و قوله « فكذلك الحكم في موجوديّة صفاتِهٖ تعالي » الخ ، مبني علي ما سمعتَ فلايكون صحيحاً في ٱلحقيقة و ان كان يوهم الصحّة في بادي الرّأي عند مَنْ لم‌يقل بقول اهل البيت عليهم السلم ممّن عرّفوه معاني كلامهم عليهم السلام [ص 564] لانه يريد كما انّ ماهيّة الممكن تصدق علي وجوده معَ اَنَّ الوجود موجود بالذَّاتِ و الماهية موجودة بعين هذا الوجود كذلك مفهومات صفاته تصدق علي ذاته تعالي مع ان تلك المفاهيم موجودةٌ بوجودِ الذَّاتِ و هذا القول في الحقيقة مثل الاقوال الماضية في البطلان لانّه اذا فرض مفاهيم غير الذّاتِ ماصدقَتْ عليها و لو كانت المغايرة بالاعتبار و ان لم‌تغاير اصلاً امتنع الصّدق لانه حمل و لايتحقّق مع الاتّحاد المحض و بيان حقيقة ذلك انّ المفهوم اِمّا ان يكون محصّلاً من الذات البحت او من الاسم الدال عليها او من الْفَاهِمِ فان كان من الذات البحت فلايحصل منها غيرها و الّا لماكانت بسيطةً و بَحْتاً و هي لاتحمل علي نفسها و انْ كان من الاسم الدال عليها فان كان التحصيل علي نحو ما يقتضيه في اصل الوضع او العقل لم‌يحصل منه غير الذات و هي لاتحمل علي نفسها و ان كان علي غير نحو ما يقتضيه من الدلالة الوضعيّة او العقليّة فهو اجنبيّ لايحمل علي الذات و كذا ما يحصّله الفاهِمُ من نفسه علي انا لانسلّم ان للصفات مفاهيم في الازل اذ ليست شيئاً غير الذات و امّا ما نعرف من المفاهيم التي تنسب الي الصفات فانما ذلك فيما دون المشية و كلّما تحت المشيّة فهو حادث و هي حينئذٍ معاني افْعاله تعدّدَتْ تلك المعاني و اختلفت بِتَعَدُّدِ متعلّقاتها المختلفة فالمتعلّق بالمعلوم علم و المتعلّق بالمسموع سمع و المتعلّق بالمبصر بصر و المتعلّق بالمقدوْرِ قدرة و هكذا ساۤئر الصفات الفعليّة و ليس وراۤء الفعل صفاتٌ و لا معاني و لا اسماۤء و لا شيء من الاشياۤء الّا الذات البحت البسيط الّتي لا كثرة فيها و لا تعدّد و لَا اختلاف و لا تغاير لا في الواقع و لا في الخارج و لا في الاذهان و لا في الفرض و لا في الاعتبار و لا حيث و لا كيف و لا لِم و لا شيء من الاشياۤء من تصادقٍ اَوْ تضايف او تناسب او جهة و جهة او غير ذلك لان [ص 565] كل ما سوي الذات البحت من معني او عين في غيب او شهادة او نفس الامر او الخارج او ذهن ( الذهن . خ‌ل ) فهو محدثٌ بفعل اللّهِ و فعل الله محدث بنفسه و معاني الصفات و مفاهيمها محدثة بالفعل كما قلنا و قبل الفعل ليس الّا الذّات البَحْت فما الذي يصدق علي الذات البحت هل هو ما بعد الفعل و هو حادث بالفعل ام ما قبل الفعل و ليس ما قبل الفعل الا الذات البحت و لايصدق الشيء علي نفسه مع عدم المغايرة لا خارجا و لا ذهنا و لا في نفس الامر لا بالفرض و لا بالاحتمال فقد ظهر لك ان كلامه ليس بصحيح بل الصحيح انّ المراد من عينية الصفات هو ما يُبْنَي علي المجازفة مما لاتحسن العبارة عنه و انما نقول انه تعالي احدي المعني و انما وصف نفسه بهذه الصفات تعريفاً للعباد بما يفهمون كما قال الرضا عليه السلم : و اسماۤؤه تفهيم و صفاته تعبيرٌ ، و ليس شيء مما تدركه الخلاۤئق من صقع الازل في شيء و التعريف انما هو بما اظهر من افعاله المفيدة لهذه المفاهيم المتكثرة المختلفة و ليس لها مبادي في ذاته و انّما مباديها في فعله و ذلك انه وصف بالعلم لادراكه المعلوم و السمع لادراكه المسموع و البصر لادراكه المبصر و هكذا و الادراك معني فِعْلِيّ و امّا ذاته فانما هي كمال مطلق خارج عن حدِّ الادراك و التقدير و الوصف فصدور آثار تلك المعاني الفعلية لايدلّ علي وجود مباديها او معانيها في الذات كما ان صدور الكتابة لايدل علي كون مباديها من الذّات و انما تنتهي الي حركة يد الكاتب لا الي ذاتِ الكاتب لم‌تكن في ذاته شيء ممّا للكتابة تعلّق به الّا العلم و القدرة المطلقانِ و العلم و القدرة الخاۤصّان بالكتابة وجه من وجوه المطلقة العاۤمّة و هو عبارة عن التعلق الحادث عند الكتابة يحدث بحدوثها و يرتفع بارتفاعِها فلاتصدق الكتابة و لا الصفة التي تنشأ عنها الكتابة و لا حركة اليد علي الذات البحت بوجه [ص 566] من الوجوه ،

و بالجملة فمفاهيم الصفات تصدق علي الوجه المسمي عندهم بالعنوان اي الدليل و الٰاية و عند اهل البيت عليهم السلام يسمّي بالوجه و بالمقامات و العلامات التي لا تعطيل لها في كلّ مكانٍ يعرفهُ بها من عرفه و هي محدثة كما قال الحجة عليه السلم في دعاۤء شهر رجب قال و اركاناً لتوحيدك و اياتك و مقاماتِك التي لا تعطيل لها في كل مكان يعرفك بها مَن عرفك لا فرق بينك و بينها الّا انهم عبادك و خلقُك فتقُها و رتقها بيدِك بدؤُها منك و عودُها اليك الدعاۤء ، ففي هذه الرتبة تصدق المفاهيم المذكورة علي الذّاتِ التي هي الوجه كصدق الماهيّة علي الوجود علي زعم المصنّف و الّا ففي الحقيقة انّما تصدق عليه من حيث انه هو الذّات اي الشيء المركب من وجود و ماهية صدق الجزء علي الكلّ لانها اركان لتلك الذات او كصدق الثلج علي الماۤءِ حال جموده لان الوجود كالماۤء قبل جموده و الماهية هي كالثلج فلايصدق الثلج علي الماۤء الّا حال جمودهٖ لا قبله و هذا كله في مقام المقامات و العلامات التي هي الوجه الذي اشار اليه سبحانه بقوله فاينما تولّوا فثَم وجهُ اللّه لانّ المفاهيم المذكورة قد تلحظ باعتبار و قد يكون لها ذكر بجهة من جهات التفهيم و التعبير و ذلك في رتبة توحيد الجملة و هذا التوحيد و ان كان مجزيـٔا بمعني انه مخرج للمكلف عن حدّ الشرك الّا انه ليس بتوحيد كاملٍ لعدم نفي الصفات فيه اصلاً كما اشار اليه اميرالمؤمنين و الرضا عليهما السلام : اوّل الدّيانة معرفته و نظام معرفته توحيده ، و هذان الحرفان يشملان توحيد الجملة الّذي لايعتبر فيه نفي الصفات ، و امّا التوحيد الحقيقي الخالص الذي يعتبر فيه نفْي الصفات اصلا بان تعرف انه تعالي ليس له وصف غير ذاته بكل اعتبارٍ و لحاظٍ لا في الوجود و لا في الوجدان انما هو [ص 567] هو و لايقع عليه هو هو لان الهاۤء و الواو خلقه جعله صفةَ استدلالٍ عليه لا صفة تكشف له و لايحتاج الخلق في تكوينهم و تكوّنهم و استمرارهم الي معرفة ذاته البحت لعدم انتهاۤئهم اليها بحالٍ و الّا لماوجد شيء من الخلق ففي رتبة هذا التوحيد الخالص قالا عليهما السلام : و كمال توحيده نفي الصفات عنه لشهادة كل صفة انها غير الموصوف و شهادة الصفة و الموصوف بالاقتران و شهادة الاقتران بالحدث الممتنع من الازل الممتنع من الحدث ه‍ ، ففي توحيد هذه الرتبة لايجوز اعتبار جهة و جهة او حيث و حيث او صدق و مصداق او صفة و موصوف لا لفظاً و لا معني لا خارجاً و لا ذهناً و لا فرضاً و لا اعتباراً بوجهٍ ما و هذا كمال التوحيد الامكاني الذي تتسابق الخلاۤئق فيه قوّة و ضعفاً و اللّه سبحانه منزّه عن ذلك كله سبحان ربّك ربّ العزّة عمّا يصفون و سلام علي المرسلين و الحمد لله ربّ العالمين فمعني كون صفاته عين ذاته في توحيد الجملة اعني الرتبة الاولي ان تعتبر ان لفظ العلم و القدرة و السمع و البصر و الحيوة من باب الالفاظ المترادفة لا انّ لها مفاهيم غير ما افاده اللفظ كثيرة متعدّدة تصدق عليه كما ذهب اليه المصنف و انما استفيدت الكثرة و التعدّد باعتبار تعدّد المتعلّقات و الاثار المختلفة باختلاف القوابل فافهم و الّا فامسك و لاتهلك نفسك ،

و قول المصنف تبعاً لغيره « الّا انّ الواجب لا ماهية له » غلط لانه شيء بحقيقة الشيئيّة و الشيئيّة هي الماهية و في الادعية : يا من لايعلم ما هو الّا هو ، فقد اثبت الماهية الّا ان وجوده تعالي ليس علي نمط وجود الحادث لانّ وجود الحادث لايجد نفسه و لايجده غيره لنفسه و انما يجده نوراً لغيره و هو حقيقة الشيء من جهة فعل ربّه و الماهية حقيقته من جهة نفسه و امّا وجود الواجب فليس مستفاداً من غيره بل وجوده هو ذاته فلمّا كان وجوده هو كان هو عين [ص 568] الماهيّة اذ لانعني بالماهيّة الّا جهة هو فماهيّته وجوده بلا اعتبار تغاير بمعني امتناع التغاير اصلاً الّا في اللَّفْظِ في مقام التعْريف كما لو قلتَ وجوده نفس ماهيته فتأتي بلفظينِ معناهُما واحِدٌ و انّما فرّق بينهما في الحادث لانّ وجوده مستفاد من الغير و ماهيته من نفسه فاختلفا فامتنع الاتّحاد الحقيقي و الواجب تعالي وجوده ليس مستفاداً من الغير بل هو هو و هذا هو الماهيّة فاتّحدا اتّحاداً حقّيّاً و امتنع التعدّد لامتناع الاختلاف لا في الذات و لا في الصفة و لا في الجهة و لا في الحيث و لا في شيء ما فالواجب تعالي ماهيته وجوده و وجوده ماهيته لا انه لا ماهيّة له اذ كلّ من لا ماهيّة له لا شيئيّة له فافهم .

قال : « المشعر الثاني - في كيفيّة علمه بكل شيء علي قاعدةٍ مشرقيّةٍ هي ان للعلم حقيقة كما ان للوجود حقيقة و كما ان حقيقة الوجود واحدة و مع وحدتها تتعلق بكل شيء و يجب ان يكون وجوداً يطرد العدم عن كل شيء و هو وجود كل شيء و تمامه و تمام الشيء اولي به من نفسه لان الشيء يكون مع نفسه بالامكان و مع تمامه و موجبه بالوجوب و الوجوب آكد من الامكان » .

اقول : قوله « في كيفيّة علمه بكل شيء » فيه احد محذورين امّا البطلان او سوء الادب فالاول ان اراد اثبات الكيفيّة للعلم فانّ الكيفيّة لاتجري علي علمه تعالي الّا ان يراد به العلم الحادث الذي هو الالواح الكلية و الجزئيّة من الانسان و الملاۤئكة و الحيوانات و النباتات و الجمادات الذوات و الصفات مطلقا و الثاني ان اراد بها التفهيم في التعبير فانّه و ان جاز الّا انه سوۤء ادبٍ ان يعبّر عمّا لا كيفيّة له بالكيفية مع ما في ذلك من الاشتباه علي اكثر الناس حتي انّهم يستعملون ذلك غافلين عن محذورها لكثْرةِ مَا يَسْمَعُون من عبارات القوم بامثال ذلك من غير توحّشٍ و لو اشعروا لمانطقوا بهذه فانه ربّما يدخل بذلك في قوله تعالي و لعنوا بما قالوا فان القول [ص 569] بالكيفيّة في علمه الذي هو ذاته كالقول بانه تعالي جسم او مركب و مراده في بيان الكلام في العلم بكل شيء ثم اعلم ايضا ان العلم المبحوث عن كيفيّته كما يقول ان اراد به العلم الذي هو ذاته فهو بحث في اكتناهِ الذاتِ و هو لايزداد صاحبه بكثرة السير فيه الّا بُعداً من الحق و الصواب و لا سبيل لاحدٍ من الخلق الي ذلك لا ملك مقرّب و لا نبي مرسل فيجب سدّ الطريق الي ذلك مطلقا و ان كان اراد به العلم الحادث فيمكن البحث عنه و الكلام فيه و لكن المصنف لايريده بل ربّما مايقول بثبوته الّا علي طريقته في السّنخ و مع هذا لايريد ما نريده و يُريد بالقاعدة المشرقيّة ضابطة طريقته كما مر من ان بسيطة الحقيقة كل الاشياۤء و ان معطي الشيء ليس فاقداً له في ذاته بل هو في ذاته بنحو اشرف و ان العقل و ما فوقه كل الاشياۤء كما ذكره في اوّل هذا الكتاب بناۤء منه علي ان العقل بسيط الحقيقة و لايكون بسيطاً الّا اذا كان غير مخلوق و الّا فكل ممكن زوج تركيبي و من اتّحاد المعقول بالعاقل و المعلوم بالعالم و المفعول بالفاعل و المجعول بالجاعل و هكذا و ان هذه الضابطة مشرقية اي وصلت اليه من اشراق واهب النور حتي انكشفت له هذه الحقاۤئق التي سمعتَ بعضها نسئل الله العافيةَ عافية الدنيا و الاخرة و من افراد تلك الضابطة المشرقيّة ان للعلم حقيقة كما ان للوجود حقيقة و يريد بالحقيقة هنا في الموضعين الازليّة و لمّا تكلّم كثيرا علي الوجود كما مر حتي ثبت عنده انّ ما قرّره ارتفع عنه الاشكال علي كل حال اخذ ينظّر به العلم في نفسه و فيما يتفرع عليه من الاحكام ،

قال « و كما انّ الوجود حقيقة واحدة » و هذا يصح في الوجود الحق تعالي لا في مطلق الوجود كما يريده هو ليجعل تلك الحقيقة الواحدة شاملةً لوجودَات الخلاۤئق كلها فانّ هذا باطل و لهذا قال و مع وحدتها تتعلّق بكلّ شيء و هذا باطل [ص 570] ايضاً لان الشيء الواحد البسيط انّما يتعلق بالاشياۤء المتعدّدة بجهاتٍ متعددة و تلك الاشياۤء المتعدّدة ان كانت مصنوعة لتلك الحقيقة البسيطة كانت تعلّقاتها بتلك الاشياۤء المتعددة بافعالها لا بذاتها و ان كانت غير مصنوعةٍ لها كانت تعلّقاتها بتلك الاشياۤء بجهات لها متعدّدة و تلك الجهات غير الذات البسيطة لان تلك مختلفة باختلاف المتعلقات و الذات بسيطة لا اختلاف فيها و لو فرض ان الجهات هي عين تلك الذات كانت الذات مختلفةً متعددة و هذا ظاهرٌ ،

قالَ « و يجب ان يكون وجوداً يطرد العدم عن كلّ شيءٍ » يعني انّ تلك الحقيقة التي هي واحدة و تتعلق بكل شيء يجب ان تكون وجوداً كأنه يشير الي مخالفة السيد صدر علي نحو النقض يعني انّ الذي تصدر عنه الوجودات يجب ان يكون وجوداً و لو فرض ان الذات ناۤئبة مناب الوجود في التحقق لم‌تكن ناۤئبة منابه في احداث الوجودات فلو احدثت ح احدثت ذواتٍ لا وجودات ثم نقول هذا الطارد اذا سلمنا انّه وجود فهل يطرد العدم بنفسه ام بوجودٍ ليس من ذاته بل محدث لا من شيء ام بوجودٍ من ذاته متصل بذاته ام منفصل ام بوجود من ذاته غير متصل و لا منفصل و ليس بينه و بين الذات فعل فهذه خمسة احتمالات فالاوّل قد ابطلناه مراراً متعددة في هذا الشرح و في غيره و عند المصنف صحيح لانه قاۤئل بالسّنخ و بالاشتراك المعنوي و بالوجود المطلق كما تقدّم و الثاني صحيح عند اهل البيت عليهم السلام و انّ المطرودَ به العدم وجودٌ احدثه تعالي بفعله لا من شيء و هو الحق لان الحق ما حقّقوه و الباطل ما ابطلوه و المصنّف نصّ علي بطلانه بل ربّما هو الباعث له علي تأليف هذا الكتاب و الثالث يريد منه ان لكل محدثٍ منه تعالي جهة من ذاته تطرد عنه العدم بان تكون وجوداً له و قد تقدَّم بطلانه لاستلزامه التعدّد و الكثرة و الرابع باطل [ص 571] لاستلزامه التبعيض و الخامس باطل كما تقدّم و يصحّ عند ٱلمُصَنِّف كما تقدَّم من القول بالوجود المطلق و اعلم ايضاً ان الوجود اذَا فرض انّه يطرد العَدَمَ بنُورِهٖ عن الشيء الذي يشرق عليه نوره فكيف هٰذَا النّور يحرق العدم الامكاني و لايحرق غيره من جميع الاشياۤء و قد قال صلي الله عليه و اله : انّ للّهِ عز و جلّ سبعين الف حجاب من نور و ظلمةٍ لو كُشِف حجاب منها لاَحرقتْ سبحاتُ وجهِه ما انتهي اليه بصرهُ من خلقه ه‍ ، و هذا الحديث الشريف صريحٌ في انّ كلّ شيء وقع عليه نور وجهه احترق لا انه انما يحرق العدم بل يحرق كل شيء من عدم و وجود لانَّ السِّوا يمتنع تحقّقه مع الحقّ تعالي و انما يتحقّق مع احتجابه عنه به و في مستطرفات السراۤئر عن الصادق عليه السلم و قد سُئل عن الكَرُوبيّين فقال : قوم من شيعتنا من الخلق الاوّل جعلهم الله خلف العرش لو قسم نورُ واحدٍ منهم علي اهل الارض لكفاهم و لما سئل موسي ربّه ما سئل امر رجلاً من الكَرُوبيّين فتجلّي للجبل فجعله دكا ه‍ ، و ذلك ان ذلك الرجل لمّا تجلّي للجبل بان ظهر له منه نوره اشرق عليه فاحترق الجبل و تقطّع ثلاث قطع قطعة انبثّت في الهواۤء و هو الذر الذي يُري من الكوّة و قطعة ساخَتْ في البحر فانبثّت فيه كالهباۤء و قطعة ساخت في الارض فهي تهوي حتي قيام الساعة و نور هذا الرجل جزء من سبعين جزءاً من نور الستر و الستر اثر فعله تعالي فكيف يشرق عليه اي علي الشيء شيء منه تعالي و يبقي له اسم او رسم فضلاً عن كَونه يتحقّق بذلك الّا انْ يجعل شيئيّته انما هي لنفس تلك الحصّة الواجبة و امّا اَنّ تلك الحصّة من الواجب اذا وقعت علي الشّيء طردَتْ عنه العدم و تحقّقت ذاته بتلك الحصّة و لايكون ذلك الّا بين الحوادث بعضها مع بعض و اما بين الوجوب و الحدوث فلا الّا اذا جعل ذلك الشيء من [ص 572] الاعيان الثابتة في العلم الذي هو ذاته كما يقوله هؤلاۤء فانها عندهم غير مجعولة و انّما كساها حلّة الوجود فلم‌يكن منافٍ ( مُنَافِياً . خ ) بينهما الّا التركيب و هو سهل عندهم فانهم يقولون لايلزم منه التركيب لانها كثرة في وحدةٍ و قد مثّلوا لهذا بالبحر و هو واحد و يشتمل علي امواج كثيرة كلها موجودة بوجود البحر و بالصوت و الحروف و بالمداد و الكتابة و بالماۤء و الثلج و بالثوب المتلوّن بالاصباغ و امثال ذلك و ما اعجب هذه الانظار الكليلة تفهّم كلامه من غير لزوم كثرة و اي شيء اكثر من امواج البحر و ايّ شيء اكثر من تكثره و كيف لايلزم انفعٰال و قبول و البحر انّما تكثر بالريح و انفعل بها و الوجود انّما هو في الاشياۤء علي زعمهم كالخشب فانه شيء واحد و وجود واحد فالباب و السرير و الصنم فيها الخشب موجود من غير تغيير و هذه الكثرة لولا انفعال الخشب بالمشخّصات المختلفة لَماوجد باب و لا سرير و لا صَنَمٌ و قد ذكرنا هذا مراراً متعددة بعبارات دليل الحكمة لم‌اذكر شيئا من دليل المجادلة بالتي هي احسن لاستلزامه وضع المقدّمات و القضايا الموهمة لارادة المفهوم او المعني او الرابطيّة و انما اذكر عبارات بديهية ظاهرة مكرّرة مردّدة و الله ولي التوفيق فمن وفّقه الله فهم انّ ما يطرد العدم عن الاشياۤء لايكون الّا وجوداً محدثا لا من شيء و امّا اذا فرض انه تلك الحقيقة الحقّة الازلية فانه يطرد كلما سواه الّا اذا قيل بكمونها فيه كما في الكلمات المكنونة لملا محسن او انّها صور علمية غير مجعولة كما في كتابه الوافي سواۤء قيل بكونها في علمه الذي هو ذاته و انها اعيان ثابتة ام بكونها معلّقة كتعلّق الظلّ بالشاخص فانّ هؤلاۤء كل شيء عندهم جاۤئز ،

و قوله « و هو وجود كل شيء و تمامه » يعني به ان تلك الحقيقة الازليّة هي مع وحدتها وجود كلّ شيء و تمامه لانه قبل ظهور هذا الوجود عليه انما هو [ص 573] مفهوم مطلق ناقص التحقق لانه مع نفسه اي في نفسه انما هو محض امكان و جواز ( اذ . خ‌ل ) لا شيئيّة له اصلاً الّا بهذا الوجود و به تَمّ ناقصه و وجب جاۤئزه فيكون هذا الوجود احقّ بالشيء بان يكون له و منه ( و . خ‌ل ) من نفس الشيء لانه بدونه انما هو مع نفسه و ليس شيئا و انما يمكن ان يكون بهذا الوجود شيئا و كلامه هذا كسابقه مبني علي قواعدهم المنهدمة عندنا كلها بما سمعتَ مرارا و نزيدك بان نقول انّ الشيء انّما سمي شيئا لانه مشاۤء لِلّهِ عزّ و جل كما سمعتَ من كلام اميرالمؤمنين عليه السلم المتقدّم و ذلك انّ اللّه عز و جل كان وحده ليس معه شيء و لا فيه شيء و ذلك في الازل و الازل ذاته و ليس الازل وقتا او مكانا حلّ فيه ، تعالي عن ذلك و هو الأن علي ما كان ثم خلق المشيّة بنفسها لا بمشيّةٍ غيرها و هذا في السّرمد و هو عالم الرجحان و امكن بها الامكان الذي هو محل الممكنات و العمق الاكبر و هذه تسمّي المشيّة الامكانية و هي و ما تعلّقت به من الامكانات هو العلم الذي لايحيطون بشيء منه و بها كانت الاشياۤء كلها ممكنةً غير مُكوَّنةٍ فاذا اقتضت العناية السرمديّة تكوينَ شيءٍ منها خلقه بمشيته التكوينية و هي و ما تعلّقت به من الاشياۤء المكوّنة هي المستثناة في قوله تعالي الّا بما شاۤء و فيها و بها جميع المكونات و في الاولي و بها جميع الممكنات قبل تكوينها و بعد تكوينها و في الحقيقة الامكانية و التكوينيّة شيء واحد و انّما اختلفتا باعتبار اختلاف متعلقاتهما فالاشياۤء حقيقة اشياۤء ممكنة في رتبة الاولي مكنونة في رتبة الثانية فالاعيان الثابِتة انما هي في الاولي لا في ذاته ، تعالي ذاته عن السوي و لكن اكثر النَّاسِ لايعلمون فاذا اراد اظهار شيء مما في الخزانة الاولي و انزاله الي الخزانة الثانية اخترع له ماۤدّة و صورة بالمشيّة الكونيّة و خلقه فيهما فالشيء قسمان شيء وجوده امكاني و شيء وجوده كوني و كلّ منهما مُشَاۤءٌ لِلّهِ عز و جل و ليس الامكان امراً [ص 574] اعتباريّا و لا ذاتيّا من نفسه و لا منقلِباً عن وجوب او امتناع بل امكنه عز و جل فجعله شيئا ممكنا و لم‌يك قبل ذلك ممكنا و لا مذكورا بشيءٍ و لا في شيءٍ و الشيئيّة المدركة لاتكون الّا بالامكان او بالكون و مُحْدِثُ الكون هو مُحْدِثُ الامكانِ و امّا الحكم علي الشيئيّة المُدْركة قبل التكوين بالمفهوميّة احترازاً عن التكوينيّة فهو قشري عامّي يَصْلُح ان تتعاطاه السَّوقَة لا العلماۤءُ الذين يصفون انفسهم بالرّسوخ في الحقاۤئق العلميّة فالوجود الكوني و الوجود الامكاني هما الطاردان للعدم و ان كان الطارد في الحقيقة هو معطيهما الّا انه تعالي يطرده عن الاشياۤء بهما لا بذاته لان الاشياۤء تتلاشي في رتبة ذاته بل كلّ شيء في رتبة ذاته المقدسة مستحيل الذكر و الامكان و التكوين لايجري عليه حكم الجواز و الامكان لا في الخارج و لا في نفس الامر و لا في الذهن و لا في الفرض و الاحتمال و الاعتبار بوجهٍ من الوجوه بل هو مستحيل عقْلا و نقلاً لا اله الّا اللّه و امّا في الامكان الراجح فهو راجح الثبوت و في الكون جاۤئز الثبوت و تمام الشيء الحادث هو الوجود الحادث سواۤء كان امكانيا ام تكوينيّا فانّ تمام الكتابة هو المداد لا الكاتب بان يكون جزءٌ من جسمه تماماً للكتابة او حركة يده اذ تمام الشيء هو السبب القريب له لا البعيد و القوم في مثل اقوالهم هذه ينادون من مكان بعيدٍ و علي ما بيّنّا يكون ما به الامكان اولي بالشيء مما به التكوين لانّ ما به الامكان لايفارقه و يستحيل ان يفارقه بخلاف ما به التكوين و امّا ان الوجوب اٰكد من الامكان فان اريد بالوجوب الوجوب الذاتي الازلي فلايدخل تحت القياس و التنظير حتي يقال انه آكد من الامكان و ان اريد به وجوب وجوده عند وجود علته التاۤمة فالامكان آكدُ منه لان الوجوب بالغير يفارق بخلاف الامكان فانه لايفارق الشيء الممكن حال كونه بل هو فيه قبل كونه و مع كونه و بعد كونه علي حدٍّ واحدٍ .

قال : « فكذا علمه تعالي يجب ان يكون حقيقةُ العِلم و حقيقة المعلوم [ص 575] حقيقةً واحدةً و مع وحدتها علم بكل شيء لايغادر صغيرة و لا كبيرةً الّا اَحْصَاها اِذْ لَوْ بقي شيء من الاشياۤء لم‌يكن ذلك العلم علماً به لم‌يكن صرف حقيقة العلم بل علما بوجهٍ جهلا بوجه اخر و صرف حقيقة الشيء لايمتزج بغيره و الا فلم‌يخرج جميعه من القوّة الي الفعل و قد مرّ انّ علمه سبحانه راجع الي وجوده » .

اقول : يريد انّ علمه تعالي يجب ان يكون حقيقةً واحدة و مع وحْدة تلك الحقيقة يعني من حيث وحدتها تكون علماً بكلّ شيء كما ان حقيقة الوجود واحدة و من هذه الحيثيّة تكون وجوداً لكلِّ شيء هكذا رأي المصنف و قد ابطلنا دعواه في الوجود كما سمعتَ قبل هذا و ستعلم بطلان رأيه في العلم فنقول اعلم اعانك اللّه ان ائمة الهدي عليهم السلام داۤئما ينهون عن الكلام في ذات اللّه و انّ الساۤئر في ذلك الطريق لايزداد من الله الّا بعداً و في العلم الّا جهلاً و هم قد شغلوا اوقاتهم في ذلك خلافاً لنهي اهل الحق عليهم السلام و الكلام في علم اللّه الذي هو ذاته عين الكلام في ذات اللّه و مع هذا كلّه عنونوا كلامهم فيه بالكيفيّة كما قال ٱلمصنف في كيفية علمه تعالي بكل شيء و نحن نتكلّم في ذلك بالتَّنزيه لا بالتّمييز و التشبيه كما قال جعفر بن محمد عليه السلم فنقول اعلم انّ المصنّف لايعني بالعلم الّذي يتكلم فيه الّا العلم الذّاتي الذي هو الذّات و البحث فيه ممنوع منه لايفيد الباحِثَ اِلَّا جَهْلاً و القول الحق فيه ما قاله سيّد العارفين و العلماۤء و الحكماۤء المتقنين جعفر بن محمد عليهما السلم قال كان ربنا عز و جل و العلم ذاته و لا معلومَ و السّمع ذاته و لا مسموع و البصر ذاته و لا مبصَر و القدرة ذاته و لَا مقدور فلمّا احدث الاشياۤء و كان المعلوم وقع العلم منه علي المعلوم و السمع علي المسموع و البصر علي المبصَر و القدرة علي المقدور ه‍ ، [ص 576] و اعلم ان بيان هذا بحيث يرتفع عنه الريب ممّا يطول فيه الكلام و العلة في ذلك مع دقّته اعوجاج الافهام و لولا اعوجاج الافهام من كثرة الاصغاۤء الي قول كل ناعقٍ لكان بيانه سهلاً في قليل من الكلام و قد مثّلتُ له فيما مضي بما لا مزيد عليه في البيان حتّي مجَّه طبعي لكثرة الترديد و الحاصل انه تعالي علم كل شيءٍ في مكانه و وقته حين كوّنه و حين امكنه و ليس شيء منها في ذاته ليعلمه في الازل و انما هي مذكورة في اوقاتِ وجودها و امكنة حدودها و لايصح ان يقال انه تعالي يعلمها في ازله لانه ليس معه شيء منها و لايصح ان يقال انه تعالي في اَزله جهِل شيئا منها في اماكنها و لم‌يفقِد في اَزلهِ العلمَ بها في اوقات وجودِها و امكنة حدودها حين كوّنها و ليس معه استقبال و لاينتظر حالاً من احواله ليقال انه كان لم‌يعلمها فلمّا اوجدها علِمها لان هذه صفة المستكمل المستفيد من غيره و هو تعالي عالم بها قبل كونها كعلمه بها بعد كونها بل نقول انّه حين اوجدها في اوقاتها و اماكنها علِمها و لم‌تكن له حالة لم‌تكن حاضرة في ملكه عالماً بها بل علمها حين اوجدها في انفسها و عند خلقه قبل ان توجد في انفسها و عند خلقه اذ ليس معه ماضٍ و لا استقبال و لم‌يتجدّد له شيء ممّا له و لم‌تتغيّر احواله فيكون فاقداً و واجداً بل لم‌يزل في ازله واجداً لها في اَوْقاتها و اماكنها و هذا معني قول الصادق عليه السلام لم‌يزل اللّه ربّنا عز و جل و العلم ذاته و لا معلوم اي هو عالم لم‌يتجدد له ما لم‌يكن حاصلاً لَهُ و لا معلوم معه و انما هي مع انفسها و هو معها بعلمه الاشراقي و لم‌يكن معها بذاته و في الحديث كان اللهُ و لا شيء معه و هو الٰانَ علي ما كان لان من اختلفت حالاته فهو حادث و من احتمل الزيادة احتمل النقصان و لو كانت له حالة لم‌يعلمها ثم علمها حين اوجدها كان فاقداً قبل الايجاد و واجداً بعده بل لم‌يكن واجداً لها في ذاته ابداً و ازَلاً و لم‌يكن فاقداً لها في [ص 577] ملكه ابداً و ازلاً و العلم الذي لايغادر صغيرة و لا كبيرة اشراقي و العلم الذي هو ذاته علم و لا معلوم لان هذا العلم هو اللّه سبحانه و ليس مع اللّه غيره كما ان الوجود الذي هو ذاته وجود و ليس معه غيره و لا فيه لا بتعلق و لا بانبساطٍ و الاعيان الثابتة التي يدّعونها المصنف و من هو قائل بهذه المقالة الشنيعة ليست في ذاته و لا في علمه الذي هو ذاته و انما هي في خزاۤئنه الامكانية التي جعلها ممكنة بعد اَن لم‌تكن مذكورة لا في العلم و لا في الاسم لان كل السوي في رتبة ذاته ممتنع عقلاً و ممنوع نقلاً فامكنها بمشيته الامكانية و هو اوّل ما ذكرت به في العلم فانه العلم الاشراقي و هذا اوّل مراتبه و لا اوّل له في الامكان و ثاني مراتبه ما ذُكِرتْ به في الاكوان و ما امكن بمشيّته الامكانيّة هي خزاۤئنه التي لاتنفد و لاتنقص اَبد الامدِ و امد ٱلاَبد ينفق منها كيف يشاۤء و العلم الاشراقي يوجد بوجودها و يرتفع بارتفاعها بل هو نفسُها و حيث وجد فهو موجود عند نفسه و هو عند اللّه و حيث يفقد فهو مفقود عند نفسه و هو عند اللّه لانّ ما دخل في ملك اللّهِ لايخرج منه فالعلم الاشراقي لايخرج عن ملك الله و لايدخل في ذاتِ اللّه و اوّل مراتبه الامكان و اخر مراتبه اخر مراتب الاكوان كل شيء بحسبه و كيف يخرج شيء عن ملكه وَ قبضته و انّما هو هو بملكه الذي هو الامر المفعولي و بقبضته الذي هو الامر الفعلي فنحن نقول بقول المصنف الاتي بعد هذا بمعني مرادنا لا بمعني مراده و هو قوله : فما عند اللهِ هي الحَقاۤئق المتأصّلة التي نزلت هذه الاشياۤء منها منزلة الاشباح و الاظلال انتهي ، و اختلافنا معه في هذا العند فعنده ان هذا العند هو علمه الذي هو ذاته و عندنا ان هذا العند هو ملكه من الامكانات و الاكوان و يأتي تمام هذا ،

و قوله « اذ لو بقي شيء من الاشياۤء لم‌يكن ذلك العلم علماً به لم‌يكن صرف حقيقة العلم » علي ظاهره صحيح لكنه قشري و علي باطنِه باطل [ص 578] امّا صحته علي ظاهره فظاهرة و امّا كونه قشرِيّا فلانه انّما يصح علي ظاهر اللفظ و لو كان لُبِّيّاً لكان ظاهره و باطنه صحيحاً مع انّ باطنه باطل كما تسمع الأن لانه انما يفرض هذا فيما يكون المعلوم غير صادر عن فعل العالم و امّا اذا فرض انه صادر عن فعله فكيف يفرض انه غير عالم به و هو صانع له اَلايعلم من خلق و لانه انّما يفرض اذا كان العلم مغايراً للمعلوم و امّا ما قيل بالاتحاد فما معني الفرض حينئِذٍ وَ اذَا فرض انّه مغاير للمعلوم لزمه محذورات تنهدم بها اعظم قواعده و امّا انّه علي بَاطِنِهٖ باطل فلانّه يريدُ بٱلْعِلْمِ ٱلّذي ذكره هو العلم الذّاتي الّذي هو الذّات بدونِ مغايرةٍ من جميع الوجوه و قد قرّرنا سابقاً انه علم و لا معلوم لان العلم لا بد ان يكون مطابقاً للمعلوم و مقترِناً به و واقعاً عليه فاذا اراد بالعلم المتعلق بالاشياۤء هو الذاتي الذي هو الله سبحانه فان فرضه مطابقاً للمعلوم لزم ان يكون مطابقاً للمعلوم كالجدار مثلا و ان فرضه غير مطابقٍ كان جهلاً و كذا حكم المقارن له و الواقع عليه فلايكون مطابقاً و لا مقترِنا و لا واقعاً وَ الّا لزم الحدوث و ان لم‌يكن مطابقا و لا مقترنا و لا واقعاً لزم الجهل فهذا معني ان باطن كلامه باطل ،

و مثل قوله الذي تكلّمنا عليه قوله « فلم‌يخرج جميعه من القوّة الي الفعل » حرفاً بحرف في صحة ظاهرِهٖ في بادي الرأي و فيما يرد عليه و في بطلان باطنه ،

و قوله « و قد مرّ انّ علمه راجع الي وجوده » يريد به اَنّ وجوده هو وجود كلّ شيء و علمه اذا كان هو وجودُهُ بناۤءً عَلَي عينيّة الصّفات كان علمه هو وجودَ معلومِه اَوْ وُجودُ علمِهٖ وُجودَ معلومِه فلم‌يبق شيء لم‌يكن معلوماً له كما لم‌يبق موجودٌ لم‌يكن موجوداً بهٖ وَ هذا المعني و ان كان في نفسه صحيحا الّا اَنّه باطِلٌ بما قدّمنا من عدم امكان تقوّم الحادث بالقديم اذ لايجتمعانِ في مكانٍ لامتناع نزول القديم الي الامكان بذاتِه و امتناع صعود الحادث الي القديم بذاته .

[ص 579] قال : « فكما ان وجودَه لايشوب بعدمٍ و نقصٍ فكذلك علمه الذي هو حضور ذاته لايشوب بغَيْبَةِ شَيْء من الاشياۤء كيف و هو محقِّق الحقاۤئق و مُشَيِّئُ الاَشْيَاۤءِ فذاته احق بالاشياۤء من الاشياۤء بانفسهَا فحضور ذاته تعالي حضورُ كلِ شيء فما عند اللّهِ هي الحقاۤئق المتأصّلة الّتي نزلت هذه الاشياۤء منها منزلة الاشباح و الاظلال » .

اقول : ربّما يتوهم من كلامه في قوله في العلم « بغيبة شيء » انه فَارق بين ٱلوجود و ٱلعلم و لكن كلامه بعد هذا و هو قوله « فحضور ذاته تعالي حضور كلّ شيء » صريح في الاتّحاد لانه يريد بالحضور هُنا العلم و هو بعينه الوجود و كون العلم هو الحضور صحيح و كون الوجود هو الحضور صحيح الّا انّ الحضور الذاتي شيء واحد و هو العلم و هو الوجود و هو السمع و هو الذات و هكذا الّا انّه لايكون حضور كل شيء و لا حضور شيء سواه تعالي سواۤء اعتبر كونه وجوداً ام علماً اذْ لَايتّحد القديم بالحادث لانّ الحادث عدم و نقص و القديم لايخرج في حال من الاحوال عن ازله و الحادث لايخرج في حالٍ من الاحوال عن امكانه و لايجتمع الوجوب الذاتي مع الامكان في حال من الاحوال و قوله « فكما ان وجوده لايشوب بعدمٍ و نقصٍ » ينافي قوله « فحضور ذاته تعالي حضور كل شيء » فان حضور ذاته وجوداً كان ام علماً اذا كان حضور كل شيء اتّحد القديم بالممكن و ذلك مستحيل كما سمعتَ و دعوي امكان هذا الاتحاد بل وقوعهُ بناۤء علي ان حقيقة الممكن حدود موهومة كما قال شاعرهم :

و ما الناسُ في التَّمثالِ الّا كثلجةٍ و انتَ لها الماۤءُ الذي هو نابِعُ

و لٰكن بذَوْبِ الثلج يُرْفَعُ حكمهُ و يُوضَعُ حكمُ الماۤءِ و الامرُ واقِعُ

و قال اخر :

كلُّ ما في الكون وهمٌ و خيالْ او عكوسٌ في المرايا او ظِلال

و امثال ذلك باطلة نَشئَتْ من وساوِسِ الشيطان ،

و قوله « كيف و هو محقِّق [ص 580] الحقاۤئق و مُشَيِّئُ الاشياۤء » صحيح و لكنه محقّق الحقاۤئق بفعله بان اخترع لها حقاۤئق و وجوداتٍ لا من شيء و هو جاعل الاشياۤء بمشيّته كذلك بل لم‌يكن شيئا الّا بمشيته بان جعل لها شيئيّاتٍ و حقاۤئق بها كانت اشياۤءَ و لم‌يكن تعالي محقِّقا لها بحقيقته و لا مُشَيِّئاً لها بشيئيّتِهٖ بل بمشيّته جَلَّ اَن يلابسه شيء او يُدَانيهِ شيء اَوْ ينسب شيء منه الي شيء غيره او ينسب شيء من غيره الي شيء منه او يكون بينه او بين شيء منه او بين ما ينسب اليه و بين شيء غيره ربط او نسبة او مقارنة او فصل او وصل و تعالي عن جميع ذلك علوا كبيراً ،

و قوله « فذاته احق بالاشياۤء من الاشياۤء بانفسها » حقّ و لكن ليس علي نحو ما قال و اراد بل علي نحو ما نبّه عليه هو سبحانه في ايٰاته مثل السّراج فان الشعلة المرئية احقّ بالاشعة المنبثّة من الاشعّة بانفسها مع ان الشعلة ليسَتْ آيةً للحق تعالي و انّما هي اية للوجه الباقي الذي يتوجّه اليه الاولياۤء لان الشعلة المرئيّة كما مرّ متعدِداً دُخان قد كلّسته النار الغاۤئبة التي هي آية الرب الخالق بفعلها فانفعل الدخان عن فعل النار بالاستضاۤءة فهي بمنزلة القاۤئم بالنسبة الي فاعل القيام يعني ان القاۤئم اسم لفاعل القيام و القاۤئم متقوم من حركة ايجاد القيام التي فعل الفاعل و من القيام الذي هو اثر تلك الحركة فتركب منهما اسم الفاعل و جميع الاشعّة المنبثة متقوّمة بالقاۤئم من جهة ركنيه تقوّمت بركنه الايمن اعني الحركة تقوّم صدور و بركنه الايسر اعني الاثر الذي هو القيام تقوّماً ركنِيّاً و ليس بين الاشعة و بين النّار تعلّق و لا ربط و لا شيء من انواع النسب و انّما الارتباط و التعلق و السببيّة بينها و بين فعلِهٖ فان كانت النّار وجودها هو نفس وجود الاشعة صح ما يدّعيه لكن النار ليس بينها و بين الاشعةِ تعلّقٌ بوجهٍ الّا ان التعلق لفعلها كذلك ليس بين ذات الله عز و جل و بين الاشياۤء تعلّق بوجهٍ و انّما التعلق [ص 581] بين فعله و بينها علي نحو ما قرّرنا فقد بطل قوله عند مَن صحّ اعتقاده و صَفَي حِسُّهُ و لطُفَ و هذا ظاهر و ما اكثر ما اكرّر هذه المطالب النّفيسة لمن عسي اَنْ يتذكّر ،

قوله « فحضور ذاته تعالي حضورُ كُلِّ شيءٍ » يُرٖيْد لَمَّا كان علمه راجعاً الي وجوده يعني انه صادق عليه كما تقدَّم في بَحْثِ عَيْنيّةِ الصِّفَات و كان وجوده حقيقة واحدة تتعلق بذاتها بكل شيء بحيث يكون حضور ذاته اي وجودها حضورَ كلِ شيء اي وجود كل شيء لانّ وجود ذاته تمام كلّ شيء كما تقدم كان علمه حقيقةً واحدةً تتعلّق بذاتها بكل شيءٍ بحيث يكون حضور ذاته اي علمها حضور كل شيءٍ اي العلم بكلّ شيءٍ و يلزم من هذا انّ علمه تعالي بذاته هو علمه بمخلوقاته فيلزم من اتّحاد العلم اتِّحادُ المعلوم و العبارة عن هذا اللازم ان مخلوقاته هم ذاته فيلتزم بهذا من غير استنكار و لا استيحاش الّا ان ذلك علي جهة الاجمال ،

و كلامه بعد هذا ظاهر في ذلك حيث قال « فما عند اللّهِ هي الحقاۤئق المتأصّلة التي نزلت هذه الاشياۤء منها منزلة الاشباح و الاظلال » فنقول عليه اوَّلاً اذا اثبت في ذاته الحقاۤئق المتأصّلة لان العلم بها عين العلم بذاته فالذي جعل بمنزلة الاشباح وَ الاظلال هل هي معلومة له امْ لَا فان كانت معلومة له فكلها عنده لا حقاۤئقها المتأصّلة خاۤصّة فيتوجّه عليه ان كل ما دخل في علمه في ذاته متّحد به سواۤء كان مثبتاً اَمْ منفِيّاً فَمِمَّا ينتقض عليه دليلُه علي قوله بَسٖيطُ الحقيقةِ كلّ الاَشْياۤء و غير ذلك و ان كانت غير معلومةٍ له بطل قوله : فكذلك علمه الذي هو حضور ذاته لايشوب بغيبة شيء من الاَشياۤء ، فانه ح يشوب بغيبة نصف الاشياۤء بل اكثر لان الفروع اكثر من الاصول و ثانياً هل يجد تعالي في علمه الذي هو ذاته ان في علمه الذي هو ذاته حقائق متأصِّلَة لخلقه ام لا فاِن علم انّ في علمه و ذاته حقاۤئق غيره [ص 582] فقد علم انّه مركب لان تلك الحَقاۤئق هَلْ هي الذات ليس غيرها شيء ام هناك ذات فيها تلك الحقاۤئق فان لم‌يكن شيء الّا تلك الحقاۤئق تناقض قوله في ساۤئر كتبه بان ذاته تعالي غير مجعولةٍ بالذاتِ و ان تلك الحقاۤئق غير مجعولة بالتَّبع و ما بالذات غير ما بالتبع فيلزم التركيب علي فرض ان ليس شيء غير تلك الحقاۤئق و ان كان هناك ذات غير تلك الحقاۤئق لزم التركيب او كونه مَحَلّاً لِغيرِه من الحقاۤئقِ المُتَأَصِّلَةِ و من الاشباح و الاظلّةِ و الاعراض و من الامور الثابتة و من الامور ٱلمتجدّدة المتقضّيَةِ اذ لايجوز اَن يكون ليس عنده الّا الثابتة المتأصِّلة و ما سواها ليس عنده فيكون غاۤئبا عنه فلايكون العلم صرف حقيقة العلم و ما اعجب ما يقولون من ان علمه تعالي محيط بكل شيء لايعزب عنه شيء و يحصرون ذلك كله في الاصول و يخرجون هيئاتها و جزئياتها و اشباحها و تفاصيلاتها ( تفصيلاتها . خ‌ل ) و ظواهرَها و حدودها و مقاديرها و ما اشبه ذلك عن ذلك العلم المطلق فنحن نعلم ما لايعلم تعالي عن ذلك و الحاصل انّما اذكر هذه الامور بدليل الحكمة و الموعظة الحسنة لا بِدليل المجادلة بالتي هي احسن لاُنَبِّهَك علي هذه الهفوات التي كانت عند اكثر الناس هي حقاۤئق العلم و اسراره لم‌ينكرها من الناس احد الّا محمد و اهل بيته صلي الله عليه و اله واللهِ ماكان بيني و بين المصنف و اتباعه نبوة و لا شيء يكره و انّما حداني علي ما كتبتُ اِحْياۤء دين محمد و اله صلّي الله عليه و اله و ان افتريته فعليّ اِجْرامي و انا بريۤء مما تجرمون .

قال : « المشعر الثالث - في الاشارة الي صفاته الكمالية . القاعدة المذكورة في عموم تعلّق علمه تعالي بالاشياۤء مطّردة في ساۤئر صفاته فقدرته مع وحدتها يجب ان يكون قدرة علي كل شيءٍ لان قدرته حقيقة القدرة فلو لم‌تكن متعلقةً بجميع الاشياۤء لكانت قدرةً علي ايجاد شيءٍ دونَ شيءٍ اخر فلم‌تكن [ص 583] قدرته صرف حقيقة القدرة » .

اقول : هذا كالسابق و الكلام عليه كالكلام علي السابق الّا انه يرد عليه شيء سبق منّا جوابه و التنبيه عليه و هو ما يقولون بان العلم اعم من القدرة فان من جملة ما يتعلق به العلم ذاته و الامور المستحيلة علي زعمهم و لاتتعلق القدرة بذاته و لا بالمحالات و نحن اشرنا الي الجواب فيما تقدّم فراجعه فانّك لاتجده في كتابٍ غير ما كتبناه الّا عادلاً عن الصّواب .

قال : « و كذا الكلام في ارادته و حياته و سمعه و بصره و ساۤئر صفاته الكماليّة فجميع الاشياۤء من مراتب قدرته و ارادته وَ حياته و غير ذلك و من استصعب عليه ان علمه مثلا مع وحدته علم بكل شيءٍ و كذا قدرته مع وحدتها متعلّقة بكل شيء فذلك لظنّه ان وحدته تعالي و وحدة صفاته الذاتية وحدة عدديّة و انه تعالي واحد بالعدد و ليس الامر كذلك بل هذه ضرب اخر من الوحدة غير العدديّة و النوعيّة و الجنسيّةِ و الاتّصاليّة و غيرها لايعرفها الّا الراسخون في العِلم » .

اقول : يريد ان الكلام في ساۤئر الصفات الثبوتية كالكلام في الوجود و في العلم كما تقدّم من عموم تعلّقه و انّ ذلك اعني تلك الحقيقة المتعلّقة اَوْلي بمَا تعلّقت به من نفسِهٖ و من غيره و ان حضور تلك الحقيقة هي عين حضور ما تعلّقت به كما مَضَي في الوُجودِ و في العلم و انت خبير بما اوردنا عليه فيما تقدّم في هذه الدعوي و بيّنّا بطلان دعواه بدليل الحكمة ليس فيه شيء من دليل المجادلةِ بالّتي هي احسَنُ لِئَلَّايحصل الالتباس في المُقَدَّماتِ و في الحمل وَ الاشتباه في مَعاني المقدّمات بين ما يراد منه المعني بالمفهوم و بالعكسِ و بين المتأصّل بالمنتزع و غير ذلك و بما قدّمنا ينتقض ما ذكره هنا ،

و هنا اشياۤء يحتاج في نقضِها علي شيء اخر غير ما ذكرناه هناك و ان كنا ذكرناه مفرّقا في هذا الشرح : [ص 584] و منها قوله « و كذلك الكلام في ارادته و حياته و سمعه و بصره » فانّ الارادة علي رأيه هو و اكثر القوم من المتكلمين و الحكماۤء المتألهين و الصوفية و غيرهم قديمة و هي ذات اللّه و هي العلم الخاۤص بالمصلحة و ليست العلم المطلق و مذهب ائمتنا عليهم السلم انها حادثة و ليس لله ارادة قديمة لان الارادة لاتكون الّا و المراد معه و لانه تعالي لم‌يزل عالما قادراً ثم اراد و لانّ ارادته انما هي احداثه لا غير لانه لايروّي و لايهمّ و لايفكّر و قد روي الصدوق في توحيده عن الرضا عليه السلم انه قال : المشيّة و الارادة من صفات الافعال فمن زعم ان اللّه لم‌يزل مريداً شاۤئياً فليس بموحّدٍ ه‍ ، و محاۤجّتُه مع سليمن المروزي كما في التوحيد و عيون اخبار الرضا و الاحتجاج و غيرها ممّا لاتنكر حتي انه عليه السلم لم‌يترك لسليمن حجّة و لا نوع احتمال و لا شك ان كلّ من له ادني عقل يحكم بحدوثها من جهتَيْن : الاولي انّ الله سبحانه قال في كتابه سنريهم اياتنا في الٰافاق و في انفسهم حتي يتبيّن لهم انه الحق ، و قال الصادق عليه السلم العبوديّة جوهرة كنهها الربوبيّة فما فُقِد في العبوديّة وجد في الربوبيّة و ما خفي في الربوبيّة اصيب في العبوديّة الحديث ، و قال الرضا عليه السلم : قد علم اولوا الالباب ان الاستدلال علي ما هناك لايعلم الّا بما هاهُنَا ه‍ ، و في الابيات المنسوبة الي اميرالمؤمنين عليه السلم :

و انت الكتاب المبينُ الذي باحْرُفِه يظهر المُضْمَرُ

اتحسبُ انّك جِرْمٌ صغير و فيك انطوَي العالم الاكبرُ

و غير ذلك ممّا يدل علي ان دليلَ هذه و امثالها يوجد في الانسان و الذي تجد في نفسك ان ارادتك حادثة فانّك قد تريد فتوجد ارادتك و قد لاتريد فتنفي ارادتك و لو كانَتْ هي ذاتك لماامكن نفيها مع وجود ذاتِك و لو اعتباراً لانك لو اعتبرتَ نفي شيءٍ ممّا هو انت لم‌تقدر الّا بملاحظة المغايرة و لو [ص 585] اعتباراً و تصوّراً اَوْ اعتبار حيثيّةٍ و كل ذلك لايتصوّر في حق القديم تعالي مع انّك تقول لم‌يُردِ اللّٰهُ قال تعالي اولۤئك الذين لم‌يرد الله ان يطهّر قلوبهم و قال تعالي يريد الله بكم اليسر و لايريد بكم العسر فكيف تكون هي ذاته و هي تنفي و تُثبَت و لايصح ان يقال انّ هذه ارادة الافعال و هي لا شك حادثة و نحن انما نريد و نعني بالقديمة التي هي ذاته الارادة القديمة لانا نقول انتم تتكلمون بما تفهمون و تعقلون ام بما لاتفهمون و لاتعقلون فان كان بما لاتفهمون و لاتعقلون فامسكوا فانّ العاقل لايتكلم فيما لايعقل علي انّكم كيف تصفون ما لاتفهمونه و تحكمون علي ما لاتعقلونه و ان كان بما تفهمون فالارادة انما هي طلب الفعل او نفس الفعل لانها ميل الذات الي جهة مطلوبها فاذا فرضتم ان الارادة قديمة فما معني اراد الله ذاته فكما انك تقول علم ذاته و سمع ذاته فما معني اراد ذاته اراد يعني احبّ نفسه او اراد ان يكون هو اياه او يكون سميعاً و بصيراً و عليما فكان ما اراد بارادته ام اراد ما لم‌يدخل في قدرته ام اراد ما كان و اذا فرضتم ان الارادة في الازل تتعلق بما في الحدوث كالعلم فان كان الميل هو التعلق الحادث بحدوث المتعلّق فذلك حادث و ان كان الميل في الازل و التعلق و المتعلق في الحدوث قلنا هل الميل حالة غير حالة عدم الميل ام هي هي فعلي الاوّل تختلف احواله و المختلف الاحوال حادث و علي الثاني يلزم انكم تقولون بما لاتعقلون ، و الجهة الثانية انكم لاتعرفون الازل و لم‌تدركوه و لم‌تروه و لاصعِدتم اليه فترون ما ثَمَّ و لانزل اليكم فتشاهدون ما جاۤءَكم به و لم‌يأتكم منه خطاب و لا كتاب و لا رسول يخبركم بما تدّعون و انّما جاۤءكم منه رسول صادق صلّي الله عليه و اله يخبركم عنه انه ليس هو ارادة و لا له ارادة قديمة هي ذاته ام غيرها بل ارادته هي عَين فعله بلا مغايرة و لذا قال الصادق عليه السلم : امّا الارادة من الخلق الضّمير و ما يبدو لهم من الفعل بعد ذلك و امّا ارادة اللّٰهِ فاحداثه لا غير لانّه لايروّي و لايهمّ و لايفكّر و قال [ص 586] الرضا عليه السلم : المشية و الارادة و الابداع اسماۤؤها ثلاثة و معناها واحدٌ ، و لمّا قال سليمن المروزي انها هي العلم قال عليه السلم : المشيّة ليست كالعلم فانك تقول افعل ان شاۤء اللّه و لاتقول افعل ذلك اِنْ عَلِم اللّٰهُ و من قال بخلاف هذا فهو قاۤئل بما لايعقل او مفترٍ علي اللّٰهِ ، هذا بدليل الحكمة ،

و امّا بدليل المجاهدة ( المجادلة . خ‌ل ) فقال مدّعي قدم الارادة و المشية لوجهين الاوّل انها لو كانت حادثة لكانت محدثة بارادةٍ غيرِها و تلك الارادة ان كانت حادثة كانت حادثة بارادة ( اخري . خ‌ل ) و يلزم التّسلسل فيجب ان تكون قديمة و الثاني انها صفة و الصفة لاتقوم بنفسها و لا بغير موصوفها فلو كانت حادثة كان تعالي محلّاً للحوادث و هو باطل فيجب ان تكون قديمة و الجواب عن الاول ما ذكره عليه السلم قال : ان اللّه تعالي خلق المشية بنفسها ثم خلق الخلق بالمشيّة ، فاذا كانت محدثة بنفسها كما هو شأن كلّ فعلٍ من عالم الغيب كالنية فانّها محدثة بنفسها لا بنيّة اخري او الشهادة كالحركات الظاهرة فانها محدثة بنفسها لا بحركة اخري فلايلزم التسلسل و هذا ظاهر و الجواب عن الثاني امّا عن كونها صفةً و ٱلصفة لاتقوم بنفسها فغير مسلم فان كلّ شيء من الخلق فهو صفة فعله تعالي و جميع الجواهر قاۤيـٔمة بانفُسِها اذ كلّ معلولٍ جوهري فهو قاۤئم بنفسه و هو صفة علّته لانه من الفعل كالمصدر المؤكّد من الفعل في قولك ضَرَب ضرْباً و امّا ان الصفة لَاتقوم بغير موصوفها فغير مسلّم فانّ كلّ صفةٍ قائمة بموصوفها قيام صدور فهي قاۤئمة بغير موصوفها فالاشعة صفة السّراج و نور الشمس و القمر و هي قاۤئمة بالجدار و الكلام صفة المتكلم و هو قاۤئم بالهواۤء و الارادة من هذا النوع و هذا ظاهر فانه تعالي اقامها بنفسها و اقام الاشياۤء قيام صدورٍ بها و قياماً ركنيّا بنفسه اي بمادته و امّا انه لو كانت حادثة كان محلّا للحوادث فهو حق و لكنه تعالي ايضا كما لايجوز ان يكون محلّا للحوادث لايجوز ان يكون مَحَلّاً لِلْقدماۤءِ فان قلتَ يجوز في القديم لانها [ص 587] ذاته قلتُ لو كانت ذاته جاز لكنها غيره لكون مفهومها معلوما مدركا لانه ميل الذات و الذات لاتكون ميلاً لِنفسها و الّا لزم التغاير و التعدد و ان قلتَ انها غير مدركة قلنا لك فلم سمَّيته بما لم‌تدركه و لم‌يسمِّ نفسه به فان قلتَ قد سمّي نفسه بكونه مريداً قلنا انّما سمّي نفسه بكونه فاعلاً بها كما قال تعالي انّما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون و ارادته هي امره المعبّر عنه بكُنْ و يأتي انشاۤء اللّٰهُ بيان هذه الاية و رفع ما يتوهم فيها من الاشكال ، و اما حياته تعالي و سمعه و بصره فكما قلنا في العلم لانّها هي الذات بلا مغايرة فاذا اردتَ بالحيوة ما تفهمه من معني الحيوة فهو معني محدث من معاني افعاله لانّك لاتدرك الّا الحادث و هو الموجود في الحيوانات اعني التحرّك بالارادة و علي قول المصنف تكون ذات الله سبحانه القديمة عين حياتها التي هي الله سبحانه عين حياة الفرس و الكلب التي هي التحرك بالارادة و سمع الله الذي هو اللّه سبحانه هو عين سمع الحيوان الذي هو ادراك صوت قرع طبل الاذن و البصر الذي هو ذات الله القديمة هو عين بصر الحيوان الذي هو ادراك صورة المرئي المنطبِعة في الجليديّة تعالي اللّه عما يقول الظالمون علوّاً كبيراً و كيف لاتستصعب علي من عرف الله هذه الدعاوي الباطلة لاستحالتها لا لظنّه انّ الوحدة التي يدّعونها وحدة عدديّة حيث جعلوا وجوده تعالي عين وجود الاشياۤء و علمه بذاته عين علمه بها و كذا حياته عين حياتها الخ ( الي اخر . خ‌ل ) ما قالوا او وحدة نوعيّة او جنسية او غيرها و كيف يكون الاستصعاب من جهة توهمه في الوحدة و هم يصرّحون بها في تمثيلاتِهم فيقولون كالبحر و الامواج فانّ وحدة البحر تطوي كثرة الامواج و كالصوت و الحروف و كالمداد و الحروف المكتُوبة و كالشجرة و الاغصان و الورق و كالماۤء و الثلج و كالثوب وَ الالوان المختلفة عليه و غير ذلك من تمثيلاتهم المصرّحة بدعويهم ،