و قوله « فالمجعول مجعول بالذات بمعني انَّ ذاته و كونه مجعولاً شيء واحِدٌ » فيه انّ المجعول قسمانِ مجعول بالذّاتِ و مجْعُولٌ بالعرض و المجعول بالعرض يراد منه اَنَّ جعْلَهُ مُترَتِّبٌ علي غيره لا انّه غير مجعولٍ حقيقةً و قوله « بمعني ان ذاته و كونه مجعولاً شيء واحِدٌ » فيه ان كونه مجْعولاً معنيً مصدريٌ ليس هو ذاته بل ذاته و المجعول نفسه شيءٌ واحِدٌ اذِ المجعول هو ذاته لا كونه مجعولاً فافهم ، و امّا انه « من غير تغاير حيثيّة » فلان الشيء هو نفسه من غير تغاير حيثيّة و هذا هو الاتّحاد الحقيقي و امّا مع تغاير الحيثيّة فلا اتّحاد كما يدّعيه المصنف في اتّحاد المعقول بالعاقل فانّه مع تسليم بُرْهانه و القول بقوله يلزمه تغاير الحيثيّة فلهذا مَنعْنا الاتّحاد علي فرض التسليم لبرهانه ،

و قوله « كما ان الجاعلَ جاعلٌ بالذات » الخ ، يريد به ان المجعول مجعول بالذات كما ان الجاعل جاعل بالذات و هذا تشبيه باطلٌ فانّ المجعول [ص 540] قسمان كما قلنا مجعول بالذات و مجعول بالعرض كجعل الماهية و امّا الجاعل فهو جاعل بالفعل لانّ الذات لاتصح انْ تكون فعلاً لنفسِها فلو كانتْ فعلاً كانت فعلاً لذَاتٍ فوقها تكون الذات الفاعلة بنفسها صفة لتلكَ الذات ، و الحاصل اَنّ المصنف يتكلّم بغير لسانِ الفطرة بل بلسان التّطبع المستفاد من تبديل الفِطرة و لهذا قال بالامور المنكرة غير مستوحشٍ منها لانسِهٖ بها من جهة التّطبع لا حول و لا قوّة اِلّا باللّٰهِ .

قال : « فاذا ثبت و تقرّر ما ذكرناه من كون العلّة علّةً بذاتِها و المعلول معلولاً بذاتِهٖ بالمعني المذكور بعد ما تقرّر ان الجاعلية و المجعولية انما يكونانِ بين الوجودات لا بين الماهيات لانّها امورٌ ذهنيّة تُنْتَزع من انحاۤء الوجوداتِ فثبت و تحقّق ان المسمي بالمجعول ليس بالحقيقَةِ هُوِيّةً مُباينَةً لهويّة علّته الموجِدَةِ ايَّاه و لايمكن للعقل ان يشير اشارة حضوريّة الي معلولٍ منفصل الهويّة عن هويّة موجده حتّي تكون عنده هويّتانِ مستقِلّتانِ في الاشارة العقليّة احدهما مفيضةٌ و الاخري مُسْتفيضة » .

اقول : الذي ثبت و تقرّر بالدليل القطعي و النظر الذوقي كون العلةِ علّةً بفعلِها لَا بذاتها و الّا لكانَتْ فعلاً لذاتٍ اخري لان الايجاد و الاحداث و الافاضة و غيرها من كلِّ ما هو من هذا النحو نوعٌ من الحركة اي حركة حسّيّة او معنويّة و هي صفة فعلٍ لذاتٍ اخري و الفعل محدث بنفسه فلو كان الفاعل فاعلاً بنفسه لتغيّرت حالتاه اذ هو قَبْل الفعلِ ساكن و بعد الفعل متحرّك و مختلف الحالات حادث و قد ثبت ايضا كون المعلول علي قسمين قسم معلول بذاته اي بلا واسطة كالوجود و قسم معلول بالواسطة كالماهيّة و دعوي انها غير متأصلةٍ و ان الوجود متأصّل مبنيّة علي اساسٍ باطل و هو انّ الوجود بالحقيقة بقولٍ مطلقٍ هو الواحد الحق المتعال و نحن قد بَيّنّا مراراً انّ وجود [ص 541] زيد مثلاً هل هو متميّز من الوجود الحق في حال كونه وجود زيدٍ بمشخّصاته ام لا فان لم‌يكن متميّزاً كان زيدٌ هو الحق تعالي اللّه و ان كان متميّزاً من وجود الحق فهل تمييزه بنفسه ام بمشخّصاته فان كان تمييزه بنفسه فهو حادث لايكون وجوداً حقّا و ان كان متميّزاً بمشخّصاته كان قبلها غير متميّزٍ و بعدها متميّزاً فاختلفت حالتاه و مَن اختلفت حالاته فهو حادث عند جميع العقلاۤء لايختلف فيه اثنان و ماهيّة زيد ايضاً مجعولة و ان كانت بواسطة الوجود لان زيداً انّما يعرف انّه هو بماهيّته فان لم‌تكن موجودة لم‌يكن زيد معروفاً و ايضا قد دلّ الدليل المستفاد من العقل و النقل بانّ وجود زيدٍ لايتقوّم في الكون الّا بالماهيّة لاتّفاق العقول علي ان المجعول لايمكن تحقّقه الّا بجهتين جهة من ربّه و جهة من نفسه فَالّتٖي من ربّه هو الوجود و التي من نفسه هو الماهيّة و قال الرّضا عليه السلام : انّ اللّه تعالي لم‌يخلق شيئا فرداً قاۤئما بذاته دون غيره للّذي ارادَ من الدلالة عليه ه‍ ، فاذا ثبت بالعقل و النقل انّ الوجود بنفسه لايمكن ايجاده الّا بما يتقوّم به و هو الماهية ثبت انها موجودة متحقّقة و الّا لكان الوجود الحادث قاۤئما بذاته و اذا ثبت انها موجودة كان الفرق بينها و بين الوجود عند مَن يدّعي الاتّحاد غير صحيح فاذا ادّعي الاتحاد في الوجود لزمه دعوي الاتحاد في الماهية لاتّحاد الدليل فيلزمه القول بالوحدة مع اختلاف الحيثيات و تباين الجهات و المصنف يلتزم ذلك و يقول طوَتْ وحدته كل كثرةٍ فهو الكلّ في وحدته فيلزمه انّ الوحدة الّتي اثبتها اعتباريّة فرضيّة كوحدة الشجرة مع تكثر اغصانها و اوراقها و ثمرها و لا شكّ في انهم قائلون بذلك و اللّه يقول و لكم الويل مما تصفون ، و جعلوا بينه و بين الجنّة نَسباً سيجزيهم وَصفهم انه حكيم عليم ،

و قوله « لانّها امور ذهنية » غلط لما قرّرنا ان الجاعليّة و المجعوليّة كما يكونان بين الوجودات يكونان بين [ص 542] الوجودات و الماهيات و في الحالين لا بد من توسّط الافعال بين الوجودات و بينها و بين الماهيات و كون الماهيّات تنتزع من انحاۤء الوجودات لايخرجها عن حقيقة المجعوليّة سواۤءٌ جعلتَ المنتزع ظِلّاً كما في المرءاة فانه مجعول في الذهنِ كما تجعل الصورة في المرءاة و هذا هو الحقّ في غير ذهن علّة الاكوان ام ذاتاً معرّاة عن العوارض الخارجيّة كما يذهب اليه المصنف و اتباعه فان هذا المنتزع مجعول اذ هو قبل الذهن لم‌يكن ذهنيّا و لا شيئاً غير الخارجي و لم‌يكن جاعلاً لنفسه ثم اذا ثبت انّ الشيئيّة الخارجيّة انّما هي موجودة بذلك الشيء الذي يسمّونه ذهنيّاً لانه شرط تحقّقها و شرط تكوّن كونها فلو كانت ذهنيّة محضةً لم‌يكن الشيء الخارجي شيئا اذ تصوّرك للشيء لايجعله شيئا في الخارج وَجَب اَنْ تكون الماهيّات اُموراً خَارجيّةً و امّا ما في الذهن منها كما في الذهن من الوجودات علَي حدٍّ وَاحدٍ فحيث لم‌يمكن تحقّق الوجودات المقيّدة في الخارج بدون ماهياتها و ثبت تحقّقها في الخارج دلّ علي تحقّق شرطها في الخارج و حصول الشرط في الذِّهْنِ كحصولِ المشروطِ في الذِّهْنِ و لاينافي الوجود في الذهن الوجود في الخارج علي ان الامور الذهنيّةَ وُجودَاتٌ اَيْضاً علي فرضِ كونِها انتزاعية ظلّيّة كما ذكره المصنف في الاسفار فاذا ثبت ان الماهيات هي الهويّات حقيقة لانّها هي الشيئيّة كما هو الظاهر و في الواقع للشيء هويّتان هويّة من جهة ربّه و هي وجوده الذي هو اثر فعله تعالي و هويّة من جهة نفسه و هي ماهيّته التي خلقها تعالي من نفس الوجود كما قال تعالي و خلق منها زوجها ثبت انّ المجعول هويّة مباينة لهويّة علته الموجدة ايَّاهُ كما دلّت عليه الايات التي جعلها سبحانه بياناً لما خفي علي الناظرين ممّا غاب عنهم فقال تعالي سنريهم آياتِنا في الافاق و في انفسهم حتي يتبيّن لهم انّه الحقّ ، و في الافاق انّ الكتابة [ص 543] علّتها الموجدة لها هي حركةُ يد الكاتب و هويّة الكتابة مباينة لهويّة حركةِ يدِ الكاتب و ان كانت هيئة الكتابة مشابهة لهيئة حركة اليد التي صدرت عنها لان هويّة الكتابة المداد المقدّر بالهيئة المخصوصة فاذا كانت مباينة في الهويّة لهويّة علّتها القريبة التي هيئتها مشابهة لهيئتها فكيف تكون هويّتها اي الكتابة التي في القرطاس متّحدة بهويّة الكاتب الذي يجيۤء و يروح و يأكل و يشرب و ينكح ، ما هذا الّا وساوس الشيطان ليضلّ مَن اجاب دعوته عن طريق الايمان و لايختص هذا بالمعقولات فانّ الاشياۤء الخارجيّة معلومة ايضاً فيجب ان تتّحدَ هويّاتها بهويّة العالم بها او يكون غير عالم بها الّا حال تجريدها فحيث تساوت عنده تعالي في العلم بها كانت نسبتها اليه في العلم بها سواۤء لا فرق بين الوجودات و بين انحاۤئها و بين الماهيات و بين المنتزعات ظلّيّةً او جوهريّة مجرّدة او ماديّة فاذا اعترف بعدم اتّحادِ شيء منها بموجده لزمه بقيّة المعلومات لكونها متساوية النسبة اليه تعالي ،

و قوله « و لايمكن للعقل ان يشير اشارة حضوريّة الي معلولٍ منفصل الهويّة عن هويّة موجده » غلط فاحش و لكن اذا كان رأيه كما ذكره صهره في الكلمات المكنونة : انه تعالي فاعل باحدي يديه و قابل بالاخري و النقوش كثيرة و الذات واحدة فصحّ انه مااوجد شيئا ( الّا . خ‌ل ) نفسه و ليس الا ظهورُه انتهي ، فما شاۤء ان يقول فليقل فانّ العَقْل لايمكنه اَن يشير اشارة حضوريّة او حصوليّة الَي هُويّة معلولٍ الّا بلحاظ اَنّ هويّته منفصلة عن هويّة موجده سواۤء نظر الي العلّة القريبة ام الي العلّة البعيدة و لايمكنه ان يتعَقّل الّا بكون العلّةِ مفيضةً و المعلول مستفيضاً او بلحاظ انّ العلّة ليست علة و المعلول ليس معلولاً او ( الا . خ‌ل ) بتغاير الحيثية كما قلنا في معني خلق المشيّة بنفسها فان كان بهذا الاعتبار كان المعلول هو العلّة الّا ان ذلك في المحدثَيْن لتغاير الحيثية و من ذلك ما قرّرنا سابقاً انّ المعلولات [ص 544] المجرّدة عن الماۤدّة العنصريّة و المدة الزمانية كالعقول و النفوس و الارواح و الطباۤيـٔع و جوهر الهباۤء فقد قلنا انّها قاۤئمة بفعل اللّهِ قيام صدور و كذلك غير المجردات و القاۤئم بعلته قيام صدور منفصل عن علته كالكلام القاۤئم بالمتكلم اي بفعله قيام صدور فانه قاۤئم بالهواۤء قيام حلولٍ و كالصورة في المرءاة فانها قاۤئمة بالشّاخص قيام صدور و هي منفصلة عنه لانّها هي هيئة صورته القاۤئمة به قيام عروض و ذلك ان ماۤدة الصورة التي في المرءاة من الصورة التي في الشاخص و صورتها من صقالة المرءاة و هيئتها و لونها و مقدارها و ليست الصورة التي في المرءاة متصلةً بالشاخص لانّها تصغر بصغر المرءاة و تعوجّ باعوجاجها و تلبس لون زجاجة المرءاة فهي منفصلة عن الشاخص مختلفة باختلاف المرءاة و لو كانت متّصلة لم‌تخالف ما في الشاخص نعم هي قاۤئمةٌ به قيام صدور و كذلك الصور المجردة مثلها بلا فرقٍ و لا شكّ ان العقل يشير الي هوياتِ المعلولات القائمة بعلتها قيام صدورٍ منفصِلةً عن هويّاتِ عِلَلِها مباۤئنة لهُوِيّاتها و جميع ما سوي اللّهِ عز و جل قاۤئم بفعله قيامَ صدور من المجردات و الماديات في الغيب و الشهادة فيجب ان تكون هويّاتها مبائنة لهويّات عللِها نعم مَنْ جَعلها قائمة بذاتِ صانعها قيام عروض لانها صور علمه الذي هو ذاته و انه فاعل بذاته لا بفعله و امثال هذه التّرّهَات كالمصنف و ابناۤء نوعه جاز لهُ في وهمه و مغالطات ادراكه ان يقول ان هويّاتها متّحدة بهويّته و كثرتها و تغايرها و تباينها في كونها في ذاته لاتنافي بساطته و هو مبنيّ علي مقتضي حكم الطبع علي القلوب اعوذ بالله من سخط اللّه و من لم‌يجعل الله له نوراً فما له من نورٍ و لهذا قال « حتّي تكون عنده هويتان » الخ ، لانه يريد انّها في ذاته و لو اراد انها قاۤئمة بفعله قيام صدورٍ قد وضع كل واحدٍ منها في مكانهٖ من ملكه تعالي لماقال حتي تكون عنده الخ ، لانه [ص 545] لايريد بهذا ملكه و انما يريد به ذاته لا حول و لا قوّة الّا بالله العلي العظيم .

قال : « نعم له ان يتصور ماهيّة المعلول شيئا غير العلّة و قد علمتَ انّ المعلول بالحقيقة ليس ماهية المعلول بل وجوده فظهر ان المعلول في حد نفسه ناقص الهويّة مرتبط الذات بموجده متعلّق الكون به فكل وجود سوي الواحد الحقّ لمعة من لمعات ذاته و وجهٌ من وجوده و ان لجميع الوجودات اصلاً واحداً هو محقق الحقاۤئق و مشيئ الاشياء و مذوّت الذوات » .

اقول : يريد به بيان ما ذكر قبل هذا ان الماهيات لا تأصّل لها بخلاف الوجودات ليرتّب عليه دعواه و قد قدّمنا ان الماهيات مجعولة كما ( ان . خ‌ل ) الوجودات مجعولة و انّ من قال باتحاد الوجودات بموجدها يلزمه ذلك في الماهيّاتِ لانها مثلها و قوله انها امور ذهنيّة يخالف قوله المتقدم في كتابه هذا قال : و لاني اقول ان تصوّر الشيء مطلقا عبارة عن حصول معناه في النفس مطابقاً لما في العين و هذا يجري فيما عدا الوجود من المعاني و الماهيات الكلية التي توجد تارة بوجود عينيّ اصٖيلٍ و تارة بوجودٍ ظلّي مع انحفاظ ذاتها في كلا الوجودين انتهي ، و قد ذكر بعده ان للوجود وجوداً ذهنيّا كما تقدم و كذا ذكر ذلك في الاسفار فاذا كانت الماهيات الوجودات لها وجود عيني اصيل لايمنعها عن الاتحاد بعاقلها علي دعواه انّ لها وجوداً ذهنيّا كما ان الوجود لايمنعه عن الاتحاد وجوده الذهني الظلي علي انّا قد ذكرنا لذوي العقول انها معقولة و مجعولة و انّ الامور الذهنيّة كلها معقولة له فما وجه التخصيص بالوجودات دون غيرها مع انه قدّم ان بسيط الحقيقة كلّ الاشياۤء فاذا خصّص الاتحاد بالوجودات كان بسيط الحقيقة بعض الاشياۤء لا كلّها و يلزمه ان العقل اذا امكنه تصوّر ماهية المعلول شيئا غير العلّة امكنه تصوّر وجود المعلول شيئا غير العلّة ليس بينهما فرق الّا بحكم العادة [ص 546] و مارسخت فيه الشبهة و الّا فكلا الاثنين مجعول و كلاهما معقول و كلاهما متحقّق فسلّمنا له في حكمه علي الماهيات و عارضناه في حكمه علي الوجودات ،

و قوله « و قد علمتَ ان المعلول بالحقيقة ليس ماهية المعلول » جوابه الذي علمتُ ان المعلول هو مجموع وجود المعلول و ماهيته لا خصوص وجوده بل هو بالماهيّة اوْلَي ،

و قوله « فظهر ان المعلول في حدّ نفسه ناقص الهويّة مرتبط الذاتِ بموجده » فيه ما تقدّم فان المعلول علي قوله هو وجود زيد في حدّ نفسه ناقص الهويّة اَيْضاً صحيح لكنّه ليس بمرتبط الذّاتِ بذَاتِ موجده كما انّ الضرب الّذي هو معلول ليس مرتبط الذاتِ بالذّات التي احدثتِ الضربَ بفعلِها و انّما هو مرتبط الذّات بفعله الذي صدر عنه لان المعلول انما يرتبط بما يتقوّم به من اَسْبَابه و هي ثلاثة اشياۤء اَحَدها الفعل الذي صدر عنه و ثانيها المادة التي تقوم بها تقوّماً ركنيا و هي حصّة من امر الله المفعوليّ اَعْني الوُجُودَ الاَوَّليّ الّذي هو الماۤء و هو المسمّي بالحقيقة المحمديّة فَاِنَّ وجودَ زيدٍ حصّة من شعاعها و ثالثها اسباب ظهوره اعني الكم و الكيف و الجهة و الرتبة و الوقت و المكان و الوضع و الاجل و الاِذْن و الكتاب و هذه الاسْباب هي حدود ماهيته التي هي علّة ظهوره لانه يتوقّف في ظهوره و تحقق كونه علي الماهيّة كما يتوقّف الكسر في ظهوره و تحقّقه علي الانكسار بل هو آيته الّتي جعلها الله عز و جل بلطيف حكمته دليلاً عليه و كما في الكتابة فانّها لم‌ترتبط في وجودها و تحققها و استمرار بقاۤئها الي الكاتب و لم‌يرتبط وجودها بوجود الكاتب بل بحركة يد الكاتب في الصدور و بالمداد و القرطاس في التحقق و الاستمرار فكلّ وجود سوي الوجود الحق عز و جل لمعةٌ من لمعات اثر فعله لا من لمعات ذاته ، تعالي ان تكون لذاته لمعات لان ذلك صفة المخلوق و وجهٌ من وجوه اثر افعاله اذ لا وجوه لذاته بل ذاته شيء بسيط احدي المعني [ص 547] لا تكثّر فيه لا في نفس الامر و لا في الفرض و الاعتبار لا بالحقيقة و لا بالمجاز الّا ما اثبته تعالي من اسماۤء افعاله و معانيها كما سَمّٰي محمدا و اله صلي الله عليه و اله اسماۤءَه و معانيْه و وجهه و سبيله و المراد بانّهم معانيه انهم عليهم السلم معاني افعاله كالقيام و القعود بالنسبة الي زيدٍ فانهما من معانيه اي معاني افعاله ،

و قوله « و ان لجميع الموجودات اصلاً واحداً » الخ ، غلطٌ و الحاد علي المعني الذي يريد و انّما هو تعالي اصل لايجادها بفعله لا من شيء بل اخترع وجوداتها بفعله لا من اصلٍ هو ذاته و الّا لكان يلد تعالي عن ذلك و لا من اصلٍ هو معه و الّا لكان معه في ازله غيره تعالي ،

و قوله « هو محقّق الحقاۤئقِ و مشيء الاشياۤء و مذوِّت الذّوات » حقّ علي ما نريده لا علي ما يريده المصنف لانّا نقول انّه عز و جل محقِّق ٱلحَقاۤئق اي جاعل الحقاۤئقِ بقَوابلها حَقاۤئق بفعله و جعلِه لا بذاتِهٖ كَما يزعمه المصنّفُ لما قدّمنا من انّه لو كانت ذاته فعلاً لكانت صفةً لذاتٍ اخري و هو جاعل الحَقاۤيـٔق حقايـٔق لا كما توهموا من انه تعالي لم‌يجعل المشمش مشمِشاً لان كونَ المشمشِ مشمِشاً شيءٌ غير المشمش و هو حادث فيكونَ مجعولاً و جاعله اِمَّا نفسه او المشمش او الله سبحانه فليقولوا ما شاۤؤا و هو مُشٖيۤئ الاشياۤء بمشيّته الّتي خلقها بنفسها ثم خلق الاشياۤء بها لا بذاته و هو مذوِّتُ الذوات بفعله كذلك و هذا لمن هداه الله ظاهر .

قال : « فهو الحقيقة و الباقي شؤنه و هو النورُ و الباقي سطوعُه و هو الاصل و ما عداه ظهوراته و تجلّياته هو الاوّل و الاخر و الظاهر و الباطن و في الادعية يا هو يا من هو يا من لا هو ( هو . خ‌ل ) الّا هو يا من لايعلم اين هو الا هو » .

اقول : هو سبحانه الحقيقة بلا شكٍ و الباقي اي ما سواه شؤنه اي مفاعيله و مصنوعاته الصادرة عن افعاله لا عَنْ ذاته كما توهّموا من انّها في ذاته بنحوٍ [ص 548] اشرف كامنة فيه ككمون النار بالحجر مستعِدّة للظهور ( و . خ‌ل ) ورود امرِ كن فتكون بالامر بالفعل بعد ان كانت بالقوة كما كانت النار من الحجر بحك الزناد بل هي اي شؤنه شؤن افعاله يعني مفاعيله الصادرة من افعاله كالاكل و الشرب و القيام الصادرة من افعال زيدٍ فانها هي شؤنه و لو كانت صادرة من ذاتِ زيد نفسه من غير توسّطِ فعلٍ كما توهّم او بتوسّط فعلٍ لكانت ولادةً و لم‌تكن شؤناً ، و هو سبحانه النور بمعني الهادي او بمعني الذات التي لم‌يوضع بازاۤئها الظاهر بنفسه المظهر لغيره لان هذا وضع بازاۤء ما خلقه الله آيةً لمعرفته فافهم ان كنتَ تفهم و الباقي سطوع آثار فعله لان السطوع هو النور المشرق من المنير و ليس مشرقا من نفس ذاته بل هو ظهوره به اي ظهور الفاعل بذلك الظهور فهو في الحقيقة من فعله لا من ذاته و الا لصدق عليه انّه منير لا نور لانّه اثر و الاثر صادر من التأثير فظهوره به كظهور من كان في بيت مظلمٍ فدخلتها و انت لم‌تره ثم تكلّم لك فقد ظهر لك بكلامه و هو علي ما هو عليه من انّك لاتراه و انما علمتَ وجوده بكلامه و عرفتَ صفته بما عرّف نفسه و وصفها في كلامه و لا شكّ ان هذا الظهور انه ظهور فعليٌّ لا ظهور ذاتي و لهذا نقول ان الاشياۤء تنتهي الي افعاله لا الي ذاته كما قال سيد الوصيّين عليه السلم : انتهي المخلوق الي مثله و الجأه الطلب الي شكله السبيل مسدود و الطلب مردود الخطبة ، و هو سبحانه الاصل لها بفعله كما مرّ و الباقي مما سواه ظهوراته علي نحو ما بيَّنَّا لا علي نحو ما توهّمه المصنّف بانه سبحانه اصل للاشياۤء و هي متفرّعة عن ذاته ، تعالي الله عن هذا الكلام علوّا كبيراً لانه سبحانه انّما ظهر و تجلّي بمصنوعاته لمصنوعاته هو الاول بعين ما هو الاخر و هو الاخر بعين ما هو الاوّل و هو الظاهر بنفس ما هو الباطن و هو الباطن بنفس ما هو الظاهر قال اميرالمؤمنين عليه السلام : لم‌يسبق له حال حالاً فيكون اوّلاً قبل ان [ص 549] يكون اخراً و يكون ظاهراً قبل ان يكون بَاطناً ، لانه تعالي احدي المعني فلا تغاير بين صِفاته و مراد المصنف انه كل الاشياۤء اي انه اوّل الاشياۤء و آخِرُها و ظاهرها وَ باطنُها كَما مَثّلوا بالبحر و اَمْوَاجِه و النَّفَسِ بفَتْحِ الفاۤء و الحروف و المداد وَ الكتابة و الثوب و الالوان و الماۤء و الثلج و ما اشبه ذلك مما هو قوْلٌ بوحدةِ الوجود ،

و قوله « و في الادعية يا هو » الخ ، يريد به انّه الحقيقة لكلّ شيءٍ لَيْسَ شيء غيره بمعني ما اشار اليه في قوله : هو الاول و الاخر و الظاهر و الباطن ، فقصد بارادته من الدعاۤء يا من هو ، انّ لفظة هو عَنَي بها الذّات البحت و ليس كما ارادَ لانَّ القاۤئل عليه السلم لم‌يرد ما ارادوا لانه فسّر هو فقال الهاۤء اشارة الي تثبيت الثابت و الواو الي انّه المحتَجِبُ عن الحواس فاراد بتَثْبيتِ الثابت تثبيته في الاوهام حيث طلبتْه بالتمييز فاشار بالهاۤء الي تثبيته فيها من غير تمييز يعني تثبيت معرفة مَنْ هو ثابت بذاته في الاَوْهام من غير تمييز و لا تحديد و لا تكييف بل هو محتجب عن ادراك الحواۤس و هذا اعلي مَا يدلّ علي الاية الداۤلَّةِ عليه دلالة استدلالٍ عليه لا دلالة كاشفة له تعالي عن ذلك كما قال عليّ عليه السلم في خطبته الدرّة الموسومة بالدرة اليتيمة قال : و ان قلتَ ممّ هو فقد باينَ الاشياۤء كلها فهو هو و ان قلتَ فهو هو فالهاۤء و الواو كلامه صفة استدلال عليه لا صفة تكشف له الخ ، فقد بيّن عليه السلام انّ هو كلامه الذي وصف به نفسه لعباده وصف استدلال عليه لا وصف يكشف له و يبيّن حقيقته كما توهّمه المصنّف و اتباعه الذين جعلوا هو الاسمَ ● الاعظم لانه اخصّ جميع الاسماۤء و ابسطها فهو يدلّ علي الذات البحت ، تعالي الله عما يقولون عُلوّاً كبيراً لان الهاۤء في هو لتثبيت معرفة الثابت في الاوهام بغير تحديد و لا تكييف فلذا الحقت بالواو الدالة علي الاحتجاب عن الادراك و باقي كلمات الدعاۤء بهذا النّمط ،

[ص 550] و اما قوله « يا مَن لايعلم اين هو الّا هو » فيراد منه انّه لمّا لم‌يثبت صفته في جهة من جهات الاوهام و لم‌يصف نفسَهُ لها بكيف و لا اين و لا مَتَي و انّما وصف نفسه لهم وصف استدلالٍ عليه لا وَصفا يكشف لَهُ و امّا الوصف الكاشف له فلايعلم اين هو من ملك اللهِ الّا هو فانه يعلمه تعالي و يطلع عليه احب خلقه اليه صلي الله علي محمد و اله فانه به تنكشف حقيقة معرفته الامكانية و هو الاسم الاكبر و هو الوصف الكاشف له اي لمعرفته الامكانية و امّا كنه الذات البحت فلا كشف لها اصلا و لاتجري عليها العبارات بحالٍ من الاحوال فلمّا لم‌يعرف اين ذلك من ملكه الّا هو او مَن اطلعه عليه قال يا من لايعلم اين هو الّا هو و كل هذا و امثاله في الامكان لما قلنا من انّ الازل لايسع الامكان التعْبير عنه و من هنا قال الرضا عليه السلام و صفاته تفهيم و اسماۤؤه تعبير او كما قال فاستعِذْ بالرحمن و دع عنكَ حيرة الحيران .

قال : « . . . و ايّاك ان تزلّ قَدمُكَ من استماع هذه العبارات و تتوهّم انّ نسبة الممكنات اليه تعالي بالحلولِ و الاتّحاد و نحوهما هيهات انّ هذا يقتضي الاثنينيّة في اصل الوجود و عند ما طلعت شمس الحقيقة و سطع نورها النافذ في اقطار الممكنات المنبسط علي هياكل الماهيات ظهر و انكشف ان كلّ ما يقع عليه اسم الوجود ليس الّا شأنا من شؤنِ الواحد القيّوم و لمعة من لمعات نور الانوار » .

اقول : يريد انّا قلنا باتّحاد المُدْرَِكِ بالمُدْرَِكِ ليس بان حلّ المعقول بالعاقل و المفعول بالفاعل و لا بان امتزجَ به او استَهْلَكَ فيه و امثال ذلك لان هذا انما يكون بين الاثنين و هذا لايكونُ و انما ذلك لانّه في الحقيقة انّما هو الفاعل وحده و ما سواه فهو تطوُّره و هذا هو معني ما قاله صهره الملّا محسن في الكلمات المكنونة قال : ذات الاسم الباطن هو بعينه ذات الاسم الظاهر و القابل بعينه هو الفاعل فالعين الغير المجعولة عينه تعالي فالفعل و القبول له [ص 551] يدانِ و هو الفاعل باحدي يدَيْه و القابل بالاخري و الذات واحدة و الكثرة نقوش فصحّ انه مااوجد شيئا الّا نفسه و ليس الّا ظهوره انتهي ، فاعتبروا يا اولي الابصار في هذه الاعتقادات الباطلة و تفهّموا قوله : فَصحَّ انّه مااوجد شيئا الّا نفسه ( و ليس الا ظهوره . خ‌ل ) ، و كلام قدوته المصنّف مثله لانّه يغترِف من العين الكدرة و نحن انّما قلنا بانّ كلامكم يلزم منه التركيب و الكثرة و التعدّد لِما ثبت انّ الشيء لايُحْدِثُ نفسه و انّه لو كان كما قالوا لاختلفت حالاته و مختلف الحالات حادثٌ و ذلك لان الحوادث كانت كامنة فيه فظهرت كما قال في الكلمات المكنونة : فانّ الكون كان كامناً فيه معدوم العَيْن و لكنّه مستعِدٌّ لذلك الكون بالامر و لمّا امرَ تعلّقت ارادة الموجِدِ بذلك و اتّصل في رأي العَين امره به ظهر الكون الكامن فيه بالقوّة الي الفعل الخ ، و هذا ظاهر بانّه مختلف الاحوال اذ حال كون العالم فيه غير حال ظهوره و المختلف حادث ثم اذا ثبت الاختلاف كان دعوي الاتّحاد لا بد اَنْ يكون امّا بالحلول او الامتزاج او الاستهلاكِ او الاستحالة او الانقلاب او التداخل و ما اشبه هذا و اذا طلبنا معرفة ذلك بنحو ما بيّن عز و جل لعباده في قوله الحق سَنريهم آياتنا في الافاق و في انفسهم حتّي يتبيّن لهم انه الحق وجدنا ان ما في الافاق مثل الكتابة فانّ فاعلها غيرها و فعلها بحركة يده من ماۤدّةٍ صنعها فاقامها بتلك الماۤدة في القرطاس و لم‌تتحد بفاعلها و لا بفعله و مثل صورة الشخص في المرءاة فانها لم‌توجد قبل المرءاة و هي بحسبها في الكبر و الصغر و الطول و العرض و الاستقامة و الاعوجاج و البياض و السواد و لو اتّحدت بالشاخص لم‌تكن مختلفة باختلاف المرءاة و مثل الاشعّة من المنير فانّها لاتوجد الّا في الكَثيف و المنير موجود وجد كثيف ام لم‌يوجد و مثل الاصوات من المصوِّتات و وجدنا في انفُسِنا ان الفاعل لايوجد بدون فعل [ص 552] و ان الفعل مقترنٌ بالمفعول و كل واحدٍ من هذه الثلاثة غير الاخر فيجب تحقّق المغايرة المنافية للاِتّحاد علي نحو ما قرّرنا سابقاً ،

قال المصنّف في بعض رساۤئلِهٖ علي ما نقل بعض المحشّين علي هذا الكتاب : ان النظر الي هويّة النفس وَ مقاماتها الذاتيّة الشخصيّة من حدّ العقل بالفعل الي حدِّ الوهم و الفكرِ و الخيال وَ هَلُمّ جرّاً الي مراتب الحسِّ حتّي الادراك اللّمسي كلّها موجودة بوجود النفس حياته بحياتها علي الوجه الجزئي الحضوري يؤيّد ما قرّرنا و ينوِّر ما ذكرنا ان هويّات المشاعر ليست تشخّصٰاتها و وجوداتها مبائنة لهويّة النّفس و وجودها و لا انها اعراض قائمةٌ بالنفس كما زُعِم او بالبدنِ كما توُهِّمَ و لا انّ استخدام النفس ايّاها كاستخدام احدنا للخادم و الاجير و لا انّها جواهر منفصلةُ الذاتِ عن النفس و لا ان النفس بحسب مقامها العقلي مدركة لهذه الجزئيّات و لا اَنّ الحواۤسّ هي المدركة دون النفس كما تُوهِّم و لا انّهما متشاركانِ في هذه الادراكات بل النفس بعينها العاقل المتصوّر المتخيّل الحاۤسّ الشاۤمّ الذاۤئق اللّامِس المدبّر المحرِّك النّامي الغاذي المولِّد الٰاكِل الشارب الناۤئم القاعِد و هذا باب من التوحيد ينفتح بمفتاحِ النفس علي هذا الوجه فتدبّر و اهْتَدِ انتهي ، و اقول ان اكثر كلماته في هذه الرسالة ليست مستقيمة و بيان اعوجاجها يطول به الكلام و لنشر الي شيءٍ منها : منه انّها اعراض قاۤئمة بالنفس قيامَ صدورٍ كما هو شأن الافعال بالٰالاتِ و منه انّهما مدركان لا علي سبيل المشاركة بل النفس مدركة بهذه الاشياۤء و هذه الاشياۤء مدركة بالنفس و معني هذا علي سبيل الاشارة ان كلّ مدرِكٍ انما يدرك بنفسه ما هو من نوعه و لايدرك ما دونه الّا بما هو من نوعه و ادراكه لما دونه بما هو من نوعه ان كان عن غني مطلقٍ كان لعدم احتمال ما يدركه لادراكه اذ لو كشف حجابٌ منها لاحرقت سبُحَاتُ وجهه ما انتهي اليه بصره من خلقه كما في الحديث النبوي [ص 553] فجَرتِ الحكمة علي اَن يدركها بها و بمن هو من نوعها في كلِّ شيء بحسبه و ان لم‌يكن عن غني مطلقٍ فيدرك بعلّته بمعني كون علّته حافظة لكونه و لمشاعره وَ لِآلاتِهٖ فالنفس تدرك الطعم مثلاً بالقوّة الذاۤئقة بمعني انّ ادراك الذاۤئقة للطعم ادراك اشراقيٌّ للنفس كما قلنا في كون زيدٍ اذا حضر عندي علماً لي به اشراقيّا نسبِيّا له يوجد لي بوجوده و يعدم بعدم حضوره و القوة الذاۤئقة تدرك الطعم بالنفس بمعني ان النفس حافظةٌ للذائقةِ و لادراكها و اسبابه كحفظ الشاخص للصورة في المرءاة فانها تفعل ما دامت شيئا بحفظ الشاخص لها فافهم فان فهمتَ ما بيّنْتُ و شرحتُ شربتَ شربةً من حوض رسول اللّه صلي الله عليه و اله بكف وصيّه عليه السلم لاتظمأ بعدها ابداً و اِنْ لم‌تفهم فلاتكذّب بما لم‌تحط بعلمه و لَمّايأتِك تأويلُه و لاتردّ ما لاتعرفه اسمع قول الشاعر :

اذا كنتَ ماتدري و لا انتَ بالذي تطيعُ الذي يدري هلكتَ و لاتدري

و اعجبُ مِن هذا بانّك ماتدري و اَنَّكَ ماتدري باَنّكَ ماتدري

فالذاۤئقة حال كونها مدركةً بالنفس مستقلّة بالادراك ما دامت النفس حافظةً لها و لادراكها و ادراكها للطعم بالنفس اي بحفظ النفس ادراك اشراقي للنفس يوجد للنفس بوجود ادراك الذاۤئقةِ للطعم حال كونها محفوظة و يعدم بعدمها فافهم هذا الترديد فاني لو اقتصرتُ علي اجمالي بقولي ان النفس تدرك بها و هي تدرك بالنفس لمافهمتَ ما اريد ،

و قوله « و عند ما طلعت شمس الحقيقة » الخ ، يريد به عند ما طلعت شمس الحقيقة اي تجلّت الذات بذاتها عنده و عندنا تجلّت الذات باحداثِ مصنوعاتِها « و سطع نورها النّافذ في اقطار الممكنات » يعني ما كان كَامِناً في ذاته بالقوّة اشرق و برز بالفعل عند ورود امره كن و نحن نعني بمثل هذا الكلام ما احدث من فعْله و ما [ص 554] احدثَ به من مفعولاته و النور الساطع وجوداتها و اضافة الاقطار الي الممكنات بيانيّة ،

و قوله « المنبسط علي هياكل الماهيات » يريد به ان نور الوجود انبسط علي الهياكل و معناه يصرفه كُلٌّ الي مذهبه فمن جعل الهياكل اي الماهيات صوراً علميّة غير مجعولة جعل نور الوجود مظهِراً لها في الاعيان و من جعلها مجعولةً بالوجود جعل الوجود مقوِّماً لها و قد تقدّم ذكر اختلافهم في الماهية و ورودها عليه او ورودهُ عليها و جهة تقوّمه بها او تقوّمها به و لا فاۤئدة لاعادته و لاسيّما مع كثرة التكرير و الترديد لمن رَسخ في قلبه مذهب المصنف لعلّه يذكّر او يخشي ،

و قوله « ظهر و انكشف ان كلّ ما يقع عليه اسم الوجود ليس الّا شأناً » الخ ، يريد به انه شأن من شؤن الذات البحت و لمعة من لمعات نوره الازلي الذي هو ذاته الصرف و هذا مثل ما تقدّم من جعله تعالي كلّ الاشياۤء الّا المصنّف اخذه الطمع علي الماهيات و الذي ينبغي له ان يدخلها مع الوجودات الممكنة لانها من الاشياۤء التي هي عنده انه تعالي كلّها لانها شيء و هو عنده موجود لايسلب عنه شيء ، تعالي ربي و مالك رقبتي عما يقول علوّا كبيراً ، و انّما الحق في هذه المسئلة ان كل ما يقع ( عليه . خ‌ل ) اسم شيء من وجود او ماهية فانه شأن من شؤن فعله و لمعة من لمعات نور مفعوله اعني الحقيقة المحمديّة علي ما نطقت به اخبار العترة النبويّة صلي الله علي محمد و اله و امّا انه تعالي نور الانوار فليس علي ما يفْهم اذ لايصدر منه تعالي شيء كما توهمه من انّ جميع الانوار صادرة منه و لقد اخطأ القياس لانه قاس ذلك علي السراج و اشعته و نحن قد قدّمنا انّ السراج المرئي ليس هو النار بل هي غيب لايدرك و هي الحرارة و اليبوسة الجوهريان و انّما المرئيُّ هو مفعوله المنفعل بالاستضاۤءة عن فعلها لان الشعلة المرئيّة من السراج هي الدخان المستحيل من الدهن بحرارة فعل النار المنفعل [ص 555] بالضَّوْءِ عنها و هي اي الشعلة المرئيّة التي هي بمنزلة الحقيقة المحمديّة التي هي مَحلُّ فعْلِ اللَّهِ هي منوّر الاشعة الواقعة في الجدار فالشعلة هي المنورة لجميع اشعة السراج و جميع الاشعّة منتهية اليها قاۤئمة بها قيام صدورٍ و قيام تحقّقٍ ركنيّ فالدخان الذي هو بمنزلة الحقيقة المحمديّة و بمنزلة الحديدة استضاۤءَ بمسّ النّار و هو مسّ فعلها و النّار في حدِّ ذاتها غيْب لاتظهر الّا بتأثيرها في الدُّخان و في الحديدة حتّي تكون بمنزلةِ النّارِ و الاَشِعّةُ من الدخان المستضيۤء بمسّ النّارِ و اليه يعود فلاتكون الاشِعّةُ من النار و انّما هي من مفعولِها و السراج و اشعته خلقه الله عز و جل آيةً لفعلِ اللّهِ بمسّ النار و للحقيقة المحمّدية التي خلق الله جميع الاشياۤء من شعاعها و نورها بالدخان المستضيۤء بمَسِ النّار كما ٱسْتَضاۤءت الحقيقة بفعل اللّهِ تعالي و لساۤئر خلق اللّهِ المحدث من الحقيقة المحمديّة باشعّةِ السراج فاذا قاس ما ادّعاه علي السراج و اشعّته كان مراده ان الاشعّة كانت كامنة في النار التي هي مركبة من حرارة و يبوسة جوهريَّيْن فبرزَتْ عند ورودِ كن عليها فكانت موجودة بالفعل خارِجَ الاَزل بعد ما كانت موجودة في الذّاتِ بالقوّة و هذا باطِلٌ لانه قاس ما لايعرفه علي ما لم‌يعرفه .

قال : « فما وصفناه اوّلاً بحسب النظر الجليل من ان في الوجود علّة و معلولاً اَدَّي بنا اخيراً من جهة السلوك العلمي و النّسكِ العقلي الي ان المسمي بالعلة هو الاصل و المعلول شأن من شؤنه و طورٌ من اطواره و رجعت العلّيّة و الافاضة الي تطوّر المبدأ الاول باطواره و تجلّيه بانحاۤء ظهوراته فاستقم في هذا المقام الذي زلّت فيه الاقدام و كم من سفينة عقلٍ غرقت في لجج هذا القمقام و الله وليّ الفضل و الانْعٰام » .

اقول : يريد اَنّ ما ذكرناه لك ممّا ادَّي اليه الدليل بالنظر الكشفي اوّلاً ادَّي [ص 556] بنا اَخٖيراً اي وقع بنا اخيراً بقاۤءً علي الدليل بالنظر الجليل من جهة السلوك العلمي اي من جهة الترقي في مراتب العلوم الالهيّة و المعارف الاحديّة و من جهة النسكِ العقلي اي العبادة العقلية اي امتثال امر ربّه فيما تعرّف به لنا ادّي بنا ذلك الي انّ ما سمّيناه بالعلة هو الاصل الّذي تنشقّ منه الفروع و يتنوّع منه كل نوعٍ و انّ المسمّي بالمعلول انّما هو شأن من شؤن ذاته و طورٌ من اطواره بمعني انّ الشأن الذي نريده هنا ليس اثراً فِعْليّا يعني صادراً من فعله بل المراد بالشأن طور من اطوار الحق ، سبحانه و تعالي عما يقول علوا كبيرا و هو رأي باطل امّا اوّلاً فلانّ دليله نشأ عن كشفٍ نفساني لانّ الكشف يتحصّل للكاشف من نوع ما جعله مطمح نظره فان جمع قلبَه و سِرَّهُ و ظاهره علي جهة عقلانيّةٍ قد شهد الدين و المذهب الحق بنوع تلك الجهة العقليّة تحصّل له الكشف عن اسرار تلك الحقيقة من حيث يحبّ الله سبحانه و ان جمع قلبه و سِرَّه و ظاهره علي جهة نفسانيّة قد شهد الدين و المذهب اي الكتاب و السنة ببطلانها اعني ببطلان تلك الجهة النّفسانيّة تحصّل له كشف عن اَسْرار تلك الجهة التي هي بمنزلة السراب يحسبه الظمٰان ماۤءً حتّي اذَا جاۤءَه لم‌يجده شيئا و وَجَد اللّٰه عنْده فوفّيه حسابه و اللّه سريع الحساب و امّا ثانيا فلانّ النظر الذي ذكر انّه جليل صحيح و لكن جلالته ليست في جهة الحق لمخالفة متعلّقه للحق لانه قد جمع قلبَه علَي تصحيح ان الخلق من سنخ الخالق فادّاه كشفه الي ذلك و نحن لمّا نظرنا في كلام ساداتنا عليهم السلام و جمعنا قلوبنا علي انّ الخلق ليسوا من سنخ الخالق و لا ظلّاً له و انما احدثهم صانعهم تعالي لا من شيء و انّما احدثهم بفعله اختراعا و ابداعاً كما اشار اليه اميرالمؤمنين عليه السلم في خطبته يوم الغدير و الجمعة قال (ع) في الثناۤء علي اللّه تعالي : و هو منشئ الشَّيْء حين لا شَيْء [ص 557] اِذ كان الشيءُ من مشيّته ه‍ ، فابان عليه السلم ان الشيء انما هو من مشيته و لذلك سُمِّي شيئاً لانّه مُشَاۤءٌ فان قلتَ يلزمك في قوله عليه السلم اللّه شيء بحقيقة الشيئيَّةِ ان يكون مُشَاۤءً صادراً عن مشيّته قلتُ انّ ما تعرفه الخلاۤئق اجمعون من معني قولهم عليهم السلام ان الله سبحانه شيء بحقيقة الشيئيّة انه معني محدث صدر عن مشيّة اللّه تعرّف به لعباده و هو شيء ليس كمثله شيء و نعني به آيته تعالي التي اَراها عبادَهُ في الافاق و في انفسهم و هو العلامات و المقامات التي لا تعطيل لها في كلِّ مكانٍ و هو شيء بحقيقة الشيئيّة لانه انما يعرف اللّٰهُ تعالي به فلا بدّ ان تجرّدَهُ في لحاظ الوجدان عن جميع الاكوان و التكونات و الاحتياج الي شيء و اَنْ تجرّده عن كونه محدثاً و اَن تصفه بحقيقة الشيئيّة لانك اذا نفيْتَ عنه كل ما ليس هو ذاته من المفهوم و المعلوم بحيث لاتثبت فيه شيئاً من انواع الاستفادة من الغير كان كذلك و الّا لم‌يُعْرَفْ بهِ اللّٰهُ اذ لو بقي فيه شيء من انواع الاستفادة و الحاجة الي الغير لم‌يعرف به الله لانه تعالي انما يعرف بذلك وَ لَا سَبٖيلَ لاَحدٍ من الخَلْقِ اِلّا الَيْه فينسبون اليه ما ينسبون الي المعبود تعالي لانّه وجهه و وَصْفه لنَفْسِهٖ لَهُمْ فَافْهَمْ و انّما جري علي المصنّف ذلك حتي انطبعت نفسه علي الكشفِ المخالفِ لانّه اَنِسَ بكلماتِ اهل الضلالة و البدع الذين غيّروا فطرة اللّهِ و خلقه فمالت بهم طبيعة التغيير الي ما سمعتَ و هم يحسبون انهم يحسنون صنعاً و الدليل علي انهم لايكشفون عن حقاۤئق الاشياۤءِ علي ما اعطاهم النّظر بل علي ما يريدونه قول عبدالكريم الجيلاني من اجلّاۤء اهل التصوّف و كبراۤئهم في كتابه المسمي بالانسان الكامل اَنّ شرط التصوّف ان يكون علي ما يوافق مذهب السّنة و الجماعة و علي هذا لو اَدّاهم النظر و الكشف الي ما يخالف مذهب السنة و الجماعة تكلّفوا صرفه و توجيهَهُ [ص 558] حتي يطابق مذهبهم و ما هذا حاله لايكون كشفاً بل تكلُّفاً فقوله « فاستقم في هذا ٱلمقام الذي زلّت فيه الاقدام » صحيح و لكنه مااستقام فيه كما اُمِرَ و انّما اتّبع هواه .

قال : « . . . في نبذٍ من احوال صفاته تعالي و فيه مشاعر : المشعر الاول - ان صفاتِه تعالي عين ذاته لا كما قاله الاشاعرةُ اصحاب ابي‌الحسن الاشعري من اثبات تعدّدِها في الوجود ليلزم تعدّد القدماۤء ، تعالي عن ذلك علوا كبيراً و لا كما تقوله المعتزلة و تبعهم الاخرون من اهل البحث و التدقيق من نفي مفهوماتها رأساً و اثباتِ آثارها و جَعْل الذات ناۤئبة مَنَابَها كما في اصل الوجود عند بعضهم كصاحب حواشي التجريد » .

اقول : انّ العقلاۤء من المتكلمين و الحكماۤء اختلفوا في صفات الله سبحانه بعد اتّفاقهم علي انه تعالي موصوف بصفاتٍ في الجملة فمنهم مَن قال انها مغايرة لذاته باعتبارٍ و هي ذاته باعتبارٍ و مثّلوا بالقاۤئم فانّه زيدٌ باعتبارِ انّ زيداً هو القاۤئم اذ ليس القاۤئم شيئاً غير زيدٍ و هو غير زيدٍ باعتبار انّه لو كان هو زيداً لمافارقَ القيام و هو خلاف الوجدان و هؤلاۤء بعض الاشاعرة اصحاب علي بن اسمعيل بن ابي‌بشرٍ الاشعري و منهم من قال بمغايرتها لذاته تعالي و انه تعالي حي بحيوة غيره و قادر بقدرةٍ غيره و سميع بسمعٍ غيره و هكذا و هؤلاۤء من اَتْباع الاشعري و ممن قال بهذا ابن تَيْمِيّةَ و استدلّ بقول الله سبحانه و اذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا و ما الرحمن انسجد لما تأمرنا قال : لمّا نزلت هذه الاية قالوا و ما الرحمنُ كل وقتٍ تأمرُنا بالسّجود لواحدٍ امرتنا بالسّجود للّه ثم امرتنا بالسجود للرحمن ، و عنده انّ الصفات مغايرة في المفهوم و في الوجود الّا انّها عَلي غير نحو مغايرة الاجسام و لهذا قال : الحنابلة يعبدون صَنماً وَ الاماميّة يعبدون عدماً ، يريد انهم ينفون الصفات و انّما يثبتون الذات البحت و ذات بحت بلا [ص 559] صفات لاتوجد و قولهم علي الوجهين باطل للزوم تعدّد القدماۤء الثابت بطلانُه و قالت المعتزلة اصحاب واصل بن عطاۤء باثباتِ احوالٍ و هي العالمية و القادريّة و السميعيّة و البصيريّة و هكذا من احوال صفاته و قالوا انّها ليست ايّاه و ليست غيره و ليست موجودة و ليست معدومة و ليْست قديمةً و ليست حادثةً و هذا القول كالاول في البطلان لانه غير معقولٍ فقد اثبتوا ما لم‌يعقلوا ،

و قوله « و تبعهم اخرون من اهل البحث و التدقيق » الخ ، و منهم الملّا جلال الدواني يريد به ان هؤلاۤء نفوا الصّفات اصْلاً و رأساً لان اثباتها يوجب تعدّد القدماۤء ان فرضناها قديمة و يوجب الاحتياج الي الحوادث ان فرضناها حادثةً فينفون مفهوماتها ليتخلّصوا من هذين الاشكالين و يثبتون آثارَها لانّ الذات لاتقع منها الاثار الّا باعتبارِ صفاتها و لمّا كانت الاثار لاتقوم بدون مؤثر جعلوا الذات ناۤئبةً مناب الصّفات في اظهار آثارِها و هذا ايضا باطل لان الاثار ان كانت للصفات دلّت علي انّ الصفات موجودة و ان لم‌تكن موجودة لم‌توجد لها آثار اَصْلاً لان وجود الاثار فرع وجود المؤثر و لاتتصوّر هذه الدّعوَي الّا علي فرض وجود الصفات ثم بعد اَنْ وجدت عنها اثارها عدمت الصفات و قامت الذات مقامها و هو ظاهر البطلان و ايضا اذا كانت الذات ناۤئبة مناب تلك المعدومات لزمَ ان تكون الذات غير مؤثرة من نحو ذاتها بل بالنّيابة عن غيرها و لايُقال انّ تلك ليست غير الذات لانا نقول انها لو لم‌تفرض غير الذات لَمافرض عدمها مع وجود الذاتِ فهي غير الذات و مثل ذلك كله في البطلان قول سيد صدر بنفي الوجود من الواجب مطلقا و انّ الذات البحت قاۤئمةٌ مقام الوجود علي جهة النّيابة كما ذكره في حواشي التجريد من ان الذات ناۤئبة مناب الوجود و كلّ هذه الاحتمالات خارجة عن حدّ الاستقامة و قد مر ما يؤيّد ما ذكرنا و يأتي ايضاً .

[ص 560] قال : « بل علي نحوٍ يعلمه الراسخون من ان وجوده تعالي الذي هو عين ذاته هو بعينه مصداق صفاته الكمالية و مظهر نعُوته الجماليّة و الجلاليّة فهي علي كثرتها و تعدّدِها موجودة بوجود واحدٍ من غير لزوم كثرة و انفعالٍ و قبول و فعلٍ فكما ان وجود الممكن عندنا موجود بالذاتِ و الماهية موجودة بعين هذا الوجود بالعرضِ لكونه مصداقاً لها فكذلك الحكم في موجوديّة صفاته تعالي بوجود ذاته المقدّس الّا انّ الواجب لا ماهيّة له » .

اقول : يوهم كلام المصنف من نظر فيه انه صحيح و لكنه كالاقوال الاوّلة في البطلان و ان اختلفت جهات البطلان و ساوقفُك علي وجه البطلان انشاۤء اللّه تعالي ، اعلم ان وجوده عين ذاته الّا ان قوله « هو بعينه مصداق صفاته » لايصحّ لانه ان فرض بين الوجود و بين الصفات نوع مغايرة و لو بالفرض و الاعتبار لم‌يكن الوجود مصداقاً لها اذ الوجود البحت لايقبل التغاير و لو بالفرض و التقدير اذِ الفرض و التقدير و الاعتبار من احوال الامكان و لايصح شيء منها في حق الواجب عز و جل بوجهٍ ما و ان لم‌يفرض شيء اصلاً بكل اعتبار امتنع فرض الصدق لانّ هذا النمط اعني الصدق المذكور انّما علم من مشيّة اللهِ خلقه تعالي و اجراه بين بعض خلقه و لايجري عليه ما هو اجراه و لاتغتر بعبارات المصنف و امثاله فتقبلها من غير فهم فتكون كما قال الشاعر :

قد يُطرِبُ القُمريُّ اَسماعَنا و نحنُ لانفهم اَلْحانَهُ

لان الصفات الكمالية في الحقيقة ليست شيئا غير اللّه و الشيء لايصدق علي نفسه الّا بلحاظ مغايرة و ذلك لايصحّ الّا في الحوادث و اما الواجب فليس فيه غيره وَ لَا مَعه و لايصدق عَلَيْه و الفرق بين الصفة و النّعت قيل ان الصفة لاتلزم و النعت يلزم و هذا في غير القديم تعالي و الفرق بين الجمال و الجلال ان الجمال نور الذات و قيل نور الجلال و الجلال هو حجاب الجمال و [ص 561] قيل حجاب الذات و علي كل حال فالجمال من صفات العظمة و الجلال من صفات العزّة و الاختلاف في الاوّل فقيل جمال الجلال و قيل جلال الجمال و لاجل ذلك قيل لجماله جلال و قهر و سطوة و لجلاله جمال و نور و بهجة و كلّ ذلك في الامكان بعضه في الامكان الراجح و بعضه في الامكان الجاۤئز ،

و قوله « فهي علي كثرتها و تعددِّها » ليس بصحيح لانها انما تكون كثيرة و متعدّدة في الامكان اعني الصفات الفعلية باعتبار تعلّقها بالامور المتعددة المتغايرة و هي حينئذٍ لايصح ان يكون مصداقاً لها و امّا في الازل فليس الّا هو عز و جل لانه هو الازل بلا مغايرة و لا كثرة بوجه من الوجوه ،

و قوله « من غير لزوم كثرة » لا معني له لانه اذا فرض الكثرة لم‌ينفِها قوله من غير لزوم كثرة كما لو قلنا هذا الشيء مركب من اربعة اجزاۤء من غير لزوم تركيب فانك بعد اثبات التركيب لاينفيه قولك من غير لزوم تركيب ،

و قوله « فكما ان وجود الممكن » الخ ، يريد به ان وجود الممكن موجود بنفسه لا بوجود غيره و قد قدّمنا مراراً متعددة بيان وجود الممكن و انه هو الماۤدة لا غير في كل شيء بحسبه من الغيب و الشهادة و هي لم‌توجد بماۤدّةٍ غير نفسها و الماهية هي الصورة كذلك و هي موجودة من نفس المادّة من حيث نفسها و ذلك تأويل قوله خلقكم من نفس واحدةٍ و خلق منها زوجها و الماهية لاتصدق علي الوجود بوجهٍ ما لانّ الوجود كما قدمنا يطلق علي الماۤدة و الماهية علي الصورة او علي الفعل و الماهية علي الانفعال و لاتصدق الصورة علي الماۤدة و لا الانفعال علي الفعل و يطلق علي معني آخر و هو ان الشيء بلحاظِ انّه نور الله و اثر فعلِ اللّهِ وجودٌ و بلحاظ انه هو ماهية و لايصدق الشيء من حيث انه هو عليه من حيث انّه نورُ ٱللّٰهِ و صنع اللّهِ لانه هو استغناۤء بنفسه و هو جهة انّيّتِهٖ و تشخُّصِهٖ و كونُه نورَ اللّه و صنعَ اللهِ و اثرَ فعْلِ ٱللّٰهِ عَدَمُ انّيّتِه و محوُ [ص 562] تشخُّصِهٖ فلاتصدق الانّية علي عدم الاِنّيّةِ هذا بالنّسبة الي نفس الوجودِ و الماهيّة و امّا بالنسبة الي ايجادهما فلان وجود زيدٍ مثلاً احدثه الله تعالي بفعلِهٖ وَ هو احداثٌ اَوَّلاً وَ بالذّاتِ بمعني انّه خير مقصودٌ بنفسه لانّه منشأ الطّاعات و ماهيّته احدثها اللّه عزّ و جلّ بفعله و هو فعل من الفعل الذي احدث به الوجود مترتّب عليه و هو غيره مثل شراۤء الفرس للركوب اوّلاً و بالذات و شراۤء الجل للفرس ثانياً و بالعرض و هو مترتّب علي شراۤء الفرس و هو غيره و ان كان ناشياً عنه كذلك ايجاد الماهيّة فانه ايجادٌ ثانيا و بالعرض لانه غيره و ان كان مترتّبا عليه لان الماهية شرّ لايحسن ان تقصد لنفسها و لكن الوجود لمّا لايمكن تقوّمه بنفسه من دون ضده لانه ممكن و كل ممكن زوج تركيبي بمعني ما تقدم من عدم صحة ايجاده الّا باعتبار جهة من ربّه و هو الوجود و جهة من نفسه و هو الماهية و بعبارة اخري لا بد لكل مخلوق من جهتين خلقه فانخلق جهة خلقه هي وجوده و جهة انخلق هي ماهيّته و قد قال الرضا عليه السلام : انّ اللّه تعالي لم‌يخلق شيئا فرداً قاۤئما بذاته دون غيره للذي اراد من الدلالة عليه ، قال تعالي و من كل شيء خلقنا زوجين لعلّكم تذكّرون ، فلمّا كان الوجود هو المقصود و لكنه متوقف علي الماهيّة اوجدها اللّه ليتقوّم بها الوجود و لانها منشأ المعاصي التي يكون التمكين منها شرطاً لتحقق الطاعات اذ لو لم‌يتمكن المكلّف من المعاصي لم‌يكن فاعلا للطاعات اذ لاتكون الطاعة طاعةً حتي يكون المكلّف فاعلاً لها و هو يقدر علي ضدّها فاذا ترك المعصية مع القدرة عليها و فعل الطاعة باختياره صحّت الطاعة فكانت الماهية و ما يترتّب عليها احدثها الله ثانيا و بالعرض بهذا المعني لا انّهما اُحْدِثا بايجادٍ واحدٍ كيف و هما ضدّانِ و هيئة الموجود من هيئةِ الايجاد و ما يصدر عنه الوجود من الهيئة لاتصدر عنه الماهيّة و الّا لكانت وجودا كما قلنا في نور [ص 563] الشمس و الظل الحادث من نفسه خلف الجدار اذ لو كان الظل موجوداً بنفس ما وجد به النور لكان نوراً و لعاد الي الشمس ، و قولنا : انّ الوجود وجد بنفسه و الماهيّة وجدَتْ بالوجود ، و هو يوهم دعوي المصنف و اتباعه لم‌نرد به ما ارادوا و انّما نريد انّ الوجود لم‌يكن موجوداً من وجود قبله بل هو وجود مخترع لا من شيء و امّا الماهيّة فهي موجودة من نفس الوجود من حيث نفسه لا من حيث خالقه و لانريد انّ الوجود شيء مغاير للماۤدّة كما توهّموه حتّي ظنّوه غير المادة و الصورة و هو حقيقة الشيء و لا حقيقة للشيء غيرهما كما بيّنّاه سابقا من اتفاق العُقَلاۤءِ علي ان قولك الانسان حيوان ناطق ان حيوان ناطق حدّ تام حقيقي جامع لجميع ذاتيات الانسان و ليس الّا الحيوان فانّه الماۤدةُ و الناطق فانّه الصورة و اين ذهب الوجود الذي توهّموه و انه حقيقة للاِنْسٰانِ فانّ الشيء لايحتاج في تكونه الّا الي اربع علل علّتان يتقوّم بهما تقوّماً ركنيّا و هي المادة و الصورة و علّة يتقوّم بها تقوّم صدور و هي العلّة الفاعلية و هي لاتكون جزءاً من المفعول كما لاتتركب الكتابة من حركة يد الكاتب فلاتكون جزءا للكتابة و علّة تكون بٰاعثةً للفاعليّة و هي الغاۤئيّة و هي خارجة عن حقيقة المفعول اتفاقاً فلايتركب منها و لاتكون جزءا له فاين الوجود الذي هو حقيقة الشيء اذا لم‌يكن مادته و لو اردنا ما ارادوا من الوجود لوجب علينا ان نقول انّ الماهيّة موجودة بنفسها كالوجود و لكن لمّا اردنا انّها مخلوقة من نفسه قلنا انها موجودة بالوجود لانه المادة و الماهيّة هي انفعال المادة و قبولها فافهم ،