرج عنه فهو خارج من المذهب فمثل هذا و نحوه هو معقد الضرورية الذاتية الابدية ما دام التكليف موجودا و لايمكن ان يتصور رفع مثل هذا النحو و ان كان يطرؤ عليه آناً فآناً زيادة توضيح و بيان و لاسيما في علم المعارف و النبوة و الولاية فالمنكر لشيء من هذا و نحوه او الراد لشيء منه او المدعي خلافه صريحا يكفّر و يفسّق من اول وهلة و لايجوز ان يقال له ما دليلك علي هذا او يسئل عن شيء من الدليل الا ان يقول انا مشتبه فازيلوا شبهتي فان حصل له من يزيل شبهته فذاك و الا وجب عليه التمسك بضرورة المذهب و الاعراض عن شبهته فان تركها و تمسك بضرورة المذهب و الا فهو خارج من المذهب يقينا بلا شبهة ،
و القسم الثاني الضرورة العرضية و هي الطارية علي ماهيات التكاليف الذاتية الاولي بسبب تغير الوضع الاولي و غلبة اهل الباطل و استيلاء اهل الجور و هي الاحكام الثانوية التي اشرنا اليها فيما تقدم التي وضعها الولي في دار الهدنة و جولة الباطل حفظا لنوع اوليائه و مواليه ما دامت الدولة للظالمين و داره في يد الغاصبين و هي منشأ الخلاف بين اهل المذهب و لا شك ان الخلاف غير مراد الله تعالي و لا مراد لرسوله و آله صلي الله عليهم اجمعين اولاً و بالذات لأن الراحة في الاتفاق من كل وجه و هو احد العلل الباعثة لارسال الرسل [ص 31] و انما كان مرادا ثانيا و بالعرض لاستيلاء اهل الجور و توقف حفظ النوع من موالي آلمحمد عليه و عليهم الصلوة و السلام كما صرّحت بذلك الاخبار و شهد به صحيح الاعتبار ففي فصل الخطاب نقلا عن البحار عن زرارة عن ابيجعفر (ع) قال سألته عن مسألة فأجابني قال ثم جاء رجل آخر فسأله عنها فأجابه بخلاف ما أجابني ثم جاء رجل آخر فأجابه بخلاف ما اجابني و أجاب صاحبي فلما خرج الرجلان قلت يا بن رسول الله (ص) رجلان من اهل العراق من شيعتك قدما يسألان فأجبت كل واحد منهما بغير ما أجبت به الآخر قال فقال يا زرارة ان هذا خير لنا و ابقي لنا و لكم و لو اجتمعتم علي امر واحد لقصدكم الناس و لكان اقل لبقائنا و بقائكم و قال زرارة قلت لابيعبدالله (ع) شيعتكم لو حملتموهم علي الأسنة او علي النار لمضوا و هم يخرجون عنكم مختلفين قال فسكت فأعدت عليه ثلاث مرات فاجابني بمثل جواب ( ما اجابني به خ ) ابيه و عن موسي بن اشيم قال دخلت علي ابيعبدالله (ع) فسألته عن مسألة فأجابني فبينا انا جالس اذ جاءه رجل فسأله عنها بعينها فاجابه بخلاف ما اجابني ثم جاء رجل آخر فسأله عنها بعينها فأجابه بخلاف ما أجابني و اجاب صاحبي ففزعت من ذلك و عظم عليّ فلما خرج القوم نظر اليّ و قال يا بن أشيم كأنك جزعت قلت جعلني الله فداك انما جزعت من ثلاث أقاويل في مسألة واحدة قال يا بن اشيم ان الله فوّض الي داود امر ملكه فقال هذا عطاؤنا فامنن او امسك بغير حساب و فوّض الي محمد صلي الله عليه و آله امر دينه فقال ما اتاكم الرسول فخذوه و ما نهاكم عنه فانتهوا و ان الله تبارك و تعالي فوض الي الائمة منا و الينا ما فوض الي محمد (ص) فلاتجزع و قال رجل لأبيعبدالله (ع) انه ليس شيء اشد علي من خلاف اصحابنا فقال (ع) ذلك من قبلي و قال رجل للصادق عليه السلام ربما دخلت المسجد و بعض اصحابنا يصلي العصر و بعضهم [ص 32] يصلي الظهر فقال أنا أمرتهم بهذا لو صلوا علي وقت واحد لعرفوا فاخذ برقابهم و قال الصادق (ع) في حديث من علم انّا لانقول الا حقا فليكتفي منا بما نقول فان سمع منا خلاف ما يعلم فليعلم ان ذلك دفاع منا عنه و قال ابوالحسن (ع) اختلاف اصحابي لكم رحمة و قال اذا كان ذلك جمعتكم علي امر واحد و سئل عليه السلام عن اختلاف اصحابنا فقال انا فعلت ذلك بكم لو اجتمعتم علي امر واحد لأخذ برقابكم الي غير ذلك من الاخبار فلاتغتر اذاً بمن ينكر الاحكام الثانوية و يقول انه ليس في البين الا الاحكام الواقعية الذاتية و الناس مكلفون بها لا غير و هذا الاختلاف من الانظار و اذا اختلف اثنان فالمصيب للحكم الواقع منهما واحد و الثاني مخطئ و حكموا علي انفسهم بالخطأ حتي سموا انفسهم بالمخطئة و انت اذا تأملت رأيت هذا القول باطل و عن حلية الاعتبار عاطل و انه لاتكليف لنا في أيام الهدنة الا بهذه الاحكام الثانوية و هذه الآثار و الأخبار التي في ايدينا فمن استفرغ وسعه في تحصيل دليل ما كلف به غير مسامح و لا مقصر اصاب ما كلف به البتة وافق الحكم الواقعي الاولي او خالفه لانه غير مكلف به مادام الملك ظاهرا للظالمين و البلد للجبارين و انما هو مكلف بما في يده من هذه الآثار فكل من عمل بها من حيث أمر فهو مصيب لا مخطئ و الا كان ذلك تكليفا بما لايطاق بل تكليف بالمحال اذ لا سبيل له الا من هذه الآثار و بسط المقال في هذا المقام الذي خفي علي الاكثر محل اليق من هذا فاذا عرفت ذلك فاعلم ان هذه الاحكام انما عرضت بسبب التقية علي نوع الموالين و المجارات للظالمين في دار الهدنة و هذا السبب منه نوعي و منه شخصي و هو موقت بلا شك و تلك الاحكام الثانوية مغيأة به ( و مقيدة به خ ) فكل سبب رفع لمضي وقته يرتفع الحكم المقيد به لانه هو السبب في عروضه كما تري [ص 33] بالوجدان ان كثيرا من المسائل كان مجمعا عليها في الصدر الأول و الآن الاجماع علي خلاف ذلك الحكم و لا شك ان ذلك الاجماع في وقته حق و هو حجة علي اهل ذلك الوقت لوجود المقتضي و تري كثيرا من المسائل الدينية علي العمل بها مشهور اهل المذهب و الآن الشهرة علي العكس و تري كثيرا من المسائل الدينية ذات قولين في الزمن الأول و الآن تحقق الاجماع عليها و هذا النوع مما ذكرنا وقوعه كثير في المذهب و منه ما يتعلق بالاصول و منه ما يتعلق بالفروع كما لايخفي علي الفطن المتتبع المتيقض و اياك أن تقول كما يقوله اهل الظاهر سكنة البر و اهل الوبر أن أحد القولين اذا انقرض يكون انقراضه دليلا علي فساده أو أن الاجماع علي مسألة في الزمن السابق اذا خلفه اجماع في الزمن اللاحق و كان علي خلاف معقده يكشف ان ذلك الاجماع لميكن محققا فان ذلك زور من القول و تقوّل صاحبه بما لايعلم بل انقراض ذلك القول و انحلال معقد ذلك الأجماع لانقضاء السبب الذي كان من أجله ذلك الحكم لذلك القول و ذلك الاجماع لأنه في عروضه مقيد به فاذا زال زال و قد كان ذلك الحكم لوجود ( ذلك خ ) السبب المقتضي له حقا لا باطلا و صحيحا لا فاسدا و كان حجة في زمانه من جملة حجج الله علي اهله فافهم فانه قلّ من نبّه علي هذا و هو الحق الذي لا مرية فيه عندي و ان افتريته فعليّ اجرامي و انا بريء مما تجرمون فهذه الاسباب الموجبة لهذه الاحكام الثانوية و الموجبة لهذا الاختلاف الموجود في الفتاوي ترتفع تدريجا و سوف ترتفع بالمرة و يرتفع بسبب ارتفاعها الخلاف و الشقاق و يأتي الوفاق و الاتفاق و ذلك اذا نعب الغراب و صاح الديك و ظهر الفجر الصادق بالحق المطابق ففي رسالة مولانا الصادق (ع) و روحي فداه الي زرارة فلايضيقن صدرك من الذي امرك ابي عليه السلام و امرتك به و اتاك ابوبصير بخلاف الذي ما امرناك به فلا والله ماامرناك و لاأمرناه الا بأمر وسعنا و وسعكم الأخذ به و لكل ذلك عندنا تصاريف و معان [ص 34] توافق الحق و لو أذن لنا لعلمتم ان الحق في الذي امرناكم فردوا الينا الأمر و سلموا لنا و اصبروا لاحكامنا و ارضوا بها و الذي فرّق بينكم هو راعيكم الذي استرعاه الله خلقه و هو اعرف بمصلحة غنمه و فساد امرها فان شاء فرّق بينها لتسلم ثم يجمع بينها ليأمن فسادها و خوف عدوها في آثارها فان اذن الله يأتيها بالأمن من مأمنه و الفرج من عنده عليكم بالتسليم و الرد الينا و انتظار امرنا و أمركم و فرجنا و فرجكم فلو ( فلو قد خ ) قام قائمنا و تكلم متكلمنا ثم استأنف بكم تعليم القرآن و شرايع الدين و الاحكام و الفرايض كما انزل الله علي محمد (ص) لأنكر اهل البصائر فيكم ذلك اليوم انكارا شديدا ثم لم يستقيموا علي دين الله و طريقته الا من تحت حد السيف فوق رقابكم الي ان قال بعد كلام في المسائل فلذلك عندنا معان و تصاريف لذلك ما يسعنا و يسعكم و لايخالف شيء منه الحق و لايضاده و الحمد لله رب العالمين فانظر رحمك الله الي هذا الحديث الشريف نظر منصف متبصر ثم انظر هل تجد في كلامي له مخالفة و ان ما في ايدينا من الاحكام اليوم احكام ثانوية لتغير الوضع الاولي لغلبة الجور و اهله علي الحق و اهله كما قدمنا سابقا و انه لا بد من رفعها عند تقضي وقتها و انه اذا قام قائمهم و تكلم متكلمهم و استأنف بالناس تعليم القرآن و شرايع الدين و الاحكام و الفرائض و رجع الأمر كما كان يوم نزول الدين و انه ينكر عليه اهل البصائر و لا شك ان اهل البصاير من صنف العلماء و المفروض انهم ينكرون عليه أشد الانكار و لولا انهم تحت حد سيفه روحي فداه لافتوا للعامة بقتله كما تظافرت بذلك الاخبار و ما ذاك الا انهم يعتقدون انما في ايديهم من الضروريات و قد جاءهم بخلافه و لو تفطنوا ان ما في ايديهم من الضروريات انما هو من الاحكام الثانوية و هي في معرض الزوال لما انكروا عليه لانه لايأتي بدين مستأنف غير الدين الذي نزل علي جدّه صلي الله عليه و آله [ص 35] من السماء او يرفع هذه الواجبات كالصلوة و الزكوة و انما يرفع الاحكام الطارية ( الصارمة خ ) بسبب دولة الباطل و يأتي بالاحكام الاولية الواقعية الذاتية فافهم فقد نبهتك علي سر ( امر خ ) عظيم و فتحت لك في المسألة ان كنت من اهل المدينة قريبا و لمتكن رستاقيا غريبا بابا ينفتح منه الف باب فاذا عرفت ذلك و تبينت ما هنا لك فاعلم ان ضرورة هذا المقام في معرض التغيير و التبديل لكونها مترتبة علي حكم ثانوي هو في معرض الزوال كذلك فاذا رأيت او سمعت شخصا قال بخلافها فلايجوز لك المسارعة الي تكفيره و تفسيقه فلعل لقوله حجة و لعل وقت ذلك الحكم الذي عليه هذه الضرورة قد انقضٰي بسببه و أن هذا القول من القاء صاحب المذهب و حارسه فتكون في الواقع رادا عليه من حيث لاتشعر كما رأينا وقوع ذلك في المذهب كثيرا و بالجملة لايجوز لك المسارعة الي تكفيره او تفسيقه بل يجب عليك التأمل حتي تري الكفر فيه عيانا كما رأيته في سائر الفرق المفارقة للحق او تري حق ما قاله فيجب عليك الأخذ به و لاتخدعك نفسك ان هذا الشخص صاحب هذا القول مبدع و انه قد ابدع في الدين و امّٰا ( أتي خ ) بمنكر و رفع المنكر و البدع و زجر المبدع واجب بأصل الشرع فان ذلك كله من خدع النفوس فلاتكن مخدوع نفسك و فرّق بين المقامين و حكم الضرورتين فاجعل هذا الكلام في المقام الأول لاستقرار الضرورية الذاتية هناك كما نبهناك و اعمل بوصيتي لك هنا و لاتغالط و زن بالقسط و لاتخسر الميزان و قد نصحتك و ليس لي مع غير الله حاجة فان قبلت و الا فالله ( ولي خ ) التوفيق و هو اقل ما قسمه بين عباده .
المقصد الرابع فيما يتعلق بالضرورة الحاصلة من اجماع المذهب و لا بد من بيان محل معقد الضرورة من الاجماع حتي تكون علي بصيرة من امرك فان هذا المقام فيه نوع خفاء و مغالطة لمن يريد المغالطة نسأل الله العصمة من ذلك [ص 36] و نعوذ به من طريق المهالك و نسأله التبصرة و العمل بما يريده منا انه علي كل شيء قدير و بالاجابة جديرٌ فنقول لا شك و لا شبهة ان هنا في البين احكاماً كانت معقدا لأجماع علماء اهل المذهب و يري كل عالم من علماء المذهب الضرورة في ذلك الاجماع عيانا ثم اذا رجع الي وجدانه و عقله يري ان تلك الاحكام قارّة ثابتة لا زوال لها في وقت من اوقات التكاليف اصلا و يري علي سبيل القطع ان من خرج عن هذا الاجماع فهو خارج من زمرة علماء المذهب يقينا مثلا علماء المذهب اجمعوا علي حرمة القياس في دين الله و الاستبداد بالرأي في شيء من الديانات و اجمعوا علي عصمة الأئمة (ع) و اجمعوا ان الاجتهاد في مقابلة نصهم حرام و اجمعوا علي وجوب متابعتهم في كل شيء و حرموا تعمد خلافهم و مخالفتهم في كل شيء و اوجبوا موالاتهم و موالات اوليائهم و حرموا معاداتهم و معادات اوليائهم و اجمعوا أن الحق فيهم و لهم و عنهم و اليهم و ان كل ما خرج من غيرهم اذا لميوافق قولهم باطل مردود علي قائله و اجمعوا ان الرجوع الي آثارهم و اخبارهم المفسرة لكتاب الله تع واجب لايجوز لأحد التخلف عنها بوجه و هكذا باقي وجوه هذا النوع من معقد الاجماع و كذلك لهم اجماعات تفيد الضرورة علي بعض الفروع الذي امتاز بها مذهبه من غيره من سائر المذاهب مثل وجوب المسح علي القدمين و تحريم المسح علي الخفين من غير تقية و وجوب القصر و الافطار علي المسافر اذا كان سفره مباحا و اجمعوا علي وجوب رد ما فضل من الفريضة علي ذي الفريضة اذا لميكن في البين سواه تحكيما لقوله تع و اولي الارحام بعضهم اولي ببعض في كتاب الله الي غير ذلك من باقي فروع هذا النوع فمثل هذا الاجماع لايجوز لأحد مخالفته و من خالفه نحكم عليه بالخروج من زمرة العلماء من اول وهلة لان مثل هذا النوع الذي هو معقد الاجماع الذي [ص 37] نحكم بفسق مخالفه و اخراجه من المذهب من الاحكام القارة الثابتة الذاتية التي لايجوز في العقول رفعها و ان كان يطرؤ عليها زيادة توضيح و بيان في بعض الاحيان و عند خروج ناموس العصر و الزمان فافهم و لهم اجماعات اخر علي كثير من الاحكام التي هي في معرض الزوال و التغيير آنا فآن فمثل تلك الاجماعات حجة ما دام الموضوع علي حاله و اذا تغيرت تغيرت الاتري الي أن من قبل زمن القميين الي زمن المفيد عليه الرحمة كان القول بسهو النبي و الائمة صلوات الله عليهم هو المعروف عند علماء المذهب و لذا انكر القميون علي منكر ذلك و سموه غاليا و لو كان القول بعدم السهو هو المشهور لماجاز للقميين تكفير من نفي سهو النبي و الائمة صلوات الله عليهم و نسبة الي الغلو و اخراج أناس من قم ممن خالفهم علي هذه العقيدة و كك القول بعدم الرجعة في زمن المفيد هو المعروف عند علماء المذهب و لو كان القول بالرجعة هو المعروف عندهم لماخفي علي المفيد حتي ينكره و ينسب القائلين به الي الجهل و الحماقة تفطّن في الأمور و لاتأخذ الأشياء علي ظاهرها فيفوتك معرفة سر هذا المذهب فانك ماتكون من خواصه الا اذا عرفت اسراره الاتري ان القول بافضلية الائمة (ع) علي الانبياء و لاسيما المرسلين و اولوالعزم في قديم الزمان كان من الاسرار الخفية و كان في الظاهر عند اهل المذهب غلوّاً ممنوعا منه و من هذا النوع كثير لايخفي علي المتتبع و كذلك في بعض الفروع كثيرا من الاقوال كانت في الزمان السابق معمولا عليها عند علماء اهل المذهب و الآن متروكات من سنين فتبين لنا علي سبيل القطع ان مثل هذه الاحكام كانت ثانوية طارية لمقتضي سبب و كان مقيدة باوقاتها فلما انقضت اوقاتها باسبابها الطارية رفعت بالقاء الارشاد و التسديد من صاحب الشرع في قلوب اوليائه و حفاظ دينه من علماء المذهب [ص 38] و قد كانت قبل ذلك حجة في وقتها علي اهلها و لهذا تري علماء المذهب قاطبة علي توثيق مثل هؤلاء العاملين بتلك الاحكام و انهم في امامهم ( ايامهم خ ) من حراس المذهب و رؤسائه و لاسيما المفيد عليه الرحمة و علي مثل هذا يحمل كلام بعض الاعيان علي ما نقل عنه و العهدة علي الناقل ان العالم الكامل العارف بالاسرار و الحقايق علي ما هي عليه في الواقع له ان يخالف الضرورة و قوله هو المتبع و هذا الكلام ان صح نقله عن ذلك الفاضل له معني يوافق الحق و لكن في هذا المقام لان الحقائق الشرعية في هذا المقام تتجلي علي وفق ذلك الزمان و مصلحته و قابليات اهله علي حسب مصالحهم و اغلب مرايا الأزمان لغلبة اهل الجور معوجة لاعوجاج حركة الاستدارة فلاتري الحقايق علي ما هي عليه في الواقع و انما تراها علي شكلها كمن ينظر في سيف صقيل فيري الوجه مستدقا مستطيلا يحكم عليه بما يري ثم يأتي آخر فينظر في مرآة معتدلة فيري الوجه كما هو فيحكم عليه بالاعتدال فيضطر الي مخالفة المقابل ثم ان كان السبب الموجب لذاك الاعوجاج قد ارتفع و وقته قد انقضي فالواجب زوال ذلك الحكم و عدم التمسك به لزوال وقته و سببه و وجب في الحكمة علي حافظ الشرع و ناموسه الذي هو عين الله الناظرة بين عباده ان يلقي في روع ذلك الكامل بيان انقضاء وقت ذلك الحكم و بيان أن ذلك الحكم من الاحكام الثانوية التي ثبتت بعروض ذلك السبب علي مقتضي مصلحة وقته و المفروض ان وقته قد انقضي و قد تقرر عند علماء اهل المذهب ان المقيد يرتفع عند ارتفاع قيده و الموقت يذهب بذهاب وقته و ليس لاولئك العاملين بذلك الحكم معارضة ذلك الكامل بضرورة الاجماع لكون تلك الضرورة مقيدة بوقت قد انقضي و في الحقيقة ما في البين معارضة و هل هما الا مثال من اتفقا في تعريف وقت الصلوة ثم اختلفا في تحقق دخوله و عدمه مثلاً اتفق المشهور ان وقت المغرب يتحقق دخوله اذا ارتفعت الحمرة [ص 39] المشرقية عند قمة الرأس و اتفقوا ان وقت الظهر اذا زالت الشمس ثم اختلفوا فمنهم من رأي الحمرة عند قمة الرأس و رأي الشمس قد زالت و منهم من لايري ذلك فكل منهم يعمل علي حسب ما رأي و ليس لكل منهما اعتراض علي الآخر اذ لا معارضة بينهم لاتفاقهم في تعريف الوقت و انما اختلافهم في تحقق الدخول و عدمه فكذلك القول هنا حرفا بحرف فان الجميع متفقون ان المقيد يرتفع بارتفاع القيد و الموقت يذهب بذهاب وقته و انما اختلافهم في ان هذا الحكم الذي عليه الاجماع ثابت في جميع ازمنة التكليف او ثابت في زمان مخصوص و علي التقدير انه في زمن مخصوص اهل ( هل خ ) زمان التكليف به موجود ام لا فالكامل يري عيانا انقضاء وقت ذلك الحكم و رأي عيانا ان ذلك الحكم علي تلك الحقيقة الشرعية مخالف علي ما هي عليه في الواقع فاذا رأي ذلك فاي ذنب لذلك الكامل و اي حجة قد انقضي وقتها و سببها علي ذلك الكامل و كأني بك تستغرب من كلامي و تقول بأن هذا مذهبي تفردت به فأقول حاشا و كلا ان اكون تفردت به وحدي و انما هو دين الله القويم و صراطه المستقيم الذي عليه اهل الاسرار و المتمدنين الكبار العارفين بحقايق الأشياء كما هي و علي ما هي عليه في رتبة الواقع و لقد وقع لمشائخنا العظام اعلي الله مقامهم و عرّف بيننا و بينهم في الدنيا و الآخرة كثير من هذا بل جلّ مطالبهم علي هذا النمط و لاكانوا يتقيدون بشيء رأوه يخالف الحق علي ما وصل اليهم لا في قليل و لا في كثير قال مولانا بدل الأبدال و آية المثال روحي فداه في العرشية بعد كلام قدمه علي الكلي الطبيعي و الكلي الحقيقي و بين ما اراد منهما و ما هو عليه و اما الكليان الأخيران المنطقي و العقلي فمما اتفقوا علي عدم وجودهما في الخارج لكنه اتفاق لايكشف عن قول الصادقين عليهم السلام بل قول جميع اهل العصمة من [ص 40] الأولين و الآخرين الي ان قال اعلي الله مقامه هما موجودان في الخارج و انا ادلك عليك ( عليه خ ) ان فهمت الي آخر كلامه فانظر الي صراحة مخالفته لهذا الاتفاق و مع ان هذا الاتفاق غير مخصوص بعلماء الامامية فقط بل داخل فيه جميع العلماء من اهل هذه الصناعة و من المعلوم ان كل من فهم كلامه بواسطة دلالته عليه وجب عليه الأخذ بكلامه و اتباعه وحده و لايجوز له ان يعارض كلامه بالضرورة الحاصلة عنده في زعمه من الاتفاق و لا خصوصية لمخالفة الاجماع في مسألة دون مسألة من التوحيد فما دونه و أرش الخدش فما فوقه و لولا خوف الاطالة و المقام مقام العجالة لشرحت لك مطالب من العلوم في فنون شتي كانت علي احكامها اجماعات و قد ادعي علي احكامها الضرورة من العاملين عليها برهة من الزمان و الآن الاجماعات عليها بالعكس و الضرورة الواقعية عليها في مقابلة تلك الضرورة بحيث كل من وقف عليها و كان من اهل الديار و الاعتبار يري الأمر علي ما هي عليه الآن و ان تلك الضروريات و الاجماعات السابقة كانت عارضة طارية في وقت مخصوص الي وقت مخصوص و قد زالت و ارتفع حكمها من أصله و لاسيما في مطالب مشائخنا اعلي الله مقامهم فان الأمر فيها اظهر لمن مارسها فاذا سمعت ان حكم الضرورة يجب اتباعه و لايجوز مخالفته فهو الحكم الذاتي الذي لاتجوز العقول رفعه اصلا لا في كل مقام فلايشتبه عليك الحال و تسارع الي تكفير احد كائنا من كان بواهمة انه خالف الاجماع او الضرورة فان في هذا المقام كم زلت الاقدام و كم سارع من لا أنس له بأسرار المذهب و وضع الاحكام الالهية و اغتراره بنفسه انه من العلماء لما حوله من البهائم الذين هم في الواقع كالانعام الي تكفير اناس حكماء علماء حلماء كادوا من الحكمة ان يكونوا انبياء بحجة انهم خالفوا الضرورة او اجماع اهل المذهب و قبلت اولئك البهائم منه و مشت علي ذلك طريقتهم لايلوون علي احد [ص 41] و لايسمعون من اولئك الأبرار و لايعون من اولئك الحكماء الأخيار و حملة الاسرار بناء منهم ان هذا الشيء مفروغ منه حكمة بالغة فماتغني النذر و بقي وزر اولئك البهائهم التابعين في اعناق اولئك المتبوعين الذين تشبهوا بالعلماء الي يوم القيامة و أنت تري ذلك عيانا و تعيب عليهم احيانا و ازمانا فلاتكرّ الي ما عنه تفرّ و لاتغفل ما عبته علي غيرك فتكون كما قيل :
لاتنه عن خلق و تأتي مثله عار عليك اذا فعلت عظيم
و ازيدك ايضاحا و بيانا و انصب لك في ذلك ميزانا فاحضرني ذهنك لتري ذلك عيانا فاقول المدعي لشيء يخالف الضرورة تارة تكفره و تفسقه بمجرد الدعوي اذا قطعت بصدورها عنه و تارة تسأله الدليل علي مُدَّعاه فان اقام برهانا نيرا علي مدعاه وجب قبول ( قبوله خ ) منه و لايجوز لمن قام عليه البرهان رده و لا تكذيبه و ان لميُقم برهانا نيرا علي مدعاه فان كان كاذبا في نفس الأمر وجب علي وليّ الأمر خذلانه و اظهار كذبه بافعاله القبيحة و اقواله الوقيحة فاذا تبين لنا كذبه عاملناه بما يقتضيه المقام من التكفير و التفسيق و ان لميظهر لنا كذبه و لا صدقه فهو من الشبهات التي يجب الوقوف عندها و لانحكم عليه بشيء مثلا جاءنا من يدعي ان الصلوة اليومية و العبادات الموضفة غير واجبة هذه الايام لانها انما شرعت في اول الأمر امتحانا لمن يؤمن بالنبي او يكفر به و الآن انعقدت القلوب علي تصديق ذلك النبي و الله لغنائه المطلق غير محتاج اليها و هو لكرمه يثيب علي نية العمل كما يثيب علي العمل فكان التكاليف بهذه العبادات لا ثمر له او ان هذه الاخبار التي في ايديكم اليوم لا معول عليها لأن الشارع انما شرع هذه الاحكام علي حسب عقول ( اهل خ ) ذلك الزمن و اما هذا الزمن فلا حاجة بنا الي الاخبار و لا الي السنة و لا الي الكتاب و انما حاجتنا لما تراه عقولنا من المصالح المناسبة لنا كما نقل في ذلك عن اناس فهذا مثال المدعي الاول المنكر للضرورة الذاتية التي ماتجوز [ص 42] العقول رفعها لان التكليف بها ضروري في العقول علي التأبيد فمثل هذا المنكر لمثل هذه الضرورة و ما في حكمها هو الملحد و يجب تكفيره و التبري منه علي كل من سمعه اذا كان عاقلا مكلفا و مثال الثاني من يدعي ان الله تبارك و تعالي اسمه انما بعث الانبياء ليزكوهم و يعلموهم الكتاب و الحكمة و ليربطوا بين قلوبهم علي الاتفاق لان في ذلك راحتهم و اجتماع قلوبهم و صلاحهم و محبة الله اولا و بالذات علي اتفاقهم في كل شيء لان حكم الله الواقعي واحد غير متعدد و الشارع عليه السلام انما القي الخلاف بين مواليه ليسلموا من عدوه و عدوهم ترجيحا لحفظ نوعهم من الهلاك و كان محبوبا له ذلك بالعرض لا بالذات و الآن ذلك الوقت قد مضي و ذلك السبب قد ارتفع و الأمن من الفساد في الاجتماع لا في الاختلاف كما ذكر ذلك الامام عليه السلام خالفنا بينكم لتسلموا و جمعنا بينكم لنأمن من فسادكم لان سلامتكم من طاغية الزمن الذي هو عدو لنا و لكم في خلافكم و سلامتكم و امنكم من عدوكم الذي هو ابليس في اجتماعكم فالآن حان وقت اجتماعكم علي الحق فكل من له من مؤلف يعرضه علي لأن صاحب هذا الأمر عجل الله فرجه اعطاني ميزانا اعرف به الاحكام الواقعية في توقيع منه مثلا و غير ذلك و كان ذلك الرجل من المعروفين بالكمال و الصلاح و العلم و العمل فلو ادعي مثل هذا الرجل الكامل هذه الدعوي ما كنت تعامله به هل تُكفِّره و تفسقه مثل الأول بدون ان تسأله الدليل بحجة انه ادعي خلاف الضرورة لان اتفاق العلماء علي جواز الرجوع الي كل عالم ثقة امين و علي جواز تعدد الفتاوي و اختلافها او تسأله الدليل علي مدعاه لأن ما بين دعواه و بين تلك الضرورة معارضة فان كفرته من اول الامر فقد ظلمته و ظلمت نفسك و خاطرت بما لميخاطر به عاقل و لااظنك تفعل ان كنت عاقلا لان ما يدعيه مثل هذا الرجل مترقب و هذا الخلاف [ص 43] و ان كانت الضرورة قائمة علي جوازه اذ لا سبيل الي رفعه لاحد و لايقدر علي رفعه الا من القاه و لكنه مترقب رفعه و سوف يأتي زمان يرتفع فيه بالكلية بلا شك و لا ريب و ان تطاولت المدد و طال الأمد و قست القلوب و لكن العقل يجوز رفعه في كل حين و ان سألت مثل هذا الرجل الكامل الدليل فقد انصفت نفسك و انصفته و اذا قام الدليل القاطع لحجتك وجب عليك قبوله و الا فتمسك بالذي اوحي اليك و بهذا الميزان فرق بين الضرورتين و المقامين و لاتغالط و لاتخاطر بنفسك و لاتكون دعوي في هذه الايام اعظم من هذه الدعوي التي قررتها لك مثالا فلاتكن من الغافلين فان علي كل حق حقيقة و علي كل صواب نور و كل مدع لباطل فلا بد ان يفتضح بافعاله الفضيعة و قبائحه الشنيعة لان من فسد جوّانيه فسد برّانيه كما تراه في ساير الفرق المفارقة للحق عيانا فالزم نفسك و احبس لسانك حتي تري ما تسمه و تفهمه فهناك تكلم او دع و ما اكثر ما ابديته لك من النصائح و اوضحت من الحجج و الله بالذي انويه عليم و هو المجازي لكل امرئ بما نوي نسأله المجازات اذ هو الكافي الكريم في هذه النية و لما وصل الكلام الي هذا المقام احببت التنبيه علي شيء و هو في خاطري من سنين و احب ان ارصده هنا و هو ان كثيرا من اهل المذهب انكر ان تكون هناك احكام ثانوية مكلف بها مادام الملك مغصوبا و ان التكليف انما هو باصابة الاحكام الأولية الواقعية و لذا سمّوا انفسهم بالمخطئة كما ذكرنا ذلك فيما تقدم و سبب تسميتهم انفسهم بالمخطئة ان الحكم الواقعي في الواقع واحد و الفتاوٰي في ذلك الحكم مختلفة فلا بد ان يكون المصيب منهم واحد و الباقون مخطئون و لا شك ان هذه القاعدة غير مأخوذة من الشارع و هذا الميزان لايوزن عليه حكم من الاحكام لاعوجاجه و ميزان الشرع ان كل ممتثل لامره علي حسب ما امر مصيب لا مخطئ [ص 44] و مثاب البتة ثم ان هؤلاء قالوا بان من شرط حمل الخبر علي التقية وجود قائل به من اهل الخلاف و اذ ليس فليس و كان الداعي لهم الي هذا التكليف امره عليه السلام في معارضة الخبرين علي مذهب العامة و الاخذ بما خالف مذاهبهم لأن الرشد في خلافهم و لكنهم حفظوا شيئا و غابت عنهم اشياء و مادروا ان اصل وضع هذه الاحكام كلها برمتها ما وافق العامة و ما خالفهم وجد به قائل منهم ام لم يوجد هو دوران حركة الوجود الشرعي علي خلاف التوالي لغلبة اهل الباطل و غصب المالك ملكه فادار هذه الحركة عليه السلام و له المنة و الفضل رفقا بمواليه و اتباعهم علي مصالحهم و ما فيه سلامتهم من عدوهم علي خلاف التوالي الي وقت ظهور الحق و اهله عجل الله فرجه و سهل مخرجه فهناك الحركة تدور علي التوالي و بسبب هذا الدوران المذكور تغيرت هيآت الحقائق الشرعية فكانت تتهيأ علي حسب المشاكلة للقابليات و مصالح الازمان و لذا تتغير شيئا فشيئا و يوما فيوما حتي تستقر علي الاعتدال و ذلك عند اعتدال الزمان و اهله اذا اشرق بنور ربه عجل الله فرجه و سهل مخرجه فلاتستوحش من اول وهلة لما تسمع فما خفي عليك اكثر مما ظهر لك و مااوتيتم من العلم الا قليلا و المحنة و البلاء و الفتنة امامك و عن يمينك و عن شمالك و عن وراء ظهرك فاعتصم بالله في جميع امورك فانه الكافي الكريم و لاتغتر بسورة العلم فان الغرور بها جهل و الحق تنقاد له الانفس المذللة بالامور الالهية و الآداب الشرعية و تأباه النفوس المدللة الصعبة الشموس و الله ولي التوفيق .
المقصد الاول في ايراد بعض الكلمات المحكمة التي وصلتنا من جناب المحروس من اوصاب الزمان مولانا جناب الآغا محمد خان بواسطة سؤالنا له عن مراده من [ص 45] وحدة الناطق و قد كاتبناه علي يد ثقة من ثقاتنا و جاءنا الجواب علي يد ذلك الثقة بنفسه بحيث لايحتمل التزوير اصلا لان الجواب جاءنا مختوما بخاتمه الشريف في بقچة فلا بد من ان نورد صورة السؤال اولا و هو هذا قلت بعد كلام تقدم ثم المأمول من الجناب المستطاب المرجع لأولي الافئدة و الالباب ان تبينوا مرادكم من هذه المسألة التي كدرت الخواطر و روعت البصائر و فرقت اهل الضعف و ذوي التهور و العسف و هو ان الناطق في زمن الغيبة يجب ان يكون واحدا و لايجوز ان يكون متعددا و يجب ان يكون معروفا باسمه و شخصه فما مرادكم بالناطقية المعزية لحضرتكم الشريفة أهي الترويج للعلوم الثلاثة يعني انه لا بد و ان يكون في كل زمن عالم جامع للعلوم الثلاثة اعني الحقيقة و الطريقة و الشريعة و ما يؤول اليها من سائر العلوم بحيث يكون صالحا لتأسيس قواعدها الشريفة و دعائمها الرفيعة المنيفة و ان يكون بارزا ظاهرا هاديا للناس او المراد من الناطقية شيء آخر غير هذا فان كان المراد المعني الاول فلم لايجوز تعدده و تكثره ليعم النفع كل احد اذ المدعو اليه شيء واحد و هو الحق الذي جاء به الشرع و الشارع كما تكثر به الروات و الفقهاء لأن الحقيقة المدعو اليها واحدة و الالسن متعددة و من المعلوم امكان وجود عالم جامع متعدد لا بعد فيه فضلا عن الاستحالة اصلا فاذا كان الحال هكذا فأي ترجيح لوجوب الناطقية علي واحد و وجوب السكوت الذي هو عبارة عن عدم الظهور بالهداية و الارشاد علي الآخرين ثم لو كان هذا الامر واجبا كما نُقل لوجب علي الشارع بيانه بالنص الخاص و وجب علي صاحب النص ان يدعو الي نفسه ليكون ذلك ابلغ في وضوح الحجة الي آخر ما قلت و جاءني الجواب في رسالة و قد نسخت نسخا متعددة و فهمت ما يريد من صرافة المسئلة و سوف أذكر ما فهمته من مراده سلمه الله تعالي في مقصدٍ [ص 46] علي حدة لئلايلتبس الحال و لكن لا بد ان نذكر في هذا المقصد من محكمات كلماته ما فيه بلاغ و كفاية لمن يشفق علي نفسه و لميكن مولعاً بالأراجيف و التهجم علي عباد الله و نبين ما اراده منها و ان كان ظاهرا ليكون ذلك ابلغ في الحجة قال سلمه الله تع أقول اما جناب الشيخ زيد فضله فيكفيه اني لماقل هكذا و لااقول اقول يعني اني ماقلت جميع العلماء يجب عليهم السكوت و الناطق منهم بالهداية علي فرض تفسير الناطقية بالهداية للخلق و التعلم و تقليد العوام لهم كما هو مقرر واحد قديما و حديثا فاذا فسرت الناطقية بهذا المعني لا قلت به فيما مضي و لااقول به فيما يأتي و لاقلت بان ذلك الناطق علي مرادي يجب معرفته بشخصه علي كل احد و لااقول فيما يأتي فان كان ذلك الشيخ السائل من اهل الانصاف يكفيه هذا في الجواب لان المتكلم اعلم بمراده من السامع مع ان السامع ماروٰي عني ما قلت علي صرافته بل زاد علي ما سمع و علي فرض انه روٰي عني ما سمع علي صرافته فلايجوز له ان يفسر كلامي علي ما فهم منه حقا كان او باطلا بل يفسره علي ما افهمته منه بمرادي و هو حق و لا شك انه اذا سئل شخص عن شناعة نسبت اليه و انكرها و نفاها عن نفسه يجب قبول قوله و لايجوز تكذيبه و لو كان المقابل لسوء ظنه فيه يحمله علي التستر كما يفهم من بعض كلماته في الرد عليه و لكن علي كل حال يجب الوقوف عن الوقيعة في الشخص اذا نفي عن نفسه ما نسب اليه لان الله تع يقول و لاتقولوا لمن القي اليكم السلام لست مؤمنا ثم قال سلمه الله تعالي بعد كلمات لا حاجة مهمة في ايرادها و لكن اذكر اولا بيانا عاما شاملا يكفي المؤمنين و يكفيني ان شاء الله الي يوم الدين اعلم ان قولي في جميع الاشياء قول آلمحمد (ع) فيما اسروا و فيما اعلنوا و فيما بلغني عنهم و فيما لميبلغني عنهم و انا مقر بجميع ما اقروا به مؤمن بجميع ما آمنوا به كافر [ص 47] بجميع ما كفروا به اوالي من والاهم و اعادي من عادوا و عاداهم و لااعمد علي التخلف عنهم و ماعمدت الي يومي هذا و ان كنت عاصيا و ان عصيت اكون نادما مستغفرا و اؤمن بجميع ما ثبت لي عنهم برهانه و اسلم لجميع ما قام به ضرورة الاسلام و المذهب و كلما خالف ضرورة الاسلام و المذهب انا منه بريء اعادي من خالفها و احبُّ من وافقها و لااؤمن بما ليس من مذهبهم و اُشهد الله و اشهد رسله و انبياءه و اولياءه و ملائكته علي صدق مقالتي و كفي بالله شهيدا و بهم شهداء ،
هذا اعتقادي فيه قد ابديته فليقبل الواشون او فليمنعوا
و كلما قلت من قول او كتبت من كلمة او اعتقدت به في ضميري ليس الا ما علمته من مذهبهم و ان سهوت او نسيتُ فانا منه بريء و اعتقادي في ضميري ما يوافقهم نوعاً و نيّتي المتابعة في كل شيء و كلما خالف ضرورة شيعتهم و مواليهم او العلماء منهم لااقول له و لماقله و ان رأيت ادلة عليه من سائر الادلة هذا ديني و مرادي في جميع الأمور فالذين ينكرون علي باني خالفت ضرورة الاسلام او قلت انها لاتكون حجة فانا منه بريء و هذه تهمة نسبت اليّ بل ديني ضرورة الاسلام و الايمان و عليهما تكلاني في جميع الاحوال و كيف ينسبون اليّ ذلك و العاقل لاينكرها و الضعيف مقرٌّ بها اقول هذا الكلام من هذا المؤمن له احتمالان احدهما أظهر من الآخر و اقرب مسافة فيحمل ( يحتمل خ ) انه القي هذا الكلام علي سبيل الاخبار عن معتقده في الواقع و علي ما هو عليه و يحتمل انه القي هذا الكلام علي سبيل الادعاء ان جميع اقواله و افعاله و مصنفاته علي وفق ما ذكر و الاحتمال الأول اظهر بلا ريب عند المنصف و علي كل حال يترتب علي كل من الاحتمالين حكم فيترتب علي الاول ان مثل هذا الرجل اذا اخبر عن معتقده و ان عقيدته علي حسب ما قرر ان يكون هذا قاعدة يرجع اليها عند الاشتباه في كلامه و في بعض مطالبه الموهمة خلاف ذلك [ص 48] كما هو جار في كل من عرف بمذهب انهم يرجعون في متشابهات كلامه الي قاعدة مذهبه و لولا هذا الميزان لخرج جل كبار المذهب و رؤسائه لان في كلامهم و مطالبهم في العلوم اكثر شبهات و متشابهات من غيرهم لسعة دائرتهم في العلوم و كليات الرسوم و شدة غورهم و حرصهم علي الاطلاع علي حقايق الأشياء و الوقوف علي الأسرار فيكثر المتشابه من كلامهم لهذا السبب كما هو مشاهد عند اهل الاطلاع عيانا و لولا هذا الميزان لخرج من المذهب كبراء اهله و نواميسه علي الحقيقة نستجير بالله و نعوذ به من خطل الاحلام و نزق الافهام و ان قلت ان ما وقفت عليه من كلامه غير متشابه عندي و انما هو مقطوع بفساده عندي و لذا قلت ما قلت في حقه قلت هب انه فاسد فهلّا حملته علي الخطأ و عاملته معاملة غيره من العلماء و رددت قوله بالبيان الشارح لفساده بدون ان تنسبه الي الالحاد و التكفير و الابداع مع ان قوله علي ما فهمت منه انت محتمل الوقوع علي ما بينا و شرحنا سابقا بل قد وقع في بعض الأزمان و ليس باعظم فسادا من القول بوحدة الوجود مع أنا ماكفرنا القائلين بها من علماء الشيعة حيث ان لهم مذهب حق و لايتعمّدون مخالفته و محال ان يقع مثل هذا القول الفاسد في الامكان و كذلك مافسقنا من قال بقدم المشيّة و الارادة من علماء المذهب بل هم عندنا في غاية الجلالة و الاحترام و الوثاقة مع ان قولهم هذا محال ان يقع ايضا في الامكان و محال ان يكون الفعل ذاتا او الذات فعلا و هذا القول الذي فهمته لهذا المؤمن و عرفت فساده علي دعواك ليس بمحال وقوعه اذا وقوعه لو يقع لايزداد المذهب منه الا خيراً و لاينقص من المذهب شيء لوقوعه و بالجملة فالذي يترتب علي الاحتمال الظاهر من الاحتمالين هو ما ذكرنا من رجوع متشابه كلامه الي محكم مذهبه كما جري الميزان علي ذلك و بذلك و مع فرض المخالفة يجب حمله علي الخطأ و معاملته معاملة من أخطأ من اهل المذهب و لايسارع اليه بسوء من القول [ص 49] و اما الاحتمال الثاني و هو كونه مدّعيا باصابة اقواله في كل ما يقول الحق مما ذكره فهو احتمال مرجوح لايُصار اليه في المقام و ان اردت المصير اليه لتحقق سوء ظنك بالرجل و تتكلف بما لمتكلف فعليك باقواله و افعاله في غير هذه المسألة فان رأيته علي ما وصف فغير سوء ظنك به الي حسنه و قدر ايضا بأنك مشتبه في هذه المسألة و انه ايضا قال فيها بالحق و ان لميظهر لك فان الرجوع الي الحق و الانصاف شأن اهل النفوس الناطقة القدسية المزكات بالعلم و العمل و ارجو الله ان تكون منهم و ان رأيته في كل اقواله و افعاله او جلّها مخالفا للمذهب الذي يدعي مطابقة قوله و فعله له فهناك حقق سوء ظنك به و لاتثريب عليك و لكن يجب هذا منك قبل ان ينتشر الفساد في قلوب الاتباع الذي خلقهم و طبعهم التكفير و التفسيق لمن يكفر او يفسق متبوعهم بلا تأمل حتي لو رجع متبوعهم فيما بعد وقفوا و لميرجعوا معه و ان رجع بعضهم وقف الاكثر كما تشاهد ذلك في هذا الخلق المنكوس عيانا و اياك ان تظن بي غرضا من الاغراض الفاسدة فتقع في مأثم عظيم لأني و الله علي ما اقول وكيل مااردت الا الاصلاح بما استطيعه و يجريه الله علي لساني و قلمي من واضح البيان و ليس لي مع احد من الناس غرض الا ما اوجبه الله علي او ندبني اليه و حاجتي مع الله و غرضي عند آل الله ليس لي وراءهم عند احد غاية و لا بداية و لا نهاية و الحمد لله رب العالمين و نرجع الي نقل بعض كلمات المشار اليه و هو متفرق و التقاطه كله يوجب التطويل بلا طائل بعد ان عرفنا مراده منه و انه كله يرجع الي معني واحد و لكن نثبت منه ما يكون قاعدة يرجع اليها من وقف علي كتابتنا هذه و من يقف علي كتاباته من بعد في هذه المسألة لعل الله يرجع من تفرق من هذه الفرقة القليلة الي الاجتماع فانه علي رجعه لقادر .
[ص 50] قال سلمه الله تعالي بعد ذلك الكلام الذي نقلناه نعم ربما ينكرون علي المطلب بأن الضرورة لمتقم علي ما قلت و هذا الايراد فيما نحن فيه لا جواب له ابدا لدي العاقل المطلع علي علم الأصول و الفقه و الحكمة نعم اذا كانت مسألة عامة البلوٰي من الظواهر التي يحتاج اليها عامة المسلمين و لمتقم عليها ضرورة في الدين نقول ان عدم الضرورة علي حكم دليل عدم الحكم لا في مثل هذه المسألة التي هي من اسرار آلمحمد (ع) فانها بعيدة عن فهم الناس فضلا عن عملهم ففي مثل هذه المسألة سبيل استيضاح اهل الحجة عليه نعم يتمكن العالم من استخراجها من الضروريات و الاستنتاج و ليس ذلك شأن كل احد و لكن الجهال لايعرفون و يصدقون ما يقولون و يكفرون الناس بما يظنون اقول هذا الكلام حق بلا مرية لأن الأسرار لها ميزان غير الضرورة العامة البتة لأن مناط التكليف بها اناس مخصوصون و هم اقل قليل من هذا الخلق و شرط التكليف علم المكلف بما كلف به ان خاصا خاصا و ان عاما عامّا و المكلفون بحمل الأسرار يعلمون ذلك اوضح من علم العامة لما كلفوا به و من وزن الأسرار بميزان الضرورة العامة لاهل القبلة او لأهل المذهب او لعلماء اهل المذهب او للعقلاء فقد بخسه و أخسره و لميقمه بل لميكن من اهل الوزن اصلا و اين الاسرار من ميزان الضرورة و علي ايّن فسرت و اين الثريا من يد المتناول دع عنك الاسرار التي منها ما لايمكن التعبير عنه بالعبارة و منها ما لايمكن التصريح به الا بالاشارة و منها ما لايمكن الا بالتعمية و الالغاز و منها ما الصدور اوسع له من السطور حتي بالاشارة و الالغاز و لاينبئك مثل خبير ، و سل عن النار جسم من عاناها ، و زن المطالب العلمية التي ابرزت في السطور كالتحقيق ( كتحقيق خ ) المنزلة بين المنزلتين و تحقيق معني حدوث المشية علي اي كيف و تحقيق كون الحقيقة المحمدية علة فاعلية [ص 51] او علة مادية بل تحقيق معني الصدور علي اي كيف و تحقيق معني الصادر الأول و تحقيق كونه محمداً (ص) علي اي ميزان اردت من موازين الضرورة فتراه ممتنعا عليك قطعا و بتّا الا علي ميزان اهل الافئدة القاطعين لمراحل الاسفار الأربعة فاذا وزنتها علي ميزان ضرورة اولئك استقام الوزن قطعا و ان وزنتها بغيره ظلمتها و ظلمت نفسك و تحقق انك لست من اهلها و لذا لمتماكس فيها و انما يماكس المالك لعزة ملكه عنده فالاسرار لاتوزن بميزان الضرورة العامة و اين العامة ترحهم الله من هذا نعم في بعض الاحكام التي تعم بها البلوي كما ذكر و ليس كل حكم تعم به البلوي كذلك و انبهك علي ذلك مثلا النية من اعظم ما تعم به البلوي للمكلفين لانهم يضطرون في اعمالهم اليها و العقلاء قبل التكليف يعملون اعمالا شتي و تقع منهم افعال علي سبيل العمد كثيرة غالبا و تقع منهم افعال علي سبيل الندرة نسيانا او سهوا فيعلمون علي سبيل القطع ان ما فعلوه عمدا مقصود لهم و ما فعلوه خطأ او نسيانا او سهوا فهو غير مقصود لهم فسموا النية لذلك قصدا و لما امرهم الشارع بالعبادات من صلوة و صيام و زكوة و حج و غير ذلك بيّن لهم احكامها و كيفياتها و حكم ما يطرؤ عليهم من العوارض و سكت عن امر النية فعلمنا ان سكوته عليه السلام لميكن عن غفلة و انما سكت لعلمه ان النية هي القصد و ان كل ما يفعل الانسان العاقل عمدا منوي و علم انهم يعلمون ذلك و وكلهم لما يعلمون و الذين ( الذي خ ) ما يعلمون انه ينافي العبادة من الرياء و السمعة نبههم عليه و نهاهم عنه و حيث ان الاخلاص ايضا شرط نبههم عليه فاذا اوجب احد من العلماء امرا زايدا علي ما ذكر يجاب بأن عموم البلوي بهذا التكليف ثابت لانك لمتكلف به اناسا دون اناس و ( ذلك خ ) يقتضي دليلا تعرفه عامة المكلفين كما عرفت ان الرياء ينافي الاخلاص و كما عرفت ان الاخلاص و التقرب الي الله شرط في صحة [ص 52] العمل فلو كان هذا الحكم الذي اوجبته علي الناس واجبا من الشارع لأبان لهم دليله و لميهمله و اذ ليس فلا حكم فافهم و اعقل عني ما اقول فان العلماء لهم مقاصد مخصوصة فيما يلقون من عبائرهم فلاتغتر بظواهر العبائر لأن من قال بهذه العبارة عليه الرحمة اراد بها معنيً صحيحا و لكن تفسير كل مسألة مسألة متعذر علي العلماء و لذا عبائرهم ماكانت مشرعة يخوضها كل احد لأنه ربما يضع عبارة يجعلها قنطرة ليعبر عليها الي معني يوافق الحق فيما يريد من المطالب ثم يأتي من بعده من ليس له أنس بطرق المدينة فيظن ان تلك القنطرة طريق عام فيقع في التيه و من هذا وقع خلق كثير و ليس لي وقت و لا اقبال علي شرح جميع ذلك الاتري ان حكم الشك في الصلوة مما تعم به البلوي و كذلك حكم ماء الغسالة انه طاهر او نجس و غير ذلك من الاحكام العمومية كثير و لو وصل الأمر فيها الي الضرورة العامة سقط البحث و الاستدلال فيما بين العلماء فافهم و اعتبر و انصف و لاترد علي العلماء بمحض فهمك و استكبارك فان الله يسأل كل احد عما يقول و المعصوم من عصمه و المرحوم من رحمه فاذا قال مثل هذا المؤمن ان الاسرار لاتوزن بميزان الضرورة العامة في كل مقام فهو صادق و لايجوز لك تكذيبه و لا معارضته بأحد من الضرورات و القدر المتيقن انه يحرم علي كل أحد ان لايقول بما لايعلم في دين الله تعالي و اذا قال بقول تشهد به الضرورة او احد من الضرورات المذكورة وجب علي من سمعه و هو ممن يدخل في زمرة تلك الضرورة قبوله و لايجوز له رده و الا كان بذلك خارجاً عن اهل تلك الضرورة قطعاً و اما ان كل حكم من الاحكام اذا ماشهدت به الضرورة باطل فهو قول باطل و ان قاله احد حكمنا عليه بانه قال بما لايفهم كائنا من كان و الا فعلي الاسلام السلام و هذا المقدار من البيان يكفيك ان استكفيت و الا فاسئل الله ان يصلح [ص 53] وجدانك و مداركك و مشاعرك فان المدارك ما لمتعتدل و المشاعر اذا لمتصلح ماتصلح لمزاولة العلوم و ممارستها و الجهل اقل ضرر من علم المدارك المعوجة ثم انك قد علمت فيما نسب الي هذا الرجل انه يقول معرفة الناطق واجبة علي كل احد و لعل من طلب ميزان ( منه ان خ ) يوصل ذلك الي حد الضرورة العامة فهم من النسبة ذلك المعني و الا لا معني لكلامه عليه و انت بعد ان علمت من عبارة الرجل ان ما يريده من وحدة الناطق شيء غير ما فهمت و ان ذلك سر من اسرار آلمحمد (ع) و انه لاتعلق بهذه المسألة لأعمال الناس فضلا عن فهمها تقطع بكذب النسبة و انه محض افتراء علي هذا الرجل و ان فهمت ذلك انت من بعض عبائره المتشابهة المشوشة فهو فهم غير موافق لمراده فالواجب عليك عدم التمسك بهذه النسبة بعد وقوفك علي المحكم من كلامه و الا تكون ظالما له فاتق الله ان تلاقيه بمظلمة احد من عباده المؤمنين و قد نصحتك فاقبل نصيحتي فان قبلت نجوت و وفقت و الا فتكليفي قد أديته و السلام ثم قال سلمه الله تعالي فأقول جوابا لهم لا للفقيه العالم فانه يعرف سخافة هذا الايراد ان جميع المسائل لاتكون ضرورية بل منها ضرورية و منها نظرية اما ما تثبت بالضرورة فنفس الضرورة دليل عليه حقيقة و لايحتاج الي دليل و ان اقام المستدل عليها دليلا فمن باب اثبات المسألة بانواع الدليل لاستكمال اليقين لا من باب الحاجة فان ما ثبت بالضرورة لايجوز لأحد انكاره و يجب علي الجميع قبوله و الاخذ بما يخالفه حرام بل التخلف عنه عن عمد كفر و اما ما لميثبت بالضرورة فلايمكن رده بالمرة و لكن يجب الرجوع فيه الي كتاب الله و سنة نبيه (ص) و الاخبار فان وجد برهانه بحيث يعرفه ظاهرا بيّناً عنده بلا شبهة فعليه اتباعه و الا فعليه التوقف ان كان في مقام الشبهة و الا فالاطلاق في غيرها و ليس هنا محل ذكره و هو نيّر واضح لأهله [ص 54] فلا كلما لميثبت بالضرورة يمكن رده مطلقا نعم التخلف عن ضرورة قائمة حرام الي ان قال فالذي يردون عليّ القول بوحدة الناطق علي المعني الذي اقوله و اريده بانه لميثبت من الضرورة و كلما لميثبت بالضرورة بدعة لميعرفوا حق المسألة او عرفوا و اغضوا و البدعة هو المحدث الذي لميؤخذ عن آلمحمد (ع) لا الذي لميثبت بالضرورة و لكن كل قول اخذ عنهم من السبيل الذي قرروه فهو دينهم اقول هذا الكلام واضح لايحتاج الي بيان لان الأمور ثلاثة امرٌ بيّن رشده فيتّبع و امر بيّن غيّه فيجتنب و امر لا و لا فسبيله الوقوف عنه ثم ان كان المقام مقام شبهة فالوقوف و عدم العمل متعين و لها امثال كثيرة في الفقه و غيره و في المعاني و الاعيان و نأتي بفردين من افرادها علي سبيل التمثيل لان الاحكام التي يمكن ضبطها هي التي تتعلق بالكليات و اما الجزئيات فلايمكن ضبطها و لكن من عرف الحكم في الكلي حكمه في جميع الافراد المندرجة تحته ان كان فقيها ماهرا و لكن ليكون معلومك ان المراد بالشبهة الشبهة المحصورة مثال ذلك في الاحكام ما لو امتزج الحلال بالحرام في فردين مثلا او أكثر و كان ذلك محصورا وجب عليك الوقوف عن الحكم علي فرد من افراده بالحلّية او الحُرمة و وجب عليك اجتنابه لئلاتقع في الحرام و مثال ذلك في الأعيان ما لو تعارض عندك الأدلة في عدالة شخص و جرحه و لمتكن علي بصيرة من امره فالواجب عليك الوقوف عنه و لايجوز لك الوقوع فيه بشيء و لايجوز لك ان تجري حكما من الاحكام المربوط اجراؤها بالعدالة هذا في مقام الشبهة المحصورة و اما اذا كان المقام مقام اطلاق فلا اشتباه بعد قوله عليه السلام كل شيء لك مطلق حتي يرد اليك فيه نهي و بعد قوله عليه السلام كل شيء لك حلال حتي تعرف الحرام بعينه و تدعه من قبل نفسك ثم اني لما رأيت ان نقل هذا القدر من كلام هذا [ص 55] الرجل المؤمن الممتحن بهذه المحنة كاف لمن انصف لان ما مرادي تكبير حجم الكتاب و انما مرادي اظهار عين الصواب ليرتدع من سبقت له من الله الحسني و هم عن سورة العناد و نار الفتنة مبعدون فلنختم الآن ببيان ما فهمنا من مراد هذا المؤمن من هذا المسألة التي كبرت علي النفوس و كثر فيه القيل و القال و النزاع و الجدال و فرقت بين اهل الحق و اشمتت بهم الاغيار و أثارت فيما بينهم الغبار و الذي فهمنا من مراده فهمناه علي سبيل القطع كما في امثاله و نضائره لأنّا ماسمحنا في ذلك و لا قصّرنا و لاداهنّا بل طلبنا ذلك من طريقه و قصدناه من وجهه و كل من قصد شيئا و هو غير مقصر في طلبه و لا متعصب في قصده و لا بناؤه علي الجدال و لا علي تكثير الايراد و البناء علي عدم الانقياد لا بد ان يصيب مقصده و نحن فيما يعلم الله كذلك فاذا وقفت علي ما فهمنا من كلامه فان وافق نظرك فرتب عليه ما شئت ان تكفيراً و ان تفسيقاً و ان توثيقا و تعديلا و الحاصل رتب عليه ما شئت و اعلم أنك مسؤول عما تقول و قد قامت عليك من الله الحجة و انا احد الشهداء عليك عند الله و عند خلقه لاني اقمت عليك في ذلك البرهان القاطع و ان لميوافق نظرك فلاتراجع كلامه في ذلك بل اعرض ما فهمناه و قررناه علي جنابه الشريف و اطلب منه التقرير عليه ان كان هو عين ما اراده بلا تطويل لأن التطويل ربما يفوت المصلحة لاحتمال ان يقع بسببه تشويش علي بعض الأذهان بل اطلب منه ان يكتب نعم هذا عين ما اردت في هذه المسألة بلا زيادة و لا نقيصة و ان كان علي خلاف ما اراده ايضا يكتب ان مرادي غير هذا و حاشا ان يكتب ان مراده غير ما نذكره و حاشاه ان يكون له مراد غيره و قولي بأنك لاتراجع كلامه الواصل الينا لا من حيث انه متشابه و ربما يفوتك المطلب بل من حيث ان الشبهة من هذه النسبة الفاسدة التي نسبت [ص 56] اليه تحققت في ذهنك لسُوء ظنك به و سوء ما فهمته من عبائره الواصلة اليك في هذه المسألة و كلامه الواصل الينا بالنسبة الينا واضح محكم ليس فيه اشتباه لأن شبهتك بحمد الله مامرت باذهاننا و لكن فيه تطويل و هو مشتبه مشتمل علي مطالب و انحاء من الاستدلالات علي فروض في المسألة و ما يترتب علي كل فرض من الاحكام لأن هذه المسألة ذات فروض و كل فرض له نوع من البيان و الاستدلال يخالف الآخر في الظاهر و نحن احق بفهم هذا منك و لذا قلت لاتراجع كلامه بل راجعه حذارا ان تقف علي الاستدلال و البيان فتراه في الظاهر متغايراً فتظنه علي فرض واحد و المفروض ان المسألة ذات فروض و كل بيان لفرض علي حدة و أصل الاشتباه وقع من هذا السبب بواسطة الشبهة المتحكمة في الأذهان التي منشؤها سوء الظن في حق هذا الرجل الذي هو من اكبر المعاصي في حق المؤمنين و بالجملة فلنعنون لذلك مقصدا علي حدة و هو المقصد الثاني من هذا الباب .