هداية المسترشدين
في مسألة وحدة الناطق
من مصنفات المرحوم المبرور العالم العامل
الشيخ حسين المزيدي رحمة الله عليه
[ص 2] بسم الله الرحمن الرحيم
نحمدك اللهم يا من بصرتنا عند الفتنة طريق الرشاد و أريتنا في خلال ظلمات المحنة مذهب السداد و جانبتنا طريقة التعسف و العناد و وفقتنا للهداية و اعذتنا من الغواية و امطت عنا حجاب التعصب و غشاوة التصلب و اريتنا الحق فيما اختلف فيه الناس اذ كنا طالبين و افهمتنا ما اردته منا اذ كنا منصفين فلك الحمد علي ما انعمت و افهمت و علّمت عدد الرمل و الحصي و زنة العرش و الثري و الصلوة و السلام علي المبادي العليا و العلل الاولي مصداق و انّ الي ربك المنتهي محمد و آله الطاهرين و علي خلّص شيعتهم الخصّيصين و رهطهم المخلصين و لعنة الله علي اعدائهم الناصبين في كل طرفة عين الي يوم الدين .
و بعد فيقول اقلّ الخليقة و اللاشيء في الحقيقة الاقل الاحقر حسين بن محمد بن عبدالله المزيدي بصّره الله عيوب نفسه و جعل يومه خيرا من امسه و وفقه في يومه لغده قبل ان يخرج الأمر من يده ان هذه كلمات سمينة و درر ثمينة فاغل ثمنها و اعل مكانها و احكم اتقانها و اسمع منها و ابصر بها و واظب علي قرائتها و اعط التأمل حقه في معانيها و لاتظلم نفسك بالاقتصار علي مبانيها فان فيها الجلٰي من كل عمٰي و الشفاء من كل داء فتبصر فيها تبصر المنصف الذي ينظر الي ما قيل و لاينظر الي من قال من الرجال فانه لعمرك الداء العضال و غاية الاشكال و قد وضعت هذه الكلمات في هذه الرسالة لقطع التشاجر و التنازع و الخلاف و ربط القلوب علي الحق و الايتلاف في مسئلة وحدة الناطق التي تعزي للجناب المحروس من اوصاب الزمان مولانا حضرة الآغا محمد خان لازال ملحوظا بعين العناية علي الدوام و محفوظا بعناية الرعاية مدي الايام و ما يريد منها من نسبت اليه فانها و ابيك مسئلة كدرت الخواطر و اوسعت التشاجر [ص 3] فيما بين هذه الفرقة القليلة الضعيفة و اهل هذه السلسلة الجليلة الشريفة حتي آل الأمر فيما بينهم الي المجانبة و المساببة بعد الالفة و المحاببة بحيث طالت عليهم السنة التشنيع من الاغيار و الاجانب من كل ناحية و جانب و كل هذا من عدم التأمل و التأني في مثل هذه الأمور تحقيقا و تصديقا لقوله عليه الصلوة و السلام لتغربلن غربلة و لتبلبلن بلبلة و لتمخضن مخض السقا لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم انا لله و انا اليه راجعون و لايزالون مختلفين الا من رحم ربك اللهم اجعلني ممن رحمت و لاتهلكني فيمن فتنت فاني من تحويلك اياي عن الهدي وجل و لاتنجو نفسي ان نجت الا بك و قد كتبت في سالف الايام في هذا المقام رسالة مبسوطة حققت فيها ما عندي مما ادين الله به و لكن علي وفق ما فهمه السائل لان الجواب علي طبق السؤال و لماتعرض فيها للجناب المحروس الا أن القطع المتيقن عندي مما اوجبه ( اوحاه خ ) العقل السليم ان هذه المقالة ماتصدر من السفيه فضلا عن ذلك العالم الحكيم و انه منزه عن هذه المقالة الفاسدة و حيث ان ما وصلني من كلماته الشريفة كله مشوش لايحصل المراد منه علي سبيل القطع بل و لا الظاهر كاتبته علي يد من اثق به من اصحابنا في هذه المسألة أنك ما تريد من وحدة الناطق علي الحقيقة و ما المراد من النطق و الناطق في هذا المقام و انما كاتبته لاكون علي بصيرة من مراد الرجل لأن التهجم علي عباد الله و لاسيما اذا كانوا معروفين بالصلاح و الاستقامة و رميهم بالالحاد و الكفر و الزندقة بمتشابهات الألفاظ بل و لا بالظواهر المحتملة لموافقة الحق قبل سؤال صاحبها عن معناها و اعرابه عن مراده منها من محكمات بيانه جرءة عظيمة و مخاطرة مردية جسيمة لايجتري عليها منصف لعقله و لا محتاط علي نفسه و حافظ لمقام فضله و لاسيما اذا كانت الجرءة قلمية كتابية و صاحبها ممن يُقتدٰي به فانها قلَّ [ص 4] أن تُتلا فنعوذ بالله ( ان تتلافي نعوذ بالله خ ) من نزغات الاقلام و طيش الاحلام و خطل الافهام و نسأله العصمة في جميع امورنا و التوفيق لما يرضيه عنا فانه ولي من اناب اليه و عصمة من توكل عليه و بالجملة كاتبت الرجل ليفهمنا مراده من هذه المسألة كما مر و اتفق انه لميأت الجواب الا بعد الفراغ من تلك الرسالة الي السائل و بعد هذا بمدة يسيرة اتفق لي سفر الي العراق فوجدت اصحابنا في العراق فرقتين كرماني و همداني و اذا بينهما تمام المباينة و الملاعنة و وقع في يدي بعض الرسائل لجناب المولي الفاخر جناب الميرزا الحاج محمدباقر الاصفهاني اصلا و الهمداني مسكنا و رأيت فيها ما لايليق نسبته الي مثله من التضليل و التكفير لجناب المحروس من أوصاب الزمان جناب الآغا محمد خان و نسبته الي الالحاد و الزندقة حتي انه صنف كتابا في تعداد الملل الكافرة و الفرق الضالة الملعونة و في الرد عليها من مجوسي و ثانوي و يهودي و نصاري و برهمي و صنمي و ناصبي و بابي و عند ما فرغ من ذكر الباب المرتاب عليه اللعنة اتبعه بذكر المشار اليه باقبح و اشنع عبارة حتي انه تارة يعبر عنه بالملحد و تارة بالضال المموه و تارة بالمغوي و تارة انه اقل حياء و اكثر وقاحة من ابليس و غير ذلك من الالفاظ الشنيعة التي لاينبغي للعاقل ان يعبر بها عن اقل زعيم من زعماء اهل الباطل بل لو كانت المكالمة موجهة الي بعض علماء الخوارج و كانت من عاقل حاضر عند الكتابة لماكانت بهذه الفظاظة و الجلاحة لان الكلام صفة المتكلم لا صفة المواجه بالكلام و الحق في كل مقام بيانه بالبرهان الموزون بالعقل المستقيم و محكم الكتاب العزيز و السنة لا بمثل هذه الكلمات الموحشة التي يتبين منها عدم حسن أدب من نسبت اليه و تُوهم ان له غرضا مع المواجه حيث ان الذي ظهر لي من تضاعيف كلمات المولي الفاخر المشار اليه أن رده علي جناب المحروس محمد خان و تكفيره له و نسبته له الي [ص 5] الالحاد مرتب علي ما فهمه من الافواه و ما وقف عليه من رسائل المشار اليه في هذه المسألة و ما أجاب به بعض السائلين حين سأله في هذه المسألة و لو انه مرتب علي جواب له بخصوصه لذكره في تضاعيف كلامه باني كاتبته في كذا و كذا و اجابني فيما هو كذا و كذا و لا شك عند كل منصف ان ما وصل الينا من كلماته في هذا المقام اغلبه مشوش و فيه كلمات محكمة تنفي ما نسب اليه من الأفواه و تثبت ان له مرادا من الوحدة غير ما فهمه الناس ثم ان كلامه في ذلك الواحد الذي سماه بالناطق علي اصطلاحه مضطرب تارة يجعله شايعا في نوع العلماء الكاملين كالنكرة الشايعة في الجنس الا انه غير مستحيل معرفته علي الطالب العارف البالغ و ان كان تعينه ليس بواجب علي احد لعدم النص عليه بخصوصه و تارة له كلام يوهم وجوب معرفته علي المكلفين المعتنين بامور التكاليف و تارة له كلام ان وجود هكذا شخص كامل موجود في كل عصر و اذا ظهر انما يظهر بالعلم و طريق معرفته الاخبار الشارحة لاحواله و صفاته و كونه مقننا مجددا مفصلا لما أجمله سلفه متصفا بالرياسة الالهية التي بها أمات نفسه و أحيٰي جهة ربه و اخفٰي نفسه و اظهر مولاه علي حد الصفة مع الموصوف و الاسم مع المسمي و هكذا كلامه فيما وصل الينا لايكاد عاقل يقطع منه بشيء اذ هذا مراده من هذا الكلام علي سبيل البت فاذا كان الكلام علي هذا المنوال كيف يمكن الجرءة عليه بالتكفير و التضليل و النسبة الي الالحاد و علي كل حال فالكل مسؤول عما يقول و ربك يحكم بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون و قد رأيت كلام مولانا الفاخر جناب الميرزا حاجي محمد باقر سلمه الله في الرد علي مطلب جناب مولانا الآغا محمد خان لازال محروسا من أوصاب الزمان يدور علي انكار الضرورة تارة و علي مخالفته اجماع اهل المذهب بل الملة من اهل القبلة بل الملل الاخري و من هذا قال ما قال في حقه مما هو غير مناسب في حقه [ص 6] و لا شك ان مراد الرجل خارج عن معقد الضرورة و عن معقد الاجماع و الحال فيه انه ان اقام علي مدعاه حجة نيرة من كتاب او سنة او برهان تعرف العقول بأسرها عدله وجب علي من قامت عليه الحجة الأخذ به و التسليم لمدعيه و الا وسع الخاصة و العامة التوقف فيه و رده عليه و ليس له علي من لميقم ( عليه خ ) حجة حجة اصلا و هو اعلم بمدعاه و مراده و ليس لأحد من الناس تفسيقه و لا تكفيره و لا الوقيعة فيه قصارٰي ما هناك انه لايكلف الناس بالقبول لما يقول الا ببرهان تعرفه الناس له علي انه اذا لميقم برهانا يكون حجة بالغة علي كل أحد يكفر او يفسق نعوذ بالله اذ كثير من اسرار العلوم لمتكن حجته بالغة و لو كان الأمر كذلك مابقي سر من الأسرار مخفيا علي احد من العقلاء و لكانت الأسرار و بواطن العلوم مشرعة يخوضها كل احد و الأمر علي خلاف ذلك بداهة و القدر المتيقن ان كل احد من العلماء و غيرهم لايقول بشيء اصلا الا بدليل لقوله تعالي و لاتقف ما ليس لك به علم و قبول الدليل منه و عدمه مرحلة اخري و حكم آخر ما له ربط بتفسيق و لا تكفير اذ هو عند نفسه مستوضح و المقام مقام استيضاح كما يأتيك فتبصّره و بالجملة لما وقفت علي كلام هذا الفاضل و رأيت تشتت أمر هذه الفرقة القليلة بسببه تأسفت كثيرا و داخلني ما الله اعلم به من القلق بحيث نغّص مشربي و مطعمي و اغصّني بريقي و اقلقني عن وسادي و منعني رقادي و الله علي ما اقول وكيل و كيف لايكون ذلك و امر هذه الفرقة الضعيفة القليلة العدد التي انكب علي مناواتها و معاداتها و اذيتها جميع من اظلته هذه القبة مع اجتماعه هو اقل قليل و ليس له قابلية الانقسام لقلته فكيف به و قد بُلي بهذه الصدمة فانا لله و انا اليه راجعون و ليس الا ما اراد الله ما شاء الله كان و ما لميشأ لميكن و علي كل حال فلاجل ما سمعت وضعت هذه الكلمات النيرات في هذه الرسالة لتكون بلاغا و حجة علي [ص 7] كل من وقف عليها من اتباع الرجلين و لعل بسببها يرتفع القيل و القال من الطرفين و الكفر و التفسيق من البين فانظر فيها بنظر مستقيم و مدرك سليم نظر حريص علي نجات نفسه قبل حلول رمسه لا بنظر أهوج و مدرك معوج فاني ماقصدت بوضعها الا الله و الدار الآخرة و الاصلاح ما استطعت و ما توفيقي الا بالله عليه توكلت و اليه انيب ثم اعلم اني لست بكرماني اتعصب لكرماني و لا بهمداني اتعصب لهمداني و انما انا رجل من جملة خدم الشيعة موطِّنٌ نفسي علي اتباع آلمحمد و شيعتهم صلي الله عليهم اجمعين ما قالوا قلتُ و ما دانوا به دنتُ و اعوذ بالله و استعصمه من مخالفتهم في الديانات و الاعتقادات و ان كنت مخالفا لهم في اغلب الافعال و ذلك لتقصيري و قصوري و اسرافي علي نفسي و تضييع اوقاتي و لكن اسأله العفو عن قصوري و تقصيري و اسرافي علي نفسي و أسأله ان يختم لي بمتابعتهم علي وسع امكاني و قصور شاني انه ولي الاجابة و اليه المرجع و الانابة و قد رتبت هذه الرسالة علي مقدمة و ثلاثة ابواب و خاتمة و سميتها بهداية المسترشدين سائلا من الله التسديد و الامداد بالتأييد من القطب و الغوث عليه التحية و الثناء و جعلني من كل سوء له الفداء و ان يجري الحق علي قلمي و لساني مع حقارة شأني و دنو مكاني لانه علي كل شيء قدير و بالاجابة جدير .
فصل - يشتمل علي نصيحة خبير مشفق و هي ثقيلة الا علي اهلها لقوله عليه السلام النصيحة خشنة الا علي اهلها و ارجو الله ان تكون اهلها و محلها اعلم وفقك الله و سددك ان الفتنة اذا اقبلت تقبل سوداء مظلمة مدلهمة لايُبصرُ فيها و لايَنظرُ و لايَسمعُ الا من كان عنده مصباح من الله و آله فهو ينظر بنور الله في مدخله و مخرجه و قيامه و قعوده و في جميع حالاته فهو مطمئن بذكر الله [ص 8] و نوره الا بذكر الله تطمئن القلوب و يعلم تلك الفتنة مقبلة و مدبرة و يعلم مبتداها و منتهاها و يعلم الهالك بها و الناجي منها نوعا و يعلم مدة بقاها و سببه الموجب له و قصد مبتداها و منتهاها الي من و عمّن و ممّ و كيف و اذا ادبرت عرفها من سبقت له من الله الحسني فرجع و استرجع و هم الاقلون من اهل هذا الصنف كما رأيت و شاهدت و لاينبئك مثل خبير و لذا ورد قل ما ادبر شيء فأقبل و انت ان قبلت نصيحتي و اردت نجاتك و نفسك فاثبت في مركزك و اعتصم بحبل الله الذي امرك بالاعتصام به و قف و لاتسرع مع المسرعين و كن في ذلك كابناللبون لا ظهر فيركب و لا ضرع فيحلب لان الفتنة اذا اقبلت رحاها تطحن لها سورة تصمي و تعمي فتطحن كل قائم لها و متعرض ( معترض خ ) بين يديها كما رأيناه و شاهدناه عيانا فكن منها علي حذر و جانب طريقها و اقعد عنها و اياك ان تمشي بين يديها فتهلك فاذا أخذت مأخذها من غثاء الناس و ولت مدبرة فهناك تبصر رشدك و ليكن الحق الذي أمرك الله به بغيتك و علي الله قصد سبيلك و هداك و اعلم اني رأيت الناس في الفتنة ثلاثة اصناف صنف عرف مدخله فيما امر الله و مخرجه فيما نهاه و عرف موصوله و مفصوله فهو يقوم بنور الله و يقعد بنور الله و ينطق بنور الله و نور الله يسعي بين يديه و من خلفه و عن يمينه و من يساره كما قدمنا فهذا في الفتنة كالجبل لاتحركه العواصف لأنه اخذ دينه من الله و من رسوله و آل رسوله علي بصيرة و برهان نيّر و لميأخذ دينه من أفواه الرجال فهو ناج من كل فتنة و كل بلية و صنف تابع العلماء العاملين لله و في الله لا لهم و لا له فاذا اعترضته الفتنة قعد عنها و وقف عندها حتي يتبين امره فاذا ادبرت الفتنة بغياهبها أسفر له الحق و مشي في طريقه علي بصيرة و نجاة و هذا الصنف اقل قليل بحسب ما رأيت حتي كادوا [ص 9] يكونون كالكبريت الاحمر و هم القليل المستثني من عسكر طالوت الظاهر و الباطن في قوله تعالي فشربوا منه الا قليل و الصنف الثالث و هم المعظم و الجمهور من كل أمة حتي انهم لغلبتهم و كثرتهم لايكاد يُرٰي الا هم يدخلون في الامر علي غير بصيرة و يخرجون علي غير بصيرة و يتبعون علي غير بصيرة و الذي له قابلية البصيرة يتبع الحق بالرجال لا الرجال بالحق و ينظر الرجال لا المقال فهو لايزال مع هواه لا أمر مولاه فلذلك كانوا رعاعاً و للفتن بلاغاً و طعاماً صرعٰي كل فتنة و هلكا كل محنة و هم اهل هذه الآية اولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدي فما ربحت تجارتهم و ما كانوا مهتدين مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم و تركهم في ظلمات لايبصرون صم بكم عمي فهم لايرجعون و ذلك لأن من مشي في ظلمات الفتنة لايكاد يرجع فاوصيك ان لمتكن من الصنف الأول فكن من الصنف الثاني و لاتكن من الصنف الثالث فتهلك فهذه وصيتي اليك و نصيحتي لك فان قبلتها نجوت قطعا و الله خليفتي عليك .
فصل - اعلم ان اهل المذهب في جواز تقليد غير المعصوم عليه السلام علي قولين فالحلبيون من قدماء اصحابنا علي المنع و قالوا بوجوب الاجتهاد عينا علي كل مكلف بمعني انه لايجوز تقليد احد الا المعصوم (ع) لأن قبول قول غير المعصوم (ع) لايفيد علما تسكن اليه النفوس و تطمئن به علي العمل لجواز سهوه و خطئه و اشتباهه و غير ذلك من الوجوه و لكون قبول قول غير المعصوم (ع) علي خلاف الاصل و لميدل دليل قاطع علي تقليده و قصارٰي ما ورد من الدليل علي قبول قوله في قبول الرواية منه عن المعصوم (ع) كما قال عليه السلام لا عذر لاحد من موالينا في التشكيك فيما يرويه عنا ثقاتنا ( و قد عرفوا بانا نفاوضهم خ ) و قوله عليه السلام و اما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الي رواة احاديثنا و هذا [ص 10] شيء آخر غير معني المراد من التقليد لأن قبول الرواية عن الراوي الثقة شيء و التقليد الذي هو قبول قول بلا دليل شيء آخر كما لايخفي لان قبول الرواية عنه قول بلا دليل و هذا غير التقليد المصطلح و المشهور بين اصحابنا قديما و حديثا فجواز التقليد لمن لميكن من اهل الاستيضاح للعلماء المستوضحين المأمونين العاملين البالغين المالكين ازمة النفوس و قالوا لو لميكن ذلك كذلك لزم العسر و الحرج و هما منفيان باصل هذه الشريعة السمحة السهلة لأن مواد التكليف عامة البلوي للذكر و الأنثي و الابيض و الأسود و الحر و العبد من ابناء خمسة عشر سنة و بنات تسع سنين و لا شك و لا ريب ان ما كل مكلف يتمكن من استيضاح مدرك حكمه و دليل تكاليفه علي التفصيل و هذا شيء محسوس بالوجدان و يكفي في جواز الأنتقال عن الأصل هذا و اقل منه و احتمال الاشتباه و الخطأ و النسيان لايصار اليه بعد اشتراط كون ذلك العالم الذي يجوز للعامي تقليده و اخذ الاحكام منه انه ممن استكمل قوي نفسه الناطقة القدسية من علم و عمل و حلم و فكر و نباهة فانه حينئذ ممن زكي نفسه بالعلم و العمل حتي كان محسنا و معنٰي كونه محسنا انه يحسن المجاهدة في طريق اصابة الحق فيما كلف به كما قال الله تعالي و الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا و ان الله لمع المحسنين فاذا كان محسنا لطريق المجاهدة كان الله معه و اذا كان معه فهو محفوظ من الخطأ و الاشتباه و النسيان و موفق لاصابة ما كلف به البتة و ذلك لمكان المعية المذكورة فافهم ثم ان هؤلاء الذين جوزوا التقليد اختلفوا في تفسيره فمنهم من فسره بالرواية الثانية اي الرواية بالمعنٰي و لذا قالوا انه لا فرق علي هذا بان يقلده حيا او ميتا لأنه حينئذ راوي من جملة الرواة و لا فرق في الرواية بين ان يكون المروي عنه حيا او ميتا و منهم من فسره بمفاد الدليل لذلك العالم فالعالم [ص 11] يستفيد الحكم من الدليل و الدليل اعم من كونه رواية او آية او من اجماع او من دليل عقل كالاصول العملية او غير ذلك علي ما اداه دليله فاذا سأله العامي افتاه به و ذلك مثل ان يسأله عن بئر وقعت فيه نجاسة لمتغيره فيفتي له بطهارة البئر فالحكم بطهارة البئر مستفاد للعالم من قوله (ع) البئر واسع لمينجسه شيء و يأخذ العامي ذلك الحكم الذي هو طهارة البئر بدون ان يسأله الدليل عليه و هكذا في جميع الاحكام و ذلك من حيث كون ذلك العالم علي ما وصفنا حجة علي ذلك العامي و طريقا له في ايصال الحكم اليه من الشارع و تفهيمه اياه و هذا هو الحق عندي و هو المعروف المتبادر من معني التقليد علي مصطلح الامامية لا المعني الأول و لو كان التفسير الاول هو معني التقليد المصطلح عليه عند الامامية لكان العلماء باسرهم كبيرهم و اكبرهم و عالمهم و اعلمهم مقلدين اذ لا سبيل لهم من غير طريق الرواية و لاسيما في الاحكام التوقيفية و اغلب الاخبار مروية بالمعني و لان الراوي غير المفتي بالبداهة لان الراوي لايجوز له الرواية الا علي سبيل القطع الذي لايحتمل النقيض و لو عقلا كأن يقول حدثني فلان او في الكتاب الفلاني كذا او عن فلان كذا و نقلا عن الكتاب الفلاني كذا و لاتجوز الرواية له الا هكذا او ما أدٰي معناه و هذا بخلاف المفتي قطعا لانه يفتي عن مفاد دليله و في اغلب فتاويه يجري الاحتمال المذكور كما لايخفي علي الممارس و لتحقيق المسألة محل آخر و انما قصدنا ما هنا التنبيه علي شيء ضل ( غفل خ ) عنه الاكثرون و هو محل تقليد العامي للعالم فان اتباع العلماء قل من وقف عليه و لميتعد فنقول اجمع اهل المذهب ان محل التقليد كل حكم لايهتدي العامي لاستيضاح دليله و لايهتدي لمدركه كاحكام العبادات و المعاملات و السياسات و الفرائض و الحدود و غير ذلك مما يحتاج الي نظر و استدلال و كل حكم لايحتاج الي نظر و لا يحتاج الي [ص 12] استدلال كتحريم الخمر و الزني و الفواحش و وجوب الصلوة و الزكوة و غير ذلك مما قامت عليه الضرورة الملية خارج عن محل التقليد قطعا و لذا تري كثيرا من فقهاء اصحابنا اخرج الضروريات من حد الفقه لان الحد الاصطلاحي للفقه هو العلم بالاحكام الشرعية الفرعية عن ادلتها التفصيلية و الضروريات غير محتاجة لتفصيل الدليل فاذا عرفت ذلك فاعلم ان من الاحكام الضرورية الحكم بتكفير الناس و تفسيقهم لأن مدرك دليل الكفر و الفسق ضروري فلايجوز التقليد لاحد فيه كائنا من كان و بالغا ما بلغ فاياك ان تكفر مؤمنا و من كان معروفا باتباع مذهب الحق تابعا لاحد في تكفيره الا ان يكون ذلك المتبوع من الائمة المعصومين عليهم السلام فانه يجب حينئذ ان تكفر بما كفر به و تؤمن بما آمن به لانهم عليهم السلام هم المطلعون علي الحقايق و العواقب و مشرفون علي ما تجنه النفوس و تخفيه القلوب و اما غيرهم فلاتغتر باحد يكفّر احدا بحجة انه خالف الضرورة او غير ذلك حتي تري ذلك عيانا فيمن نسب اليه فان رأيت ذلك عيانا و الا فالواجب عليك الوقوف و لاتخاطر بنفسك فان المقام خطير قال عليه الصلوة و السلام من كفّر مؤمنا فقد كفر و في رواية من كفّر مسلما فقد كفر و انت مسؤل لم كَفَرت لا لم ما كفّرت هذا و لمار فيما علمت لهذا الحكم عاملا من التابعين بل ديدنهم التبعية لمتبوعهم في هذا الحكم بالخصوص دون سائر الاحكام كما هو مشاهد بالعيان و قد نصحتك و لااريد بنصيحتي معك الا الله و الدار الآخرة و ان افتريته فعلي اجرامي .
فصل - اعلم ان السبب في اختلاف المتنازعين تارة يكون باختلاف المدرك و الدليل و تارة يكون باختلاف النظر و تارة يكون باختلاف الارادة و تارة ( يكون خ ) باختلاف الاعتبار و تارة يكون باختلاف القصد و النية و تارة باختلاف الاغراض [ص 13] و تارة بالاختلاف في الجميع و لو اتفقا في جميع ما ذكرنا لارتفع الخلاف و النزاع فيما بينهما قطعا فاذا تنازعا اثنان في حكم من الاحكام فلاتمل مع احدهما بوجه من الوجوه و لاتستأنس بكلام احدهما دون الآخر فيكون حاجبا لك عن اصابة الحق لأن احد المتنازعين في الواقع مخطئ الحق بلا اشكال و قد يكون كل منهما مخطئا للحق فتكون قد عرضت نفسك للهلكة بل لو كان من ملت اليه من اول الأمر مصيبا ماكنت ماجورا في تبعيتك له لأن تبعيتك له من ميل هواك لا عن تبصر في الأمور ثم انظر ان كان ما تنازعا فيه مما تعم به البلوٰي و انت في الواقع مكلف به و لك قدرة في تحصيل الدليل عليه فاجهد جهدك و ليكن الحق فيه اكبر همك و ضالتك التي امرت بطلبها غير ناظر لمقام زيد او عمرو فاذا أصبت الحق باراءة الله لك فاقبله و لو من قاتل ابيك لأن الحق ضالة المؤمن اين ما اصابه اخذه و عمل به و ان كان المتنازع فيه دقيق المأخذ و لايمكن الوقوف علي دليله علي سبيل القطع فاعلم انك غير مكلف به فذره في سنبله لاهله و لاتتكلف له دليلا ليس في وسعك اذا سألك الله عنه تجيب فان الامور ثلاثة امر بيّن رشده فيتبع و امر بيّن غيّه فيجتنب و أمر لا و لا فالواجب الوقوف عنده و رجوع العلم به الي الله و الي رسوله صلي الله عليه و آله لأن الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات و هو طريق كل عاقل محتاط لنفسه فاحتط لنفسك فانها ان هلكت هلكت و ان نجوت ( نجت خ ) نجوت و هذه نصيحة ثالثة قد القيناها اليك و الله خليفتنا عليك .
فصل - اعلم ان الله جل شأنه ببديع صنعه و عجيب حكمته قد خلق الخلق متزاوجين متشاكلين علي ما اقتضته قابلياتهم الامكانية و الصلوحية و قابلياتهم الكونية الفعلية طبق علمه الكينوني و مشيته في المقامين اعني مقام الصلوح [ص 14] و مقام الفعلية و لا شك ان علمه الكينوني بهم صادق مطابق للواقع ما له من دافع و لا علم منهم الا ما اقتضته قابلياتهم و اكوانهم فلذلك درجهم في مقامات التكاليف في كل مقام ليحقق علمه بهم و يوصل كل منهم الي غايته و في كل مقامهم كلفهم و فتنهم و اختبرهم كانوا امة واحدة علي شرع ( شرح خ ) يطول و ليس هذا محله و لسنا بصدده فاذا جاء بريد الفتنة بالتكليف اختلفوا بعد ان كانوا مؤتلفين و افترقوا بعد ان كانوا مجتمعين و ذلك لتحقيق علمه السابق بما هم عليه و هذه القاعدة ماتخلفت و لاتتخلف في جميع المقامات التكليفية ابدا من آدم الي قتل ابليس الابالسة و شاهدنا علي الامم السالفة هذه الامة و شاهدنا علي عالم الغيب عالم الشهادة افرأيتم النشأة الأولي افلاتذكرون كان الناس امة واحدة فبعث الله النبيين ، فاختلفوا و كان الناس امة واحدة فبعث الله خاتم الانبياء فاختلفوا و كان المسلمون امة واحدة فبعث الله بريد الولاية فاختلفوا و كان اهل الولاية امة واحدة فبعث الله بريد الفتنة بالكيسانية ( بالكسائية خ ) فاختلفوا ثم كانوا امة واحدة فكانت الفتنة النصيرية و السبائية فاختلفوا ثم كانوا أمة واحدة فكانت الفتنة الزيدية فاختلفوا ثم كانوا امة واحدة فكانت الفتنة الناووسية فاختلفوا و هكذا حتي كملت الدورة في الفتنة بالولاية و تمت حروفها و أتلفت كلمتها و استنطقت حروف لا اله الا الله كان الناس امة واحدة قد اجتمعت كلمتهم عليها جاء بريد الفتنة باكابر الشيعة و تغيرت الدورة فلما ورد عليها وارد الفتنة باكابر الشيعة كالابواب الأربعة تفرقت الي شلمغاني و سويعي و حلاجي و نميري و هلالي ثم كان الناس امة واحدة حتي تغيرت الدورة لمصالح ربما ننبه عليها فيما يأتي فلاتغفل فاظهر الله تعالي ما كان مخفيا من اسرار التكاليف و امور التعاريف لامور الله اعلم بها علي يد بدل الابدال و آية المثال اعلي الله مقامه فافترقت اشد افتراق من الأول كما هو محسوس ثم اجتمعت في [ص 15] الجملة حتي كانت امة واحدة في عصر خلف المعلم الأول و عند رحلته اختلفت ثم ائتلفت في الظاهر حتي كانت امة واحدة في الجملة فقام خَلَف المعلم الثاني و لما مهّد محل الدورة الابتلائية و ان محل الابتلاء و الاختبار من هذا الآن الي ظهور شريك القرآن و حافظ اهل الزمان و قطب دائرة محوره انما هو اكابر الشيعة و سماهم بالركن الرابع فلما اشار في ذلك الي ما أجمل و اعتنٰي بما اهمل كملت ( كاعت خ ) منه نفوس قوم و زاغت منه نفوس آخرين و جاءت الفرقة بعد الالفة حتي آل الامر الي تكفير ذلك الحكيم و تضليل ذلك العليم تحقيقا لما علمه من مقتضيات خليقته و ما عليه كينونات بريته و هذا مقام و جعلنا بعضكم لبعض فتنة اتصبرون و كان ربك بصيرا و هذه الآية الشريفة في هذا المقام لا مقام الولاية الاولي فافهم الاشارة في صريح العبارة و شمر علي ساق و احتط لنفسك و اعلم انك مبتلي و مفتون و مختبر ما دام الخلط و المزج موجودا و الغلبة للظالمين و لاتظن كما ظن بعض الناس ان المزايلة بين اهل الحق و الباطل تمت علي اكمل وجه حتي اخذ في تعداد الفرق و حاول انهاها الي ثلاثة و سبعين فرقة ليطبق ذلك علي الحديث المشهور و هو قوله صلي الله عليه و آله ستفترق امتي علي ثلاث و سبعين فرقة فرقة واحدة منها ناجية و الباقون في النار و في اثناء المسافة امتنع عليه العدد و اخذ في التلفيق بما لا محصل له و المفروض انه صدر ذلك ممن يدعي العلم من الفريقين من مدة خمسمائة سنة او اكثر فليت شعري هذه الفرقة التي يكفر بعضها بعضا و يلعن بعضها بعضا التي وقعت بعد تلفيق هذا العدد الذي صدر من غير روية و لا درية في الامور و هل يحكم عليها بالنجاة او بالهلاك فتكون خارجة عن العدد اما الحكم بالنجاة فلايمكن لان ما بعد التكفير غاية و الحكم بالهلاك خلاف الحديث المجمع علي روايته لانه متجاوز العدد المذكور علي زعم [ص 16] الذاكر و بالجملة قد نبهتك علي شيء فلاتغفل و اعلم انك مبتلي و مفتون و انه لو لميبق من دولة ابليس الا يوم واحد لأكمل الله هذا العدد لان قول النبي (ص) المطلع علي الحقايق لا خلف له قطعا و النبي (ص) قال ستفترق امتي و لميقل افترقت و اعلم ان كل متبوع كفّر متبوعا كان هو و اتباعه فرقة بلا شك داخل في اعداد الفرق و كذلك مقابله لأن التكفير ما بعده غاية تنتظر لا عند الله و لا عند العقلاء من خلقه و لهذا الكلام شرح طويل ليس هذا محله و انما قصدنا التنبيه علي ارشادك في المسألة فلاتغفل و لاتكفّر احدا عُرف بالايمان و الاسلام حتي تراه فيه عيانا لان الكافر هو من كفر بما جاء به محمد (ص) صريحا كما تراه عيانا في سائر فرق الضلال لا من كفره مناوٍ له او مخالف له في نوع من العلم او في مسألة بحجة انه مخالف للضرورة بمجرد وقوفه علي كتاب له او قول له في مسألة اذ لعله يريد غير ما فهمه هذا المكفِّر او لعله له تصاريف في كلماته توافق الحق الذي جاء به محمد (ص) فيكون المكفِّر له مناوٍ لله و لرسوله من حيث لايعلم و علي كل حال فمدار الكفر هو ما ذكرته لك كما نذكره في الباب الآتي فترقب و لاتخاطر بنفسك بعد هذا البيان فاني والله ماأردت بذلك الا نصيحتك لوجه الله و اخبارك بما نحن عليه لتكون فيه كما كنا و لايسع العاقل المشفق علي نفسه غير هذا و السلام علي من يفهم الكلام و علي الله قصد السبيل
المقصد الأول في تعريف الضرورة و معني الضرورة و لم سميت الضرورة ضرورة لتكون علي بصيرة من امرك اعلم ان كل شيء خلقه الله تعالي قد اقامه بمشخصاته الستة التي هي عبارة عن كمه و كيفه و جهته و مكانه و رتبته و زمانه من عرصات الوجود فلايعقل بروز فرد من افراد الوجود الا بهذه المشخصات الستة [ص 17] و هي المتممات لمقتضي قابلية كل شيء و لا فرق في ذلك بين افراد الوجود الكوني و لا بين افراد الوجود الشرعي و لا بين افراد الجواهر و لا بين افراد الاعراض في الوجودين في الكلي كلي و في الجزئي جزئي و في الكل كل و في الجزء جزء و ما منا الا له مقام معلوم فكل من دخل دار الوجود مقيد برتبته و هي بيته و مقامه في تلك الدار لايتجاوزها الي غيرها الا ان يشاء الله تغيير وضعه و مقامه فذاك اليه لانه علي كل شيء قدير و قدرته مطلقة لاتقيد و من قيد فقد أفسد و الحد و علي كل حال فكل نوع من خلق الله او جنس او كلي او جزئي او كل او جزء صاف لله في مقامه و رتبته كل قد علم صلاته و تسبيحه و ذلك من المبادي العليا الي اسفل المراتب الدنيا و من العرش الي الفرش و من الدرة الي الذرة من غير تفاوت اذ ماتري في خلق الرحمن من تفاوت فاذا عرفت ذلك فاعلم ان الحكمة الواقعية هي معرفة تلك الافراد الوجودية و تلك الكليات و الانواع و الاجناس علي ما هي عليه و ادراكها علي ما هي عليه واقعا و ذلك بحسب طاقة ( طاقته و خ ) عقل ذلك المدرك و ذلك العارف من تلك الافراد و الكليات و الانواع و الاجناس الوجودية و لايدرك كل عقل منها الا من كان تحت مقامه او مساوٍ له و لايدرك ما تجاوز مقامه منها قطعا اذ الشيء لايدرك ما وراء مبدئه و جميع العقول باسرها ما عدا عقل الكل جزئية كل علي حسبه فكل عقل غير عقل محمد و آله (ص) انما يدرك بعض افراد الوجود الذي مقامها مساو له او ادني منه و ذلك اذا صفا و اعتدل بمتابعة الشارع في القول و الفعل و العلم و العمل في جميع الاحوال و الاقوال و الافعال و الا كان معوج الادراك و لايكاد يدرك شيئا علي حقيقته و لا علي ما هو عليه في الواقع كما هو مشاهد عند اهل البصيرة و مع اعتدال العقل و العاقل في جميع الاحوال فهو محتاج الي التنبيه في اغلب الأشياء الاتري الي موسي (ع) مع كونه من [ص 18] اولي العزم فانه ماادرك الحكمة في قتل الخضر (ع) الغلام و خرق السفينة و هدم الجدار حتي نبهه الخضر (ع) علي ذلك و كذلك موسي مع الخضر عليهما السلام ماادركا الحكمة في فعل الطائر حتي نبههما الصياد كما هو في القصة المشهورة و كذلك سليمان (ع) لميدرك الحكمة في سؤال النملة الا بعد أن نبهته عليها فالعقل و ان كان درّاكا للاشياء علي ما هي عليه اذا اعتدل الا انه محتاج لتعليم الله جل و علا في جميع الأمور علي الحقيقة فلاتغتر بمن يطرح النصوص من الاخبار و الآيات زعما منه انها ماتعارض ادلة العقل و ان العقل محكّم عليها فاذا عارضته وجب طرحها او تأويلها بناء علي ما اشتهر بينهم ان القاعدة العقلية لاتقبل التخصيص فاذا عارضها الخبر يطرح او الآية تأول و هذا كلام من لايعرف حقيقة الحال و حقيقة الحال ان الكلام صفة عقل المتكلم و علي سعة علمه و قد نبه الله تعالي علي ذلك من يعقل في قوله الحكيم فان لميستجيبوا لكم فاعلموا انما انزل بعلم الله يعني ان من يأتي بمثل القرآن لا بد و ان يكون في ذلك علمه مساوٍ لعلم الله و لا شك ان هذا محال فيكون الاتيان بمثل عشر سور او سورة مثله محالا و كذلك القول في السنّة لانها صفة عقل الكل الذي هو حظّ محمد و آله صلوات الله عليهم فلايدرك اسرارها و حكمها علي الاطلاق من جميع الحيوث و الوجوه الا هم عليهم الصلوة و السلام و اما سائر العقول الجزئية فلاتدرك منها الا ما كان في وسعها اذا اعتدلت و نبهت من آلمحمد (ص) لا مطلقا و لهذا المقام شرح يطول فيه الكلام و ليس هذا محله و انما قصدي التنبيه حرصا علي ارشادك علي طريق الحكمة فلاتغفل فان التنبيه و المتنبه في هذا المقام قليل و الله علي ما اقول وكيل فاذا عرفت ذلك فاعلم ان العقل علي ما وصفناه انسان غيبي كامل الادوات بحيث لو تجسد لرأيت عقل كل انسان علي هيئته بحيث لو جلس نحوه [ص 19] ماقدرت علي التفرقة بينهما و مع ذلك فهم متفاوتون في الادراك فمنهم من يدرك البعيد عن الاذهان و منهم من يدرك المتوسط و منهم من يدرك القريب و منهم من لايدرك شيئا الا بعد علاج طويل و استعمال نظر و تنبيه كما تشاهد ذلك في الحواس الظاهرة حرفا بحرف الاتري الي الناس متفاوتين في الحواس الظاهرة فمنهم الحديد البصر يري الشيء من بعيد و منهم من لايري الشيء الا اذا كان متوسطا و منهم من لايري الا القريب و منهم من لايري الشيء الا بعد التنبيه عليه بعلاج الاتري الي الناس يستهلون في مكان واحد و الذي يري الهلال منهم واحد او اثنان و ليس لمن لايري حجة علي من يري فاذا رأيت هذا التفاوت في عالم المحسوسات و الشهادة فقس عليه عالم الغيب و ما لاتراه من العوالم لان الظاهر دليل الباطن و الشاهد دليل ما غاب لعدم التفاوت في ملك الرحمن قال الرضا عليه السلام قد علم اولوا الالباب ان الاستدلال علي ما هناك لايعلم الا بما هو هاهنا فاذا رأي العقل المستنير بنور الشرع شيئا في الاكوان علي ما هو عليه من الطريق الذي امره الله باستعماله اضطر الي التصديق بوجوده او نفيه علي حسب ما رآه فان ساوته العقول فيه كانت ضرورته حجة علي جميع العقلاء و الا كانت خاصة بالرائي و ليس لمن لايعلم حجة علي من يعلم في جميع العوالم و ليس لهم ان يقولوا بان فلان خالف الضرورة لمخالفته للعقلاء فان الضرورة التي لايجوز لاحد مخالفتها لها ميزان و مواضع تأتيك فترقب و لاتغفل الاتري ان اهل المذهب اتفقوا علي ان من رأي الهلال وحده وجب عليه الانفراد بالصوم و الفطر و لايسعه الا هذا لأن العقل يضطر الي الاذعان و التصديق بما يراه و من هذا يقال لها ضرورة فافهم فقد نبهتك علي شيء ينفعك في كل مورد و يريحك عند كل شبهة و ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء .
المقصد الثاني - في تحقيق الطريق الذي تحصل به الضرورة العامة التي يدخل [ص 20] فيها كل أحد حتي البهائم و الاطفال و المجانين و ان كان مايقدرون علي التعبير عنها و لكنهم من حيث الاحساس بها داخلون في زمرة من يعقل اعلم ان الجزم و تحصيل اليقين من شأن العقل و للعقل آلات و ادوات يستعملها في مطالبه العلمية علي حسب ما يريد فله مشعر يستعمله في متصوراته و له مشعر يستعمله في ادراك المعٰاني الجزئية و له مشعر يستعمله في تفكراته و له مشعر يستعمله في متخيلاته و له مشعر يستعمله في ادراك الاشياء البرزخية بين الزمانيات الشهادية و بين الملكوتيات الغيبية و له حواس ظاهرية يدرك به الشهاديات من الالوان و الاصوات و النعومة و الخشونة و الحرارة و الرطوبة و البرودة و اليبوسة و غير ذلك و المدرك له بهذه الحواس الظاهرة اضرّ ضرورياته و اعظم بديهياته لمشاركة كل ذي حاسة له و لكونه مشاهدا بالعيان لكل احد فما يشاهده العقل بآلة واحدة قد يخفي علي بعض الناس و يظهر لبعضهم فهو حجة علي من ظهر له و ما يشاهده بآلتين قد يخفي كذلك و القول كذلك و القول فيه كما تقدم و ما يشاهده بجميع الآلات فهو الذي قامت عليه الضرورة العامة و ذلك مثل حرارة النار و برودة الماء و فوقية السماء و تحتية الأرض و نعومة الحرير و خشونة الصخر و غير ذلك و لذا مايسمي ذلك الادراك بعِلم مفيد لاشتراك الجميع فيه و هذا النوع و مٰا يقٰاربه او يمائله ( يماثله ظ ) لايخفي علي احد له حاسة ظاهرة حتي البهائم لانه لايحتاج في ادراكه الي آلة من المدارك الغيبية و لا الي برهان اكثر من وقوع الحواس الظاهرة عليه علي حسب مناسبة لها و مناسبتها له و علي ادراك مثل هذا النوع الضرورة العامة يعني ان كل ذي حاسة ظاهرة يضطر الي الاذعان بوجود هذا النوع علي ما هو عليه لرؤيته له كذلك .
المقصد الثالث في نبذة في تحقيق الحال في ادراك العقل للتحسين و التقبيح [ص 21] اعلم ان الاحكام الشرعية التوقيفية لا سبيل للعقل لادراكها قطعا و لايدركها بدون التوقيف من الشارع يقينا و لايهتدي لحكمها و عللها و اسرارها الا بالتنبيه بتاً وجوباً ( و جزما خ ) و ذلك مما لا شك فيه و لا اشكال و طالما وقع التشاجر في ذلك بين الاشاعرة و اصحابنا و المعتزلة بين افراط و تفريط فمن بين من نفٰي ادراك العقل للحسن و القبح مطلقا كالاشعري و مع هذا قال في دين الله بالقياس و الاستحسان و ناقض فعله قوله و معتقده علي زعمه و من بين من أثبت ادراك العقل للحسن و القبح مطلقا حتي انه حكم انه كلما حكم العقل بحسنه فقد امر به الشرع و كلما حكم العقل بقبحه فقد نهي عنه الشرع و ذلك لأن اوامر الشرع تابعة للمصالح و نواهيه تابعة للمفاسد فكلما حكم العقل بمصلحته و حسنه فقد أمر به الشارع و كلما حكم العقل بمفسدته و قبحه فقد نهي عنه الشارع و هذا الكلام له اجمال و له تفصيل علي حسب ما يريد به صاحبه من العقل فان كان يريد به العقول الجزئية فلا شك في فساده لان دائرة الشارع فوق دائرة العقول الجزئية فلاتهتدي العقول الجزئية لما فيها مطلقا و انما نهتدي ( تهتدي خ ) لما في وسعها منها في الجملة و تحتاج في اغلب امورها الي التنبيه منه كما مر عليك في قضية الخضر مع موسي عليهما السلام لان موسي كان يعتقد القبح الذاتي في قتل النفس ( و خرق السفينة خ ) و التصرف في مال الغير من غير اذنه و لذا انكر علي الخضر (ع) و لو علم العارض علي هذا القبح و المعارض له بحيث جعل فعل الخضر في الواقع حسنا لما انكر علي الخضر (ع) و لذا لما شرح له الحال زال عن ذهنه الاستقباح و ان كان يريد به العقل فهو حق لانه طبق الشرع من جميع الوجوه و الحيوث و الشرع طبقه و كذلك لاتخالف بينهما اصلا فالعقل شرع مخلوق و الشرع عقل منطوق و بالجملة فالعقول الجزئية تدرك القبح في الجملة كتحريم ظلم العباد و خيانة الأمانة و قبح الزني [ص 22] و اللواط و غير ذلك من الفواحش و تدرك الحسن في الجملة كذلك مثل بر الوالدين و اداء الامانات و صلة الارحام و فعل البر و الاحسان للغير و لكن محض ان فعل ذلك في نظرها قبيح او حسن و قد يعرض في البين عارض بحسن القبيح و بقبح الحسن و ذلك كأكل الميتة بالنسبة للمضطر و التصرف في مال الغير علي بعض الوجوه و الاحسان لمن نهي الله عنه و غير ذلك كثير ليس هذا محل ذكره و كان خلاصة الأمر في ذلك ان العقول الجزئية تدرك ما في وسعها من التحسين و التقبيح بحسب الذات في الجملة و لكن قد يخفي عليها العارض الذي يقبح الحسن بالعرض و يحسن القبيح كذلك فلا بد لهما من التنبيه عليه لئلاتقع في الخطأ فتحصّل من ذلك ان العقلاء اذا اجتمعوا علي تقبيح شيء و فعله رجل عاقل و كان يمكن في حقه ان يعرض علي ذلك الشيء او علي ذلك الرجل عارض يسوغ فعل ذلك القبيح فلاتسارع الي تفسيقه و اخراجه من زمرة العقلاء من اول الأمر حتي تتبين أمره لأنه ربما يكون فعله في الواقع حسنا لعارض طاري لاتعلم به كما ذكرنا آنفا فتنبه و لاتغفل في جميع امورك فانه من الجزم ( الحرام خ ) في الدين و الدنيا و الآخرة .
المقصد الرابع : اعلم ان الناس قسموا الضروريات الي شرعية و عقلية و من هذا قسموا العلوم الي منقول و الي معقول و جعلوا المعقول علما برأسه و المنقول كذلك و استعملوا المنقول ( المعقول خ ) فيما يخص الاصول كالقدم و الحدوث و مقام التوحيد و النبوة و الامامة و المعاد و الجنة و النار و غير ذلك و استعملوا المنقول فيما يخص الفروع كالصلوة و الصوم و الزكوة و الحج و الجهاد و غير ذلك من سائر الفرايض و الاحكام و نحن مانعرف التقسيم حتي نعرف ما يريدون من المنقول فان كانوا يريدون ان العقول ماتحتاج ( المعقول لايحتاج خ ) الي المنقول مطلقا فيما يخص العلوم التي امتازت بها فذلك غير مسلم و دون اثباته خرط القتاد لأن العقول جميع مواد ادلتها [ص 23] تنقل اليها من الخارج لأن العقل ما لميلتفت الي الخارج و يأخذ مقدمة دليل الحكم منه لايمكنه الحكم علي شيء كما نراه بالوجدان الاتري ان العقل ما لميلتفت الي التغيير في العالم و يراه فيه و الي التفاوت في العالم ( و يراه فيه خ ) بالتقديم و التأخير ( و التقدير و التأخير خ ) و اختلاف الجهات من العلويات و السفليات ما يمكنه الحكم عليه بالحدوث و لكنه اذا التفت الي العالم و رأي التغيير فيه اضطر الي الاذعان بأن له مغيرا و هو غيره لأن الشيء مايغير نفسه قطعا فيضطر الي ان له مغيرا غيره و يضطر الي ان ذلك المغير لايجري عليه التغيير لأنه لو جاز عليه التغيير لاحتاج الي مغير غيره و هكذا فيلزم التسلسل الي ما لا نهاية له فهناك يحكم بأن العالم متغير لما يراه فيه من التغيير و يحكم بأن كل متغير حادث لما يري من فعل المغير له و يحكم بأن المغير له منزه عن صفته و يتضح له أن المغير له قديم و المتغير حادث و هكذا في جميع أموره علي هذا النمط لاغني له عن المنقول مطلقا و ان كانوا يريدون بالمنقول خصوص الكتاب و السنة و ان العقل ايضا يستبدّ في جميع مطالب اصول الديانات بدونهما فكذلك لأن العقل انما يستنير بنورهما و بدونهما لايكاد يحصل علما حقيقيا البتة لأن بالمنقول يستخرج غور المعقول ( العقول خ ) و بالعقول يستخرج غور المنقول قال عليه السلام بالحكمة يستخرج غور العقل و بالعقل يستخرج غور الحكمة فاحدهما مبني علي صاحبه لايفترقان ابدا ابدا هذا في عقل الكل و في العقول الجزئية قد يفترقان و اذا افترقا فالخطأ للعقول و الصواب للكتاب و السنة و من هذه القاعدة وقعوا في خطأ عظيم و خطب جسيم لانهم حاولوا اصول الديانات بعقولهم و مارسوها باحلامهم حتي كأنّ الله انما ارسل [ص 24] الرسول ليعلمهم احكام الصلوة و الفرايض و كيفياتها و وكل معرفته و معرفة مقام رسله و اوليائه الي عقولهم و كأنهم لميسمعوا قوله تعالي يا ايها الذين آمنوا لاتقدموا بين يدي الله و رسوله و لا شك ان النهي شامل للافعال و الاقوال و الاعتقادات و الاعمال غير خاص بشيء و كأنهم لميسمعوا قوله تعالي هو الذي بعث في الاميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته و يزكيهم و يعلمهم الكتاب و الحكمة و كيف يعرف الله من لميأخذ عن الله قال عليه السلام بك عرفتك و انت دللتني عليك ( و دعوتني اليك خ ) و لولا انت لمأدر ما أنت و قال عليه السلام اعرفوا الله بالله و كيف يعرف الرسول من لميأخذ طريق معرفته منه قال عليه السلام و اعرفوا الرسول بالرسالة و هو مثل قوله اعرفوا الله بالله يعني اعرفوا الرسول بالرسول لأن كل شيء اعرف بالدلالة علي نفسه من غيره فمن عرفه بدلالته علي نفسه و الا قد اخطأ معرفته قطعا و لاينبئك مثل خبير و بالجملة فنحن لانعرف فرقا بين المعقول و المنقول الا بمجرد الاصطلاح بمناسبته ( بمناسبة خ ) ليس هنا محل ذكرها و لا مشاحة في الاصطلاح .
الباب الثاني في الضروريات الشرعية و هي التي قررها الشارع عليه السلام و اقر عليها اهل شرعه و فيه مقاصد :
المقصد الأول في معني الشرع و الشارع اعلم ان شرع كل زمان صفة كمال اهل ذلك الزمان و طريقهم المؤدي الي رضا الله تعالي لو عملوا به و فيه نجاتهم و الشارع لذلك الشرع هو الشخص المؤسس له و الشارع لطريقه و المقنن لقوانينه و المبين لفرائضه و احكامه و رخصه و عزائمه و مؤصّل لاصوله و ممهد لقواعده و يكون كل ذلك بوحي الله له و توفيقه علي جوامعه و علله و اسراره و حكمه من ارش الخدش فما فوقه و اسرار التوحيد و ما دونه و ما يحتاج اليه اهل ذلك [ص 25] الشرع في الجليل و القليل و كان غرض الله جل و عز ان يجمع اهل ذلك الشرع علي العمل به و ان يتفقوا علي احكامه في كل شيء و لميكلهم الي عقولهم و اهوائهم اذ لو وكلهم الي ذلك لعمل كل واحد منهم علي مقتضي عقله و ميل هواه و لو كان ذلك كذلك لكان كل واحد منهم له مذهب وحده علي مقتضي عقله و ميل هواه و كانت بعثة الانبياء لغوا و عبثا تعالي الله عن ذلك علوا كبيرا بل في الواقع مابعث الله الانبياء الا ليبينوا لهم ما اراد الله منهم من اوامره و نواهيه و ليحكموا علي طبائعهم المتباينة بالاجتماع في كل شيء اراده الله منهم و ليربطوا انظارهم و عقولهم علي الاتفاق ليحصل بذلك الوفاق فيما بينهم و يرتفع النزاع و الشقاق في القليل و الجليل من بينهم و لاتكون ارادة الله و محبته اولا و بالذات الا علي هذا و لكن لما تحركت دواعي النفوس الامارة بالسوء بالاستكبار علي انبياء الله و اوليائه و غلب اهل الباطل لكثرتهم تغيرت اوضاع الشرع الاولي و دارت حركاته علي خلاف التوالي كما قال عز و جل ان الله لايغير ما بقوم حتي يغيروا ما بأنفسهم و حدثت لهذه الحركات اوضاع اخر و احكام اخر ثانوية و جعلت حركات الشرع تدور علي حسب المصالح و الاوقات و الازمان و المكلفين في دار الهدنة و دولة الباطل و هذه دورة ثانوية و احكام ثانوية ما دامت الدار مغصوبة و المتصرف فيها في الظاهر غير اهلها فخذ هذه القاعدة السديدة و كن بها ضنينا فانك ماتجدها عند هذا الخلق المتعوس و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم و نسأل الله ان يفرج هذه الكربة بوليّ من آلمحمد (ص) عن قريب و انه سميع الدعاء قريب مجيب .
المقصد الثاني في الضرورة العامة لاهل القبلة التي لايجوز التأخر عنها لأحد فمن تأخر عنها خرج من اهل القبلة و هي اصول و فروع و لكن علي تفصيل في الجملة نذكره لتعرف معقد الضرورة علي اي شيء اعلم ان شرع نبينا صلي الله [ص 26] عليه و آله لايتصور في العقول اكمل منه بل هو في الواقع لاتحوم حول كنهه العقول و فيه ما يحتاج اليه الناس في كل شيء الي ان تقوم الساعة و فيه الناسخ و المنسوخ و المحكم و المتشابه و العام و الخاص و المطلق و المقيد و المجمل و المفصل و المبهم و المبيّن و ما حكمه فذروه في سنبله لأهله و المرموز ( الرموز خ ) لاناس مخصوصين و احكام عامة و احكام خاصة و اوامر مقيدة بمصالح خاصة في اوقات خاصة و اوامر لمصالح مطلقة في اوقات مطلقة لاناس خاصة و اوامر كذلك لاناس عامة و نواهي كك و احكام حضر وقتها و حضر اهلها و احكام غاب وقتها و لميحضر اهلها و احكام خاصة ينتظر بها من في اصلاب رجال و ارحام نساء بعد لمتأت و اسرار خاصة بأهلها و وقتها و اشارات و الحان يفهمها اهلها كما يفهم العامي صريح اللغة و خطابات و احكام عامة لجميع المكلفين فهم فيها شرع سواء الي غير ذلك من الوجوه و الحيوث و القيود التي لاتحصي و لاتستقصي و كل حكم من هذه الاحكام له مخزن علي حدة و خطاب خاص به يفهمه به كل من خوطب به و كان المهيمن علي هذا الشرع و الخازن و الحافظ له الولي عليه السلام من بعد رحلته من هذا العالم و بعد ان غصب مقامه الشريف و استولي اهل الجور لغلبة اهل الباطل و وقع التحريف و التغيير و التبديل لما في ايديهم من الكتاب و السنة و سرٰي ذلك في كينونات المكلفين و انصبغت قوابلهم بهذا التغيير تبدلت الاحكام و الاوضاع و تغيرت البلاد و من عليها و لميسع الولي عليه السلام حينئذ الا القاء الاحكام المناسبة لوقت هذه الدولة الجائرة حفظا لنوع اوليائه و مواليه من حضر منهم و من يأتي الي ظهور دولة الحق كما قال عليه السلام و لكن سففت اذ اسفوا و طرت اذ طاروا فكان ما في ايدينا اليوم من ضروريات اهل القبلة محض وجوب صلوة محرفة عن جهة اشراعها و وجوب [ص 27] زكاة محرفة كذلك و صوم و حج و غير ذلك من الواجبات و المحرمات التي كلها محرفة عن جهة اشراعها كما قال عليه السلام اللهم ان هذا المقام لخلفائك و اصفيائك و مواضع امنائك الي ان قال عليه السلام حتي عاد صفوتك و خلفاؤك مغلوبين مقهورين يرون حكمك مبدلا و كتابك منبوذا و فرايضك محرفة عن جهة اشراعك و سنن نبيك متروكة ، الدعاء و بالجملة فمعقد الضرورة اليوم بين اهل القبلة نفس اعتقاد ان الله جل و عز واحد و انه المعبود بالحق و ان هنا معاد و جنة و نار و ان محمدا (ص) رسول الله و انه لا نبي بعده و ان شرعه باق لايطرؤ عليه الناسخ الي يوم القيمة و ان نفس الصلوة اليومية و الفرايض الملية واجبة و ان معصية الله في كل شيء امر به علي سبيل الحتم حرام و ان اجتناب مناهي الله في كل ما نهي عنه واجب و اما جهات اشراع هذه الفرايض و ما يعتورها من الكيفيات و الاحكام و الهيآت فلا ضرورة فيه بل كل حزب بما لديهم فرحون الاتري الي الصلوة اليومية التي كان المسلمون يرون نبيهم صلي الله عليه و آله يصليها في اليوم و الليلة خمس مرات و يرونه يتوضأ كذلك كيف تغيرت احكامها بل و هيأتها حتي كأنها رفعت تلك الصلوة و ذلك الوضوء و جيء بصلوة اخري و وضوء آخر غير تلك الصلوة و ذلك الوضوء الاتري ان اهل القبلة اضر ضرورة عندهم كلمة الشهادتين لا اله الا الله محمد رسول الله و لا شك عند كل عاقل ان الضرورة و الكلمة عند اهل القبلة انما انعقدا علي مبناهما لا علي المعني المراد منهما لأنك خبير ان جمهور اهل القبلة يجوزون علي الله الرؤية و فعل الخير و الشر و يحكمون بأن قدماء ثمانية معه و هي الصفات التي سموها زائدة علي الذات و بعضهم يحكم بأن وجوده و وجود الخلق من سنخ واحد و بعضهم و هم المتكلمون من كل فرقة قائل بالربط بين القديم و الحادث و جم غفير من اهل القبلة جوز عليه تع [ص 28] الانتقال من مكان الي مكان حتي انه قال بأنه في كل ليلة ينزل الي سماء الدنيا و ينادي اهل الأرض هل من تائب فاتوب عليه هل من سائل فاعطيه و منهم من حكم بان له جوارح كاليدين و الرجلين و هكذا كما في الانسان حتي انه خلق آدم علي صورته و هكذا و لا شك ان جميع ما قالوه مما ذكرنا و مما لمنذكر هو معني الحدوث و ان القديم منزه عن مثل هذه الصفات و المعني المراد من كلمة الشهادة نفي الشركاء الذين تجوزها الاذهان عند نظرها في عالم الكثرات فتري ان غير الله ربما يضر او ينفع فاحتاجت الي مكنسة تكنس عنها هذه الكثرات لتستقر علي توحيد الله و عدم المشاركة له في قدمه تع و هذه الاقوال التي ذكرنا بعضها تصيّر القديم حادثا و اذا كان حادثا شاركته جميع الحوادث و شاركها في جميع ما للحادث فاذا كان الحال هكذا كان معقد الضرورة المذكورة انما هو علي مبني الكلمة لا معناها و لا شك ان ثمرة مبني اللفظ استفادة المعني المراد منه و كذا القول في ان محمدا رسول الله (ص) حرفا بحرف فكان ملخص ذلك ان من قال لا اله الا الله محمد رسول الله (ص) كان من اهل القبلة و ان كان معتقده في الواقع ان الاله علي ما نقلناه و ان الرسول علي صفة الخلفاء الثلاثة و علي ما يعتقده اهل مذهبه فكان مدار الضرورة علي مبني اللفظ و علي هذه فقس ما سواها و علي كل حال فمعقد الضرورة انما هو علي ذات الواجبات و المحرمات لا علي هيآتها و لا كيفياتها و لا علي احكامها فانها كلها محرفة عن جهة الاشراع كما لايخفي ذلك علي الفطن فتنبه و اعرف معقد الضرورة في كل مقام تدعي فان ذلك قد خفي علي كثيرين و بالجملة فنفس كون الصلوة واجبة و الزكوة واجبة غير محتاج الي نظر حتي يقال ان فلانا خالف الضرورة اللهم الا ان يكون مرتدا او كافرا دخل في الاسلام و لميسمع بواجباته الضرورية و هذا فرض نادر او يكون [ص 29] مجنونا لايعقل شيئا و ذاك شيء آخر .