قال الشيخ محمد بن ابيجمهور الاحساۤئي في المجلَي : و لبعض اهل هذه الطريقة في معني العالم طريقة اخري و هي قولهم العالم هو الظّلّ الثاني ( الفاني . خل ) و ليس هو الّا وجود الحقّ الظاهر بصور الممكنات فلظهوره بتعيّناتها سُمِّي باسم السّوي و الغير باعتبار اضافته الي الممكنات اذ لا وُجودَ للممكن الّا مجرّد هذه النسبة و الّا فالوجود عين الحقِ و الحقُّ هويّةُ العَالم و رُوحُه و هذه التعيّنات في الوجود الواحد احكام اسمه الظّاهر الذي هو مجلي لاسمه الباطن و لهذا قالوا العالم غيبٌ لميظهر قطّ و الحق تعالي هو الظاهر ماغاب قطّ و اهل الظاهر علي عكس ذلك فيقولون العالم ظاهر و الحق تعالي غيبٌ فيهم و كل هؤلاۤء عبيد السوۤء و قد عافَي الله تعالي بعض عبيده من هذا الداۤء و الحمد للّه الي ان قال بعد ذلك : فالعوالم علي اختلافها باللطافة و الكثافة و الجسميّة الحسّيّة المثاليّة و النفسيّة و العقليّة و اللّاهوتيّة محيط بعضها ببعض الاعلي بالادني و الاشدّ نوراً بالاضْعَف و الالطف بالاكثف علي الوجه المذكور و الترتيب اللطيف لا تباين بينها فكان المجموع عالماً واحداً مركّباً من اعضاۤء و آلٰاتٍ و هيئات كثيرة مشتملاً علي قُويً من الروحانيات لاتتناهَي يبتدئ من العلة الاولي الذي هو ( التي هي . خل ) اشدّها لطفاً و صفاۤء و هو النور المحض القاهر لجميع الموجودات و ينتهي [ص 493] الي ما يقابله من الكثافة و الظلمة و الغلظة و هي الارض وَ العوالم الباقية تترتّب فيما بينهما و كلّما قرب الشيء الي البارئ تعالي لطف و صفا و طَفَا و نفذ في ساۤئر العوالم و غابَ عن الحسِّ و كلّما قرب من الارض كثف و غلظ و رسَب و ظهر للحس انتهي ، فتأمل مراد هؤلاۤء فان العالم عندهم شخص واحد روحه هو البارئ تعالي و جسدُه ما سواه فايّ مفسدةٍ اعظم من هذا و ايّ تجسيم ( تجسم . خل ) ابلغ من هذا و مثل هذا قول الملا محسن الكاشاني في الكلمات المكنونة حيثُ قال و الذّات واحدة و النقوش كثيرة فصحّ انّه مااوجد شَيْئاً الّا ذاته و ليس الّا ظهورُهُ ،
و قوله « الّا ما كان من باب الاعدام » اقول ان كان تعالي لميكن كلّ شيء حتّي الاعدام فلايصحّ دليلهُ الٰاتي الذي يلزم منه علي دعواه التركيب من شيء و مِنْ ليسَ شيءٌ و ان صح دليلُه بطل قوله هذا اعني الّا ما هو من باب الاَعْدام لانّا نقول الاعدام من الاشياۤءِ و انّها مخلوقة كما قال الصادق عليه السلام حين سأل الساۤئل عن الشيعة فقال اختلفوا فقال فٖيم ٱختلفوا قال ٱختلف زرارة و هشام في النفي فقال زرارة النفي ليس بمخلوقٍ و قال هشام النفي مخلوق فقال عليه السلام قل بقول هشام في هذه المسئلة نقلته بالمعني رواه المجلسي في البحار و امّا علي قول المصنّف بانها ليست شيئا فنقول له ان كانت اشياۤء مخلوقة لميصح الاستثناۤء لعدم جواز الترجيح من غير مرجّح و ان كانت غير مخلوقة كان عدم الاستثناۤء اولي لانّها بالدخول في الكليّة اولي من الحادثة اذ كونه كل اشياۤء قديمة اولي من كونه كل اشياۤء حادثة الّا ان اراد بانّ الاشياۤء ليست مجعولة و انّما المجعول ظهوراتها كما قيل في باب البداۤء انّما هي اشياۤء يبديْها لايبتديـٔها فتكون ح متساويةً و ان كانت ليست شيئا اصلاً فلايضرّ كونه مجموع هو كذا ليس كذا كما لايضرّ انه [ص 494] كل شيء الّا ما كان من قبيل الاعدام اذ ليست شيئا و اِلّا لكان كُلّها اذِ الاَعْدامُ و النقاۤئص لاتخلو مِنْ اَن تكون شيئا تتغيّر النِسَبُ بضميمتها اوْ لاتكون شيئا يتغيّر الحال بضمِّها و بعدمه .
قال : « فانك اذا فرضتَ شيئا بسيطاً هو ج مثلاً و قلتَ ج ليس ب فحيثيّة انّه ج اِنْ كانت بعينها حيثيّة انّه ليس ب حتي تكون ذاته بذاته مصداقاً لهذا السلب فيكون الايجاب و السلب شيئا واحداً و لزم ان يكون كل من عقل الانسان مثلا عقل ليس بفرسٍ بان يكون نفس عقله الانسان نفسَ عقله ليس بفرسٍ لكن اللازم باطل فالملزومُ كذلك فظهر و تحقّق انّ موضوع الجيميّة مغايرٌ لموضوع انه ليس ب و لو بحسب الذّهنِ فعلم ان كل موجود سُلب عنه امر وجودي فهو ليس بسيط ٱلحقيقة بل ذاته مركّبة من جهتين جهة بها هو كذا و جهة هو بها ليس كذا فبعكس النّقيض كل بسيط الحقيقة هو كلّ الاشياۤء فاحتفِظ بهذا اذا كنتَ من اهله » .
اقول : قال « فانك اذا فرضتَ شيئا بسيطاً هو ج مثلاً و قلتَ ج ليس ب » اقول بان يكون مفهوم هو ج ليس ب معاً مصداقه معني ج و لهذا قال « فحيثيّة انه ج ان كانت بعينها حيثيّةَ انَّهُ ليس ب حتّي تكونَ ذاته » اي ذات ج « بذاتِهٖ مصداقاً لهذا السلب فيكون الايجاب و السَّلب معني وَاحِداً » فتكون ذات ج مصداقاً للمجموع منهما و لذا قال « و لزم ان يكون كلّ مَنْ عقل الانسان عقل ليس بفرَس بان يكون نفس عقله الانسان نفس عقله ليس بفرسٍ » قال « لكن اللّازم باطلٌ » لانه اذا لزم من عقل الانسان عقل ليس بفرس كان مصداقه مركبا لوجوب المطابقة بين المصداق و ما صدق عليه « فكذلك الملزوم » اي بَاطِل بدليلِ بطلانِ لازمِهٖ لِاَنَّ الملزوم اعني الصادق هو الاسم المركّب من الايجاب و النفي اَقولُ و انْتَ خبير بانّ هٰذَا التّقريب الّذي ذكر المُصَنِّف انّما يعقل في [ص 495] بَسَاۤيـٔطِ الحوادث لِانّها هي ذوات الحيثيات و الجهات المختلفات و الاعتبارات المتعددات و امّا القديم عز و جل فما يفرض من شيء من الاعتبارات و الحيثيات فهي حدود ما سواه ففي المثال الذي ذكره لو اريد به بيان حال الازلِ عز و جلّ و تعالي عن ضَرْب الامثال هُوَ ج فاذا قلتَ هو ج لَيْس ب يكون النفي و نسبته الي ج قَيْدانِ لِب لانّه هو ٱلمقيد بالنّفي و ٱلصّفة له و هو ٱلمنسوب و النسبة له و امّا ج فهو مبرَّءٌ عن قيد النّفي و عن نسبة ب اليه و المصنف فرض الواجب في الامكان حتي قرنه بب الممكن و هو تعالي منزّهٌ عن الفرض و عن الامكان او فرض الممكن في الازل و كذلك اذا كان الازل مقروناً بالحوادث في محاۤلّها كان من جملتها و يجري عليه احكامها ففي الحقيقة كل كلام المصنف من اوّله الي اخره في الحوادثِ و ان تلفّظ بعبارات ( بعبارة . خل ) القدم و العبارة لاتغيّر المسمي عن مرتبته كما كان المشركون سَمَّوْا هُبَلاً اِلٰهاً و هو حَجر مَنْحوتٌ و لمتكن تسمِيتهم له بذلك جعلَتْه اِلٰهاً و قدْ قُلْنَا سابقا ان الفرض و التمثيل و الاحتمال و الاعتبار و امثال ذلك كلّها من احوال الحوادث فلايصح فرضها في احوال القِدم فكيف يكون هو كذا ليس كذا يجري في الازل و لذا قال الرضا عليه السلم كنهه تفريق بينه و بين خلقه و غُيورهُ تحديدٌ لما سواه ، فقوله عليه السلام غيوره تحديد لما سواه هو معني انّ قولك هو ج ليس ب لايصح فرضه لان الفرض و القيد و النسبة من صفات الحادثات فلاتجري علي القديم تعالي بل هي تحديد للحوادث كما قلنا ان ليس ب قيد لنفسه و هو ب و كذا النسبة و الفرض و لقد سئلني الاخوند ملا محمد الدامغاني العمرواني ايده الله عن مساۤئل هذه المسئلة احديٰها فاجبته و انا احبّ ايراد جوابي له هنا :
قال سلمه الله في كلامه : عن كيفيّة معني بسيط الحقيقة كلّ الاشياۤء و ما هو الحق فيه عندكم فان اقاويل العلماۤء فيه مختلفة و الاشكالات الواردة علي كل قولٍ منها متكثّرة ، الخ .
[ص 496] اقول اعلم ان هذه المسئلة اصلها باطل لان مبناه علي الاوهام و التخيّلات بغير علم و لا هدي و لا كتابٍ منير و لقد سألتُ بعض الفضلاۤء القاۤئلين بها فقلتُ له مَنْ بسيط الحقيقة قال هو ذات اللّهِ تعالي ، و اعلم ان الملّا صدرا الشيرازي من القاۤئلين بها و قد ذكر في المشاعر اصل دليل هذه المسئلة و انا اورده بلفظه بتمامه : قال في ان واجب الوجود مرجع كل الامور ، اعلم ان الواجبَ البسيطُ الحقيقة و كلُّ بسيط الحقيقة فهو بوحدته كل الامور لايغادر صغيرة و لا كبيرة الّا احصيٰها و احاط بها الا ما هو من باب الاعدام و النقاۤئص فانك اذا فرضت بسيطا هو ج و قلتَ ج ليس ب فحيثيّة انه ج ان كانت بعينها حيثيّة انه ليس ب حتي يكون ذاته بذاته مصداقا لهذا السلب فيكون الايجاب و السلب شيئا واحداً و لزم ان يكون من عقل الانسان ليس بفرس ان يكون نفس عقله الانسان نفس عقلِهٖ ليس بفرسٍ لكن اللّازم باطل فالملزوم كذلك فظهَر و تَحقّق ان موضع الجيميّة مغاير لموضع انّه ليس ب و لو بحسب الذهن فعُلِم ان كُلَّ موجودٍ سُلِبَ عنه امرٌ وجوديٌّ فهو ليس بسيط الحقيقة بل ذاته مركبة من جهتين جهة بها هو كذا و جهة هو بها ليس كذا فبعكس النقيض كل بسيط الحقيقة هو كل الاشياۤء فاحتفظ بهذا اذا كنتَ من اهله انتهي ، و قال في اول الكتاب في ذكر ما يتوقّف عليه اي علي معرفة الوجود الي ان قال : و مسئلة ان البسيط كالعقل و ما فوقه كلّ الموجودات ، الخ .
و الحاصل ان مذهبه و مذهب كثيرٍ منهم متّفِقٌ علي ان البسيط يكون هو كل من دونه و من معه و نحن نتكلم علي دليلهم علي هذه الدعوي : قوله « اذا فرضتَ بسيطاً هو ج مثلا و قلتَ ج ليس ب فحيثيّة انه ج ان كانت بعينها حيثيّة انه ليس ب » فيه ان حيثيّة ج ليست حيثيّة انه ليست ب ، امّا اوّلا فلان المفروض ان هذا البسيط بسيط مطلق من كل جهة و اعتبار حيثيّةٍ تنسب [ص 497] اليه باطل لان الحيثيّة جهة التمييز و هي غير الذات في نفس الامر و في المفهوم و مطلق التغاير و الاختلاف لايجري علي البسيط المطلق و لا علي ما ينسب اليه و يوصف به و امّا ثانيا فلان حيثيّة انه ج اثبات و حيثيّة انه ليس ب نفي و لايجتمعان في انفسهما و لا في غيرهما الّا مع فرض تجزئتِه و اختلاف جهته علي ان مسمّي الاثبات موجود و مسمّي النّفي مفقود فلايسمّي بهما واحد و ما ورد في ذكر الصفات السلبيّة فليست في الحقيقة صفات له تعالي و انّما هي صفات تنزيهٍ يُؤتي بها لنفي الغير لَا لاثباتِ صفةٍ له فان كلّ ما ليس ذاته فهو محدود بالنفي و التشبيه كما قال الرضا عليه السلام : كنهُه تفريق بينه و بين خلقه و غيوره تحديد لما سواه ، فكلامه في الظاهر مطابقٌ لما قلنا لانه ابطل ان يكون البسيط مركبا من الموافق و المنافي و لهذا قال « يكون الايجاب و السلب شيئا واحداً و لزم ان يكون مَن عقَل الانسان ليس بفرسٍ اَن يكون نفسُ عقله الانسان نفسَ عقله ليس بفرس لكن اللازم باطل و الملزوم كذلك فظهر و تحقق ان موضع الجيميّة مغاير لموضع انه ليس ب و لو بحسب الذهن » و هذا الكلام موافق بحسب الظاهر لكن في الحقيقة هذا غير موافق لانه يفرض حصول البسيط مع الغير في صقع واحدٍ و الحاصل مع الغير لايكون بسيطاً مطلقا بل اضافيّا و الاضافي انّما يُسلب عنه المغاير الذي لميتقوّم به و اما ما يتقوّم به فلايسلب عنه لانه سلب لِكُنهِهٖ و مرادنا ان البسيط الذي يفرض معه ما يصح سلبه عنه هو الاضافي بمعني انّه محصور في غير ما يُسلب عنه فيتحدّد بسلب الغير و اما البسيط المطلق فلايمكن فيه ذلك الفرض و ليس امتناع ذلك الفرض لئلّاتتركب ذاته بل ليس معه في صقعه غيره لا في الخارج و لا في الذهن و لايصح الفرض و الامكان و الاحتمال و التجويز لانها كلها في الامكان ليس في الازل منها شيء و لو كان الغير و السِّوي حِصَصاً من البسيط مُيِّزت بالحدود لكانت [ص 498] اذا ازيلت الحدود اتّحدَتْ بكُلِّها او كُلِّيّها كما هو مبني اعتقاد القوم في هذه المسئلة علي هذا و لهذا يقولون كلّ الاشياۤء يعني ان البسيط اذا اُزٖيلت حدود الاشياۤء المنسوبة اليه اي ازيلت عنها حين النسبة حدودها كان هو كلّها فالاشياۤء اشياۤء بحدودها و البسيط كُلٌّ بلا حدودٍ و ذلك كالمداد الذي كتبت منه هذه الحروف اذا ازيلت عنها حُدودُها اجتمعت مِداداً بسيطاً كما هو شأن المواۤدّ الكلّية و هذا مذهب الصوفية القاۤئلين بانّ الوجود شيء واحد بسيطٌ لا كثرة فيه و الاشياۤء المتكثرة كلّها مركّبة من وجود هو الواجب تعالي و من ماهيّة هي الحدود الموهومَة و قول هؤلاۤء قول اولٰۤئك بلا اختلافٍ لا في اللفظ و لا في المعني ،
فقوله « فعلم ان كلّ موجودٍ سُلِبَ عنه امرٌ وجوديّ فليس هو بسيط الحقيقة » فيه ما قلنا فان قوله سلب عنه اذا فرض كونه بازاۤئه في صقعه و ناحيته بل اقول سُلِبَ عنه امرٌ وجودي او عدميّ لان السّلب فرع الايجاب و الثبوت و لو لميفرض شيء مطلقا لماجاز فرض السلب و لا امكانه و احتماله و تجويزه و كل شيء فرض عنه السلب او جُوِّز اَوِ احْتمل ذهناً او خارجاً فهو حادث مركّب من جهةٍ هي وجهه من فعل صانعه و من جهةٍ هي انّيّته و قابليته لايمكن ان يكون حادث بدون هذين الجهتين فقوله « فهو ليس بسيط الحقيقة بل ذاته مركبة من جهتين جهة بها هو كذا و جهة هو بها ليس كذا » و انا اقول بل ذاته مركبة من اربع جهات جهة من ربّه و جهة من نفسه و جهة هي انه وحده و هي جهة بها هو كذا كما قال و جهة هو انه ليس غيره و هي جهة هو بها ليس كذا فهو مركب من اربع : جهة انه اثر فعل الله و جهة انه هو و جهة انه وحده وَ جهة انه ليس غيره فهذه العبارة بيان الاولي فقوله « فبعكس النقيض » و هو عكس نقيض كل موجودٍ سُلبَ عنه امر وجوديّ فليس هو بسيط الحقيقة و هو علي طريقة القدماۤء و هي ان تجعل نقيض التالي اوّلا و نقيض [ص 499] الاول ثانيا فنقيض التّالي بسيط الحقيقة مصدّراً بكلمة كلِّ لانها سور الموجبة الكلّية و نقيض الاوّل موجود لايُسلب عنه امر وجودي فعكس النقيض هكذا كل بسيط الحقيقة موجود لايسلب عنه امر وجودي فلمّا كان في عكس النقيض يكون عكس السالبة الجزئيّة مثل ليس بسيط الحقيقة موجبةً كلّيّة كان عكسها كل بسيط الحقيقة و عكس الموجبة الكلية مثل كل موجود سُلِبَ عنه امر وجودي سالبة جزئيّة كان عكسها موجود لايُسْلَب عنه امر وجودي و المعقودة منهما كل بسيط الحقيقة موجود لايُسلَبُ عنه امر وجودي فحكموا بان كل شيء هو بسيط الحقيقة كالعقل الكلي و ما فوقه كالواجب تعالي موجود لايُسلَبُ عنه امر وجودي فهذا وجه دليلهم و قد ذكرنا في كثير من رسَاۤئلنا و في كثير من مباحثاتِنا بان دليل المجادلة بالتي هي احسن مثل هذا الاستدلال لايُعرف به الله سبحانه لانه مبني علي دلالات الالفاظ بما يفهمونه بافهامهم القاصرة و علي المفاهيم الاصطلاحية بما ادركته عقولهم الحاسرة و الاعتماد في معرفة المعارف الالهية و الحقاۤئق الرّبانيّة علي امثال هذه تجارة خاسرة و انما الاعتماد في معرفة تلك الاسرار الخفيّة و الحقاۤيـٔق الغيبيّة علي دليل الحكمة الذي بصره بنور الفؤاد الذي هو نُور الله في العباد و هو التوسم الكاشف للحجب الشّداد ،
و بيان فساد ما قالوا و حلّ ما عقدوا من هذه المقدمة بدليل الحكمة الذي يوصل الي نور العلم بالعَيان لا بالخبر هو اَن نقول ان حكمهم بهذه الكليّة هل هو صناعي ام عياني فان كان صناعيا و هو ينطبق علي الامر الواقعي القطعي العياني فهو حق و الّا فلا فان قولك فيه لو سألتك عنه انا اقطع بثبوت مدلوله الذي هو المدّعي فانا اقول لك العقل الكلي بسيط مطلق ام اضافي فان قلتَ اضافي لمتصح فيه دعواك لانه مركب بالنسبة الي ما فوقَهُ و ان قلتَ انه بسيط حقيقي قلتُ لك فهو اذاً ليس بمخلوقٍ لان المخلوق قد قام [ص 500] علي تركيبه الدليل نقلا و عقلا اما النقل فما في اية النور و قد ذكر كثير من المفسّرين بان قوله تعالي مثل نوره هو العقل الكلي و ظني انّ ممّن ذكر هذا الملا صدرا في رسالته في تفسير هذه الاية الشريفة و فيها يوقد من شجرة مباركة الي ان قال يكاد زيتها يضيۤء و لو لمتمسسه نار فاخبر بانّه من دهنٍ و نارٍ و قول الرضا عليه السلم : ان الله سبحانه لميخلق شيئا فردا قاۤئما بذاته دون غيره للذي اراد من الدلالة عليه ، و الاخبار مشحونة بما يدل علي ذلك و امّا العقل فقد اتفقت كلمة الحكماۤء علي ان كل مخلوقٍ لا بد و ان يكون له اعتبار من ربّه و اعتبار من نفسه فاذا لميكن بسيطا في حقيقته فما معني كونه كل الاشياۤء مما دونه لاني انما قلتُ بان دليل المجادلة بالتي هي احسن لايُعلم منه المعرفة الحقيقية لمثل هذا بان بنوا علي انه بسيط و هو مركب و اخذوا الحكم ببساطته من الاوهام و ظواهر الحملِيات و المفاهيم الوهميّة مثل هذا فلما نظروا بانه ليس له صورة كصورة النفس حكموا ببساطته من غير تدبّر و مَشَّوْا حكم البساطة باعتبار مدلولها اللفظي بان ساوَوا به ذات الحقّ ، تعالي الله عما يقولون علوّا كبيراً كما ساوَوا في حقيقة الوجود بين الحق تعالي و بين الخلق لانه تعالي موجود بالمعني البسيط المعبّر عنه بالفارسية بهَسْتْ و الموجودات كلها موجودة بهذا المعني فصح في الكل الاشتراك المعنوي و مفادُه التساوي في حقيقة الذات وَ فرّعوا علي هذا كلمات الكفر و الجحود نعوذ بالله من سخط الله و امّا ذات اللّه عز و جل فهو بسيط الحقيقة بكل معني امّا نحن فنقول هكذا و نحن صادقون و امّا اولٰئك اذا قالوا بانه تعالي بسيط الحقيقة فالله يعلم انه عز و جل بسيط الحقيقة و الله يشهد انهم لكاذبون كيف يكونون عند اللّه صادقين و هم يقولون بان حقاۤئق الاشياۤء فيه و انّ العالم كامن في ذاته متأهل للكون و لقبوله عند وُرود كن عليه من الله تعالي فهو كامن [ص 501] معدوم العين موجود بالقوّة فاذا ورد عليه الامر من الله تعالي كان كاۤئناً موجوداً بالفعل و ما بالقوّة هو المكوّن لما بالفِعل الّا انه بالله تعالي و هم ايضا يقولون بانه كل الاشياۤء و الكل للاشياۤء انما تنسب اليه بتحققها فلو لمتكن متحققة هناك لَماكان كلّها و هي لا شيء لانه لو كان كذلك للزمهم ما نفوه سابقاً لانّهم ان كانوا هناك و هو يعلم انه عنده غيره فما اكثر القدماۤء عند هؤلاۤء الجماعة و ان لميكونوا عنده بل كانوا لا شيء بمعني انه تعالي يعلم انه لا شيء غيره و ليس معه غيره كان قولهم بسيط الحقيقة كل الاشياۤء مفاده بسيط الحقيقة كلّ لاشيء فيكون قد اثبتوا ما نفوا فيكون مركبا من شيء و لاشيء و هم ايضا يقولون ان حقاۤئق الاشياۤء صور علميّة غير مجعولة فان كانت في الازل فليس بسيط الحقيقة و ان كانت خارجة عن الازل فهي حادثة و الخيار لهم ان شاۤؤا ان يقولوا هو خلقها او هي خلقت نفسها اوْ لها ربّ غيره خلقها سبحانه سبحانه سبحانه و تعالي عما يقولون علوا كبيرا و هذا معني جوابنا بدليل الحكمة ،
و شرحه ان نقول امّا انه بسيط الحقيقة فحق لا شك فيه انه اَحَديّ المعني احَديّ الذات في نفس الامر و في الخارج و في الذهن لايمكن ان يتصوّر خلاف ذلك و لايحتمل و لايمكن بفرضٍ و لا وَهْمٍ و لا توهّم لا اله الا هو و امّا انه كل الاشياۤء فهذا باطل حيث لا شيء فاذا كان في الازل الذي هو ذاته الحق واحداً احداً صمداً لا شيء غيره و لا شيء معه و الاشياۤء التي جعلتموها ابعاضه و قلتم هو كلّها لا ذكر لها و لا وجود و لا تحقّق الّا في الامكان و هو خارج الذات فكيف يكون كلها و ليست معه و ليس هو معها في الامكان بذاته فهِيَ في رتبة ذاته بكل اعتبارٍ لاشيء فهو اذاً كل لاشيء ذلك ما كنتَ منه تحيد و انما يجوز ان يُقال انّه كلّ الاشياۤء لو اجتمعت معه في صقعٍ واحدٍ و جاز ان لاتسلُبَها من حقيقته و انها غيره ليصح قول كلّ فمعني قولنا ان كلامهم مبني علي الاوهام انهم لمّا فهموا [ص 502] بان النفي عن الشيء لو اعتبر في مفهومه لزم التركيب و اذا كان التركيب لازماً للحدوث كان بسيط الحقيقة فاذا كان اعتبار نفيها عنه يستلزم تركيب مفهومه كان عدم اعتبار النفي مستلزماً للبساطة و يلزمه الاتّحاد به و لميفهموا ان مقدّمتهم تستلزم عدم البساطة هكذا بسيط الحقيقة موجود لايُسْلَبُ عنه امر وجودي فبسيط الحقيقة موجود مقيَّد بعدم السّلب فليس بسيطا بل مركب لانها مثل الاخري المنفيّة فهذه موجود لايُسلب عنه غيره و تلك موجود سلب عنه غيره فنفي السلب ان لُوحِظ فيه نفس النفي كان سلباً بحكم السلب و ان لوحظ فيه نفي النفي كان ايجاباً و هذا الايجاب ضد ذلك النفي فهو خارج عن حقيقة الذات كخروج ضدّه الذي هو النفي عنها و ان اردتَ بنفي السلب عدم التقييد كان المعني بسيط الحقيقة موجود و هذا حكم صحيح و قضيّة صادقة و لكنهم يريدون بنفي السلب في قولهم موجود لايُسلب عنه انه مقيّد بذلك ليثبت لهم دخول الاشياۤء فيه ، تعالي الله عما يقولون علوا كبيرا فيكون هكذا بسيط الحقيقة موجود موصوف بعدم نفي الاشياۤء الموجودة عنه لا مطلقا فلايكون موجودا بسيطاً بل هو موجود مركب من وجود و من عدم سلب كل شيء عنه فالقضيّة التي نفوا في المثال هي كون حقيقة مفهوم ج مركبا من مفهوم ج و سلبِ ب عنه لاستلزامه التركيب و التي اثبتوا هي كون مفهوم ج مثلا مركبا من مفهوم ج و سلبِ ب و سلبِ د و سَلْبِ ه و سلب و الي اخر الحروف ماادري كيف حال هذا البسيط و اظنه مشتق من البسط و التكسير و الحاصل مختصر ما يقال عليهم ان كون الشيء كل الاشياۤء لايكون الّا مع حضور الاشياۤء في رتبة كلّ ان كان معناه كل الاشياۤء بذاته فالاشياۤء في ذاته و ان كان بعلمه فالاشياۤء في علمه و ان كان بتسلّطه فالاشياۤء في تسلّطِهٖ و امّا دليلهم بانه لو لميكن كذلك [ص 503] لزم التركيب فتأمّل فيما قلنا فانه اذا قالوا بهذا لزم تركيب متكرر متكثّر لان قولهم موجود لايُسلب عنه ان ارادوا تقييد موجود بلايُسْلَبُ عنه لزم التركيب الكثير و ان ارادوا عدم التقييد بطل عكس نقيضهم و بطلت دعواهم و ان ارادوا به الاثبات فهو تقييد افحش من النفي علي ان النفي و الاثبات انما يصح ذلك اذا كان المنفي و المثبت موجودين في موضع النفي و الاثبات خارجاً او ذهناً فرضاً او اِمْكاناً و تجوّزاً و توهّما بكل اعتبارٍ و انما كررتُ العبارة للتفهيم و التقرير لكل ذي قلبٍ سليم ، انتهي كلامي في جواب هذه المسئلة .
و ما ذكره الملا احمد المذكور في تعليقاته عن المصنف و عن استاذه منقوض بما ذكرنا فانه ذكر فيها قال : انّ الواجب بسيط و كلّ بسيط الحقيقة كُلُّ الاشياۤءِ اَمَّا الصغري فلما مرّ في المشعر الثالث ، اقول : كونه تعالي بسيط الحقيقة بكل معني مما لا شكّ فيه ، قال : و امّا الكبري فلان بسيط الحقيقة لو لميكن كل الاشياۤء للزم ان لايكون مصداقاً لِامرٍ وجودي اصلاً او يكون مصداقاً لامرٍ وجوديٍ و سَلبِ وجوديٍّ آخر لٰكن التّالي بكِلَا شِقَّيْهِ باطل فكذا المقدّم امّا بيان الملازمة فظاهر كبطلان الشق الاوّل في التّالي ، اقول : لايلزم ذلك لانه انّما يلزم لو لميكن بسيط الحقيقة متحققا الّا اذا لميسلب عنه امر وجودي مع وجود ذلك الامر الوجودي ليكون الحال داۤئراً بين اَنْ يُسلَب عنه موجود غيره او لايسلب عنه موجود غيره و هذا في حيّز المنع و خلاف مفهوم التوحيد الخالص لان الفروض ثلاثة و الطرفان باطلان احدها ان يكون معه امر وجودي سلب عنه و ثانيها ان يكون معه امر وجودي لايسلب عنه و ثالثها ان لايكون معه شيء تكون به نسبة او اقتران يتعلّق بهما الايجاب او السلب لان الايجاب و السلب انّما يتحقّق خارجا او ذهناً بموجود تحصل به الاضافة فيثبت او يسلب اذ الايجاب و السلب المذكوران هُنَا لايتَوجّهانِ الَي ذات [ص 504] بسيط الحقيقة انّما يوجّهانِ الي وجوديٍّ غيره تحصل بوجوده ( غير متحصل بوجود . خل ) النسبة و الاضافة و اذا لميوجد شيء لا ذهنا و لا خارجاً و لا فرضاً و اعتباراً و امكاناً لميُوجَّها النفي و الاثبات لانّهما طرفا الفرض و المنزلة التي فيها الحقّ لا ايجاب و لا سلبَ لعدم وجود امرٍ فهو سلب مطلق باعتبار انتفاۤء الموضوع فالحق بينهما فافهم معني التوسط و قد قدّمنا انّ منافي بساطة الحقيقة مطلق اعتبار شيء في ذات بسيط الحقيقة غير ذاته سواۤء كان ذلك الشيء سلبَ وجوديٍ عنه او عدم سلبِ وجودي عنه اذ لمتريدوا بمن هو كل الاشياۤء مجردَ موجود بسيط بل تريدون به بسيطاً لميسلب عنه امر وجودي و هذا قيد غير ذات البسيط اخذ في مفهومه كما اخذ في مفهومه موجود سلب عنه امر وجودي فالتركيب في الصورتين متحقق علي حدٍّ واحد ، و البسيط الحقيقة علي القول الحق هو ما ذكره ائمة الحق عليهم السلام كما قال الرضا عليه السلام لعمران الصابي حين قال يا سيدي هل كان الكاۤئن معلوما في نفسه عند نفسه قال الرضا عليه السلام : انما تكون المَعْلَمةُ بالشيء لنفي خلافِه و ليكون الشيء نفسه بما نُفِي عنه موجوداً و لميكن هناك شيء يخالف فتدعوه الحاجة لنفي ذلك الشيء عن نفسه بتحديد ما علم منها الحديث ، فانّ قوله : لنفي ذلك الشيء عن نفسه بتحديدِ ما علم منها ، يريد به انْ ليس معه غيره لا انّه يريد انّ معه الاشياۤء و هي لاتنافيه و لاتخالفهُ لانا قد ذكرنا سابقا في مواضع متعدّدة بعبارة اِلزاميّة و هي انّا نقول ان قولكم هو تعالي كل الاشياۤء هل يعلم هو تعالي انّ شيئا او اشياۤء يكون هو كلها او عينها ام لايعلم شيئا غير ذاته فان كانت غير ذاته كان مركبا مؤلّفا منها او ناشياً عنها و ان كانت هي ذاته لايعلم غير ذلك فلم قلتم كلّ الاشياۤء و انتم تريدون هو كلّ ذاته علي ان المركب كلّ ذاته ايضا فقوله عليه السلام : بتحديد ما علم منها ، اي من ذاته صريح عند [ص 505] المؤمنين انه عليه السلام يريد به محض الذات البسيطة ،
فاذا فهمت ما ذكرنا من ان التوحيد الخالص تجريد الذات البسيطة عن نفي السوي و اثباته لا عن نفيه خاۤصّة ثبت عندك بطلان الملازمة المذكورة لانها انما تتحقق اذا انحصر تحقق الذات البسيطة في موجود سلب عنه موجود اخر او لميسلب عنه موجود آخر و هذان باطلان و هما الطرفان و بينهما الحق و هو عدم الايجاب و السلب للغير الوجودي و انما هو هو بدون هُو لا في اللفظ و لا في الاشارة الذهنية او العقلية كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام في خطبته : و ان قلتَ ممّ هو فقد باين الاشياۤء كلها فهو هو و ان قلتَ فهو هو فالهاۤء و الواو كلامه صفة استدلالٍ عليه لا صفة تكشف له و ان قلتَ له حدّ فالحدُّ لغيره و ان قلتَ الهواۤء نسبه فالهواۤء من صنعه رجع من الوصف الي الوصف و عمِي القلبُ عن الفهم و الفهمُ عن الادراكِ و الادراكُ عن الاستنباط و دام الملك في الملك و انتهي المخلوق الي مثله و الجأه الطلب الي شكله و هجم به الفحصُ الي العجز و البيانُ علي الفقدِ و الجهدُ علي اليأس و البلاغ علي القطع و السبيل مسدود و الطلب مردود دليله آياته وَ وجوده اثباته الخ ، نفسي لك الفداء يا هادي المتحيّرين بمثل كلامه عليه السلم اتبعه و بهُداه اقتدِه ، فقوله : كبطلان الشقّ الاول في التّالي ، يعني اَلّايكون مصداقاً لامرٍ وجودي اصلاً باطل في التالي صحيح في المقدم لما بيّنا من عدم الملازمة و امّا في الشق الثاني في التالي فباطل كالمقدّم ، قال : و امّا بطلان الشقّ الثاني منه فلانه ح امّا ان يكون من حيث انه مصداق لامرٍ وجوديٍّ مصداقاً لسلبِ وجوديٍّ آخر اي يكون كل من الايجاب و السلب منتزعا من شيء واحدٍ بالذات مِن جهة واحدة اوْ لا و الثاني مستلزم للتركيب و لو بحسب الذهنِ و هو منافٍ للبساطة المحضة المطلقة ، اقول : يستلزم التركيب اذ بدون الحيثية المذكورة يكون الصدق بنوع [ص 506] التوزيع فيصدق بعضه علي الايجاب و الاخر علي السلب ، قال : و علي الاول ، الي قوله : و بطلانه ظاهر ، اقول : هذا باطل لكون الصدق بنوع البدلية فيلزم اتّحاد الضدّين لا فرض اتحاد الحيثية ، قال : فظهر ان التّالي بكلا قِسمَيْهِ باطل فالمقدم مثله ، اقول : يعني بقسمي التالي اَلّايكون مصداقاً لامر وجودي اصلا او يكون مصداقا لامر وجودي و سلب وجودي آخر و هما باطلان و امّا المقدّم فهو صحيح لما بيّنّا من عدم الملازمة فليس مقدّما في الحقيقة و انما هو مقدم في قياسهم ، قال : فثبت ان كل بسيط الحقيقة كل الاشياۤء هكذا قرّره المحقق الفاضل الاستاذ ، اقول : قد ثبت بما قررنا ان بسيط الحقيقة من لميعبّر عنه بلحاظين او اعتبارين و لميقيد بسلبٍ و لا ايجاب و ان قولك بسيط الحقيقة يتوجّه اليه القلب بتوجّهٍ غير توجّهه الي كلّ الاشياۤء و مَن اُخِذ في مفهوم ذاته و معرفة هويته كونه كل الاشياۤء فهو مركب من حيثيتين و هويّتين و يتوجّه اليه القلب بتوجهين فافهم و الله سبحانه ولي التوفيق ، ثم قال بعد كلام طويل من ذلك القبيل : ثم ان الفاضل المحقق الاستاذ زعم ان هذا الدّليل كما يدل علي انه جامع الوجودات كذلك يدلّ علي انه جامع لجميع المفاهيم الثبوتية ، اقول : كلام الاستاذ المذكور اذا فرّع علي دليل كون بسيط الحقيقة كلّ الاشياۤء مما تقدّم في كلامه و كلام المصنف من الاستدلال كونَه تعالي كُلَّ المفاهيمِ و الماهيات الذهنية و الخارجيّة مما ينسب لها التحقق بنسبتها كما انه كل الوجودات لان الاشياۤء تشملها و لانها يصدق عليها الامر الوجودي فكلام الاستاذ متّجه علي فرض صحة دليلهم ، قال : حتي الجسمية و الحيوانية بمعني ان الحق المتعال ذاته بذاته مصداق لجميع المفاهيم من دون ان يكون شيء منها عين ذاته المقدسة او جزئها ، اقول : و ذلك لان الجسمية و الحيوانية امر وجودي و ان كان وجوده بغيره اذ مقتضي الدليل كونه كل الاشياۤء الثابتة [ص 507] فما كان منها موجودا بنفسه لا بوجود غيره كالوجودات الممكنة كان تعالي هو كلها بذاته و ما كان منها موجوداً بالوجود كساۤئر المفاهيم و المعاني و الماهيات مما هو ثابتٌ كان هو تعالي كلها بواسطةِ وجوداتها و هذا المذهب معروف مشهور بين الصوفية فان احدهم يقول انا اللّه بلا انا و يقول شاعرهم :
و تركتُنٖي فوجدتُني لا اُمّ ثَمَّ و لا اَبُ
انا ذلك القدوس في قدس العماۤءِ محجّبُ
انا قطبُ داۤئرة الرحا و انا العُلي المستوعِب
انا ذلك الفرد الذي فيه الكمال الاعجبُ
و بكل لحنٍ طاۤئري في كل غصنٍ يُطرِبُ
نفسي اُنَزِّهُ عن مقالتي التي لاتكذِبُ
ضاعَ الكلام فلا كلام و لا سكوتٌ معجبُ
الي ان قال :
الله ربّي خالقٌ و بَريقُ خَلقي خُلَّبُ
الي ان قال : انا غافرٌ و المذنب ، و انا اقول لو قال : انا مذنبٌ و المذنِبُ ، لصَدق ، و كذلك ما قاله ابن عربي في الفصوص في قوله :
فلولاه و لولانا لماكان الذي كانا
فاِنّا اعبُدٌ حقّا و اِنَّا اللهُ مولينا
و اِنّا عينُه فاعلم اذا ما قيل انْساناً
فكن حقّا و كن خلقاً تكن باللهِ رحمانا
الي ان قال :
و غَذِّ خلقَهُ منه تكن روحاً و ريحانَا [ص 508]
فاعطيناه ما يبدو به فينا و اعطانا
فصار الامر مقسوماً بايّٰاهُ و ايّانا
الخ ، و قوله : من دون ان يكون شيء منها عين ذاته المقدّسة ، يعني به انه هو الجدار لا بلحاظ الجدار من حيث هو جدار لان هذه اعراض مظاهره لا اعراض ذاته فلذا قال شاعرهم :
كل ما في عوالمي من جمادٍ و نباتٍ و ذات روحٍ مُعارِ
صُوَرٌ لي خلعتُها فاذا ما زِلْتُها لاازولُ و هي جواري
انا كالثوب ان تلوّنتُ يوماً باحمرارٍ و تارةً باصفرارِ
و الحاصل انّهم لايتستّرون بهذا المذهب بل به يفتخرون و الله سبحانه يقول و لكم الويل مما تصِفون و هو سبحانه سيجزيهم وصفهم انّه حكيم عليم ، قال : بل يمكن اَن يقال انها عينه تعالي بمعني انها تُنْتَزَعُ من عين ذاته لا بالمعني المتبادر تعالي الله عن ذلك علوا كبيراً ، اقول : قوله لا بالمعني المتبادر يعني اخذ شيء من شيء لمٰا فيه من شناعة القول و مخالفته لظاهر كلام الله سبحانه الله الصمد لميلد و لميولد و لميكن له كفؤاً احدٌ و الّا فالمعني عندهم واحد و لهذا يمثلونه بان الخلاۤئق منه تعالي كالنار الخارجة من الحجر بحَكِّ الزناد لانها خارجة من النار الكامنة في الحجرِ و لا ريب ان هذا قوله بانه تعالي يلد كما دل عليه حديثُ الحسين عليه السلام المتقدم في معني الصَّمد لا حول و لا قوة الّا بالله العلي العظيم ، قال : و قال انّما سلبوا عنه تعالي من بعض المفاهيم كالجسميّة مثلاً فمرادهم سلب الاعدام و النقاۤئص اي ليس له تعالي نقاۤئص الجسم و ليس له هذا المفهوم فقط اي هذا المفهوم فقط ليس له ، اقول : يشير الي معني ما قال بعضهم انا الله بِلَا انا ، قال : و ما قالوا من ان الحق ليس به ماهيّة فمرادهم [ص 509] انه ليس به ماهية خاۤصة او ليسَتْ له ماهيّة بحيث اتّحدت مع وجودهٖ تعالي خارجاً حتي لو امكن تعقّله انحلّتْ ذاته المقدّسة في العقل الي شيئين فلا منافاة ، اقول : يريدون انّ له ماهية هي كل الماهيات كما ان وجوده هو كل الوجودات لا انّ له وجوداً خاۤصّا محصوراً او يريدون انه تعالي لو كانت له ماهية كالموجود الحادث لاتّحدَتْ بوجوده ليكون وجوده غير صرف الوجود بل هو مشوبٌ كساۤئر الوجودات الحادثة و يكون تحليله ممكناً كغيره ، قال : ثم قال مستدلّا عليه بخصوصه انه تعالي امّا عالم بها في مرتبة ذاته بذاته اَوْ لا و علي الثاني الّاتكون ذاته المقدسة حقيقة العلم بل تكون علما بوجهٍ جهلا بوجهٍ و هو خلاف ما سيجيۤئ من ان ذاته تعالي حقيقة العلم كما انه حقيقة الوجود ، اقول : هو عالم بذاته لذاته فهو عالم و لا معلوم اذ لايلزم من وجود العلم وجود المعلوم و العلم تلزمه المقارنة و الوقوع علي المعلوم و المطابقة له و اذا كان علمه عين ذاته فيلزم ان تكون ذاته مقارنة لزيدٍ لانه بلا شك معلوم له تعالي لانه مخلوق له و قد قال تعالي الايعلم مَن خلق و يلزم ان تكون واقعةً عليه و مطابقة له و الّا لمتكن علما و كل ذلك لايصح و لايلزم من قولنا هذا انه ليس عالما بزيد بل نقول انه عالم في مرتبة ذاته بزيدٍ في مرتبة زيد لا في مرتبة ذاته تعالي و الّا لكان زيد في الازل موجوداً و هو معني قولنا عالم في الازل بها في الحدوث و مثال هذا انّك سميع و لميكن احد يتكلّم لتسمع كلامه فاذا تكلم شخص وقع سمعك عليه و الوقوع حادث بحدوث المسموع و هذا معني قولهم بالعلم الاشراقي الحُضوري الاتري انك اذا لميكن في يدك شيء لاتعلم ان في يدك شيء و لايلزم من عدم علمك بشيء في يدك لعدم ذلك الشيء كونك جاهلاً فاذا وجد شيء علمته و هو معني قول الصادق عليه السلام : كان ربّنا عز و جل و العلم ذاته و لا معلوم و السمعُ ذاته و لا مسموع [ص 510] و البصر ذاته و لا مبصر و القدرة ذاته و لا مقدور فلما احدث الاشياۤء و كان المعلوم وقع العلم منه علي المعلوم و السمع علي المسموع و البصر علي المبصر و القدرة علي المقدور ه ، و اعلم ان هذا الواقع علي المعلوم ليس هو ذات العلم اذ لا معلوم و انّما هذا شعاعه و نظيره و لله المثل الاعلي ان العلم الذي هو الذات كجرم الشمس المنيرة في السماۤء الرابعة و قبل وجود الكثيف الذي يظهر فيه النور هي منيرة و لا مستنير فاذا وجد الكثيف وقع النور اي الاشراق الذي استنار به الجدار مثلا فان هذه الانارة و الاستنارة من اثر الشمس المنير لا ذاتها و لايوجدان خارجا الّا مع وجود القابل للانارة و الاستنارة فالعلم الذاتي هو الذات و هو في الازل و لميكن شيء من الاشياۤء هناك فاذا وجدت ارتبط بها العلم الاشراقي و لايلزم من هذا القول بانه تعالي ليس بعالم بل يلزم منه اثبات العلم المطلق المقدس عن صفات الحادثات من المقارنات للحادثات و المطابقة لها و الوقوع عليها و اذا وجدت وقع العلم الاشراقي عليها و هو اشراق العلم الذاتي و صدق العبارة عن هذه و صحتها ان يقال هو سبحانه عالم في الازل بها في اماكنها و اوقاتها و لايقال هو عالم بها في الازل لئلّايلزم وجودها في الازل او كون العلم جهلا لعدم المطابقة للمعلوم و الاقتران به و الوقوع عليه فنقول هو عالم بذاته في مرتبة ذاته بكل شيء في اماكن تلك الاشياۤء و اوقاتها فيما لايزال و لايصح ان يقال ليس عالما بها لانها لايقع لها ذكر الّا و هي معلومة له و اذا لمتكن شيئا مذكورا كما في مرتبة ذاته فما معني العلم بها بل تقول هو عالم و لا معلوم و ذاكر و لا مذكور فافهم و لاتُحْوِجْنا الي تكرارٍ اكثر من هذا فتكون عند العلماۤء جاهلاً و عند الله غافِلاً ، قال : فيلزم الاوّل ، اقول : و هو كونه عالما بها الّا انّه عالماً بها فيما هي به مذكورة فهو يعلم ما هو شيء و لو قيل يعلم لاشيئا صدق عليه انه لايعلم شيئا و يلزم التجهيل [ص 511] تعالي الله عن ذلك علوّا كبيراً ، قال : و ح لايتصور ان يكون علمه بها بالارتسام لاستلزامه الخلقَ و العينيةُ و الجزئيّةُ لايتصوّرانِ في حق الوجود المحض البسيط الصِّرف فيلزم ان يكون كل منها منتزعاً من حاۤقِّ ذاته المقدسة ، اقول : ليس علمه بها بالارتسام لاستلزامه الخلق و لا وجودها و حضورها في الازل لاستلزام وجود غير الحق تعالي في الازل و لا ذكرها في الازل لاستلزامه وجود الغير في ذاته لان ذكرها غير ذاته و لا ان تكون في الازل معلومة بغير وجود امرٍ منها يتعلّق به العلم من وجود او حضور او ذكر بلفظ او معني او صورة او شيء غير الذات المقدسة لامتناع ذلك كله فلميحصل الّا كونه تعالي عالما في الازل بها في امكنة حدودها و ازمنة وجودها كما قلنا و لايجوز ان يكون شيء منها منتزعاً من حاۤقّ ذاته بحال لاستلزام ذلك القول بانه يلد تعالي الله بل كما خلقها لا من شيء غيرها علمها بها و هو العَليم ٱلخبير ، قال : و يكون علمه بها بان يكون علمه بالذات عين علمه بها و يكفي في المعلوليّة هذا النحو من الوجود انتهي كلامه ، اقول انتهي كلام الاستاذ المشار اليه ، و قوله : و يكون علمه بها الخ ، بيانٌ لقوله فيلزم ان يكون كل منهما اي من الوجودات و الماهيات منتزعاً من حاۤقّ ذاته المقدّسة ، يعني انّ الوجودات و الماهيات و ان كانت مختلفة و شأن المختلف ان يكون مبدؤه مختلفاً الّا انّ ذاته وجودها هو ماهيتها بغير اعتبار اختلافٍ لا ذهنا و لا خارجاً و لمّا كان شيئا واحداً بسيطاً انتزعت الاشياۤء مع اختلافها من هويّة ذاته الكاملة البسيطة لجامعيّة تلك الهويّة لكل كمالٍ و اذ قد ثبت انّ علمه بذاته عين علمه بها كفي هذا النوع من التحصّل و التحقّق في حصولها عنه و كونها معلولة اذ كون علمه بذاته علماً بها مع ثبوت فيضانها عن ذاته بذاته شارحاً لاشتقاقها منه و اقول اذا تأمّلت هذه المعاني و امثالها وجدتها غير جارية علي قواعد الاسلام كما هو المعروف بين المسلمين [ص 512] من ايجادها علي نحو الاختراع لا من شيء سَبَق كونها الَّا ما هو من ايجادِهٖ و لا من شيء كان معه اذ لا شيء معه و امّا مجرّد اتّحاد العلم فلايكفي في المعلولية بل مقتضي اتحاد العلم عدم المعلوليّة علي انّ العلم من حيث هو لايكون مؤثراً فلايكون علّة و الّا لكانت المعقولات الثانية و الامور الاعتباريّة و مثل كون رجل له الف رأس اوْ الف نصف رأسٍ و الامور العدمية عندهم بل الممتنعة علي قول مَن يجعلها معلومة مجعولة لانها معلومة و هو لايقول به و نحن و ان كنا قاۤئلين به لانسنده الي ٱلعلْم ، قال : فان قلت لا ريبَ ان كثيراً من المفاهيم كالجسمية و الحيوانيّة و نحوهما يقتضي ان يكون مصداقُه محدوداً متناهيا كما هو ظاهِرٌ فكيف يمكن ان يكون الواجب تعالي الذي هو غير محدودٍ اصلاً مصداقاً لامرٍ يجب ان يكون مصداقه محدوداً متناهياً قلتُ تلزم محدوديّته لو كان مصداقاً لبعض المفاهيم و امّا لو كان مصداقا للجميع فلا كما في الوجود ، اقول : هذا الجواب يوهم الصواب لمعني ربّما لميتنبه له الاستاذ و هو انّه لمّا ثبت ان كلّ شيء من الحادثات فله ضدّ و ثبت ان ما يكون مصداقاً للطول و مصداقاً للعرض مثلا بجهة واحدة لايعرف بالطّول و لايعرف بالعرض و لايعرف بهما و انّما يعرف بعدمهما و اذا عرف بهما معاً فالمراد به عدمهما كما قرّرناه في كثير من مباحثاتنا ثبت ان ما كان للجميع الذي كل افراده متضاۤدّة لايكون للبعض و لكن فيه شيء و هو ان ما يكون من الواجب تعالي مصداقاً لما يصدق علي البعض هل هو جهة الصدق ام نفس الذات فان كان جهة الصدق فلا اشكال في المحدودية لمساواته لذلك البعض في خصوص ذلِك الصدق و الّا اختلف المتعلق و التعلّق باختلاف مصداقه و ان كان نفس الذات كان مصداقيّته للاشياۤء المتعددة المختلفة اِمّا علي جهة البدلية و يلزم الحصر و المحدوديّة في اعتبار [ص 513] كل فرْدٍ او اختلاف الصدق او يرجع الَي جهة ٱلصِّدْق كٱلقسم الاَوَّل و حينئذٍ يغاير ما هو مصداق للجميع و امّا علي نحو التوزيع المستلزم للتركيب و التجزية و الامر الشنيع و اِمّا بطلان المصداقية اصلاً الّا فيما هو من الافعال او الصفات الفعْلية و لا ريبَ في صحة هذا اعني هذا الوجه الاخير لانطباقه علي القواعدِ الاسلاميّة التي اقرّ عليها رسول الله صلي الله عليه و اله من اجاب دعوته و استجاب له عليها و اجري عليهم بها احكام الشرع الشريف كله من الاموال و التناكح و التّوارث و القصاص و غير ذلك و هم لايعرفون شيئا مما يدّعي هؤلاۤء القوم بل ينكرونه و يدينون الله سبحانه بجحوده فافهم ، قال : و لكن لاحدٍ ان يقول لا ريب في ان يكون كثيرٌ من المفاهيم يقتضي صدقها حدّا خاۤصّا من الوجود اذا تجاوز ذلك الشيء عن ذلك الحد لميكن مصداقاً له فحينئذٍ نقول لو كان تعالي مصداقاً لجميع المفاهيم لزم ان يكون محدوداً بجميع الحدود و النقائص تعالي الله عن ذلك علوّا كبيراً و ما ادّعاه الاستاذ من ان هذا الدليل داۤلٌّ عليه ايضا فهو ممنوع لكن ما ذكره الاستاذ يظهر من تضاعيف كلماته في الاسفٰار كما هو ظاهر للمتتبّع هذا ، اقول : كلامه هذا قد تنبّه له و هو صحيح خلافاً لكلام اُستاذِه ، قال : فان قلتَ ناقضاً علي هذا الدليل لو تم هذا للزم ان يكون كلّ من الماهيات البسيطة كلَّ الاشياۤء بعين هذا قلتُ هذا الدليل لايجري فيها لما يمكن ان يمنع الملازمة ح مستنِداً بانه لو لميُجَوِّزْ بان تكون الماهيّة البسيطة مصداقاً لامرٍ و قد لاتكون مصداقاً لسببِ امرٍ آخر و لا لايجابه فان ارتفاع النقيضين عن المرتبة جاۤئز ، اقول : نعم يلزم بمقتضي دليله ذلك في الماهيات البسيطة و امّا جواز كونها مصداقاً لامرٍ في بعض الاحوال فانما هو في حال تقييدها ببعض العوارض الذهنية بنسبة تقييد ما صدق عليها و الّا لماجاز كونها غير مصداقٍ لسلب امر آخر و [ص 514] لا لايجابه لانّ فرض الصدق في الثاني في حال فرض الصدق في الاول يلزم منه اجتماع النّقيضَيْنِ و هو غير جاۤئزٍ و في غير حال فرض الصدق في الاول يلزم تركيبها في الاول بشيء من الضماۤئم و هذا انشاۤء الله تعالي ظاهر ، قال : و لايمكن اَنْ يقال مثل هذا في الوجود ، اقول : نفي امكان ذلك في الوجود منفي كما سنذكره ، قال : و توضيحه انّ الماهيات البسيطة من حيث انها بسيطة في ظرف العقل اي في ظرف ملاحظة العقل ايّاهَا من حيث نفسها بلا ملاحظة شيء اخر معها حتي ملاحظة هذه الملاحظة و انّها نحو من وجودها و في ذلك الظرف يمكن ان يقال ليست مصداقاً لامر آخر و لا لسلبه لما قالوا من جواز ارتفاع النقيضين ح و انما قلنا انها من حيث البساطة في تلك الظرف لكونها في غير ذلك مركبة و امّا الوجود فلايحصل في الذهن حتي يمكن اجراۤء ذلك فيه ايضاً و في الخارج و مع قطع النظر عن ملاحظة العقل يتم فيه اِذ ارتفاع النقيضين في مرتبة الواقع جاۤئز لا في الواقع و ارتفاع النقيضين في مرتبة الواقع ليس ارْتفاع النقيضين في الواقع ، اقول : يريد ان المانع من كون الماهيات البسيطة كل الاشياۤء اختلاف حالتيها بسبب اختلاف ملاحظة العقل فقد يلحظها العقل مع ضميمة اَمْرٍ آخر فتكون مركّبة قد يلاحظُها العقل مُعرّاةً عن جميع مَا سوي هويّتها حَتَّي عَنْ مُلاحظة كونها ملاحظة و عن ملاحظةِ الملاحظةِ لانّها نحو من انحاۤءِ وجودِها و في هذه الحال لايمكن ان تكون مصداقاً لاَمْرٍ آخَر اَوْ لِسَلْبِهِ فَاِنّ كونها مصْدَاقاً غير هويّتها فتجرّد عنه و لايضرّ ارْتفاع النَّقٖيضَيْنِ ح ، و امّا الوجود فلايحصل في الذهن كما تحصل الماهية فيه لانها قد يحصل فيه ما يحصل منها في الخارج بعينه مجرّدا عن العوارض الخارجية و الوجود لايحصل في الذّهن [ص 515] الا الانتزاعي العارضي و قد ذكر المصنف هذا فيما قبل و نحن اشرنا الي ردّه لانا لانسلم انه لايحصل في الذهن و اي فرق بَيْنَهُ و بينها علي انّه اِذَا خَلا منه الذهن كان محصوراً محدوداً بل الاَولي ان يقال بامتناع حصول حقيقة الشَّيْء مِن حيْثُ هُوَ في الذهن و انما يحصل فيه مثاله و شبَحُه الانتزاعي كما هو الحق و ح لا فرق بين الوجود و الماهيّة و اوْلَي لو جاز وجود حقيقة الشيء و ماهيّته في الذهن اَنْ توجد حقيقة الشيء و وجوده في الذهن لِئلّايكون محصوراً بخلافِ الماهية اِذْ لٰا مانِع من محصوريّتها علي ما يذهبون اليه عَلَي اَنَّ دليلهم علي كون البسيط كلّ الاشياۤء لَوْ اراد تمشيته في الماهيات البسيطة انما هو في حال بساطتها و لايمنع ذلك وجود حالةٍ لها لَاتقتضي البَسَاطة كما قلنا ، و الحاصل لو صَحّ دليلهم عندنا في الوجود صحّ عندنا في الماهية علي نحو ما قرّرنا في بيان قوله عليه السلام مَن عرف نفسه فقد عَرف ربّه ، من انّ ( من . خل ) عرف نفسه بعد القاۤء كل ما هو لذاته ليس هي لذاتها فانه حينئذ هو معني قوله عليه السلام كشف سبُحات الجلال من غير اشارة ، فيكون الباقي بعد الكشف للسبحات و للاشارة انموذجاً فَهْوانيّاً و شبَحاً وصفيّاً ليس كمثله شيء فمن عرفه فقد عرف ربّه لان الشيء لايعرف الّا بوصفه و ذلك هو وصفه تعالي الذي خاطب عبدَهُ مكافحةً و الي هذا الاشارة بقوله عليه السلام لاتحيط به الاوهامُ بَلْ تَجلّي لَها بها و بها امتنع منها وَ اِلَيْها حَاكَمهَا ه ، فاذا كانت بعد كشفِ سبحاتها من غير اشارة هي وصف اللّهِ تعالي نفسه لعبده وجب ان يكون ذلك الوصف ليس كمثله شيء و لو كان شيء من الاشياۤء مثله لكان يعرف به الله سبحانه و هو سبحانه لميعرف بشيء من خلقه مثلا لو كان ذلك الوصف مثله البياض و الحال انّ اللّه سبحانه قد وصف نفسه به لعبده لعُرِف اللّٰه بالبَياض تعالي اللّه عن مشابهةِ شيء من خلقه علوا كبيراً و قد اطلتُ [ص 516] الكلام في هذا المقام مع هؤلاۤء لمَسٖيسِ الحاجة اليه في هذا الزمان و ان كان العاقل تكفيه الاشارة و الجاهل لاينتفع بالف عبارة .