و قوله صلي الله عليه و اله « فكنا اَمامَ عرش رب العالمين » كنا قبل عرش الموجد [ص 635] للعالمين اي جميع الخلاۤئق ، و العرش له اطلاقات : منها المشية و منها نور محمد صلي اللّه عليه و اله المشار اليه بقوله تعالي ماوسعني ارضي و لا سماۤئي و وسعني قلبُ عبدي المؤمن ، فانه احد معاني الرحمن علي العرش استوي و باعتبار مراتب هذا القلب هو كل المعاني للاية و منها المركب من اربعة انوار نور احمر منه احمرت الحمرة و نور اصفر منه اصفرت الصفرة و نور اخضر منه اخضرت الخضرة و نور ابيض منه البياض و منه ضوء النهار و في رواية منه ابيضّ البياض و منها العلم قال تعالي و كان عرشه علي الماۤء انه حمّل دينه العلم و منها جميع الخلق و منها الملك قال تعالي رب العرش العظيم اي رب الملك العظيم و منها محدّد الجهات و منها عالم الغيب بالنسبة الي عالم الشهادة ، الي غير ذلك ، فامّا الاطلاق الاول فسابق ذاتاً مساوِق ظهوراً و امّا الثاني فمتّحد لانه هم عليه ( عليهم . خل ) السلم و امّا الملك و العلم و الغيب فباعتبارٍ يكون نوره صلي الله عليه و اله مساوقاً و باعتبارٍ سابقاً و ما سوي ذلك فهو سابق و يجوز ان يكون الاَمام بفتح الهمزة الوجه ،
و قوله صلي الله عليه و اله « نسبّح الله » الخ ، في بعض رواياتهم انهم بعد ان خلقوا بقوا وحدهم ليس شيئا بعد الله غيرهم عليهم السلام يسبّحون الله قبل ان يخلق شيئا من خلقه سواهم الف دهر كل دهرٍ مائة الف سنة علي ما يظهر لي من اشارات الاخبار و اذا قلتُ كل دهرٍ مائة الف سنة فاريد علي ما يظهر لا انّ هذا التقدير منصوص بخصوص لفظه بل بمعناه بل قد يستفاد اقلّ و قد يستفاد اكثر و الظاهر لي هذا العدد و الله سبحانه و رسوله و اله صلي الله عليه و اله اعلم ، ثم خلق الانبياۤء عليهم السلام و كانوا هداة للانبياۤء و الانبياۤء عليهم السلم يدينون الله بولايتهم و حُبِّهم و يستنّون بسنّتهم و يمتثلون امرهم و يعرفون الله سبحانه بسبيل معرفتهم الفَ دهرٍ كل دهر مائة الف سنة ثم خلق المؤمنين من انوار الانبياۤء و اشعة انوارهم ،
قال صلي الله عليه و اله « فلمّا اراد ان يخلق ادم عليه السلم [ص 636] خلقني و ايّاك » يعني عليّاً « من طينة عليين » كناية عن اجسامهما عليهما السلم « و عجنت بذلك النور » الذي هو اوّل صادرٍ بفعل الله تعالي و هو الحقيقة المحمدية و هو الماۤء الذي به حيوة كل شيء و هو وجودهم « و غمَسَها في جميع الانهار » من العلوم و العقل و الحياء و الحب و الرضا و السخاۤء و الصبر و الشكر و غير ذاك من انهار صفات الطاعات و الفضاۤئل و الفواضل « و انهار الجنّة » الاربعة نهر الماۤء و هو يجري من ميم بسم من بسْم الله الرحمن الرحيم و نهر اللبن من هاۤء الله و نهر العسل من ميم الرحمن و نهر الخمر من ميم الرحيم فالماۤء حياتهم لانّهم اسماۤء الله و اللّبن علمهم و العسل حبّهم و الخمر سكر معرفتهم « ثم خلق ادم و استودع صُلبه تلك الطينة و النور » قال العباس بن عبدالمطلب في مدح النبي صلي الله عليه و اله :
من قبلها طِبتَ في الظلالِ و في مستودَعٍ حينَ يُخْصَفُ الوَرقُ
ثم هبطتَ البِلادَ لا بَشرٌ انتَ و لا مضغةٌ و لا عَلَقُ
بل نطفة تركبُ السَفٖينَ و قد الجمَ نسراً و اهلَه الغَرقُ
تُنْقَلُ من صالِبٍ الي رحمٍ اذا مضي عالَمٌ بدا طبَقُ
حتي احتوي بيتُك المهيمنُ مِن خِنْدفَ علياۤءَ تحتَها النُّطُقُ
و انتَ لمّا وُلِدتَ اشرقَتِ الارضُ و ضاۤءت بنورِك الاُفُقُ
فنحنُ في ذلك الضياۤء و في النورِ و سُبلِ الرشادِ نخترِقُ
و ليس قوله بل نطفة ، ان نورهم صلّي الله عليهم المتعلق بصلب ادم (ع) المنتقل في الاصلاب الشامخة و الارحامِ المطهرة نطفة مدرة بل نطفة نورٍ مقدّرة تجري فيهم جري الارواح في الاجسام لانهم عليهم السلم في تلك الحال علي كمال الاستقامة و تمام الاعتدال مثل ما روي ان فاطمة عليها السلم كانت تعلّم امّها خديجة احكامَ دينها و هي في بطنها و كلهم مثل [ص 637] هذا النوع قبل و بعد ، « فلمّا خلقه » اي ادم « استخرج ذريّته من ظهره » استخرج من ادم ابنه شيث و يافث و استخرج من ظهريهما اولادهما و هكذا اخرج كل نسمة من ظهر ابيه و هو سر قوله تعالي و اذ اخذ ربك من بني ادم من ظهورهم ذرّيتهم و لميقل من ظهره و انما قال صلي الله عليه و اله من ظهره اختصاراً في التعبير مع ظهور الحال و لان الخارج من الاب الخارج من ابيه خارج من اب ابيه و لهذا كان اب الاب اَباً بل اوْلي من ابنه ببَنٖيه و ذلك لان المكلفين في عالم الذر اخذهم سبحانه من ظهور اباۤئهم بالتوالد كما في هذه الدنيا و كلّفهم ثم رجعهم الي اصلاب اباۤئهم « فاستنطقهم » بما جعل فيهم من العقول و الفهم و الاختيار و رفع عنهمُ الموانع فيما اراد منهم « و قرّرهم بربوبيّته » فقال الستُ بربكم و محمد نبيّكم و علي وليكم فقالوا بلي فمنهم من اجاب بقلبه و لسانه و هم المؤمنون و منهم من انكر بقلبه و لسانه و هم الكافرون و منهم من اجاب عن غير علم و هؤلاۤء مرجون الي يوم القيٰمة و منهم من يلحق في الدنيا باحد الاوّلين بعد مدّة و تفصيل هذه المقامات طويل ، « فاوّل ما خلق اللّه و اقرّ بالعدل و التوحيد انا و انت » انّما قال و انت بالنسبة الي من سواهما و لايلزم منه التساوي فقد روي انّ نور محمد صلي اللّه عليه و اله خلق قبل خلق نور علي من نور محمد صلي الله عليهما و الهما بثمانين الف سنة و هو مقرّ بالعدل و التوحيد ثم خلق منه نور علي عليه السلام كما تحدث سراجاً من سراجٍ قال علي عليه السلم انا من محمد كالضوء من الضّوءِ ، « و النبيون علي قدر منازلهم و قربهم من اللّهِ عز و جل » فمن اقرّ قبل كان افضل و اوّل النبيين وجد بعد خلق محمد و اله صلي الله عليه و اله بالف دهرٍ كل دهر مائة الف سنة و اتّفق المسلمون علي ان افضل الانبياۤء خمسة محمد صلّي الله عليه و اله و نوح و ابرهيم و موسي و عيسي و اتّفقوا علي انه صلي الله [ص 638] عليه خير الخلق و اختلفوا في الاربعة من اولي العزم فاكثر العامة ان ترتيبهم في الفضل ابراهيم ثم موسي ثم عيسي و قال بعضهم ثم عيسي ثم موسي و اتّفقوا علي مفضولية نوح و اما اصحابنا فاكثرهم علي ان الترتيب في الفضل هكذا ابراهيم ثم نوح ثم موسي ثم عيسي و قيل نوح ثم ابراهيم ثم موسي ثم عيسي و هذا هو المترجح عندي فان ابراهيم عليه السلام و ان كانت مَمادحهُ و ذكره و فضاۤئله في الاحاديث اكثر من نوح عليه السلام الّا انه مع ذلك كلِّه من شيعة نوح لقوله تعالي و ان من شيعته لابرهيم و لقوله تعالي و اذ اخذ الله من النبيين ميثاقهم و منك و من نوح و ابرهيم و موسي و عيسي بن مريم و هو في مقام التفضيل لا في مقام السبق في الوجود في الدنيا و الّا لأخّر محمّدا صلّي اللّه عليه و اله و ايضا ليس في الانبياۤء عليهم السلم مَنْ نبوّته عاۤمّة الّا محمد و نوح عليهما السلم و امّا ابراهيم عليه السلم فانّما ارسل الي اربعين بيتا و ليس نسخ الشريعة دليلا علي الافضلية و الّا لكان عيسي افضل الاربعة و ايضاً فان نوحا عليه السلام اوتي من الاسم الاعظم خمسةعشر حرفاً و ابرهيم عليه السلم ثمانية و موسي اربعة و عيسي اثنين و الله سبحانه و رسوله و خلفاۤؤه اعلم و بالجملة من سبق الي الاجابة كان افضل ،
و الذي يترجّح عندي في تفضيل الاربعةعشر معصوماً صلي الله علي محمد و اله انّ افضلهم و سيدهم رسول اللّه صلي اللّه عليه و اله و هذا معلوم ثم من بعده اميرهم علي بن ابيطالب عليه السلم ثم الحسن ثم الحسين عليهما السلم لحديث سيدا شباب اهل الجنّة و تفضيل الحسن علي الحسين عليهما السلم بالنص الخاص عن الصادق عليه السلم روي الصدوق (ره) في اكمال الدين باسناده الي هشام بن سالم قال قلتُ للصادق جعفر بن محمد عليهما السلم الحسن افضل ام الحسين فقال الحسن افضل من الحسين [ص 639] قلتُ فكيف صارت الامامة من بعد الحسين في عَقبِهٖ دون ولد الحسن فقال ان الله تبارك و تعالي لميرد ذلك الّا ان يجعل سنة موسي و هرون جارية في الحسن و الحسين عليهما السلم الاتري انهما كانا شريكين في النبوة كما كان الحسن و الحسين شريكين في الامامة و ان الله عز و جل جعل النبوة في ولد هرون و لميجعلها في ولد موسي و ان كان موسي افضل من هرون ه ، ثم القاۤئم عليه السلم عجل اللّه فرجه لحديث : و تسعة من ذريّة الحسين تاسعهم قاۤئمهم اعلمهم رواه المقداد في شرح الباب الحاديعشر و في اخري تاسعهم قاۤئمهم اعلمهم افضلهم و حديث الوصيّة في قول النبي صلي الله عليه و اله لعلي عليه السلم في امر الوصية : و انا ادفعُها اليك يا علي و انت تدفعها الي وصيّك و يدفعها وصيُّكَ الي اوصياۤئك من ولدك واحداً بعد واحدٍ حتّي تُدْفع الي خير اهل الارض بعدك الحديث ، خرج تفضيل الحسن و الحسين عليهما السلم بحديث سيدا شباب اهل الجنّة و بقي الباقي و في معانيه روايات كثيرة ثم الائمة الثمانية عليهم السلم كلهم في الفضل ( سواء . خل ) و مما تحمل احاديث المساواة علي ذلك ثم فاطمة عليها السلم كما يشير اليه ما رواه في الفقيه فيما اوصي محمد عليا عليهما السلم و علي الهما يا علي ان الله عز و جل اشرف علي الدنيا فاختارني منها علي رجال العالمين ثم اطّلع ثانيةً فاختارك علي رجال العالمين ثم اطّلع ثالثةً فاختار الائمة من ولدك علي رجال العالمين ثم اطّلع رابعةً فاختار فاطمة علي نساۤءِ العالمين ه ، و هو يشعر بتفضيلهم عليها عليهم و عليها السلم و مثل حديث الانوار التي تزهر بها لعلي عليهم السلم فانها بقيت كذلك الي ان ولدت الحسين عليهم اجمعين السلام .
قال : « فقد ظهر من هذه النقول بعد شهادة البرهان للعقول ان [ص 640] للارواح كينونةً سابقة علي عالم الاجسام و العقول القادسة و الارواح الكلية عندنا باقية ببقاۤء الله فضلاً عن ابقاۤئه لانها مستهلكة الذّوات مطوية الانوار عند سطوع نور الجلال لايرومون النظر الي ذواتهم خاشعين للّه تعالي » .
اقول : امّا كون الارواح لها كينونيّة سابقة علي عالم الاجسام سبقاً دهريّا فهو ظاهر و امّا السبق الزماني فهو محل الخلاف و اكثر المحقّقين علي ان الارواح سابقةٌ علي الاجسام في الدهر و امّا في الزمان فالاجسام سابقة عليها لانها انما تتكون من الاجسام كالثمرة من الشجرة و المستفاد من كلام ائمة الهدي عليهم السلم انّ الروح موجودة في غيب النطفة كوجود الشجرة في النواة و الحبة في العود الاخضر قبل ان تظهر السنبلة و هو معني ما ذكره اكثر المحقّقين فيكون القول به متحقِّقاً نعم لو قلتَ انها موجودة في الزمانيات غير ظاهرة الكينونة اصبتَ و هو معني قول المحققين و الأن زيد الذي يخاطبك انّما تخاطبُك روحُه في هذا القفص و هي الأن ليست بذاتها في الزمان و انّما تكون في الزمان بتعلّقها بالجسم تعلّق التدبير فاذا قلتُ لك قام زيد سمعتَ اللفظ حين الخطاب بجسمك و آلاته و ادركتَ معناه بروحِك في مرتبتها من عالم الغيب فقد ادركتَ المعني قبل خلق السموات و الارض باربعة اٰلاف عامٍ ،
و قوله « و العقول القادسة » اي المتقدسة المتنزّهة بذاتها عن شواۤئب المواۤدّ العنصريّة و المدد الزمانية و الصور الهندسية لا انّها متقدّسة عن مطلق الماۤدة و مطلق المدة و مطلق الصورة كما توهمه اكثر المتأخرين بل لها مواۤدُّ نورانية و مُدَدٌ دهريّة و صور معنوية « و الارواح الكليّة » و هي الرقاۤئق الغيْبيّة فهي في عالم الغيب كالمُضَغ في عالم الشهادة بالنّسبة الي اطوار الجنين و العقل كالنطفة و تمام الخلقة كالنفس « عندنا باقية ببقاۤءِ اللّه » يريد انّها كالظلّ للشاخص بقرينة قوله « فضلاً عن ابقاۤئه » و هذا غلط ظاهر فاِنّ [ص 641] الاشياۤء كلها لا فرق بين الارواح و الاجسام قاۤئمة بامر الله الفعلي اي المشية قيام صدور و بامر الله المفعولي اي النور المحمدي (ص) قياماً ركنيا اي قيام تحقّقٍ قال الصادق عليه السلم في الدعاۤء كل شيء سواك قام بامرك ، فبقاۤء كلّ شيء بابقاۤء الله بدوام الامداد ،
قوله « لانها مستهلكة الذوات مطويّة الانوار عند سطوع نور الجلال » لان مادتها من ذلك النور و هيئتها اي صورتها من اثر هيئته كما تري من صورة الكتابة فان مادتها من المداد و صورها ( صورتها . خل ) من هيئة حركة يد الكاتب و لاتتوهم ان نور الله عز و جل كما يذهب اليه هؤلاۤء من انّه نور الذات الغير المصنوع فانهم لايعرفون اللّه تعالي و انّما نور اللّه هو فعله و هو مفعوله و اسماۤؤه و صفاته اي صفات افعاله و كلها محدثة مخلوقة بفعل الله اما الفعل فخلقه الله بنفسه اي نفس الفعل لانه فعل و ايجاد و لٰايحتاج في ايجاده الّا الي فعل و ايجاد و هو فعل و ايجاد فلايحتاج في ايجاده الي غير نفسه و امّا ما سوي الفعل فخلقه اللّه بالفِعل فهم مستهلكون بوجدانهم في انوار فعله و آيته الكبري « لايرومون النظر الي ذواتهم خاشعين للّه » فانين ( قائمين . خل ) في خدمته و مراقبتهم لحضرته ،
و قد ذكر الملا احمد اليزدي اعتراضات لبعض الناظرين في قوله « باقية ببقاۤء اللّه » لان ظاهره القول باتّحادها به تعالي و احببتُ ان اذكره مختصرا و اذكر جوابه ليظهر لك الحال ، قال في حاشيته : منها ان الاتحاد في الوجود لايتصوّر الّا بين الكلي و جزئي ذلك الكلي كالانسان الموجود بوجود جزئياته و لايصح الاتّحاد بين الامور الجزئية و لا بين الحقاۤئق المتباينة كالانسان و الفرس و الواجب ليس كلياً للعقول لتندرجَ تحته و منها ان التباين بين الانسان و الفرس دون التباين بين الواجب و الممكن و اذا امتنع في ضعيف التباين الاتحاد ففي شديد التباين بالطريق الاولي و منها ان للواجب بالذات خواص منها الّايكون [ص 642] مجعولا و للممكن خواص منها ان يكون مجعولاً فلو جاز الاتّحاد بينهما كان الشيء الواحِدُ مجعولا و غير مجعولٍ هف ، و منها ما ثبت انها متأصلة في نفس الامر و انّ لها علة جاعلة متقدمة عليها بخلاف الواجب فلو جاز الاتحاد فامّا ان تكون قديمة فيلزم انقلاب الحقاۤئق و ان بقيت علي امكانها مع اتحادها بجاعلها كان جاعلا لنفسه و متقدّما علي نفسه لان الجاعل متقدّم علي المجعول و منها ان وجود الواجب ضروري و وجودها جايـٔز فالوجود و العدم فيه سواۤء فلو جاز الاتحاد كان الشيء ضروريا جاۤئزا هف ، قال سلمه الله : و يمكن الجواب عن هذه الوجوه جميعاً بان المراد ان الارواح الكلية باقية ببقاۤئه ليس ما هو ظاهره كما فهمه المعترض بل المراد انهم لايلتفتون الي ذواتهم اصلاً بل يقصرون النظر في ذاته فما بقي في الوجود في نظرهم هو وجود الله تعالي لا غير فلا التفات لهم الي وجودهم فكانت الاثنينية مرتفعة في نظرهم و اذا كان الامر كذلك فكأنه صار وجوده وجودها اذ لا غير عندها الخ ، انتهي ملخّصا و انت خبير بان هذا الجواب غير رافع للاعتراضات اصلا لان الجواب انما هو بالاتّحاد في الوجدان و الاعتراض علي دَعوي الاتحاد في الوجود لانه هو المستلزم للبقاۤء بخلاف الاتحاد في الوجدان فانه لايستلزم البقاۤء و الاعتراض متّجه و لا مردّ له لان الايرادات نشأت عن حسن الفهم لا عن سوۤء الفهم .
قال : « قال سعيد بن جبير لميخلق الله خلقاً اعظم من الروح و لو شاۤء ان يبتلع السموات و الارضين في لقمة لفعل و قال بعضهم الروح لمتخرج من كن لانه لو خرج من كن كان عليه الذلّ قيل فمن اي شيء خرج قال من بين جماله و جلاله انتهي ، اقول معني كلامه ان الروح هو امره تعالي و قوله كن فهو نفس امره تعالي الذي به تتكوّن الاشياۤء فساۤئر الموجودات خلقت و كانت من امره و امره لايكون من امره و الّا لزم الدور او التسلسل بل [ص 643] عالم امره تعالي نشأ من ذاته نشو الضوء من الشمس و النداوة من البحر » .
اقول : قول سعيد بن جبير « لميخلق اللّٰهُ خلقاً اعظم من الروح » يريد به عقل الكل فانه عندهم قبل جميع المخلوقات و لميخلق اللّه شيئا قبله و هو غلط لانهم انّما تمسكوا بما ذكره بعض الحكماۤء بزعمهم انه تعالي بسيط من كلّ جهة و البسيط كذلك لايصدر عنه الّا واحد و بظواهر بعض الاخبار مثل اوّل ما خلق اللّه العقل و اوّل ما خلق اللّه روحي و قد غفلوا عمّا في نفس الامر و ذلك اما في زعمهم ان الواحد لايصدر عنه الّا وَاحد فهو ليس كما زعموا امَّا اوّلاً فلان الصادر عن صانعه لايصدر الا بواسطةِ الفعل لا من الذاتِ لان هذا ولادة و اذا ثبتَ بالعقل و النقل انّ العقل مفْعول و ان المفعول لايصدر من ذات الفاعل و انما يصدر من فعله و الفعل يتعدّد بتعدّد اوقاتِ الايجاد به و امكنة محدثاته فيجب تعدّد مفعولاته لكن الفاعل اذا كان مختاراً فهو في ارادته ان شاۤء فعل و ان شاۤء لميفعل لانه انما يفعل اذا كان المختار غنيّا بمقتضي المصلحة فلمّا اقتضت المصلحة وحدة اول مفعولٍ لميحدث الّا عقلاً واحداً و ليس لانه لايمكن الّا واحد و كيف لايمكن الّا واحدٌ و هو صادر عن فعل المختار و فعل المختار انما يكون في وقتٍ دون وقت و جهة دون جهة و هيئة ( دون هيئة . خل ) و ذلك موجب لتعدّد الصادر منه و لان كون البسيط الذي ليس له الّا جهة واحدة يجب اتحاد مفعوله انّما ذلك من معاني الخلق و امّا ثانياً فلانّ الخالق الذي يجب فيه اجتماع النقيضين و ارتفاعهما بحيث يكون اجتماعهما عين ارتفاعهما مثل اوليته نفس اخريته و ظاهريته عين باطنيّته و قربه عين بعده و علوه نفس ( عين . خل ) دنوه و هكذا من الامور المتناقضة مثل هو عالٍ عين ليس بعال و ظاهر عين ليس بظاهر و هكذا لايصح ان تقدّر قدرته علي قدر ادراك العقول فان من قدّر قدرة الله سبحانه [ص 644] علي قدر عقله هلك فحيث بعد صدور اكثر من واحد عن البسيط فيما تدركه عقولهم لايبعد فيما لاتدركه عقولهم و لاتقدّر قدرته علي قدر عقولهم قال الله تعالي و يخلق ما لايعلمون ،
و قوله « و لو شاۤء ان يبتلع السموات و الارضين في لقمةٍ لفعل » مأخوذٌ من ظاهر بعض الاخبار و هو كناية عن كبره او عِظَمهٖ ،
و قوله « و قال بعضهم ان الروح لمتخرج ( من كن . خد ) لانّه لو خرج من كن كان عليه الذلّ » قول له لانه انما استشهد به لانه ارتضاه و يريد هذا القاۤئل غير ما يريده علماۤء الدين عليهم السلام لانهم انما يريدون بالروح المخلوقة الصادرة من نور الانوار اعني الحقيقة المحمدية (ص) و من ارض القابليات و هي تطلق كما تقدم علي العقل الكلي عقل الكل و علي الروح الكلية و هؤلاۤء يريدون به عالم الامر اعني الفعل و علي رأيهم انّه قديم متّحد بالذات معلّلين بانه تعالي صنع الاشياۤء بذاته و الّا لاحتاج في صنعه الي غيره فبيّن ان الروح لو كانت مخلوقة للزمها ذلّ المصنوعيّة و الانفعال بل هي امر اللّهِ و كل كلامهم باطل لان هذه الروح مخلوقة صادرة من كن كصدور الصوت من القرع و ان اصطلحوا علي تسمية الفعل بالروح ففيه ان الروح عند اهل الشرع و اهل المعارف الالهية اذا اطلقت تبادرت الافهام الي الروح المخلوقة اعني العقل او الروح ، و امّا الذلّ فلازم لذاتها و ان لحقها العزّ بالله كغيرها من الامور الطيبة قال تعالي و لله العزّة و لرسوله و للمؤمنين يعني باللّه و من يستنكف عن عبادته و يستكبر فسيحشرهم اليه جميعاً و امّا هؤلاۤء فحيث حكموا باتحاده باللّه لزمهم تنزيهه عن الذلّ و نحن لمّا نزهنا المعبود عز و جل عن الاتّحاد بالسوي حكمنا علي الروح بالذل لذاتها و قد قال الله تعالي و هم من خشيته مشفقون و من يقل منهم اني اله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين و هؤلاۤء لايقولون بان الروح من السِوي ، قال الملا احمد اليزدي المذكور صاحب [ص 645] الحاشية في ان العالم حادث زماني قال : و هذا مبني علي ما قال يعني المصنف من ان العقول القادسة و الارواح الكلية باقية ببقاۤء الله دون ابقاۤئه فليست بعالمٍ بمعني ما سوي اللّه فافهم انتهي ، فتأمّل في هذا الكلام و ما ارادوا منه فانهم جعلوا الارواح و العقول ليست مما سوي الله تعالي ربي كيف خلقها ثم لمتكن سواه لا حول و لا قوة الّا بالله العليّ العظيم ،
و قيل للبعض القاۤئل « فمن اي شيء خرج قال من بين جماله و جلاله » اقول من عظيم وَساوسهم ان الروح تولّد لا بالايجاد الذي يعبّر عنه بكُن بل من جماله الذي هو نور الذات و جلاله الذي هو قدس الذات و طهرها و قهرها لكل شيء فلذا نزّه الروح عن الذلّ و الجمال قيل هو نور الذات و الجلال هو الحجاب و قيل الجلال هو حجاب الذات اي نورها الذي تحتجب به و الجمال نور الجلال و الحاصل هذا الاعتقاد ظاهر الفساد و لو وجّهنا قوله من بين جماله و جلاله قلنا ان جلاله و جماله القديمين هما عين الذات البحت و الذات البحت لميلد و لميولد و لميكن له كفؤا احد و الجمال و الجلال الحادثين ليس الّا فعله و صفات فعله باي اعتبارٍ او مفعوله و صفات مفعوله و كلّ له داخرون لايستكبرون عن عبادته ،
و قول المصنف « اقول معني كلامه ان الروح هو امره تعالي وَ قَوْلُهُ كن فهو نفس امره تعالي الذي به تتكون الاشياۤء » و انا اقول كأنهم لايعرفون الذي يراد من الروح حيث يريدون به امره الذي هو فعله و قوله و كن فهو نفس امره ايضا ظاهره ليس بصحيح بمعني انه ان اراد ان كن بلفظه حقيقة هو امره الذي هو فعله فنعم كن صورة الامر و قد جعلها الله سبحانه منه بهذا المعني لان ( لانه . خل ) في الحقيقة انما خصّت صورة الامر بكن للاشارة الي ان الفعل تكوين يشار [ص 646] اليه بالكاف التي هي الاشارة الي الكون و النون اشارة الي العين المكونة فقوله و كن نفس امره غلط يقول الصادق عليه السلام : لا كاف و لا نون و انما اراد فكان ، ثم انّا قد ذكرنا في الشرح مراراً متعدّدة ان الامر قسمان امر هو الفعل اي المشيّة و الارادة و الابداع و امر هو المفعول الاول يعني النور المحمدي فبالامر الاول قامت الاشياۤء قيام صدور و بالثاني قامت الاشياۤء قيام تحقّق يعني قياماً ركنيا ،
و قال المصنف « فساۤئر الاشياۤء خلقت و كانت من امره » يعني فعله و هذا صحيح عندنا و ان كان هو يعتقد ان كثيراً من الاشياۤء امور اعتبارية ليست مخلوقة كالامكان و الحدوث و امثالهما ،
و قال « و امره لايكون من امره و الا لزم الدور او التّسلسل » و اقول يريد ان كن امره فلايكون صادراً من كن الذي هو امره و هذا تصحيح لكلام ذلك البعض القائل و هذا ليس بصحيح لما قدّمنا ان الامر الذي هو الفعل خلقه الله بنفسه كما قال الصادق عليه السلام : خلق الله المشية بنفسها ثم خلق الاشياۤء بالمشية ، و هي الفعل المخلوق به فاذا كان مخلوقا بنفسه فاين الدور او التسلسل لانا لانريد ان نفسه شيء غيره لانه ايجاد و الايجاد محدث لايحتاج في ايجاده الّا الي ايجاد و هو ايجاد فلايحتاج في ايجاده الي غير نفسه ،
و قال المصنف « بل عالم امره نشأ من ذاته نشو الضوء من الشمس و النداوة من البحر » و اقول يريد ان الفعل نشأ من ذات الله مثل نشو الضوء من الشمس و الضوء ليس بفعل من الشمس و انا ماادري ما يريد المصنف هل يريد انه ولادة من ذاته تعالي او انه ظل لازم له تعالي او انه امر فرضي و انما يريد انه تعالي فاعل بذاته فذاته فعله و عبارته و ما يظهر من كلماته صادقة علي الثلاثة و كلها باطلة و قوله « و النداوة من البحر » و هي اجزاۤء صغار من ماۤء البحر نفسه فان اراد بالمَثلَيْنِ معني واحداً لميكن مريداً للثلاثة و انما يريد [ص 647] واحداً و هي الولادة لان النداوة ظاهراً ليست عرضاً للماۤء و ان اراد كونها عرضاً فهو يريد اوسط الثلاثة و علي كل تقدير فمراده باطل ليس من الحق في شيء و انما ذاته الازل و فعله في الامكان و الحدوث الراجح و اين الرب و اين العبد .
قال : « و قال ابنبابويه ايضا في كتاب الاعتقادات اعتقادنا في الانبياۤء و الرسل و الائمة عليهم السلم ان فيهم خمسة ارواح روح القدس و روح الايمان و روح القوة و روح الشهوة و روح المدرج و في المؤمنين اربعة ارواح و في الكافرين ثلاثة ارواح و اما قوله تعالي و يسئلونك عن الروح قل الروح من امر ربي فانه خلق اعظم من جَبريـٔل و ميكاۤئيل كان مع رسول الله صلي الله عليه و اله و مع الملاۤئكة و هو من الملكوت ، انتهي كلامه » .
اقول : انّ الخمسة الارواح هنا جواهر نفسانية بساۤئط يعني انّها حصص جزئيّة متشخّصة تشخّصاً نوعيّا و هو مرادنا بكونها بساۤئط و ذلك كاجزاۤء الشيء الواحد فان الشيء متعين بتعينات شخصية و اجزاۤؤه كل منها متعيّن بتشخصاتٍ نوعيّة لانّها حصص من النوع لاتتمايز التميّز الشخصي الّا بانضمام بعضها الي بعض و مرادنا بالتشخص الشخصي ما يفيد معني غير معني المادة و كل جزء قبل الانضمام اِذَا تَشخّص التشخصَ الشخصي افاد معني في نفسه غير ما يفيده بالانضمام و لذا قلنا ان كلّا منها تشخّصه نوعي بهذا المعني و الّا فانه اذا فصلت الحصّة الجزئيّة للشيء قبل الانضمام لزمها التشخص الشخصي بالنسبة اليها امّا بالنسبة الي المركب فتشخصها نوعي مثلا اذا قلت ق فان لها في نفسها تشخّصا شخصيّا بمعني انها غير قولك م لكن تشخصها في نفسها بالنسبة الي ما يتركب منها نوعي فتقول قم ، فتكون القاف بانضمامها الي باقي الحروف مفيدة معني شخصيا غير ما تفيده في قولك قلب و غيرهما في قدر [ص 648] و هذا معلوم لمن له معلوم فهذه الارواح ارواح جزئيّة للشخص الانساني فروح القدس هي روح العصمة و لاتوجد الّا في الانبياۤء و الرسل و الائمة عليهم السلم و بها يمتنعون من المعاصي الصغاۤئر و الكباۤئر مع القدرة عليها و التمكن منها اختياراً و روح الايمان و هي روح اليقين القاۤرّ في الجَنان بمطابقة عمل الاركان مما يُرضِي الرحمن و توجد في الانبياۤء و الرسل و الائمة عليهم السلام و في المؤمنين المستقري الايمان و روح القوّة و هي القوة التي يقدر بها علي حمل الثقيل و معاناة الاشياۤء الشاۤقة و روح الشهوة و هي التي بها يشتهي الاكل و الشرب و النكاح و ما اشبه ذلك و روح المدرج و هي القوة التي بها يدبّ في الارض و يدرُج و هذه الارواح الثلاث توجد في الانبياۤء و الرسل و الائمة عليهم السلم و في المؤمنين و في الكافرين و في ساۤئر الحيوانات فاذا اجتمعت مع روح "٢" القدس استولت علي الثلاث و مالت بها الي مقتضاها "-٢" من الطاعات بحيث لاتخرج عن سلطانها ابداً الّا ان يشاۤء الله تعالي فهي مستهلكة الالتفات الي مقتضي نفسها لغلبة روح القدس عليها و اذا اجتمعت مع روح الايمان و لمتكن معها روح القدس و كانت روح الايمان مطمئِنة او مطميـٔنّة راضيةً بل او راضيةً مرضية ما لمتكن كاملة كالاولي فان روح الايمان تستولي علي الثلاث من غير استهلاك فتكون الثلاث في اغلب احوالها تابعة لروح الايمان و قد تحيص حَيصةً فتميل بطبعها الي مقتضي ذاتها لعدم فناۤء طبيعتها بالكلية فتقارف المعاصي و تلمّ لمماً و تردّها بالمجاهدات روح الايمان الي الطاعة و التوبة و تستدرك ما قصّرت عنه او فرّطت فيه من مجاهدتها بالتوبة او بالندم و الاستغفار و هو كما روي قاۤئم مقام التوبة لمن لايريد بنيته الّا مراد الله و محبته ان الذين اتّقوا اذا مَسَّهُمْ طاۤئف من الشيطان تذكروا فاذا هم مبصرون اللهم اغفر لنا ما مضي من ذُنُوبنا و اعصمنا فيما بقي من اعمارنا انك اكرم [ص 649] المسئولين ففي اهل العصمة عليهم السلام خمسة ارواح و في المؤمنين اربعة ارواح و في الكافرين و المنافقين و المشركين و ساۤئر الحيوانات ثلاثة ارواح و ذلك قول الله عز و جل ان هم الّا كالانعام بل هم اضل ،
و امّا قوله « و يسئلونك عن الروح قل الروح من امر ربّي » ففيه وجه انه ( ان . خل ) الروح الحيواني اي المتحرك بالارادة و ذلك لان بعض اليهود اتوا الي النبي صلي الله عليه و اله و قالوا نسأله عن الروح فان اجاب فليس بنبيّ لانّ الانبياۤء حكماۤء لايتكلمون لاحد بما لايفهمه و ان لميجب فهو نبي و لمّا كان صلي اللّه عليه و اله حجة اللّه علي جميع خلقه و لايجوز ان يكون لله تعالي حجة يُسئل فيقول لاادري لميجز اَلَّايجيب اذا سُئِل و كان حكيما لايضع الاشياۤء في غير مواضعها و لايكلّم احداً بما لايفهمه اجاب بحقيقة الجواب علي نوع الايهام لعدم الجواب فقال من امر ربّي و ذلك بامر الله و تسديده لنبيّه و امر الله هو الحقيقة المحمدية كما ذكرنا مراراً و يطلق علي الفعل ايضا كما تقدّم الّا انّه في هذه الاية علي هذا التوجيه تتعين ارادة الحقيقة المحمدية منه بقرينة قوله من الدالة علي الابتداۤء فانّها لاتدخل الّا علي الماۤدة فتقول صغتُ الخاتم من فضّةٍ و خُلِقَ الاِنْسانُ من ترابٍ و الفعل لايصح اَن يكونَ ماۤدةً للمفْعولِ كما تري في الكتابة فانها ليست مركّبة من حركة اليد بان تكونَ ماۤدةً للكتابة نعم تكون صورته من هيئة الفعل كما تري صورة الكتابة من هيئة الفعل و امّا المفعول الحقيقي فكذلك و ان خفي علي اكثر الافهام توهّم ان ماۤدته من الفعل قياساً علي ما فهم من ضرَب ضرباً فانّ ضرباً هو المفعول الحقيقي و هو الذي يقع غاية و تأكيداً لانه ناشٍ منه و ليس كما فهم من ضرباً و ان كان ضرباً آيةً للمفعولاتِ بفعل اللّهِ الّا انّ احرفه ليسَتْ هي احرف ضرب بعينها و لا منها و انما هي مُصاغَةٌ في قالب احرف ضرَب بمعني ان المتكلم جذب هواۤءً الي جوفه [ص 650] و صاغه احرفاً بٰالةِ مخارج الحروف من لسانه و اسنانه و لهاته و حَلْقِه فلمّا قال ضَرَبَ و اتي بلفظٍ دٰاۤلٍ علي الفعل و اراد ان يؤكده باَثرِهٖ وَ الاتيان بغايته و اثره لايكون الّا بما يشابهه فجذَب هواۤء كالاوّل و صاغ حروفه في قالَبِ حروفه ليعلم اَنّه اثره و تأكيداً له ناشٍ عنه و ليس ناشياً منه و الفعل اَحْدثه الله بنفسه في الامكان الراجح و اخذ به هواۤء امكانيا من الراجح فصاغه به فيه و هو النور المحمدي صلي الله عليه و اله ثم بعد ما شاۤء الله من الدهور صاغ من هذا النّورِ و من قابليته التي هي الزيت الذي يكاد يضيۤء و لو لمتمسسه نار اي و لو لميتعلّق به الفعل المكنيّ عنه بالنّار اي المشيّة بالفعل المذكور عقلاً و هو عقل الكل المسمي بالعقل الكلّي و بالروح من امر اللهِ و هو النور الابيض و رُوحاً و هو روحُ القُدسِ و هو روح الكلّ المسمي بالروح الكلّي و بالروح من امر ربّي و قد يطلق علي النفس ايضا فيقال قبض ملك الموت روحه او نفسه و تطلق علي العقل قال صلي الله عليه و اله : اول ما خلق الله العقل و اوّل ما خلق الله روحي و قال الصادق عليه السلم : ان الله خلق العقل و هو اوّلُ خلقٍ من الروحانيين عن يمين العرش و فيه وجه اخر و هو انه ملك اعظم من جبريل و ميكاۤئيل و روي عنه عليه السلم و هو الذي اشرنا اليه بانّه من امر اللّه او من امر رَبّي و هو من الملكوت ، و اعلم انه قد وقع خلاف في الملكوت و قد اشرنا اليه قبل هذا فيما تقدم الي بعضه و الاكثر علي انه تحت الجبروت و الجبروت فوقه بناۤء علي ان الملكوت عالم النفوس و الجبروت عالم الارواح و قال بعض بالعكس و هو مروي ايضا و هنا في هذا الحديث فيه احتمالان ناشيان من انّ الروح المذكورة في الحديث المفسّر للاية هل المراد به العقل الذي هو من امرِ الله ام الروح التي هي من امر الربّ و الفرق في التعبير بين امر الله و امر الربّ انا نريد [ص 651] بامر الرب اي المربّي و هو اسم الرحمن الذي استوي برحمانيته علي العرش فاعطي كل ذي حقٍ حقه و ساق الي كل مخلوق رزقه و امر اللّه هو اسم الله و هو العقل و الالف القاۤئم و صورته في بساطته هكذا
و الالف المبسوط هو النفس اي اللوح المحفوظ و صورته هكذا
و الروح بينهما و صورتها هكذا
فافهم .
قال : « و قد اخذ هذا الكلام من احاديث ائمتنا المعصومين صلوات الله عليهم و المراد من روح القدس الروح الذي كان مع الله من غير مراجعةٍ الي ذاته و هو المسمي عند الحكماۤء بالعقل الفعّال و من روح الايمان العقل المستفاد الذي صار عقلاً بالفعل بعد ما كان عقلاً بالقوة و من روح القوة النفس الناطقة الانسانية و هي عقل هيولاني بالقوّة و من روح الشهوة النفس الحيوانية التي شأنها الشهوة و الغضب و من روح المدرج الروح الطبيعي الذي هو مبدأ التنمية و التغذية و هذه الارواح الخمسة متعاقبة الحصول في الانسان علي التدريج » .
اقول : قوله « اخذ هذا الكلام » الخ ، يريد به الصدوق (ره) ،
و قوله « و المراد من روح القدس » الي قوله « الي ذاته » يريد منه غير ما تدل عليه عبارته فان الذي تَدُلُّ علَيْه عبَارَتُه انه الروح المخلوقة و هو الملك الذي يكون مع الانبياۤء و الرُّسل و الائمة عليهم السلم وَ انّها مع اللّٰهِ بالاقْبالِ عَلَيْه و عدم الغفلة عن ذكرِهٖ و لذا قال و هو المسمي عند الحكماۤء بالعقلِ ٱلفَعَّال و امّا مُرَادُهُ فانه يعني به الروح الّذي هُوَ امرُه تعالي و هو كن و ليس صادراً من كن الذي هو امرُه و هو ناشٍ من ذاتِ اللّٰهِ نشو الضَّوْء من الشمس و النداوة من البحر كما تقدم الاشارة اليه و الي فَسادِهٖ ،
و امّا قوله « بالعقل الفَعّال » فاعلم انَّ العَقْلَ الفَعّال يطلقه الحكماۤء الالهيون الاوّلون علي عقل الكلّ الّذي فوَّض اللّه تعالي اليه الايجاد [ص 652] فهو باللّهِ يصنع ما دونَهُ و بعضهم و هم اصحاب العقول العشرة يطلقونه علي العقل العاشر الَّذي هو عقل العَناصر و قد قررنا بطلان قول هٰؤُلاۤءِ و لو فرض صحّته فالعقل الكلي اَحَقُّ بهذهِ الصِّفة و في العلل للصدوق بسنده الي عمر بن علي عن ابيه علي بن ابيطالب عليه السلام ان النبي صلي الله عليه و اله سُئِل مِمَّ خلق اللّه عز و جل ( العقل . خل ) فقال خلقه ملكاً له رؤس بعدد الخلاۤئق مَن خُلِق و مَنْ لَمْيُخْلَقْ الَي يومِ القيمة و لكل رأسٍ وجهٌ و لكل اٰدميٍّ رأسٌ من رؤس العقل و اسْم ذلك الاِنْسان علي وجه ذلك الرأس مكتوب و علي كل وجهٍ ستْرٌ ملقيً لايكشف ذلك السّتر من ذلك الوجه حتّي يولد هذا المولود و يبلغ حَدَّ الرِّجَال اَوْ حَدَّ النساۤءِ فاذا بلغ كشف ذٰلِكَ السِّتْرُ فيقع في قلب هذا الاِنْسان نور فَيَفْهم ٱلفريضة و السنّة و الجيّد و الرّدي اَلا و مثل العَقْلِ في القلب كمثل ٱلسِّرَاج وسط ٱلبيت ه ، اقول فهذا بعض ما ذكر من فعله في عالم الغيب و ما ذكر في فعله في عالم الشهادة و الشهادة قول اللّه عز و جل له اقبل فاقبل ثم قال له ادبِرْ فادبر فقال تعالي و عزتي و جلالي ماخلقتُ خلقاً احبّ اليّ منك بك اُثٖيبُ و بك اُعاقِب و لااكملتُكَ الّا فيمن احبّ ه ، اقول و قد تقدّم انه يكون مع الانبياۤء و المرسلين بوجهٍ من وجوهه و هو روح عصمتهم و لمينزل بكُلّه قبل ولادة محمد صلي اللّه عليه و اله و منذ نزل عليه لميصعد قطّ فهو بكلّه مع خلفاۤئه عليهم السلم و هو الأن بكلّه مع الحجة عليه السلم و هو باب اجابة المعصومين فمن كان عنده بوجهٍ فكلّما طلب من بابيَّةِ ذلكَ الوجه اتاه به ذلك الوجه و ليس غير ذلك الوجه و محمدٌ و آلُه صلّي الله عليه و اله هو عندهم بكله فكل ما يسألون منه يأتيهم به و هو نور ليلة القدر ، روي الحسن بن سليمن الحلي في مختصر بصاۤئر سعد بن عبدالله الاشعري و فيه عن الحسن بن عباس بن جريش عن ابيجعفر الجواد [ص 653] عليه السلام قال سأل اباعبدالله عليه السلام رجل من اهل بيته عن سورة انا انزلناه في ليلة القدر فقال ويلك سألتَ عن عظيم ايّاك و السؤال عن مثل هذا فقام الرجل قال فاتيتُه يوماً فاقبلتُ عليه فسألته فقال انا انزلناه نور عند الانبياۤء و عند الاوصياۤء لايريدون حاجةً من السماۤء و لا من الارض الّا ذكروها لذلك النور فاتاهم بها و فيه بهذا السند قال الصادق عليه السلام انا انزلناه نور كهيئة العين علي رأس النبي و الاوصياۤء عليه و عليهم السلم لايريد احدٌ منّا علم امرٍ من امر الارض او من امر السماۤء الي الحجب التي بين الله و بين العرش الّا رفع طرفه الي ذلك النور فرأي تفسير الذي اراد مكتوباً ه ، اقول قوله كهيئة العين قيل لعل المراد بالعين هنا عين الشمس و يحتمل اَنْ يكون المراد بها الدُّوربٖين انتهي ، و الذي افهم ان المراد بها عين تعقّله من دماغه عليه السلم ،
قوله « و من رُوح الايمان » يعني به المراد من روح الايمان « العَقْل المستفاد الذي صَارَ عَقْلاً بالفعلِ بعد ما كان عقلاً بالقوّة » اقول العقل لغةً الحبس و عند اهل الشراۤئع و الملل يطلق علي معانٍ علي حسب مراداتهم و مذاقاتهم الاول العقل الذي هو مناط التكليف الشرعي من حيث انه يدعو الي التأدّب بالاداب الشرعيّة بقدر الوسع او دون الوسع علما و عمَلاً فلايتوجّه الي فاقدهِ التكليف و قيل في تحديده بوجوهٍ متقاربة منها انه قوة غريزية يلزمها العلم بالضروريات عند سلامة الٰالاتِ فالناۤئم علي هذا التعريف لايسمي عاقلاً لعدم العلم و مثله ما يعرف به حسن الحسن و قبح القبيح و منها انه قوّة ادراك الخير و الشر و التمييز بينهما و التمكن من معرفة اسباب الامور و ما يؤدي اليها و ما يمنع منها و منها انه العلم ببعض الضروريّات و هو العقل بالملكة و قريبٌ منه ما قيل انه العلم بوجوب الواجب و استحالة [ص 654] المستحيل في مجاري العادات و منها انه عدم الجنون عما من شأنه ذلك فهو صفة اُولَي للانسان تدعو الي الافعال الحسنة و ضدّه الجهل و الهوي او صفة يستعِدّ بها لاستنتاج المجهولات من المعلومات و ضده الجنون المعني الثاني العقل هو العلم التام بالشيء الحاصل من التأمّل التاۤمّ فيه المعني الثالث هو التأدّب بالاداب الحسنة في طلب العلم بالاشياۤء من حيث حسنها و قبحها و كمالها و نقصها و نفعها و ضرّها و العمل بذلك المعني الرابع العقل هو التأدّب بالاداب المستفادة من التجارب بمجاري الاحوال المعني الخامس العقل هو جودة الذهن و سرعة انتقاله الي الدقاۤئق مع حبس النفس علي الحق و هو الذي اشير اليه في الحديث العقل ما عُبدَ به الرحمن و اكتسب به الجنان و قد يطلق عليه الذكاۤء و الفطنة و الفهم و البصيرة و كذا الكياسة و ان كان مع حبس النفس علي ضدّ الحق مع رعاية منافع الدنيا فقط فليس بعقلٍ بل تسمي النكراۤءَ و الشيطنةَ و الجربزة و الفطانة البتراۤء و يقابل هذا العقلَ الجهلُ و الحمقُ و الغباوةُ و البلاهة و البلادةُ المعني السادس العقل ميل النفس الي الافعال الحسنة و العقل بهذا المعني فطريّ و كسبي و كذا بالمعني الذي قبله و الفطري منه ما خلقه الله مع خلق النطفة و هو الاعلي من مراتب الفطري و منه ما يخلق عند الولادة و هو المتوسط و منه ما يخلق عند البلوغ و هو الادني و الكسبي ما يحصل بعد ذلك بتكرر مراجعة العقل في المعاني و معالجة الصناۤئع و وقته كلّ العمر و هو قول الحكماۤء في اشاراتهم ان زمنَ الربيع لايُعْدَم من العالم اي ان وقت تحصيل الكمالات لايفقد في اول العمر و في وسطه و في آخره و هذا الكسبيّ اختياري فمن طلب وجد و امّا الفطري فقيل انه اختياري عند التكليف الاوّل في عالم الذرّ و قيل انه ايجابي لان تنزّلات العقل الاوّل في [ص 655] المراتب الكونية عند ظهوره بها باذن الله عز و جل ايجابي تكويني اقول و الحق انه اختياري بل الحق انه ليس في الوجود اضطرار بل كل الموجودات مختارة لانها اثر المختار فهم من فهم و قد حقّقناه في مباحثاتنا و في الفواۤئد بما لا مزيد عليه و لا مناص عنه المعني السابع العقل هو النفس الناطقة الانسانية باعتبار مراتبها في استكمالها علما و عملا و يطلق هذا المعني علي نفس تلك المراتب و علي قواها في تلك المراتب و ذلك ان للنفس قوّة باعتبار تأثرها عما فوقها و تَلَقّٖيها ما يكمّل جوهرها من التعقلات و يسمّي ذلك عقلاً نظريّا و باعتبار تأثيرها في البدن بتكميل جوهره اختياريّا لانّه اٰلةٌ لها في تحصيل العلم و العمل و للنفس ايضا قوة اخري تسمي عقلا عمليّا ، و للاوّل اعني العقل النظري اربع مراتب الاولي استعداد بعيد للكمال و هو محض قابليّتها للادراك و يسمّي عقلا هيولانيا تشبيهاً بالهيولي المجردة عن الصور احترازاً عن الهيولي الثانية التي اخذت الصور فيها اعني الماۤدّة و هي الجسم الثانية استعداد متوسط لتحصيل النظريات بعد حصول الضروريات بالاولي و يسمّي عقلاً بالملكة يعني بالقوة لا بالفعل الثالثة استعداد قريب لاستحضار النظريات متي شاۤء و يسمي عقلاً بالفعل و قيل يسمي هذا عقلاً مستفاداً الرابعة الكمال و هو تحصيل النظريات مشاهدة و يسمي عقلاً مستفاداً و قيل يسمي هذا عقلاً بالفعل و قد يعتبر هذا بالقياسِ الي جميع مدركاته بحيث لايغيب عنه شيء و هو بهذا المعني انما يكون في الاخرة كذا قيل و منهم من جوّزه في الدنيا لنفوسٍ قويّة لاتشتغل بشيء و لا شك في وجوده في الدنيا مع اهل العصمة عليهم السلم و هو قوله تعالي : و لااكملتُكَ الّا فيمن اُحِبُّ ، و اهل محبّته علي الحقيقة محمد و اهل بيته الطاهرين عليه و عليهم السلم و من دونهم شيعتهم من الانبياۤء و المرسلين و الخصيصين من اتباعهم ، [ص 656] و للثاني و هو العقل العملي ايضا اربع مراتب الاولي تهذيب الظاهر باستعمال الشراۤئع المعنويّة الثانية تهذيب الباطن من المهلكات الرديّة و ترك الشواغل عن عالم الغيب الثالثة تجلّي النفس بالصور القدسية بعد القرب و الاتصال بعالم الغيب بمباشرة روح اليقين الرابعة انجلاۤء ضياۤء المعرفة بالفؤاد و استغراقه بانوار الجلال و الجمال و هو مَقام الصدق في المحبة مع الله في جميع المواطن بحيث لايفقده حيث يحب و لايجده حيث يكره ،
و اعلم ان ما يطلق عليه اسم العقل اثنان احدهما الجوهر الدرّاك للاشياۤء و هو متعلق بباطن الجسم الصنوبري الذي في الصدر و هو القلب الذي عناه اللّه سبحانه بقوله تعالي و لكن تعمي القلوب التي في الصدور تعلّق التدبير و مرادنا بقولنا بباطن الجسم انه لايتعلق بالاجسام الّا بالواسطة و الواسطة هنا هي النفس المسماة بالصدر فان المراد بالصدر هنا هو النفس و الخيال فانه صدر القلب الذي هو العقل الجوهري و هو رأس من العقل الكُلي او وجهٌ منه فالنفس مستنيرة باشراقه عليها كاستنارة الجدار باشراق الشمس عليه و ثانيهما فعله و ادراكه و بصره و سمعه و هو متعلق بباطن الدِّماغ و مُرادنا بباطن الدماغ الذي في الرأس فعل النفس و الخيال و ادراكهما و بصرهما و سمعهما و ذلك في دماغ الرأس فهما اي فعل النفس و الخيال و ادراكهما و بصرهما و سمعهما مشرقانِ باشراق وجه العقل عليهما كاشراق النفس و الخيال باشراق القلب عليهما و الاوّل رأس من عقل الكل و ذلك الرأس هو امر اللّهِ ٱلخاۤصّ بعقل ذلك الشخص و عقل ذلك الشخص الخاص به الّذي يقبل الزيادة و النقصان هو اشراق وجهه اعني الرأس الخاص به من العقل الكلّي عليه فالاشراق عقل الشخص يزيد باصلاح قلبه بحسن الغذاۤء و بالاعمال الصالحة و النيات الخالصة و ينقص بعكس ذلك و امّا وجهه الخاص به من عقل [ص 657] الكل فلايزيد و لاينقص و المستفاد و بالفعل هو القابل للزيادة و النقصان و حيث كان اختيار المصنّف ان المستفاد هو النّهاية جعله روح الايمان و كان الّذي يجول في خاطري ان المرتبة الثالثة هي المستفاد و بالفعل هي الرابعة . ثم اعلم ان روح الايمان ليست هي العقل لان العقل هو وجه الوجود اعني الفؤاد الذي هو حقيقة الشيء من ربّه و هو نور اللّه الذي ينظر به المؤمن و له هيكل معنوي مركب من حدودٍ جبروتيّة معنوية احدها روح الايمان فروح الايمان ركن من اركان العقل الشرعي لانه نور صُوِّر علي هيئات هياكل التّوحيد و قوله في وصف المستفاد الذي صار عقلاً بالفعل بعد ما كان عقلا بالفعل ( بالقوة . خط ) ، يريد بالفعل ما يقابل القوة لا قسيم المستفاد ،
و قوله « و من روح القوة » اي المراد من روح القوة في الحديث « النفس الناطقة الانسانية و هي عقل هيولاني بالقوّة » ليس بصحيح لان العقل بجميع انواعه قوي للنفس الناطقة الانسانية لانه ان اراد بها الفلكية اي الحيوانية الحسّية فهذه مركب للنفس الكلية التي هي مركب العقل و ان اراد بها الناطقة القدسية فالعقل من قواها بل هو مركبها و هي روحه لانّها هي الفؤاد من عرف نفسه فقد عرف ربّه علي ان الامام عليه السلام في نفس حديث الارواح الخمس فسّرها بالقوة التي يحمل بها الاثقال و لهذا تكون في كل حيوان ناطق او صامتٍ و اين هذه من العقل الهيولاني الذي النور الاوّلي اعني اوّل اشراق وجهه من عقل الكل علي باطن قلبه الصنوبري ،