و قوله « لايعرفها الّا [ص 588] الراسخون في العلم » يكون معناه عند من عرف الله لايعرف كلمة الكفر في دعوي الاسلام الّا الراسخون في الجهل باللّه اعني علم التصوف فاعلم هداك اللّه ان هذه الوحدة التي يدّعيها في قوله انّ وجوده تعالي عين وجودات الاشياۤء و حضور ذاته في العلم عين حضور الاشياۤء و حياته عين حيوة الاشياۤء و انها لايعرفها الا الراسخون في العلم ، اظهر من نارٍ علي علمٍ و انّما يبعّدونها بالعبارات المختلفة فتارة يقولون الاشياۤء شؤن ذاته و تارة اطوار ذاته او ظهوراته او صور له يلبس منها ما شاۤء و يخلع ما شاۤء او الوانه و اعراضه يقول شاعرهم :
كلّ ما في عوالمي من جمادٍ و نباتٍ و ذاتِ روحٍ معارِ
صُوَرٌ لي خلعتُها فاذا ما زِلتُها لاازولُ و هي جواري
انا كالثوب ان تلوّنتُ يوماً باحمرارٍ و تارة باصفرارِ
الخ ، و تقدّم قوله :
و ما الناس في التمثالِ الّا كثلجةٍ و انت لها الماۤء الذي هو نابعُ
و لكن بذوب الثلج يرفع حكمهُ و يوضع حكمُ الماۤءِ و الامرُ واقعُ
و امثال ذلك ، فكيف مثل هذا لايعرفه الّا الراسخون في العِلم و هو يقول ان وجوده عين وجود الاشياۤء فاِنْ ارادَ اَنَّ وجودات الْاَشياۤءِ حِصَصٌ من الذات تميّزت من الذات بمشخِّصاتٍ لحِقَت الحِصص لنفسها لا للذات فذلك كوحدة الشجرةِ وَ بَساطتها فانّها قد طوت كثرة الغصون و الورق عند لحاظِ وحدة الشجرة و انْ اَراد ان وجودات الاشياۤءِ ظُهُورَاتُ الذات فهي تجلّيَاتُها و التجلّيات اشراقاتٌ منفصلة من الذات قاۤئمة بها قيامَ صدورٍ و هذه ليس وجود الذات وجودها لانها اٰثارٌ فعليّة صدرت بفعل الذات و ليست هي الذات كما ذكرنا سَابقاً ،
و قد قال الملا احمد بن محمد بن ابراهيم اليزدي في حاشيته علي هذا الكتاب في الاشارة الي بيان هذا المعني الذي يشير اليه المصنف : بل المراد انّ الواحد كما كان مبدءً [ص 589] لجميع مراتب الاعداد بمعني ان ليس شيء منها الّا الواحد المكرر فلايوجد في مرتبةٍ منها شيء سوي الواحد نعم انه قد تكرّر فيها و مع هذا لايمكن ان يقال انّ شيئاً منها هو الواحد كذلك البارئ تعالي شأنه اصْل جميع الاشياۤء و جميعها واحدةٌ في هذا المعني و هو تعالي مقوّم لها بالمعني المذكور آنِفاً مع انه لايمكن ان يقال انها من حيث هي كذلك عينه تعالي و لا هو عينها انتهي ، يشير بعدم الصدق من هذه الحَيْثية الي ما اشرتُ الَيْهِ في قَوْلي بمشخِّصَاتٍ لَحِقَتْ لنفسها لا لِلذّاتِ ، ثم قال : وَ لَايُنَافي كلّاً منهما ما قصد نفيه هٰهنا كما يظهر لك الأن من بيانه انتهي ، و اعلم ان تنظيره يخالف مقصوده لان مقصوده انّ العشرة تكرّرَ فيها الواحد بذاتِهٖ ليطابق اعتقاده و اعتقاد المصنف منْ اَنَّ وجود الحقِّ عين وجودات الاشياۤء و لذا قال ليْس شيء منها الّا الواحد المكرّر فلايوجد في مرتبةٍ منها شيء سوي الواحِدِ و حقيقة المنظّر بهٖ انّ العشرة اذا فرض انّها مؤلفة من تكرّر الواحد كان المتكرّر امثال الواحدِ لا ذات الواحد اذِ الواحد لايتكرّر فاذا قلتَ انّ مراده في ذاتِ الواجب مع الحادثات مَا يراد من الواحد مع العشرة كان معناه انّ وجودات الاشياۤء ظهورات الواجب و شؤنه لا نفس وجوده ، و قوله : و مع هذا ، الي قوله : مع انه لايمكن ان يقال انها من حيث هي كذلك عينه تعالي و لا هو عينها ، ينافي ما اراد من قوله : و هو تعالي مقوم لها ، لانه اراد بل صرّح كما في تمثيله بالواحد في العدد انّها عبارة عن تكرّره في مراتب ظهورها فان اراد هذا المعني فمعني كونه مقوِّما لها انّه عينها و هي عينه كما ذكر مميت الدين بن عربي في شعره في كتابه الفصوص :
فلولاه و لولانا لماكان الذي كانا
فانّا اعبدٌ حقّا و انّا اللهُ مولانا
و انّا عينه فاعلم اذا ما قيل انسانَا [ص 590]
فلاتحجب بانسانٍ فقد اعطاك برهانا
فكن حقّا و كن خلقاً تكن باللهِ رحمانَا
الخ ، فان اراد هذا المعني فينبغي ان يقول انه باعتبار التكرر في المراتب فهو غيرها و هي غيره و باعتبار انها انما هي تكرره فهي عينه و هو عينها و ظاهر عبارته انه اراد هذا المعني بدليل قوله : من حيث هي ، و ان اراد به المغايرة الحقيقيّة وجب ان يراد بالتكرر التّكرّر بالظهورات لا بالذات و هذا و ان كان ايضا باطلا من جهة انهم يريدون ظهوراته بذاته لا بافعاله و مفاعيله و لو اراد هذا لكان حقّا لكنهم مايريدون الّا اتّباع الباطل و لهذا قلنا انه لايريد الّا المعني الاول و امّا المعني الثاني فلايريده علي الظاهر و ان كان ايضا باطل ( باطلا . خل ) و لهذا قال : و لاينافي كلّا منهما ما قصد نفيه ، اي لاينافي كونه تعالي مقوّما لها بمعني انها ليست الّا تكرره انه غيرها و انّها غيره و لاينافي كونها عبارة عن تكرّره انها غيره و انه غيرها لكني اقول انّه ينافيه لان الحيثيّة فرقوا بها ان كانت شيئا فهي منها و هي تكرّره و ان لمتكن شيئا فلا فارق فتثبَّتْ بالتمسّك بمذهب مَن تعتقد ( يعتقد . خل ) ان الحق معهم و فيهم و بهم .
قال : « المشعر الرابع - في الاشارة الي كلامه و كتابه . كلامه تعالي ليس كما قالته الاشاعرة من انه صفة نفسيّة هي معانٍ قاۤئمةٌ بذاته لاستحالة كونه محلّا لغيره و ليس ايضا عبارة عن خلق اصواتٍ و حروفٍ داۤلّة و الّا لكان كل كلام كلام الله و ايضا امره و قوله سابق علي كل كاۤئن كما قال انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون » .
اقول : اشار بقوله « الي كلامه و كتابه » الي الفرق بينهما بقرينة العطف الذي يقتضي المغايرة و اراد التفسير علي خلاف الاصل و سيذكر المصنّف [ص 591] الفرق ثم قال الكلام في الحقيقة ليس كما قالته الاشاعرة ابوالحسن علي بن اسمعيل بن بشر الاشعري و اصحابه تبعاً لمحمد بن عبدالوهاب القَطّان فانّهم ذهبوا الي ان كلام اللّه صفة لذاتِ اللهِ نفسانية و هو عبارة عن معانٍ قاۤئمة بذاته او صورها القاۤئمة بذاته كما قال الشاعر :
ان الكلام لفي الفؤاد و انما جُعِل اللسان علي الفؤاد دليلَا
قال المصنف في ردّ كلامهم « لاستحالة كونه محلّاً لغيره » و هذا التعليل حقّ لنا بمعني ان تلك المعاني او الصور معاني الخلق وَ صورهم و يستحيل في حقه تعالي ان يكون محلّاً لغيره و لكن هذا التعليل يرجع ردّاً عليه بعين ما هو ردّ علي الاشاعرة لان اثباته للحقاۤئق المتأصّلة في ذاته التي يسمونها بالاعيان الثابتة يلزم منه ان يكون محلّاً لغيره او انّها هي هو و عندي ايضا ان كونه هي ايّاه ليس بمخرج له عن كونه محلّا لغيره ، و ليس كما قالته المعتزلة و عناهم بقوله « و ليس ايضا عبارة عن خلق اصوات و حروفٍ دالةٍ » و يريد انه عبارة عن اصواتٍ و حروفٍ مخلوقةٍ لان الكلام ليس هو خلق الاصوات لان خلق الاصوات هو التكلم و الكلام عبارة عن اصواتٍ مخلوقة « و الّا لكان كل كلام كلام الله » ، اقول انّه ردّ كلام المعتزلة بوجهين الاوّل هذا الالزامي و هو قوله « و الّا لكان كلّ كلامٍ كلام اللّه » و هو غير لازم عند المعتزلة لان هذا مبني علي انه لا مؤثر في الوجود الّا اللّه و المعتزلة لايسلّمونه و انما تسلّمه الاشاعرة و الثاني قوله « و ايضاً امره و قوله سابق علي كل كاۤئنٍ كما قال انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون » فاذا كان الامر و القول من الكائنات لزم ان يسبقه امر و قول كما هو ظاهر من قوله تعالي فننقل الكلَام الَي هذا السّابق فيكون مسبوقاً بامرٍ و قولٍ و هكذا فيدور او يتسلسل فاذا امتنع ان يكون الكلام كما قاله الاشاعرة و لا كما قاله المعتزلة وجب ان يكون له معني اخر يحمل عليه ، هذا معني كلام [ص 592] المصنف و قد بيّنا لك بطلان الوجه الاوّل و هذا الوجه اعني الثاني ابعد مِن الصواب لان هذا الوجه اعني الثاني ان اراد به الاستدلال عليهم بظاهر اللفظ فليس مما يناسب من مثله مع ما يشير به في جميع كلماته انّ جميع ما يورد من المواهب و الاسرار التي لايقف عليها الّا الاقلون الراسخون في العلم و ان اراد به الحقيقة فهو غلط فاحش و ذلك لان الامر و القول هو المعبّر عنه بكن و هو الفعل و لايريد الكلام و ليس هذا مراد المعتزلة لان المراد عندهم هو الالفاظ و اذا اطلق الكلام انما يراد منه الالفاظ لانه هو المتعارف عند عامة المكلّفين و قد قالوا عليهم السلم انّا لانخاطب الناس الّا بما يعرفون ه ، و الاية الشريفة يراد فيها من الامر و القول خصوص الفعل و لذا قال الصادق عليه السلم : لا كاف و لا نون و انما اراد فكان او كما قال ، ● و اعلم انّك اذا جريت علي ظاهر الٰاية من كون الارادة غير الامر و غير الفعل لظاهر الشّرط قلنا لك انّ ظاهر الشّرط توقف الارادة عليه فانّه اذا لميرد لميقل كن فاذا اراد قال كن و هذا ظاهر في توقّف وجودها علي العزم علي الفعل و الميل اليه كتوقّف القول فهي مقارنة و مشروطة الوجود و المقارن لغيره و مشروط الوجود حادث و كلّ حادث متوقّف علي قوله كن فيلزم اِمّا ان تكون الارادة عبارة عن الفعل المعبّر عنه بكن او حادثة به و الاوّل هو مذهب اهل الحقّ عليهم السلام كما مرّتِ الاشارة اليه و الثّاني يلزمه منه ما فرّ عنه فارادته تعالي عين فعله و لو كانت هي علمه لماصحّ الشّرط فلايقال انّما امره اذا علم الشيء ( علم شيئا . خل ) ان يقول له كن فيكون لانّ العلم لايكون مشروطاً بخلاف الارادة و وقوعها بعد اذا دالّ علي استقبال وجودها فافهم ،
و كلام المعتزلة و الاشاعرة في معني كلام الله لغةً و المصنّف اراد من الكلام غير ما اراد الفريقان و هو طور اخر و هو و ان كان في الجملة صحيح في نفس معناه لكنه لايصح علي اطلاقه لان [ص 593] ظاهر كلامه ان كلام الله محصور فيما قال فيرد عليه ما يرد عليهم لانه اذا اراد بالكلام ما وضع هذا اللفظ بازاۤئه في اصل اللغة الحقّة التي هي كلام الله و كلام اولياۤئه عليهم السلم فكل شيء كلام اللّه يعني جميع افراد الانسان و الحيوانات و النباتات و المعادن و العناصر و الجواهر و الاعراض و الحركات و السكنات و الحاصل جميع ما احاط به علم اللّهِ الامكاني و الكوني مما تعلمون و مما لاتعلمون و منه ما ذكره المعتزلة كلام الله و افراده كلمات اللّه و هذا معني غير ما ذكره المعتزلة فهو يتكلم عليهم بما لايريدون لانهم يريدون به ما خوطبوا به من لغة العرب و معناه وجه من سبعين وجهاً من اللغة الحقّة الاصليّة و المصنف ردّ عليهم بمقتضي وجه آخر من السبعين غير ما هم بصدده و اين هذا من هذا و ان اراد به ما وضع اللفظ بازاۤئه في لغة العرب المعروفة فكلام المعتزلة متّجه و امّا كلام الاشاعرة علي مقتضي اللغة الحقّة فلايسمي كلاما حقّا و انّما يسمي كلاماً باطلاً و معني قولي هذا انهم ذهبوا الي انّ هناك شيئا في نفس الواجب تعالي مغايراً لذاته و هذا باطل فلايقال له كلام في الحق و انّما يقال له كلام في الباطل اي في كتاب الفجار فان كل ما يرد علي الاوهام من الامور الباطلة فهي ظل من الثري و مما تحت الثري كما لو اعتقد او توهّم تعدّد الالهة او تركيب الواجب او كونه معلولاً لما قبله او ان له ولداً او انّ له صاحبة و امثال ذلك من الامور الباطلة فانّها مثبتَةٌ في الالواح الباطلة المعبّر عنها بسجّين و كتابِ الفجار و بالثري و ما تحتَ الثري و بالجهل الكلّي و امثال ذلك و اذا ذهب وهم شخص الي شيء منها بنجوي الشيطان انزل الله سبحانه صورة ذلك من ذلك الكتاب الي وهم ذلك الشخص بمقتضي عمله و استعداده و طلبه لذلك من الوهّاب بقابليته السُّوۤءٰي و هو ظل ما في كتاب الفجار سجين و ما اشبهه من الالواح الباطلة فهو في اللغة الحقّة كلام في اللوح الباطل فلايسمي كلاما [ص 594] في الحق و انما يسمي كلاماً مع انه باطل لانه انزله اللّه بمقتضي قابليّته السوۤءي و انّما خلق تلك الالواح التي ليس فيها الّا الباطل للذي اراد من الدلالة عليه ان كل ما سواه فله ضدّ و جميع ما في الحق فله ضد في الباطل لان المخلوق لايقدر علي ان يتقوم بسيطاً محضاً لما قلنا من انّه لا بد له من اعتبار من ربّه و اعتبار من نفسه و لتعلم بذلك انه تعالي انّما ضاۤدّ بين الاشياۤء لِيُعْلَم الّا ضدّ له فقول الاشاعرة علي مراد المصنف و علي ما اشرنا اليه من اللغة الحقّة التي هي كلامُ اللّهِ و كلامُ اولياۤئِه ليس كلاماً الّا اذا اريد به ما في كتاب الفجار سجّين بخلاف كلام المعْتزلة فانه كلام علي اللغة الحقة و علي لغة العرب التي هي وجه واحد من سبعين وجهاً هي اللغة الحقّة فَرَدُّهُ مردود و ان كان ما اراد من معني الكلام صحيحا و لكنه نوع من انواع الكلام لاينحصر فيه .
قال : « بل هو عبارة عن انشاۤء كلمات تاۤمات و انزال ايات محكمات و اخر متشابهات في كسوة الفاظٍ و عبارات قال و كلمته القاها الي مريم و روح منه و في الحديث اعوذ بكلمات اللّه التاۤمات كلها من شر ما خلق و الكلام النازل من عند الله هو كلام و كتاب من وجهين و الكلام لكونه من عالم الامر غير الكتاب لكونه من عالم الخلق و المتكلم مَن قام به الكلام قيام الموجود بالموجد و الكاتب مَن اوجد الكلام يعني الكتاب و لكل منها منازلُ و مراتب و كل متكلم كاتب بوجه و كل كاتب متكلم بوجه » .
اقول : قوله « بل هو » اي الكلام « عبارة عن انشاۤء كلمات تامات » فيه اشعار بانحصار الكلام في هذه المعاني و قد بيّنّا لك ان الحصر فيها ليس بصحيح و قول الله سبحانه و علم ادم الاسماۤء كلها ثم عرضهم اي المسمّيات علي الملاۤئكة فقال انبئوني باسماۤء هؤلاۤء صريح بان اللّه هو خالق الاسماۤء و واضعها علي مسمّياتها فاخبرني ايّ الكلمات المسميات ام الاسماۤء ام هما معاً و هل الاسماۤء صفات المسميات المعنويّة [ص 595] ام اللفظية فان كنت ممن يفهم اللحن كما في قول الصادق عليه السلم علي ما رواه الكشي : انا لانعدّ الرجل من شيعتنا فقيها حتّي يلحن له و يعرف اللحن ه ، و ممّن يؤمن باللّه و كلماته كما في قوله قل الله خالق كل شيء و هو ٱلواحد القهّار تعرف ان الكلمات في اصل اللغة اعني اللغة الحقّة هي المسميات مثلاً كجرم الشمس اعني الكوكب النّهاري الّذي ينسخ وجودُهُ وجُودَ اللَّيل فانّها من المسميات و هي الاسماۤء المعنويّة كنور ٱلشمس فانّه اسم معنوي و هي ايضاً اللفظية كلفظ الشمس فانه اسم لفظي و الثلاثة مما اَنْشَأَ اللّه تعالي و كل منها كلمة تاۤمّة في مقامها بنسبة رتبتها من الوجود فيدخل في المسميات جرم الشمس بالاصالة و نور الشمس بالعرض و يدخل في الاسماۤء نور الشمس في المعني و لفظ الشمس في اللفظ و كما يصدق الاسم عَلَي ما يدعي حصر الكلام فيه من الذوات و المعاني يصدق ايضا علي الالفاظ فيكون ردّه علي المعتزلة علي غير ما ينبغي و لو ردّ عليهم بنقض حصرهم الكلام في الالفاظ لاتّجَهَ كلامُه ،
و قوله « و انزال ايات محكمات » الخ ، عطف علي قوله « انشاۤء كلمات تامّات » و العطف يقتضي المغايرة فلايكون تفسيراً للمعطوف عليه بل المراد انه تعالي انشأ كلماتٍ تاۤمّات هي الذّوات و الموصوفات و انزل منها صفاتها و اسماۤءها لان الاسماۤء معنوية كانت ام لفظيّة صفات لتلك الموصوفات و اعراض لتلك الذوات و كانت الاسماۤء قبل انزالها لازمة لمباديها من المسمّيات حتي عرض لها القوابل ففصلها من مباديها و اقامها بها قيام صدور مثل الصورة التي في المرءاة فانّها قبل انزالها في المرءاة لازمةٌ لصورة الشخص المقابل فلمّا عرضت القابلة لها اعني المرءاة فصلها منها و اقامها بذلك المبدء اعني به صورة الشاخص اللازمة قيام صدور و اراد بانشاۤءِ كلمات التكلّم بها و الكلمات التاۤمات العقول [ص 596] فانّها كلمات منشَـٔاتٌ كما ذكر في كتاب اسرار الايات قال : و امّا الكلمات التامّات فهي الهويّات الفعليّة النوريّة التي وجودُها عين الشعور و الاشعار و العلم و الاعلام انتهي ، و كلامه له وجه ان لميرد حصر الكلمات التامات في الذوات العقلية و الّا فلا لان من الكلمات التامات العاقلون بل هم الكلمات الكاملات اذِ العاقل اتمّ من العقل و ايضاً في قوله الهويات الفعلية ما ينافي المذهب و ما قام عليه الدليل من ان كلّ ممكن محتاج في بقاۤئه و تحقّقه الي المدد و انه لايستغني عن المدد طرفة عين و الّا لاستغني ابداً و لايمدّ لبقاۤئه و تحقّقه الّا بما لميأته و لميصل اليه او وصل اليه ثم خرج عنه و اعيد اليه نازلاً بعد ان صعِد عنه و هو يريد بالفعلية الغير المنتظرة لشيء بل جفّ في حقّها القلم فكان كل ما لها و اليها بالفعل فهي كاملة لذاتها او مستكملة غير منتظرة لمدد و لقد لوّح الي ما يفيد هذا المعني فيما ذكره اوّل الكتاب في قوله ان العقل و ما فوقه كل الاشياۤءِ فقد جعل العقل و الذي فوقه هو البارئ تعالي كلّ الاشياۤء لكونهما بسيطي الحقيقة و انت خبير بان كلما سوي الله تعالي فهو محتاج الي مدده و كل ممكن فهو زوج تركيبي فليست العقول بسيطة و لا مستغنية ، و قوله : فوجودها عين الشعور و الاشعار الخ ، اذا اريد بوجودها نور اللّه اي كونه غير ناظرٍ الي ما سوي الله فانه ح يقظةٌ و امّا اذا اعتبر كونه ناظراً الي نفسه او الي غير اللّه فانه ح لا شعور فيه و الي ذلك الاشارة بتأويل قوله و تحسبهم ايقاظاً وَ هُمْ رُقُودٌ ، نعمْ العقل تنامُ عينه و لاينام قلبه و شعوره بنفسه بالله سبحانه بامره المفعولي اَعْني ٱلحقيقة المحمديّة و اشعارهُ لما دُونه باللّٰهِ بواسطةِ اَمْرِهٖ و كذلك عِلْمُه و اِعْلَامُهُ و مراده هنا ممّا ذكر او المراد لنا مما ذكر ان انشاۤءه تعالي تكلّمه و كلامه مفعولاته في كلّ رتبة من مراتب الاكوان و مجعولاته كتابه بمعني انّ كلامه مفعولاته العقلية [ص 597] و النفسيّة باعتبار كونها منشأة و باعتبار تمايز افرادها بمشخّصات هندسيّة هي كتابه لانّه الالف المبسوط كما قال عز و جل و كتاب مسطور في رقّ منشور و مفعولاته اللّفظيّة التي يعبّر عنها ترجمانه اي يعبّر عن صورها النفسانية حاكياً لترتيبهَا مع مدلولاتها بلسانه من غير تغيير و لا تبديل و لا تقديم و لا تأخير و مفعولاته الرقميّة التي تنقش في الاوراق بصور ما نقشت في الالواح فكلامه تعالي صادق علي المراتب الاربع باعتبار كونها منشأةً و بمعني انّ ما انشأه منها اذا وضعه فيما يتقوّم فيه من مكان و وقتٍ و جهة و رتبة اقتضي تفاوتها بسط تلك المنشئَاتِ كلّ في وقته و مكانه و جهته و رتبته بمعونة كمّه و كيفه فكان الجامع لما انتشر منها و انبثَّ كتابه تعالي و هو في الصور الجوهريّة و هي النفوس و في جوهر الهباۤء و في المثال و في الاجسام بجميع مراتبها و امّا في العقول فهي و ان كانت متمايزةً تمايزاً معنويّا بحيث يتميّز في العقل معني الخاتم عن معني البيت في التعقّل بمميّزات مَعْنَويّة بحيث لايشتبه احدهما بالاخر الّا انّها في الظاهر لميكن تمايزها بالصّورة فاطلق عليها البساطة فلايقال لها كتاب لعدم الانتشار فيها و الانبساط فهي كلامه بخلاف ما دونها من النفوس و ما تحتها و امّا الارواح فلها ٱعتبارانِ فلذا يطلق عليها النفوس تارة و تارة ٱلعقول و حيْث اثبتنا لها صوراً كهيئة ورق الٰاس فانّها بمنزلة المُضَغِ في تخلّقِ الانسان و قد قال تعالي ثم من مضغةٍ مخلّقةٍ دلّ علي رجحان الحاقها بالنفوس فتكون كتاباً و لمّا كان اكثر استعمال الجعل في اللوازم و التوابع حسن ان نقول كلامه مفعولاته و كتابه مجعولاته و المصنف عبّر عن الجعل بالانزال لمناسبة الايات و لا بأس به و هذا و ان كان اظهر من تعبيرنا في الظاهر لكن تعبيرنا اقرب للتعبير عن حقيقة الامر لان الانزال جعل في الحقيقة و اليه الاشارة بقوله تعالي [ص 598] و كذلك اوحينا اليك روحاً من امرِنا ماكنتَ تدري ما الكتاب و لا الايمان و لكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاۤء الاية ، و ذلك لان النور الذي اوحي الله سبحانه الي نبيه صلي اللّه عليه و اله كان روحا و هو ملك و هو خلق اعظم من الملاۤئكة اعني روح القدس المسمّي بعقل الكلّ و جعله تعالي نوراً اي قرءانا و ان شئت قلتَ انزله قرءاناً و المعني واحد اذا اردت بالانزال الجعل و الّا لميصح علي ظاهر الانزال بمعني انّه حَطّه من عالٍ الي سافلٍ بل كانزال الملك الامين علي اقرارات المؤمنين بالولاية الي الارض حجراً اعني الحجر الاسود فافهم الاشارة ،
و قوله « و انزال آياتٍ » يشير به الي ان افراد ذلك المجموع المبسوط المنتشر المسمّي بالكتاب هي آياته و لعلّ المناسب ان يقال المجموع كلّه كتاب و انواعه سُوَرُه و اصنافه اياته و اشخاصه كلماته و لا مزيّة في الاطناب في هذه المعاني لاني لستُ بصددِ شيءٍ غير تصحيح الاعتقاد و اذا ذكرتُ غير ما يتعلّق بذلك فانّما هو استطرادٌ او تنبيه علي مزيّة يتوقّف عليها بعض تصحيح الاعتقاد و كثرة رَدّي علي المصنّف ليس لانّ بيني و بينه نَبْوة او حَسَد او عداوة و انما اريد بيان الحق و هداية مَن يطلب الرشاد و ان الله سبحانه يعلم ما في ضميري و يطّلع علي قصدي و هو ساۤئلي عن ذلك ،
و قوله « محكمات و اُخَرُ متشابهات » فالذوات المحكمات ذوات المؤمنين الممتحنين و اتباعهم و هو الذوات المطهّرات كالمعصومين عليهم السلم و ما يلحق بهم ممّا كثر خيره من اتباعهم و هذا المحكم في كلٍّ بحسبه من الروح الكلية و النفس الكلية الي التراب الصالح الطيّب و المتشابه من النفس الامّارة الكلية الي التراب المالح و الارض السّبخة ،
و قوله « في كسوة الفاظٍ » الخ ، قد تقدّم ما يكفي لبيانه فانا قد ذكرنا ان الالفاظ و العبارات من الكلام و من الكتاب كلّ في رتبته فلاينحصر الكلام و الكتاب فيما ذكره ،
و استشهاده بقوله « و كلمته [ص 599] القاها الي مريم و روح منه » علي الحصر ينفيه قوله تعالي ربّ ارجعوني لعلّي اعمل صالحاً فيما تركتُ كلا انها كلمة هو قاۤئلها و ما في قوله تعالي فتلقي آدم من ربّه كلمات ،
« و في الحديث اعُوذُ بكلمات اللّهِ التاۤماتِ كلّها من شرّ ما خلق » قد ورد فيه بانّها رجال و بانّها اَلْفاظٌ لما قدّمنا من تساوي الكل في كونها صنعه فما لميتمايز بالمشخصات الشّخصية سواۤء في الانواع او الاصناف او الاشخاص فهو كلام علَي اصطلاحه و ما كان كذلك فهو كتاب ،
و قوله « و الكلام النازل من عند اللّٰهِ هو كلام و كتاب من وجهين » هو ما اشرنا لك اليه فانه بلحاظ البساطة او البساطة كلام وَ بلحاظ التّعدّد او الانبساط كتاب و الكسوة كما قلنا يجري فيها هذا باعتبارين و هذا ظاهر ،
و قوله « و الكلام لكونه من عالم الامر غير الكتاب لكونه من عالم الخلق » يريد به ان الكلام الذي هو الهويّات العقليّة من عالم الامر اي الفعل و التكوين و هذا كما هو مقرّر عندهم ان عالم الامر عالم العقول و عَالم الخلق عالم النفوس و عندنا انّ عالم الامر هو عالم الاختراع و الابداع اعني المشية و الارادة و امّا العقول فهي من عالم الخلق نعم عالم الخلق هو المفعولات و هي قد تكون حاملة لافعاله تعالي كحمل الحديدة لحرارة النّار و يكون عز و جل فاعلاً بها و اليه الاشارة بقول علي عليه السلم في شأن الجواهر المجردة من الملاۤئكة و الارواح و النفوس قال (ع) : و القي في هويّتها مثاله فاظهر عنها اَفْعَالَهُ ه ، و يمكن بهذا الاعتبار جعلها من عالم الامرِ لما يظهر بها او عنها من التكوينات فعلي هذا يجوز ان يقال عليها عالم الامر و عالم الخلق باعتبارين و علي كل حالٍ عالم الامر غير عالم الخلق لان الاول عالم التكوين و الثاني عالم التكوّن ،
و قوله « و المتكلم مَن قام به الكلام قيام الموجود بالموجدِ » يريد به ان المتكلم هو منشئ الكلام بدليل ما ذكر قبل من قوله « عبارة عن انشاۤء كلمات » الخ ، و فسّره [ص 600] هنا بقوله « مَنْ قَامَ به الكلام » الخ ، و معناه انّ الكلام قاۤئم بالمتكلم قيام صدور لا قيام عروض و حلولٍ و هذا صحيح الّا انّه منافٍ لقوله السابق من اتّحاد الموجود بالموجد و لكن هذا علي مذهبنا صحيح الّا انّا نتفارق معه في المراد من المتكلم فانه علي مفاد طريقته و عباراته انه الذات البحت و عندنا هو مثال الذات اعني فاعل الكلام و صانعه و يحتمل انه يريد ان الكلام قاۤئم بالمتكلم اي متحقّق به لا انه من حيث هو مصنوع له لان هذا عنده صفة الكتاب لا صفة الكلام ،
و يؤيد هذا الاحتمال قوله « و الكاتب مَن اوجد الكلام يعني الكتاب » فجعل الفرق بينهما ان المتكلم من تقوّم به الكلام و الكاتب مَن اوجده فيفهم من هذا انه لايريد ان المتكلم من اوجد الكلام و يؤيد هذا ردّه لكلام المعتزلة كما تقدّم فيكون عنده من اوجد الكلام ليس بمتكلم بل هو كاتب و اذا قلنا اراد بقيام الموجود بالموجد استناده اليه لانه من عالم الامر اذ هو فوق التجدد و الحدوث انطبق مراده علي اعتقاده و لكن الكفر ملّة واحدة و الحق ان المتكلم مَن اوجد الكلامَ و هو قاۤئم بفعله قيام صدور و المتكلم اسم فاعل الكلام فهو صفة مركبة من الايجاد و الموجود به اعني الكلام يعني مركبة من الفعل و الحَدث و مسمّاه مثال الذات البحْت اعني فاعل الكلام و موجده و هو الظاهر بالكلام و اما الكاتب فهو اسم لمُوجِد الكتابة لكن لمّا كان الكلام اثر الحركة المُوجِدة له المتقضّي بانقضاۤئها لانه و ان كانت هيولاه من الهواۤء في الاصل فان ماۤدّته من حركة موجده لانّها اصوات صاغها من حركته و آلاتها الحاملة لها و من الهواۤء بل في الحقيقة انّما صاغها من حركته في الهواۤء فالهواۤء من مقومات ماۤدّته فلمّا كان كذلك كان قاۤئما بمصدره اي بفعل موجده قيامَ صدورٍ و محل ظهوره الهواۤء و الكتابة ليست ماۤدّتها من فعل الكاتب بل هي من المداد فكانت هيئاتها المشخّصة لها و ان كانت من هيئات [ص 601] حركة مؤثّرها متقومةً بمادتها الاجْنبية فكانت الكتابة قاۤئمة في القرطاس و هذا ما اشرنا اليه قبل هذا من كون المجعولات كتابه تعالي لانه عز و جل اقامها بمواۤدّها في اوقاتها و اماكنها اذ هي من حدود قابلياتها ،
و قوله « و لكلٍّ منها منازل و مراتب » يريد ان لكل من الكلام و الكتاب منازل اذا تنزل من مصدره اليها ظهر فيها لمن يخاطبُ به و لمن يرسل اليه فمنازلهما في عالم الاسرار غير منازلهما في عالم الانوار و هي غيرها في عالم الاشباح و هي غيرها في عالم الاجسام اذ هما في عالم الاسرار حيوة و في عالم الانوار اشراق و في عالم الاشباح تصوّر و خطاب و في عالم الاجسام كلام و كتاب و هذا تمثيل لما يظهر و الّا ففي الحقيقة كلها حيوة و اشراق و تصور و خطاب و كلام و كتاب و كذا في المراتب و الفرق بين المنازل و المراتب انّ المنازل ظهورهما في كلّ رتبة و المرٰاتب نسب المنازل الي المبدء في القرب و البعد و انّما جمع بينهما في مطلق المنازل و المراتب لصدق كل واحدٍ منهما علي ما يراد من الاخر باعتبارٍ ،
و قد اشار الي هذا بقوله « و كل متكلم كاتبٌ بوجهٍ و كل كاتبٍ متكلم بوجه » يعني ان المتكلم هو الموجد للكلام و الكاتب هو الموجد للكتابة و انما يقال لهذا الموجد متكلم بلحاظ ان ما اوجده قاۤئم بفعله قيام صدور باعتبارِ اَنّ مادته المتقوّم بها من حركته الايجاديّة علي نحو ما مر و يقال له كاتبٌ بلحاظ انّ ما اوجده قاۤئم بمحلّه المتشخّص فيه به اي بذلك المحلّ و امّا الفرق بالتقضّي و البقاۤء فانما هو بالنسبة الينا و امّا في الحقيقة فكل مخلوق مضبوط اجل خروجه الي الكون و تقضّيه و بقاۤئه و هي مختلفة علي حسب قوابلها و في حقيقة هذه الحقيقة انّ كلّ شيء لايخرج عمّا اقيم فيه من مرٰاتب ملكه تعالي سواۤء الكلام و غيره و كيف يدخل شيء في ملكه و علمه الامكاني و الكوني و يخرج عنه و قد اشار الي هذا المعني بقوله قد علمنا [ص 602] ما تنقص الارض منهم و عندنا كتاب حفيظ و هو كتاب ملكه و سلطانه عز و جل .
قال : « و مثاله في الشاهد ان الانسان اذا تكلم بكلام فقد صدر عن نفسه في لوح صدره و مخارج حروفه صور و اشكال حرفيّة فنفسه ممّن اَوْجد الكلام فيكون كاتبا بقلم قدرته في الواح صدره و منازل صَوته و مجاري نفسه بفتح الفاۤء و شخصُه الجسماني ممن قام به الكلام فيكون متكلما فاجعل نفسَك مقياساً لما فوقه » .
اقول : قوله « و مثاله » جارٍ علي متعارفهم في التعبير لا علي طريقة اهل الحق عليهم السلم لانهم اذا ارادوا بيان ذلك بهذا قالوا و آيته او دليلُهُ و ان قالوا و مثاله لاجل تفهيم الساۤئل فانهم عليهم السلم مايريدون محض التمثيل و انما يريدون الاية و الدليل و معني كلامي ان مجرّد التمثيل لايكون دليلاً بخلاف ما لو قيل اية او دليل و قد ثبت بالنقل الصحيح و العقل الصريح انّ ذلك و امثاله قد جعله دليلاً بل علي نحو المُعَاتبة كما اشار اليه تعالي بقوله و كأيّن من اية في السموات و الارض يمرّون عليها و هم عنها معرضون و قال و تلك الامثال نضربها للناس و مايعقلها الّا العالمون و لا شك ان الكلام منا اٰية لاولي الالباب قال تعالي سنريهم اياتنا في الافاق و في انفسهم حتي يتبيّن لهم انه الحقّ ،
قوله « ان الانسان اذا تكلم بكلام فقد صدر عن نفسه » يعني بسُكون الفاۤء « في لوح صدره » يعني خياله و تصوّره لانه لوح النفس « و مخارج حروفه » التي هي محٰالُّ وجودات الحروف الثانية « صور و اشكال حرفيّة » يعني ان تلك الاصوات انّما تمايز بعضها عن بعضٍ بتلك الصور و الاشكال و المراد بها الصور و الاشكال الجوهرية لها اذْ لَاتتقوّمُ بدونها و هي مثل الجهر و الهمس و القلقلة و الشّدة و الرخاوة و التفشّي و امثال ذلك « فنفسه » بسكون الفاۤء « ممن اوجد الكلام فيكون كاتباً » باعتبار نفس صورها في [ص 603] خياله و هيئاتها و صفاتها في سمعه و ذواتها في الهواۤء فهو كاتب « بقلم قدرته » اعني احداثه للحروف « في الواح صدره » اي خياله « و منازل صوته » التي اوّلها النقطة الممتدّة من جوفه الي الهواۤء الخارج عن فمه و هذا هو الالف اللّينة و هي عند المحققين ليست من الحروف و انما هي الهيولي التي تقطّع منها الحروف التي اولها الالف المتحركة ثم الهاۤء الي اخر الحروف بالنسبة الي مخارجها و هو الباۤء الموحدة فنفس المتكلم ممّن اوجد الكلام بفعلها في منازل ظهوراته و تنزلاته فيكون كاتباً و هو الذي قام به الكلام قيام صدور فيكون متكلّما ،
و قوله « فشخصه الجسماني » الخ ، يوهم انه قام به قيام عروضٍ لكن اذا لاحظنا ما تقدّم من كلامه في قوله : كقيام الموجود بالمُوجد ، وجّهنا هذه العبارة لكلّ احدٍ بنسبة اعتقاده في معني قيام الموجود بالموجد فاما المصنف فهو قاۤئل بوحدة الوجود و ان الاشياۤء من سنخ صانعها بل وجودها وجوده تعالي و حيث شبّه الكلام بالموجود و قيامه بالمتكلم كقيام الموجود بالموجدِ ظهر مرادُه هنا ان الكلام هو المتكلم و صٰادق عليه فحيثما قال خطأ فذاته خطأ و هكذا و امّا نحن فنقول الموجود قاۤئم بامر اللّهِ الفعلي اي المشية و الارادة و الابداع قيامَ صدورٍ و بالامر المفعولي الّذي هو نور الانوار اعني اوّل صادرٍ عن فعل الله و هو الحقيقة المحمديّة قياماً ركنيّاً و هو قيام التحقّق و الكلام قاۤئم بحركة المتكلّم قيام صدور و الكتابة قاۤئمة بالمداد قيام تحقّق و علي النظر الحقّ اَنّ الانسان المتكلم هو من اوجد الاصوات فباعتبار انّها قاۤئمة به قيام صدور هي كَلَامٌ و هو متكلّم و باعتبار قيامها بالهواۤء و بمتعلّقاتها من الاسماع و النفوس المؤثرة فيها حين توجَّهُ اليها قيام عروض هي كتاب و هذا هو المقياس الحق لانه هو آية اللّه تعالي لهذا المذكور في الافاق و في الانفس .
[ص 604] قال : « و الكلام قرءان و فرقان باعتبارَيْن و الكلام لكونه من عالم الامر منزلة الصدور و لايدركه الا اولوا الالباب بل هو ايات بينات في صدور الذين اوتوا العلم و مايعقلها الّا العالمون و الكتاب لكونه من عالم الخلق منزلة الالواح القدريّة يدركه كل احد بقوله تعالي و كتبنا له في الالواح من كل شيء موعظة و الكلام لايمسّه الّا المطهّرون بل هو قرءان كريم في لوح محفوظ لايمسّه الا المطهرون تنزيل من ربّ العالمين فتنزيله هو الكتاب » .
اقول : قوله « و الكلام قرءان و فرقان باعتبارين » قد يراد منه مطلق الكلام و قد يراد به اكمله فان اريد الاول كان المراد من قوله قرءان ما يقرأ اي يتلفّظ به او ما يعلم فان ذلك قرائة معنوية و القرءان مصدر بمعني القراۤءة كٱلغفران و الفرقان ما يرتفع به الالتباس منه فَيَصْدُقَانِ علي الكلام باعتبارين و ان اريد الثاني كان المراد الكلام المعجز المنزل علي محمد صلي اللّه عليه و اله بخصوص لفظه و معناه و نظمه و هو مجموع ما بين الدَّفَّتَيْنِ و ٱلفرقان هو الفارق منه بين الحقّ و الباطل او كله بهذا الاعتبار فانّه فارق بين الحق و الباطل اذ لايأتيه ٱلباطل من بين يديه و لا من خلفه و في الحديث الفرقان المحكم الواجب العَمل به و القرءان جملة الكتاب ه ، و علي ظاهر الحديث المتشابه ليس من الفرقان ما دامَ مُتَشَابِهاً فاذا رُدَّ الي المحكم لَحِقَ به و هو من القرءان قبل الردّ و بعده و امّا في الحقيقة فالمتشابه من الفرقان قبل الرّدِّ ايْضاً لانّه حينئذٍ يميز المؤمن من غيره فانّ المؤمن يؤمنُ به كما اخبر تعالي عنه فقال تعالي هو الذي انزل عليك الكتاب منه ايات محكمات هن امّ الكتاب اي الفرقان الواجب العمل به و اخر متشابهات فامَّا الذين في قلوبهم زيغ و هم غير المؤمنين فيتبعون ما تشابه منه ابتغاۤء الفتنة وَ ٱبتغاۤء تأويله فكان المتشابه من الفرقان لتمييزه لغير المؤمنين و استنطاقه لما في ضَماۤئرهم الي اَنْ قال تعالي و الراسخون في [ص 605] العلم يقولون آمَنَّا به كلّ من عندِ ربنا و كان من الفرقان لتمييزه لاهل الايمان به و المنزل علي نبينا صلّي اللّه عليه و اله كما في الحديث نزل القرءان ( علي . خل ) اربعة ارباع ربع فينا و ربع في عدوّنا و ربع سنن و امثال و ربع فراۤئض و احكام ه ، هو قرءانٌ باعتبارِ انّه يُقْرَءُ و هو فرقان باعتبار انه يفرق بين الحق و الباطل فالربع الاوّل مميّز للحق بالثناۤء عليهم و الدّعاۤء اليهم و الربع الثاني مميّز للباطل بذمّ اهله و النهي عنهم و الربع الثالث مميّز للمتمّمات من الاعمال و المكمّلات لها و داۤلّ علي طريق النجاة و واعظٌ للعصاة فهو فارق بين طريق الحيوة و النجاة و الهلاك و الربع الرابع ظاهر فكان الكلام قرءاناً و فرقاناً باعتبارين ،
و قوله « و الكلام لكونه من عالم الامر منزلة الصدور » يريدُ به ان الكلام هو الفعل او مظهر الفعل لان عالم الامر هو عالم الفعل و هو كذلك لانّ الكلام ان اريد به المعنوي فهو ظاهر في كونه من عالم الامر مثل فعل الله الذي هو مشيّته و ارادَتُه و اِبْدَاعُهُ و اختراعه لانّه اذا اراد شيئا كَانَ مَا ارادَ اَن يكون و قوله تعالي انّما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون يراد من الامر نفس الارادة كما قال الصادق عليه السلم لا كاف و لا نون و انّما ارادَ فكانَ ما اراد اَنْ يكون ه ، او كما قال عليه السلم فالامر هنا هو الارادة و هو كلام معنوي لانه عبارة عن محض الايجاد و ان اريد به الكلام اللفظي فهو آلة التأدية و التبليغ الي المكلّفين و هو من عالم الامر الثاني الجعلي كما قال الرضا عليه السلم في كلامه لعمران الصابي : و كان اوّل ابداعه و ارادته و مشيّته الحروف التي جعلها اصلاً لكل شيء وَ دَليلا علي كل مدرَكٍ و فاصلاً لكلّ مشكلٍ الي ان قال ثم جعل الحروف بعد احصاۤئها و احكام عِدّتها فِعْلاً منه كقوله عز و جل كن فيكون و كن منه صنع و ما يكون به المصنوع فالخلق الاول من اللَّهِ الابداع لا وزن له و لا حركة و لا سمع و لا لون وَ لا حسَّ و الخلق الثاني [ص 606] الحروف لا وزن لها و لا لون و هي مسموعة موصوفة غير منظور اليها الحديث ، فالفعل الاول الابداع و ٱلارادة و المشيّة و هو خلق ساكن لايدرك بالسكون و به احدثَ سبحانه الحروف و جعلها فعلاً منه كما مر في الحديث و الحاصل انّ اطلاق عالم الامر علي الكلام بهذا المعني لا بأس به لكنّه لا داۤئماً بل بهذا الاعتبار لانّه ايضاً من عالم الخلق و كونه يُستعمل فعلاً و حاملاً للفعل لايختَصُّ به بل كل ما في عالم الخلق يُسْتعمل فعلاً اذَا خلق اللّٰه به شيئاً لانّه حامل للفعل كما قال اميرالمؤمنين عليه السلم في وصف نفوس الملأ الاعلي قال : و القي في هُوِيّتها مثاله فاظهر عنها اَفْعَالَهُ الحديث ، و علي كل تقدير فمنزل المعنوي الصدور و هذا ايضا كلام باعتبار و كتاب باعتبار فانه في الصدور و ما في الصدور مكتوب فيها كما قال تعالي اولۤئك كتب في قلوبهم الايمان و مما كتب الشهادتين و المعاد و الولاية نعم اذا لوحظ انبعاثه و تقوّمه بمصدره تقوّم صدورٍ لا حلولٍ اختصّ ظاهراً بكونه كلاماً و في نفس الامر هو كتاب مكتوب في لوح ملكه تعالي فكما يكون الكلام من عالم الامر يكون من عالم الخلق و كما يكون في الصدور يكون في الاسماع و ليس كلّ ما لايدركه الّا اولوا الالباب من عالم الامر بل قال تعالي و يخلق ما لاتعلمون فان ما لايدركه اولوا الالباب الذين عناهم من عالم الخلق اكثر مما يدركونه بما لايكاد يحصي ،
و استشهاده بقوله تعالي « بل هو ايات بينات في صدور الذين اوتوا العلم » لايخصّ بل كما كان في صدورهم من عالم الامر كذلك يكون كتاباً فان اطلاق الكتاب في القرءان علي الامام عليه السلم ثابتٌ في كل موضع من القرءان و لا رطب و لا يابس الّا في كتاب مبين ، حم و الكتاب المبين هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق و هو الذي قال انا كتاب اللّهِ الناطق ،
و استشهاده بقوله تعالي « و مايعقلها الّا العالمون » عليه لا له فانّ المراد بها الامثال المكتوبة في لوح [ص 607] الافاق كما قال تعالي و كأيّن من اية في السموات و الارض يمرّون عليها و هم عنها معرضون و هذه التي يمرّ عليها الجاهلون و لايعقلونها هي التي يعقلها العالمون مع ان الجهال يدركونها فان قلتَ انّما اراد ان الجاهلين لايعقلونها قلتُ انّما ارادَ انّ الجاهلين لايدركونها بحواۤسّهم و لو اراد انهم لايدركونها بعقولهم لميكن بين ما هو من عالم الامر و بين ما هو من عالم الخلق فرق بل ربّما تكون اسرار المحسوسات اخفي من اسرار المعقولات كما هو مُشَاهَدٌ ،
و قوله « و الكتاب لكونه من عالم الخلق منزلة الالواح القدريّة » ربّما يفهم منه و ممّا قبله اختصاص ما هو من عالم الخلق بنزوله في الالواح القدريّة و ما هو من عالم الامر بالواح الصدور و قد اشرنا الي عدم الاختصاص بل يكون كلٌّ منهما في المنزِلَتَيْنِ باعتبارٍ و ايضا قوله « الالواح القدرية » مبني علي ما اصطلحوا عليه من ان القضاۤء سابق عَلي القدر لانه من صقع الالوهية و القدر من لوازم الماديات و هذا بخلاف ما عليه اهل العصمة عليهم السلام فان القدر عندهم سابق علي القضاۤء و انّ كلَيْهما متعلّقه الحوادث الّا ان القدر فعل اللّه المتعلق بتقدير الحوادث من الغيب و الشهادة في اَجَلِ بدئها و فناۤئها و بقاۤئها و ارزاقها و سعادتها و شقاوتها و غير ذلك و القضاۤء بعد القدر يتعلق بتتميم المقدرات و حيث كان يجري مجري القوم لا علي طريقة ائمتِنا عليهم السلم قال انّ ما في الالواح القدريّة يدركه كلّ احدٍ ، و قد بيّنّا ما فيه ،
و استشهاده بقوله تعالي « و كتبنا لَهُ في الالواح من كلّ شيء موعظة » فيه ما تقدّم فان مما هو عنده من عالم الامر اللوح المحفوظ و قد كتب فيه القلم ما كان و ما يكون و قال تعالي علمها عند ربّي في كتاب و قال و عندنا كتاب حفيظ ،
و كذا قوله « و الكلام لايمسّه الّا المطهّرون » الخ ، فانّ فيه قوله تعالي في كتاب مَكنون لايمسّه الّا المطهّرون فانه [ص 608] تعالي اخبر انّ القرءان في كتابٍ مكنون ذلك الكتاب لايمسه الّا المطهّرون و ان جعل الضمير في « يمسّه » للقرءان لا للكتاب صحّ و لكنه هو المنزّل من ربّ العالمين و عنده ان المنزل هو الكتاب لقوله « فتنزيله هو الكتاب » فكلامه لايستقيم منه شيء الّا علي معناه الاوّل في قوله باعتبارين .
قال : « الموقف الثاني - في الاشارة الي الصنع و الابداع و فيه مشاعر : المشعر الاول - فاعلية كل فاعل اما بالطبع او بالقَسْر او بالتسخير او بالقصد او بالرضا او بالعناية او بالتجلّي و ما سوي الثلاثة الاول اراديٌّ البتّة و الثالث يحتمل الوجهين و صانع العالم فاعل بالطبع عند الدهريّة و الطباعيّة و بالقسر مع الداعي عند المعتزلة و بغير الداعي عند اكثر المتكلمين و بالرضا عند الاشراقيين و بالعناية عند جمهور الحكماۤء و بالتجلّي عند الصوفيّة و لكلٍ وجهة هو مُولّيها فاستبقوا الخيرات » .
اقول : اعلم ان هذا التقسٖيم جارٍ علي طريقة الظاهر التي يستعملها الحكماۤءُ الاوّلون و الانبياۤء عليهم السلام لتعريف العوام و جري عليها المتأخرون و المتكلمون و هي مبلغهم من العلم و امّا في الحقيقة التي خلق سبحانه عليها الخلق و عرّفها انْبياۤءه و رسله و اولياۤءَه عليهم السلم ففاعلية كل فاعلٍ بالاختيار و انّ الجبر غير متحقق في العالم اَصلاً الّا عَلي نحْوِ التتميم و الاعانة و قد بيّنّا وجه ذلك في رسالتنا المسمّاة بالفواۤئد و في شرحنا عليها مَنْ اراد الاطّلاع علي ذلك طلبه هنالك و قول المصنّف هنا بل في ساۤئرِ كتبه من هذا النوع اذ لايعرف الّا ما قاله من قبله ممن هو من نوعه و لقَدْ صَدق فيه و فيهم قول اميرالمؤمنين عليه السلم : ذهب مَن ذهب الَي غيرنا الي عيونٍ كدرةٍ يُفرغ بعضُها فٖي بعضٍ الحديث ،
و قوله « امَّا بالطبع » و هو من يصدر عنه الفعل بمقتضي طبيعته بلا شعور منه بما فعل و لا ارادة فيكون فعله ملاۤئما لطبعه و قد يكون مع الشعور الّا انّه لميكن له داعٍ غير ميل الطبيعة [ص 609] او بالقَسْر اي قد يكون الشيء فاعلاً بالقَسْرِ و هو الذي يصدر عنه فعل بغير ارادته سواۤء كان عن شعور ام لا و يكون علي خلاف محبّته او بالتّسخير و هو الذي يصدر عنه الفعل بمقتضي ارادة المسخر و داعيه و يكون ذلك منه اعم من شعوره و ارادته و رضاه بل قد يشعر و قد لايشعر و قد يريد بمقتضي طبيعته و قد لايريد و قد يرضي بمعونة بعث المسخّر و قد لايرضي او بالجبر و هو اَن يفعل المختار بغير اختياره بل بارادة مُجْبره او هو بمعني القسر او القَسْر بمعناه اَوْ بالقصد و هو الذي يفعل بارادته لغرضه المقصود بفعله سواۤء كانَ بسبَبِ معونةِ حصول الدَّواعي و انتفاۤء الموانع ام بنفس ارادته اوْ بالرِّضَا وَ هُوَ الّذي يكون علمه الذاتي علّة لوجود مفاعيله و عين معلوميتها له عين وجودها عنه و علمه بها عين فعله لها بلا اختلاف في شيء من ذلك او بالعناية و هو الذي يكون فعله تابعا لعلمه بوجه الخير في ذلك الفعل في نفس الامر فيفعل عن ذلك العلم من غير قصدٍ زاۤئد علي ذلك العلم او بالتجلّي و هو اَنْ يلقي مثاله في هويّات الاشياۤء بحسب قوابلها و هذا تعريف ما ذكر من التقسيم في الجملة و يأتي تتمّة الكلام ،
ثم قال « و ما سوي الثلاثة الاُول » يعني ما سِوَي الفاعل بالطبع و الفاعل بالقَسْر و الفاعل بالتسخير « اِرَادِيٌّ » يعني ان فعل الفاعِل بالقصد و بالرضا و بالعناية و بالتجلّي ارادي صدر عنه بارادته و قد اشرنا الي انّ ما كان بالطبع قد يكون ارادِيّاً و لايلزم ان كلما صدر عن طبيعة الشيء لايكون اراديّاً او بغير شعور بل قد يكون عن ارادة و شعور بل لو بنينا علي حاۤقِّ حقيقة الامر لميوجد فاعل ينسب اليه الفعل حقيقة الّا بارادة و شعور الّا انه في كل شيء بحسبه و انّ ما كان بالقَسر او الجبر لايكاد ينفك عن الشعور و الارادة الّا ان ذلك بمعونة تتميم نقص طبيعته و ذاته من قسر القاسر و اجبار المُجبرِ اذِ اقتضاۤءُ طبيعةِ ذي الطبع و ذات المقسور و المجبور كان ناقِصاً لكونهما ناقصتين [ص 610] في اقتضاۤئهما لذلك الفعل فكان الاجبار متمّما و ميل الطبيعة معيناً للشيء و خفاۤء ما اشرنا اليه في النباتات و الجمادات و الحيوانات انّما عرض للاوهام لاقْتصارِ نظرها علي ما انتقش فيها من افعال المختارين من نحو بني ادم و لو تنزلّت الي كلِ رتبةٍ دونها بحليتها او ترقّت الي كل رتبة فوقها باخلاقها لعرفت ما اشرنا اليه ، و اما ما جعله اراديّا و هو الاربعة الباقية فنقول اما الفاعل "٣" بالقصد ففعله ارادِيّ و هو اكمل الفاعلين لكونه فاعلاً مختاراً بكل رتبةٍ من مراتب الاختيار لصدق الفعل بالارادة و بالرضا و بالعناية و بالتجلّي عليه و انتفاۤء صدق فعل الطبيعة و القَسر و التسخير عنه و اما الفاعل "٢" بالرضا فاذا اُرٖيدَ منه "-٢" ما اُرٖيدُ منه "-٣" فلا بأس و امّا اذا اريد منه ما يعني المصنف و اهل ملّته فلايكون ارادِيّاً فانهم يجعلون الفاعل بالرضا هو الذي يكون سبب فعله للاشياۤء علمه بمعني انّ علمه بها نفس فعله لها و عين عالميته بها عين فاعليته لها و مع هذا كله فيريدون من هذا العِلم العلمَ الذي هو ذاته فليزمهم اَنْ تكون ذاته صُنْعاً و مصنوعا فرِضَاه بفعلِه عينُ رضاه بذاته فهو فعله و هذا معلوم من طريقتهم المنكوسة المتعوسة و لو ارادوا بذلك العلمِ العلمَ الحادثَ بحدوث المعلوم سواۤء جعلوهُ فعلَه لهٰا ام نفسها لمنعترض عليهم بمثل هذا الاعتراض لانّه يكون الفاعل غير المفعول و غير الفعل و امّا الفاعل بالعناية فانّه يلزم منه القول بالجبر في افعال العباد لانه عندهم هو الّذي يتبع فعله علمه بوجه الخير لا نفس الامر و علمه بوجه الخير كافٍ في الصدور عن الارادة الّا ان يجعلوا ذلك العلم ارادةً فيكون اراديّاً مع لزوم الجبر ثم اذا جعلوهُ ارادةً فان قالوا بحدوثه صحّ لهم كل ما سوي لزوم الجبر و امّا اذا قالوا بقدمِه امتنع الفعل في القدم او القدم في الحدوث او انفكاك احدهما عن الاخر لان العلم عندهم كافٍ في صدور الاشياۤء و لو كان سابقاً في وجودهٖ علي صدورها لميكن كافياً لانهم اذا جعلوه كافياً كان كافياً في القدم فتصدر حيث [ص 611] يكون كافياً فتكون صادرةً في القدم و مع هذا كله فالجبر لازم علي انا قد بيّنّا ان الارادة حادثة لانها من صفات الافعال و لاتكون الَا و المراد معها كما دَلَّتْ عليه اخبار اهل الحق عليهم السلم و هم لايريدون بالعلم الّا الذات البحت سبحانه و تعالي عما يقولون علوا كبيراً ،