و قوله « مثل قوله بل هم في لبسٍ من خلق جديد » يريد به ما في الزمان من الاجسام و صفاتها و فيه انَّهْ اِنْ كانت العلة واحدة في الجميع و هي الافتقار الي الصانع جل و عز و الي صنعه و الي التقوّم بامره فلا فرق بين المجردات و الماۤدّيات و ان فرض ان الامر مختلف فالله يحكم بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون و تأويل الاية انّهم انما وجدوا بفعله و انما قاموا بامره و ما قاموا به في قبضته لايخرج عن سلطانه فبه قوامهم كما انّ منه بدءهم فهو في كلّ آنٍ يُلْبِسُهُم خلعةً من الوجود كالاولي [ص 681] ان شاۤء و الّا كغيرها علي ما يشاۤء ، و كذا « قوله علي انْ نُبَدِّل امثالكم » اي بمثلها ان شيـٔنا او بما نشاۤء من الهيئات « و ننشئكم » بما نبدّل « فيما لاتعلمون » من الهيئات في اي صورة ما شاۤء ركّبك ، و كذا « قوله و تري الجبال تحسبها جامدة » لعدم نموّها في الظاهر « و هي تمرّ مرّ السحاب » في سرعة سيره و خفاۤء ذلك لكبره فانها داۤئما في التحلّل و التبدّل شديدة السير الي امرِ الله و حكمه في السلسلة العرضيّة حتي لايكاد الجاهل يشعر بذلك السّير ، و كذلك « قوله ان نشأ نذهبكم » و قد شاۤء ذلك من المخاطبين بذلك الخطاب « و نأتِ » لكم « بخلقٍ جديد » فالاذهاب هو كسر البنية الاولي و الخلق الجديد هو الصوغ الثاني و بالكسر تتبدّل الامثال و بالصوغ الانشاۤء فيما لايعلمون ان كانوا لايعلمون و ان كانوا يعلمون اشهدهم خلْقَ اَنْفسِهم ، و كذا « قوله و السموات مطويات بيمينه » و هو كشطُها و كسرها ، و كذا « قوله انا نحن نرث الارض و من عليها » بارجاعِ مَا تَحلَّلَ منهم او ما نُحَلِّله منهم « و الينا يرجعون » اي الي ما حكمنا عليهم به يرجعون و هذا حكم الٰان بعد الٰانِ اذ كلّ ذرّةٍ من الارض و ممّن عليها من امرنا بدأت و اليه تعود فالطريق بين الفيض و المفاض عليه مملوۤءٌ من النازلات و الصاعدات كلّ في فلكٍ يسبحون ، و كذا « قوله كلّ من عليها فانٍ » اي في بقاۤئه لدوام المدد و الكسر و الصوغ « و يبقي وجه ربّك ذي ( ذو . خل ) الجلال و الاكرام » اي وجه الشيء الفاني من ربّه فانه كلّ ما فني من الشيء شيء ابدله ربّه من وجه ذلك الشيء من ربّه بدل ما فني امّا باعادته عليه بعد احياۤئه او بتكوينه بعد انعدامه او يبقي وجهه تعالي اي بابه الي الشيء و هو محمد و اله صلي اللّه عليه و اله لان الشيء الفاني ماۤدته من اشعّة انوارهم فما فني منه شيء عَوّضوه بدله و في زيارة شهر رجب : انا ساۤئلكم و آملكم فيما اليكم التفويض و عليكم التعويض فبكم يجبر المهيض و يشفي المريض و عندكم ما تزداد الارحام و [ص 682] ما تغيض ه ، و علي هذا التأويل يكون الضمير في عليها في كُلِّ من عليها فان يعود الي الارض الجرز ارض الامكان او ارضِ الاكوان ، و كذا « قوله ان كل من في السموات و الارض الّا آتِي الرحمن عبداً » اي كلّ مَن هو محتاج الي فعله و امره في امكانه و كونِه يحتاج الي فعله و امره في بقاۤئه فمن فعله تكوينُهُ في كسره و صوغِه و من امره مدَدُهُ في ماۤدتِهٖ من شعاع امرِهٖ و في صورتِهٖ من شُعاع هيئته ، و كذا « قوله و كلّهم آتيه يوم القيمة فرداً » و يوم القيمة انهم يرونه بعيداً اي لميكن و نريٰه قريباً قد كان فيرجع الي امره الفعلي و امره المفعولي كلّ شيء بانفراده و كل ذرّةٍ بانفرادها و كما بدءكم تعودون و اعلم ان الكلام في شرح احوال التجدّد و التبدّل طويل الذيل و لايسع الّا الاقتصار علي مثل ما اشرنا اليه فان في ذلك كفاية و تبصرة لاولي الابصار .
قال : « و مبدء هذا البرهان المشار اليه تارة من جهة تجدّد الطبيعة و هي صورة جوهريّة سارية في الجسم هي المبدء القريب لحركته الذاتيّة و سكونه و منشأ آثاره و ما من جسم الّا و تتقوّم ذاته من هذا الجوهر الصوري الساري في جميع اجزاۤئه و هو ابداً في التحوّل و السيَلان و التجدد و الانصرام و الزوال و الانهدام فلا بقاۤء لها و لا سبب لحدوثها و تجدّدها لان الذاتي غير معلّلٍ بعلةٍ سوي علّة الذاتِ و الجاعل اذا جعلها جعل ذاتها المتجددة » .
اقول : يريد ان مأخذ البرهان علي حدوث الاجسام هو تجدّد طبيعتها فان التجدّد انما يكون للمتغير الفاني المتبدّل و هذا دليل ظاهر لا اشكال فيه انّما الاشكال فيما يبنونه عليه و فيما يفرّعُون عليه كما ستسمع فقوله « و هي » اي الطبيعة « صورة جوهريّة » اي منسوبة الي الجوهر لانها بنفسها جوهر لان ذلك انما يكون في الصورة المقوّمة للشيء التي هي جزء ماهيّتِه و لو اراد العرضيّة لتوجّه اليه المنع فاذا اراد بها الصورة التي هي جزء ماهية الشيء [ص 683] و كنهه من نفسه كانت عبارة عن الماهية التي هي الانفعال و القابليّة و تجدّد القابلية لتجدّد المقبول اعني المدد الداۤئم فقوله « سارية في الجسم » ينافي في الظاهر كونها صورة جوهريّة لان الجسم انما هو جسم بمادته و صورته فهذه السارية مغايرة لماهيته و المغاير للماهيّة مغاير لطبيعته فيمكن ان نقول لعلّه اراد بالجسم الماۤدّة ليتمّ له مراده ،
و قوله « هي المبدء القريب لحركته الذاتية » التي بها يترقّي و ينحطّ و سكونه اي الذاتي بقرينة ذكر الحركة الذاتية و هو ما اقامه تعالي و امسكه بظلّه الذي يعبرون عنه بالقيام بنفسه يعني ما به حصول جوهريته و معروضيته ، و هي ايضاً منشأ آثاره ينبغي ان يقيّد الاثار باضافة بعض اثاره لانّ من اثاره و اعظمها ما نشأ من جهة وجوده و مادته الذي هو نور اللّه اي اثر فعله فافهم ،
و قوله « و ما من جسم الّا و تتقوّم ذاته من هذا الجوهر الصّوري الساري في جميع اجزاۤئه » كانّه يريد به لازم الماهية كالحرارة للزنجبيل الظاهرة علي الملاقي لا الحرارة التي هي جزؤ الماهية فانه لايقال انّ الصورة في السرير سارية في جميع اجزاۤئه و ما السرير قبل الصورة و انّ ما هو قبلها هو الخشب و ما الساري في السرير بعد كونه سريراً و ما الساري في المادة حتي كانت به سريراً و انما الماهية و الطبيعة اذا اوجدت المادة انوجدت بوجودها المادة كالكسر و الانكسار و في الحقيقة اوجد اللّه المادة التي هي الاب ثم اوجد من المادة التي هي الاب الصورة التي هي الام و هي الماهية و الانفعال و القابليّة كما قال تعالي خلقكم من نفس واحدة و هي ادم و هي الماۤدة و خلق منها زوجها و هي حواۤء و هي الصورة و هي الامّ كما قررنا سابقا فراجع لا كما ظنّه الخرّاصون من ان الاب هو الصورة و الام هي المادة و لو كان كذلك لكان من قوله عليه السلم السعيد من سعد في بطن امه و الشقي مَن شقِي في بطن امّه ، ان يكون شقاوة الصنم من الخشب [ص 684] لا من صورته و الحق خلافه و اذا سامحنا قلنا ان المصنف تساهل في التعبير او غفل في التقدير و الحاصل ان الطبيعة هي هويّة الشيء من نفسه و هي في الخلق الثاني ما لَبِسَهَا من صورة اِجابته حين وَردَ عليه الَسْتُ بربكم ،
« و هو » اي الجسم « ابداً في القبول و السيَلانِ » بقابليته و طبيعته « و التجدّد » عند كل مددٍ ورد عليه ليكسر به و يصاغ خلقاً جديداً هو الاول في ماۤدته و هو غيره في صورته « و الانصرام » للبنية الاولَي لانتهاۤء اجلها الّذي اُجِّلَ لها « و الزوال » و الفناۤء للهيئة الاولي « و الانهدام » للبناۤء الاوّل لانقضاۤء اجله و تجديد الاجل الثاني و هو الصوغ الثاني كما تكسر الخمسة اذا وضع عليها خمسة فيصاغ الجميع عشرة فهو بعد زيادة المدد عشرة لا انه خمسة و خمسة فيكون اثنين « فلا بقاۤءَ لها » اي للاجسام لتجدّد المدد داۤئما لان بقاۤءها انّما هو به كما مرّ « و لا سبب لحدوثها و تجددها » قوله هذا مبني علي قواعدهم المنهدمة من ان الحدوث امر اعتباري ليس بشيء و ليس بموجود و هذا هو قوله المتناقض « لان الذاتي غير معلَّلٍ بعلّةٍ سوي علّة الذات » و هذا لا معني له فان الحدوث اذا لميكن شيئا لميكن المتّصف به حادِثاً و اذا لميكن حادثا كان قديماً اذ لا واسطة بين الحادث و القديم فاذا لميكن حادثاً كان قديماً و اذا لميكن قديماً كان حادثاً و ليس قديما الّا باتصاف ذاته بالقدم الوجودي الذي هو عين ذاته و الحادثُ ليس حادثا الّا باتصاف ذاته بالحدوث الّذي هو ذاتُه فلو قلتَ في زيد الحادثِ هو قديم لميكن بقولك قديما ما لمتتصف ذاته بقدَمٍ وجودي هو ذاته لا بقولك و فرضك فاين تذهبون ما لكم كيف تحكمون افلاتذكرون ام لكم سلطانٌ مبين فأتوا بكتابكم ان كنتم صادقين ،
و قوله « و لا سبب لحدوثها » جوابه ان سبب حدوثها جعلُ جاعلِهَا ممكنةً و جعله لها مكوّنة بجعلٍ غير جعلِ الذات التي هي الماۤدة و ان كان مترتّبا علي جعلِها لانا قد قرّرنا انها هي صورة الاجابة اعني القابليّة التي تسمّي بالماهية [ص 685] و هي من الماۤدة كالانكسار من الكسر فانّ الكسر مجعول بجعل فاعله و الانكسار مجعول بجعلٍ من ذلك الجعل مترتّبٍ عليه مغايرٍ له فانّ ما به يصدر النّور علي هَيْئته غير ما تصدر عنه الظلمة علي هيئتِهٖ و ان كان مترتبا عليه كما ترتّب الانكسار علي الكسر بل اقول بان الكسر و الانكسار كان باربعة جعلاتٍ احدُها جعل الكسر و الثاني جعل الانكسار و الثالث جعل التلازم بينهما و الرابع جعل الالزام به بينهما اي الزام احدهما الاخر و بين الاوّل و الثاني سبعون سنة و بين الثاني و الثالث كذلك و بين الثالث و الرابع كذٰلك و كيف لايكون الحدوث و التجدّد مخلوقا و هو صفة وجوديّة لموصوفٍ موجود فلفظ الحدوث مهمل او مستعمل فاذا كان مستعملاً فقد وضع بازاۤءِ معنيً موجود و الّا فهو مهمل فاذا كان معني موجوداً امّا ان يكون مخلوقاً او قديماً و انّما جروا علي كلامٍ قاله مَنْ لميعلم قال ماخلق اللّه المشمش مشمشا و انّما خلق المشمش فقلنا له كون المشمش مشمشاً شيء او ليس بشيء فان كان شيئا فاللّٰه سبحانه خالقه و ان كان ليس بشيءٍ فما الّذي تنفيه فايّها المتسمي بالشيعي اماقرأت دعاۤء السمات دعاۤء حجة اللهِ في ارضه و سماۤئه عجل الله فرجه : و خلقتَ بها الشمس و جعلتَ الشمس ضياۤء ، الي اخر كلماته عليه السلام و الضياۤء هو الشمس كما قال تعالي و الشمس ضياۤء و القمر نوراً و انما مالوا الي ذلك الكلام الباطل فراراً من لزوم الجبر في افعال العباد الاختياريّة و مَن كان هذا ملجاؤهُ فلا ملجأ له فالذاتي اذا كان مغايراً للذات كانت علته غير علّة الذّات و لو بالمفهوم و الاعتبار و الّا وقع تغاير المفهوم و الاعتبار باطلاً فيا سبحٰن اللّه كيف كبَتْ جياد الفحول حتّي بقوا يحومون في تحقيقاتهم حول الالفاظ و المفاهيم اللفظيّة مع انهم لو فهموا مدلولات الالفاظ و حقاۤئق المفاهيم ماتجاوزوا الحق الي امورٍ صناعيّة و تقريباتٍ اصطلاحيةٍ ماانزل الله بها من سلطانٍ ،
و منها قوله « هي المبدء [ص 686] القريب لحركته الذاتية » يعني ان الطبيعة لما كانت مبدءً للحركة المتجدّدة السّيّالة وجب ان تكون هي كذلك لاستحالة صدور المتجدّد عن الثابت مع انهم لايعرفون الّا صدور المتجدّد عن الثابت كصدور المتجددات عن الله سبحانه او عن فعله او عن العقل الكلّي و امثال هذه الكلمات فيقول في تقرير كون الحدوث و التجدد غير مجعولين « و الجاعل اذا جعلها جعل ذاتها المتجدّدة و امّا تجدُّدها فليس بجعلِ جاعلٍ » فاذا صدرت المجعولة المتجدّدة عن جاعلها وجب ان يكون متجدِّداً و لزمه ايضاً ان يكون التجدّد قديما او يكون قوله بثبوت التجدّد لها كذباً اوْ انّها هي التجدّد اي هي تجدّدها فهي صفتها ثم يلزمه مجعولية التجدّد لانه هو المتجدّد المجعول هذا قولي و لاادري ماذا يعتذرُ به الّا انه يقول في رسالته الموضوعة في حدوث العالم : التجدّد للشيء اذا لميكن صفة ذاتيّة له ففي تجددِّه يحتاج الي مجدّدٍ متجدِّدٍ و ان كان صفة ذاتية له كما نحن فيه فلايحتاج الّا الي جاعل يجعل ذات الشيء اي الي جاعلٍ يجعلها متجدّدة اذِ الذاتيات لاتعلّل انتهي ، فاذاً ذات الشيء من الذاتيات للشيء فلايحتاج الي جاعلٍ اذ الذاتيات لاتعلّل .
قال : « و اما تجدّدها فليس بجعل جاعل و صنع فاعل و بها يرتبط الحادث بالقديم لان وجودها بعينه هذا الوجود التدريجي و بقاۤؤها عين حدوثها و ثباتها عين تغييرها و الصانع بوصف ثباته و بقاۤئه ابدع هذا الكاۤئن المتجدّدَ الذاتِ و الهويّة و الذي جعله الحكماۤء واسطةً لارتباط الحادث بالقديم و هي الحركة غير صالحة لذلك فانّ الحركة امر عقلي اضافي عبارة عن خروج الشيء من القوة الي الفعل لا ما به يخرج منها اليه و هو نحو من الوجود و الحدوث التدريجي و الزمان كميّة ذلك الخروج و التجدّد فالحركة خروج هذا الجوهر من القوّة الي الفعل تدريجاً و الزمان مقداره و شيء منها لايصلح ان يكون واسطة في ارتباط الحادث بالقديم و [ص 687] كذا الاعراض لانها تٰابعة في الثبات و التجدّد لمحاۤلّها فلميبق الّا ما ذكرناه و قد بسطنا القول المُشبِع لاثبات هذا المرام في ساۤئر صحفنا بما لا مزيد عليه » .
اقول : قد بيّنّا بطلان قوله « و امّا تجدّدها فليس بجعل جاعلٍ و صنع فاعلٍ » ،
و قوله « و بها يرتبط الحادث بالقديم » اي و بالطبيعة يرتبط الحادث بالقديم ليس بصحيح لان القديم اذا وقع بينه و بين غيره ارتباط حادثا كان او قديماً كان حادثا لحصول الاقتران الممتنع من القدم الممتنع من الْحُدُوثِ و انّما الارتباط بين الحادث و الحادث اعني فعله و ارادته كما قال اميرالمؤمنين عليه السلم : انتهي المخلوق الي مثله و الجأه الطلب الي شكلِه ، و الارتباط بين الفعل و بين الظَّاهِر به نفس الفعل لانه تعالي خلقه بنفسه كما قال جعفر بن محمد عليهما السلم : خلق اللّه المشية بنفسها ثم خلق الخلق بالمشيّة ه ، و المشية هي الفعل و الظاهر بها هو الفاعل لها و الفاعل صفة الذّات البحت كما قرّرنا فيما تقدّم ان القاۤئم هو اسم فاعل القيام و فاعل القيام هو الظاهر به و الظاهر به صفة زيد و مثاله و ليس ذات زيد بنفسها ظاهرة بالفعل بل معني كونها ظاهرة به انّها فاعلة له بواسطة الفعل نفسه فكان الايجاد منسوباً الي مثال زيدٍ الذي هو الظاهر بالفعل و لو كان الظاهر بالايجاد هو نفس زيد من غير توسط الفعل لكانت ذاته فعلاً و لكانت ابداً فاعلة بل هي ان شاۤءَتْ فعلت بواسطة مشيتها و ان شاۤءَتْ لمتفعل و ما هذا شأنه لايكون ذاتيّاً لانه تعالي ليس فاعلاً في ازله و انّما هو فعّالٌ لما يريد اي في الامكان الذي تتعلّق به الارادة فاذا تأخّرت فاعليته عن ذاته كانت مغايرة لذاته اذ الشيء لايتأخّر عن نفسه و ليس شيء غير ذاته الّا فعلهُ و فاعليّته التي نسمّيها صفته و مثاله ،
و قوله « لان وجودَها » اي الطبيعة « هذا الوجود التدريجيّ » اي هو هذا الوجود التدريجي و هذا لا اشكال فيه [ص 688] انما الاشكال في ان هذا التدريجي هو الارتباط بين الحادث و القديم امّا من جهة فيناسب له المتجدّد التدريجي و امّا القديم فلايصحّ ان يرتبط به التدريجي لان التدريجي مختلف فاذا ارتبط به القديم وجب ان تختلف جهاته لاختلاف المرتبط بها و يلزم ايضا انّها لمتكن صادرة عن فعله و الّا لكان الربط منسوباً اليه و يلزم ايضا ما قلنا اوّلاً من الاقتران المستلزم للحدوث بالاتفاق بين الحكماۤء و العقلاۤء ،
و قوله « و بقاۤؤها عين حدوثها » ليس بصحيح لاَنّ بقاۤءها ليس الّا بالمدد و الحدوث انّما كان بالايجاد الابتداۤئي و ليس ما بالمدد عين ما بالايجاد بل هو مغايرٌ له علي انّ الحدوث منافٍ للبقاۤء و انما يجتمعانِ من جهتَيْنِ فجهة ما به البقاۤء هو الابقاۤء بالمدد و جهة ما به الفناۤء هو الحدوث و كذا حكم الثبات و التغير ،
و قوله « و الصانع بوصف ثباته و بقاۤئه ابدع هذا الكاۤيـٔن المتجدّد الذاتِ و الهويّة » متنافي المعني لان مقتضي الابداع بوصفِ الثبات و البقاۤء ايجاد الكاۤئن الثابت الباقي فايجاد الكاۤئن المتجدّد الذات و الهويّة دليل علي صدوره عن متجدّد متغيّر و ليس الا الفعل فالعبارة الصحيحة ان يقال انّ الصانع الفيّاض ابدع المتجدّد ، لان الفيض متجدّد و الفعل متجدّد و هما علّتا المصنوع القريبتان و الاثر يشابه هيئة المؤثر اي المؤثر القريب فانّ حلاوة العسل مشابهة للعسل لا للنحل و الكتابة تشابه هيئة حركة يد الكاتب لا الكاتب و لا يده ،
و قوله « و الذي جعله الحكماۤء واسطةً لارتباط الحادث بالقديم و هي الحركة غير صالح لذلك » غلط في قولهم فان قول الحكماۤء بتوسّط الحركة هو الصحيح الواجب الحصول و ان كنا نمنع الارتباط لما سمعتَ لكنا نقول انّ المفعول لايمكن حصوله و صدوره بدون الفعل لان الصادر لو فرض امكانه بدون فعل من المصدر لميمكن بدون فعلٍ من الصادر او بمعونته كالولادة فلا بُدَّ من توسّط الفعل من المصدر او [ص 689] الصادر او مِنْ كلٍّ منهما او من خارجي سواۤء كان علي نحو الاختيار امْ لَا ،
و قوله « انّ الحركة امر عقلي اضافي » ففيه انّ الحركة ليست امراً عقليّا بمعني ارادته من انّ الذي هو الظاهر انما هو الفاعل و المفعول بل الفعل اشدّ تحقّقاً و وجوداً من المفعول الذي حقيقته اثر الفعل و تأكيده كما نحن بصدده فان المتحقق بعد تحقّق الفاعل انّما هو الفعل و امّا المفعول اذا لميكن ثابتا متحقِّقاً بماۤدته فليس شيئا الّا بالفعل مثل ضرْباً فانّه اَثرُ ضرَبَ و تأكيده ليس شيئا الّا بضَربَ فهو بضَربَ شيءٌ لا بنفسه و لا بالضّارب من دون فعله و امّا قياسه علي ضربَ زيدٌ عمراً من ان المرئيّ الظاهر انما هو زيد الضارب و عمرو المضروبُ و امّا حركة زيد في ضربه عمراً فامر عقلي قياس مع الفارق لانَّ عمراً لَيْس في الحقيقة مفعولاً لزيدٍ و انّما وقع فعله عليه بعد تحقّقه و مراد الحكماۤء بالحركة الّتي تكون علّةً لكونِ المعلول و تلك بالنسبة الي معلولها امر متحقّق اشَدّ تحقّقاً من معلولها و المعلول منسوب اليها صادرٌ منها لصدور هيئته من هيئتِها فليس امراً عقليّا اعتباريّا كما توهّموه عَلَي الحكماۤء كيف و الطبيعة انّما هي اثره فما فيهٰا من التّحقق و الظهور و الشيئيّة فانما هو مِنْ اثَرِهٖ فَاِن جُعِلَ اضافيّا نسبِيّاً فهي اثره و المؤثِّر اَوْلَي من الاثر بالثبوت ،
و قوله « عبارة عن خروج الشيء من القوّة الي الفعل » ليس بصحيح لأنّ الحركة الّتي هي خروج الشيء من القوّة الي الفعل ليست هي فعل فاعل الشيء و انّما هي فعْل الشيء الخارج و لايعنون بالحركة التي هي الارتباط بين الحادث و القديم حركة الحادث و انّما يعنون بها فعل القديم و ليس فعل الفاعل هو اخراجُ معلوله من كتْم غيب امكانه الي شهادة اكوانه لٰا خرُوجه الذي علّتُه فعلُه بل الخروج فعْلُ المَعْلُول و الخروج يقال للمتحقّق قبل الخروج بخلافِ ما نحن بصدده ،
و قوله « لَا مَا به يخرج منها اليه » اِنْ اراد به ما نفاه من [ص 690] كونه واسطة للارتباط فليس هو الخروج من القوّة الي الفعل و انّما هو ما به الخروج اي ٱلحركة المخرجة لا مطلق ما به الخروج لصدقه عَلي كلّ علّةٍ من العلَل الاربع و انّما الصالح لواسطة الارتباط العلّة الفاعلية و نريد بالعلّة الفاعلية نفس الفعل مع الحامل له و لو جوّزنا الارتباط لقلنا ان الارتباط هو نفس الفعل و محلّه و لكنّا نمْنع الارتباط بين الحادث و القديم كما نثبته بين الحادث و الحادث اَعْني العلّة الفاعلية الّتي هي الفعل مع محلّه و هو كالقاۤئم من زيدٍ فافهم ،
و قوله « و هو نحو من الوجود » ماندري مَا يَعني بالوجود مع كثرة ما يقلّبه في معانيه و لا معني لشيءٍ منها الّا ما اُرِيدَ به ما يعبّر عنه بالفَارِسية بهستي و ما سوي هذا المعني من المعاني المرادة من لفظ الوجود ان اُرٖيدَ به الحقيقة ففي الحقيقة كلّها وَساوِسُ اِذ لَيْسَ الّا ضدّ العدم او الماۤدّة او الجهة العليا للشيء اعني حقيقته من ربّه و هذا الاخير من الاصطلاحي الصَّحيح و قوله « و هو نحو من الوجود الحدوثي التدريجي » يعني انّ الخروج من القوّة الي الفعل نحو من الوجود الخ ، و هو كما قال من كونه شيئا حادثاً تَدْريجيّاً كَما هو شأنُ الحوادثِ فانّ كل شيءٍ منها تدريجيّ سَواۤء كان من المجرّدات ام من الماۤدّياتِ لا كما توهّموه في المجردات فانهم توهموا فيها اشياۤء باطلة منها انّ معني كونها مجرّدة اَلَّا مادةَ لها وَ هٰذَا باطل بل المَعْني ان كونها مجردة انّها مجردة عن الماۤدة العنصريّة و المدّة الزمانيّة لا انّها لَا ماۤدّةَ لَهٰا وَ منها انها دفعيّة الكون ليس فيها ما بالقوّة بل كل ما لها بالفعل غير منتظرةٍ لشيءٍ منها و هو غلطٌ لانها في نفس الامر لا فرقَ بينها و بين الجمادات و ان كان في بادي الرأي اطول بقاۤء و اوسَعُ وقتاً الّا ان المحتاج في كونه و في بقاۤئه الي المَدد لايستغني عنه كيف لايكون تدرٖيجاً و منها عدم فناۤئها لكونها باقية ببقاۤء اللّه تعالي لا بابقاۤئه و هو غلطٌ كما تقدّم و غير ذلك ،
و قوله « و الزمان كمّية ذلك الخروج » التّجديدي ، [ص 691] يعني انّ الحركة عبارة عن خروج الشيء ذي الطبيعة او الطبيعة من القوّة الي الفعل و هو نحو من الوجود التدريجي و الزمان كمّية ذلك الخروج التجديدي فيكون كل متجدّد متدرّج من الاجسام و طباۤيـٔعها و حركاتها محدثة في الزّمان و هذا الكلام منه نوع مناقضة لما قال في الردّ علي الحكماۤء حيث جعلوا الحركة واسطة للارتباط بين الحادث و القديم بانها امر عقلي اضافي فانها اذا كانت نحواً من الوجود لمتكن امراً اعتباريّاً بل هي شيء محدث بنفسه و به حدثت الطبيعة اذ الحكماۤء لايعنون حركة الطبيعة بل يعنون الحركة الايجاديّة التي بها كانت الطبيعة و لو عني بعضهم حركة الطبيعة كان خطأ كما اخطأ جاعل الطبيعة واسطةً للارتباط لانها ان اريد نفسها لا غير كانت اما غير محدثة او محدثة بحركتها او بحركة فعل فاعلها و لا سبيل الي الاوّلين و الثالث يردّ قول المصنّف ،
و قوله « و شيء منهما لايصلح ان يكون واسطةً في ارتباط الحادث بالقديم » الخ ، صحيح الي قوله « فلميبق الّا ما ذكرناه » و انا اقول و ما ذكره فانه ايضاً لميبق لانّ الطبيعة ليست فاعلة لما دونها و لاخرجت الَي الكون بدون فعل فاعلها و ليس لها اصل غير مخلوق لتكون كامنةً فيه فيَكون هو المخرج لها من القوة الي الفعل و ان كان بالحق كما توهّمه اخرون فلايصلح شيء من ذلك ممّا ذَكَر و مما ذكرُوا ان ارادوا غير فعل الفاعل و ان ارادوه فهو صالح للواسطة في الارتباط بينه و بين الحادث لانّ التمكين من القبول للايجاد منه و هو الرابطة و به القابليّة التي هي ماهية المحدث و من الفعلِ المددُ المقبول لانّه اثره فالرابطة التَمْكٖينُ و الارتباط بين الفعل اي الايجاد للمدد المقبول لا من شيء و هو ماۤدة المحدث ٱلمسمّاة بالوجود و بين المحدث اي المقبول و القابل اعني الوجود و الماهية اي المادة و الصورة .
قال : « و تارةً من جهة اثبات الغايات للطبايـٔع و انها تستدعي من جهة استكمالاتها [ص 692] الذاتية و حركاتها الجوهريّة ان يتبدّل عليها هذا الوجود و يزول عنها هذا الكون و ينقطع الحرث و النسل و ينهدم هذا البناۤء و يضيق من في الارض و السماۤء و ؾخرب هذا الدار و يرجع الامر الي الواحد القهار قال اميرالمؤمنين و امام الموحّدين عليه الصلوة و السلام في خطب نهج البلاغة مشيراً الي دثور العالم و زواله من جهة اثبات الغاية و الرجوع الي البداية : كل شيء خاضع له و كل شيء قاۤئم به غني كل فقير و عز كل ذليل و قوّة كل ضعيف و مفزع كل ملهوف من تكلّم سمع نطقه و من سكت علم سِرَّهُ و من عاش فعليه رزقه و من مات فاليه منقلبه ثم ساق الكلام الي قوله في احوال الانسان و ولوجِ الموت فيه علي التدريج فلميزل الموتُ يبالغ في جسده حتي خالط سمعه فصار بين اهله لاينطق بلسانه و لايسمع بسمعه يردّد طرفه في وجوههم يري حركات السنتهم و لايسمع رَجْع كلامهم ثم ازداد الموتُ انبساطاً به فقبض سمعه و خرجت الروح من جسده فصار جيفةً بين اهله قد اوحشوا من جانبه و تباعدوا من قربه لايسعِد باكيا و لايجيبُ داعيا ثم حملوه الي مَخطٍّ في الارض و اسلموه فيه الي عمله و انقطعوا عن زَوْرته حتي اذا بلغ الكتابُ اجله و الامر مقاديره و اُلْحِقَ آخرُ الخلق باوّله و جاۤء من اللّهِ ما يريده من تجديد خلقه امارَ السماۤء و فطرها و ارَجَّ الارض و ارجفها و قلع الجبال و نسفها و دكّ بعضُها بعضاً من هيبة جلاله و خوف سطوته و اخرج مَن فيها فجدّدَهم بعد اخلاقهم و جمعهم بعد تفريقهم ثم ميّزهم لما يريد من مسائلتهم عن الاعمال و خبايا الافعال و جعلهم فريقين انعم علي هؤلاۤء و انتقم من هؤلاۤء فامّا اهل الطاعة فاثابهم بجواره و خلّدهم في داره حيث لايظعن النزّال و لاتتغيّر بهم الحال و لاتهولهم الافزاع و لاتنالهم الاسقام و لاتعرض لهم الاخطار و لاتشخصهم الابصار و امّا [ص 693] اهل المعصية فانزلهم شرّ دار وَ غلّ الايدي الي الاعناق و قرن النواصي بالاقدام و البسهم سرابيل القطِران و مقطَّعات النيران » .
اقول : حيث طالَ هذا المتن اسلك فيه طريق المزج للاختصار ، قوله « و تارة » يكون استدلالنا علي حدوث الاجسام الزمانيات علي ما يذهب اليه و نحن نقول انّ الاستدلال من جهة المبادي بالتجدّد و التغير فهو جارٍ في كل ما سوي الله سبحانه و ان كان اكثرهم لايجد للمجردات تجدّداً و تغيّرا فانه لضعف بصيرته و لئن استشهد علي حاله و حالها بتأويل قوله تعالي و تري الجبال تحسبها جامدة و هي تمرّ مرّ السحاب فما اخطأتُ الصَّواب عند اُولي الالبابِ « من جهة اثبات الغايات للطبايع » يكون استدلالنا قاۤئماً عَلي حدوثِ الكل امّا الاجسام فحيث كانَتْ ظاهرة الطباۤئع قال بها المصنف و امثاله و امّا المجردات فتدبّر قول جعفر بن محمد الصادق عليهما السلم العبوديّة جوهرة كنهها الربوبية فما فُقِد في العبوديّة وجد في الربوبية و ما خفي في الربوبيّة اُصٖيبَ في العبودية الحديث ، فانك تجد انّ كلّ ما يوجد في الماۤدِّيَّات يوجد في المجردات اذ لانعني بتجرّدها انّها لا ماۤدة لها كما توهّموه بل كلّ ما في الماديات فانما هو اثر ما في المجردات اذ هي خزاۤئن الماۤديات و انْ من شيء اِلّا عندنا خزاۤئنه وَ ماننزّله الّا بقدرٍ معلوم و لايُقال ان هذا ما استدلوا به من ان معطي الشيء ليس فاقداً له في ذاته لانا قد بيّنّا فساد هذا القول و انما هو ليس فاقداً له في ملكه و امّا في ذاته فيلزم التركيب و التكثر في ذاته تعالي و اذا اخرجه لزمت الولادة تعالي الله عن ذلك و ان كان بنحو اشرف كما توهمته العقول البادرة ( الباردة . خل ) و الاراۤء الكاسدة بخلاف الخلق بنسبة بعضه الي بعض فانه تعالي جعل الاعلي خزانة للاسفل و لاينزل الي الاسفل الذي هو العبوديّة المذكورة في حديث الصادق عليه السلم الّا ما خرج من الاعلي الذي هو [ص 694] الربوبية فالعبوديّة المسبّبات و المعلولات و الاظلة و الاعراض و الاشعة و الاثار و ما اشبه ذلك و الربوبيّة كالاسباب و العلل و ذوي الاظلة و المعروضات و المنيرات و المؤثرات و ما اشبه ذلك و الحاصل المراد من دليله انها تعود الي ما منه بدئت كما بدأت اوّل مرة اي بالتدريج و التغيّر الذي هو دليل الحدوث « و انها تستدعي من جهة استكمالاتها الذاتية » لانها انّما اهبطت من اوج افلاكها الي حضيض مراكزها الّا لتَسْتَكمل بمعاناتها و معالجاتها و اعمالها مما لمتصل اليه قبل الهبوط كما قال ابن سينا في الروح :
ان كان اهبطها الاله لحكمةٍ طُوِيَتْ عن الفطن اللبيب الاروعِ
فهبوطها لا شَكَّ ضربةُ لازبٍ لتكونَ سَامعةً بما لميُسمَعِ
و تكون عالمةً بكلِّ خفيّةٍ في العالمينَ فخرقُهَا لميُرْقَعِ
المستلزمة للتّنقّل و التغيّر و التبدّل في الكسر و الصوغ المبيّن لحدوثها « و حركاتها الجوهريّة » و هي تَرَقِّي ذواتها باطوارِ قابليّاتها في درجاتِ كمالاتِها او تنزّلها باطوارِ قابلياتها في دركات نقاۤئصها و بُعدِها « اَنْ يتبدّل » باقتضاۤء مُيُولاتها الذاتية « عليها هذا الوجود » في اطوارِها الي وجود اخر فهي ابداً تلبس و تخلع و تلبس « و يزول عنها هذا الكون » و تلبس كونا اٰخرَ فتخرج من كون الي كونٍ لا من كونٍ الي امكان هذا في الذوات و اما في الهيئات بل و الذرّات فقد تخرج من كون الي امكان « و ينقطع الحرث و النسل » الدنياويَّيْنِ لا مطلقا و ذلك في المنتقلين عنها الي دَارٍ اُخْرَي « و ينهدِمُ هذا البناۤء » لِيصاغ صيغةً لاتحتمل الفسادَ و انّما هدم البناۤء لِيُصَاغ الصيغة الكاملةَ « و يضيق من في الارض و من في السماۤء » عند التخلّص و الانتقال « و يخرب هذه الدار » عند المنتقلين عنها بالانتقال « و يرجع الامر » عند المنتقلين و في الظاهر فلا امر و لا نهي و لا ولاية و لا عز و لا انتصار و لا شيء من احوال اهل الدنيا لاحدٍ منهم بل يرجع امر [ص 695] كل شيء بحسب الظاهر « الي الواحد القهار » مالك يوم الدين و يكون في الظاهر كما هو في نفس الامر لان الامر كله للّه في الظاهرِ و الباطن و في الدنيا و الاخرة علي حدٍّ سواۤء و لكن اكثر النّاس لايعلمون و يوم تقوم السّاعة تظهر الحقاۤئق فلايخفي شيء علي اَحَدٍ ،
« قال اميرالمؤمنين و امام الموحّدين عليه الصّلوة و السلام في خطب نهج البلاغة مشيراً الي دُثورِ العَالم » و بُطْلانِ هذه البنيان « و زواله » عن تركيبه الّذي يناسب دار التكليف من عدم الثبات و من شَوْبه بِالمحن و الافات « من جهة اثبات الغاية » و ان الحادث غايته التغير و التبدّل الّذي هو لازم الحدوث و الانتقال « و الرجوع الي البداية » اي الي محاذي البداية و مقابلها في ساۤئر رُتَبِها فيكون الخروج من البداية قوساً نزوليّا و الرجوع اليها اي الي محاذيها قوساً صُعُودِيّاً يحدثُ منها شبه داۤئرةٍ حدثت من سير الحادث في بدئه و عوده و ليْس معني الرُّجوع الي البداية السّير و الرجوع القهقرَي و الّا لعدمت اكوانُ الاشياۤءِ فلو رجعت المضغة الي العلقة و العلقة الي النطفة و النطْفة الي الكيموس و الكيموس الي الكيلوس و الكيلوس الي الطَّعام و الطَّعام الي الشجر و الشجر الي التراب و التراب الي الماۤء و الماۤء الي الفعل عدمت الاشْياۤء و لكنَّها تعود في قوس الصّعود و لاتصعد درجةً في العود الّا بما ظهر من مددِهَا في البَدْءِ ، هذا كلام المصنف و اوّل ما نقله من خطبة اميرالمؤمنين عليه السلم قوله عليه السلم « كل شيء خاضِعٌ له » اي ذليل حقير يجد ذلك في نفسه اذا نظر الي عِزّ خالقه و كبرياۤئه و « شيء » هُنَا اعم العام فان كان المصنف صادقاً في قوله انّ عليا عليه السلم امام الموحّدين فليحكم بكون العقل متغيّرا حادثا كساۤئر الاجسام لانه استدلّ بهذه الفقرة علي تغيّرها و انفعالها الدّال علي حدوثها و العقل شيء من جملة الاشياۤء اليس هو خاضعاً للّه « و كلّ شيءٍ قاۤئم به » اي كل شيء قاۤئم بامر الله الفعلي قيام صدورٍ و بامر الله المفعولي قيام تحقّق فقوله عليه السلم « قاۤئم به » علي المجاز اذا [ص 696] اُريدَ بالقيام باللهِ و علي الحقيقة اذا اريد بالقيام بامر ٱللّٰهِ « غني كلِّ فقيرٍ » و هو ما سوي اللّهِ فكل ما سواه مفتقر اليه سواۤء كان من المفاهيم الغير المجعولة بزعمهم المسماة بالاعيان الثابتة عندهم ام الصور العلمية الغير المجعولة بزعم اخرين المتعلقة بذاته تعلق الظلّ بالشاخص علي الاتّحاد او التغاير في علمه الذي هو ذاته اوْ لا فان كلّ ما يعلم تعالي انّه غيره فهو مخلوقه محتاج اليه في تكوّنه و في بقاۤئه « و عز كل ذليل » ان العزّة للّه جميعاً و قد يُلْبس من يشاۤء من شعاع عزّته الحادثة ما يشاۤء من خلع العز فهم بِعزّته يعتزّون « و قوّة كلّ ضعيفٍ » انّ القوّة للّه جميعاً و قد يَهب مَن يشاۤء من شعاع قوّة امره ما يشاۤء « و مفزع كلّ ملهوفٍ » اي يفزع اليه كل مظلوم مستغٖيث « مَن تكلّم سمع نُطْقه » يعني باذُنِه ٱلوَاعية « و من سكت علم سرّه » الايعلم من خلق « و من عَاشَ فعليه رزقه » و هو ما كتب من الامداد بكسر الهمزة من المحتوم و امّا المشروط فموقوف علي شرطه او ما يقوم مقامه من شفاعة اوْ تفضل او عمل صالح منه او من غيره « و من مات فاليه منقلبه » اي يرجع الي امره و حكمه عز و جل و بهذه الفقرة استشهد المصنف و يجوز بما قبلها ايضاً ،
قال المصنف « ثم ساق اميرالمؤمنين عليه السلم الكلام الي قوله في احوال الانسان » و تقلّبه في درجات عروجه من كسر و صوغ و الاشارة الي كسره « و ولوج الموت فيه علي التدريج » ليبيّن للجاهلين و يُنبّهَ الغافلين ، قال عليه السلم « فلميزل الموتُ يبالغ » في الولوج « في جسده حتي خالط سمعه » لان السمع اوّل ما يتحقّق ظهور الموت فيه كما كان السمع علامة النوم عند تغطيته لانّه اقوي الحواس « فصار بين اهله لاينطق بلسانه » لانقباض الرّوح منه بعد السمع « و لايسمع بسمعه » لخروج الرّوح من سمعه « يردّد طرفه في وجوههم » اي يقلّبه بتكرارٍ ليدرك كلامهم و الموت قد خالط سمعه اي خرجت من سمعه الروح السامعة « يَري حركات السنتهم و لايسمع كلامهم ثم ازداد [ص 697] الموت انبساطا به » و هو عدم الحيوة ظاهراً و هو امر وجودي خلقه اللّه في الطرف الاخر المقابل لطرف الحيوة كما قال عز من قاۤئل الذي خلق الموت و الحيوة و من قال بانه عدمي اعتباري فقد كذّبه الله في كتابه و اجمع المسلمون انه اذا دخل اهل الجنّةِ الجنّة و اهلُ النارِ النّار يُؤتي بالموت و يصوّر في صورة كبش املح فيذبح بين الجنّة و النار و كونه بصورة كبش كناية عن ذلّته و حقارته و كونه املح لتعلّقه بالمؤمنين الذين يكون لهم نوراً و تخليصاً من الظلمة يخرجهم من الظلمات الي النور و لتعلقه بالمنافقين الذين يكون لهم ظلمة و اخراجاً من النور يخرجونهم من النور الي الظلمات و اللون الاملح هو ما تركّب من بياض و سواد ممتزجين « فقبض بصره كما قبض سمعه » فصار لايبصر لقبضه روح الاِبصار بكسر الهمزة « و خرجت الروح من جسده » لان نور البصر اخر ما تتعلّق به الروح كما انه اوّل ما يعرض له كما في النوم و بصره الباقي الي اخر الروح بصر الحس المشترك فانه يدرك به اهله و يدرك به الملاۤئكة « فصار جيْفة بين اهله » بعد خروج روحه من جسده « قد اوحشوا من جانبه و تباعدوا من قربه » لان الانس الذي يتقربون منه بواسطته هو الروح « لايُسعِد باكيا و لايجيب داعيا » اذ لا اِحْساس فيه « ثم حملوه الي مخطٍّ في الارض » و هو ما خُطّ له فيها من قبره و لحده بالخاۤء المعجمة و يجوز بالمهملة « و اسلموه فيه الي عمله » بان خلّوا بينه و بين عمله كناية عن تركه وحده و انصرافهم عنه « و انقطعوا عن زورته » و اشتغلوا عنه باعمالهم الدنياويّة « حتّي اذا بلغ الكتاب اجله » بان انتهت المدة المكتوبة للدنيا « و الامر مقاديرَه » اي بلغ امر الله و حكمه في خلقه ما قدّر سبحانه من مدّة دار التكليف و ما يترتّب علي ذلك « و اُلْحِقَ آخر الخلق باوّله » بالموت و نفخة الصعق حتي صعق من في الارض و من في السموات « و جاۤء من اللّه ما يريده من تجديد خلقه » اي جاۤء من امرِ اللّٰهِ ما اَرادَ [ص 698] من بعث العباد و اقامة الحساب « اَمار السماۤء و فطرها » اي موَّجَها و كَفَّأَها باهلها و حرّكها بسرعة و فطرها اي شقّها كناية عن كشطها و نسفِها « و ارجّ الارض و ارجفها » ارجّها بتخفيف الراۤء و تشديد الجيم اي دقّ بعضها ببعض و زلزلها « و قلع الجبال و نسفها » اي دحاها « و دَكّ بعضُها بعضا من هيبة جلاله » اي دقّ بعضها بعضا « و خوف سطوته و اخرج من فيها فجدّدهم بعد اِخلاقهم » اي اخرج مَن في الارض من الحيوانات من الناطق و الصامت و ذلك بان يأمر بحراً تحت العرش اسمه صاد راۤئحته كراۤئحة المني فيمطر علي الارض حتي يكون وجه الارض كله بحراً فيأمر الرياح فتضرب الامواج و تجتمع لحوم كلِ شخصٍ في قبره مستديرةً علي هيئةِ صورته في الدنيا و تنبت اللحوم كما تنبت الكُماة فاذا تمّت البنية امر اسرافيل فنفخ في الصور فتتطاير الارواحُ كل روح تتألّف في اماكنها السّتَّة في ثقبتها لانّ اسرافيل اذا نفخ النفخة الاولي نفخة الصعق انجذبت كل روحٍ الي ثقبتها من الصور و فيها ستّة اماكِنَ فتلقي مثالَها في الاول و هباۤءَها في الثاني و طبيعَتَها في الثالثِ و نفسَها في الرابع و رُوحَها في الخامسِ و عقلَها في السادسِ فاذا نفخ النفخة الثانيةَ انجذب العقلُ الي الروحِ و هما الي النفسِ و هي "٣" الي الطبيعةِ و هي "٤" الي الهباۤءِ و الجميعُ الي المثالِ و طارت الي قبرها و ولجت في جسمه فانشقّ القبر فاذا هم قيام ينظرون و هو معني قوله عليه السلم « فجدّدهم بعدَ اِخْلاقهم » بكسرة الهمزة « و جمعهم بعد تفريقهم » بان تخرج جهنم فتحيط بالخلاۤئق فتتضايَق عليهم حتي يجتمعوا و يركب بعضهم علي بعض « ثم ميّزهم لما يريد من مَسْئلتهم عن الاعمال و خبايا الافعال » علي الصراط « و جعلهم فريقين انعم علي هؤلاۤء » و ان كان باعمالهم فان نجاتهم في الحقيقة بفضله و رحمته و نعمته اذ كلّ مِنَنِهٖ ابتداۤء و لكن من عظيم نعمه عند انعامه ان نسب فضله عليهم باعمالهم و هو فضل [ص 699] علي فضل و نعمة علي نعمة كما قال عليه السلام و جعل ما امتَنّ به علي عبادِهٖ كفاۤءً لِتأدِيَةِ حَقِّهٖ و هؤلاۤء اصحاب فضله و رحمته « و انتقم من هؤلاۤء » بقدر اعمالهم و لايظلم ربّك احداً و هؤلاۤء اصحاب عدله و نقمته « فامّا اهل الطاعة فاثابهم بجواره » قريبين من ابواب رحمته و رضوانه محمد و اهل بيته الطاهرين صلّي الله عليه و عليهم اجمعين و ليس ثواب فوق هذا « و خلّدهم في داره » و هي دَارُ رضاه الجنّة « حيث لايظعن النزال » بل هم خالدون فيها ابداً بلا انقطاع ان هذا لرزقنا ما له من نفادٍ عطاۤء غير مجذوذ « و لاتتغيّر بهم الحال » الي ما هو ادني و اقلّ بل هُمْ داۤئما في زيادة القرب و الرّضوان و العطايا و النِّعَم و الشباب و القوّة و السرور و هم في هذه و ما اشبهها في تَرَقٍّ لاينتهي الي غايةٍ « و لاتهولهم الافزاع » فلاتَرِدُ عليهم شيء يفزعون منه و انما يرد عليهم ما به يفرحون و يستبشرون « و لاتنالهم الاسقام » لانهم في غاية اعتدال الامزجة من غير اَن يشوبها شيء من الاعراض و الغراۤئب و كذلك ارضهم و هواۤئها و ماۤؤهم و طعامهم و وقتهم لاتتغيّر منهم حال الّا الي اكمل اعتدال فمن اين تنالهم الاسقام « و لاتعرض لهم الاخطار » لانهم تركوها بجميع اسبابها في هذه الدار « و لاتشخصهم الابصار » لعدم خوفٍ يرد عليهم او حزن يَصل اليهم « و امّا اهل المعصية فانزلهم شرّ دارٍ » و هي دار سخطِه و غضبِهٖ و هي صورُ اَعْمالِهِمْ فحينَ لبِسُوهَا كانوا فيها و هو تعالي سيجزيهم وصفَهُمْ « و غلّ الايدي الي الاعناق » حيث عزلوا الحقّ عز و جل عن كثيرٍ من ملكه « و قرن النّواصي بالاقدام » عند قَذْفِهم في دركاتِ الجَحٖيم « و البسهم سرابيل القَطرانِ » اي ثياب ( ثيابا . خل ) من القطران و هو ما يتّخذ من حمل العَرْعر يطلَي به الابل الجَرْبَي و خصّ به المستكبرون عن عبادة الله اهانة لهم لسواده و نتن راۤئحته و حرارته و سرعة اشتعال النار فيه « و مقطّعات النيران » و هي ثياب من نارٍ اَسْتَجير باللّهِ [ص 700] من سخط اللّهِ و النار ،
و اعلم ان المصنف يريد بقوله السابق « و تارة من جهة اثبات الغايات » ان الاشياۤء بجميع انواعها ترجع بمقتضي طباۤئعها الي غاية الغايات يعني به الواجب تعالي وَ بيَّنَ مُرادَهُ كما نقل عنه في رسالة الحشر قال : انّ اللّه لميخلق شيئا الّا لغايةٍ و الّا لكان فعله عبثا و قد ثبت بالبرهان ان الغاية في فعله تعالي هي ذاته و ذاته غاية الغايات كما انّه مبدء المبادي و لا شك ان غاية الشيء ما له بالذات ان يتصل ( يَصل . خل ) اليه و ينتهيَ به الّا ان يعوقه عاۤئق و كل ما يمكن الوصول اليه لميكن اطلاق اسم الغاية اليه الّا بالمجاز فلايكون غاية بالحقيقة و قد فرض انه غاية هف فثبت بما ذكرنا ان جميع الممكنات بحسب الجبلَّةِ الغريزية طالبةٌ له متحركة اليه حركة معنويّة مشتاقة الي لقاۤئه بالوصول و هذه الحركة و الرغبة لكونها مرتكِزةً من اللّٰهِ في ذاتها يجب الّاتكون عبثا و لا معطَّلاً فلا محالة كاۤئنة متحققةً في غالب الامر بلا عاۤئق و كاسرٍ و القسرُ علي الطبع كما ثبت في مقامه لايكون داۤئميّاً و لا اكثريّاً فيزول لا محالة و لو وُجِدَ زماناً طويلاً فيعود حكم الطبيعة و من هنا يعلم ان كلّ طبيعة نوعيّةٍ تؤدي يوماً الي غايتها الاصليّة و غاية الشيء اشرف من الشيء ذي الغاية و غاية الجوهر اكمل جوهريّة منه و اقوي وجوداً في ذاتها و ننقل الكلام في ذلك الي نفس تلك الغاية و توجّهها الذاتي الي غاية الغاية و هكذا الي ان تنتهي الي غايةٍ لا غايةَ وراۤءها و هي غاية الغايات و منتهي الحركات و الرغبات و مأوي العشّاق الالهيّين المشتاقين من ذوي الحاجات انتهي كلامه المنقول ،
اقول قوله : و قد ثبت بالبرهان ان الغاية في فعله هي ذاته تعالي ، فيه ان الغاية التي لاجلها الفعل قد تكون متأخرة عن الفعل و يكون الفعل علة لوجودها و ذلك كاكثر الغايات التي تميل الطباع لطلب استكمالها بها او منها لان ميلها الذاتي انما يكون لافتقارها الي الاستكمال [ص 701] بالاستمداد من الغاية و قد تكون سابقةً علي الفعل الذي هو الحركة الذاتيّة الّا ان شرط ميل الطبيعة اليها ان تكون الغاية مشتملةً علي المدد الذي به استكمالها و لايجوز ان يكون الواجب الحق عز و جل واحداً منهما امّا الاول فلانه تعالي الاوّل قبل كل شيء و امّا الثاني فلان المدد الذي يستكمل به الممكن يجب ان يكون ممكنا لانّه بالوصول اليه يكون جزء ماهيته بعد كسره عنده و صوغه منه كما اشرنا الي ذلك مراراً و لايجوز ان يكون الواجب الحق سبحانه مَحلّا للممكن و لا ان يستمدّ الممكن من القديم و لا ان يترقّي الممكن عن الامكان او يبقي بدونِ مددٍ يصل اليه و يتقوّم به و هذا مما لا اشكال فيه عند الجهّال فضلاً عن العلماۤء و لا عند العلماۤء امّا عند العوام فلاتتبادر اَفْهَامهم و عقولهم الفطريّة الطبعانية الّا علي هذا و امّا عند العلماۤء فمما لا خلاف فيه من ان ما هنالك لايعلم الّا بما هٰهنا كما قال سيدنا الرضا عليه السلم و كما قال جده الصادق عليه السلم كما ذكرناهُ مِرَاراً من قوله العبودية جوهرة كنهها الربوبيّة الحديث ، و المصنف ممن يقول بانّ آيات الحق في الافاق و في انفس الخلق كما قال تعالي و نحن لمّا نظرنا في الافاق رأينا اشعة السراج التي هي مثل المخلوقات و طباۤئعها و انها فانية في طلبها الاستمداد من السراج و ليست غايتها التي تنتهي اليه و تقف في سيرها الحثيث اليه ذات النار و انما تنتهي الي غايتها التي ليست لها غاية تأوي اليها الا الشعلة المرئيّة من السراج فانّها انّما تستمدّ وجودها و قِوامها منهٰا و الشعلة نفسها تستمد لماۤدّتها من فعل النّار و مَسِّها و لصورتها من الدهن الذي احاله مَسُّ فعل النّار دُخَاناً فانفعل ذلك الدخان بالاستضاۤءة عن فعل النار فكانت غاية الاشعة التي ليس وراۤءَها لها غاية هي الشعلة المرئيّة و الشعلة ليس لها غاية الّا الدهن و فعل النار و لايرجع شيء من الاشعّة و لا من الشعلة الي ذات النار ابداً مع شدّة [ص 702] سير كل منهما الي غايته فكما لاتتجاوز الاشعةُ الشعلةَ ابداً و لاتستغني عَنها و وجهها اليها خاۤصّة كذلك الشعلة لاتتجاوز الدهن و فعل النار و هو قول سيد الموحدين اميرالمؤمنين عليه السلم : انتهي المخلوق الي مثله و الجأه الطلب الي شكله الحديث ، و قد ذكر ابوعلي بن سيناۤء معني ما ذكرنا في الاشارات قال : اعلم ان استضاۤءة النار الساۤئرةِ لما وراۤءَها انّما تكون اذا عُلِفت شيئا ارضِيّاً ينفعل بالضوء عنها الي اَن قال فاذا طُفِيـٔت انفصلت النار هواۤءً و الكثافة دخاناً انتهي ، و اصرح من هذا و اصح قوله تعالي الله نور السموات و الارض مثل نوره كمشكوة الي اخر الاية ، فانها صريحة مثل قوله يكاد زيتها يضيۤء و لو لمتمسسه نار فما اصرحها فيما قلنا لاولي الابصار و لكنها لاتعمي الابصار و لكن تعمي القلوب التي في الصدور و لله درّ القائل :
فهب اني اقول الصبح ليل ايعمي الناظرون عن الضياۤء
و قوله : كما انه مبدء المبادي ، اقول عليه هل ذاته بدأت الحوادث منها ام بفعله صدرت لا من شيء فان قلت من ذاته ظهرت فهو اذاً يلد تعالي عن ذلك ثم انه قبل ظهورها له حال غير بعد ظهورها و مختلف الاحوال حادث و ان قلتَ صدرت بفعله لا من شيء بل اخترعها لا من شيء قلت هذا هو الحق تعالي الحق المبين لكنها ان برزت من فعله بمعني انها كانت كامنةً فيه يجب ان تعود الي كمونها و هذا باطل و ان قلتَ بفعله كوّنَهَا لا من شيء فهو حق و كل شيء يعود الي مبدئه و الامكان لايتناهي لانه محل مشيته و فعله الذي لايتناهَي فالحوادث ابدا يتجدّد بدؤها صاعدةً او سافلة بتجدّد المدد الذي به قوامُهَا فالمفعول لايعود الي الفعل و انّما يعود الي اثر الفعل الذي هو اصله ،
و قوله : و كلّ ما يمكن الوصول اليه لميكن اطلاق اسم الغاية عليه الّا بالمجاز فلايكون غاية بالحقيقة ، ليس بصحيح بل يكون غاية علي الحقيقة بل لايكون غاية الممكن [ص 703] الّا بالممكن فان العطشان تكون غايته الماۤء و لهذا يسكن بعد ٱلرِّيّ و لو لميكن غاية علي الحقيقة لماسكن في حالٍ و الطبيعة انما تطلب استكمالها و سدّ فاقتها و لايكون الّا بمثلها و ان كان المدد لايكون الّا بفعل الفاعل الّا ان الفاعل ليس مطلوباً الّا بالعرض و هو سرّ رفع ايدي السَّاۤئلين الي جهة العلوّ لانها جهة مطالبهم و في السّماۤء رزقكم و ما توعدون اماسمعتَ قول علي عليه السلم انتهي المخلوق الي مثله ، بل و لا فعله ليس مطلوبا الّا بالعرض فاذا كان ميل الطبيعة ليس الّا للاستكمال و الاستكمال ليس الّا بالمدد و المدد لايكون الّا من الممكن و الممكن لايكون الّا في مثله او في نفسه كالفعل وجب ان تكون غاية الممكن ممكنة و لو قال قاۤئل ان اكمل الاستكمال الفناۤء في بقاۤء الباقي عز و جلّ قيل له علي اي فرض و اي احتمال و ايّ اعتبار لايمكن فناۤء الممكن الّا في الممكن سواۤء كان في الوجود ام في الوجدان بالذات ام بالاعمال بالجنان ام بالاركان ام باللسان و للّه در الشاعر حيث يقول :
اذا كنتَ ماتدري و لا انت بالذي تطيع الذي يدري هلكتَ و لاتدري