و قوله « و قد مر فيما اسلفنا من البرهان ما بزغ به » اي طلع و اشرق « نور الحق » يعني به ان الدليل البرهاني الذي ذكرناه سابقاً في اوّل كتابه في تعريف الوجود ظهر به نور الحقّ سبحانه و هو معرفته في قلوب العارفين بذلك البرهان « من افق البيان » اي الذي برهنّا عليه « و طلعت شمس الحقيقة » اي المعرفة الحقيقية عَليْه لانها معرفة الحق بالحق تعالي « من مطلع العرفان » يعني البيان البرهاني القطعي علي زعمه ، يقول الشاعر :

و كلّ يدّعي وصلاً بليلَي و ليلَي لاتقرّ لهم بذاكا

اذا انبجست دموعٌ في خدودٍ تبيّن من بَكي ممّن تباكَا

و اريد بالاستشهاد انه يدّعي ان استدلاله الذي ذكره هو استدلال الانبياۤء و الاوصياۤء عليهم السلام و نحن نقول ان استدلالهم قد ذكروه في احاديثهم و ذكره الله تعالي في كتابه فايّ موضع من كتابه او من احاديثهم ذكر فيه نمط ما ذكر المصنف من الاستدلال من ان الوجود حقيقة واحدة بسيطة مشتملة علي افرادٍ تمايزت افرادها لا من ذات تلك الحقيقة بل من مميّزاتٍ لحقتْها من اختلاف مراتب ظهورَاتِها و من نقايص لحقت بعض افرادها و اصل تلك الحقيقة كمال لا نقص فيه و تمام فوق التمام و هو الوجود الحق تعالي و هذا الاستدلال عندهم عليهم السلام كفر و زندقة فان الوجودات الحادثة وجودات معقولة و وجود الحق عز و جل [ص 727] ليس بمعقول و انما نسمّي ذلك المشار اليه بالوجود لاجل التفهّم و التفهيم و ليس في ذاته معني ما نعقل حتّي نطلق عليه الوجود من باب الاشتراك المعنوي كما ذهب اليه المصنف فان ذلك مستلزم لما يذهب اليه من القول بالسنخ و عند الانبياۤء و الاوصياۤء عليهم السلم ان القول بالسنخ اسوء حالاً من دعوي فرعون الربوبيّة لانه لعنه الله يدعي المشاركة في الفعل و السلطان و المصنّف يدّعي المشاركة في الذات الله اكبر الله اكبر جل ربّي و معبودي و تعالي عما يقولون علوّاً كبيراً ،

و قوله « ان الوجود حقيقة بسيطة لا جِنس لها و لا فصل و لا حدّ و لا معرِّف لها و لا برهان عليه » يريد به ان حقيقة الوجود ليست داخلة تحت جنس لتكون نوعاً منه ليمكن البرهان عليه و التعريف له بجنسه و فصله كما ان الانسان حقيقة لها جنس و فصل فيمكن البرهان عليه و الحدّ له فنقول الانسان حيوان ناطق و الوجود ليس كذلك لانّه ليس شيء لايكون من الوجود فاقول هذا صحيح بعد تسليم ما اشرنا اليه من ان الوجود ليس ذاتاً و لم‌يوضع هذا اللفظ لذات و انّما هو اسم صفة فعلي تقدير التسليم لهذا و لانّه لايدخل تحت جنس و لا فصلٍ و لا حدّ له و لا برهان عليه لكن لاي شيء يكون له افراد لانه اذا كان له افراد كان جنسا او نوعاً او كالجنس و النوع فيكون متعدداً فلا معني لتخصيصه بالبساطة دون الحيوان و الانسان فان الحيوان حقيقة بسيطة لها افراد تمايزت بالمنوّعات اي الفصول و هي المشخّصات النوعيّة و الانسان له افراد تمايزت بالمميّزات الشخصية فاي فرع ( نوع . خ‌ل ) حقيقة الوجود و حقيقة الانسان و حقيقة الحيوان فان حقيقة الانسان و الحيوان بسيطة لاتّحاد حصصها من حيث الحيوانية او الانسانية في رتبة كل منهما و انّما تكثرت بما لحقتْها من المميّزات و المميّزات ليست لاحِقة لحقيقة الحيوان او الانسان و انّما لحقت الافراد اذ لو لحقتِ الحقيقةَ لم‌تتميز بها الافراد [ص 728] بعضها عن بعضٍ كذلك حقيقة الوجود فانه يقول انها حقيقة بسيطة و ليس الاختلاف بين آحادِها و اَعدادِها الّا بالكمال و النقص و التقدّم و التأخر و الغني و الفقرِ كذلك اقول ان حقيقة الحيوان بسيطة اذ هو الجسم المتحرّك بالارادة و ليس الاختلاف بين احادها و اعدادها الّا بالكمال كالانسان و النقص كالحيوانات و التقدّم كالانسان و التأخر كالحيوانات و الغني كالانسان بالنسبة الي غيره من الحيوان و الفقر كالحيوانات بالنسبة الي الانسان فالوجود علي مقتضي قوله جنس تحته افراد متساوية في جهة الكنه و الماۤدة و انّما اختلفت بالمميزات و المميّزات لا فرق فيها بين الاعدام و الوجودات فانّ الاعدام اللاحقة لافراد الوجود اعدامُ ملكاتٍ فتأمّل في عباراته هنا و في اول الكتاب هل تجد منها فرقاً بين تعريف حقيقة الوجود مع ما هو عليه فيها من التكلّف و التعسّف و بين حقيقة الحيوان او الانسان او الخشب بالنسبة الي الباب و السرير او غيرهما لا حول و لا قوّة الّا باللّه العليّ العظيم ،

قوله « او بامور عارضةٍ كما في افراد ماهية واحدةٍ » كالمميزات لاصناف النوع و حكمها حكم الاول بلَا فرق .

قال : « و غاية كمالها هي صرف الوجود الذي لا اتمّ منه و هي حقيقة الواجبيّة البسيطة المقتضية للكمال الاتم و الجلال الارفع و عدم التناهي في الشدّة اذ كل مرتبةٍ دون تلك المرتبة في الشدّة ليست هي صرف الوجود بل مع قصورٍ و نقصٍ و قصور الوجود ليس من حقيقة الوجود و لا من لوازمه لانه عدم و العدم سلب اصل الوجود او سلب كماله و الاول لايجامعه و هو ظاهر فالقصور لاحق لا لاصل الوجود بل لوقوعه في مرتبة ثانية و ما بعدها فالقُصورات و الاعدام انما طرئَت للثواني من حيث ثانويّتها و تأخّرها » .

اقول : غاية كمال تلك الحقيقة هي صرف الوجود اي خالصه [ص 729] من الشواۤئب خلوصاً لا اتم منه و هذا الفرد الكامل من تلك الحقيقة هو الواجب علي زعمه و ساۤئر افرادِها غير خالصة من الشوب و هي ساۤئر المفعولات فيا سبحٰن الله اذا كانت مفعولاتٍ له فلم صارت جزئيا او جزءاً من حقيقته و جعلوا له من عباده جزءاً ان الانسان لكفور مبين ،

و قوله « اذ كل مرتبة دون تلك المرتبة في الشدة ليست هي صرف الوجود » فيه انا نقول اذا كانت المراتب كلّها مِن حقيقة واحدة و المراتب الناقصة ليس نقصها من حيث هي وجودات بَلْ لمَراتبِها و مَحاۤلِّها فهي بدون ما لَحِقَها صرفُ وجودٍ فلا نقص في ذاتها بحال فلا فرق بينها و بين صرف الوجود الذي ذكر الّا ان يقول انّ ما يخصّه لذاته من الكمال المطلق الذي لايتناهي لمّا لحقه النقص للمرتبة ( في المرتبة . خ‌ل ) لحق الكمال ايضا و يلزم علي هذا ان يكون النقص لاحقاً لذاته و ايضا اذا قال كما يأتي ان العَدم و الافتقار ينشئانِ من الافاضةِ و الجعل لزمه ان يكون المفاض و المجعول ليسا من حقيقة الفيّاض و الجاعل و الّا كانت ولادة فلايقال لم‌يلد و لم‌يولد و لم‌يكن له كفؤا احد بل هو يلد و يكون الوالد مولوداً و كلّ احدٍ كفؤه لانّه من حقيقته و الثانوية و التنزل و الافاضة لاتخرجه عن الكمال الذّاتي نعم اذا كان كماله لرتبته كما كانت نقصانها لرتبتها نقصت لنزولها عن رتبتها و لو اخرجه التنزل عن الكمال الذاتي لزم انقلاب الحقاۤئق و يكون الامر الممتنع لذاته ممكنا بحصول ما يمكن له و هو محال و الشيء لايكون جاعلا لنفسه و لا لجزء حقيقته فاذا كانت مجعولة له لم‌تكن من حقيقته هف ،

و قوله « و قصور الوجود ليس من حقيقة الوجود و لا من لوازمه لانه » اي القصور « عدم » اي عدم كمال « و العدم سلب اصل الوجود او سلب كماله فلايجامعه » يلزم منه ان جميع وجوداتها من حيث هي صرف وجودٍ لانّ ما لحقها صور لتلك الحصص و الحصص في نفسها باقية علي كمالها اذِ الصُّوَر لاتغيّر حقيقة المواۤدّ مثلاً [ص 730] لو صُغتَ انساناً من الذهب و كلبا من الذهب فان تغيّرت المواۤد بالصور صحّ انّ القصور يلحق اصل وجود الاشياۤء و ان لم‌تتغيّر فالذهب في الانسان و الكلب علي حدٍ سواۤءٍ في الرتبة و لم‌يتغيّر بتغيّر نقص صورة الكلب عن رتبته كما في الانسان و كذلك قوله « فالقصور لاحق لَا لاصلِ الوجود بل لوقوعِهٖ في مرتبة ثانية و ما بعدها » و كذا قوله « فالقصورات و الاعدام انّما طرئَتْ للثّواني من حيث ثانويّتها و تأخّرها » فيلزم من كلامِهٖ ما قلنا لانّ كلّ حصّة من حصص تلك تاۤمة لذاتها تماماً لا اتمّ منه و النقص اللاحق للرتبة ليس لاحقا لها لذاتها فكل حصّة تاۤمّة لِذاتِها تماماً لا اتم منه فهي واجبة و حيث يتعذّر وجود شيءٍ بدون حصةٍ منه وجب ان يكون كل شيء واجبا لذاته و ممكناً من حيث رتبته و لحوق النقاۤئص بها و هذا من عجاۤئب الامور .

قال : « فالاول علي كماله الاَتم الذي لا نهاية له و العدم و الافتقار انما ينشئانِ من الافاضة و الجعل ضرورة انّ المجعول لايساوي ٱلجاعل و الفيض لايساوي الفيّاض في رتبة الوجود فهويّات الثواني متعلّقة علي ترتّبها بالاَوّل فتنجبر قصوراتها بتمامه و افتِقارَاتُها بغناه و كل ما هو اكثر تأخّرا عنه فهو اكثر قصوراً و عدماً » .

اقول : يعني بالاوّل اوّل مراتب الوجود اي صِرف الوجود فانّه لمّا كان في اوّليّته بقي علي كماله الذاتي لم‌يلحق رتبته نقص لان النقايـٔص اعدام و الاعدام لاتسبق الوجود و لاتساوقه في اوليّته لانّها انّما نشأت من الافاضة و الجعل لانّهما اِحْدَاث كونٍ و الكون المحدث يلزم حقيقته النقص و الافتقار اَمَّا ان النقص و الافتقار لايلزمان حقيقة المحدث بفتح الدال فشيء لاتعرفه العقول و المصنف جعل الاشياۤء في نفس وجوداتها تامة كاملةً و انما تلحقها النقاۤئص لرتبها و جعلِها لا لاصل حقيقتها فلايلزم علي قوله حقاۤئقها نقص [ص 731] بل هي باقية علي صرف حكم الاصل فلايكون وُجُوداتها حادثة و ما تقدم من كلامه من اتّحاد العاقل بالمعقول و الجاعل بالمجعول ظاهرٌ بعدم حدوثها اذ لو كانت المعقولات حادثة ماصحّ اتّحادها بعاقلها اذ لايتّحد الحادث بالقديم الّا اذا جعل الحدوث المنسوب اليها لاحقاً بعوارضها و اما هي فقديمة سلّمنا ذلك لكن كيف يعرض النقص و التغيير لشيء يتّحد بالقديم و قد قدّمنا علي قوله ان هذا الاتّحاد انما يكون في المعقولات و اما ما سواها من الحوادث فلا بان العلّة في الاتّحاد العاقليّة و المعقولية و ما سوي المعقول ليس بمعقول فان كان كل شيء معقولا فتخصيصه غير صحيح و ان لم‌يكن كلّ شيء معقولاً لزم الجهل ،

و قوله « ضرورة ان المجعول لايساوي الجاعل و الفيض لايساوي الفياض » فيه انه اذا حكم باتّحادهما ابداً لا في حال دون حال لوجود علة الاتحاد و هي العاقليّة و المعقوليّة وجب التساوي بينهما حال الاتحاد الذي لاينفكّ عنه ابداً و الّا كان الشيء الواحد المتّحد ضعيفاً قويّا كاملاً ناقصا قديماً حادثاً صانعاً مصنوعا هف ،

و قوله « فهويّات الثَّواني متعلقة علي ترتّبها بالاوّل فتنجبر قصوراتها بتمامه » الي اخره فيه انه قال انه ليس فيها قصورٌ لذواتها و انّما النقاۤئص لَاحقة للرّتب فهذا المُنْجبر بتمام الحق الذي لا اتمّ منه ما هو هل هو حقاۤئق تلك الوجودات ام رُتَبُها فان كانت حَقاۤئق الوجودات كان النقص في ذواتها قبل الانجبار و قد قال : فالقصور لا لاصل الوجود بل لوقوعه في رتبة ثانية ، و هذا يدلّ علي اَلَّا نقص في ذاتها فلاتحتاج الي الانجبار علي انّها بعد الانجبار لا نقص ثم نقول هذا الانجبار هو طارٍ عليها بعد نزولها ناقصة في رتبتها ام مساوقٌ فتنزل في رتبتها تاۤمّةً الا انّ هذا [ص 732] التتميم مشعر بالنقص الذاتي و ان كانت المنجبرة رُتَبَها كانت الثانويّة بحكم صرف الوجود لانّها في انفسها مثل الاوّل و نقص رتبها منجبر بالاوّل كما احتمل في اتحاد العاقل بالمعقول لدفع ما قلنا من لزوم كون الشيء قديما حادثا الخ ، انه بالاتّحاد انجبر بكمال العاقل حتي ساواه فلهذا جاز الاتّحاد بل وجب و فيه مع كونه خُرٰافاتٍ لزوم انقلاب الحقاۤئق ،

و قوله « كلّما هو اكثر تأخّراً فهو اكثرُ قصوراً وَ عدماً » هذا كلام صحيح في نفس الترتيب الّا انّه مع ملاحظة الانجبار تكون كلها منجبرة اذ ليس عند الاول قرب او بعدٌ و ان اختلفت في انفسِها لكن مع فرض الاتّحاد بين العاقل و المعقول تتساوَي في ذواتها مع ذاته او يكون اعني الاوّل مختلفاً فافهم .

قال : « فاول الصوادر عنه تعالي يجب ان يكون اجلّ الموجودات بعده و هو الوجود الابداعي الذي لا امكان له الّا ما صار محتجباً بالوجوب الاوّل و هو عالم الامر الالهي و لايسع فيه الّا الارواح القادِسَة علي تفاوتها في القرب من الذات الاحديّة لانّها بمنزلة الاضواۤء الالهيّة و العبارة عن جملتها روح القدس لانها كشخص واحدٍ و هي ليست من العالم و لا داخلةً تحت قول كن لانها نفس الامر وَ القَولِ و بعدها مرتبة النفوس علي درجاتها ثم الطباۤئع و الصور علي مراتبها ثم بساۤئط الاجسام واحداً بعد واحدٍ الي الماۤدة الاخيرة التي شأنها القبول و الاستعداد و هي النهاية في الخسَّةِ و الظلمة » .

اقول : قوله « اوّل الصوادر عنه تعالي » هذا الكلام من حيث ان اوّل صادرٍ اشرف صحيح الّا ان قوله « عنه تعالي » يظهر من كلامه بعد ان هذا الصدور ليس بخلق و لا بعنوان الخلق بل هذا الصادر من ذاته بغير صنعٍ و هذا هو الولادة تعالي [ص 733] ربي ان يخرج منه شيء او يدخله شيء او يصدر عنه شيء ليس بصنعٍ او يصدر عنه صنعٌ ليس بفعل منه اذ كلّ هذه امور باطلة اذ لو خرج منه شيء كان والداً و لو دخله شيء لم‌يكن صمداً و لو صدر عنه شيء لا بصنعٍ لم‌يكن صانعاً له و لا كان مختاراً و لكان معه شريك في ملكه و في خلقه و لو صنع بغير فعلٍ لكانت ذاته فعلاً و كان مربوباً لربٍّ فاعلٍ تعالي ربّي ،

قوله « و هو الوجود الابداعي » هذا الوجود هو الوجود المطلق لان الوجود في العبارة عندنا وجود حقّ و هو اللّه عز و جل و هو الواجب الوجود و وجود مطلق و هو مشيته و ارادته و اختراعه و ابداعه و قال الرضا عليه السلم المشيّة و الارادة و الابداع اسماۤؤها ثلاثة و معناها واحد ، و المراد من الكل فعل الله تعالي فان تعلق بايجاد الكون سمي مشية و بمعناها خَلقَ و ان تعلّق بالعين المسمّاة في عالم الاجسام بالصورة النوعية قيل ارادَ وَ بَرأَ و ان تعلّق بالحدود و الهندسة و ضبط الاجال و الارزاق قيل قدّر و صوّر و ان تعلّق بالاتمام قيل قضَي و ان تعلق باخراجه مَشْرُوحاً مُبَيَّنَ العلل و الاسباب قيل امضي و ان لوحظ انه متعلّقه لا من شيء قيل اخترع و ان لوحظ انه لا لشيء قيل ابتدع و الفعل في الكل واحد و ما امرنا الّا واحدة كلمحٍ بالبصر ما خلقكم و لا بعثكم الّا كنفسٍ واحدةٍ و انما تكثّرت اسماۤؤه بسبب اختلاف متعلقه و الفعل بجميعِ انواعه مخلوق بنفسه لانه مخلوق و كل مخلوق فانّما يخلق بحركة ايجاديّة و لمّا كان هو حركة ايجاديّة خلقه الله تعالي بنفسه و كانت المشيّة التي خلقها الله بنفسها ثم خلق الخلق بالمشيّة و هي الفعل علي قسمين امكانية و كونيّة فالامكانية خلقها بنفسها و خلق الامكان لكل شيء بها فهي المشية و محَلّها اي مكانها الامكان و كل الممكن و هو العمق الاكبر و وقتها السرمد و هذا المكان مكان لجميع انواع الفعل و ان كان مفعوله من الاجسام و وقته السرمد و ان كان مفعوله [ص 734] في الدهر او الزمان و المشيّة الكونية هي ما تتعلق بالاكوان و هي المعبر عنها بكن يشار بالكاف الي الكون لانه ينشأ عنها و بالنون الي العين التي هي الماهية و نريد بالكون الحصّة المادّية النوعيّة و نريد بالعين الحصّة الصوريّة النوعيّة و هذه المشية الرتبة الثانية من المشيّة و هي عين الاولي الّا ان الاولي حدث بها الامكان بجميع مراتبه الكليّة و الجزئيّة و الاضافية لان الجزئي هناك يصلح لكل شيء و بالثانية حدثت الاكوان من نور الانوار اعني امر الله المفعولي و هو الحقيقة المحمديّة الي اسفل السّافلين فاوّل صادرٍ هو المشية خلقها سبحانه بنفسها و امكن الامكان بها فسميت بالمشيّة الامكانية و هي العلم الذي لايحيطون بشيء منه ثم كوّن بها ما شاۤء فسمّيت بالمشية الكونية و هي العلم المشاۤء الذي يحيطون به و اوّل ما شاۤء بالمشيّة الكونية الحقيقة المحمديّة ثم خلق بها قابليتها اعني الزيت ( الذي . خ‌ل ) يكاد زيتها يضيۤء و لو لم‌تمسسه نار ، ثم خلق من ذلك النور و تلك القابليّة العقل الكلي ثم الروح الكليّة ثم النفس الكلية ثم الطبيعة الكليّة ثم جوهر الهباۤء ثم المثال ثم الاجسام و قوله و لا امكان له ، غلط بل لا وجوب له نعم هو الوجود المطلق و هو الامكان الراجح الوجود فهذا الرجحان له و لمكانه و لوقته و وجود مقيّد و هو الجاۤئز الوجود و هو المفعولات المقيّدة اوّلها الدرة اي العقل و اخرها الذرّة اعني الثري و ما تحت الثري فكلها جاۤئزة الوجود و ان اختلفت في الشدّة و الضعف و التقدم و التأخر اختلافاً لايكاد يتناهي ،

و قوله « الّا ما كان صار محتجباً بالوجوب الاوّل » ليس بشيء فانه اذا عني روح القدس فمراتبه العقل الكلي و هو مسبوق بالدواة فانه هو القلم و هو اُخِذَ من شجرة الخلد و هي لا شكّ في وجودها قبل كونِه لانه هو المصباح المشار اليه في اية النور و قال تعالي في حق [ص 735] المصباح انه يوقد من شجرة مباركة فالدهن و مسّ النار قبل المصباح فحرارة النار هي اية فعل اللّه و الدّهن هو الارض الجرز و ارض القابليات و الاستضاۤءة المشرقة علي الدخان المتعلقة به هو نور الانوار و الحقيقة المحمديّة فاستنارة المصباح بانارة تلك الحقيقة و الدخان هو المستعدّ من الدهن بعد تكليس حرارة النار له هو المستضيۤء و المستنير و قد ذكر الامام ابومحمد العسكري عليهما السلم في تاريخه من الدرّة الباهرة في شأن روح القدس اي العقل الكلي من انه اوّل مَنْ وُجِد من زَرْعِنا قال عليه السلام : و روح القدس في جنان الصاقورة ذاق من حداۤئقِنا الباكورة ، و الصاقورة هنا العرش الذي هو سقف الجنان و الباكورة اوّل الثمرة يعني انّ روح القدس اول مَن اكل من اوّلِ ثمرة الوجود من حداۤئقِنا لان حقيقتهم صلي اللّه عليهم هي اوّل ما كوّن الله سبحانه بفعله التكويني و هي الحقيقة المحمدية و هي نور الانوار و ماۤدّة المواۤدّ و هي امر الله المفعولي الذي كل شيء قامَ به قيام تحقّق و ركنٍ بمعني ان كل شيء خلقه الله سبحانه فقد قبض ماۤدّته من شعاع انوارهم ان كان من اتباعهم من نبي مرسل و ملك مقرب و مؤمن صالح و اتباعهم الي التراب الطيّب و الماۤء العَذب و ان كان من اعداۤئهم فمن عكس انوارهم من ابليس الي التراب السبخة و الماۤء الاجاج و الماۤدة هي التي يقوم بها الشيء قيام تحققٍ و قياما ركنيّا و قبض صورته من هيئة اعمالهم للطيّب و من عكسها للخبيث ثم خلق منها العقل كما ذكرنا ثم خلق من العقل الروح كما خلق المضغة من النطفة و العقل علي مقرّه باق ثم خلق منها النفس الكليّة المسماة باللوح المحفوظ و بالروح الذي علي ملاۤئكة الحجب اعني الكَروبيّين ثم خلق من النفس الطبيعة الكلية ثم خلق جوهر الهباۤء و هو حصص مواۤد الموجودات مميّزة غير مقدّرة ثم خلق عالم [ص 736] المثال و هو البدن المقداري الظلّي الذي لا ماۤدة فيه فهو كالصورة في المرءاة بل هي منه و في عالمه علي نحو ما ذكرنا قبل و هو يريد ان روح القدس ليس لها اوّل فلايكون لها امكان لانها قبل الامكان الّا انها مسبوقة بالواجب تعالي فنقول عليه اذا كان مسبوقا بالواجب لم‌يكن واجباً لان الواجب هو الذي لم‌يسبق بالغير فاذا سبقه غيره كان ممكنا و كلّ ممكن فهو داخل تحت كن صادر عنها و انّما دعاه الي هذا الكلام جَعْلُهُ روحَ القدسِ هي الارادة و الارادة عنده قديمة كما هو مذهب ائمته و اما ائمتنا عليهم السلم فعندهم انها حادثة و ليس لله تعالي ارادة قديمة و هٰذَا باجماعِهِم عليهم السلم لايختلفون فيه و لكن علي كلِّ تقديرٍ اذا جعلها قَديمةً كيف تكون محجوبةً بالوجوب اذْ كلّ محجوبٍ بالوجوب فهو حادث ممكن ،

و قوله « و هو عالم الامر الالهي » فيه ايضا انه اراد حصر الامر الالهي في روح القدس و عالم الامر يطلق علي شيئين احدهما عالم الفعل بجميع انواعه و به قامت السَّموات و الارض و ما فيهن قيام صدور لانّها آثاره و ثانيهما الحقيقةُ المحمديّة و هي اوّل صادر من الفعل و هي ماۤدة المواۤدّ اذ كلّ مخلوق سواها فماۤدّته من شعاعها و صورته من هيئة فِعلها ان كان طيبا او تابعاً للطيّب و ان كان خبيثا او تابعاً له فمن عكسِ ما للطَّيِّب قال الصادق عليه السلام كل شيء سواكَ قامَ بامرك ه‍ ، و المراد بالقيام هُنَا قيام تحقّقٍ قياماً ركنيّاً ، و امّا روح القدس فكما ذكرنا يطلق علي مَلَكَيْنِ هما ركنانِ للعرش من جهة اليمين احدهما اَعْلي و هو النور الابيض و ثانيهما اسفل و هو النور الاصفر و قد يطلق مِنْ دُونِهِما علي جبريل كما قال تعالي قل نزّله روح القدس من ربّك بالحق و جبريـٔل ليس مراداً هنا بقي الاوّلانِ و قد يطلق عليهما انّهما من عالم الامر يعني به من الامر المفعولي الذي قامت به ٱلاشياۤء قياماً رُكْنيّاً اعني الحقيقة المحمديّة لان هذين منهما كاليدين و لايطلق روح القدس [ص 737] علي عالم الامر الفعلي في الشرع نعم يحتمل ان يكون اصطلاحاً فان سمّي فعل الله تعالي روح القدس اصطلاحاً فهو وَ ان كَانَ مخالفاً لِمٰا وَردَ في ٱلشَّرْع الّا انّه لا مشاۤحّة في الاِصطلاح لكنّ العقلاۤء اجمعوا علي انّ الفعل بجميع اَنْواعِهٖ حَادِثٌ لايختلفون فيه فاذا جعله هو المشيّة و الارادة و هما قديمتان عنده و عند الاكثر فهنا بحثان : الاوّل ان الذي ينبغي لمثله مع ما يدّعيه من المعرفة و من التشيّع انّه لايركن الي قول كل ناعقٍ لاسيما في مخالفة اجماع اهل البيت عليهم السلم علي انّ المشية و الارادة حادِثَانِ و انّه ليس لله سبحانه مشيّة اوْ ارادة قديمة و ان مَن قال بذلك ليس بموحّدٍ و من ذلك ما رواه الصدوق في التوحيد عن الرضا عليه السلم انه قال المشيّة و الارادة من صفات الافعال فمن زعم اَنّ اللّهَ لَمْ‌يَزَلْ شاۤئياً مريداً فليس بمُوَحِّدٍ ه‍ ، فان كان لا بُدَّ لَهُ من التّقْليدِ و المتابعة فليقلِّد مَن لٰايسهو و لايغفل و لايجهل و هو مسدّد مِنَ اللّه سبحانه مأمورٌ باتّباعِه لايسع جميع الخلقِ مخالفته و ان لم‌يقلّد و انّما ادّاه عقله الي ذلك فلايصحّ هذا لانّ العقل اذا لم‌يلاحظ المتابعة للغير و لا الرجوع الي قاعدةٍ و لا الي ما انِست به النفس لايؤدّي الي مثل هذا و هو ان يكون شيء غير اللّهِ ليس بمخلوق للّه او يكون محجوباً بالوجوب و ليس بمصنوع او متأخِّراً عن الذاتِ و ليس بحادث او يكون مع الذات او في الذاتِ مغاير للذات و لو بالاعتبار فهذه و امثالها لايؤدي العقل اليها الّا بسببٍ من نحو ما قلنا ، الثاني ان المعروف عند علماۤء اهل البيت عليهم السلم و رواتهم و علماۤءِ شيعتهم بل عند جميع المسلمين ان روح القدس ملك و ان اختلفوا في تَعْيينه فاذا جعله غير مخلوقٍ كان الٰهاً و شريكاً فلايحسن منه اَنْ يقول لا اله الّا الله وحْدَهُ لٰا شريك له لانه يكون كذباً في حقّ مَنْ يثبت ملَكاً قديماً غير اللّه تعالي ،

و قوله « و لٰايسع فيه الّا الْارواح القادِسَةُ » فانّ روح القدس عنده اسم نوع و افرادُها [ص 738] متفاوتةٌ في القربِ و البعد من الذات الاحديّة لانها عنده بمنزلة الاضْواۤءِ الالهية اي بمنزلة الاشعّةِ من السِّراج و الاضواۤء تطلق علي المنيرات و الانوار علي الاشعة كما قال تعالي جعل الشمس ضيَاۤء و القمر نوراً فاطلاقه الاضواۤء علي الارواح القادسة ان تجوّز فيه فحسن و الّا فهو تنصيصٌ علي قيامها بذواتها و استغناۤئها و هو ما يقتضيه كونها غير مخلوقة علي زعمه و قوله « بمنزلة الانوار الالهيّة » يشعر بمغايرتها للانوار الالهيّة لكن قوله « علي تفاوتها في القرب من الذات » يحتمل ان يريد بالضمير المتصل في تفاوتها ضمير الارواح القادسة فيشعر باستمداد الارواح القادسة من الذات الاحديّة فيقع ٱلتَّنافي فٖي بعض كلامه لبعضٍ يظهر لِمَنْ تَتَبّع كلامه و الظاهر بل الصريح من عبارته ذٰلِكَ و هو لايَسْتَنْكِف عن ذٰلِكَ اذ لو جعلها من جملة الانوار الالهيّة لم‌يقل بمنزلة الاضواۤء الالهيّة ثم ما يريد بالاضواۤء الالهية هل اشياۤء مخلوقة ام لا بل هي اظلّة الذات كما يذهب اليه المشبّهون ظاهر كلماته الثاني و قوله « و العبارة عن جملتها روح القدس » يريد به كما قلنا من اسم النوع و قد ذكرنا ان هذا الاسم يستعمل في اثنين و في جبريـٔل (ع) ،

و قوله « و هي ليست من العالم و لا داخلة تحت قول كن » يريد به انها ليست من العالم الذي هو ما سوي اللّه تعالي و هو كما تري و لو اريد به انها اي عالم الامر علي ارادته ان روح القدس هي عالم الامر الذي يعبّر عنه بكن ليست من العالم الذي هو المكوّنات لم‌يكن في نفيه بأس و امّا انها ( من . خ‌ل ) عالم الامر و انها لاتدخل تحت كن فغلط فاحش فان عالم الامر غير الارواح القادسة لان هذه مخلوقة بِكُنْ داخلة تحتها و الّا كانت قديمة و امّا انها هي عالم كن فغير مسلّمٍ و لو سُلِّم فالذي دلّ الدليل العقلي القاطع و النقلي الصريح الساطع اَنّها خُلِقَتْ بنفسها و مثاله ما قاله ٱلفُقهاۤء اَنّ البَاعث علي الصلوة هي النيّة و الباعث علي النيّة نفسُها لايختلفون في ذلك قالوا [ص 739] و الّا لزم الدَّوْر او التّسلسل ،

و قوله « لانها نفس الامر و القول » يعني كن وقع من غير علم بالامر و بكن اِنْ يتّبعُون الّا الظَّنّ و ان هم الّا يخرصون ،

و قوله « و بعدها مرتبة النّفوس علي درجاتها ثم الطّباۤيـٔع و الصور علي مراتبها ثم بساۤئط الاجسام واحداً بعد واحدٍ » يدل علي انّ ما ذكر كلّها متناسقة من الارواح القادسة الي بساۤئطِ الاجسام و لايكون التناسق بين اشياۤء الّا اذا كَانت في صقعٍ واحدٍ كما هو مقرّر في الحكمة و يلزم من التناسق ان الارواحَ القادسةَ داخلة تحت كن كالتي بعدها او ما بعدها مما ذكر غير داخل تحت كن ،

و قوله « الي المادة الاخيرة » يعني به الماۤدّة العنصريّة الّتي شأنها القبول المَاۤدّي و الاستعداد النّباتي الذي هو منشأ النموّ و الزيادة و الذبول و النقصان و هي النهاية في الخسّة و البعدِ عن النور و في نهاية الظلمة الحسّيّة و هذا ظاهر .

قال : « ثم يترقي الوجود منها بالتلطيف و التكميل راجعاً الي ما نزل منه عاۤئداً الي ما بُدِئ منه بتهييج المواۤدّ و تحريكِ الاجساد و احداث الحرارة المهيّجة السماويّة في الاسطقصّات من تداوير النيّرات الموجبة لنشو النبات بعد الجماد و سياقة المركبات الي درجة قبول الحيوة و تشويق النفوس الي ان تبلغ درجة العقل المستفاد الراجعة الي الله الجواد » .

اقول : اشار بقوله « ثم يترقّي » الي عود الاشياۤء في القوس الصعودي « منها » اي من الماۤدة الاخيرة العنصريّة التي هي النهاية في الخِسّةِ و الظلمة « بالتّلطيف » كما اشرنا سابقاً من انحلال جزئين من الماۤء في جزءٍ من التراب لما بينهما من المشاكلة بواسطة اشعّةِ الكواكب فجري في النبات و الاشجار غذاۤء حتّي صار ثمرة ثم اغتُذِي به حتّي صار كيلوساً ثم كيموساً ثم نطفة ثم علقة ثم مضغةً ثم عظاما ثم كسي لحما ثم انشي خلقا اخر و اثبت فيه الجوارح و هو قوله « و التكميل راجعاً الي ما نزل منه » هذا الكلام من المصنف امّا انه علي جهة [ص 740] المجاز و اما انّه غلط لانه لايرجع الي ما نزل منه و الّا لرجع الي كونه عظاما ثم مضغة ثم علقة ثم نطفة ثمّ كيموساً ثم كيلوسا ثم طعاماً ثم ماۤدة ثم عناصر فيفني لرجوعه الي ما نزل منه و هو الامكان اوَلايذكر الانسان انا خلقناه من قبل و لم‌يكُ شيئا اي شيئا مكوّنا و ان كان شيئا ممكناً بل المراد من رجوعه الي ما بُدِئ منه كما قال اميرالمؤمنين عليه السلم للاعرابي في الخبر المذكور سابقا فاذا فارقت اي النفس الناطقة القدسيّة عادت الي ما منه بُدِئتْ عودَ مجاوَرةٍ لا عودَ ممازجةٍ ه‍ ، و لهذا قلنا رجعت اليه في القوس الصُّعودي و انّما يعبّر عن ذلك العود بالرجوع الي ما نزل منه لكون كلّ مقامٍ صَعِد اليه مُقَابِلاً لِمٰا هُوَ بمعناه ،

قوله « بتهييج المواۤدّ » بالقوي النباتيّة المعبّر عنها بالنفوس النباتيّة فانها تهيّج الماۤدّة بالنموّ و الزيادة « و تحريك الاجساد » اي تحرّكها النفوس النباتيّة حركةً جوهريّة « و احداث الحرارة المهيّجة السماوية » اي النفوس الحيوانية الحسّيّة الفلكية التي اصلها الافلاك كما تقدّم فانها حرارة غريزيّة سماويّة مهيّجة للنفوس النباتيّة علي الحركة الجوهريّة المقتضية عن اسبابها للصعود القوسي « في الاستقصّات » جمع استقصٍّ و هو الاصل باعتبار الرجوع اليه كما انه باعتبار النزول منه يسمّي هيولي و فيه ما قلنا من المجاز او الغلط فانَّ الاستقصّ هو الاصل المرجوع اليه رجوع ممازجةٍ لا مجاورة و قد منعناه الّا اَنْ يحملَ عَلَي خصوص المواۤدّ العنصريّة و النفوس النّباتيّة بل و الحيوانيّة الحسيّة او المجاز او الغلَط « من تداوير النيّرات » اي الكواكب يعني ان الحرارة المهيّجة للنفوس النباتيّة بالحركة الجوهريّة من تداوير النيّرات يعني من دَورانها من المشرق الي المغرب و من المغرب الي المشرق فانّ الحرارة المهيّجة من قبَساتِ اشعةِ النيّراتِ و ليس المراد بالتداوير جمع تدويرٍ و هو الفلك الجزئي للكوكب بالمعني الاصطلاحي [ص 741] الّا اَنْ يقال انّه علّة من علل ذلك الدَّوران « الموجبة » اي تلك الحرارة و التسخين الحادِث من قبسات تلك الاشعة فانّها مع الرطوبة يحصل بهما التعفين و الانحلال انحلال اليبوسة الترابيّة المشاكلة في الرطوبة الماۤئيّة المشاكلة كما اشرنا اليه في الفواۤئد و في شرحنا علي الفواۤئد و يحصل بهما « نشو النّبات بعد الجماد » بعد كونه جماداً لا حركة فيه و لا لَهُ « و سياقة المركّبات » بتعديل طباۤيـٔعها في النفوس النباتيّة و نضج الابخرَة المتخلّصة من صفوها باختلاف اشعّة الكواكب نضجاً معتدلاً حتي وصلت بذلك الي تلطّفٍ مساوٍ للطف اجرام الافلاك و هو المعني بقوله « الي درجة قبول الحيوة » لان الحيوة الّتي في الحيوان من نفوس الافلاك فما ساوي اجرامها تعلّقت به الحيوة من تلك النفوس الفلكيّة فاذا قبلت الحيوة حصل لها الاحساس و الشعور فتشعِر بكمال ما فوقها و حسنه و بحاجتها اليه اعني الارواح القادسة و العقول النورانيّة « فتشتاق » الي الاتّصال بها و الاستمداد منها « الي ان تبلغ » باستعدادِهَا بالاعمال الصالحة و الاداب الشرعية الي ان تصل « درجة العقل المستفاد » كما ذكرنا الاشارة الي معناه من انه الدرجة الثالثة من مراتب العقل العلمي و الرابعة العقل بالفعلِ و قيل الثالثة العقل بالفعل و الرابعة العقل المستفاد و لعل هذا هو المراد من كلام المصنّف « الراجعة الي الله الجواد » يعني تلك الدرجة اوْ اهلها من العقول المستفادة راجعة الي اللّه الجواد داۤئم العطاۤء و الامداد لاهل الاستمداد و المراد بالرجوع عندنا هو الرجوع الي رضوانه الذي هو اكبر في درجة الامكان و دار كرامته و جنانه و عند المصنف الرجوع هو الخروج عن درجة الامكان الي درجة الوجوب كما اشار اليه فيما سبق من كلامه في قوله في العقول انها باقية ببقاۤئه فضلاً عن ابقاۤئه .

قال : « فانظر الي حكمة المبدع البديع كيف ابدع الاشياۤء و انشأ الاكوان من الاشرف فالاشرف فابدع اوّلاً انواراً قدسيّة و عقولاً فعّالةً تجلّي لَها و القي [ص 742] فيها مثاله فاظهر عنها افعالَهُ و اخترع بتوسّطها اجساماً كريمة صافية نيّرةً ذوات نفوس حيوانية داۤئمة الحركات تقرّباً الي الله و عبوديّةً له و حملها في سفينةٍ ذات الواح و دسرٍ جاريَةٍ في بحر القضاۤء و القدر بسم الله مجريها و مرسيٰها و الي ربّك منتهيها » .

اقول : ان الله سبحانه خلق الخلق و كلّ شيء خلقه وَ اوقفه علي باب القضاۤءِ و لايمضيه الّا مبيّن العلل مشروح الاسباب ليستدلّ به علي علم صانعه و قدرته فيعرفه العباد بما عرّفهم فعلّل فقال تعالي في تقدير القمر لتعلموا عدد السنين و الحساب و كل شيء فصّلناه تفصيلاً و قال عز و جل يا ايّها الناس ان كنتم في ريب من البعث فانا خلقناكم من ترابٍ ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغةٍ مخلّقة و غير مخلّقة لنبيّنَ لكم ،

فقوله « فانظر الي حكمة المبدع » لانه تعالي جعل كل شيء دليلاً و مدلولاً عليه و معني ابدع الاشياۤء اي خلقَها لا لشيء يكون عاۤئداً اليه و انّما خلقها لينقل حواۤيـٔجهم اليهم من بعض الي بعضٍ او خلقها لا من شيء بل اخترع مواۤدّها و صورها لا علي مثالٍ سبق و لا من شيء تقدّم و انشأ اكوانها اي وجوداتها يعني مواۤدّها و ابتدأها علي النظم الطبيعي الذاتي الاشرف اوّلاً لمناسبته لاقوي الفيض فالاشرف اي فاشرف ما بعده اي ما بعد الاشرف الاوّل ،

و قوله « فابدع » تفصيل لما اجمله بقوله « الاشرف فالاشرف » ، « اوّلاً عقولا قدسيّة » اي منزّهة عَنْ رذاۤئل الطباۤيـٔع و المواۤدّ الجسمانية و قد تقدّم في كلامه ما يدلّ علي خروجها من العالم الذي هو ما سوي اللّه حتي انه قال في اول كتابه هذا فالعقل و ما فوقه كلّ الاشياۤء يعني انه بسيط الحقيقة و هنا حكم بانها مبدعات و قد اتّفق الحكماۤء علي ان كل ممكن زوج تركيبي اي من مادة و هي ما من الله تعالي اي من فعله و من صورةٍ و هي ما منه و هي قابليته و كل زوج تركيبي داخل تحت كن ،

و قوله [ص 743] « فعّالة » اي كثيرة الصنع يشير به الي انّها من عالم الامر اي الذي هو فعل اللّه تعالي و ليس كما يقول لانّ هذا شيء لايوجد الّا عند اهله عليهم السلم و هو استغني بالعيون الكدرة التي يفرغ بعضها في بعضٍ لان فعل الله هو مشيّته و ارادته كما قال الصادق عليه السلم و امّا ارادة اللّه فاحداثه لا غير لانّه لايروّي و لايفكّر و لايهمّ ه‍ ، الّا انّ اللّه عز و جل يفعل بفعله و يفعل بمفعوله ففعله بفعله لاتدخل فيه العقول و فعله بمفعوله تدخل فيه العقول و النفوس و الطباۤئع و المواۤد و الصور و الاجسام و كلّ شيء يلقي مثاله في هويته علي حسب قابليته و امكانه و يفعل به ما يترتّب عليه و هو الفاعل عز و جل في كل شيء علي كل حال افرأيتم ما تحرثون ءانتم تزرعونه ام نحن الزارعون و مارميتَ اذ رميتَ و لكن اللّه رمي ، فالحديدة المحميّة اذا حرقت فانما حَرقت النار بما القت في الحديدة من مثالها و هو فعلها و تأثيرها ففعل العقل معناه انّ اللّه فعل به ما شاۤء بمعني ان فعله تعالي اشرق عليه ففعل بذلك الاشراق كما انار الجدار باشراق نور الشمس عليه فافهم فقوله « تجلَّي لها و القي فيها مثاله » يشير الي كونها فاعلةً بالله تعالي اخذه من قول اميرالمؤمنين عليه السلم في شأن النفوس المقدسة كالملاۤئكة قال (ع) فالقَي في هويّتها مثاله فاظهر عنها افعاله اي بواسطة تحمّل افعاله لانّها مَحاۤلّ مشيّته ،

قوله « و اخترع بتوسُّطِها اجساماً كريمة صافية نيّرة » يريد به انّه خَلَق بتوسّطها و الّا فان اخترع يستعمل في اوّل ابداعٍ لا من شيء و ابتدعَ لا لشيء و انّما قدم الابداع لانه ورد انه بمعني الاختراع و جري علي لسانه اوّلاً و لا عيب فيه و ذكر بعده الاختراع تغييراً للتعبير لا ترتيباً و المراد بالاجسام الكريمة النيّرة اَجْرَام الكواكب و افلاكها « ذات نفوسٍ حيوانيّة » و هي التي تستمدّ منها اهل الارض الحيٰوة « داۤئمة الحركات » اذ من [ص 744] شأن النفوس الحيوانيّة التحرك و التّحريك « تقرّباً الي اللّه تعالي و عبوديّة له » لانّها تخدمه فيما امرها به من التقدير و التسخير اللّذَيْن هما آلةُ التدبير و تتقرّب اليه بامتثال اوامرِه فتعبده بالتّحرك و التّحريك و باشراق اشعتها و بقبضها فاضل رطوبات البحار و العيون و الانهار و ببسطها اِرخاۤءَ عَزالي الامطار و تبريدها و تسخينها بالليل و النهار « و حملها » اي تلك النفوس و تلك الاجرام النيّرة و تلك الحركات « في سفينةِ » محدّدِ الجهات و فلك البروج و السموات « ذات الواحٍ » من البروج الاثني‌عشر و المنازل الثمانية و العشرين و السّيارة « و دسرٍ » من اقطابها « جاريةٍ » بحكم التسخير و التقدير « في بحر القضاۤءِ » من المحتوم « و القدر » من المرسوم يرجع عودها علي بدئها و غروبها علي طلوعها مستمرّةً علي مقتضي التعديل في التغيير و التبديل تنعطف الاعجاز علي الصدور و تدبير الامر بينها يدور في الروحانيات و الجسمانيات مدي الازمنة و الدهور الي انتهاۤء الامور فنهار يكرّ علي ليلٍ و ليل يكرّ علي نهارٍ افلاكٌ تدور و خلق يدور و الفاظ تدور و حروف تدور و اسماۤء تدور و دهور تدور و ازمنة تدور و اعوام تدور و فصول تدور و اشهر تدور و ايّام تدور و اعدادٌ تدور و حركات تدور يدبّر بينها مقتضيات الامور كما بدأكم تعودون و لقد علمتم النشأة الاولي فلولاتذكّرون ، قال في هذا المعني بعضهم :

انظر الي العرش علي ماۤئِهِ سفينةٌ تجري باسماۤئه

و اعجب لهُ من مركبٍ داۤئرٍ قد اودع الخلق باحشاۤئِهٖ

يَسْبَحُ في لُجٍّ بلا ساحلٍ في جندلِ الغيبِ و ظلماۤئِهٖ

و موجُه احوالُ عُشّاقِهٖ و رٖيحهُ انفاسُ ابناۤئِهٖ

فلو تراه بالوري ساۤئراً من اَلِفِ الخطِّ الي يَاۤئِهٖ [ص 745] 

و يرجعُ العودَ علي بَدْئِهٖ و لا نهايات لِاِبداۤئِهٖ

يكوِّرُ الصبح علي ليلِهٖ و صبحُه يفنَي بِاِمساۤئِهٖ

لايدري احد من اين الي اين الّا مدبّرها و محصيها بعلمه و قدرته فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء و اليه ترجعون ،

و قوله « بسم اللهِ مجريها و مرسيها » يعني به انّ سفينة التكوين تجري بالاكوان و المكوّنات بسم اللّه اعني نور الانوار و الحقيقة المحمديّة و هو الاسم الاكبر الاعز الاجل الاعظم الاكرم الذي يحبّه اللٰهُ و يهويٰه و يرضي به عمّن دعاه و هو امر اللّهِ المفعولي و هو صفة الله الفعلية اعني الالوهيّة و يحتمل ان يكون المراد به الالف القاۤئم الذي يلفظ باسمه في لفظ الجلالة بعد اللّام الثانية و هو الاسم الذي اشرقت به السموات و الارضون و يحتمل ان يراد به الالف المبسوط الواقع اسمه بعد ميم الرّحمن و هو الاسم الذي يصلح به الاوّلون و الاخرون و المناسب لحكم النزول في سفينة نوح عليه السلم الموافق لباطن التأويل هو الالف المبسوط الذي اسمه بعد ميم الرحمن و يؤيّد هذا ما رواه ابن ابي‌جمهور عن النبي صلي اللّه عليه و اله انه قال ظهرت الموجودات من باۤء بسم الله الرحمن الرحيم ، و الباۤء هي الالف المبسوط فمجريٰها بدؤها و مُرْسيٰهَا عودُهَا الي ما منه بُدِئت اي الي مقابله كما ذكرنا قبل هذا « و الي ربّك مُنْتهاها » اي تنتهي امور جميع الخلاۤئق من الجواهر و الاعراض في الغيب و الشّهادةِ الي حكم قدره و قضاۤئه فيهم كما كان بدؤهم و ما بينهما كذلك و هذا ظاهر .

قال : « و جعلها مختلفةً في الحركات و نَشَـٰٔاتِ اضواۤء النّيِّرات المعدّة لنشو الكائنات ثم خلق هيولي العناصر من التي هي اخسّ الممكنات و هي نهاية تدبير الامر فانه يدبّر الامرَ من السماۤء الي الارض ثم يعرج اليه بتكوين [ص 746] الجماد من تعديل العناصر و الاركان ثم النبات من صفوها ثم الانسان و اذا استكمل بالعلم و الكمال بلغ الي درجة العقل الفعّال فَبِهٖ وقَفَ ترتيب الخير و الجود و اتّصل باوّله اخر داۤئرة الوجود » .

اقول : انتهي كلام المصنف في هذا الكتاب الي هنا ، قوله « و جعلها مختلفة في الحركات » يعني به انه تعالي جعل الكاۤئنات في رجوعها اليه مختلفة في الحركات الجوهريّة في الشدّة و الضعف و النوريّة و الظلمة و في الصعود اليه و القرب منه و في النزول عن جواره و البعد منه و ذلك بمقتضي قوابلهم لفيضه المتألّفة من الكم و الكيف و الجهة و الرتبة و الوقت و المكان و ما يُتَمِّمُها و يكمّلها من احكام الوضع و الاذن و الاجل و الكتاب و المراد من « اضواۤء النيّرات » اشعّتها علي حسب مقاديرها و النيرات هي الكواكب « المعدّة لنشو الكائنات » كما اشرنا اليه سابقا من ان اركان المواۤدّ من العناصر اذا تعدّلت في طبايعها كانت مطارح لقبسات الاشعّة فتقوّي ضعيفها و تزيل الاعراض المنافية عنها و تلطّفها و تعفّنها و تهضمها و تُحِلّها غذاۤءً معتدلا موافقاً بنحو ما ذكرنا سابقاً حتي تنشؤ عنها النفوس النباتيّة في ثلاثة ادوارٍ في الاوّل ادار طبايعها بعضها علي بعض فتناكحت فتولّدت عناصرها ثم ادار العناصر بعضها علي بعض فتناكحت فتولّدت معادنها ثم ادار العناصر و المعادن بعضها علي بعضٍ فتناكحت فتولّدت النفوس النباتية ذوات الحركات الجوهريّة ثم ادار العناصر و المعادن و النباتات بعضها علي بعض فتناكحت فتولّدت الحيوانات فسارت العناصر و المعادن الي الله سبحانه في السلسلة العرضيّة و سارت الحيوانات الي الله سبحانه في السلسلة الطوليّة و النباتات برزخ بينهما فلها سير عرضي بسكون الراۤء اضافيّ و طوليٌّ اضافيّ و هو قوله « ثم خلق هيولي العناصر » الهيولي هي اصل اشياۤء ( الاشياء . خ‌ل ) من حيث قبولِها لاشكال غير متناهية و ذلك انه تعالي خلق طبيعة الحرارة من الحركة التكوينيّة التي [ص 747] هي علة العلل في الاشياۤء المتحركة ثم خلق الله سبحانه طبيعة البرودة و اصلها من السكون الكوني الذي هو علة العلل في الاشياۤء الساكنة فهذان اوّل زوجين خلقهما الله سبحانه و ذلك قوله تعالي و من كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون ثم تحرّك الحاۤرّ علي البارد بسرّ ما اودع اللّه فيه من الحركة المذكورة فامتزجا يعني تناكحا فتولّد من الحرارة اليبوسة و تولّد من البرودة الرطوبة فكانت اربع طبايع مفردات في جسم واحدٍ جوهريّ روحاني و هو اوّل مزاج بسيطٍ اي معتدل متماثل الاجزاۤء ثم صعِدت الحرارة بالرطوبة فخلق الله تعالي منهما طبيعة الحيوة و اجرامها الافلاك العلويات و هبطت البرودة مع اليبوسة الي اسفل فخلق الله منهما طبيعة الموت و اجرامها الافلاك السفليات ثم افتقرت الاجسام الموات الي ارواحها التي صَعِدت عنها فسألت ذا الجود و الكرم ردّ ارواحها اليها فادار الله سبحانه و تعالي الفَلكَ الاعلي علي الفلكِ الاسفل دورة فامتزجت الحرارة بالبرودة و الرطوبة باليبوسة فخلق تعالي من الحرارة و اليبوسة عنصر النار و من مزاج الحرارة مع الرطوبة عنصر الهواۤء و من مزاج البرودة مع الرطوبة عنصر الماۤء و من مزاج البرودة مع اليبوسة عنصر الارض ، ثم ادار الفلك الاعلي علي الاسْفل دورة ثانية فخلق منها المعادن ثم ادار الفلك الاعلي علي الاسفل دورة ثالثة فخلق منها النباتات ثم ادار الاعلي علي الاسفل دورة رابعة فخلق منها الحيوانات و قيل في الادارة الاولي كانت الطبايع و في الثانية كانت العناصر و المعادن و في الثالثة كانت النباتات و الحيوانات البهيمة و في الرابعة كانَ الاِنْسَان فقوله « ثم خلق هيُولَي العناصر من الّتي هي اخسّ الممكنات » يعني الاجسام فانها بالنسبة الي الذوات النورية كالعقول و الارواح و القدسيّة ( الارواح القدسية . خ‌د ) خسيسةٌ ،

و قوله « و هي نهاية تدبير الامر » يعني في جهة ادبر فادبر فانّها اسفل الاكوان و هو علي [ص 748] حسب الظاهر و الّا ففي الحقيقة النفوس السفلية و الارضون المعنوية اخسّ من هيولي العناصر و انزل كما قال تعالي ثم رددناه اسفل سافلين ، و اذا اعتبرتَ داۤئرة العقل و داۤئرة الجهل رأيتَ هيولي العناصر اسفل داۤئرة العقل و فوق داۤئرة الجهل لان الله سبحانه خلق الانسان و هو اشرف ما خلق و جعله بين الداۤئرتين و الواقف بين الططنجَيْن ( الطتنجين . خ‌ل ) فهو في الهواۤء و فوقه تسعة‌عشر بعدد حروف البسملة و تحته تسعة‌عشر بعدد الزبانية كل واحد من الذي هو فوقه مقابل لضدّه مما تحته فوقه النار و تحته الماۤء و فوقه السموات السبع و تحته الارضون السبع و فوقه فلك المنازل و تحته الملك الحامل للارض و فوقه فلك البروج كتاب الابرار في علّيين و تحته كتاب الفجار في سجين و هو الصّخرة و فوقه الكرسي و تحته الثور و فوقه محدد الجهات و تحته الحوت و فوقه جسم الكل و تحته البحر و فوقه عالم المثال و تحته الريح العقيم و فوقه جوهر الهباۤء و تحته جهنم و فوقه الطبيعة و تحته الطمطام المسمّي بالظلمة و فوقه النفس الكلية و تحته الثري و فوقه الروح الكلّية و تحته ما تحت الثري و فوقه العقل الكلّي و تحته الجهل الكلّي ففوقه تسعة‌عشر و تحته تسعة‌عشر و هو القاۤئم بينهما فالاجسام اخس الممكنات العلويّة النورانية و اشرف من السفليّة الظلمانية و قوله « و هي نهاية تدبير الامر » يعني في قوس النزول من داۤئرة العقل حين قال تعالي ادبر فادبر الي هنا انتهي ثم قال له اقبل فاقبل مبتدِيـٔاً باقباله من المعدن صاعداً الي النبات الي الحيوانات علي تفصيل يطول ذكره ،

و قوله « فانه تعالي يدبّر الامر من السماۤء » الظاهرة و الباطنة « الي الارض » الظاهرة و الباطنة « ثم يعرج اليه » يبتدئ في عروجه من المعادن « بتكوين الجماد » علي نحو ما ذكرنا معدناً « من تعديل العناصر و الاركان » كما ذكرنا سابقا من ان تعديل الماۤء الاوّل الصاعد من رطوبات البحار و العيون و الانهار باشعّة الكواكب و حرارتها [ص 749] اربعة اجزاۤء من الرطوبة مع جزء من اليبوسة فاذا انحلّت اليبوسة لقلّتها في الرطوبة كان الماۤء النازل من هذه الاجزاء المائية التي انحلّ فيها جزء اليبوسة اذا وقع علي الارض كان مشاكلاً لها لما فيه من جزء اليبوسة فلاتنفر منه فينحلّ منه جزءانِ بجزءٍ من تراب الارض لما بينهما من المشاكلة و المعادلة فتنحلّ اليبوسة في الرطوبة و تنعقد الرطوبة في اليبوسة فيكون منه صفو غذاۤء هو مادة للنفس النامية النباتيّة لاعتدال الطبايع الاربع فيه بنسبة رتبة النبات و هو قوله « ثم النبات من صفوها » اي العناصر « ثم الانسان » كما اشرنا اليه في ذكر النامية النباتيّة و النفس الحيوانية الحسيّة و النفس الناطقة القدسيّة علي ما ذكره عليه السلام في حديث الاعرابي « و اذا استعمل ( استكمل . ظ ) الانسان بالعلم و الكمال » كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام و خلق الانسان ذا نفسٍ ناطقةٍ اِن زكّيها بالعلم و العمل فقد شابهت جواهرَ اَواۤئلِ عِلَلِها فاذا اعتدل مزاجها و فارقت الاضداد فقد شارك بها السبع الشِّداد ه‍ ، يعني اذا زكّيها بالعلم و العمل ( فقد . خ‌ل ) شابهت العقل الفعّال لانه هو اوّل عللها فتشابه جوهرَهُ في ملازمة طاعة الله و التقوي و عدم الغفلة عن ذكره و ربّما شابهته في انفعالِ كثيرٍ من الاشياۤءِ لها بنسبة رتبتها كما جري لنفوس الانبياۤء عليهم السلام فاذا اعتدل مزاجها ظاهراً و باطنا و فارقت الاضداد بحيث ماتري الّا اللّه و لم‌تخف الّا اللّه و لم‌ترج الّا اللّه و هكذا يعني لم‌يجد سواه تعالي في كل حال فقد كانت علة وجود جميع الاشياۤء و صحّ هذا في محمد و اهل بيته الطاهرين صلي الله عليه و اله خاۤصّة ،