قال : « المشعر السابع - في انه تعالي يعقل ذاته و يعقل الاشياۤء كلّها من ذاته امّا انه يعقل ذاته فلانّه بسيط الذات مجرّد عن شوب كل نقص و امكان و عدم و كل ما هو كذلك فذاته لذاته بلا حجابٍ و العلم ليس الّا حضور الموجود بلا غشاوة و كل ادراكٍ فحصُوله بضرب من التجريد عن الماۤدّة و غواشيها لان المادة تتبع العدم و الغيبة اذ كل جزء من الجسم فانه يغيب عن غيره من الاجزاۤءِ و يغيب عَنه الكل و يغيب الكل عن الكلّ فكل صورة هي اشدّ براۤءة من الماۤدة فهي اصح حضوراً لذاتها ادناها محسوسة علي ذاتِها ثم التخيّليّة علي مراتبها ثم المعقولة و اعلي المعقولات اقوي الموجودات و هو واجب الوجود فذاته عاقل ذاته و معقول ذاته باجلّ عقلٍ و ذاتُه مبدء كلّ فيضٍ وَ جُودٍ فبذاته يعقل جميع الاشياۤء عقلاً لا كثرة فيه اصلا » .

اقول : اخذ المصنّف بعد اثبات الوجود في صفاته وَ اعتبر اوّلاً العلم و الترتيب الطبيعي عند بعضهم تقديم تعريف الحيوة لترتب العلم عليها و لعلّه انّما قدّمه لكثرة الكلام فيه و لانه مستلزم للحيوة و الحاصل الخطب في هذا سهل فقالَ « انّه تعالي يعقل ذاته و يعقل الاشياۤء كلّها من ذاته » امّا المسئلة الاولي فظاهرة و امّا الثانية فكونه يعقل الاشياۤء فلا شكّ فيه و امّا كون ذلك بذاته فهو محلّ الكلام فنقول اوَّلاً ما معني بذاته انّ ذاته عاقلة للاشياۤء ثمّ هل هي فيها اي في ذاته بان تكون الاشياۤء في ذاته او صورها في ذاته ام معناه انّ ذاته عاقلة للاشياۤء في امكنة حدودها و ازمنة وجودها و ربما يتوقف بعض ابحاث هذه المسئلة علي معرفة مسئلة فينبغي تقديم ذكرها و بيان بعض ابحٰاثها و لو علي نحو الاقتصار و هو انّ العلم هل هو المعلوم ام غيره ام بعضه المعلوم [ص 517] و بعضه غيره اقوال ثلاثة فقيل العلم عين المعلوم للزوم المطابقة للمعلوم و الاقتران و الوقوع و لو غايَره لزم مع تعدّد المعلوم اتّحاد العلم و هو مناف فيلزم الجهل في العلم و ذلك كما اذا قلنا انّ العلم بالبياض هو العلم بالسواد فان لزم المطابقة كان في احدِهما جهلاً لِانّه اذا طابق البياض لم‌يطابق السّواد و بالعكس ان كانت جهة المطابقة من العلم واحدة سواۤء كانَتْ ذاته ام لا و الّا فننقل الكلام الي كل من الجهتين و لايمكن للشيء الواحد اَن يطابق ضدّين الّا بجهتين و في كل منهما يعتبر الاتحاد مثلاً الهواۤء انّما يطابق النّار بجهة الحرارة التي هي حرارة النّار و لايطابق يبوستها و يطابق الماۤء بجهة الرطوبة التي هي رطوبة الماۤء و لايطابق برودته علي ان العلم بنمطٍ واحدٍ فاذا ثبت الاتّحاد في الصورة العلميّة كما اذا قلتَ انّ صورة العلم بزيْد هي ايضاً معلومة للعالم و لايجوز اَنْ يكون معلومة بصورةٍ اُخْرَي وَ اِلّا لزم الدَّوْر اَو التّسَلْسُلَ فيجب ان تكون معلومة له بنفسِها و مَن قال باتِحاد العلم و المعلوم في الصورة خاصّة فرق من غير فارقٍ لما اشرنا اليه من المطابقة و الوقوع و الاقتران اللّاتي لاتتحقق الّا مع الاتّحاد و اشتباهُ ذلك علي مَن زعم امتناع مطابقة الشيء لنفسه و وقوعه علي نفسه و اقترانه بنفسه اشتباهٌ ضعيف لان حقيقة هذه الامور الثلاثة انّما تكون علي اكمل وجوهها حقيقةً اذا نسبت الي نفسها اذ حصولها في غير نفسها انما هو ببعضِ كلٍّ منها لبعض كلٍّ من الاخر مثلا لايتحقّق الاقتران في شيء لاخر بكلّ جهة في كل حال دفعة واحدة و كذا الوقوع و المطابقة الّا مع الاتّحاد و الّا ثبت فيها المجاز فقد تَبيّنَ حكم الاقوال الثلاثة الاتحاد و المغايرة و الاتحاد في بعض دون بعضٍ و الحق الاتّحاد مطلقا علي نحو ما بيّنّاه في شرح رسالة العلم التي وضعها ملا محسن لابنه علم ٱلهدي فراجع هناك ان لم‌يتبيّن لك ٱلحقّ هنا ، فاذا ثبت ان العلم عين [ص 518] المعلوم امتنع اَنْ تكون الاشياۤء في ذاته تعالي او صورها او معَانيها و الّا لكانت الحادثات في ذاته و حيث كانت الاشياۤء لا تحقّق لها و لا وُجودَ لها و لا ذكرَ لها الّا في الاِمْكٰانِ و كان العلم بها هو عينها وجب ان يكون ذلك العلم اِشْرَاقيّاً نِسْبيّاً يوجد بوجودها لانّه هو هي فان قلتَ يلزم ان يكون تعالي قبل وجودِها علي هذا التقرير غير عالمٍ بها قلتُ ما تريد بِوجودها المذكور في السؤال هل هو الوجود الكوني ام الوجود الامكاني فعلي الاوّل هو عالم بها قبل كونها كعلمه بها بعد كونها كما في الحديث عنهم عليهم السلم و يكون قولُهُ بعد كونها له معنيانِ احدهما بعد فناۤء كونِها وَ الثاني حال كونها و هذا العلم هو الامكاني الذي لايحيطون بشيء منه الّا بما شاۤء كونه منه و علي الثاني هو عالم و لا معلوم فلمّا احدث امكاناتِها وقع العلم اي الاشراقي علي المعلوم الذي هو نفس ذلك الواقع و قولنا عالم هو ذاته و حينئذٍ لا معلومَ فالعلم ذاته تعالي و ذاته لاتقع علي غير ذاته فالواقع غير ذلك العلم و انّما الواقع الفعلي الاشراقي النسبي الذي لايوجد قبل ما ينسب اليه و لا بعده و انّما يوجد معه لانّه هو هو و لايلزم من عدم العلم بما ليس شيئا جهل لان الجهل انما يلزم اذا وجد شيء و لم‌يعلمه الاتري انك اذا لم‌يكن في يدك شيء و قلتَ انّك لاتعلم شيئا في يدك لايلزم منه جهلك وَ انما يلزم منه علمك اذ لو ادّعيتَ علم شيء في يدك و لم‌يكن فيها شيء لكنتَ جاهلاً فافهم المثل فلايلزم التجهيل الّا مع نفي العلم اذا وجد المعلوم و لقد قال تعالي في كتابه قل اتنبّئون اللّه بما لايعلم في السّمواتِ و لا في الارض و قال تعالي ام تنبّئونه بما لايعلم في الاَرْض اَمْ بِظاهرٍ من القول فاخبر تعالي بانه لايَعلم له شريكاً في السّموات و لا في الارض وَ لَايلزم من نفي علمه بالشريك تَجْهيله لعدم وجودِ الشّريكِ و انّما يلزم ثبوتُ علمِهٖ فافهم ، و اعلم انّ العلم المتعلق بالمعلومات الحَادثة سَواۤء قلنا انّه نفس المعلوم علي المَعْني الّذٖي [ص 519] ذكرناه سَابِقاً في التّعَلُّقِ و المطابقة و الوقوع اَمْ هُوَ غير المعلوم اَمْ بعضه مُتّحِدٌ و بَعْضُهُ مغاير كما مر حادث سواۤء قيل انّه نفس المعلوم امْ صورة المعلوم لانه علي تقدير انّه صورة المعلوم فهو الكتب الالهيّة كاللوح المحفوظ و الواح المحو و الاثبات وَ ساۤئرِ الخلق اذ كلّ شيء علم بنفسه و فيه امثال غيره بنسبته و علي فرض انّ العلم صورة المعلوم فعلي الاتّحاد يكون معني صورة المعلوم كينونته علي ما هو عليه مطلقا و علي المغايرة تكون الصورة هي العلم بحالة ادراك الشيء المنفصلة مثلا اذا رأيتَ زيداً يصلّي في المسجد ثم غبتَ عنه او غاب عنك كان علمك به هو صورة الرؤية حالة الصَّلوة فلو انه بعد ذلك مات او نام لم‌تعلم منه الّا حالة انه يصلّي لان شبَحه و مثاله قاۤئم في المسجد يصلّي الي يوم القيمة فكلّما اردت ان تذكره التفتَّ بمرءاة خيالك الي مثاله الذي هو في غيب المسجد و غيب ذلك الوقت فتنتقش صورته المنفصلة في مرءاة خيالك فذلك علمك بخصوص تلك الحال لاتعلم من زيد غيرها حتي تشاهده في حالٍ اُخري برؤية او سماع اِخبارٍ او غير ذلك فتنتقش صورة اخري هي علم بحالِ زيدٍ الاُخْرَي و هكذا ،

و الحاصل انه ليس عندك من العلم الصوري الّا صورة مَا انطبع في خيالك من صفة ذات المعلوم و تلك الصورة منفصلة لانّها غير الصورة المتّصلَة به لانها تتغيّر في خيالات المتصوّرين بالكبر و الصِغَر و اللطافة و الكثافة و الاستقامة و الاعوجاج و غير ذلك فالعلم المتعلق بالحوادث حادث و لو قلتَ هو في الازل عالم بها في الحدوث كان صحيحا و افاد ما قلنا و لو قلت هو عالم بها في الازل لم‌يصح لاستلزامه كونها في الازل و هو ممتنع لانه ذاته عز و جل فاذا اتيتَ بالعبارة الصحيحة اعني انه عالم في الازل بها في الحدوث كان العلم المتعلق بها المطابق لها الواقع عليهَا حادِثاً بحدوثها علي القول بالمغايرة [ص 520] او حادثا بحدوثها لانه هو هي و هذه المعاني اشار اليها جعفر بن محمد عليه السلام كما تقدم في قوله عليه السلام : كان ربّنا عز و جلّ و العلم ذاته و لا معلوم و السمع ذاته و لا مسموع و البصر ذاته و لا مبصر و القدرة ذاته و لا مقدور فلمّا احدثَ الاشياۤء و كان المعلوم وقع العلم منه علي المعلوم و السمع علي المسموع و البصر علي المبصر و القدرة علي المقدور ه‍ ، فهذا الواقع ليس هو العلم الذي هو ذاته كما توهّمه بعض من لم‌يعرف ربّه تعالي لانه لو كان الواقع هو العلم الذاتي لكانت الذات واقعة علي المعلوم او نفس المعلوم علي الاتحاد و ذلك لايقول به عارف باللّهِ و نقول للقاۤئلين به الذين يأوّلون الوقوع بالظهور و امثاله لو كان الواقع علي المعلوم حين وجد المعلوم هو العلم الذاتي لزِم الحُدوث لانّه ان كان هو الذات اختلفت حالتاها لانها قبل حدوث المعلوم لم‌تقع و بعده وقعت و مختلف الاحوال حادث و ان كان غير الذات لزم تعدّد القدماۤء و الدليل القطعي داۤل علي حدوث المتعددين مع فرض التعدد كما هو مقتضي ادلّة التوحيد فلا بدّ ان يرادَ بالوقوعِ المعني الفعلي اي الفعل او المنسوب اليه من اثاره و هو المراد بقولنا ٱلعلم الاشراقي هو الحضوري و الحصولي و معناه ان العلم حاصل للعالم او حاضر يعني حصول المعلوم و حضوره الذي هو ذات المعلوم فالعلم هو الكتابة اي كتابة المعلوم سواۤء كان المعلوم ذاتاً ام صفة و لاتعقل حيث لا معلوم فانه اذا لم‌يوجد المعلوم فاي شيء يكتب اذ لاتعقل الكتابة حيث لاتوجد الكتابة فالعلم هو المكتوب و المكتوب نفس المعلوم و الي هذا اشار تعالي لمن كان له قلبٌ او القي السمع و هو شهيد بقوله قد علمنا ما تنقص الارض منهم و عندنا كتاب حفيظ و فيما ذكرنا من المثل تصريح لمن يقرأ معاني الامثال فان زيداً لمّا صلّي في المسجد يوم الاثنين صلوة الظهر كتبت الحفظة عمله في تلك الورقة من اللوح المحفوظ فاذا التفتّ بخيالك قرأتَ تلك الكتابة [ص 521] و ان كنتَ اُمِّيّاً و هو انّك تري بخيالك مثاله و شبحه و صورته في المسجد يوم الاثنين يصلي صلوة الظهر كلما ذكرته لاتقرء غير المكتوب مثل ما اذا كتبتُ لك في هذا الكتاب اللّه لا اله الّا هو فانك كلما نظرته لم‌تقرأ الّا خصوص هذه الكتابة و هي الله لا اله الّا هو داۤئما فكذلك المثال و الذي تراه هو عمله فعلمك بعمله يعني صلاته في ذلك المكان و ذلك الوقت هو ما يتخيّله خيالك مكتوباً في صحيفة اعماله باعماله فعلمك عين تلك الكتابة التي هي عين صلاته فافهم فقد كشفتُ لك من الاسرار ما لايعرفه الّا من يعرف مراد الائمة الاطهار (ع) من تلك الاخبار فخذ ما آتيتك و كن من الشاكرين للّه ربّ العالمين مصلّيا علي محمد و اله الطاهرين ،

و قول المصنف « امّا انه يعقل ذاته فلانه بسيط الذات مجرّد عن شوب كل نقص و امكان و عدم و كل ما هو كذلك فذاته لذاته بلا حجاب و العلم ليس الّا حضور الموجود بلا غشاوة » صحيح ليس فيه اشكال ،

و قوله « و كل ادراكٍ فحصوله بضربٍ من التجريد عن الماۤدة و غواشيها » الي قوله « ثم التخيّلية علي مراتبها ثم المعقولة » كذلك يعني انه صحيح في المعني و العبارة و ان كان قد تحصل فيه بعض المناقشة الّا انها ترجع الي الاصطلاحية و اللفظية ،

و اما قوله « و اعلي المعقولات » فالعبارة ليست بصحيحةٍ لانه عز و جل لايدخل في هذا اللفظ بوجه و ان اريد بمتعلق العبارة العنوان اذ لو اريد به العنوان لم‌يحسن ايضا لانه و ان كان محدثا و مخلوقاً لم‌ينظر اليه من هذه الحيثية و الّا لم‌يعرف به الله سبحانه و كذا المعقولية اذ لايعرف الله عز و جل بالمعقولية ليصحّ في العنوان الذي هو الاية و الدليل و الاثر فالتعبير بالمعقولية غير صحيح ● ،

[ص 522] و قوله « اقوي المعقولات اقوي الموجودات و هو الواجب الوجود » ايضاً ليس بصحيح بنحو ما ذكر ،

و قوله « فذاته عاقل ذاته و معقول ذاته باجلِّ عقل » فيه ما قلنا من التعبير من عاقلٍ و معقول و عقْل اذ عبارات اهل الحق عليهم السلام يتحاشي عن امثال هذه العبارات لانها و ان كانت مجازات و استعمالاً في التعريف ( التعبير . خ‌ل ) و البيان الّا انها قد توهم ما لايجوز علي الصانع سبحانه و تعالي و لهذا لاتوجد في كلماتهم عليهم السلام ،

و قوله « و ذاته مبدء كل فيضٍ وَ جُودٍ » ليس بصحيح لان مبدأ الفيض و الجود انّما هو فعله و ليس قولنا ان فعله مبدء الفيض معناه ان الفيضَ من فعله لان هذا باطل اذِ المفعول لايتقوم بالفعل تقوّما ركنيّاً بان يكون المفعولات مركّبة منه كما لاتكون الكتابة مركّبة من حركة يد الكاتب و انّما هي اثره يعني ان الفيض و الجود احدثهما الله سبحانه بفعله لا من شيء اي لا من فعله و لا من غيره فالاشياۤء اثر فعله بمعني انه تعالي احدث العنصر الاولي لا من شيء و هو الحقيقة المحمديّة فكان ذلك مواۤدّ الحادثات ،

و قوله « فبذاته يعقل جميع الاشياۤء عقلاً لا كثرة فيه اصلاً » هذا باطل الّا علي معني ما قلنا بانه سبحانه يعلم جميع الاشياۤء في امكنة حدودها و ازمنة وجودها و كما عبّرنا عنه بقولنا هو عالم في الازل بها في الحدوث لا بمعني انه عالم بها في الازل لان هذا المعني باطل لاستلزامه انّها في الازل و انما العلم الازلي الذي هو ذاته عالم و لا معلوم يعني غيره في الازل فلما احدث الاشياۤء و كان المعلوم وقع العلم منه علي المعلوم و القوم انما قالوا ذلك لان الاشياۤء كلّها عندهم في الازل بنحوٍ اشرف و انا اوّل الجاحدين لهذا و الحاصل علمه الذي هو ذاته في الازل الذي هو ذاته عالم بنفسه و لم‌يتعلق في الازل بشيء غير ذاته و ما سوي ذاته من المعلومات فهي في الامكان و هو تعالي عالم بها في الامكان فالتعلّق في [ص 523] الامكان و قولنا ان كلامه هذا باطل ، في قوله « فبذاته يعقل جميع الاشياۤء عقلاً لا كثرة فيه اَصْلاً » لانه هو و اتباعه يريدون بذلك انّها في ذاته اِمّا بصورها العلمية التي في علمه الّذي هو ذاته او بكونها كامنة فيه معدومة العين بالفعل موجودة بالقوّة علي نحو ما نقلنا عنهم سابقا كما في الكلمات المكنونة للملّا محسن و معلوم انّ مرادهم بكون بسيط ٱلحقيقة كلّ الْاشياۤء هذا الكمون و يعبّرون عنه ان كل شيء كمال في ذاته بنحوٍ اشرف لانّ الوجودات اذا جرّدت عن كل ما سوي ذاتها حتي عن التجريد اتّحدَتْ بحقيقتها التي هي صرف الوجود الّذي لا شوبَ فيه و قد ذكرنا ما يدلّ علي فسادِ هذا الاعتقاد بما فيه الصواب و الرشاد و لمّا بنوا امر اعتقادِهم علي انّه يعلمها في الازل لزم ان تكون معه و ذلك مستلزم لمفاسِدَ كثيرة فاجابوا عن تلك المفاسد بانه لم‌يفقدها في حال من الاحوال لانه كما ورد عنهم عليهم السلم انه تعالي لم‌يكن خلواً من ملكه فيجب ان تكون في ذاته بنحو اشرف يعني حصولاً جمعيّا وحدانيّا لايلزم منه كثرة كما قال هنا عقلاً لا كثرة فيه اصلاً و قد قدّمنا ان معني لم‌يكن خلواً من ملكه و لم‌يفقده اَبداً في مكانِ الملك لا في ذاته كما ان الشمس لم‌تكن خلواً من شيء من اشعّتها في مكان ذلك الشيء لا في ذاتِ الشمس ففي رتبة الذات لا شيء غير الذات فلم‌يكن فاقداً لذاته اذ لا شيء غيرها و لا ذكر لشيء في ذاته غير ذاته و الاشياۤء مذكورة بما هي به شيء كلّ في تلك الرتبة اي الذكر الاوّل فكل مذكورٍ فله وجودٌ ما به ذكِرَ و قبلَ اَنْ يحصل له وجودٌ مَا فايّ شيءٍ يذكر به فهو تعالي لم‌يفقد شيئا مما هو له و خلقه كل في محل حدوده و وقت وجوده و امّا انها فيه بنحو اشرف ، فقد قلنا سابقا ان فرض انه كان تعالي يعلم فيه شيئا غيره جاۤء الفساد الاعظم و ان لم‌يعلم فقولكم فيه بنحو اشرف فسادٌ بعد فسادٍ و امّا الحصول الجمعي ففيه انّه ان كان حصول [ص 524] غير ما هو الذات المقدسة فهو الفَساد الاعظم و ان لم‌يكن حصول اصلا فهو الفساد الثاني علي انّ قولهم لايلزم منه الكثرة مثبتٌ للكثرة اذ لايقال في احدي الذات و المعني من حيث الاحدية المطلقة لايلزم منه الكثرة يعني انّه انما يقال ذلك في المتعدّد المتغاير بما يقتضي الكثرة لولا الحكم الفرضي الحكمي ثم ان مجرّد القول بنفي الكثرة في الكثير حال الكثرة تناقُضٌ لاينطبق علي متعلق القصد و الارادة اذ لاينفي الكثرة مع وجودها القول بنفيها كما لايثبتها مع انتفاۤئها القول بثبوتِهَا فافهم .

قال : « ثم ان كل صورةٍ ادراكيّة سواء كانت معقولة او محسوسة فهي متّحدةُ الوجود مع وجود مُدرِكِها ببرهانٍ فاۤئض من عند اللّه و هو ان كلّ صورة ادراكيّة و لكن عقليّة فوجودُها في نفسها و معقوليّتها و وجودُها لعاقلها شيء واحِدٌ بلا تغاير بمعني انه لايمكن اَن يفرض لصورةٍ عقلية نحو آخر من الوجود لم‌تكن هي بحسبه معقولة لذلك و الّا لم‌تكن هي هي » .

اقول : امّا قوله « ان كل صورةٍ ادراكيةٍ » الي قوله « فهي متّحدة الوجود مع وجود مدرِكها ببرهان فاۤئض من عند اللّه » فهو غلط و لم‌يفض منه شيء من عند الله و انّما فاض من عند غير اللّهِ لانا قد بيّنّا ان الصورة انتزاعيّة و ان انكر كونها انتزاعيّة لم‌ينكر انّ منها ما هو انتزاعي و وجودها مع الانتزاع مسبوق بالمنتزع منه فلو اتّحد وجودها مع وجود عاقلها لزم ان يكون وجود عاقلها مسبوقاً بوجود غيره و هو باطل او يكون وجودُها سابقاً علي وجود ما انتزعت منه و هو باطل و يأتي بيان هذا و مطلق الاتّحاد بجميع وجوهه سواۤءٌ كان اتّحاد موجودٍ بموجود اوْ وجود شيء بوجود اخر فيكون الموجودان موجوداً واحِداً او الوجودان وجوداً واحداً كما سيذكره هو و غيره و ان ذلك محال الّا اذا انقلبت حقيقة احدهما الي حقيقة الاخر و هذا في الواجب [ص 525] مع الممكن محال و سواۤء كان اتّحاد مفهوم بمفهوم اخر فان المغايرة تنافي الاتّحاد و سواۤء كان الموجود مفهوماً عقليّا او ماهية كليّة لانّ الموجود اذا صار بالتّعقل مفهوماً عقليّاً انّما يعرض للعاقل حين التّعقّل و التعقّل معني فِعْليٌّ مبدؤُهُ حركة عقلِ العاقلِ و الصورة المعقولة لاتتجاوز مبدء منشائها فلاتتّحد بالعاقل بل لو قيل بالاتّحاد فانّما تتّحد بالتّعقل الذي هو فعل العاقل و الفعل مغاير للفاعل حادث مع حدوث المفعول ثم ما انتزعت منه الصورة المعقولة هو الموجود الخارجي هل هو معقول بموجوديّته الخارجيّة او ليس بمعقول فان فرض انه معقول بموجوديته الخارجيّة العنصريّة الزمانيّة كان مع فرض اتّحاده اِمّا ان يكون في محلّ عاقله او عاقله في محلّه او لايعقله اذ المفروض ان المعقول مفهوم عقلي فالموجود الزماني ليس معقولا و الفارق بينهما مُتَحكِّمٌ فان كان في محل عاقله ماكان عنصريّاً زمانيا بل الموجود العنصري الزماني في هذه الحالة اَزليٌّ و ان كان عاقله في محلّه كان الازلي عنصريّا زمانيّا و ان لم‌يكن معقولاً الّا المفهوم منه لزم الجهل بالموجود و امّا اشتداد الوجود و قوّته و استكماله فانّما يعقل في الحادث و امّا القديم تعالي فلايصحّ فيه ذلك و دعوي انّه حاصل له في ازله فلايصح علي قول الحقّ لانّ المعقول ليس في الازل و التعلّق به انّما يكون حين يكون و الّا لزم ان يكون امّا انه عالم بشيء معه في ازله و قد قال عليه السلم كان اللّه و لا شيء معه ، و امّا انه يعلم ما ليس شيئا و هذا جهل محض لا علم و امّا اَنْ يكون عالماً بها في اماكن حدودها و ازمنة وجودها و هذا حقّ و لكنه لايكون العاقل عين المعقول للاختلاف و المباينة بين الازل و الامكان و بين المحدود ( و . خ‌ل ) المشخّص و غير المحدود و المشخّص علي ان المانع عندهم من اتّحاد وجودين و موجودَيْن متغايرَيْن و مفهومين متغايرَيْن بان يصير احدهما عين هو الاخر حملاً ذاتيّاً اَوّلِيّاً يجري [ص 526] في المفهوم العقلي و الماهية الكلية مع عاقِلهما لانّ المفهوم مغاير للفاهم و قياسهم علي اجتماع جميع المعاني المتفرقة في النبات و الحيوان في الْانسانِ بدليل انّ النفس اذا تعقّلت شيئا تتّحِدُ مع صورته المجرّدة في الوجود بمعني انّ وجودَها يشتدّ بحيْث يصدق عليها ذلك المفهوم و ح يكون عقلها لذاتها عين عقلها له باطل هو و دليله امّا بطلان القياس فمن وجهين الاوّل انّه قياس الحقّ تعالي علي الخلق و هو باطل باتّفاق العقلاۤء من المسلمين و غيرهم لم‌يخالف فيه ذو عقلٍ الّا من لايستعمل عقله اوْ ليس له عقل و الثاني انّ الكلام جارٍ في حق الانسان ايضا فانّ النفس اذا تعقّلت شيئا فانّ تعقّلها له من حيث كونه مغايراً فاذا تعقّلت فانها ح تعقل انّه غيرها و لو عقلت انَّه هي لم‌تكن عاقِلةً لشيءٍ غير نفسِها فكانت جاهلةً به و كونه صادقاً عليها ان كانَ بحيثيّةٍ فقد ثبتت المغايرة من جهة الحيثيّة و ان كان بغير حيثيّة فلا معني للاتّحادِ اذِ الاتّحاد انّما يفرض في شيئَيْنِ فالصّدق المدّعي كِذبٌ ، و امّا بطلان الدّليل فلان الاتّحاد المراد اذا اردتم منه انّ اشتداد وجودِها بتعقّلِها لذلك بحيث يصدق عليها ففيه انّ وجودها هل هو كتاب معانٍ حقيقة و ما عندها من الشيء كلمة او حرف من ذلك الكتاب اَمْ انّه قرطاس تطرح فيه الصور المعقولة فيشرق بها ذلك القرطاس كما يشرق الجدار بما يطرح من الاضواۤء فيه فيكون علي الاحتمال الاول انّ تلك الصورة جزؤ ماۤدة الشيء لما بيّنّا سابقا ان الوجود في نفس الامر ليس الّا المادة في جميع المخلوقات و امّا في الواجب فلا سبيل لاحدٍ الي معرفة كنهه اذ ليس وجوده كوجود خلقه و علي الاحتمال الثاني انّ استضاۤءته مؤلّفة من المعقولات الخارجيّة عند تعقّلها و علي الاحتمالَيْنِ فلا بُدَّ من اعتبار المميّزات عند التمييز بين كلٍّ منها و الوحدة البسيطة اِنْ طَوَتْ كثرةَ المجرّدات علي زعمهم فلاتطوي الماديّات من حيثُ هي ماۤدِّيَّاتٌ اِذْ تعقّل [ص 527] المميّزات من حيث هي مميّزات انّما يمكن من هذه الحيثيّة و يلزمه اعتبار المغايرة المستلزمة لنفي الاتّحاد و اتّحاد المفهوم بالوجود من هذا القبيل فان المفهوم انّما يكون مفهوماً بفهم الفاهم له و فهم الفاهم له مغاير لفهم الفاهم لنفسه لاختلاف المفهومين و الجهتين مع ما قلنا من لزوم جزئيّته للفاهم او لصفته التي به يشتدّ و بعدمه تضعف ،

و ما اصوب ما قاله الشيخ هنا في الاشارات من ان قول القائل ان شيئا يصير شيئا اخر لا علي سبيل الاستحالة من حال الي حالٍ و لا علي سبيل التركيب ليحدث عنهما شيء بل علي انّه كان شيئا واحداً فصار واحداً اخر قول شعريّ غير معقول فانه ان كان كلّ واحدٍ من الامرين موجوداً فهما اثنان متمايزانِ و ان كان احدهما غير موجود فقد بطل الذي كان موجوداً و ان كانا معدومَين فلايصير احدهما الاخر انتهي ملخص كلامه ، و قال في علم النفس من طبيعيات الشفاۤء : و ما يقال انّ ذات النفس تصير هي المعقولات فهو من جملة ما يستحيل عندي فاني لست افهمُ قولهم ان يصير شيء شيئاً اخر و لااعقل ان ذلك كيف يكون فان كان بان ؾخلع صورة ثم تلبس صورة اخري و انّه يكون مع الصورة الاولي شيئا و مع الصورة الاخري شيئا اخر فلم‌يصِر بالحقيقة الشيء الاوّل الشيءَ الثانيَ بل الشيء الاوّل قد بطل و بقي ما هو موضوعه اَو جزء منه و ان كان ليس كذلك فلننظر كيف يكون فنقول اذا صار الشيء شيئا اِمّا ان يكون اذ هو قد صار ذلك الشيء موجوداً ايضاً او معدوماً فان كان هو موجوداً فهما موجودانِ لا موجود واحِدٌ و ان كان معدوماً فقد صار الموجود معدوماً لٰا شيئاً آخر موجوداً و هذا غير معقول و ان كان الاوّل قد عدم فماصار شيئا اخَر بل عُدِمَ هو و حصل شيء آخر فالنفُس كيف تصير صورة الاشياۤء انتهي ، و معني تصويب قوله في الاشارات انهم اذا قالوا بالاتّحاد كان شيء و هو الصورة المعقولة بالتعقّل [ص 528] شَيْئاً آخر اي عاقِلاً و قد كانَا مُتَغَايرَيْنِ لانّ الصورة صورة زيدٍ الحادث فهي حادثة فاذا تعقّلها الواجب صارَتْ واجبةً قديمة فيلزم انقلاب الحَقاۤئق لانَّ الحَادث صَارَ قديماً و هو باطل اتّفاقاً فانْ قُلْتَ انّه تعالي لم‌يفقد الصورة فلم‌تكُنْ حَادِثةً بل هي صورة علمه الذي هو ذاته قلتُ انّ الصورة ان كانت صورة لزيدٍ فهي غيره تعالي و ان لم‌تكن صورة له فليْسَتْ عِلْماً بزيدٍ علي انّ الاتّحاد كما مر لايعقل و لايُعبَّر به الّا في المتغايرين و التّغاير مُنَافٍ للاتّحادِ و هذا معني ما ذكره في الشفاۤء من انّ ما صار هو العاقل انْ كان موجوداً فهما موجودانِ و ان كان معدوما فلم‌يكن هو العاقل بل هُوَ قد كان معدوماً ،

و الحاصل امّا قوله « فوجودُها في نفسها و وجودها لعاقلها شيء واحدٌ بلا تغاير » فهو عندي حقّ و لكنّها موجودة لعاقلِها في رتبة وجودها لا في رتبة وجوده لانّ وجودَها لعاقِلها هو وجودها في نفسها و وجودها في نفسها لايكون في غيرِ رتبته و الّا لم‌يكن هو ايّاه ،

و تفسيره لذلك في قوله « بمعني انه لايمكن ان يفرض لصورةٍ عقليّةٍ نحوٌ آخر من الوجود لم‌تكن هي بحسبه معقولةً لذلك و الّا لم‌تكن هي هي » صريح في انّ جميع انحاۤء وجوداتها انما تكون معقولة بها و لا شكَّ انّ جهة ماۤدّية المعقول و زمانيّته و عوارضه العنصريّة كلها من انحاۤء وجوده فاذا كان معقولا بجميع انحاۤء وجوده وجب ان يكون كل واحدٍ معقولاً بما هو بهٖ هو من جميع الحدود و المشخّصات و كل ذلك موجود لعاقله بما هو موجود لنفسه و كلّ ذلك منافٍ للاتّحاد بعاقله بنحو ما ذكرنا .

قال : « فاذا تقرّر هذا فنقول لايمكن ان تكون تلك الصورة مباينةَ الوجود عن وجود عاقلها حتي يكون لها وجود و للعاقل وجود اخر عرضت لهما اضافة المعقوليّة و العاقليّة كما للاب و الابن و الملك و المدينة و ساۤئرِ الامور المضافة الّتي عرضَتْها الاضافة بعد وجود الذاتِ و الّا يلزم امْرٌ محال لانا اذا [ص 529] نظرنا الي ٱلصُّورة ٱلعَقْليّة وَ لَاحَظْنَاها و قطعْنَا النظر عن الجوهر العاقل فهل هي في تلك الملاحظةِ معقولةٌ و الّا فلم‌يكن نحو وجودها بعينها معقوليّتها بل كانت معقولةً بالقوّة لا بالفعل و المقدّر خلاف هذا و هو ان وجودها بعينه معقوليّتها و ان كانت تلك الملاحظة ايّاهَا الّتي هي تكون مع قطع النّظر الي ما سواه معقولةً فهي لا محالةَ في تلك الملاحظة عاقلةٌ ايضا اذ المعقولية لايتصوّر حصولها بدون العَاقلية كما هو شأن المتضاۤئفين و حيث فرضنا وجودها مجرّدةً عمّا عداها فتكون معقولة لذاتها ثم المفروض اوّلاً انّ هنا ذاتاً تعقل الاشياۤء المعقولة لها و لزم من البرهان انّ معقولاتها متّحدة مع من يعقلها و ليس الّا الذي فرضناه » .

اقول : قوله « لايمكن ان تكون تلك الصورة مباينة الوجود عن وجود عاقلِها » غلطٌ بل لايمكن اَنْ يكون متّحداً به لتحقّق المغايرة بين جميع مراتب وجودي العاقل و المعقول و لا شك ان لها وجوداً و لعاقلها وجوداً اخر و انّ اضافة العاقلية و المعقوليّة قد عرضت لَهُمَا و هو المشار اليه بالعِلم الْاشراقي كما ذكرناه فانه يعرض عند وجود المعقول و المعلوم و ينتفي بانتفاۤئه كعروض اضافة الابوّة و ٱلبنوّة حرفاً بحَرْفٍ ،

و قوله لو لم‌يثبت الاتحاد لزم المحال ، ليس بصحيح اذ المحال انّما يلزم علي القول بالاتِّحاد كما قدّمنا بيانه و يأتي ،

فان قوله « لانّا اذا نظرنا الي الصورة العقليّة و لاحظناها و قطعنا النظر عن الجوهر العاقل فهل هي في تلك الملاحظة معقولة » فيه نعم هي معقولة بتعقّل الجوهر العاقل و ان قطعتم النظر عن الجوهر العاقل لم‌تقطعوا النظر عن تعقّله فهي بتعقّله معقولة فان كان اتّحاد فمع تعقّله لا بجوهره و لو قطعتم النظر عن جوهره و تعقّله كَانَتْ اِمّا متعقّلة لنفسها و لا شكّ انّ صورتها ح متّحدة بتعقّلها في رتبته لا بذاتها اذ لاتتّحد بذاتها الّا نفس ذاتها المدركة بذاتها لا بالتعقّل لانّه معني فعلي لايتّحد الّا بما في رتبته و علي فرض اتّحاده فعلي ما ذكرنا فيما سبق من احد الاحتمالين [ص 530] بان تكون المراد بالتعقل العقل و انّه كتابُ معانٍ و اِمَّا غير معقّلةٍ لقطعكم النظر عن متعقّلٍ ما فجعلكم ايّاها معقولة بغير عاقلٍ لا مَعْنَي له و بعاقلٍ يصحّ كون نحو وجودها بعينها لِعَاقِلِها معقوليّتها حين معقوليتها في رُتْبَتِها اي رتبة وجودِها لا في رتبة ذاتِ عاقلها اذ كلُّ عاقلٍ لايعقل شيئا الّا في رتبة معقوله لا في رتبته كما توهّمه المصنف و اتباعه فان الشيء لايكون مدركا الّا بنحو وجوده و لايوجد الشيء قبل رتبة وجوده و قد ذكرنا هذا المعني في عدّة مواضع من هذا الشرح و خصوصاً في مبحث ابطال بسيط الحقيقة كل الاشياۤء فراجع فان اللّه عز و جل لو علمها في رتبة ذاته لكانت مع ذاته و لكنه تعالي عالم في الازل بها في الحدوث و لايصح ان يقال انه عالم بها في الازل لما قلنا من انّه تعالي لم‌يكن معه غيره و صفَاته هي هو ،

و قوله « و ان كانت تلك الملاحظة ايّاها التي هي تكون مع قطع النظر الي ما سواه معقولة » فيه هذا غير مسلم بان تكون معقولة مع قطع النظر عن عاقلٍ اذ الوجود بعينه لاتلزمه المعقولية الّا مع وجود عاقلٍ لَهُ فامّا ان تكون عاقلةً لنفسها بنفسها و هنا يتحقّق الاتّحاد او يعقلها غيرها و هُنا يتحقّق الانفراد و التعدّد فلاتثبت معقولية بدون عاقلٍ عند كل عاقلٍ و حيث فرضتم وجودها مجرّدة عمّا عداها جاز ان تعقل ذاتها بذاتها و لايجوز اذا فرضتم ذاتاً تعقل الاشياۤء المعقولة لها ان تكون معقولاتها اذا كانت غير ذاتها متّحدة مع مَن يعقلها و لم‌يقم برهان الّا اذا كانت عاقلة لذاتها فجعل قيام البرهان علي اتّحاد عاقليتها و معقوليّتها اذا كانت عاقلة لذاتها بذاتها يلزم منه اتّحاد معقوليتها بعاقليةِ غيرها لها مغالطة محضةٌ و غباوة صرفة مع الفرق العظيم و مخالفة البرهان و مع شدّة التّكلف الظاهرة في تحصيل هذا البرهان و مع المغالطة قال : انه ببرهانٍ فايـٔض من عند اللّه ، و هو ممّا يشهَدُ به الوجدان انّه ليس من عند الرحمن [ص 531] و لايلاۤيـٔم ادلّة الايمان ،

و امّا استدلال مَن قال بانه لو لم‌يكن وجودها في نفسها و وجودُها لعاقلها شيئا واحداً لكان تلك الصورة وجودانِ احدهما وجودها لعاقلها و ثانيهما وجود غير وجودها لعاقلها و هي بحسب هذا الوجود غير معقولة لكن التّالي باطلٌ فالمقدّم مثله ، قلتُ و هذا مسلّم و لايُجْدٖيه نفعاً ، ثم قال و اذا تقررَ هذا فنقول لو لم‌يكن المعقول متّحد الوجود مع العاقل بل كانا ذاتين متغايرين بان يكون لكلّ منهما هُويّة علي حدة و كان الارتباط بينهما بمجرد الحاۤلّيّة و المَحلّيّة او غير ذلك لكان يمكن اعتبار وجود كلٍ منهما مع قطع النظر عن الاخر لكنّ التّالي باطل فالمقدّم مثله علي نحو ما ذكره المصنف في الاسفار امّا بطلان التّالي فلمَا تقدّم ذكره عنه من انا اذا نظرنا الي الصورة العقليّة و لاحظناها و قطعنا النظر عن العاقل فهي ح معقولة فتكون عاقلةً الي اٰخر ما تقدّم ، قلتُ و قد بَيَّنَّا صحّةَ ما ادّعي بطلانه من المقدم و التَّالي ، قال ثمّ المفروض اَوّلاً ان هٰهنا ذاتاً تعقل الصورة فاذا لم‌تكن متّحدة الوجود معها لزم ان يكون لشيء واحد وجودانِ اذْ لهما معقوليتان احدهما بالقياس الي عاقلها و هذا مما يحكم بديهةُ العقل ببطلانه فظهر و تبيّن ان كلّ معقول متّحد الوجود مع عاقله و ذلك هو المطلوب و بمثل هذا البيان يعلم حال الخياليات و الحسّيّات ، انتهي استدلال هذا المستدلّ تبعاً للمصنّف ، قلتُ و اراد بقوله : ان لشيء واحد وجودان الخ ، ان ذلك المعقول معقول لنفسه بوجوده فاذا كان معقولاً لذاتٍ اخري كان ايضا معقولاً بوجوده فان كان المعقولان واحداً تم المطلوب و ان فرض اثنان فهو ما حكمت بديهة العقل ببطلانه و اقول هذا باطل كما تقدّم مع انّا نقول ان وجود زيدٍ غير وجود عمروٍ فاذا عقلا صورة معقولةً من خالدٍ كانت الوجودات الثّلاثة وجود زيدٍ و عمروٍ و خالدٍ شيئاً واحداً و كانت ثلاثةً قبل التّعقل فهو باطل كالاوّل و لايصحّ هذا الكلام بحالٍ الّا علي [ص 532] القول بوحدة الوجود فان المصنّف اذا اراد ان يسلَّم له دليلُه في هذا و غيره فيستدلّ باصل مذهبه فيقول الوجود كله في الحادث و القديم شيء واحد بسيط و انّما الكثرة نقوش تكثرتْ بتكثر التعيّنات فكلّ الاشياۤء شيء واحدٌ كما هو مراده بقوله بسيط الحقيقة كلّ الاشياۤء و لايحتاج في جعل العاقل و المعقول متّحداً الي هذه التكلّفات البعيدة و التعسّفات الشديدة فانها لاتثبت مطلوبَهُ و ما ادّعوه لايصلح لشيء من مطلوبهم فانا انّما حكمنا باتّحاد الشيء بنفسه اذا عقل نفسه لانه لم‌يعقل غيره فلم‌يخرج بمعرفة نفسه عن نفسه بخلاف غيره فانه انّما يعقل الغير و الغير انما هو معقول بما هو عليه و ما هو عليه انّه غير فهو معقول من هذه ٱلحيثية سواۤء لوحظت الحيثيّة ام لا فلا بد من عقله بانّه عاقل غيره فجهة المعقوليّة منافية للاتّحاد و لا سبيل له الي هذا الاتّحاد الّا بالقول بوحدة الوجود و هو عندهم سهل اذ لا محذور فيه الّا انّه كفر و هو لايضرّ عندهم فان التوحيد و الايمان معرفة النفس و انكار ما سواها اذ هي المعبود عندهم بدون الحدود و لهذا يقول شاعرهم :

قسَماً بقاۤئِم بَانةٍ احَديّةٍ ماسَتْ علي كثبانِ جمعِ صفاتِهٖ

ما في الديار سواي لابسُ مِغْفَرٍ و انا الحمَي و الحيّ مع فَلَواتِهٖ

افرأيتَ من اتّخذ الهه هويه و اضلّه الله علي علم و ختم علي سمعه و قلبه و جعل علي بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله افلاتذكّرون .

قال : « فظهر و تبيّن مما ذكر ان كل عاقلٍ يجب اَن يكونَ متحدَ الوجود مع معقوله و هو المطلوب و هذا البرهان جارٍ في ساۤئر الادراكات الوهميّة و الخياليّة و الحسيّة حتي ان الجوهر الحسّاس منّا يتّحد مع الصورة المحسوسة له بالذات دون ما خرج عن التّصور كالسماۤء و الارض و غيرهما من الماديّات التي ليس وجودها وجوداً ادراكيّا فتدبر و احسن اعْمَالَ رؤيتك فيه فانه [ص 533] صعب المنال و الله وليّ الفضل و الافضال » .

اقول : فظهر و تبيّن مما ذكرنا خلاف ما ذكر المصنف و هو منع اتّحاد وجود كل عاقلٍ مع وجود معقوله و قوله « و هذا البرهَان جارٍ في ساۤئر الادراكات الوهميّة و الخَياليّة و الحسّيّة » يريد به انّ المتوهّم يتّحد وجودهُ بالصورة الموهومة و المتخيّل مع الصورة الخيالية و الحَسّاس مع الصورة المحسوسة و هذا من جملة ما ذكر من تناول برهانه لها حتي انّهم اَجْرَوْا هذا البرهان في المتضايفين و غيرهما و قالوا ليس لاحدِ المتضاۤئفين وجود و للاخر وجود بل ليس هناك الّا علاقة و ربطٌ واحد قاۤئم بمجموع المحلين اذا لُوحظ مع احدِ المحَلَّيْن سُمّي باسمٍ و مع الاخر سمّي باسمٍ سواۤء تغاير المحلّان و العلاقة كالابوة و البنوّة ام اتّحدا كالمجاورة و المماۤسّة و قالوا ايضا بمقتضي هذا البرهان يكون الفاعل التاۤمّ متّحدَ الوجود مع وجود معلوله لان العلّيّة عين وجود الفاعل التام و المعلولية عين وجود المعلول و كذلك يتّحد الحال و المحلّ في الوجود فاذا عمِل بما قال الرضا عليه السلم : قد علم اولوا الالباب انّ الاستدلال علي ما هناك لايُعْلَمُ الّا بما هاهنا ه‍ ، علي مقتضي برهانهم كان وجود الماۤء في الكوز هو وجود الكوز و وجود العذرات فيهم هو وجودهم فان الوجود المتّحد بماهية الماۤء متّحد بالوجود المتحد بماهية الكوز و الوجود المتّحد بماهيّة العذرات متّحد بالوجود المتحد بماهيّتهم و الوجود المتّحد بماهية السواد متّحدٌ بالوجود المتّحد بماهية الجسم و لا عيب علي من يقول انّ الوجود في جميع الموجودات قديمها و حديثها و جوهرِها و عرضيّها غيبها و شهادتها وُجُودٌ وَاحِدٌ لا كثرة فيه الّا في تعيّناته الموهومة اَنْ يقول بهذه و امثالها فانها داخلةٌ في تلك الجملة و امّا من يكفر بقول وحدة الوجود و يُؤمن باللّهِ و يعتقد انّه تعالي خلو من خلقه و خلقه خلو منه و انه [ص 534] تعالي قديم و كل ما سواه مخلوق خلقه تعالي لا مِن شيءٍ و لا لشيء غير الخلق فيعرف ان كلّ ما قرّره المصنف هو و اتباعه باطل منافٍ للتوحيد لانّ عمدة دليله انّ الفاعل التام المفيد للصُّورة العَقلية يجب ان يكون عاقلاً لها بذاته فيتّحد وجودها بوجوده و هذا كله باطل لاينطبق منه شيء و لا مما يتفرع و يبتني عليه علي قواعد التوحيد لانّ قواعد التّوحيد مبنيّةٌ علي اصول منها انّ الواجب القديم عالم و لا معلوم و سميع و لا مسموع و ذاكر و لا مذكور و هكذا باقي الصفات الذاتية فاذا عبّرتَ عنه بعاقل فهو معني عالم اي عاقل و لا معقولٌ فلاتُعْقل الاضافة في صفاته الذاتية و معني ما اعتبرت الاضافة فيها فالمراد بها الفعلية فافهم ان كنت تفهم ، فالصورة المعقولة يستلزم عاقلاً لها الّا ان عاقلها ليس هو الذات البحت اذِ الذات البحت عاقلة و لا معقول و انّما عاقلها هو الفاعل لها و الخالق لها هو المثل الاعلي للذات و هو بمنزلة فاعل القيام من زيد و القاۤئم اسمه و هو اي القائم مُصَاغٌ من الفعل و الحدث اعني القيام و المسمي بالقاۤئم هو محدث القيام بفعله و هو شَبحُ زيد و اوّلُ تعيّنه باوّل ظهوره فقولهم : يجب ان يكون عاقلاً لهَا بذاته ، غلط فاحش لان ذاته عاقلة و لا معقول و الّا لكان في ذاته معقولاً غيره معه و لو قلتَ ليست الصورة حال معقوليتها غيره قلنا فاذاً هو عندكم لم‌يعقل غير ذاته فان كان لايعقل غير ذاته فلم قلتم اتّحد بمعقوله و انْ قلتم يعقل غير ذاته و هو عقله لذاته فاقبح بان يكون ممازِجاً للغير علي ان الغير يكون معه و اذا كان هذا العقل تريدون به العلم فلم قلتم الصورة العقليّة خاۤصّة و قلتم لان الصورة العقليّة ليس لها تعلق بالماۤدّة حتّي يمكن فيها التغيير من حال الي حال فهل تريدون تخرجون المتغير من حال الي حال من حيث هو متغيّر عن العلم فلايكون معلوماً او معقولا و اللّه يقول اَلايَعْلم مَن خلق و هو اللطيف الخبير فهذا المتغيّر من [ص 535] حيث هو متغيّر معلوم للواجب فان كان بالعلم الفعلي فذاك و ان كان بالعلم الذي هو الذات فان اتّحدت معقوليّته بما هي معقولة به من التغير بالعاقل و جعلته البحت كان متغيرا بما اتّحد به لان جهة الاتحاد هي جهة ما ثبت به من التغير لعاقله حتي انّه لو كان متحركا علي الدوام كان معقولاً بحركته الدّاۤئمة فاذا اتحد بعاقله كان وجود عاقله متحركا بحركة ما اتّحد به من حيث هو متحرك و الّا لم‌يكن عاقِلاً له بما هو موجودٌ له فيكون انّما هو عاقل له بالعقل الفعلي و كما ان الكتابة الحادثة بحركة يد الكاتب لم‌تكن مركبة من تلك الحركة و لا متّحدةً بها كذلك الصورة المعقولة بل و المدركة مطلقاً لم‌تكن مركبة من مدركها و لا متّحدةً به و هذا ظاهر لمن اطاع اللّه في الاهتداۤء باياته حيث قال تعالي سنريهم اياتنا في الافاق و في انفسهم حتي يتبيّن لهم انه الحق و قال و تلك الامثال نضربها للناس و مايعقِلها الّا العَالِمون ،

و قول المصنّف « دون ما خرج عن التصوّر كالسّماۤء و الارض و غيرهما من الماديّات » فيه ما تقدّم من انّها و ان كانت اجساماً الّا انّها معقولة لانها معلومةٌ و معلوميّتها بوجودها الذي هي عليه عند العالم بها و قد قدّمنا انّ العلم عين المعلوم فوجودها المادّي معلوم بوجودها الماۤدّيّ لاتّحاد العلم مع المعلوم و هذا حاصل للعالم عند وجود المعلوم و هو العلم الاشراقي و هو وقوع العلم الذاتي و تعلّقه بالمعلوم الحادث عند حدوثه لان الذاتي لاتجوز عليه الاضافة و لا النسبة و لا الوقوع و لا المطابقة لانَه ذات اللّه تعالي التي لايجوز عليها ذلك فوجودها وجود ادراكيّ خلافاً لما فهمه المصنف في قوله « ليس وجودها وجوداً ادراكيّا » قياساً علي الصورة المعقولة بزعمه انّ الوجود المدّعي اتّحاده بعاقله هو تعقّله لها فنقول ان كان يريد باتحاد المعقول بعاقله اتّحاد وجوده التّعقلي خاۤصّة فيلزمه انه نحو من انحاۤء الوجود لا انه [ص 536] جميع وجودات المعقول فانّ للمعقول وجوداً به هو هو و له وُجودٌ به يكون معقولاً و وجود هو به نور اللّه و صنعه و وجود هو كوْنُه في الاعيان و التمايز بينها بالاعتبار فقوله المتقدّم بمعني انه لايمكن ان يفرض لصورةٍ عقليّة نحو آخر من الوجود لم‌تكن هي بحسبه معقولة لذلك العاقل و الّا لم‌تكن هي هي ينافي ما قال قبله كل ادراكٍ فحصوله بضرب من التجريد عن المادة و يلزم هذا ان المرتبط بالماۤدة و الماۤدّة ايضاً ليست مدركة و يؤيّد هذا ايضاً قوله التي ليس وجودها وجوداً ادراكيا ، فيحصل من اقواله انّ المتّحد بعاقله انّما هو المجرّد لانّ وجوده لمدركه وجودٌ ادراكيٌّ و امّا الماۤدة و الماۤدّي فلايتّحد وجوده الذّاتي بوجود مدركه لانّ وجوده الذاتي هو الماۤدّي و خصوصا اذا لوحظ في ادراكه عدم التجريد فانّه من جملة مدركاته فلايتّحد عنده بمدركه و امّا نحن فنقول لايدركها في ازله لانها ليست في الازل و انّما يدركها بما هي عليه في كل رتبة من مراتب وجوداتها بما لتلك الرتبة المدركة من الوجود في وقت وجودها و مكان حدودها و ما حضر له تعالي في كل رتبة منها هو علمه بها فيتّحد وجودها بوجود علمه بها و لم‌يفقد شيئا منها ممّا اقامه فيه اذ الحضور و الغيبة و الوجدان و الفقدان اشياۤء بمشيّته و امّا ذاته تعالي فعلمٌ و لا معلوم و سمع و لا مسموع و قدرة و لا مقدور و بصر و لا مبصَر و ادراك و لا مدرك و ذكر و لا مذكور فاذا وجد المعلوم وقع عليه العلم و كذا باقي الصفات اذ لم‌يتعلّق شَيْء منها بغير شيء و السَّمَاۤء و الارض و غيرهما من الماديّات كل شيء منها مدرك معلوم سبحان ٱلعَالم بكلّ شيءٍ و علمه بكلّ شيء من خلقه حضوري و حصولي وَ لَا فرْقَ بيْن الحصول و الحضور عنْدَنا اِذِ المرادُ بذلك العلْم هو الْعلم ٱلاِشراقي و المرادُ به نسبة الموجود الي فعل المعبود سبحان ذي الكرم و الجود .

[ص 537] قال : « المشعر الثامن - في ان الموجود بالحقيقة هو الواحد الحقّ تعالي و كل ما سواه مما هو مأخوذ بنفسه هالك دون وجهه الكريم لما علمتَ ان الماهيات لا تأصُّل لها في الكون و انّ الجاعل التام بنفس وجوده جاعل و انّ المجعول ليس الّا نحواً من الوجود و انه بنفسه مجعول لا بصفةٍ زاۤئدة و الّا لكان المجعول تلك الصفة فالمجعول مجعول بالذات بمعني ان ذاته و كونه مجعولا شيء واحد من غير تغاير حيثيّة كما ان الجاعل جاعل بالذات بالمعني المذكور » .

اقول : ان الموجود الحقّ الذي لا نقص في شيء من ذاته و صفاته و لا امكان في شيء منه هو الواحد الحقّ عز و جل و كلّ شيءٍ ممّا سواه فهو هالك بمعني انّه مفتقر الي امرِ اللهِ الفعلي فانه متقوّم به تقوّم صدورٍ و مفتقر الي امرِ اللهِ المفعولي فانه متقوّم به تقوّم تحققٍ اعني تقوّماً رُكْنِيّاً و هالك بمعني انه لم‌يخلق من شيءٍ و الّا لكان ذلك الشيء مع الله في ازله ، تعالي اللّه عما يقولون علوا كبيراً ،

و قوله « دون وجهه الكريم » يريد اَنَّ كلّ ما سوي الله فانٍ دون ذاته فعبّر بالوجه عن الذات و فيه اشارة الي الاقتباس من قوله تعالي كلّ شيءٍ هالك الّا وجهه و ما ذكره احد الوجوه فيها و منها انّ الضمير في وجهه يعود الي الشّيء و يصير المعني انّ كل شيءٍ فاصله الذي هو وجهه من ربّه مثبَتٌ في ام الكتاب باقٍ ببقاۤء ذاك الكتاب فيفني الشيء و وجهه باق حتي يخلق منه كما خلق اوّل مرّة منه فقال تعالي كل شيء هالكٌ فانٍ الّا وجه ذلك الشيء و منها ان الضمير في وجهه يعودُ الي اللّهِ و المراد بالوجه محمد و اهْل بيته الثلاثة‌عشر معصوماً صلي اللّه عليه و اهل بيته الطاهرين فهم وجه اللّه و معني كونهم وجه اللّه له انحاۤء احدُهَا انما سمّوا وجه اللّه لانّ اولياۤء اللّه يتوجهون الي اللّه تعالي بهم كما في الزيارة و من قصده توجَّهَ بكم ،

[ص 538] و قوله « لمٰا عَلِمْتَ اَنَّ الماهيات لا تأصُّلَ لَها في الكون » يريد به انّ ما سواه هو الماهيّات و هي الهَالكَةُ و فيه اشارة الي ان وجودات الاَشْياۤء ليست مغايرة للحقّ تعالي فانها اذا ازيل عنها حدود التّعينات الموهومة كالماهيات لم‌يبق الّا وجود الحقّ تعالي لانّها متأصّلات بخلاف الماهيات لانّها لم‌توجد بنفسها بخلاف الوجود فانه موجود بنفسه و هذا لايصحّ منه شيء لما علمتَ من اَنّ كُلَّ ما سوي اللّٰهِ حادث و هو كل ما وضع بازاۤئه لفظ ما خلا اللّهَ عز و جل و من جملة السِّواۤء الوجودات كلها و هي في الحقيقة المواۤدّ اذ ليس الوجود المحدث في الحقيقة شيء غير الماۤدة لما قرّرنا سابقاً من ان الوجود هو النور الذي خلق منه القلم و اللوح و العرش و الكرسي و الانسان و المراد به ماۤدتها و قد ذكرنا سابقا انّ قولك الانسان حيوان ناطق حدّ تاۤمّ جامع لجميع ذاتيات الانسان و لو كان للانسان شيء ذاتي غير الحيوان و الناطق لذكروه في حدّه التامّ و الّا كان حدا ناقصاً فحيث اجمعوا علي انه حدّ تامٌ مع انه لم‌يذكر فيه الّا المادة و هي الحيوان و الصورة و هي الناطق دلّ علي ان الوجود هو الماۤدة كما قاله بعضهم و هو الحقّ و امّا الماهيّة فَهِيَ الصُّورة و هي مخلوقة من نفس الوجود من نحو نفسه لا من نحو ربّه فالوجود خلقه بنفسه يعني لم‌يخلقه من وجودٍ غير نفسه التي هي من جهة ربّه فالفرق بين الوجود و الماهيّة انّ الوجود خلق من النور و الماهيّة خلقت من الظلمة فانْ اراد بالكون في قوله انّ الماهيات لا تأصُّل لها في الكون ، التكوين بمعني انّها عدمٌ لم‌يشم راۤئحة الوجود فهو غلط فانَّ حظّها من التكوين كحظ الوجود علي حدٍّ سواۤء و ان اراد به الوجود الذي هو النور اعني الجهة من فعل اللّهِ و الحصّة من امرِ اللّه فكلامُه صحيح فانها ليست متأصلةً في ذلك و انّما هي من لوازمه ،

و قوله « و انّ الجاعل التّام بنفس وجوده جاعل » ليس بصحيح لانّ وجوده ذات و الجعل انّما يكون بالفعل لا بالذات [ص 539] لان الجعل حركة ايجادية باي اعتبارٍ فرض و الذات لاتكون حركة و الا لكانت فعلاً لغيرها فافهم و لا فرق بين التام و الناقص بل الجاعل التّام اوْلَي باَلّايكون جاعلاً الّا بفعله و الّا لكان محتاجاً في معاناة الايجاد الي المباشرة التي هي كمال النقص و الافتقار ،

و قوله « و انّ المجعول ( ليس . خ‌ل ) الّا نحواً من الوجود » صحيح ،

و قوله « و انه بنفسه مجعول لا بصفة زاۤئدة » الخ ، صحيح الّا انّ قوله « و الّا لكان المجعول تلك الصفة » يفهم منه انها هي المجعولة لا غيرها و هذا ليس علي اطلاقه صحيحاً بل تكون تلك الصفة مجعولة بلا واسطة و يكون المجعول بها مجعولا بواسطتها فافهم الّا ان يدعي ان المراد بالصفة الزاۤئدة صفة ذلك المجعول فانها اذا كانت زاۤئدة اي ليست صفة ذاتٍ لايكون موصوفها مجعولاً بها الّا علي تأويل بعيدٍ لايكاد يتبادر الاطلاق اليه ،