و قال المصنف « و الثالث يحتمل وجهين » يعني الارادة و الشعور و عدمهما و ليس كذلك بل كما قلنا من انّه ( قد . خ‌ل ) يشعر و قد لايشعر و قد يريد و قد لايريد لا انّه يحتمل ان يكون ذا ارادة و شعور و ان لايكون كذلك فتكون حالاته واحدة في كل ما يصدر عنه بباعث مسخّرة بل يكون في بعض الاحوال مشعِراً بل و مريداً بسبب داعي طبيعته كالمجبور علي النكاح مثلا فانّه لو لم‌يشعر او لم‌يرد لم‌يحصل له الانعٰاظ (ظ) و ان كان بداعي الطبيعة البشريّة و قد يكون في بعض الاحوال غير مريد و لا مشعرٍ و لو قال يحتمل ذلك في حالين لكان اصح لعبارته و معناه ،

قوله « و صانع العالم فاعل بالطبع عند الدهريّة و الطباعية » الي اخره ، قال في الكتاب الكبير : و اذا علمتَ اقسام الفاعل فاعلم انه ذهب جمع من الطباعية و الدهريّة خذلهم اللّه الي ان مبدأ الكل فاعل بالطبع و جمهور المتكلمين الي انه فاعل بالقصد و الشيخ الرئيس وفاقاً لجمهور المشّاۤئين الي انّ فاعليته للاشياۤء الخارجيّة بالعناية و الصور العلمية الحاصلة في ذاته علي راۤئهم ( رأيهم . خ‌ل ) بالرضا و صاحب الاشراق تبعاً لحكماۤء الفرس و الرّواقيين الي انه فاعل الكل بالمعني الاخير اي بالرضا و سنحقّق لك في مستأنف الكلام في الاصول الاتية انشاۤء الله تعالي ان فاعل الكل لايجوز اتّصافه بالفاعلية باحدٍ من الوجوه الثلاثة الاُول و ان ذاته ارفع من ان تكون فاعلاً بالمعني الرابع لاستلزامه مع قطع النظر عن الاضطرار التكثّرَ بل التجسّمَ ، تعالي عن ذلك علوا كبيرا فهو امّا فاعل بالعناية او بالرضا و علي اي الوجهين فهو فاعل بالاختيار بمعني ان شاۤء فعل و ان لم‌يشأ [ص 612] لم‌يفعل لا بالايجاب كما توهمه جماعة من الناس فان صحّة الشرطيّة غير متعلقةٍ بصدقِ شيءٍ من مقدّمها و تاليها بل وجوبه و كذبه بل امتناعه الا انّ الحق هو الاول منهما فان فاعل الكل كما سيجيۤء يعلم الكل قبل الوجود بعلمٍ هو عين ذاتِه فيكون علمه بالاشياۤء الذي هو عين ذاته نشأ لوجودها فيكون فاعلاً بالعناية انتهي كلامه ، اقول قد فسّر الفاعل بالعناية قبل هذا الكلام بانه الذي يكون علمه بالشيء بنحو اصلحه بحسب نفس الامر منشأً لفعله من دون قصدٍ زاۤئدٍ علي العلم و داعية خارجة عن ذاتِ ٱلفاعِل ، فاقول : ما المراد من قوله : من دونِ قصْدٍ زاۤئدٍ الخ ، هل يريد بالقصدِ ٱلزاۤئد داعياً غير نفسِ الفعل ام يجعله نفس الفعل فان اراد به غير الفعل فعندنا انه لا شك انه تعالي ليس له داع غير نفس فعله لان ارادته و قصده و مشيته نفس ايجاده تعالي لانّه لايهمّ و لايفكّر و لايروّي و ان اراد به شيئا غير فعله فتعالي ربي عن ذلك و ان اراد بان الفاعل لايكون فاعلا بالعناية الّا بلحاظ عدم مطلق القصد اي باي معني يكون فلايصح هذا الكلام لان مَن يفعل بغير قصد ليس بمختار وَ جَعْلُه العلم قصداً و ارادة لانه ذاته تعالي و هي ارادة ليس بصحيح لان ذاته و علمه الذي هو ذاته غير منتظرٍ لشيءٍ و لا محصّلٍ لشيء بل كلّ شيء حاصل له قبل الفعل و بعده علي حدٍ واحدٍ فقصده و ارادَتُه لما يفعل فعله له لا غير و لايصح ان يفعل بغير ارادة فيكون فاعلا بالطبيعة او بالجبر و لا ان يكون له ارادة غير فعله فيكون ذا ميلٍ و داعٍ و ذا فكر و تَرَوٍّ اذ من كان كذلك فهو مصنوع غير صمدٍ بل يكون للاشياۤء مدخل فيه تعالي ربّنا عن ذلك فلايكون فاعلاً بالعناية الا علي معني انّه فاعل بالقصد و لايكون فاعلاً بالقصدِ الّا علي معني ان قصده عين فعله لا غير الّا اذَا اريد بالفاعل الفاعل الممكن و المصنف صرّح في الكتاب الكبير بانه تعالي فاعل بالعناية كما سمعتَ من كلامه ،

و ذكر الملّا [ص 613] احمد في حاشيته علي المشاعر انّ الحق عند المصنّف هو القسم الاخير الذي ذكرنا اعني الفاعل بالتجلّي و لكنه بحسب مقامٍ آخر و مرتبةٍ اُخري و هو هٰهنا في مقامٍ اخر فلا منافاة بين ما حقّقه هٰهنا و بين ما هو الحق عنده فخذ هذا و كن من الشاكرين انتهي ، اقول ان القول بانه فاعل بالتجلّي كالقول الاوّل فيما يرد عليه فان معناه ان الاشياۤء المحدثة هيئات صفات ذاته قياساً علي ظهور المقابل للمرءاة بهيئة صورة ذاته وَ لو صح هذا لعرفت صفات ذاته بهيئاتها فتكون مدرَكةً كما انك تعرف صفات المقابل للمرءاة و تدرك هيئاته بواسطة صورته في المرءاة فتكون نفسك هي صفة ذاته التي تجلّي بها لك و الحق ان المعروف بمَعْرفة النفس انما هو الصفة التي تعرّف لكَ بها من توصيفه و هي حادثة بفعله فهي صفة استدلال عليه لانها صفة الوصف و التعريف لا صفة تكشف له لكونها صفة ذاته و ربّما كان قول المصنف في الكتاب الكبير الذي نقلناه في بيان الفاعل بالاختيار قال : بمعني ان شاۤء فعل و ان لم‌يشأ لم‌يفعل ، و لم‌يقل و ان شاۤء ترك او و ان شاۤء لم‌يفعل يشير الي انه فاعل بالتجلّي و قد قلنا انه كالقول بالعناية و يريد بتغيير العبارة في قوله : و ان لم‌يَشأ لم‌يفعل ، انّه شاۤءٍ لما يريد فعله في الازل قبل ان يفعله و ان لم‌يشأه في الازل لم‌يشأ ان يفعله في الامكان ، و قد ذكرنا في شرحنا في مواضع متعددة انه قبل ان يفعل له ان يفعل و ان لايفعل و كل ذلك عن قصدٍ خاۤصٍّ بالمفعول هو نفس فعله و امّا نحن فنقول اذا شئنا هو فاعل بالتجلّي و هو حق و اذا قال المصنّف انه فاعل بالتجلّي فليس بصحيح لانا نريد انه سبحانه تجلّي للعباد بايجادهم لا بذاته فانه تعالي لاتتغير حاله فكان غير متجلٍّ في الازل ثم تجلّي و مَن كان كذلك فهو حادث لاختلاف احواله و ان كان متجلّياً في الازل كان ما تجَلّي به قديماً تعالي ربي بخلاف قول المصنف الذي يري ان خلقه منه بالسّنخ [ص 614] و ان وجودهم وجوده فعنده اذا تجلّي فانما تجلّي بذاته و هذا باطل ، و قوله : و علي اي الوجهين فهو فاعل بالاختيار ، ليس علي مراده بصحيح لانه لايريد بالاختيار انّه ان شاۤء فعل و ان شاۤء ترك بل يريد انّه راضٍ بفعله و ان كان لا بد ان يفعل اوْ انه في علمه انه يفعل فليس له الّايفعل و علي اي الوجهين فهو فعل بالاضطرار و قد بيّن في هذا الكتاب ان القول بانه فاعل بالتجلّي للصوفيّة ،

و قوله « و لكلٍ وجهةٌ هو مولّيها فاستبقوا الخيرات » يريد به من الاية مراد الصوفيّة بانه تعالي هو يسيّرهم في هذه الجهات بالعناية السابقة و العلم الازلي لا غير كما قال هو الذي يسيّركم في البر و البحر اي في الاقوال و المعاني او في الغيب و الشهادة او في الاجسام و الارواح او في الاحكام و الاعتقادات و ليس الامر كما زعم لانه تعالي لو اجري الايجاد علي ما ذهب اليه او التكاليف للَزم الجبر في افعال العباد و لتساوت الخلاۤيـٔق في الايجاب بل يجب الاتّحاد فلايوجد الّا شخص واحد لان فعله واحد بجهة واحدة بل يبطل الايجاد لعدم جواز التكليف الذي هو الغاية في الصنع بل الحق انه سبحانه اجري صنعه علي مقتضي القابليات التي هي الاعمال و الاقوال و الاعتقادات و لكل شخصٍ او اهل مذهبٍ وجهةٌ من اعمالهم هو مولّيها باعمالهم كما قال تعالي بل طبع الله عليها بكفرهم فلايولّيها بفعله و علمه الّا بقوابل اعمالهم و ماظلمناهم و لكن ظلموا انفسهم و في هذا فاستبقوا الخيرات .

قال : « المشعر الثاني - في فعله تعالي . فعله تعالي امر و خلق امره مع الله و خلقه حادث زماني و في الحديث انه قال رسول الله صلي الله عليه و اله اوّل ما خلق الله العقل و في رواية القلم و في رواية نوري و المعني في الكل واحد و في كتاب بصاۤئر الدرجات لبعض اصحابنا الاماميّة رضي الله عنهم قال حدثنا يعقوب بن يزيد عن محمد بن ابي‌عمير عن هشام بن سالم قال سمعتُ اباعبدالله [ص 615] عليه السلم يقول و يسألونك عن الروح قل الروح من امر ربّي قال خلق اعظم من جبرئل و ميكاۤئيل لم‌يكن مع احدٍ ممن مضي غير محمد صلي الله عليه و اله و هو مع الائمة عليهم السلم يسدّدهم ، انتهي » .

اقول : هذا الكلام من المصنّف في بيان فعل الله تعالي و ذكره للعقل يظهر منه انه هو الفعل و هو غلط ظاهر فان العقل من المفعولات و ليس اوّل مخلوقٍ منها و انما هو اوّل مخلوق من المركبات و المقيّدات ففي الكافي عن الصادق عليه السلم انه قال ان العقل اوّل خلقٍ من الروحانيين عن يمين العرش الخ ، و العرش المذكور له اربعة اركان و هذا العقل الايمن منه و روي انّ القلم اوّل غصن اخِذ من شجرة الخلد فتكون شجرة الخلد خلقت قبله و في تاريخ الحسن العسكري عليه السلام : و روحُ القدس في جنان الصاقورة ذاق من حداۤئقِنا الباكورة ، فتكون جنان الصاقورة غرسوها عليهم السلام قبل ان يخلق روح القدس و هو العقل و هو القلم المأخوذ من شجرة الخلد و لمّا اثمرت كان اوّل مَن اكل من ثمرها روح القدس يعني انه اوّل مَن ذاق ثمرة الوجود من حداۤئق محمد و اله صلي الله عليه و اله و ذلك لان اوّل ما صدر من فعل الله سبحانه و ايجاده الحقيقة المحمديّة كما قال صلي الله عليه و اله حين سأله جابر بن عبدالله الانصاري عن اول ما خلق اللّه فقال : نور نبيك يا جابر الحديث ، و هو الماۤء الذي منه كل شيء حي ثم ساقه الي ارض الجرز و الارض الميت اعني ارض القابليات فانزل بها الماۤء فاخرج به من كل الثمرات و اوّل مَن خرج و اكل فاكهة الوجود العقل و فعل الله تعالي هو مشيته و ارادته قال الصادق عليه السلم : خلق الله المشية بنفسها ثم خلق الخلق بالمشية ه‍ ، فامر الله هو فعله و هو مشيته و ارادته و ابداعه قال الرضا عليه السلم : المشية و الارادة و الابداع اسماۤؤها ثلاثة و معناها واحد و قال الصادق عليه السلم : [ص 616] الارادة من الخلق الضمير و ما يبدو لهم بعد ذلك من الفعل و اما ارادة الله فاحداثه لا غير لانه لايروّي و لايهمّ و لايفكّر ه‍ ،

و قوله « امر و خلق » تفسير لفعل اللهِ مجاز قد يتسامح فيه لكنا نقول فعل الله تعالي هو امره و يطلق الامر علي الفعل و هو ما قامت به الاشياۤء كلها قيام صدور و علي المفعول الاوّل و هو نور الانوار و الحقيقة المحمدية (ص) و هو ما قامت به الاشياۤء قياماً ركنيّاً و مثالهما اذا قابلتَ المرءاة انطبعت فيها صورتك فالصورة المنطبعة شعاع من صورتك التي قامت بك فهي قاۤئمة بصورتك قيام صدورٍ و الصورة المنطبعة في المرءاة قاۤئمة بهذا الشعاع قياماً ركنيا لان هذا الشعاع القاۤئم بصورتك قيام صدورٍ هو مادّة الصورة المنطبعة في المرءاة و صورتها هيئة المرءاة من بياض او سواد و استقامة او اعوجاج و صفاۤء او كدورة و كبر او صغَرٍ و هي قاۤئمة بمادتها قياما ركنيّا فافهم فالفعل هو الامر و المفعول من الخلق و الحقيقة المحمديّة اوّل مخلوق صدر عن فعل اللّه فاذا صدرَ المفعول عن فعل الله فالفعل هو الامر الفعلي و اذا صدر عن المفعول فالمفعول حامل لفعل اللّهِ كالحديدة الحاملة لحرارة النارِ فكما ان الحديدة لاتحرق بنفسها و انما تحرق بحرارة النار الحاملة لها كذلك المفعول لايكون امْراً لِلّهِ بمعني فعله و لا ان يصدر عنه شيء الّا لكونه محلّاً لفعلِ اللّه فافهم ،

و قوله « امره مع اللّهِ » قال الملا احمد صاحب الحاشية المذكور سابقا فان قلت كيف يكون امره معه و هو تعالي علّة له و هي متقدمة علي المعلول و هو لايكون في مرتبة العلّة قلتُ المراد بالمعية بقرينة المقابلة عدم تجدّده و استمراره او المراد بقاۤؤه ببقاۤئه كما سيجيء عن قريب انتهي ، و فيهما ان كون امر الله مع اللّهِ كما تدل عليه المقابلة باطل اَمّا ان اللّه تعالي مع كلّ شيء فَحقٌّ بمعني انّه مَعهُ به و بما لَهُ و عليه و ماكنا عن الخلق غافلين و امّا انّ الامر مع الله فحقٌّ بمعني انه لايخرج عن سلطانه [ص 617] و ملكِهٖ ابداً لا كما توهّماه من البقاۤء فانه فانٍ مستحيل في ذات الله تعالي ممتنع الوجود و البقاۤء بل وجوده و بقاۤؤه في الامكان الراجح غير متناهٍ فيه و ان كان متناهيا عند اللّهِ فانيا في رتبة ذاته مستحيل الوجود و امّا ان الله تعالي علّة ، فباطل لان اللّه سبحانه ليس علة لشيء بل كل شيء علّته صنعه و هو فعله و صنعه علّته نفسه باللهِ كما قال الصادق عليه السلم خلق اللّه المشية بنفسها ثم خلق الخلق بالمشية ، فالمشية علّتها نفسها باللّه كما ان علّة الاشياۤء هي فعل اللّه الذي هو المشيّة باللّه فكما نقول علّة الاشياۤء فعل الله كذلك نقول علّة فعله نفس الفعل لان الاشياۤء خلقت بالفعل و الفعل خلق بنفسه كما تقول علة الكتابة حركة يد الكاتب لا ذات الكاتب و ليس لك ان تقول ان ذات الكاتب علة العلّة لان المعلول يدلّ بهيئته علي هيئة علته كما تدل الكتابة هي بهيئتها علي هيئة حركة اليد و لاتكون شيء من ذلك دالّا علي الكاتب بوجه من الوجوه الّا علي وجود صانعٍ لاتنتهي صنعته اليه و انّما تنتهي الي فعله و حركته و الفعل لاينتهي الي الذات و الّا لساوقها في الوجود كما ساوقت الكتابة حركة يد الكاتب و من هنا قال اميرالمؤمنين صلوات الله عليه و علي اله الطاهرين : انتهي المخلوق الي مثله و الجأه الطلب الي شكله و قال (ع) : علّةُ ما صنع صنعُه و هو لا علّة له الخ ، و الحاصل ان اطلاق العلة عليه علي نحو الحقيقة غير جاۤئز الّا علي معني انّه فاعل بفعله لا كما يقولون انه فاعل بذاته بل علي معني ان الاشياۤء بجميع انحٰاۤئِها من مواۤدها و صورها وجوداتها و ماهياتها مقبولاتها و قابلياتها و كل شيء منها و لها مستندة الي فِعْله تعالي خاۤصة و امّا كون بقاۤئه ببقاۤئه فلا بل بقاۤؤه بما يمدّه من الامدادات الامكانية الغير المتناهية و هي قد احدثها الله سبحانه لا مِن شيء و اقامها بنفسها كما قال عليه السلم : يمسك الاشياۤء باظلّتها ، اي بذواتها و قوام كل شيء بفعله و بامداده ممّا [ص 618] احدث من الخزائن الامكانية التي لاتنفد و لاتتناهَي لا اله الا هو ،

و قوله « و خلقه حادث زماني » يعني احدثه في الزمان فالزمان ظرف لاحداثِه و هذا الحصر محصور اذ ليس كل مخلوقاته زمانية فان نور محمد و اله صلي الله عليه و اله مخلوق قبل ان يخلق الله شيئا و الزمان انما هو ظرف الاجسام و لايصح ان يكون ظرفا لغيرها فلايصح ايجاده قبل الاجسام و الامكنة و لا ايجادهما قبله بل هي اي الثلاثة متساوقة الوجود و ايضا اذا كان الخلق حادثا زمانيا فالزمان يكون حادثا زمانيا او ليس بحادث او هو من الامر ماادري ما اقول لهؤلاۤء ،

و قوله « و في الحديث انه قال رسول الله صلي الله عليه و اله » الخ ، قد تقدّم ان العقل هو القلم و هو ملك و المراد به عقل محمد و اله صلي الله عليه و اله و هو وجه وجودهم الذي نسميه بالماۤء الذي جعل منه كل شيء حي و كان عرشه علي الماۤء و بالحقيقة المحمديّة و بامر الله المفعولي الذي به قامت الاشياۤء لان مواۤد جميع الاشياۤء منه و في الدعاۤءِ : كل شيء سواك قام بامرك ، و من الاشياۤء القاۤئمة بامر الله المفعولي العقل المذكور و هو وجه تلك الحقيقة و هو القلم و هو الروح من امر الله و كذلك الحقيقة ملك و في الحديث عن الصادق عليه السلام حين سأله سفيٰن الثوري عن قوله ن و القلم و ما يسطرون قال : نون ملك يؤدي الي القلم و هو ملك يؤدّي الي اللوح و هو ملك يؤدي الي اسرافيل الحديث ، فنون الحقيقة المحمدية و القلم عقله و اللوح نفسه صلي الله عليه و اله و لا شكّ ان العقل ملك اعظم من جبرئل و ميكاۤئيل و الملاۤئكة اجمعين و عظمة هذا الملك فوق ما نصف و لكنه مركب من الوجود و الماهية فوجوده مسّ النار اي نار المشية و هو اثرها اي الحقيقة المحمديّة و ماهيته ارض القابليّة اي الزيت الذي يكاد يضيۤء و لو لم‌تمسسه نار و قد تقدم بيانه في بيان السراج لانه هو المذكور في قوله تعالي مثل نوره كمشكوة فيها [ص 619] مصباح فنوره المشبّه بالمصباح هو العقل بقرينة ذكْر زَيْتِه و مسّ النار له و لايكون الّا في المركب و ما قبله ليس بمركب ظاهراً لانه مسّ النار في المصباح و الزيت و في النبات الماۤء و الارض الميتة و الارض الجرز و قوله عليه السلم : لم‌يكن مع احدٍ ممّن مضي غير محمّدٍ صلي الله عليه و اله يعني بكلّه و الّا فكل نبيّ يكونُ معه بوجهٍ من وجوهه او رأسٍ من رؤسه بل و يكون مع ساۤئر الاولياۤء و مع المؤمنين بل و مع غيرهم حالة سلوكهم طريق الحق و لهذا قال صلي الله عليه و اله لحَسّان بن ثابت لمّا قال شعره المشهور يوم الغدير الذي اوّله :

يناديهمُ يوم الغدير نبيّهم بخُمٍّ و اَسْمِع بالنبيِّ منادِيَا

قال (ص) : لازلتَ مؤيّداً بروح القدس ما نصرتَنا بلسانك ، مع علمه انه يتغيّر عن الصلاح و لذا قيّد الدعاۤء نعم لايوجد روح القدس بكل جهاته الّا عند محمد و اهل بيته صلي الله عليه و اله و لايسعه غير قلوبهم لانه باب اللّه الي جميع من هو دونه من خلقه و يكون عند الائمة عليهم السلم وَاحِداً بعدَ واحدٍ و لم‌ينزل الي الارض الّا علي محمد صلّي اللّه عليه و اله و منذُ نزل ماصعِد و هو الأن مع الحجة عليه السلم عجل الله فرجه .

قال : « و قال محمد بن علي بن بابويه قدّس الله روحه في كتاب الاعتقادات اعتقادنا في النفوس انّها الارواح التي تقوم بها حيوة النفوس و انّها الخلق الاول لقول النبي صلي الله عليه و اله و سلم ان اوّل ما ابدع اللّه هي النفوس المقدسة المطهّرة فانطقها بتوحيده ثم خلق بعد ذلك ساۤيـٔر خلقه و اعتقادنا فيها انها خلقت للبقاۤءِ و لم‌تخلق للفناۤءِ لقوله صلّي اللّه عليه و اله ماخلقتم للفناۤء بل خلقتم للبقاۤء و تنقلون من دارٍ الي دارٍ ، و انّ الارواح في الدنيا غريبة و في الابدان مسجونة و اعتقادنا فيها انها اذا فارقت الابدان فهي باقية منها منعّمة [ص 620] و منها معذّبة الي ان يردها عز و جل الي ابدانِها و قال عيسي بن مريم عليه السلم للحواريين اقول لكم الحق انه لايصعد الي السماۤء الّا ما ينزل منها و قال جل ثناۤؤه و لو شئنا لرفعناه بها و لكنه اخلد الي الارض و اتّبع هواه » .

اقول : قال الملا احمد اليزدي صاحب الحاشية هنا المراد بالنفوس هٰهنا هو العقول فانّ النفس بمعني الذات قد تطلق عليه و المراد بالنّفوس ثانياً هو ما هو المصطلح عليه و قوله فانطقَها بتوحيده لعلّ المراد بانطاقها هو جعلُ وجودِها بحيث تدل علي توحيده فتأمّل انتهي ، و لعلّ مراده بالنفوس الاولي الذوات او العقول او الذوات هي العقول كما ذكر المحشّي و هذه الاحتمالات مما تحتمله عبارته لا ممّا يريده لانه انّما يُرِيدُ ما قاله مَن قبلَهُ اِنْ وقَف عليه و الّذي يطابق ما في نفس الامر ما ذكرناه مراراً مكرّراً ان اوّل ما خلق بفعله نور محمد صلّي اللّه عليه و اله كما دلّت عليه الاخبار الكثيرة منها ما رواه فضل الله بن محمود الفارسي في كتابه رياض الجنان بسنده الي جابر بن عبدالله قال قلتُ لرسول اللهِ صلي الله عليه و اله اوّل شيءٍ خلقه الله تعالي ما هو فقال : نور نبيك يا جابر خلقه الله ثم خلق منه كل خير ثم اقامه بين يديه في مقام القرب ما شاۤء الله ثم جعله اقساما فخلق العرش من قسم و الكرسي من قسم و حملة العرش و خزنة الكرسي من قسمٍ و اقام القسم الرابع في مقام الحب ما شاۤء الله ثم جعله اقساماً فخلق القلم من قسم و اللوح من قسم و الجنّة من قسم و اقام القسم الرابع في مقام الخوف ما شاۤء الله ثم جعله اجزاۤءً فخلق الملاۤئكة من جزءٍ و الشمس من جزء و القمر و الكواكب من جزء و اقام الجزء الرابع في مقام الرجاۤء ما شاۤء الله ثم جعله اجزاۤء فخلق العقل من جزء و العلم و الحلم من جزءٍ و العصمة و التوفيق من جزءٍ و اقام القسم الرابع في مقام الحياۤء ما شاۤء اللّه ثم نظر اليه بعين الهيبة فرشح [ص 621] ذلك النور و قطرت منه مائة الفٍ و اربعة و عشرون الف قطرة فخلق الله من كلّ قطرة روح نبي و رسول ثُمَّ تنفّست ارواح الانبياۤء فخلق الله من انفاسها ارواح الاولياۤء و الشهداۤء و الصالحين ه‍ ، و غير ذلك من الاخبار و الحاصل انا اذا اردنا توفيق كلامه او بيان ما هو الواقع من عبارته بتوجيهها و صرفها الي النحو الحق قلنا المراد بالنفوس الاولي ذوات محمد و اله صلوات الله عليه و عليهم فانها اول ما خلق الله تعالي و هي الارواح التي بها حيوة نفوس ما سواهم و نسمّيها ارواحاً باعتبار حياتها في ذَاتها و احياۤئها لما سواها باذنِ اللّهِ تعالي و لا شكّ ان نفوسهم عليهم السلم اوّل ما خلق اللّه تعالي و قوله صلي الله عليه و اله انّ اوّل ما ابدع الله اي اوجده بابداعه الذي هو مشيّته النّفوس المقدّسة المطهرة اي النفوس التي هي مَحاۤلُّ مشيّةِ اللّهِ و هي حقاۤئقهم عليهم السلم التي هي هياكل التّوحيد لانّ حقيقة كلّ واحدٍ منهم عليهم السلم هيكل التوحيد و حقيقة حدوده و ذلك لانّ الهيكل هو الصورة و الصّورة هندسة و حدود مثل ايمان باللّهِ لايشوبه احتمال ريبٍ و ذكرٌ لِلهِ لا غفلةَ فيه و مراقبةٌ لا التفاتَ فيه و حضور لا غيبة فيه و توجّه لا سهْوَ فيه و امثال هذه الحدود الماحضة فالصورة المؤلّفة من هذه الحدود و امثالها هيكل التوحيد و اعلي هياكل التوحيد اربعة‌عشر هيكلاً ،

و معني مقدسة مطهّرة ، يعني منزّهةً مكرّمةً عن رذاۤئل الانّيّة و الدّعاوَي ،

و قوله « فانطقها بتوحيده » و ذلك لمّا اراد ان يعرفوه وصف نفسه لهم و جعل ذلك الوصفَ حقاۤئقَهُمْ فذواتُهم ذلك الوصف فنطقهم بما عرّفهم من انفسهم قال عليه السلم : من عرف نفسه فقد عرف ربّه و اعلم انّه تعالي اظهر علي ذواتهم و ظواهرهم آثار وحدته فلذا تقول انا لان صانعك واحدٌ و لو كان صانعُك اثنين لما قدرتَ ان تقول انا بل تقول لنفسك نحنُ كما انك تري ظلّك عن مصباحٍ واحدٍ واحداً و عن مصباحَيْنِ [ص 622] اثنين فتكون انت اثنين و لو كان صانعك ثلاثة كنتَ ثلاثة لانك اثر ثلاثة مؤثرين بثلاث حركات كما تري ظلّك عن ثلاثة مصابيح ثلاثة اَظِلّةٍ لانها اثر ثلاثة مؤثراتٍ و الي هذه الدلالة اشار الصادق عليه السلام في قوله :

فيا عجبا كيف يُعصَي الالٰه ام كيف يجحده الجاحِدُ

و في كلّ شيءٍ له آيةٌ تدلُّ علي انّه واحدُ

و قوله « و اعتقادنا انها خلقت للبقاۤء و لم‌تخلق للفناۤءِ » يرد عليه اعتراض لايكاد يحلّه علي الحقيقة الّا المعصومون عليهم السلم او يكون بنورهم و تعليمهم و امّا توجيه كثير من العلماۤء لدفع الاعتراض فليس دافعاً له و انما يأتون بمقدّماتٍ اقناعية اكثرهم ينقطع عندها و قلبه غير قابلٍ لها الّا انّها مبلغهم من العلم و الاشارة الي الاعتراض هي انه قد اتّفق الكل من الحكماۤء و العقلاۤء علي قاعدتين الاُولي ان كل ما سبقه العدم لحقه العدم و الثانية ان كل ما له اوّل فله اٰخر ، و مقتضي هاتين القاعدتين ان الاشياۤء اعني ما سوي اللّه امَّا ان تكون قديمة ليس لها اوّل اَوْ لم‌يَسْبِقْها العَدَم فتكون باقيةً و امّا اَن يكون لها اوّل او سَبَقها العدم فتكون فَانِيَةً و قولي اَوْ في الصُّورتَيْن لتَقْسيم ٱلتَّعْبير و جواب السيد الداماد بانّ لها اوّل و سَبَقَها العَدَم و مع هذا لايلحقها العَدم لِاِبقاۤءِ اللّهِ لها فهي باقيةٌ ببقاۤءِ اللّٰهِ ، ليس عن دليل و انّما حكم بالبقاۤء بظاهر اجماع المسلمين و بحثُنا ليس مبْنيّاً علي النقل و انما هو مبني علي الادلّة العقليّة امّا من دليل الفؤاد اعني دليل الحكمة و هو اعلاها و هو دليل الانبياۤء و الاولياۤء عليهم السلم او من دليل العقل اعني دليل اليقين المسمي بدليل الموعظة الحَسنة و هو دليل المتّقين و الصالحين او من دليل العلم اعني دليل المجادلة بالتي هي احسَن و هو ادناها و هو دليل العلماۤء و الحاصل ان الباحثين في هذه المسئلة تَشتّتتْ انظارهم و اختلفت اقوالهم فمن الناس من قال بقدم العالم و منهم من قال بقدم النفوس [ص 623] المجرّدة و منهم من قال بحدوث الاشياۤء عن غير بصيرة و انما معوّله علي النقل و هو و ان كان مصيباً في القول الّا انه غير عارفٍ بالدليل حتي ان من هؤلاۤء من يستدلّ علي الحدوث و نفسه لاتسكن لدليله الّا من جهة التسليم للنقل فكل ما لايخالف النقل يقول به مع انه قد يعتقد ما ينافي اعتقاده فيقول مثلاً ان العالم بجميع جزئيّاته و كليّاته حادث مسبوق بالعدم و ان الجنة و اهلها و النار و اهلها باقون بغير فناۤءٍ يلحقهم و لا انقطاعٍ ابداً و يعتقد مع هذا صحة القاعدتين المذكورتين و انت خبير بان مقتضاهما امّا قدم ما سوي اللهِ تعالي و امّا فناۤء ما سوي الله تعالي و انقطاعه و اعلم اني افيدك بيانا لاتجد رافعاً لذلك الاعتراض و لا كاشفاً لهذه الشبهة عَلَي الحقيقة غيره ان وُفِّقْتَ لفهمه و هو ان كل ما سوي الله تعالي فهو حادث بمعني انه مسبوق بالغير و كل مسبوق بالغير فهو حادث و اذا قلتَ ان الحادث هو المسبوق بالعدم قلنا لك ان العدم ليس شيئا يسبِق و انما معناه انه كان عَدماً في رتبة من فوقه و علي كل تقديرٍ فله ابتداۤء و علي القاعدة السابقة يجب ان يكون له انتهاۤء لكن الانتهاۤء في العود لايكون اعلي من الابتداۤء في النزول وَ لا انزل منه بل يجب ان يكون مساويا له في الرتبة و لمّا كان المحدَثُ محتاجاً في بقاۤئه الي المدد كما هو مبرهن عليه وجب ان يمدّه صانعه عز و جل بما به بقاۤؤه و هذا المدد و ان كان بحسب قابليته من اعماله الصالحة او الطالحة الّا انّه يكون مما لم‌يصل اليه لان المدد جديد فيكون اعلي رتبةً مما وصل اليه قبلُ سواۤء كان من الخير ام من الشر و هذا المدد يجب ان يكون مما له من نوع ماۤدته و صورته فاذا وصل اليه المدد الذي كانت رتبته اعلي من ابتداۤء ما خلق منه كانت رتبة هذا الواصل الجديد رتبةً لابْتداۤءِ الموصول فتكون اوليته به فوق اوليته بما قبله و يكون انتهاۤؤه به بعد انتهاۤئه بما قبله فاذا امدَّهُ بمددٍ آخر بحسب اعماله و [ص 624] استعداده كان هذا المدد الثاني من فوق الاول رتبة فيكون الممدود بالثاني اعلي اوليّة من اوّليّته بالاول و انتهاۤؤه بالثاني بعد انتهاۤئه بالاول بان يصل الي وقتٍ لولا المدد الثاني لفني قبله لان ابتداۤء المدد الثاني قبل ابتداۤء المدد الاول و هكذا بلا نهاية في رتبة الامكان و مثاله لو بنيتَ جداراً طوله عشرة اذرع كان ظلّه مثلا منتهيا الي عشرة اذرع لان انتهاۤء طول ظلّه بحسب علوّ رأس الجدار فاذا بنيتَ عليه عشرة اذرع مثلاً حتي كان علو الجدار عشرين ذراعا كان رأسه الاول الذي هو اعلاه في وسطه و كان ظله عشرين ذراعا فكان انتهاۤء الظلّ بحسب ابتداۤئه من رأس الجدار و هكذا فالمدد لاينقطع عن الحادث و الحادث بالمدد المتجدّد مختلف الابتداۤء ففي كل مددٍ متجدّد يسبق ابتداۤؤه به ابتداۤءَهُ بالمدد الاول و يتأخر انتهاۤؤه بالثاني عن انتهاۤئه بالاول فالحادث لاينتهي ابتداۤؤه بهذا المعني اي يتجدد الامدادات فكل ما وصل اليه مددٌ من مقامٍ عالٍ خُلِق به الممدود من مقام ذلك المدد و الانتهاۤء بنسبة علو الابتداۤء و لا انقطاع للمدد و لا الابتداۤء فلا انقطاع و لا نهاية للانتهاۤء فافهم ، فان قلتَ كيف يخلق من المدد الجديد و هو مخلوق قبله قلتُ انه يكسر و يصاغ بالمدد في رتبته و مثاله اذا كان عندك خاتم صغته من مثقال فضّةٍ ثم اردت ان يمدّده ( تمدده . خ‌ل ) و تقوّيه بمثقال اخر كسرته و صغته من المثقال الاول و من المثقال الثاني فكان خاتمك ليس من مثقالٍ و هي الرتبة الاقليّة السفلي بل هو من مثقالين و هي الرتبة الاكثريّة العليا و كذلك الدراهم فان العشرة الدراهم اذا انفقتها في شؤنك مثلا تنتهي في يومين و لو زدتها حتي كانت عشرين تنتهي في اربعة ايام لانها عشرون لا عشرة فتأخر ح وقت الانتهاۤء و هكذا اذا جعلتها مائة و اذا كنت داۤئما تنفق منها و تزيدها لاتفني ما دمتَ تزيدها لانها هي الكثيرة اللّاحقة لا القليلة الاولي فافهم فان قلتَ ان الزيادة [ص 625] للحادث انما هي في طرف الرّجوع و العود و هذا يلايم قول الداماد رحمه الله و انت لم‌ترض بقوله قلتُ انه يري انّ المدد للبقاۤء لم‌يكن ابتداۤؤه ابتداۤءً للممدود بَل الممدود منقطعُ الابتداۤءِ غير منقطع الانتهاۤء و هذا ممّا ينافي مقتضي القاعدتين الصَّحيحتين المتّفق عليهما اللتين شهدت لهما الاخبار و اتّفقت عليهما العقول و نحن نقول انّ ابتداۤء هذا المدد الجديد ابتداۤء للممدود فاذا اردتَ تصوّره فانظر الي مثل الخاتم فان بقاۤءه بالمثقالين انما كان اطولَ من بقاۤئه بالمثقالِ لان بقاۤءه بالمثقالين من علوّ رتبتهما و اكثريتهما لا من دنوّ المثقال و اقليّته و كذلك مثل الجدار و الدراهم ،

و قوله صلي الله عليه و اله « و انّما تنقلون من دار الي دارٍ » هو كما قال صلي الله عليه و اله الطاهرين لانّهم انزلهم اللّه في اطوارهم بحكيم صنعه و تقديره في مراتب الادبار من المعاني العقلية الي جواهر الاظلّة الروحية الي الصور الجوهرية الي الطين الطبيعيّة بفتح ياۤء الطين جمع طينة الي الجواهر الهباۤئية الي الاشباح المثالية الي المواۤد العنصرية ثم دعاهم بحكيم صنعه و تقديره اليه في مراتب الاقبال من لطاۤئف الاغذية الي النطف الي العلق الي المضغ الي العظام الي الاكتساۤء لحماً الي تمام الخلقة بنفخ الروح فالتقوا باشباحهم الي القبور فالتقوا بجواهر هباۤئهم الي ما بين النفختين و هو مدة اربعمائة سنة فالتقوا بالطين الطبيعيّة بفتح ياۤء الطين لانّهم بقوا في البدءِ فيها اربعمائة سنة فمكثوا في العود كذلك و هو ما بين النفختين نفخة الصعق و نفخة البعث فاذا هم قيام ينظرون الي البعث و الحشر و النشر فالتقوا بذرّهم حين قال لهم الستُ بربكم قالوا بلي في مدة خمسين الف سنة الي الجنة و مقام الرفرف الاخضر فالتقوا بنفوسهم في اللوح المحفوظ الي ارض الزعفران فالتقوا بجواهرهم الاظلة الروحية الي مقام الاعراف فالتقوا بمعانيهم العقلية الي مقام الرضوان فالتقوا بافئدتهم [ص 626] النوريّة و لايزالوا ( لايزالون . خ‌ل ) في هذا المقام يسيرون بلا غاية و لا نهاية يمدّون في درجات هذا المقام الغير المتناهيَة بمحبّة الله و رضوانه كما قال تعالي في حديث الاسرار : كلّما وضعتُ لهم علماً رفعتُ لهم حلماً و ليس لمحبتي غاية و لا نهاية ،

و قوله « و ان الارواح في الدنيا غريبة » يعني انّ محلّها في العالم الاعلي فانزلت في دار التكليف و سجنت في الابدان في هذه البلد الخراب تلفح عليها الرياح الاربع الجنوب من الكبد و الصبا من الرّية و الشمال من الطحال و الدبور من المرة الصفراۤء يعوي حوله الذئب اي الغضب و الخنزير اي الشهوة و لقد اجاد ابن سيناۤء في ابْياته في الروح التي اولها :

هبطت اليك من المحل الارفعِ ورقاۤءُ ذات تعزّزٍ و تمنّع

الي اخرها و هي مشهورة و قد اشتملت علي مطالب جليلة و انما انزلها الله سبحانه في هذه الدنيا النكدة و وضعها في هذا القفص الضيّق لاجل التكليف لانه اراد ان يرفعها الي منازل قربه و كانت بعيدة غير متناهية فامرها باخذ المتاع لسفرها اليه و لتكثر من الزاد فان السفر طويل و الطريق بعيد الي الغاية البعيدة القصوي و لتعلم ما جهِلَتْه من العلوم و العقاۤئد كما اشار اليه ابن سيناۤء في الابيات المشار اليها في قوله :

ان كان اهبطها الاله لحكمةٍ طُوِيَتْ عن الفطِنِ اللبيب الاروعِ

فهبوطها لا شكّ ضربة لازبٍ لتكونَ سامعةً بما لم‌يُسْمَعِ

و تكونَ عالِمةً بكلّ خفيّةٍ في العالمين فخرقُها لم‌يُرْقَعِ

و لانزالها في هذا السجن سر آخر اشاروا عليهم السلم اليه في اخبارهم بما معناه انّها لمّا كانت في العالم الفسيح انبسطت في نفسها لما وجدت في ذاتها من القوّة فالقيت في هذا السجْن لئلّاتدّعي الربوبية و قد اشار الحكماۤء الاوّلون الالهيون الي هذا المعني برموزهم فقالوا ما معناه انها عصت فسقط ريشها [ص 627] فوقعت الي الارض و اصل ذلك ان ادم عليه السلم اكل من الشجرة فنزع منه لباس الجنّة فاهبط الي الارض و المعني في الكل واحد و ان اختلفت العبارات ،

عباراتنا شتّي و حسنك ظاهر و كلٌّ الي ذاك الجمالِ يُشيرُ

و قوله « فهي باقية فمنها منعّمة و منها معذّبة الي ان يردّها عز و جل الي ابدانها » اعلم انه اذا حضر ملك الموت الشخص فانْ كان مؤمنا حضره النبي و علي و الائمة صلي الله عليه و عليهم و اوصوا به ملك الموت فاستوصي به فيظهر له في احسن صورة و هي ما يكسوه الولي عليه السلم للقاۤئه محبّه فيقبض روحه باختياره فتخرّ الروح ساجدة تحت العرش بين يدي الله سبحانه ثم يكسوها حلّة صفراۤء من الركن الايمن الاسفل من عرشه ثم تهبط الي جنازته فتكون معه فاذا غسّل و كفّن و حمل الي قبره سارت معه ترفرف علي جنازته او تمشي اَمَامَها علي اختلاف الروايتين فاذا شرج عليه اللبن اتاه رُومان فتّان القبور و كتب الميت اعماله في قطعة من كفنه باملاۤء رُومان و يجعلها علي عنقه و هو قوله تعالي و كل انسان الزمناه طاۤئره اي كتابه في عنقه ثم يأتيه منكر و نكير و يسألانه فاذا اجاب بشّراه بالخير ثم يُخَدُّ له خدٌّ من الجنة التي في المغرب المدهامتان الي قبره يأتيه منها الرّوح بفتح الراۤء و تروح روحه مع الملك الي الجنّة و تجتمع بارواح اسلافه يأكلون و يشربون و يتنعمون فاذا كان يوم الجمعة او العيد اتاهم الملك عند طلوع الفجر بنجاۤئب من نور عليها قباب الياقوت و الزبرجد فيركبون و تطير بهم بين السماۤء و الارض فيأتون النجف الاشرف فيبقون الي الزوال ثم يستأذنون الملك في زيارة اهاليهم في الدنيا و قبورهم فيأذن لهم فيأتون اهاليهم و معهم ملاۤئكة يحجبون عن ابصارهم كل ما يكرهون من اهاليهم ثم يزورون مواضع حفرهم فاذا كان ظل كل شيء [ص 628] مثله صاح بهم الملك فيركبون فتطير بهم الي غرف الجنان و ان كان الشخص منافقا حضروه عليهم السلم و اوصوا ملك الموت بان يشدّد عليه فيستوصي بذلك فيقبض روحه و ينزعها غرقا و ينشطها نشطا فاذا كان في قبره اتاه رُومان و كتب اعماله ثم اتاه منكر و نكير و سألاه فلم‌يجب فيضربانه بِمِرْزَبَةٍ من حديد محميّة في النار اعوذ باللهِ من سخط اللّهِ ثم يُخَدّ له خَدّ من النار التي في المشرق عند مطلع الشمس الي قبره يأتيه منها الدخان و الشرر و يمضي الملك بروحه الي النار التي في المشرق يعرضون عليها غدوّا و عشيّاً فاذا غربت الشمس اتي بها الي بئر برهوت بوادي حضرموت يعذّب فيها الي طلوع الشمس فيؤتَي به اليها و الي النار و هكذا و يعجبني ان اورد حديثاً يناسب المقام لما فيه من ذكر هذين الصنفين ارويه بطرقي عن مشائخي المتصلة الي ابن ابي‌عمير عن زيد النرسي عن ابي‌عبدالله عليه السلم قال سمعته يقول : اذا كان يوم الجمعة و يومي العيدين امر الله رضوان خازن الجنان ان ينادي في ارواح المؤمنين و هم في عرصات ( غرفات . خ‌ل ) الجنان انّ الله قد اَذِنَ لكم بالزيارة الي اهاليكم و احبابكم من اهل الدنيا ثم يأمر اللّه رضوان ان يأتي لكل روحٍ بناقة من نوق الجنة عليها قبة من زبرجدة خضراۤء غشاۤؤها من ياقوتة رطبة صفراۤء و علي النوق جِلال و براقع من سندس الجنان و استبرقها فيركبون تلك النوق عليهم حلل الجنان متوّجون بتيجان اللؤلؤ الرطب يضيۤء كما تضيء الكواكب الدّرّية في جوّ السماۤء من قرب النار اليها لا من البعد فيجتمعون في العرصة ثم يأمر الله جبرئل في اهل السموات اَن يستقبلوهم فتستَقْبلهم ملاۤئكة كل سماۤء و تشيّعهم ملاۤئكة كل سماۤءٍ الي السماۤء الاخري فينزلون بوادي السلام و هو وادٍ بظهرِ الكوفة ثم يتفرقون في البلدان و الامصار حتي يزوروا اهاليهم الذين كانوا معهم في دار الدّنيٰا و معهم ملاۤئكة يصرفون وجوههم عما يكرهون [ص 629] النظر اليه الي ما يحبون و يزورون حُفَر الابدان حتي اذا ما صلّي الناس و راح اهل الدنيا الي منازلهم من مصلّاهم نادي فيهم جبرئل بالرحيل الي غرفات الجنان فيرحلون ، قال فبكي رجل في المجلس و قال جعلتُ فداك هذا للمؤمن فما حال الكافر فقال ابوعبدالله عليه السلم : ابدان ملعونة تحت الثري في بقاع النّار و ارواح خبيثة تجري بوادي برهوت في بئر الكبريت في مركباتٍ خبيثاتٍ ملعوناتٍ تؤدّي ذلك الفزع و الاهوال الي الابدان الملعونة الخبيثة تحتَ الثري في بقاء النار فهي بمنزلة الناۤئم اذا رأي الاهوال فلاتزال تلك الابدان فزعة ذَعرةً و تلك الارواح معذّبةً بانواع العذاب في انواع المركبات المسخوطات الملعونات المضعفات مسجونات فيها لاتري رَوْحاً و لا راحة الي مبعث قاۤئمنا فيحشرها الله من تلك المركبات فتردّ في الابدان و ذلك عند النشرات فتضربُ اعناقهم ثم تصير الي النارِ ابد الٰابدين و دهر الداهرين ه‍ ، اقول قد ذكرتُ بعض احوال الفريقين علي الاقتصار و في هذا الحديث ٱلشريف ذكر عليه السلام بعض الاسرار التي خفِيت علي اكثر البصاۤئر و الابصار و لولا اني لستُ بصددِ بيانها لاطلقتُ عنان القلم في ميدان البيان حتي يقِف الناظر علي ما لم‌تسمعه الٰاذان ، و امّا من ليس بمؤمن و لا كافر و هم الذين لم‌يمحضوا الايمان و لا الكفر و النفاق فتبقي ارواحهم في قبورهم الي يوم القيامة و لايسئلون في قبورهم يُلهَي عنهم فاذا كان يوم القيامة جدّد لهم التكليف و حوسبوا علي اعمالهم فامّا الي الجنة و امّا الي النار ،

و قوله « و قال عيسي بن مريم عليه السلم » الخ ، يعني انه لايصعد الي السماۤء بمقتضي طبيعته الّا ما نزل منها اما صعود ما لم‌ينزل من السماۤء اليها بقاسرٍ او معينٍ مُتَمّمٍ فَاِنّه ممكن فَعَلي ظاهر الحال الارواح و النفوس نزلت من السماۤء فتصعد الي السماۤء اذا فارقت الابدان لانها تأوي الي الجنة التي في المغرب المدهامتان [ص 630] و هي الٰان في الاقليم الثامن و اسفله علي محدّب محدّد الجهات في الرتبة اذ لا جهة وراۤءه و امّا الابدان فانها باقية في الارض لانها خلقت منها و اليها تعود هذا ظاهر الحال و اما في حقيقة الامر فكل شيءٍ انزله اللّه سبحانه من سماۤءِ ذلك الشيء الي ارضه قال تعالي و ان من شيءٍ الّا عندنا خزاۤئنهُ و مانُنزّله الّا بقدرٍ معلوم و التنزيل الاظهار فان الغيب اعلي و الشهادة سواۤء في طرف الخيرات ام في طرف الشرور في كل شيء بحسبه فعلي هذا اذا طال مكثها في الارض صَعِدَ جسدُها الثاني الي جابرسا او جابلقا و انفسها النباتيّة الي عناصرها و الحيوانية الي هورقليا و جسدها الاول الي هذه العناصر المحسوسة فلاتدركها ابصار اهل الدنيا و اهل العصمة عليهم السلم ابصارهم تدركها علي ما ذكرناه في جواب مسئلة اجساد الائمة عليهم السلم ورد انّها لاتبقي في حفرها اكثر من ثلاثة ايام و كذلك اجساد الانبياۤء عليهم السلم او اكثر من اربعين يوما علي اختلاف الروايتين لاختلاف مراتبهم في الشرف ثم ترفع الي السماۤء من انَّ رفعَها عبارةٌ عن خلعها الصور البشريّة و انّها باقية في حفرها الي يوم يبعثون منها ،

و قوله « و قال جل ثناۤؤه و لو شئْنا لرفعناه بها و لٰكنّه اَخْلَدَ الي الارض و اتّبع هواه » يعني و لو شئنا ان نرفعه بالاياتِ التي آتيناهُ باَنْ نحفظَها عليه فلاينسلخ منها او نرفعه بالتفضّل او العفو و لكنه لمّا قصد الي العُلوِّ نظراً الي انّيّته فانحطّ بذلك الميل الي اسفل و اتّبع هويه فاتّخذ الٰهَهُ هَواهُ و اَضلّه اللهُ علي علمٍ و ذلك لانه خُلِق من سجّين و اصابه لطخ من عليّين فتعلق به فاتاه الله بعض اياته بواسطةِ ذلك اللطخ فلمّا انتهت مدّة تعلق اللطخ انسلخ منه فانسلخَ هو من الايات بانسلاخه من اللطخ يشير بهذا الاستشهاد الي ارتفاع الارواح العلويّة و انحطاط الارواح السفليّة كلٌّ لاحقٌ بمركزه قال الله تعالي كلّ الينا راجعون فالمؤمن راجع الي الله من حيث يحبّ و المنافق راجع الي اللّه من حيث يكره .

[ص 631] « قال : و قال ايضا قدس سرّه في كتاب التوحيد ناقلاً بسنده المتّصل عن ابي‌عبدالله عليه السلام ان روح المؤمن لاَشدّ اتِّصالاً بروح اللّهِ من اتّصال شعاع الشمس بها » .

اقول : المراد بروح اللّهِ الرّوح الكليّة التي خلقت من شعاعِها البراق و الروح الكلية هي الركن الايمن الاسفل من العرش و هو النور الاصفر الذي اصفرّت منه الصفرة و هو ملك يؤدّي الي اسرافيل احكام الحيوة و هو روح محمد اهل بيته الطاهرين صلّي اللّه عليه و اله و هو الروح من امر اللهِ و الروح من امر الربّ و الروح يطلق علي اربعة ملاۤئكة الاوّل الرّوح من امر اللّهِ و هو النور الابيض و هو العقل الكلي و هو الركن الايمن الاعلي من ٱلعرش و هو القلم و الثاني الروح من امر الربّ المشار اليه اوّلاً و هو الركن الايمن ٱلاَسْفل من العرش و ربّما اُطْلِقَ احدهما علي الٰاخرِ و الثالث و الرابع الروحانِ اللذانِ عَلَي ملاۤئكة الحجب اعني الكروبيّين الثالث هو الركن الايسر الاعلي من العرش و هو النور الاخضر الذي اخضرّت منه الخضرة و هو ملك يؤدي الي عزراۤئيل اوْ انّه يُؤَدّٖي الي ميكاۤئيل او هو اللوح المحفوظ و الرابع الركن الاسفل الايسر من العرش و هو النور الاحمر الذي احمرّت منه الحمرة فهذان يطلق علي كلٍّ منهما الرّوح و علي كلٍّ منهما القاۤئم علي ملاۤئكة الحجب اعني الكروبيّين و باصطلاح الحكماۤء الابيض هو العقل الكلي و الاصفر هو الروح الكليّة و الاخضر هو النفس الكليّة و الاحمر هو الطبيعة الكلية و الاربعة المذكورة هم الملاۤئكة العالُون الذين لم‌يسجدوا لادم عليه السلم لانهم هم الانوار الّتي سجدت الملاۤئكة لادم عليه السلم لكونها مشرقةً علي صلبه و لذا قال تعالي في عتاب ابليس حين استكبر عن السجود لادم عليه السلم قال له اَستكبرتَ ام كنتَ من العالين و هم هؤلاۤء الاربعة و روح المؤمن مركبة من اشعّةِ الاربعة فهي في الحقيقة شعاع من تلك الانوار و انّما قال اشدّ اتّصالاً بروح اللهِ من اتّصالِ شعاع الشمس [ص 632] بها و في الروايات عن اميرالمؤمنين عليه السلم اشدّ اتّصالاً من شعاع الشمس لا من اتّصال شعاع الشمس و هي اوجه من هذه الرواية لانّ المفضّل عليه هو شعاع الشمس لا اتّصال شعاع الشمس فان كان اللفظ من المعصوم فهو اعلم بما قال و ما يقوله فهو واقع منه بقصدٍ عن علم و ان كان من غيره بان كان منقولاً بالمعني فالسهو من الناقل و الحاصل انّما قال اشدّ مع انّ شعاع الشمس في اتصاله بها آية لذلك و الله القادر العليم ضربه مثلا و جعله آيةً لذلك فلايصحّ الاختلاف و لا التخلف لان عالم المجردات اشدّ من عالم الاجسام و عالم هو اصلٌ لعَالمِ الشهادةِ فيكون فيما يتساويان فيه اشد من عالم الشهادة فافهم و انّما سمّي الله تعالي هذه الروح المخلوقة روحاً له و نسبَها اليه تشريفاً لها علي ساۤئر الارواح كما قال للكعبة بيتي و المراد بالمؤمن هنا هم الانبياۤء عليهم السلم لا ساۤئر المؤمنين ان اريد الحقيقة لان ارواحهم عليهم السلام لم‌يكن شعاعُهَا حقيقة الّا حقاۤئق ارواح الانبياۤء عليهم السلم و ان اريد المجاز جاز ان يكون المراد ساۤئر المؤمنين لان ارواح المؤمنين اشعّة لارواح الانبياۤء و ارواح الانبياۤء اشعة لارواح الائمة عليهم السلم كما صرّحت به الاخبار .

قال : « و نقل الشيخ المفيد رحمه الله في كتاب المقالات من كتاب نوادر الحكمة لبعض علماۤئنا الاماميّة اصحاب التوحيد رضي الله عنهم مسنداً الي ليث بن ابي‌سُليم عن ابن عباس قال سمعتُ رسول الله صلي الله عليه و اله لمّا اسري به الي السماۤء السابعة ثم اُهْبِطَ الي الارض يقول لعلي بن ابي‌طالب عليه السلم يا عليُّ انّ الله تبارك و تعالي كان و لا شيء معَهُ فخلقني و خلق رُوحي من نور جلاله فكنّا اَمامَ عرش ربّ العالمين نسبّح الله و نحمده و نُهلِّلُه و ذلك قبل ان يخلق السموات و الارض فلمّا اراد ان يخلق ادم عليه السلم خَلقَني و ايّاكَ من طينة [ص 633] علّيّين و عجنت بذلك النور و غمسنا في جميع الانهار و انهار الجنّة ثم خلق ادم عليه السلام و استودع صُلبَه تلك الطينة و النور فلمّا خلقه استخرج ذرّيّته من ظهره فاستنطقهم و قرّرهم بربوبيّته فاوّل ما خلقَ الله و اقرّ له بالعدل و التوحيد انا و انت و النّبيّون علي قدر منازلهم و قربهم من اللّه عز و جلّ ، في حديث طويل » .

اقول : قوله « لبعْض علماۤئنا الامامية » يعني ان كتاب نوادر الحكمة و هو المسمّي بدَبّة شبيب الدّهان لان شبيباً يبيع الادهان المختلفة و عنده دَبّةٌ فيها بيوت يضع في كل بيت منها دهناً غير الاخر و هذا الكتاب جمعه محمد بن احمد بن يحيي الاشعري و سماه كتاب نوادر الحكمة لانه ليس في نوع من العلم بل و لا مرتّبا بل جمعه في فنونٍ شتي فلُقِّب الكتاب بدبّة شبيب الدهان ،

و قوله صلي اللّٰهُ عليه و اله « يا عليّ ان الله كان و لا شيء معه » يعني به ان الازل ينافي الكثرة و التعدد و فيه رد علي مثل المصنف و امثاله الذين يجعلون ذخيرة علمهم وَ اسراره اعتقاد ان بسيطة الحقيقة كلّ الاشياۤء و بَرهنوا عليه بانّه شيء لايُسْلب عنه شيء و قد تقدم احتجاجهم و ابطاله فيكون معه كلّ شيءٍ لانه كل شيء و مع اعتبار انّ الواجب تعالي لا مجعول بالذاتِ تكون الاشياۤء المفهومية لا مجعول بالتبع و سمّوا الاشياء اللاحقة في رتبة ذاته بالتبع من مفهومات الاشياۤء المتغايرة في انفسها المغايرة بالاعيان الثابتة و اعتقاد ان معطي الشيء ليس فاقداً له في ذاته لانه مبدء كل شيء فلايفوته شيء الّا انها في ذاته بنحوٍ اشرف و ان وحدته لقوتها طوَتْ كثراتِها و امثال هذه الترّهات الفاسدة و كلها منفيّةٌ بقوله صلي الله عليه و اله كان اللّٰهُ و لا شيء معه ، و ان كل ما دلّ عليه لفظ ماخلا الله سبحانه فهو محدَث لا من شيء و لا اصل له و لا ذكر قبل احداثه و انما اخترع اصله حين اخترعه بفعله فلا ذكر له بوجهٍ من الوجوه قبل احداثه بالفعل ،

ثم قال صلي الله عليه و اله « فخلقني و خلق روحي من نور جلاله » فاتي [ص 634] بالفاۤء المفيدة للترتيب بلا مهلة اشعاراً بانه ليس بينه و بين خلقه شيء و ان تفرّده مساوق لوجودهم في انفسهم و عنده في اوقاتِ وجودهم و امكنة حدودهم و ليس معهم و لا بايـٔن منهم بينونة عزلةٍ فيكون محصوراً و انما هو معهم بفعله و امره الذي قام به كل شيء و لاجل ذلك ورد فيما رووا : كان الله و لا شيء معه و هو الأن علي ما كان ه‍ ، يعني ان توحّده و تفرّده سابق لهم و مساوق معهم و لاحق و لم‌يجمع شيئا من جميع الاشياۤء معه تعالي حال من الاحوال بل هو الواحد الاحد الفرد الصمد خلو من خلقه و خلقه خلو منه لا بمفارقة و لا بملاصقة و لا بمقارنة و لا بمباينة و لا باتّصال و لا بانفصال و لايصدق علي شيء غير ذاته و لايصدق عليه شيء و المحتملة ● للتفريع اَيْضا اشعاراً بالتفريق الذي اشار اليه ابوالحسن الرضا عليه السلم في قوله كنهه تفريق بينه و بين خلقه و غيوره تحديد لما سواه ه‍ ، يعني مثل قولي : خلو من خلقه و خلقه خلو منه لا بمفارقة و لا بملاصقة ، الي قولي : و لايصدق عليه شيء ، و امثالها فانّها غُيورٌ و هي حدود ما سواه يعرف بها غيره و يستدلّ بها عليه من حيث صفة التعريف كما قال اميرالمؤمنين عليه السلم صفة استدلالٍ عليه لا صفة تكشِف له ، و قوله صلي الله عليه و اله « من نور جلاله » اي من اثر جلالِه و الجلال الحجاب و هو فعله اذ به ظهر بمفعولاته و به احتجب بهم عنهم و هذا النور هو الحقيقة المحمدية (ص) و هو محل الفعل المتقوم به كالانكسار فانه محلّ الكسر المتقوّم به و كالقيام في قولك قاۤئم الذي هو اسم فاعل القيام فان القيام محل الحركة المتقوّمة به و هما القاۤئم الذي هو اسم الفاعل و ليس مسمّي قاۤئم ذات زيدٍ بل مسمّاه مثاله الظاهر بالقيام الفاعل له و ان كنتَ تجد ان مسمّي قاۤئم هو ذات زيد فاسئل الله ان يصلح وجدانك و يكشف لك الحجب المانعة من ادراك ذلك ،