و اعجب منْ هذا بانّك ماتدري و انّك ماتدري بانّك ماتدري
و قوله : فثبت بما ذكرنا ان جميع الممكنات بحسب الجبلّة الغريزية طالبة له ، الي قوله : مشتاقةً الي لقاۤئه ، اِنْ ارادَ به اللقاۤء الحقيقي بان تلتقي الذاتانِ او تريد الطبيعة ذلك فهو باطل لان الطبيعة ماتغلط و لو ارادت ما ليس لها فيه مطلب بوجهٍ ما غلِطت و انّما تطلب ما تستغني به عند ميلها لان ميل الطبيعة انما هو الي الملاۤئم و ان اراد اللقاۤء المجازي الذي هو الثواب و القرب اي التّرقي في معارج مراتب الامكان العالية فهو ما قلنا ،
و قوله : مرتكزةٌ من الله في ذَاتها ، ان اراد به من ذات الله اي هذا الميل و الرغبة شيء خرج من ذات اللّهِ و ركزه في ذاتها فاسوءُ حالاً و ان ارادَ انه شيء ممكن اخرجه من الامكان فانه [ص 704] يجذبها الي مبدئه من الامكانِ ،
و قوله : و غاية الشيء اشرف من الشيء ، ليس علي عمومه بل قد تكون الطبيعة طالبة لتكميل صفةٍ من صفات افعالها او لدافع اَلَمٍ كطلب الطعام و الشراب لدفع الم الجوع و العطش و تكون الطبيعة طالبة لذلك و ليس باشرف من ذاتها و ان كان باعثاً لميلها الذاتي كما اشار اليه الصّادق عليه السلام بقولِه ان اللَّه خلق ابن آدم اجوف فالطّعام و الشّراب ضروريّانِ له ه ، و الضروريان له ذاتيّان له فالميل من الطبيعة لهما ذاتي و قد تكون الغاية اشرف و بالجملة فالغاية علي المجاز لا بأس باطلاقها عليه تعالي و امّا علي مراده من الغاية سواۤء اراد معني ما تنتهي اليه الاشواق علي الاطلاق ام لا بل لادراك المطالب فلايصلح في حق الحقّ عز و جل الّا بارادة المقامات و العلامات التي لا تعطيل لها في كلّ مكان و هي علي ما حقّقناه مراراً في شرحنا هذا و في غيره اسم للفاعل كالقاۤئم اسم لفاعل القيام فافهم يا طالب ( حق . خل ) اليقين و النور المبين .
قال : « . . . اعلم ان الطرق الي الله كثيرة لانه ذو فضاۤئل و جهاتٍ غير عديدة و هو لكلٍّ وِجهةٌ هو مولّيها لكن بعضها انور و اشرف و احكم و اشدّ البراهينِ و اوثقها و اشرفها اليه و الي صفاته و افعاله هو الذي لايكون الوسط في البرهان غيره فيكون الطريق الي البغيةِ من البغيةِ لانّه البرهان علي كل شيءٍ و هذه سبيل جميع الانبياۤء و الصدّيقين سلام الله عليهم اجمعين قل هذه سبيلي ادعو الي الله انا و من اتّبَعني انّ هذا لفي الصحف الاولي صحف ابراهيم و موسي » .
اقول : انّ السالكين لهذه الاودية كثيراً ما يقولون ان الطرق الي اللّهِ بعدد انفاس الخلاۤئق و هذه العبارة من حيث ظاهرها و مدلول لفظها في الجملة صحيحة و امّا مِن جهة ما ارادوا منها فاكثرهم يريد منها معني ليس بصحيحٍ لانه يريد ان اهلَ كل ملّةٍ و نحْلة و رأيٍ من مسلم او مشركٍ او دهري او غير ذلك موحِّدون [ص 705] مقبول منهم ذلك عند الله و ربما قاسَ بعضهم ذلك علي قول الصادق عليه السلم و انّ الذرّة لتزعم انّ للّه زبانَيْنِ لانهما كمالها و تصوّر اَنّ عدمهما نقصانٌ لمن لايكون له و ربّما استشهد لهذا المعني بقوله تعالي و لكلٍّ وجهةٌ هو مولّيها كما ذكر المصنّف و يريد انّ اللّه تعالي هو الذي ساقهم اليه رضيً بها منهم و الحاصل ان الاراۤء كثيرةٌ حتي ان منهم مَن يزعم انّه تعالي هو الذي ساقهم اليها رضيً بها منهم فاذا وحّدوه فعلوا ما اراده منهم و يثيبهم عليه و اذا اشركوا به فعلوا ما اراده منهم و يعذّبهم عليه و ان عكس الثواب و العقاب فعاقب الموحدين و اثاب المشركين حسن منه ذلك و جاز له و بالجملة الاراۤء كثيرة و الحق واحد لايتكثر و لايوجد الّا عند اهل النبوّة عليهم السلم و هم صلي اللّه عليهم يحكمون بكفر اهل الاراۤء غير ما كان عنهم مع انهم عليهم السلام قاۤئلون بمدلول هذه الاية و بمدلول ذلك الكلام علي معْني خاصٍ و هو ان اللّه سبحانه حق و هو يقول الحق و يهدي الي صراط مستقيم فمن اطاعَهُ بحَصْر بصيرته و قَصْرِ نظره علي ما دلّ عليه وُلاةُ امره عليهم السلم فان الله يهديه الي قصدِ السبيل و قد الزم علي نفسه ذلك لمن اطاعه قال عز من قاۤئل و علي اللّهِ قصد السبيل ، و من اخذ عن غيرهم او عن نفسه من دون سبيل معرفتهم فانّ الله سبحانه يُوَلّيهِ طريقَهُ الذي تولّاه فمن عرف اللّه بسبيل معرفتهم صلّي الله عليهم ولَّاه الله وِجهتَهُ من اتِّباعهم الموصل الي معرفة اللّه كما تعرّف به لعباده المؤمنين و من طلب معرفة اللّه من غير سبيل معرفتهم بايّ نحوٍ كان ولّاه الله سبحانه ما تولّي فالطرق الي الله سبحانه بعدد انفاس الخلاۤئق و كلٌّ منها له وجهة و الله الفاعل بمقتضي القوابل المختلفة هو مُوَلّيها فوجهةٌ توصل الي معرفة الله الّتي بها امرَ و رضيَها و هي وجهة سبيل معرفتهم عليهم السلم خاۤصّة و وجهة توصل الي الشّرك بالله و الكفر بالله و هي كل وجهةٍ غير وجهة سبيل [ص 706] معرفتهم عليهم السلم فافهم هذا الكلام المكرر المردّد ،
و قوله « لكن بعضها انور و اشرف و احكم » بعد قوله « لانه تعالي ذو فضاۤئل و جهاتٍ غير عديدة » يريد به انه ذو فضاۤئل من تجلّياته علي القوابل و جهات من عموم قدرته و علمه و سعة رحمته و كرمه لاتدخل تحت العدّ فظهر بتجلياته علي كل مظهر و تعرّف لكل شيء بما ظهر فيه له و كلّها طرق موصلة اليه من حيث طلب و احبّ لانه تجلّي علي الحقاۤئق بجهات فضاۤئله الّا انها متفاوتة بتفاوت المظاهر فبعضها انور و اشرف و احكم اي اضبط طريقاً و استدلالاً كما يأتي و هي طريقة الانبياۤء عليهم السلم و كان من تلك الطرق الّتي هو مولّيها طرق العوام و طرق اهل الضلال و كلها يصدق عليها انّها طرق معرفة ٱللّه و انه تعالي ولّاهم ايّاها و اهل هذه الطريقة كالمصنّف و اشباهه يقبلون من اولٰۤئِك ما اخطأوا فيه للٰاية الشريفة و اللّه و رسوله و اهل بيتهٖ يلعنونهم كما قال تعالي غلّت ايديهم و لعنوا بما قالوا و انّما نسبتُ هذا المعني الاخير الي المصنف و اشباهه و ان كانوا لميقولوا به لانهم يرتضون القاۤئلين به و يثنون عليهم و يستدلّون بادلّتهم و يصوّبون آراۤءَهم و يأوّلون ما اعوَجَّ من آراۤئهم فهم منهم و معهم و لاتعجب من كلامي فان المصنف لمّا قال مميت الدين في الفصوص في فصّ حكمة علوية في كلمة موسويّة في ذكر امرأة فرعون : فقالت لفرعون في حق موسي انه قرّة عينٍ لي و لك فيه قرّة عينها بالكمال الذي حصل لها كما قلنا و كان قرّة عينٍ لفرعون بالايمان الذي اعطاه الله عند الغرق فقبضه اليه طاهراً و مطهّراً ليس فيه شيء من الخبث لانه قبضه عند ايمانه لميكتسب شيئا من الاثام و الاسلام يجبُّ ما قبله و جعله آية علي عنايته سبحانه بما شاۤء حتي لاييئس احد من رحمة اللّه فانه لاييئس من رحمة الله الّا القوم الكافرون فلو كان فرعون ممّن يَئِس مابادر الي الايمان فكان موسي عليه [ص 707] السلم كما قالت امرأة فرعون فيه انه قرّة عينٍ لي و لك لاتقتلوه عسي ان ينفعَنا و كذلك وقع فان اللّه نفعهما به (ع) و ان كانا ماشَعِرَا به انتهي كلامه الي الدرك الاسفل ، فقال فيه المصنف و هذا كلام يُشَمّ منه راۤيـٔحة التّحقيق ه ، هذا و هم يقرؤن قوله تعالي و ليست التوبة للّذين يعملون السيّئات حتي اذا حضر احدهم الموت قال انّي تبت الأن و لا الذين يموتون و هم كفار و يقرأون في حق فرعون قوله تعالي فاخذناه و جنوده فنبذناهم في اليمّ فانظر كيف كان عاقبة الظالمين و جعلناهم ائمّة يدعون الي النارِ و يوم القيمة لاينصرون و اتبعناهم في هذه الدنيا لعنة و يوم القيمة هم من المقبوحين و قال تعالي فلمّا رأوا بأسنا قالوا امنا بالله وحده و كفرنا بما كنا به مشركين فلميك ينفعهم ايمانهم لمّا رأوا بأسنا الاية ، و اجمع المسلمون علي ان فرعون مات كافراً و القرءان المبين و الاجماع المحقق العام من المسلمين ماقَاوَمَا عنده كلام مميت الدين ،
و قوله « و اشدّ البراهين » الي قوله « هو الّذي لايكون الوسط في البرهان غيره » يريد انّ البرهان يكون فيه الوسط هو المعلوم و انّما يُؤتَي به ليتوصل به الي حمل ما صح حمله عليه علي الاصغر بعد صحة حمله اي الوَسط علي الاصغر و هم بعد ان قالوا ان اهل الشهود برهانهم علي اثبات الصانع من قوله اَوَلَمْيَكْفِ بِرَبِّكَ انه علي كلّ شيء شهيد قالوا و هو استدلال لمّيّ يريدون به الاستدلال بالعلة علي المعلول لانه اشرف من الاستدلال الاِنّيّ و هو الاستدلال بالمعلول علي العلة فحيث كان الاستدلال باللّمّي اشرف و هو مخالف لمرادهم لانّهم يريدون الاستدلال علي الحق تعالي و هو علّة العلل و ما سواه معلول فكيف يكون استدلالهم عليه لِمِّيّاً بل يكون اِنِّيّاً فقالوا : مرادُنا انّ شيئا موجوداً متحقِّقاً في الخارج يَدُلّ علي ان بعض افراد الموجود المطلق واجبٌ فتحقّقُ الموجود المطلق حالةٌ اُولَي للمطلق و كونُ بعضِ افرادِه واجباً حالة ثانية للمطلق معلولة للحالة [ص 708] الاولي لتَوقُّفِ ثبوتِها عليها فالمستَدَلُّ بها هي الحالة الاولي وَ المستدَلُّ عليها هي الحالة الثانية كما نقل عن ابيعلي بن سيناۤء في الاشارات ، اقول و هذا مَعْنيً صناعي لا حقيقي لانّ الحقيقي اَنَّ اسْتِدلَالهم اِنّي لا لِمّيّ و انّ الاستدلال بالٰاية عند اَهْلِ الشّهود ليس بهذا النّمط لاَنّ استدلالهم بدليل الحكمة و هذه الطريقة يذكرونها و انّها ببرهانٍ اصطلاحي مترتّب علي مقدّمتين صغري الاصغر فيها هو الموضوع و هو المستدَلّ عليه و كبري و الاكبر فيها و هو المحمول هو المحكوم به علي المستدلّ عليه و هو لازم الدليل و نتيجته و هذا البرهان الاصطلاحي هو من دليل المجادلة بالّتي هي احسن و ليس في الحقيقة آلةً لمعرفةِ اللّٰهِ عَز و جل الحقيقيّة و انّما يفيد معرفة العواۤمّ و اَصْحَاب ٱلكلام لانه محطّ الشّبه و الاشكالات لابْتناۤئه علي القضايا الّتي كلّها او جلّها مبنيّة علي المفاهيم المستنبطة من الالفاظ بالدلالة التي تعرفها عقول العوام و اللغة لها سبعون معني و مطلوبهم بالاستدلال وراۤء السبعين فكيف يعرف بها الحق الواحد تعالي و لهذا تراهم مختلفين و لايزالون مختلفين منغمسين في الشبه الّا من رحم ربّك و لذلك خلقهم و انّما الاستدلال بالاية للعارفين باللّٰهِ من كبار شيعة اميرالمؤمنين عليه السلام و هم الخصيصون من الشيعة و هم و اِنْ عرفوا نمط الاستدلال بالاية الّا ان مقصودهم غير مقصودِ ائمة الحق عليهم السلم بخلاف شيعتهم و هو سرّ قوله عليه السلم نحن الاعراف الذين لايعرف اللّه الّا بسبيل معرفتنا ، و لهذا تري غيرهم يعرفون كيفيّة الاستدلال بالاية الشريفة و يقول احدهم هُوَ اَنَا بِلَا اَنَا فاذا كان يعرف الاستدلال و يقول فيمن حصل له من الاستدلال انا الله بلا اَنَا لميعرف المستدلّ عليه لانه تعالي لايعرف الّا بسبيل معرفتهم عليهم السلام و امّا الخصيصون من الشيعة فاستدلالهم علي طريق استدلال ائمّتهم عليهم السلم و الاشارة الي نوع ذلك يُعرف من قول اِمامهم الصادق عليه السلام في قوله اولميكف [ص 709] بربّك انه علي كل شيء شهيد قال يعني في غيبتك و في حضرتك ه ، و المعني انّ العارف ينظر الي المؤثِّر في الاَثرِ و الي السبب في المسبّب و الي المحرِّكِ في الحركة فاذا غِبْتَ فانّما تَغيبُ بسبب اشتغالك و نَظرك الي الدنيا و اهلها او بشغل نظر عقلك و فكرك بشيء من المعاني او الصور و كل شيء يقع عليه نظر بصرك او بصيرتك من عقل او علم او وهمٍ او خيالٍ او فكر فانّه اثر فعله و دليل وجوده فهو في غيبتِك حاضر عند كلّ مشعرٍ من مشاعرِكَ بافعاله و آثار افعاله و اذا حضرتَ بنظرك في آثار صنعه فانّك تري من الاثار ما كنتَ تراه في غيبتك بلا فرق في نفس الامر الّا انّك في الغيبة اشتغل نظرك الي الطعام لاتعرف منه الّا المصنوع و في الحضور اشتغل نظرك الي الطعام لاتعرف منه الّا المصنوع و قلبك ذاكر صانعه تعالي و في الغيبة لميكن قلبك ذاكراً صانعه تعالي و هو عز و جل موجود في الحالين لانك في حال الغيبة تجد اشياۤء و في حال الحضور تجد اشياۤء و وجودات الحالين قاۤئمة بامره تعالي قيام صدور و تحقّق فماغاب عنك مَنْ حضَرَتْكَ آثارُ افعاله و مَااحتجبَ عنك مَنْ اوْجَدك نفسَك و غيْرَكَ و هذا نوعُ برهانِ العارفين من الانبياۤء و المرسلين و الخصيصين من اتباعهم لَا اَنَّ بُرْهانهم بترتيبِ صغري و كبري حتي اذا ارادوا مَعْرفته سبحانه رتّبوا مقدّمتين فقالوا مثل ما يتوهم المصنّف عليهم الوجود هو الله و الله هو الحق سبحانه او بالعكس مثل الله هو الوجود و الوجود هو الحق و المعني واحد او كما يتوهمه كما تشعر عبارته في قوله لانّه البرهان علي كلّ شيءٍ فيقول حقيقة كلّ شيءٍ هو الوجود و الوجود هو اللّه فيكون الطريق الي البغية اي المطلوب من البغيةِ يعني انّ الطّريق اليه منه و هذه عبارات الصوفية اصحاب الدعاوَي و امّا الانبياۤء عليهم السلم اصحاب الحقاۤئق فهم ينظرون الي اثار صنعه بنحو ما علّمهم من النظر فيترقّون من الاثار الي اياته [ص 710] التي تعرّف لهم بها في اثار صنعه في الافاق و في الانفس كما قال تعالي سَنريهم آياتنا في الافاقِ و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحقّ ثم قال تعالي انه اظهر في الافاق من الافاق و في الانفس من الانفس فقال تعالي اولميكف بربّك انه علي كل شيء شهيد فاذا نظروا الي شيء لمينظروا اليه الّا كنظرك الي زجاجة المرءاة حين انت تنظر وجهك فيها فانّك غير ناظرٍ الي الزجاجة ح و انما انت ناظر صورتك و ان كنتَ تراها بالعرض فحين امرهم تعالي بالنظر فقال قل انظروا ماذا في السموات و الارض و قال و يتفكرون في خلق السموات و الارض و قال اولميتفكروا في انفسهم الي غير ذلك نظروا اليه فيها و المنظور اليه فيها ما تعرّف به لهم ممّا وصف به نفسه و هو ما القي في هويّاتهم من هويّاتهم الذي هو الوصف الفَهْوَانيّ و هو ظل اثر فعله اعني شبح هياكل التوحيد فينظرون الي آياته في الاثار كما روي عن سيّدالشهداۤء عليه السلم في ملحقات دعاۤء عرفة قال الهي امرتَ بالرجوع الي الاثار فَاَرْجِعني اليها بكسوة الانوار و هداية الاستبصار حتي ارجعَ اليك منها كما دخلتُ اليك منها مَصُونَ السرِّ عن النظرِ اليها و مرفوعَ الهِمّةِ عن الاعتمادِ عليها انك علي كلّ شيء قدير ه ، و هذا الكلام ان صحّ انه قاله فذلك و الّا فمعناه منهم عليهم السلم لانه صحيح و قد روي ابن عباس و غيره عن النبي صلي اللّه عليه و اله ما معناه انه قال مايوجد شيء من الحقّ عند احدٍ من الخلق الّا بتعليمي و تعليم علي بن ابيطالب (ع) الحديث و هو طويل ، فنظر الانبياۤء و المرسلين و الاوصياۤء و الصديقين عليهم سلام الله اجمعين و استدلالهم بالعيان و الوجدان لا بالمقدّمات و البرهان المبني علي المقدّمات الحمليات و المفاهيم التّخيّليّات و القياسات الوهميات التي قدّروها بعقولهم و قدّروا بها عظمة الله و قدرته كما قال [ص 711] الصادق عليه السلم في دعاۤء الوتيرة بعد العشاۤء رواه الشيخ في المصباح قال روحي فداۤءه صلوات الله عليه بدَتْ قدرتُك يا الهي و لمتبدُ هيئَةٌ يا سيّدي فشبّهوك و اتّخذوا بعض آيٰاتك ارباباً يا الهي فمِن ثَمّ لميعرفُوكَ الدعاء ، و الحاصل ان كان المصنف في قوله « هو الذي لايكون الوسط في البرهانِ غيره » هذا هو اعتقاده و معرفته بان طريق الانبياۤء و الاوصياۤء عليهم السلم الي معرفة الله عز و جل انما هو بالبرهان الصناعي المعروف فهو اجهل الجاهلين و ان كان مراده انّ معرفتهم عليهم السلم للّه انما هي بالله من اللّه الي اللّه علي جهة العيان و الوجدان و انما قال لايكون الوسط غيره لانه يريد انه القطب الذي تدور عليه الافكار و الانظار و الاشواق و الاذواق و ان كل ما سواه فهو كالاشعة في دَوَرَانِها علي شعلة السراج كما قال السَّجاد عليه السلم الهي وقف الساۤئلون ببابك و لاذ الفقراۤء بجنابك ه ، كالاشعّة الواقفة في سؤال الاستمداد بباب النار الذي هو الشعلة و لاذت الاشعّة بفقرها في طلب الاستغناۤء بجناب النار الذي هو الشعلة فان كان مرادُه هذا المعني من قوله الوسط فهو معني صحيح و ان كان لايستعمل الوسط بهذا المعني في ذكر البرهان لان البرهان استدلال و الاستدلال انما يستعمله الفاقد و هذا المعني ليس ببرهان بل هو العيان و الوجدان الذي يعبّر به الواجد لا الفاقد علي ان جميع استدلالاته في ساۤئر كتبه انما هي بالبرهان الصناعي الذي لاينتفع به القلب الواعي فافهم ،
و استشهاده بقوله تعالي « قل هذه سبيلي ادعو الي الله انا و من اتبعني » مخالف للمراد من الاية لانه صلي اللّه عليه و اله لميستعمل البرهان الصّناعي الّا في مقام الاحتجاج علي من يحتجّ عليه صلي الله عليه و اله بذلك فانه ربّما يأتي بما يكون من معاني كلامه ما اذا رُتِّب و عدِّل علي قاعدة اهل المنطق يكون منه شكل قياسي كما كان كلام العرب كله هكذا و القرءان كذلك و كتابي هذا الذي كتبته شرحاً لكتاب المصنف ربّما [ص 712] مايوجد فيه شكل قياسي الّا ان يكون حكاية او مقابلة لاخر و الّا فكله من دليل الحكمة او الموعظة الحسنة و الاشكال القياسيّة كلها من دليل المجادلة بالتي هي احسن و هو مع استكمال شراۤيـٔطه و مستنداته لايوصِل الي معرفة اللّهِ و انما يفيد اِسْكات الخصم في بعض المواضع اذا لميكن الخصم من اهل العيان امّا اذا كان منهم فانه يفتح له بابَ ابطاله و وجه ردّ التمسّك به ان هذا لفي الصحف الاولي صحف ابراهيم و موسي لانّ قوله صلي الله عليه و اله الذي امره اللّه به هنا هو الذي امره به في قوله تعالي ادع الي سبيل ربّك بالحكمة و الموعظة الحسنة ثم انه تعالي امره صلي الله عليه و اله بانهم اذا جادلوك فجادلهم بالتي هي احسن فافهم .
قال : « فهؤلاۤء هم الذين يستشهدون به تعالي عليه شهد الله انه لا اله الا هو ثم يستشهدون بذاته علي صفاته و بصفاته علي افعاله و آثاره واحداً بعد واحدٍ و غير هؤلاۤء يتوسّلون في السّلوك الي معرفته تعالي و صفاته بواسطة امرٍ اٰخر غيره كجمهور الفلاسفة بالامكان و الطبيعيين بالحركة للجسم و المتكلمين بالحدوث للخلق او غير ذلك و هي ايضا دلاۤئل و شواهد لكن هذا المنهاج احكم و اشرف و قد اشير في الكتاب الالهي الي تلك الطريق سنريهم اياتنا في الافاق و في انفسهم حتي يتبيّن لهم انّه الحقّ و الي هذه الطريقة بقوله اولميكف بربّك انه علي كل شيء شهيد » .
اقول : قوله « فهؤلاۤء » اي الانبياۤء و الصديقون عليهم السلم « يستشهدون به عليه تعالي » فيه انهم اذا استشهدوا بهٖ عليه وجب ( عليهم . خل ) اعتبار المغايرة بَيْنَ الدَّليل و المدلول عليه و لو فرضاً و هو مناف للتوحيد و انّما استدلالهم به انّه هو كما قال تعالي قل ٱللّٰهُ ثم ذرهم في خوضهم يلعبون فانْ اَراد انّهم يشهدونَهُ في ظهورِهٖ بكلّ شيءٍ [ص 713] علي نحو ما في دعاۤء الصادق عليه السلم لايُرَي فيها نور الّا نورُك و لايُسْمَعُ فيها صوتٌ الّا صوتك ه ، و هو الظاهر من مراداته كما يقولون هو الشاهد و الشهادة و المشهود و امثال هذه العبارة فاعلم انّ هذا المعني يكون كفراً و ايماناً علي مرادِ العارفِ و اعتقاده فان اعتقد انّه الوجود المطلق و النقاۤئص لاحقة ببعض افراد الحقيقة لانّ صِرْفَ الوجودِ البحت تام و فوق التمام و هو الواجب و هو اكمل افرادِ ٱلحقيقة و بعض افرادها متفاوتة في الشدّة و الضعف مشتركة في مطلق النقص و الفقر و الاقوي يستهلك الاضعف فلا اثرَ و لا مؤثر الّا هو و لا وجود علي الحقيقة الّا هو فاذا استدلّوا عليه انّما استدلوا به فان شاهدوا شاهدوا ذاته الحق فهذا كفر و ان اعتقد ان كلّ شيء دليله و ان دليله صفته صفة استدلال عليه لا صفة تكشف له بمعني انّهم اذا فنوا فنوا في آثارِ مَقَامَاتِه و علاماته لا في ذاته و المشاهدةُ و اللقاۤء و الفناۤء و الظهور الذي استَهلك كلّ ظهورٍ كلّها للوجه الباقي الذي لايفني و لايحول و لايزول و هو مقاماته و علاماته فهذا هو الايمان و ذلك قوله تعالي سنريهم اياتنا و لميقل ذاتَنا في الافاق و في انفسهم و قال صلي الله عليه و اله اعرفكم بنفسه اعرفكم بربّه و قال اميرالمؤمنين عليه السلم مَن عرف نفسه فقد عرف ربَّهُ ، فقوله صلي الله عليه و اله اعرفكم بنفسه اعرفكم بربّه يدلّ علي انّه لو كان شخص اعرف بنفسه من زيدٍ و زيدٌ يعرف ربّه بنحو معرفة المصنّف من مسئلة الوجود كان الشخص اعرف من زيدٍ لكونه اعرف من زيد بنفسه من ان الشخص اذا عرف نفسه فانّما يعرف آيةَ ربّهٖ و هي ما وصف به نفسه تعالي لعبده فاذا عرف الشخص وصف الله لنفسه تعالي عرفه لان الشيء انما يعرف بوصفِهٖ فاذا عرفته بما وصف نفسه به لك اصبتَ مراده و لا كذلك لو عرفته بما قالوا فربّما عرفتَ غيره بل هذا يكون قطعاً لما ذكرنا مراراً ان الصّورة الانسانية نسخة العالم و نسخة العالم [ص 714] نقش الاسم الاكبر و اعلم ان اكثر قولي في اغلب المواضع ان اراد كذا و ان اراد كذا لفتح باب التأويل لمن يطلب سواۤء السبيل اذ اكثر الناس لايقدر علي التنزل الّا بالتدريج ، و الحاصل معني استشهادهم به عليه عند هؤلاۤءِ انه الدليل بذاته علي ذاته كما قال عليه السلم يا من دلّ علي ذاته بذاته و هم يحومون حول هذه العبارة منه عليه السلم و نحن نغلّطهم في التصديق لا في التصوّر لانهم يزعمون انّ هذه الذات الدالّة و المدلول عليها الذّات البحت و تعالي و عزّ المعبود عن هذا المعني الذي ارادوه و انّما المراد منها احد امور كل منها مراد لقوم احدها انه دل علي معرفة ذاته بوصْف ذاته و المدلول عليه موصوف هذا الوصف لا الذات البحت الواجب تعالي و ثانيها انّه دلّ علي معرفة ذاته الموصوفة بما وصفها من غير حاجةٍ الي دلالة آثار صنعه و ثالثها انه دلّ علي معرفة ذاته بمعرفة ذاته اذِ الشيء لايُعْرَفُ بغيره و انما يعرف بذاته و رابعها انه دلّ علي معرفة ذاته بوصفِ ذاته لا بوصفِ غيرها و خامسها انه دلّ علي معرفة ذاته الحق بذاته الخلق و سادسها انّه دَلّ عَلَي معرفة ذاته الحق بتعريف ذاته الخلق و سابعها انّه دلّ علي معرفة ذاته الحق بمعرفة ذاته الخلق و ثامنها انه دلّ علي معرفة ذاته الخلق بذاته الخلق و تاسعها انه دلّ علي معرفة ذاته الخلق بتعريف ذاته الخلق و عاشرها اَنّه دلّ علي معرفة ذاته الخلق بوصف ذاته الحقّ فهذه عشرة وجوهٍ ليس فيها تكرير و لا تداخل و كلّها مُرَادةٌ و فيها وجوه اخر و ليس من الجميع ما اشارُوا اليه لانه كما قال عبدالحميد بن ابيالحديد :
كذبوا ان الذي طلبوا خارجٌ عن قوّةِ البَشرِ
و معني استشهادهم به عليه عندنا انّ الشيء لايعرف بغيره و انّما يعرف به فانك تعرف الطويل بالطول لا بالعرض و لا بالحمرة و تعرف العريض بالعَرض لا [ص 715] بالطول و لا بالحمرة و هكذا و من هنا قالوا عليهم السلم اعرفوا اللهَ باللهِ و قالوا عليهم السلام ان الله اجلّ من ان يُعرف بخلقه بل الخلق يعرفون به ه ، اي بتعريفه و تعليمه و قوله تعالي شهد الله انّه لا اله الّا هو قالوا هذه شهادة الحق للحقّ بالحَقِّ و ليس بصحيح ما قالوا لانّ هذه شهادته تعالي في الخلق للخلق لان لا اله الّا هو نفي و اثباتٌ حيث قال المشركون اللات الٰه و العُزَّي ( الٰه . خل ) و هُبَل الهٌ و الله سبحانه الهٌ فقال كذبتم في ثلاثة و صدقتم في واحد فعبّر عن تكذيبهم بنفي الٰهيّة ثلاثةٍ فقال لا الٰهَ ممّا قلتم و عبّر عن تصديقهم بالاثبات فقال الّا اللّه اي لا الٰه ممّا قلتم الّا الٰهٌ واحدٌ سبحانه و هذه احكام الامكان و ليس في الوجوب شيء غيره لا في الوجود و لا في الوجدان و لا في الذكر و لا في العلم ليتميّز بنفيه عنه تعالي عن ذلك و لهذا قال الرضا عليه السلم في جوابه لعمران الصّابئ حين قال له يا سيدي هل كان الكايـٔن معلوماً في نفسه عند نفسه قال الرضا عليه السلام انما تكون المعلمة لنفي خلافه و ليكون الشيء نفسه بما نفي عنه موجوداً و لميكن هناك شيء يخالفه فتدعوه الحاجة الي نفي ذلك الشيء عن نفسه بتحديد ما علِم منها ه ،
و معني قوله « ثم يستشهدون بذاته عَلَي صِفٰاتِه » انّهم يستدلُّون بالذات الحق تعالي فدَلّ علي ان مراده قبل هذا الكلام في قوله يستشهدون به تعالي عليه ، الذات الواجب البحت كما قلنا عليه ثم يريد هنا بالذات ايضا الذات البحت و قد اشرنا لك الي الحقّ في هذه المسئلة و امثالها انهم ماعرفوا معبودهم و زعموا انه تعالي اقرب اليهم من حبل الوريد بذاته الحق و تعالي عن ذلك علي المعني الذي ارادوا فيستشهدون به عليه انه هو و انّه دليل صفاته لانّه اقرب و اظهر ثم بصفاته علي افعاله و اثاره و قد قلنا لك انّهم يعرفون مَن تعرّف لهم بما تَعرَّفَ به لهم فعندهم من معرفته ما اعطاهم و هو ما وصف به [ص 716] نفسه لكل واحدٍ من خلقه و ذلك الوصف فَهْوانيٌّ هو حقيقة عبده الذي تَعَرّفَ له بذلك الوصف الذي هو حقيقة عبده منه تعالي و ليس عنده غير ما اُعْطِي فحقيقةُ عبدِهٖ منه صفته تعالي صفة استدلالٍ عليه لا صفة تكشف له و ح يعرف خالقه بنحو ما قال الرضا عليه السلم و اعلم انه لاتكون صفة بغير موصوف و لا اسم لغير معني و لا حدّ بغير محدود و الصفات و الاسماۤء كلها تدلّ علي الكمال و الوجود و لاتدلّ علي الاحاطة كما تدل علي الحدود التي هي التربيع و التثليث و التسديس لان الله تعالي تدرك معرفته بالصفات و الاسماۤء و لاتدرك بالتحديد الي ان قال عليه السلام و لكن يدلّ علي اللّه عز و جل بصفاته و يُدرك باسماۤئه و يستدل عليه بخلقه الحديث ، فحقيقة عبده وصفه المذكور و اسمه اذ كل شيء من خلقه اسم له و هو خلقه و هو تعالي لميتعرّف الي احدٍ من خلقه بذاته و انما تعرّف لهم باوصافه لهم الّتي هي حقاۤئقهم منه اي من فعله و لايوجد وصف بغير موصوف تأمّل قول الرضا عليه السلم حين قال له عمران الصابي يا سيّدي الاتخبرني عن اللّه تعالي هل يوجد بحقيقته او يوجد بوصفٍ قال الرضا عليه السلام ان اللهَ المبدئ الواحد الكاۤئن الاول لميزل واحداً لا شيء معه فرداً لا ثاني معه لا معلوما و لا مجهولا و لا محكما و لا متشابهاً و لا مذكوراً و لا منسيّاً و لا شيء ( لا شيئا . خل ) يقع عليه اسم شيء من الاشياۤءِ غيره و لا من وقتٍ كان و لا الي وقتٍ يكون و لا بشيء قامَ و لا الي شيءٍ يقومُ و لا الي شيءٍ استند و لا في شيءٍ استكنَّ و ذلك كله قبل الخلق اذ لا شيء غيره وَ ما اوقعَتْ عليه من الكل فهي صفات محدثة و ترجمة يفهم بها من فهم الحديث ، و معني انه تعالي يعرف به انّك اذا كشفتَ عن نفسك في وجدانك سبحاتِ الجلال من غير اشارة بقي وصف فهوانِيٌّ ليس كمثله شيء و به تعرف اللّٰهَ باللّهِ لان هذا الباقي هو وصفه تعالي الذي خاطبك [ص 717] به مشافهة و به تعرف الله باللّه كما تعرف الابيض بالبياض لا بغيره من الالوان لان البياض ليس كمثله شيء من الالوان و تعرف خلقه به كما تعرف الصفة اي الوصف بالموصوف بهذا النحو و بانه عرّفكَ نفسه و بذلك عرّفك خلقه لا باللِّمّي او الانّيِّ ( و لا بالانّيِّ . خل ) من البرهان بل بالمشاهدة به و العيان اشهدك انه اللّه لا اله الّا هو و اشهدَك نفسك و اشهدك ما شاۤء من خلقه ،
و قوله « و غير هؤلاۤء » اي غير الانبياۤء و الصديقين و الخصيصين من اتباعهم بالصدق حيث لايجدون حالة انفرادٍ و لا استبدادٍ « يتوسّلون في السلوك » اي يتخذون لسلوكهم « الي معرفته تعالي » وساۤيـٔل و براهين و دلاۤئل « بواسطة امرٍ آخر غيره » اقول ان اراد بقوله بواسطة امرٍ آخر غيره ، ان اولئك الاولين اتّخذوا ما نسبه اليه و القي عليه ما اشتقّ له من اسماۤئه اسماً نسبَهم به اليه فذلك ما قلنا و ان اراد غير ذلك اراد غير مرادِ اللهِ من خلقه « كجمهور الفلاسفة بالامكان » يعني ان علّة حاجةِ الحادث الي الصانع تعالي هي الامكان و ذلك ان الممكن اذا اعتبر في ذاته و ما لَهُ كان متساوي الطرفين في الوجود و العدم و لاينفكّ عن احدهما فهو محتاج في ترجيح احدهما علي الاخر الي مرجّحٍ و طالبٍ له و هو الصانع فعلّةُ احتياجِه الي الصانع هو الامكان و قيل بشرط الحدوث لانه اذا لميلاحظ الحدوث لميتحقق الاحتياج و قيل علّة الاحتياج هي الحدوث خاۤصّة اذ ملاحظة استواۤء الطّرفين لاتَستلزم الاحتياج و قيل هي الامكان و الحدوث مَعاً اذ كل منهما جزء علة لعدم تحقق الاحتياج بدونهما و الحق في نظري انه ان اريد مطلق الاحتياج فالاول اقوي لانا نقول ليس ذاتيا بنفسه بل بصنع صانعه و هو شيء مخلوق بمشيّة اللهِ الامكانية لانه محلّها حين خلقها سبحانه بنفسها فامكان كلّ ممكن بفعله لانه تعالي امكن الامكانات لا ان الامكان امر اعتباري عدمي و الّا لكان زيد [ص 718] اذا لميكن متّصفا بالامكان المتحقق خارجاً قديماً او ممتنعاً اذ كل ما ليس ممكِناً فهو قديم عندنا و عندهم فهو قديم او ممتنع لان الممتنع عندهم شيء و عندنا ليس بشيء لانحصار الشيء في الواجب و الممكن و زيد شيء فاذا لميكن ممكنا اي متّصفا بامكانٍ هو شيء فهو قديم و ان اريد كمال الاحتياج وَ تمامه فالاخير اقوي لاحتياج زيد في امكانه الي الامكان المتحقق ليتّصِف بما هو متحقّق به و لاحتياجه في كونه الي الحدوث لانه لايحتاج الي الحدوث في امكانه و لايستغني عنه في كونه اقولُ و دليلهم هذا هو المناسب للاستدلال لان المستَدلّ انما يعرف المستدل عليه بالدليل بخلاف طريق الانبياۤء و الصدّيقين عليهم السلام فانّ الله سبحانه اشهدهم وصفه فبه عرفوه لا بالاستدلال و ان سمي استدلالاً مجازاً ،
و قوله « و الطبيعيّين » اي المستدلّون بالطبيعة « بالحركة للجسم » كما ذكر هو قبل هذا من تجدّد الطباۤئع و حركاتها الجوهريّة نازلة و صاعدة في اطوار التجدد و التبدّل المحتاجة الي صانع لايتجدّد و لايتغيّر و لايتبدّل عز و جل اقول و هذا استدلال صحيح ورد به الشرع الصّريح الّا انه كالّذي قبله و هما طريقان لتثْبيتِ ٱلثابت في الاوهام ثبوته عز و جلّ يعني ثبوت معرفته بطريق الاستدلال بالاثار ،
و قوله « و المتكلمين بالحدوث » اي يستدلّون بالحدوث الظّاهر في الاشياۤء بتطوّراتها في مراتب اكوانها المتجدّدة المتغيّرة المتبدّلة المحتاجة الي صانع لايتّصف بصفاتها سبحانه و تعالي و هذا ايضا دليل صحيح ورد به الشرع الشريف و قد قال سبحانه قد علم كل اناس مشربهم و كلّ من صدق مع اللّه سبحانه و اقام حدوده و طلب الحقّ هداه الي ما خُلِقَ له ،
و قوله « و هي ايضا دلاۤئل و شواهد » يشير الي استدلال الحكماۤء و الطبيعيين و المتكلمين و هو كما قال في كلّ شيء بحسبه الّا ان الثلاثة من نوع واحد ،
[ص 719] و قوله « لكن هذا المنهاج احكم و اشرف » يشير الي طريق الانبياۤء و الصديقين عليهم السلم اجمعين و هي علي ما يدّعيه هي طريقته و اقول ان كان من جهة النوع فلايبعد انها من نوع طريقتهم عليهم السلام من جهة التّصوّر لا من جهة التصديق فان من عرفوه غير من عرفه و هم عليهم السلام كافرون بمن يشير اليه و ان كان من جهة الشخص فليس طريقته من طريقتهم في شيءٍ و لا تعجب من قوله فان الله سبحانه يقول و من الناس من يعجبك قوله في الحيوة الدنيا ،
و قوله « و قَدْ اشير في الكتاب الالهي » يعني القرءان « الي تلك الطريق » يعني طريق الحكماۤء و الطّبيعيين و المتكلمين و هي قوله تعالي « سنريهم اياتِنَا في الافاق و في انفسهم حتّي يتبيّن لهم انّه الحقّ » و هو يريد ان الايات التي اراهم ايّاها في الافاق و في انفسهم هي الٰاثار اي المخلوقات من السموات و الارض و الشمس و القمر و النجوم و الجبال و الشجر و الدواۤبّ و ما اشبه ذلك و في انفسهم من خلق الشعر و البشر و السمع و البصر و ساۤئر نعمه الداۤلّة علي صانعها و هذا ظاهر الاية ، و امّا تأويلها فمنه ما اشار اليه سيّد الموحّدين علي اميرالمؤمنين عليه السلم بقوله مَن عرف نفسه فقد عرف ربّه و حين سأله كميل عن حقيقة المعرفة قال له عليه السلم : ما لك و الحقيقة يا كميل ، قال اولستُ صاحب سرّك ، قال : بلي و لكن يرشح عليك ما يطفح مني ، قال : اومثلُكَ يخيّبُ ساۤئلاً قال عليه السلم : الحقيقة كشفُ سبحاتِ الجلالِ من غير اشارة ، يعني انّك اذا اردتَ معرفةَ الحقيقةِ من معرفة اللّه فاكشِفْ في وجدانِك سُبُحاتِ نفسِكَ حتّي الاشارة الي الكشف فانه يبقي اُنْموذَجٌ فَهْوانيٌّ ليس كمثله شيء و هو آيةُ اللّٰهِ و وصفُه نفسَهُ الذي خاطبَك به فيه مشافهة ليس بينك و بينه حجابٌ غيره ، قال : زدني بيانا ، قال عليه السلم : محو الموهوم و صحو المعلوم ، اي امح السبحات الموهمة و الاِنّيّات الموهومة المبهمة تبقي آية بيّنة معلمةٌ فالمعلوم حقيقتك من ربّك التي كثيراً ما نعبّر عنها بالفؤاد و بالنور و بالوجود [ص 720] و هو ما وَصَفَ به نفسَهُ لَكَ و هي هيئةُ هيكلِ التّوحيد ، قال : زدني بيانا ، قال عليه السلم : هتك السّترِ و غلبة السّرِ ، اي اهتك الحجاب الذي بينك و بينَهُ تعالي يغلبْ علي وجْدانِك ظهور السّر و ٱلكنز المخفي تحْتَ جدارِ انّيّتِك و تجد شبَحاً ناطقا بكلّه يقول اللّهْ اللهْ صاعداً لا اله الّا هو نازلاً ، فقال : زدني بياناً ، قال عليه السلم : جذب الاحديّة لصفة التوحيد ، قال عبدالكريم الجيلاني في الانسان الكامل : و الاحديّة عبارة عن مجليً ذاتيٍّ ليس للاسماۤء و لا للصفات و لا لشيء من مؤثراتها فيه ظهور فهي اسم لصرافة الذات المجرّدة عن الاعتبارات الحقّية و الخلقيّة و ليس لتجلّي الاحدية في الاكوان مظهرٌ اتمّ منكَ اذا استغرقتَ في ذاتك و نسيتَ اعتباراتِكَ و اخذتَ بك فيك عن خواطرك فكيف انتَ في انتَ من غير ان تنسِبَ اليك شيئا مما تستحقّه من الاوصاف الحقّية او هُوَ لَك من النعوت الخلقية فهذه الحالة للانسان اعم مظهر للاحدية في الاكوان فافهم انتهي ، و قال قبل هذا : و الواحديّة اوّل تنزّلات الحق من الاحدية انتهي ، و قوله هذا صحيح ليس فيه عيب الّا في قوله فهي اسم لصرافة الذات و قوله اول تنزلات الحق من الاحدية ، فان ذلك لايصح الّا علي تأويل ، فقوله عليه السلم جذب الاحدية اي جذب حقيقتك من ربك لِسُبحاتِ حقيقتك من نفسك بمعني استهلاكك اياها في وجدانك من ربّك لتعرفه بشبَح معرفته ، قال : زدني بياناً ، قال عليه السلام : نور اشرق من صبح الازل فيلوح علي هياكل التوحيد آثارُه ، فصبح الازل فعل الله و مشيته و ابداعه و اختراعه و النور المشرق منه نور الحقيقة اي حقيقة العارف من ربّه اعني فؤاده و وجوده و هو في كل عارف بنسبة رتبته من الكون فيلوح اي فيظهر اثاره مشابهة لهياكل التوحيد لانّ هيئتها و هندسة ايجادها علي هياكل التوحيد اي منقوشة علي صورة الهياكل صلي الله علي محمد و اهل بيته الطاهرين [ص 721] قال عليه السلام بنا عرف الله و لولانا لميعرف اللّه و نحن الذين لايعرف الله الا بسبيل معرفتِنا ، قال : زدني بيانا ، قال عليه السلام : اَطفِأ السراجَ فقد طلع الصبح ه ، اي اعدم وجودك و وجدانك فانّ الحق ليس بمستترٍ و انما احتجب عنك بك كما قال اميرالمؤمنين عليه السلم لاتحيط به الاوهام بل تجلّي لها بها و بِها امتنع منها و اليها حاكمها ه ، فما اراهم الله في الافاق و في انفسهم فهو آياته و الدّليل عليه بايِّ طريقٍ كان علي حسب مراتب السالكين و من ادّعي انّ ما اَراهم ٱللّٰه في الٰافاقِ و في الْاَنْفُس هو ذاته فقد الْحَد و جحد ، و امّا باطن الاية فالايات الّتي اراها ٱللّٰهُ في الافاق و في الانفس هم محمد و اهل بيته الطاهرين صلي الله عليه و اله روي جعفر بن محمد بن قولويه في كامل الزيارة باسناده عن عبدالله بن بكر الارجاني في حديثٍ طويل عن ابيعبدالله جعفر بن محمد الصادق عليه السلم الي ان قال عليه السلم و هو يقول سنريهم اٰياتنا في الافاق و في انفسهم فايَّ آيةٍ في الافاق غيرنا اراها الله اهل الافاق و قال و مانريهم من اية الّا هي اكبر من اختها فايُّ آيةٍ اكبر منا الحديث ، فهم عليهم السلم آية معرفة اللّه حيث يقول عليه السلم نحن الاعراف الذين لايعرف اللّه اِلّا بسبيلِ معرفتِنا اي بنحو ما بيّنّا من الدليل عليه و وصفناه بما وصف نفسه لنا او بنحوِ ما عرفناه كما وصف نفسه لنا او بمعرفتِنا لانها معرفته او اية معرفته فما ذكره المصنف في الاية من انها استشهاد الحكماۤء و الطبيعيين و المتكلّمين فانما هو من ظاهرها و اما تأويلها و باطنها فهو طبق ما يُرَاد من آخرها كما اشرنا اليه ،
و قوله « و اِلي هذه الطريقة » اي طريقة الانبياۤء و الصدّيقين عليهم السلم « بقوله اولميكف بربّك انه علي كل شيء شهيد » يشير به الي ما ذكره بعد هذا الكلام اعني النظر الي حقيقة الوجود و قد ذكرنا قبل ذلك انّ هذه الطريقة التي يشير اليها ليس طريقة الرّبانيّين علي الحقيقة و انما هي طريقة المتلوّنين [ص 722] فانك اذا وزنتها بميزان الشرع الشّريف وجدتَها في مقابلة التّوحيد و الايمان و قد ملأنا كتابَنا هذا من بيان بطلانها و سنذكر شيئاً من نحو ما مضي علي جهة الاقتصار تذكرة للذاكرين من اولي الابصار .
قال : « فالربّانيون ينظرون الي حقيقة الوجود اوّلاً و يُحقِّقونها و يعلمون انها اصل كل شيء و انها واجب الوجود بحسب الحقيقة و اما الامكان و الحاجة و المعلوليّة فانما تلحق الوجود لَا لِاجلِ حقيقته بل لاجل نقاۤئصَ و اَعدامٍ خارجة عن اصل حقيقته » .
اقول : اراد ( ان . خل ) يبيّن طريقة الربانيّين و هم عنده النّبيون و الاوصياۤء عليهم السلام و ٱلصّوفية الّذين قال بعضهم انّا جُزْنا بحراً وقَفتِ الانبياۤءُ علي ساحله يعنون انا عبرنا بحراً من الحقاۤئق و تجاوزناه و الانبياۤء وقفوا علي ساحله قصوراً منهم و عجزاً و هم اهل الشطح و الدّعوي و المصنّف بشطحه ادّعي انّ هذه الطريقة التي اراد تبيينها هي طريقة النبيين عليهم السلم و هي طريقة القول بوحدة الوجود التي اجمع النبيون و الاوصياۤء عليهم السلم علي بطلانها و كفر معتقدِها فتدبّر كلامه يظهر لك ما فيه مما ذكرت لك ،
قال « فَالربّانيون ينظرون الي حقيقة الوجود اوّلاً و يحقِّقونها » اقول له ما الوجود و ما يعني به هل هنا شَيْء يُسَمّي حقيقة ( حقيقته . خل ) بالوجود غير المعني المصدري المعبّر عنه بالفارسيّة بهست و هو يقع صفة لكلّ ما ليس بمعدومٍ و تدخل الماهيّة فيه و من عبّر به عن الماۤدّة فهو صحيح اذ ليس غيرها الّا ان لفظ الوجود لميوضع لها و ان كنا نستعمله كثيراً فيها مجاراةً لهم و لميوضع لذاتٍ غيرها و ذلك لانّ الوجود يفسّره كثير بالكون في الاعيان و المصنف و امثاله يقولون هو عندنا ما به الكون لان الكون في الاعيان من المعقولات الثانية و هي امور اعتباريّة عقلية لا وجود لها في الخارج و نحن نقول اذا لمتكن متحَقّقةً في الخارج كانت الاشياۤء [ص 723] الخارجية ليست موجودة و لا كاۤئنة في الاعيان خارجاً بل في الاذهان و هذا من الوساوس و مخالفة الوجدان و قول اصحاب المصنف انّه ما به الكون في الاعيان انما يصدق علي الهيولي و مقوّماتها كالصُّوَر بل لا مناص لهم عن ذلك ان كان يتكلمون بما يعقلون علي انها نفس حصولها و كونها و اما ما تعرفه العوام من الكون في الاعيان فهو اثر ذلك و هو اثر اشراقي اذا كشفت عن حقيقته لمتجد شيئا غير الشيء و اثاره و اذا كشفت عن الشيء لمتجد غير ماۤدّته و مقوِّماتِها اذ لميخلق اللّه للشيء غير ذلك و لهذا قلنا ان الوجود هو الهيولي و المادة في كل شيء بحسبه الوجود النوري مادة نوريّة و مقوماتها من لواحق رتبتها و الوجود الجوهري ماۤدة جوهريّة كذلك و العنصري ماۤدة عنصريّة كذلك و امّا وجود الحق سبحانه فلايعرف بشيء من خلقه الّا بما عرّف نفسه به و وصفها به من وجود آياته و اثار افعاله صفة استدلالٍ عليه لا صفة تكشف له و هذا التعريف ايجاد اثرٍ اشراقيٍ دليلُه و آيتُه ما تعقله العوام من اثر وجودك الذي هو مجموع عوالِمِك الثلاثة عقلك و نفسك و جسدك و مقوّماتها و الذي تعقله من معني كونها وجوداً لك هو كونك في الاعيان لانه هو اثر اشراقي لوجودك الذّاتي و لا معني لاصل هذه التسمية الّا المعني المصدري الذي هو معني هَسْتِ فالوجود هو الموجود ان كنتَ من اهل الشهود و حينئذ فالرّبانيون ينظرون الي حقيقة الموجود و هو ما سوي الحق عزّ و جل لعلمهم انه تعالي لا سبيلَ الي معرفة ذاته الّا بما عرّفهم من آياته و آثار صنعه كما ذكرنا هذا مراراً فالربانيون محمد و اله و شيعتهم التابعين لهم صلي الله علي محمد و اله و عليهم لكن اذَا رضينا و قلنا انه موضوع لشيءٍ لايعرفه الّا الصوفيّة فهو كيف يحقّق هل يحقّق بثبوته ام بثبوت المتّصف به فيكون التحقيق للموجود سلّمنا ذلك لكنّه [ص 724] متحقّق في القديم و الحادث علي دعويهم و امّا عندنا فما يثبت للحادث بايِّ نوع من الثبوت لايصح اثباته للقديم و ما وصف به القديم منه فلميقع عليه و انّما يقع علي العنوان و لكن دع هذا كلّه اذا ثبتَتْ حقيقة الوجود كما ذكره المصنّف ،
قال « يعلمون انّها اَصْل كُلِّ شيءٍ و انّها واجب الوجود بحسب الحقيقةِ » يعني المصنف ان هذا الشيء حقيقة مشتملة علي افرادٍ متفاوتة بالتشكيك في الشدّة و الضعف و حقيقته الصرف الخالص من كل ما ينافي ذلك الاصل كالضعف فانه عدم قوّةٍ و الفقر عدم غنيً و الجهل فانّه عدم علمٍ و العجز فانه عدم قدرةٍ و هكذا فصِرفُ الوجود لميلحقه شيء من النقاۤئص لانها اَعْدامٌ و هي بخلاف الوجود و الامكان الذي هو الخاۤصّ يعني سلب الضرورة عن الطرفين و الحاجة و المعلوليّة و امثالها اذا لحقت شيئا من افراد الوجود لمتلحقه لذاته و انّما لحِقَتْه لفقدانِ كمالٍ فالخالص من الشواۤئب المنافية واجب و المشوب حادث هذا ملخص كلامهم و قد مثّل بعضهم بامثلة كثيرة ضربها لهذا منها انّ الواجب كالماۤء و الوجود الحادث كالثلج فانه اذا كسر فقبوله للكسر ليس لذات الماۤء و انّما لحق الثلجيّة فاذا ذاب الثلج ارتفع حكم الثلج و وقع حكم الماۤء علي حقيقته و لا كسر فيه اصلاً و منها البحر و امواجه و المداد و الحروف النقشية و النفَس و الحروف اللفظيّة و الواحد و ساۤئر الاعداد المتألفة منه و ما اشبه ذلك و معني هذه الامثال ان الوجودات الحادثة اعراض حاۤلّة في الوجود الحق كالثلج في الماۤء و الواحد و ساۤئر الاعداد علي وجهٍ او حصصٌ و اجزاۤء منه كالبحر و امواجه و المداد و الحروف النقشيّة و النفَس و الحروف اللّفظيّة و الواحد في الاعداد علي وجهٍ اٰخر و علي اي حال كان فهذه الطريقة في معرفة المعبود الحق تعالي عند الانبياۤء و الاوصياۤء عليهم السلم كفر و زندقة حاشي رتبة العصمة و التأييد [ص 725] و التسديد الالهي من اعتقاد انّ الخلق من سنخ الحق تعالي او اعراض حاۤلّة به لا حول و لا قوّة الا باللهِ العلي العظيم .
قال : « ثم بالنظر فيما يلزم الوجوب و الامكان و الغني و الحاجة يصلون الي توحيد صفاته و من صفاته الي كيفيّة افعاله و آثاره و قد مرّ فيما اسلفنا من البرهان ما بزغ به نور الحق من افق البيان و طلعت شمس الحقيقة من مطلع العرفان من ان الوجود كما مر حقيقة بسيطة لا جنس لها و لا فصل و لا حدّ و لا معرّف لها و لا برهان عليه و ليس الاختلاف بين آحادِها و اعدادها الّا بالكمال و النّقص و التقدم و التأخر و الغني و الفقر او بامورٍ عارضةٍ كما في افراد ماهيّةٍ واحدةٍ » .
اقول : يريد اذا عرفتَ حقيقة الوجود اعني صرفَه الذي لا اتمّ منه علي نحو ما ذكرنا و عرفت انه تعالي هو الواجب الحق عز و جل كما تفعل الانبياۤء عليهم السلم في معرفة الله سبحانه علي زعم المصنف انتقلتَ الي توحيد صفاته فانهم عليهم السلم علي دعويٰهُ اذا عرفوا الوجود الصرف و انه هو الله سبحانه نظروا فيما يلزم الوجوب من الكمالات و التماميّة في الغني و العلم و القدرة و ما اشبه ذلك من الصفات التي هي كمال مطلق لا نقص فيها و فيما يلزم الامكان من النقاۤئص و الحاجة في الافتقار و الجهل و العجز و ما اشبه ذلك من صفات النقص و الفقدان و وحّدوا صفاته و اَبانوا ما يليق به تعالي من الصفات من صفات الحوادث لما يلحقها من النقاۤيـٔص فتوصّلوا من توحيد الذات الي توحيد الصفات بواسطة اعتبار الكمالات المطلقة فان مقتضي اتّصاف الذات بالكمالات المطلقة كون صفاتها بائنةً من صفات غيرها بالكمال الذي لايشوبه نقص و يصلون من معرفة صفاته الي معرفة كيفيّة افْعاله لانّها ناشية من صفاته و يستدلّون بافعاله الّتي هي ناشية من الصفات الكاملة التي لا نقص فيها علي كمال [ص 726] اٰثاره و مصنوعاته كما يدلّ اعتدال حركة يد الكاتب علي حسن كتابته بحيث لو رأيتَ كتابةً غير حسنةٍ لمتنسبها الي الكاتب المعتدل حركة اليد كذلك لو رأيتَ صنعاً ناقصاً نسبتَه الي غير صنعه تعالي و طريق الاستدلال الذي ذكره هنا علي توحيد الصفات صحيح قال تعالي ليس كمثله شيء و علي توحيد الافعال صحيح قال تعالي اروني ماذا خلقوا من الارض ام لهم شرك في السّموات و علي توحيد الاثار صحيح قال تعالي هذا خلق الله فاروني ماذا خلقَ الذين من دونه ،