و كذلك قوله « المراد من روح الشهوة النفس الحيوانية » فان هذه هي الحساسة الفلكية الّتي اصلها الافلاك و مقرّها القلب لها قوي ثلاث روح المدرج و روح الشهوة و روح القوّة و الامام عليه السلام حين ذكر الارواح فسّر روح القوّة بالقوة التي يحمل بها الثقيل و روح الشهوة التي بها يأكل و يشرب و ينكح و روح المدرج التي بها يدبّ و يدرج و يمشي [ص 658] و كل الثلاث من قوي الحيوانية الحسّاسة الفلكية و انما فسرها بهذا حيث لم‌يأخذ الحديث من اصله و انما اخذه من اعتقاد ابن‌بابويه فاقتصر علي ما فيه و وجّه الارواح الثلاث علي هذه المعاني الغيبيّة ،

و المراد من الطبيعي الذي هو مبدؤ النموّ هو النفس النباتيّة و هي غذاۤء تركّب من جزءٍ من التراب و جزء من الهواۤء و جزء من النار و جزئَيْن من الماۤء بعد تعديلها و تميّزها عن الغراۤئب علي ما قرّر في العلم الطبيعي ،

قوله « و هذه الخمسة متعاقبة الحصول علي التدريج » يريد ان كلّ واحدةٍ شرط لما بعدها و الشرط سابق علي المشروط فتكون متعاقبة في حصولها للشيء شيئاً فشيئا و هذا الكلام ربّما يجري في البعض لكن ليس علي ترتيب ما ذكره لان الثلاثة الاواخر اعني روح القوة و روح الشهوة و روح المدرج في الحقيقة متساوقة لكون كل واحدة من متممات الاخري لكن اذا غفلنا عن هذا النظر في الحقيقة و اعتبرنا الظاهر فالحصول قسمان حصول دهري و حصول زماني امّا الحصول الدهري فالسابقة روح القدس بما لايكاد يتناهي و في الحصول الزماني هي آخرها حصولا و من دون روح القدس في الحصول الدهري روح الايمان و هي قبل روح القدس في الزماني و من دونها روح القوّة في الحصول الدّهري لكونها من اثار الطبيعة الكليّة كما اشار سبحانه اليه قال تعالي علّمه شديد القُوَي ذو مرّة فاستوي و هو جبرئل عليه السلم حامل النور الاحمر و هو الطبيعة و من دون روح القوة روح المدرج في الدهري و هي بعد روح الشهوة في الحصول الزماني لان روح الشهوة هي ميله الي التكون و الغذاۤء و هو حاصل في النُّطْفَةِ .

قال : « فالانسان ما دام في الرحم ليس له الّا النفس النباتية ثم تنشأ له بعد الولادة النفس الحيوانية اعني القوة الخياليّة ثم يحدث له في اوان البلوغ [ص 659] الحيواني و الاشتداد الصوري النفس الناطقة و هو العقل العِلمي و امّا العقل بالفعل فلايحدثُ الّا في افراد البشر و هم العرفاۤء و المؤمنون حقا بالله و ملاۤئكته و كتبه و رسله و اليوم الاخر و امّا روح القدس فهو المخصوص باولياۤء الله » .

اقول : قوله « فالانسان ما دام في الرحم ليس له الا النفس النباتية » يدل علي انه يريد بتلك الارواح المذكورة ما فوق المادّيات لحصره الانسان من النطفة الي الولادة في النفس النباتية و قد اشرنا الي ان روح الشهوة مساوقة للنباتية لان النموّ انّما يكون بالاغتذاۤء بالملاۤئم و لانعني بروح الشهوة الّا الميل الي الملاۤئم و هذا موجود في النطفة و الّا لم‌تكن علقة نعم هي في الحيوان اظهر و هي تلك بعينها و لكنها قبل ضعيفة لضعف احساس النطفة بالنسبة الي احساس الحَيوان و ان كانت فيما وراۤء هذا العالم ظاهرة قال اميرالمؤمنين عليه السلم : ان للّه في كل يوم ثلاثة عساكر عسكر ينزلون من الاصلاب الي الارحام و عسكر ينزلون من الارحام الي فضاۤء الدنيا و عسكر يرتحلون من الدنيا الي الاخرة ه‍ ، و المصنف تكلّف هذا التّأويل بصرف تلك القوي الي النفوس لاجل ذكرها بلفظ الاَرْواح و الامام عليه السلم بيّن ان روح القوة مثلاً بها يحمل الثقيل و رُوح المَدْرج بها يَسْعَي و يدبُّ و يدرج و روح الشهوة بها يأكل و يشرب و ينكح و كل هذه ارواح مزاجيّة و هي قوي للنفس الحيوانية الحسيّة لا ان روح القوة التي يحمل بها الثقيل هو العقل ٱلهيولاني كما توهّمه و لا ان روح الشهوة التي بها يأكل و يشرب هو القوة الخياليّة و لا انّ روح المدرج هو الذي يحدث عند البلوغ الحيواني فعلي قوله لايقدر علي المشي قبل البلوغ حتي يحصل له العقل العلمي اي الكسبي و اين كلامه من كلام الامام عليه السلم و انما تكلّف هذا التأويل البعيد حيث [ص 660] ان الامام عليه السلم عبّر عنها بالارواح و المصنف لايعرف من الارواح الا المجردات

و قوله « و امّا العقل بالفعل فلايحدث الّا في افراد البشر » و يريد به المرتبة الثالثة من العقل و هو المستفاد و يريد به ما اراد الامام عليه السلم من روح الايمان و ليس كما اراد لانه عليه السلم يعني بروح الايمان نور اليقين الناشئ عن الاعمال الصالحة و النيات الخالصة لا التلوين الناشئ من مداومة قراۤءة المثنوي و اوهام المُلَّا روم كما قال « و هم العرفاۤء » و عطفه المؤمنين علي العرفاۤء يدلّ علي انّهم غيرهم و علي كل تقدير فانّما يعني ما يزنه بميزانه فالمؤمنون حقّا باللّه عنده هم الّذين يقولون ان بسيط الحقيقة كل الاشياۤء و امثال هذا في الملائكة و الكتب و الرسل و اليوم الاخر فان اللفظ و ان صحّ في اصل الوضع لم‌يصح في نفس ارادته ، « و امّا روح القدس » فكما قال مخصوص باولياۤء الله الّا ان المراد منها في هذا المكان غير الملك الذي يسدّدهم عليهم السلم بل المراد به نفوسهم الملكوتية الالهية التي اصلها العقل منه بدت و عنه وعت كما يأتي انشاۤء اللّه .

قال « و هذه الارواح الخمسة انوار متفاوتة في شدّة النورية و ضعفها كلها موجودة بوجود واحدٍ اي مراتب متدرّجة الحصول فيمن وجدت له و الذي يعضد ما ذكره صاحب الاعتقادات من طريق الرواية ما نقل عن كميل بن زياد انه قال سألتُ مولانا اميرالمؤمنين عليه السلام فقلتُ يا اميرالمؤمنين اريد ان تعرّفني نفسي قال يا كميل اي نفس تريد ان اعرّفك قلتُ يا مولاي و هل هي الا نفس واحدة قال يا كميل انها هي اربعة النامية النباتية و الحسّيّة الحيوانيّة و الناطقة القدسيّة و الكلّيّة الالهيّة و لكل واحدة من هذه خمس قوي و خاصيّتان فالناميَة النباتيّة لها خمس قوي جاذبة و ماسكة و هاضمة و دافعة و مُرَبِّية و لها خاصيّتان الزيادة [ص 661] و النقصان و انبعاثها من الكبد و الحسيّة الحيوانية لها خمس قوي سمع و بصر و شم و ذوق و لمس و لها خاصيتان الرضا و الغضب و انبعاثها من القلب و الناطقة القدسيّة لها خمس قُويً فكر و ذكر و علم و حلم و نباهة و ليس لها انبعاث و هي اشبه الاشياۤء بالنفوس الملكيّة و لها خاصيّتان النزاهة و الحكمة و الكليّة الالهيّة لها خمس قوي بقاۤء في فناۤءٍ و سقم في شفاۤء و عزّ في ذلّ و فقر في غناۤءٍ و صبر في بلاۤء و لها خاصيّتان الرضا و التسليم و هذه التي مبدؤها من الله و اليه تعود قال اللّه تعالي و نفختُ فيه من روحي و قال يا ايتها النفس المطمئنّة ارجعي الي ربكِ راضية مرضيّة و العقل وسط الكل » .

اقول : قوله « و هذه الارواح الخمسة انوار متفاوتة في شدّة النورية و ضعفها » ليس بصحيح لان شأن المتفاوتة في الشّدة و الضعف ان تكون من نوع واحدٍ كما ذكره بقوله « و كلها موجودة بوجود واحدٍ » و هذه شهادة منه ان روح القدس التي ربّما رفع رتبتها عن الايجاد بل قال انها لم‌تخرج من كن كما يظهر من كلامه السابق لمن تدبّر فيه و روح الشهوة الحيوانية كما قال من نوعٍ واحدٍ ليس بينهما فارق و لا مميّز الّا شدّة روح القدس و ضعْف روح الشهوة لان الخمس كلها موجودة بوجود واحدٍ من طينة واحدة لا حول و لا قوة الّا باللّه العلي العظيم و قد اشرنا انّ روح القدس لم‌يخرج منْها شيء و لم‌يخلق منها شيء الّا الاربعة‌عشر معصوماً عليهم السلام ان اريد بها صفة النفس الكلية كما يأتي و اِنْ اُرٖيدَ بها العقل او الملك لم‌ينزل في غيرهم نعم خلق اللّه من شعاعها ارواح انبياۤئه و رسله مائة الف نبي و اربعة و عشرون الف نبي و ذلك بعد ما مضي منذ خلقوا عليهم السلام الف دهر كل دهر مائة الف سنة و بَقِي الانبياۤءُ يدينون الله سبحانه بدين الاربعة‌عشر عليهم السلم الف دهرٍ كذلك ثم خلق من شعاع ارواح الانبياۤء عليهم السلم ارواح المؤمنين اعني الارواح الناطقة القدسيّة [ص 662] للمؤمنين التي عناها اميرالمؤمنين عليه السلم بقوله السابق التي ليس لها انبعاث و هي اشبه الاشياۤء بالنفوس الملكيّة و من اشعتها خلق نفوس الملاۤئكة و من اشعة نفوسهم خلق النفس الحيوانية و اين هذا من ذلك و كيف تكون الخمس ( موجودة . خ‌ل ) بوجود واحدٍ بل ليست بوجود واحدٍ و لا بايجادٍ واحدٍ الّا علي رأي المصنّف بان كل الاشياۤء بوجود واحدٍ و هو وجود صانعِها فان ارادَ هنا ما يعتقده كما ذكر سابقاً فقد ابطل مدلولات الالفاظ و معانيها كما ابطل الاعتقاد ،

و قوله « فانها متَدرِّجة الحصول فيمن وجدت له » يعني به ان حصولها لمن هي فيه علي التدريج كحصولها في نفسها في مراتب وجودها و علي قوله فما اكبر روح الشهوة و ما اصغر روح القدس لان الذي بينهما درجتين روح القوة و روح الايمان و الحاصل لا فاۤئدة في البيان هنا و لا في العتاب ،

و قوله « و يعضد ما ذكره صاحب الاعتقادات » الخ ، هذا لايعضده و ليس بينهما مناسبة لان حديث الارواح يذكر فيه قوي النفس الناطقة و ملكاتها و قوي جسدها و طبيعته و حديث كميلٍ في تعداد الانفس ذواتها لا صفاتها و لهذا كانت الانفس باعتبار ذواتها اربعاً و الارواح خمس لان روح القدس في الحديث الاوّل صفة النفس الكلية الالهيّة في حديث كميل و روح الايمان صفة الناطقة القدسيّة و روح القوة و رُوح الشهوة و روح المدرج صفات و قوي للحيوانية الحسّية بمعونة القوي الجسمانية التي هي قوي النفس النباتيّة ،

و النفس النامية النباتية هي مركّبة من العناصر الاربعة جزء من الغذاۤء الناري و جزء من الترابي و جزء من الهواۤئي و جزءانِ من الماۤئي اجتمعت الخمسة و اتّحدت بالانحلال حتي صارت كيموساً فنضجت بنظر الكواكب فصارت نفسا نباتيّة نامية و لها خمس قوي تستمد منها ما تلطّفه لها من الاغذية جاذبة من المرّة الصفراۤء [ص 663] و ما تقوم مقامهما كما في الشجر من الحرارة و اليبوسة و هي ركن العنصر الناري و شأنها جذب ماۤدّة الغذاۤء و جذب الغذاۤء بعد تخليصه من الماۤدة و ماسكة من المرة السوداۤء و ما يقوم مقامها من اليبوسة و البرودة و هي الركن الترابيّ و شأنها امساكُ الغذاۤء علي ما يناسبه و هاضمة من الدم و ما يقوم مقامه و منبعها الكبد من الحرارة و الرطوبة و هي الركن الهواۤئي و شأنها ضمّ الماۤدة و الكيلوس و الكيموس و احالته من نوع العضو و دافعة من البلغم و ما يقوم مقامه و منبعها الرية من الرطوبة و البرودة و هي الركن الماۤئي و شأنها دفع الغذاۤء الي العضو و دفع فاضله الي ما بعده و مربّيَة و هي قوّة من النفس تفعل النفس بها تنمية الاعضاۤء بما هو من نوعها من الغذاۤء فهي فعل النفس النامية لانّها تألفت من طباۤئع الاربع السابقة فكانت طبيعةً خامسةً فللنفس النباتية خمس قوي اربع مركبة كل واحدة من طبيعتين و الخامسة من الجميع لاحتياج التربية الي الكل لان النمو يحتاج الي الاربع السابقة علي جهة الشيوع لا التمايز و للنفس النباتية (ظ) خاصيتان الزيادة عند اتّصال الغذاۤء علي الوجه الملايم المقارب للاعتدال و هي النمو و النقصان عند اختلال الشراۤيـٔط و هو الذبول و انبعاث النفس النامية من الكبد لانها محل الرطوبة و الحرارة اللذَيْن هما علّة الهضم الذي هو علّة الاتحاد الذي هو منشأ النفس النامية ،

و الثانية النفس الحسّيّة الحيوانية و هي من النفوس الفلكية لان النفس النامية مقرها الدم الاصفر المتعلق بالعلق الدّم الذي في تجاويف القلب من الجانب الايسر اكثر فتلك الاجزاۤء اللطيفة التي هي النفس النامية اذا اعتدل نضجها حتي كانت بخاراً لطيفاً بتأثير اشعّة الكواكب كالشمس و القمر و النجوم و بمرّ الليل و النهار تلطّف ذلك البخار المعتدل في ميزانه و نضجه حتي ساوي جرم الافلاك فاشرقت عليه النفس الفلكية فتحرّك بحركتها ، مثاله اذا قرّبتَ خشبة يابسة من الجمر الملتهب [ص 664] فانّها تصفرّ ثمّ تسودّ بحرارة الجمر ثم تشتعل فيها النار و ان لم‌تتّصل بها لانها بحرارتها تكلّست حتي صارت فحماً فتعلّقت النار بها بواسطة الهواۤء المتّصل بالجمر و بالخشبة فهذه هي النفس الحيوانيّة الحسّيّة و تكون في كل حيوان بَرّيّ او بحريّ من انسانٍ او غيره مؤمن او كافرٍ نبي او غيره كما ان النباتية تكون في كل من ذكر و تكون في ساۤئر النباتات بل قد تكون في ما دون النباتات من البرازخ كالمرجان فانه و ان كان من الاحجار فهو من الاشجار لانه ينمو و لهذا قيل انه برزخ بين النبات و المعدن و لها خمس قويً تدرك بها المحسوسات سمع تدرك به الاصوات اذا دق الصوت بواسطة الهواۤء باب سمعها ادركته بصوته في حجابها و هو الطبل المصنوع علي باب الدماغ من خرق الاُذُنَيْنِ و بصر تدرك به الالوان و الاضواۤء بانطِباع صورها في جليدية العينين بالقوة التي في تقاطع قصبتي العينين و شم تدرك به رواۤيـٔح الاشياۤء بواسطة حلمتي المنخرين بانبساطهما في الراۤئحة الطيّبة و انقباضهما في الخبيثة و ذَوق تدرك به الطعوم بواسطة اللسان بنفوذ لطيفٍ من ذي الطعم ملايـٔم او منافرٍ في تجاويف مَسَاۤمِّهٖ و لمس تدرك به لين الاشياۤء و خشنها برقّة قوة احساسٍ سارية منها في ساۤئر الجسد الا انّها في انملة السّبّابة اقوي لشدّة رقّة الاحساس فيها و لها خاصيّتان ٱلرّضا و الغضب و الرضا اختيار الشيء و طمأنينة القلب عنده لانبسَاط برودة الروح و الغضب بالعكس و هو غليان دم القلب لطلب الانتقام لالتهاب حرارة النفس و انبعاثها من القلب لان سبب تعلّقها من الافلاك بالحيوان هو الابخرة المعتدلة في الوزن و النضج المتعلقة بالدّم الاصفر المتعلق بالعلق الدم الكاۤئنة في تجاويف القلب من الجانب الايسر منه اكثر كما مر ،

و النفس الناطقة القدسيّة و هي جوهرٌ نوراني و وصفٌ قدسي الهي و اُنموذَج تصويري فَهْوَانيّ و كتاب صُوريّ ربّانيّ فهي هيكل [ص 665] التوحيد و المثل المنزّه عن التحديد اصلها النور و وكرها قمّة الطور و لها خمس قُويً : فكر من عطارد و ذكر من زحل و علم من المشتري و حلم من القمر و نباهة من الشمس و ليس لها انبعاث لتجرّدها من المواۤدّ العنصريّة و المُدَد الزمانية و هي اشبه الاشياۤء بالنفوس الملكيّة التي هي عالية عن المواۤدّ عَاريةٌ عن القوّة و الاستعداد و لها خاصيتان النزاهة لتقدسها عن اوساخ الطبيعة و انطباعها بموافقة احكام الشريعة و الحكمة لِتَلاشِي انّيّتها في الانوار العقلية و روي عن الصادق عليه السلم انه قال ان الصورة الانسانية اكبر حجة اللّه علي خلقه و هي الكتاب الذي كتبه بيده و هي الهيكل الذي بناه بحكمته و هي مجموع صُوَر العالمين و هي المختصر من اللوح المحفوظ و هي الشاهد علي كل غائب و هي الحجة علي كل جاحدٍ و هي الصراط ( الطريق . خ ) المستقيم الي كلِّ خيرٍ و هي الصراط الممدود بين الجنّةِ و النار ه‍ ، و هذه النفس شعاع من النفس الرابعة اعني النفس الكلّية الالهية فهي بالنسبة الي الكلية نور و عرض قاۤئم بها اي بنورها قيام تحقق و هو القيام الركني و هيكل الانسان الظاهر ظل هيكلها فهو مثلها و هي اصله تتعلّق بهذا البدن تعلّق اشراقٍ لانها لاتنزل من روحها و انما هي كما قال الشاعر :

هي الشمسُ مسكنُها في السماۤء فعَزِّ الفؤادَ عزاۤء جمٖيلَا

فلن‌تستطيعَ اليها صعوداً و لن‌تستطيعَ اليك النّزولَا

و الرابعة النفس الكلّية الالهيّة هي الكتاب المبين و الكتاب الحفيظ و اللوح المحفوظ و النور الاخضر و الكون الماۤئي و الباۤء من بسم الله الرحمن الرحيم و هي اسم الرحمن و شريك الفرقان و هي نفس اللّه التي لايعلم ما فيها عيسي بن مريم في قوله تعالي تعلم ما في نفسي و لااعلم ما في نفسك و يأتي بعض اوصافها في حديث الاعرابي و لها قوي خمس : بقاۤء بالله في الفناۤء في سُبُحات [ص 666] وجهه و سقم من خشيته في شفاۤء نعمته و رحمته و عز بخدمته و عبادته و تفويض الامور اليه في ذلّ عبوديّتها لعِزِ ربوبيّته و فقر مُفْنٍ ( مُغْنٍ . خ‌ل ) اليه في غني التوكل عليه و صبر علي المكروه في بلائه و لها خاۤصيّتان الرضا بما يفعله و هو العبودية الخالصة و التسليم له في كل ما يجريه و هذه النفس التي مبدؤها من الله اي من فعله و محبّته لا من ذاته لانه لايخرج منه شيء و لايعود اليه شيء و لكن كلّ شيء مبدؤه من الله اي من اصله الصادر عن فعل الله تعالي فانّه يقال له من الله و اليه تعود اي الي مبدئها من اثر فعله تعود كما قال و الي الله ترجع الامور اي الي حكمه و تقديره قال الله تعالي و نفخت فيه من روحي و هي روح خلقها و كرّمها و شرّفها بالانتساب اليه و الاختصاص به كما قال بيتي و عبدي كما شرّفها بانتساب مبدئها منه و عودِها اليه و قال تعالي يا ايّتها النفس المطمئنّة ارجعي الي ربّكِ راضية مرضيّة اي ارجعي راضيةً بمأواكِ من فضله و رحمته و رضوانه مرضيّة اي راضياً لكِ و عنكِ شاكراً لاَعْمالِكِ و العقل وسط الكل ه‍ ، اي باطن هذه النفوس الاربع لانها تنزّلاته في ادباره حين قال تعالي له ادبر فادبر او في اقباله عنه اليها حين قال تعالي اقبل فاقبل ففي النزول نزل بها و في الصعود صعِدَ بها ،

و روي ان اعرابيّاً سئل اميرالمؤمنين عليه السلم عن النفس فقال عن اي الانفس تسئل فقال يا مولاي هل النفس عديدة فقال عليه السلم نعم نفس نامية نباتيّة و نفس حسّيّة حيوانية و نفس ناطقة قدسيّة و نفسٌ الهيّة ملكوتيّة فقال يا مولاي ما النباتيّة قال قوّة اصلها الطباۤيـٔع الاربع بدؤ ايجادها عند مسقط النطفة مقرها الكبد ماۤدّتها من لطاۤئف الاغذية فعلها النمو و الزيادة و سبب فراقها اختلاف المتولّدات فاذا فارقت عادت الي ما منه بُدئَتْ عَود ممازجةٍ لا عودَ مجاورةٍ فقال يا مولاي و ما النفس الحيوانية قال قوّة فلكيّة و حرارة غريزية [ص 667] اصلها الافلاك بَدؤُ ايجادها عند الولادة الجسمانية فعلها الحيوة و الحركة و الظلم و الغشم و الغلبة و اكتساب الاموال و الشهوات الدنيويّة مقرّها القلب سبب فراقها اختلاف المتولدات فاذا فارقت عادَتْ الي ما منه بدئت عود ممازجة لا عود مجاورة فتنعدم صورتها و يبطل فعلها و وجودها و يضمحلّ تركيبها فقال يا مولاي و ما النفس الناطقة القدسية قال قوّة لاهوتيّة بدؤ ايجادها عند الولادة الدنيويّة مقرّها العلوم الحقيقيّة الدينية مواۤدّها التأييدات العقليّة فعلها المعارف الرّبانيّة فراقها عند تحلل الٰالات الجسمانية فاذا فارقت عادت الي ما منه بُدِئت عودَ مجاورةٍ لا عود ممازجةٍ فقال يا مولاي و ما النفس اللاهوتية الملكوتيّة فقال قوّة لاهوتيّة و جوهرة بسيطة حيّة بالذات اصلها العقل منه بدئت و عنه وعَت و اليه دلّت و اشارَتْ و عودتها اليه اذا كملت و شابهَتْهُ و منها بدئت الموجودات و اليها تعود بالكمال فهي ذاتُ اللهِ العليا و شجرة طُوبَي و سدرة المنتهي و جنّة المَأوَي مَن عرفها لم‌يشْقَ و من جهلها ضلّ سعيه و غوي فقال الساۤئل يا مولاي و ما العقل قال العقل جوهر دَرَّاكٌ محيطٌ بالاشياۤء من جميع جهاتها عارف بالشيء قبل كونه فهو علّة الموجودات و نهاية المطالب انتهي ،

اقول قوله عليه السلم بدؤها عند مسقط النطفة يعني في الرحم اذ قبل سقوطها هي من المعادن فلمّا سقطت في الرحم و كانت نطفة الرجل حاۤرة يابسةً التقت بنطفة المرأة و هي باردة رطبة حصلت النفرة بين ما هو كالنار و بين ما هو كالماۤء فصرف اللّه تعالي بحكمته دم الحيض اليهما فتوسّط بينهما و فيه مزاج بارد يابس و هو التراب الذي اخذ ماۤدّته الملك من الارض من الموضع الذي اذا ماتَ لايدفن الّا فيه فماثَهُ و مزجه باذن اللّهِ عز و جل في النطفتين فَبِبُرودتِه يكسر حرارة نطفة الرجل لئلّاتحرق نطفة المرأة و بيبُوستِهٖ يكسر رطوبة نطفة المرأة لئلّاتطفئ نطفة الرجل و [ص 668] تكون نطفة الرجل بقدرِ نصف نطفة المرأة ليعتدِلا في الطبائع و التراب قد يكون بقدر نطفة الرجل او نصفها او ربعها او سدسها او اقلّ و كل هذه يكفي في مطلق التوفيق بينهما الّا انه اذا كان بقدر نطفة الرجل او اكثر ربّما فسَد المزاج فغلبت السوداۤء فربّما تكون محترقة و اذا قلّ كثيراً ربما فسد المزاج فتغلب الصفراۤء او البلغم و اذا كان بقدر النصف الَي ما يقرب من مساواة نطفة الرجل صلح المزاج و كانت السّوداۤء معتدلة في رجحانها فيعتدل المزاج فيكون عاقلا عالماً حافظا ذكيّا فان خلص التراب من الشواۤيـٔب كانت صافية فيكون ح نبيّاً او وصي نبي قال الرضا عليه السلم مابعث الله نبيّاً الّا صاحب مرّةٍ سوداۤء صافيةٍ ه‍ ، فاذا اجتمعت الاسباب تألّفت ٱلقوّة اي النفس النامية النّباتيَّة التي بها يحصل العقد و النموّ و ح بتقدير اللّهِ تعالي تحصل للمرأة حُمّي ضعيفة لتعين بحرارتها حرارة الرحم ليحصل التعفين الذي ( هو . خ‌ل ) علّة الانحلال ليحصل الغذاۤء الذي به النموّ و ليحصل العقد الذي هو علة الامتزاج و لذلك قال عليه السلم بدؤُها عند مسقط النطفة ، قال عليه السلم و سبب فراقها اختلاف المتولدات اي المتولدات من الغذاۤء الطعام و الشراب بزيادة احد الطبايع الاربع بعضها علي بعض حتّي تبطل الطّاغيةُ الزايـٔدةُ الاخري الناقصةَ فيبطل تركيب القوة المتألفة من الكلّ بالاعتدال فتفارق الاخلاط فاذا فارقت عادت الي ما منه بدئت عود ممازجة لا عود مجاورة فتلحق حرارتها بالنار فتمتزج بها و تلحق رطوبتها بالهواۤء فتمتزج به و تلحق برودتها بالماۤء فتمتزج به و تلحق يبوستها بالتراب فتمتزج به في كلّ ذلك امتزاجَ استهلاكٍ للتّمييز لا استهلاك فناۤءٍ ،

و قوله عليه السلم في النفس الحيوانية قوّة فلكية و حرارة غريزيّة اصلها الافلاك يريد ان النّفس الحيوانية من نفوس الافلاك علي نحو ما اشرنا اليه قبل و هي حرارة لانّها من علّة الكون و ركن الحيوة [ص 669] و غريزية اي طبيعيّة اصلها الافلاك كما مرّ سابقاً و هي في غيب النامية النباتيّة لان متعلّقها الذي هو الابخرة المعتدلة وزناً و نضجاً كامنة في النطفة الامشاج و في غذاۤئِهما اي النطفتين و في التّراب ٱلّذي يقال انه ليس منهما و لا من غيرهما و هذه كلها مختلطة بالغراۤئب و الاعراض الفاسدة فهي حينئذ متعلّقة في غيبها فاذا تخلّصت من الاعراض الغريبة و اتّحدَتْ بالتَّعْديلِ وَ النَّضْج ظهر المتعلّق المتخلّص المعتدل بالنَّضْج و ظهرت النفس الكامنة فيه عند تمام الاربعة الاشهر التي هي الولادة الجسمانيّة لان الجسم ولد النفسَ و هو اوّل ايجادها اي ظهورها في متعلّقها و الولادة الثانية التي هي الولادة الدنياويّة و هي خروج الجنين من بطن اُمّهٖ صورة للاولي ، فقوله عليه السلام ايجادها ان اريد به ظهورها من الغيب و الشّهادة فهي الاُولَي و الثّانية صورة لها و ان اُرِيدَ بهٖ ظهورها الي فضاۤء الدنيا فهو علي الظاهر ظاهر و لايصح ان يراد بايجادها من الغيب عند الولادة الظاهرة كيفَ و هو الحاكم بوجودها و تحقّقها عند تمام الاربعة الاشهر ، و قوله و فعلها الخ ، اي فعلها الطبيعي الحيوة اي التّحرك بالارادة و الحركة اي الكون الاول في المكان الثاني و الظلم اي وضع الاشياۤء في غير مواضعِها و الغشم اي الاخذ بعُنْفٍ و الغلبة اي الاستيلاۤء و اكتساب الاموال و الشهوات الدنيوية لشدّة الحرص مقرّها القلب لانها متعلقة بالابخرة الصافية المعتدلة الناضجة المتعلقة بالدم الاصفر المتعلق بالعلق الدم الكاۤيـٔنة في تجاويف القلب سبب فراقها اختلاف المتولدات لانها اذا اختلفت الطباۤئع و ما تولد منها افسدَ القويّ منها ضدّه فلم‌يبق لها قرار لفساد مكانها و خرابه فاذا فارقت عادت الي ما منه بدئت اي الي نفوس الافلاك عود ممازجة لانّها من قوي متعددة من الافلاك المتعدّدة فاذا تفَكّكَ تركيبها بطلت فامتزج كل جزءٍ منها باصله كقطرة الماۤء في البحر [ص 670] فيبطل فعلُهٰا و وجودها و يبطل تركيبها ،

و قال عليه السلام النفس الناطقة القدسيّة قوّة لاهوتيّة اي روحانية بدؤ ايجادها عند الولادة الدنيوية معناه كما تقدم في الحيوانية الحسيّة بل سابقة علي النطفة لانها كانت في غيب النطفة المعنويّة ففي الكافي بسنده الي ابي اسمعيل الصيقلي الرازي عن ابي‌عبدالله عليه السلم قال ان في الجنّة لشجرةً تسمي المزن فاذا اراد اللّه ان يخلق مؤمناً اقطر منها قطرة فلاتصيبُ بقلةً و لا تمرةً اكل منها مؤمن او كافر الّا اخرج الله تعالي من صلبه مؤمناً ه‍ ، فهي كامنة في النطفة القاطرة من شجرة المزن علي البقلة و التمرة فاذا اكلها انتقلت الي الكيلوس ثم اذا صفّي انتقلت الي الكيموس ثم الي النطفة المني في الصلب ثم الي الرحم في النطفة و منها الي العلقة ثم الي المضغة ثم الي العظام ثم اذا تمّت ٱلخلقة ظهرت ثم اذا وُلِدَ طلعَتْ كما مر ، مقرّها العلوم الحقيقيّة الدينيّة اي العلوم المقرونة بالاعمالِ الصَّالحة فانها مسكن طُمَأْنٖينتِها مواۤدُّها التأييدات العقلية اي استمدادُها من الانوار العَقْليّة المشرقة عَلي كنهها فعلُها المعارف الرّبانيّة اي انّها تنزع الي معرفةِ خالقها فراقها عند تحلّل الٰالات الجسمانيّة التي هي محلّ اشراقها و تعلّقها فاذا تحلّلَتْ و تفكّكَتْ بسبب اختلاف الاخلاط فارقَتْ صاعِدةً الي ربّها راضية بما قضي عليها فتعود الي ما منه بدئت عود مجاورة لا عود ممازجة لان بدءَها داۤئماً يتجدّد في اوّليّته فاذا عادت اليه لم‌تمتزج به لانه كان تحت بدئها حال رجوعها فاذا صعدت الي مبدئها المتجدّد الاعلي لم‌تصل اليه الّا و قد تجدّد لها بدءٌ قبله و فوقه و هكذا من فضل رفيع الدرجات الذي لاتفني خزاۤئنه فلاتزال مجاورة لبدئها غير ممازجة له لتجدّدها لتجدّد بدئها ففي كل آنٍ لها بدء جديد ،

و قال عليه السلام النفس اللاهوتية الملكوتية قوّة لاهوتيّة اي روحانية قدسيّة و جوهرة بسيطة انّما قال جوهرة بسيطة مع ان الناطقة القدسية كذلك [ص 671] لان تلك و ان كانت في نفسها جوهرة بسيطة لكنها بالنسبة الي هذه عرض مركب من شعاع هذه و ظل هيئتها فكانت هذه احقَّ بالجوهرة البسيطة حيّة بالذّاتِ اي لاتموت بل باقية بابقاۤء اللهِ لانها وجهه الذي لايهلك الي ساۤئر خلقه و بالذاتِ لا انّ حياتها من فاضل نفسٍ فوقها كالنّفوس الثلاث المتقدمة اذ ليس فوق هذه الّا العقل و هي مركَبُهُ و مَأويٰهُ اصلها العقل لانه لها كالنطفة للجنين لانها تطوّره الثاني و الروح تطوّره الاول فبه علمَتْ و به نطقت و اليه دلّت و اشارَتْ بانه نورها و حياتها و به عملت و اطاعت كما قال تعالي تعلمونهنّ مما علّمكم اللّه فعلّمه الله تحقّق العبوديّة بحق الرّبوبيّة فلمّا علَّمَها تَابَتْ عن انّيّتها و اقامت الصلوة التي امرها بها و آتَت الزكوة فكانَتْ اُختَهُ بعد ان كانت بنته كما قال تعالي فان تابوا و اقاموا الصلوة و اتوا الزكوة فاخوانكم ، قال عليه السلم و عودتها اليه اذا كملت و شابهته اي كانت اخته في الدين و منها بدئت الموجودات كالناطقة القدسيّة فانها اوّل من بُدِئ منها و اليها تعود قال صلي الله عليه و اله ظهرت الموجودات من باۤء بسم الله الرحمن الرحيم رواه ابن ابي‌جمهور في المجلي و اليها تعود اي الموجودات بالكمال ، فهي ذاتُ الله العليا قال عليه السلام يا من دلّ علي ذاته بذاته ، اي بذاته التي خلقها و كرّمها و شرّفها بنسبتها اليه فقال ذاتي كما قال بيتي و عبدي و شجرة طوبَي و سدرة المنتهي طُوبَي اسم الجنة و قيل بلغة اهل الهند و في الحديث شجرة طوبي هي شجرة في الجنة اصلها في دار النبي صلي الله عليه و اله و ليس مؤمن الّا و في داره غصن منها لاتخطر علي قلبه شهوة الّا اتاه بها ذلك الغصن و لو ان راكبا مجدّاً سار في ظلِّها مائة عام ماخرج و لو طار من اسفلها غرابٌ مابلغ اعلاها حتي يسقط هرماً و عن النبي صلّي الله عليه و اله طوبي شجرة في الجنة اصلها في داري و فرعها في دار عليّ فقيل له في [ص 672] ذلك فقال داري و دار علي في الجنّة بمكانٍ واحدٍ ه‍ ، اقول و ظاهر الحديث الثاني ان شجرة طوبي من باب اضافة الموصوف الي صفته لان طوبي من الطيب و ابدلت الياۤء واواً لِمُنَاسبة الضمة او انّ الاضافة بيانيّة و المراد من تسمية هذه النفس القدسيّة بهذا الاسم اما علي نحوٍ من المجاز او لانّها اي الشجرة المذكورة صفتها و مثلُها او خلقت منها علي هيئتها ، و سدرة المنتهي ، في النهاية شجرة في اقصي الجنة اليها ينتهي علم الاوّلين و الاخرين و لايتعدّاها ه‍ ، و علي ما ذكره في النهاية هي هذه النفس الكلّية لانها هي اللوح المحفوظ و ليس وراۤءه للعلم ذكر و انّما ذلك للعقل و الروح و مداركه هي المعاني المجرّدة عن الماۤدة العنصريّة و المدّة الزمانيّة و الصُوَر الجوهريّة و المثاليّة و العلم حقيقته الصور الجوهريّة المجرّدة عن المادة العنصريّة و المدّة الزمانيّة و الموجود منه في اذهان البشر غير ذهن علّة الوجود هو اظلّة تلك الجواهر و اشباحها فالعلم هو الصور سواۤء كانت جوهريّة اَمْ شَبَحِيّة فيكون كل علم للخلق منتهياً اليها اذ ليس وراۤءها شيء من الصور نعم وراۤءها معانٍ في العقل و رقاۤئق في الروح ، و جنّة المأوي ، عن ابن عباس هي جنّة تأوي اليها ارواح الشهداۤء و قيل هي عن يمين العرش اقول ان اريد انها تأوي اليها الارواح فهي عن يمين العرش لانها هي الركن الايمن الاسفل منه و ان اريد به انها تأوي اليها النفوس فهي عن يسار العرش لانها هي الركن الايسر الاعلي منه و النفس الكلّية علي فرض انها مغايرة للروح الكلّية كما هو اكثر الاستعمالات و الاطلاقات هي الركن الايسر الاعلي منه لان الركن الايمن الاسفل هو الروح الكلية محلّ الرقاۤئق و مبدؤها و العقل الكلي ركنه الايمن الاعلي و الطبيعة الكليّة ركنه الايسر الاسفل منه و هذه النفس هي الشجرة الطّيبة و روي ابوحمزة الثمالي انه سئل الباقر عليه السلم عن [ص 673] قوله تعالي كشجرة طيّبةٍ اصلها ثابتٌ و فرعها في السماۤء فقال (ع) قال رسول الله صلي الله عليه و اله انا اصلها و علي فرعها و الائمة اغصانها و علمنا ثمَرُها و شيعتنا ورقها يا ابا حمزة ان الولد ليولد من شيعتنا فتورق ورقة فيها و يموت فتسقط منها ورقة و قال رجل جعلتُ فداۤءك تؤتي اكلها كل حين باذن ربها قال ما يفتي الائمة شيعتهم من الحلال و الحرام ه‍ ، و بالجملة فالمراد بها نفسهم الطيبة عليهم السلم التي هي اللوح المحفوظ و باطن اللوح المحفوظ و علّته فهي نفس الكرسي و الباب الظاهر من العلم ،

و قال عليه السلام و العقل جوهر درّاك محيط بالاشياۤء من جميع جهاتِها يعني ان العقل جوهر مركّب من نور الانوار اعني الحقيقة المحمدية لان ماۤدّته منها و صورته من هيئتها فهو وجهها الي الاشياۤء فهو علّة الاشياۤء كما انّ الشعلة المرئيّة مِن السراج هي علة جميع الاشعّة كذلك العقل فانّه من نور الانوار كالشعلة من السراج فهو جوهر للاشياۤء درّاك محيط بالاشياۤء لكونها متقوّمةً بِهٖ تقوّم تحقّقٍ لانّه من امر اللّهِ الذي به قامَ كلّ شَيْءٍ لَا لِاَنّه بَسٖيطٌ كما اشار اليه المصنف بل هو مركّبٌ من ماۤدّةٍ و صورةٍ و انّما احاط بها لانها انما قامت به و صدرت من النفس الكليّة عنه و معني قيام الاشياۤء به ان جميع مواۤدّها في الغيب و الشهادة من اشعته و صورها من هَيْئٰاتِ افعاله صاغَها في النفس الكليّة و بَثَّهَا منها فهو علة الاشياۤء و النفس محلّها و منها ظهرت الموجودات .

قال : « المشعر الثالث - في حدوث العالم . العالم بجميع ما فيه حادث زماني اذ كلّ ما فيه مسبوق الوجود بعدمٍ زماني بمعني اَلّا هويّةَ من الهويّات الشخصيّة الّا و قد سبق عدمُهَا وجودَها سبقاً زمانيّاً و بالجملة لا شيء من الاجسام و الجسمانيات الماۤدّية فلكيّاً كان او عنصريا نفساً كان او بدناً الّا و هو متجدّد الهويّة غير ثابت الوجود و الشخصية مع برهانٍ لاحَ لنا من عندِ اللّه لاجل [ص 674] التدبّر في ايات اللّهِ و كتابه العزيز مثل قوله تعالي بل هم في لبسٍ من خلق جديدٍ و قوله تعالي علي اَن نُبدّلَ امثالكم وَ ننشئكم فيما لاتعلمون و قوله و تري الجبال تحسبها جامدة و هي تمرّ مرّ السحاب و قوله و ان يشأ يذهبْكم و يأتِ بخلقٍ جديدٍ و قوله و السموات مطويات بيمينه و قوله انا نحن نرث الارض و من عليها و الينا يرجعون و قوله كلّ من عليها فانٍ و يبقي وجه ربّك ذو الجلال و الاكرام و قوله تعالي ان كلّ من في السَّمواتِ و الارض الّا آتِي الرَّحْمنِ عبداً و كلّهم آتيه يوم القيمة فرداً » .

اقول : العالم حادث بمعني انه لم‌يكن فكوّنه سبحانه يعني انه تعالي كان و لم‌يكن معه غيره كاۤئناً و لا مذكوراً اصلاً ثم جعله بعد ان كوّنه مذكوراً بما هو هو و مراد المصنف بالحادث من العالم هو ما وقع في الزمان لا ما سوي اللّه فانّ ممّا سوي اللّه الروح و هو ليس خارجاً من كن و ما ليس خارجاً من كن لم‌يكن حادثاً و عنده هي باقية ببقاۤء اللّه دون ابقاۤئه و عندنا المراد بالعالم الحادث هو كل ما سوي اللّٰهِ و كُلُّ ما سوي ٱللّه فهو خارج من كن يعني مخلوقاً بها حتّي كن نفسَها فانها مخلوقة بنفسها و لا دوْرَ لانّ الدّور انّما مُنِعَ منه لاستلزامه المحال و هو ان الشيء يكون سابقاً علي نفسه بمرتبتين او اكثر و لا تسلسل لعدم ترامي الحوادث و ان العقل و الروح و غيرهما باقية بابقاۤءِ اللّهِ تعالي لها بما يمدّها به كلّما فني شيء جدّدَ شيئاً و هو علي كل شيء قدير ،

و قوله « العالم بجميع ما فيه حادث زماني » غلط لان العقول و النفوس من العالم و ليست حادثةً في الزمان بل هي حادثة مخلوقة مركّبة من المواۤدّ النورانيّة و الصور النورانية قبل الزمان و ايضا الزمان هل هو شيء ام لا فان كان شيئا فهل هو مخلوق ام قديم فان كان شيئا مخلوقا ففي اي ظرف خلق فيه و ان كان كما توهمه بعضهم من انه [ص 675] خلق في زمانٍ موهوم فننقل هذا الكلام الي الموهوم لينطبق علي المعلوم و ان كانوا كارهين و ان كان قديما فمع لزوم تعدّد القدماۤء لايكون القديم ظرفاً للحوادث و ان لم‌يكن شيئاً فالعالم لم‌يخلق في شيء ،

و قوله « اذ كل ما فيه مسبوق بعدم زماني » صحيح علي الظاهر و علي الحقيقة ليس بصحيح امّا صحته علي الظاهر فظاهرة لانا نقول بحدوث العقول و النفوس و لم‌يكن في الزمان و احاديث ائمتنا صلوات الله عليهم كثيرة جدّاً في ان الله خلقهم عليهم السلم انواراً اوْ اشباحاً قبل ان يخلق عز و جل ارضاً و لا سماۤء و لا ليلا و لا نهاراً و لا فلكا و لا شمساً و لا قمراً و لاسيّما علي قول من يقول ان الزمان عبارة عن حركة الفلك بل قال تعالي لولاك ماخلقتُ الافلاك ، فدل هذا و نظاۤيـٔره مما هو اصرح في الدعوي بان نور محمدٍ و اهل بيته صلي الله عليه و اهل بيته الطاهرين خلقه الله قبل خلق كل شيء و لم‌يخلق قبله او معه شيء و ح اين كان الزمان و تقسيم الحادث الي ذاتي و زماني و ان كان لا مشاۤحّة في الاصطلاح و ان الامر قد كان بان الله سبحانه خلق خلقا قبل الزمان و خلقاً مع الزمان و خلقا بعد الزمان الّا انّه ليس بشيء لاِثارته شبهة القِدم عند من ليس ثابت القَدم لان العبارة الحقّ انّ كل ما سوي الله سبحانه مخلوق فقولهم ذاتي و زماني لا صلاح فيه الّا كما قال علي عليه السلم العلم نقطة كثرها الجاهلون او الجهّال و امّا انه علي الحقيقة ليس بصحيح فلانه اراد حصر الحوادث في الكاۤئنات في الزمان و ليس بصحيح و لانه قال كل ما فيه فجعل جميع الافلاك فيه و هو سابق لها و ليس بصحيح لانه الان هو ظرف للاجسام خاۤصّة و لايكون ظرفاً لغيرها و لا غير ظرفٍ فاذا كان قبلها فقد وجد فارغا من الحاۤلّ فيه او ظرفاً للمجردات و كل هذا لايجوز حتّي عند المصنف و من قال بان الزمان عبارة عن حركة الفلك فقوله ليس بصحيح ايضا اذ يلزم منه وقوع [ص 676] الافلاك و هي اجسام خارجة عن الزمان فلايكون الزمان غير ظرفٍ و لا ظرفا للمجردات و لا ظرفاً فارغا في حال و لا الاجسام قبل الزمان لئلّاتقع في ظرف المجردات اعني الدهر و لاتقع بغير وقت و كذلك حكم المكان فكان الجسم وجد في الزمان و المكان و الزمان وجد في الجسم و للجسم و في المكان و المكان وجد فيهما و لهما فوجود الثلاثة دفعة في الظهور بمعني انها متساوقة الوجود و امّا في الذات فالجسم سابق كسبق الكسر علي الانكسار لانه هو الماۤدة و هما من حدود الصورة فافهم ،

و قوله « بمعني اَلّا هويّة من الهويات الشخصيّة الّا و قد سبق عدمُها وجودَهَا سبقاً زمانيا » غلط فان العقل الكلّي هويّة شخصيّة و لم‌يسبق عدمُه وجودَهُ في الزمان بل و لا في الدهر الا بمعني انه لم‌يكن موجوداً في رتبة ما فوقه و امّا انه يقال عليه انه كلّي فليس المراد انّه كلّي طبيعي لايوجد في الخارج الّا في افراده و لا منطقي لايوجد في الخارج و انما يوجد في الذهن و لا كلّي عقليّ لانه لايوجد حينئذٍ في الخارج و لا الكلي العقلي كذلك بل المراد يكون العقل كلّيّا لكونه محيطاً بما تحته من العقول بمعني قيّوميته لها لا بمعني انها افراد له كالانسان الطبيعي الكلّي فان زيداً و عمروا ( عمرا . خ‌ل ) و بكرا افرادُهُ لانه في الحقيقة انتزعه الذهن من شيء يتحقق في كل واحدٍ منهم فهو ظلّهم و شبحهم في الذهن و لذا قيل يوجد في الخارج في افراده و ليس المراد من العقل الكلي هذا المعني بل مرادنا ان العقل ذات شخصيّة متميّزة بحدودها و مميّزاتها الشخصيّة فانه ملك يؤدّي الي اللوح و هو ملك يؤدي الي اسرافيل كما مر الّا انّه نور خلقه الله و كمّله بحسن قابليّته عن ربّه فخلق اللّه من فاضلِ كماله اشعّةً هي حقاۤئقُ جميع العقول و هي قاۤئمة بفاضلِ وجوده و متذوِّتةٌ بفاضل تذوُّتِهٖ كقيام شعاع الشمس بفاضل وجود الشمس و تذوّتِه بفاضِل تذوّتِ الشمس فكونُ العقلِ كلّيا انما هو بهذا المعني [ص 677] لا بمعني الكلي الطبيعي او المنطقي او العقلي ليخرج بقوله الهويّات الشخصيَّة بل هو هويّة شخصيّة متعيّنة بذاتها في الخارج و لم‌يسبق عدمه وجوده في الزمان ،

و قوله « و بالجملة لا شيء من الاجسام و الجسمانيات الماۤدّية » الخ ، لا يقال عليه انه مااراد بالهويات الشخصيّة الّا الاجسام بقرينة قوله هذا فلا اعتراض عليه لانا نقول ليس اعتراضنا عليه من هذه الحيثية بل من حيث ان قوله « بمعني اَلّا هويّة من الهويات الشخصيّة » يريد منه ان العقل و ساۤئر المجردات انما خرج لعدم كونه متشخّصاً لانّها كلّيّات فلاتدخل في الزمان فلاتكون من العالم الحادث كما اشار سابقا الي هذا المعني في عدّة مواضع من كتابه ،

ثم انّ قوله « فلكيّا كان او عنصريّاً نفساً كان او بدنا الّا و هو متجدّد الهوية غير ثابت الوجود و الشخصيّة » هذا في الظاهر حق و يأتي الكلام في الباطن فان قلتَ قوله « نفساً كان او بدناً » يدل علي انه اراد بان النفوس من الاَجْسام و انت تقول به فلم انكرتَ ان يكون الاجسام في ظرف المجردات و انت لاتنكِرُ كَوْن النّفوس مجرّدة قلتُ امّا كونُ النُّفُوسِ اجساماً فهو حقّ و هي اخر مراتب ما يصدق عليه اسم الاَجْسَامِ من جهة الْعُلُوِّ و لكن اذا كانت اجساماً فهي هويّات متشخّصة فيجب ان تكون في الزمٰان كما يقوله المصنف فهي حادث زماني مَعَ انّه لايقول به امّا نحن فنُرٖيد بالنفوس الجسميّة و الجسمانية لان النفوس الحيوانية الحسّيّة من الافلاك و هي اجسام فتكون الحسية جسميّة و هي في الزمان و لهذا قلنا فيما تقدّم تبعاً لقول اميرالمؤمنين عليه السلام انها اذا فارقت عادت الي ما منه بُدِئت عود ممازجةٍ لا عودَ مجاورة و امّا النفوس العلويّة فنسمّيها اجساماً باعتبار كونها مركبة من مادة هي نور و من صورة شخصيّة شَبَحِيّة مقداريّة هندسيّة و باعتبار انّ فعلها منوط بالاجسام و الزمان و لهذا تسْمعهم يقولون ان النفوس مفارقة في ذاتها [ص 678] للماديّات مقارنة لها بافعالِها و من هنا عبّرنا عنها بالجسمانية لا الجسمية لانتسابها الي الاجسام بافعالها لا بذاتها الاتري انك تُدْركُ صورَ ما مضي و ما لم‌يأتِ و امثاله و ليسَتْ مدركاتُكَ في الزمان لان النفس بذاتها ادركَتْها و لو اردتَ ان تفعل شيئا لم‌يكن فعلك الّا في زماني فلايَكون الزمان ظرفاً لشيء من المجردات و ان تعلّقت افعالها به و قولي علي قول المصنّف « متجدّد الهويّة » انه حق في الظاهر اريد انّه انّما قال ذلك علي جهة الحصر بان غير الاجسام غير متجدّد الهويّة و هذا المعني باطل و قولي و يأتي الكلام في الباطن اشارة الي عدم صحة كلامه في نفس الامر علي ارادة الحصر لان العقول و النفوس و كلما سوي الله عز و جل مشترك في التجدّد اذِ الحادث لايستغني عن المدد لا فرق بين العقول و غيرها و لايمدّ الّا بما لم‌يصل اليه قبل ذلك و اذا وصل المدد اليه فلا بدّ من كسره و صوغه بالمدد صوغا جديداً فهو ابداً يصاغ و يكسر و يصاغ و هذا حكم كلّ ما سوي اللّهِ و آية هذا ما بُرهِن عليه في العلم الطبيعي المكتوم و هذا لا شبهة فيه الّا في جهة واحدة عظمت فيها الشبهة علي الاكثر حتي عثر فيها المحقّقون في طرفها الاعلي و الاسفل امّا الاعلي فقال من اشرف علي هذه الدقيقة ان الاشياۤء لاتبقي في آنين بل هي داۤئما متجدّدة متبدّلة فهي في كل آنٍ غيرها في الٰانِ الاخر و ذلك كالنهرِ فانّه و ان كان في الظاهر ان ماۤءه اليوم هو ماۤءه امسِ حتي صحّ ان يقال شربنا من هذا الماۤء بالامس مع انه في كل آنٍ غيره في الٰان الذي بعده فزيد غيره في الٰان الاخر و في هذا فساد الثواب و العقاب فلاتجدُ محسِناً و لا مسيۤئا لانه اذا احسن ذهب مع احسانه فالموجود في كل آنٍ ليس بمحسنٍ و لا مُسٖيْۤءٍ و امّا الاسفل فقد انكر آخرون التغيير و التبديل و في هذا استغناۤؤه عن المدَدِ فيكون قاۤئما بنفسه باقياً بذاته و كِلَا القولين باطل و الحقّ انه غير مستغن عن المدد [ص 679] و انّه يكسر و يصاغ في كلّ آنٍ فهو هو و هو غيره كما قال الصادق عليه السلم في قوله تعالي كلّما نضجت جلودهم بدّلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب حين اعترض عبدالكريم بن ابي‌العوجاۤء لعنه الله فقال ما ذنب هذا الغير قال عليه السلام هي هي و هي غيرها ثم مثّل له باللَّبِنَةِ تكسرها و تصوغها فهي هي و هي غيرها و امّا ما نحن فيه فما يذهب منه يخرج عن كونه اَوْ عن مكانه و يمدّ به فهو باعتبارِ هُوَ هو لٰايتبَدّل و هو غيره لانه كل آنٍ في لبسٍ من خلقٍ جديد لانه ابداً لايمدّ الّا بما له و بما منه فما لَه هو ممّا يترقّي اليه و يصاغ فيه به و ما مِنْه فهو ما ذهب منه بالذبول الظاهري و المعنوي يذهب عنه من كونه الي امكانه ثم يكون له و هو ممّا له و قد يذهب عن مكانه الي مكانٍ اخر من الغيب الكوني و يعود اليه و هو ما منه فهو كالنهر المستدير الذي يمدُّ اوّله بٰاخره و اخره باوّله و ظاهره بباطنه و باطنه بظاهره و هو تأويل قوله تعالي افعيينا بالخلق الاول بل هم في لبسٍ من خلق جديدٍ ، فكلُّ مخلوقٍ متجدِّد الوجود متبدّل ٱلكون و الشخصيّة ،

و قوله « ببرهانٍ لاح من عند الله لاجل التدبّر في آيات الله و كتابه العزيز » يريد به ان دليلنا من ذلك و اقول اعلم ان اللّه سبحانه يقول سنريهم اياتِنا في الافاق و في انفسهم حتي يتبيّن لهم انه الحق و قال تعالي و كأيّن من آيةٍ في السموات و الارض يمرّون عليها و هم عنها معرضون و قال و تلك الامثال نضربها للناس و مايعقلها الّا العالمون و امثال ذلك و ذلك لانّه تعرّف لكلّ شيء في كل شيء و عرّف مَن شاۤء بما شاۤء فجعل كل شيء خَلَقَهُ دليلاً و مدلولاً عليْه و علّةً و معلولاً وَ شاهداً و مشهوداً و كتاباً و مكتوباً و حافظا و محفوظاً و الحاصل ما من شيء الّا و هو آيةٌ لشيء و دليل عليه و مبيّن لما خفي قال الصادق عليه السلم : العبوديّة جوهرة كنهُها الرُّبوبيّة فما فُقِدَ في العبوديّة وُجِدَ في الربوبيّة و ما خفِيَ في الرّبوبيّة اُصٖيبَ في العبوديّة الحديث ، و قال [ص 680] الرضا عليه السلام : قد علم اولوا الالباب انّ الاستدلال علي ما هناك لايعلم الّا بما هاهنا ه‍ ، و هذا ممّا لا شك فيه و لا اشكال يعتريه و انما الاشكال في تحصيل الحق من تلك الامثال لانه لمّا كان الباطل يشابه الحق كما قال تعالي و مثل كلمة طَيبة كشجرة طيّبة و قال و مثل كلمة خبيثةٍ كشجرة خبيثةٍ فشبّه الحق بالشجرة و الباطل بالشجرة و قال انزل من السماۤء ماۤءً فسالت اودية بقدرها فاحتمل السيل زبداً رابيا و مما يوقدون عليه في النار ابتغاۤء حلية او متٰاعٍ زَبدٌ مثله كذلك يضرب الله الحق و الباطل فشبّه الحق بالزبد و الباطل بالزبد و كان الناظر انما ينكشف له من الشيء المتشابه ما هو بصدده خفي الامر علي الناظرين اذ كلّ ينظر ليستدلّ علي مذهبه و رأيه فيؤتي من حيث طلب و لو ان الناظر لم‌يلتفت الي مذهبه و لا الي ما اعتادته نفسه و انِستْ به و لا الي قواعدَ عنده بان يطلب ما يطابق قواعده بل نظر الي نفس الاية و المثل مع قطع النظر عن كلّ ما ذكرنا لاصحاب المطالب و استهدي الله سبحانه و جعل نفسه مسترشداً باللّه عز و جل و بكتابه التدويني و بكتابيه الاكبر اعني الافاق و الاصغر اعني الانفس لوقع علي الحقّ و اصاب الصواب فما اشار اليه المصنف هو ما اراد الله سبحانه و لكن بما ذكرنا من الشراۤئط اَلَاتري ما اكثر الناظرين و اقلّ المصيبين ،