و قوله « و لا صورة له » هذا حق و لايقال له صورة بهذه العبارة ليناولها الهندسة و الحدود التي هي صفات الحوادث و قال بعضهم انّ له صورة ليست كصور الاشياۤء و هي كينونَتُهُ اي قيامه بذاته و المعني صحيح و اللفظ باطل و قال بعضهم صورته صورة العالم و قال اخرون خلق العالم علي صورته و اخرون خلق ادم علي صورته و هي اكرم الصور و هي الصورة الانسانية حتي قال هؤلاۤء انه في صورة شاب امرد قطط الشعر كما في الحديث الذي رووه و اللفظ كله باطل ، و امّا قول مَن قال ان صورته صورة العالم تعالي اللّه فقالوا لانه روح عقل الكل و عقل الكل روح العالم و الظاهر صورة الباطن و مَن قال خلق ادم علي صورته فانه يقول انه تعالي مؤثر للعالم و العالم اثره و الاثر يشبه صفة المؤثر و كذبوا جميعاً فانه تعالي خلو من [ص 446] خلقه و خلقه خلو منه كما قال عليه السلام و الّا لكانَ حاۤلّا او محلّاً و كذا قول الاخرين فانه سبحانه ليس فاعلاً للعالم بذاته اذ ذاته ليسَتْ فعلاً و الّا لكانت صفة لموصوف و انما فعل العالم بفعله فالعالم اثر فعله و معلوم انّ الاثر يشابه صفة المؤثر كما ان الكتابة تشابه حركة يد الكاتب لا ذاته لان الكتابة اثر لحركة اليد و مَن قال خلق ادم علي صورته كما هو في الحديث النبوي (ص) فان العلماۤء وجّهوه بانّ الضمير في صورته يعود الي ادم يعني ان الله سبحانه خلقه علي ما هو عليه و بعضهم وجّهه بان معناه ان الله تعالي خلق ادم آية تدلّ عليه كما قال تعالي سنريهم اياتنا في الافاق و في انفسهم ، و روي عن الصادق عليه السلام في هذا الحديث ما معناه انهم حذفوا اوّل الحديث و ذلك ان رسول الله صلي اللّه عليه و اله سمع رجلا يقول لاخر قبّحك اللّه و قبّح كلّ من يشبه صورتك فقال صلي الله عليه و اله لاتقل هكذا فانّ اللّه خلق ادم علي صورته اي علي صورة هذا الرجل و الحاصل ان الصورة لايصح اطلاقها علي اللهِ تعالي و ان اريد منها معني صحيح و يجوز ان يكون المصنّف اراد ان اللّه سبحانه لا صورة له لان الصورة تلزم الماۤدة و هما علّة التركيب و يدل علي هذا قوله « كما لا فاعل له » يعني انّه لو كان له صورة لكان معلولا معمولاً ،

و اشار المصنف بقوله « بل هو صورة ذاته » الي ان ذاته هي نفس صورته بلا تغاير بينهما بحالٍ و الي انه مصور كل شيء فلايجري عليه ما هو اجراه لان ذاته كمال ذاته فليس ذاته شيئا غير ذاته لان ذاته بالفعل من جميع الوجوه فلا امكان فيها و ما لا امكان فيه لا صورة له لان الصورة استكمال لذي الصّورة فلا معرِّف له اذِ التّعْرٖيف متوقِّفٌ عَلي الفصل الذي هو الصورة كما ذكرنا سابقاً و لا كَاشِفَ له الّٰا هُوَ لانّه لو كان له حد لتوقّف الكشف له علي الجنس و الفصل و يكون مركبا منهما و الكل مسبوق باجزاۤئه و امتناع ذلك عليه دليل علي انه سبحانه انّما تعرّف لعباده بهم و يريد المصنف بقوله [ص 447] « و لا كاشف له الّا هو » التلويح الي قول اميرالمؤمنين عليه السلام : يا مَن دلّ علي ذاته بذاته ، و هذا المعني هو المعروف عندهم كما هو ظاهره و عندنا هذا لايصح و انّما يراد من قولنا لا كاشف له الّا هو انه تعالي انّما يعرف به و لايعرف به الّا بما تعرف به لعباده و ماتعرّف لهم الا بهم بان نقَشهم كما تعرّف لهم به و ذلك لانّه لما اراد اَنْ يعرفه عبده خلقه اُنموذجاً فهوانيّاً بان صوّره بصورة معرفته و معني الانموذج معرّب نمونه اي مختصراً من صفة معالمه و مقاماته التي لا تعطيل لها في كل مكان يعرفه بها مَن عرفه و معني الفَهْواني خطاب الله سبحانه لعبده في سلوكه اليه بطريق المكافحة اي بطريق كشف الغطاۤء عنه و جذبه اليه و مُشَافَهتُه به فيكون هذا النقش الانموذجي هو حقيقة عبده من ربّه يعني ان وجوده الذي هو نور الله سبحانه و اثره آيةُ معرفتِه و صفة ظهورِه به له و هي صفة استدلال عليه لا صفة تكشف له كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام فمعني قوله عليه السلم : يا مَن دل علي ذاته بذاته ، يراد منه وجوهاً ( وجوه . خ‌ل ) احدها ان المراد بالذات الدَّاۤلّة هي النفس الملكوتية الالهية و هي نفوس محمد و اله صلي الله عليه و اله كما في حديث الاعرابي عن اميرالمؤمنين عليه السلام في قوله اصلها العقل منه بدئت و عنه وعَت و اليه دلّت و اشارت و عودها اليه اذا كملت و شابهته و منها بدئت الموجودات و اليها تعود بالكمال فهي ذات الله العليا و شجرة طوبي و سدرة المنتهي و جنّة المأوَي مَن عرفها لم‌يَشقَ و مَن جهلها ضلّ سعيه و غوي الحديث ، و الذات المدلول عليها هي مقاماته كما في دعاۤء شهر رجب للحجة عليه السلام في قوله فجعلتَهُمْ مَعادنَ لكلماتك و اركاناً لتوحيدك و آياتك و علاماتك و مقاماتك التي لا تعطيل لها في كل مكانٍ يعرفُكَ بها مَن عرفك لا فرق بينك و بينها الّا انهم عبادك و خلقك فتقها و رتقها بيدك بدؤها منك و عودها اليك اعضاد و اشهاد و مُناةٌ و اذوادٌ و حفظةٌ و رُوَّاد فبهم ملأتَ سماۤءك و ارضَك حتي [ص 448] ظهر الّا اله الا انت الدعاء ، فهذه العلامات و المقامات هي الذات المدلول عليها و المراد بها الوجه المسمي في اصطلاحهم بالعنوان و هو بمنزلة قاۤئم بالنسبة الي زيد لانه اسم فاعل القيام لا اسم زيد لذاته فافهم ، و سمي سبحانه ذاتهم عليهم السلام ذاته و نسبها اليه تشريفاً لها كما سمي روحهم روحه في قوله تعالي و نفختُ فيه من روحي و سمّي نفسهم نفسه في قوله تعالي حكاية عن عيسي عليه السلم تعلم ما في نفسي و لااعلم ما في نفسِك ، و ثانيها انّ المراد انه تعالي لم‌يحتج في تعليم خلقه معرفته و ما يراد منهم الي شيء غيره تعالي و ثالثها ان المراد انه تعالي دل علي ذاته اي علي معرفة ذاته بذاته اي بوصفِ ذاته فلايعرف بوصفِ غيره و انّما يُعْرَف بوصفه مثل ما رُوي عنهم عليهم السلام اعرفوا اللهَ باللهِ و مثل ان الله تعالي اجلّ مِن اَن يُعرَف بخلقِهٖ بل الخلق يُعْرَفون به و القوم لايريدون من قوله عليه السلم : يا من دل علي ذاته بذاته ، مثل هذه المعاني التي اردنا منه و انما يريدون انه تعالي دلّ بذاته البحت الخالص او المتّصفة بالصفات القديمة علي ذاته البحت القديمة كذلك و هو عند ائمّتِنا عليهم السلام باطل ،

و قوله « و لا برهانَ عليه » يعني غير ذاته لانه دلّ علي ذاته بذاته و نحن نقول انّه تعالي لايدرك من نحو ذاته لغير ذاته و انّما يعرف بما وصفَ به نفسه فلا برهان علي ذاته الّا بما دلّت اثار فعله علي وجوده قيل و المراد به ● البرهان اللّمّي و هو ظاهر اذ لا علة له حتّي يستدلّ بها عليه انتهي ، و هذا يريد ان البرهان المنفي هو اللّمي و هو الاستدلال بالعلة علي المعلول فلمّا لم‌تكن له علّة نفاه و فيه شيئان احدهما ان المصنف قد ذكر البرهان عليه فان لم‌يكن لمّيّاً كان انّيّاً و هو الاستدلال بالمعلول علي العلّة فيلزم ثبوت البرهان الانّي [ص 449] و اللّمّي اشرفُ مِنَ الاِنّي و المصنّف ظاهر كلامه نفي مطلق البرهان لان البرهان يميّز الشيء و المميّز مدرك محاطٌ به فلا برهان له الّا ذاته و ثانيهما انهم انّما استدلّوا عليه بالبرهان اللّمّي و لايريدون به ما اراد صاحب هذا القيل لانهم يريدون به ان في الخارج موجوداً قطعاً و هذه القضيّة هي العلّة و انّ بعض ذلك الموجود واجب الوجود و هذه هي المعلول لتوقّفها علي الاولي فيستدلّون علي ثبوت الواجب بثبوت الموجود المطلق فحالة الاطلاق علّة لحالة التقييد و التخصيص و قد اشرنا سابقاً الي هذا و هذا المعني غير معني ما اراد صاحب القيل من البرهان اللّمّي و لو ارادوا ما اراد لَمااستدلّوا باللّمي في اثبات واجب الوجود حتي انهم يجعلون ذلك طريق العارفين و المحققين و الانّي طريق العوام و الجهّال ،

و قوله « فشهد ذاته علي ذاته و علي وحدانية ذاته » قيل : لعلّ مراده بهذا الاشارة الي ظهوره بذاته بلا واسطةِ امرٍ و شهادته علي وحدانيته اشارة الي كون ذاته المقدسة بحيث اذا لاحظها العقل لو امكن يحكم بامتناع ان يكون لها شريك فذاته تدلّ علي الوحدة اذ صرف الشيء لايمكن التعدّد فيه و اليه اشار صاحب التلويحات بقوله صرف الوجود الذي لا اتم منه كلّما فرضته ثانياً فاذا نظرت فهو هو اذ لا مميّز في صرف الشيء فوجوب وجوده الذي هو ذاته يدلّ علي وحدته انتهي ، فقول هذا القائل اشارة الي ظهوره بذاته مثل قول المصنف قبل هذا بان تخصيص الوجود الواجب بالواجبية نفس حقيقته المقدسة الي ان قال : و اما تخصيصه بمراتبه و منازله في التقدم و التأخر و الغني و الحاجة و الشدّة و الضعف فبمَا فيه من شؤنه الذاتية و حيثياته الغيْبيّة ( العينية . خ‌ل ) بحسب حقيقته البسيطة ه‍ ، و قد تقدم الكلام علي قول المصنف و القول علَي هذا كذلك لاَنّ ظاهره انّ ظهوره بذاته و هذا باطل لانّه اذا كان بذاته كَانَ [ص 450] لِذَاتِهٖ حالتانِ وَ ما كَانَ كذلك فهُوَ حادِثٌ لانه اذا ظهر بذاته بلا واسطة فان كان الظهور قديماً لزم عدم وجود البطون و كان محصوراً في الظهور و ان كان حادثا اختلفت حالتاه و قوله : فذاته تدل علي الوحدة اِذْ صرفُ الشيء لايمكن التعدد فيه ، نقول عليه انّ صرف الشيء لا مدخل له في نوع هذا التوحيد لان المراد انه لا شيء غيره لا انه لبساطته يكون كل شيء حتي لايوجد غيره لانا لانثبت في الازل شيئا اخر ( غيره . خ‌ل ) ليكون ببساطته مستهلكا فيه فقول صاحب التلويحات : كلّما فرضته ثانيا الخ ، ليس بشيء اذ الفرض من احكام الممكنات لايصحّ استعماله في الازل فتوهّم التعدّد بالفرض و الاتّحاد امور ممكنة نعم هذه الامور التي يشير اليها تصلح في بادي الرأي للعنوانات لا للذّاتِ البحتِ و يأتي في كلام المصنف بعد هذا .

قال : « . . . ( الثالث . خ‌ل ) في توحيده لمّا كان الواجب منتهي سلسلة الحاجات و التعلقات و هو غاية كل شيء و تمام كل حقيقة فليس وجوده متوقّفا علي شيء و لا متعلّقاً بشيء كما مرّ فيكون بسيط الحقيقة من كل جهة فذاته واجب الوجود من جميع الجهات كما انه واجب الوجود بالذات و ليست فيه جهة امكانية و لا امتناعيّة و الّا لزم التركيب المستدعي للامكان و هو ممتنع فيه تعالي » .

اقول : يريد الاستدلال علي توحيده من دليل الحكمة يعني ان صورة نظم مقدماته من نمط دليل الحكمة و انما قلتُ فيما سبق انهم لايعرفون الّا دليل المجادلة بالتي هي احسن ليس لانّهم لايهتدون الي نمط نوعه لانه لازم للطباع ( للطبايع . خ‌ل ) بل لانّهم يرجعون الي قواعدهم مع عدم تحصيلِ اُصولها عن اهلها و مجرّد قبولها لايؤدّي الي الصواب بل لعلّه يؤدّي الي الخَطأ فاذا وجدوا قاعدة عن احدهم جعلوها معياراً حتّي انّه يترك ما يعرفه عقله لاجل القاعدة و يتكلّفون صرف ما فهمته عقولهم علي القاعدة و هذا مما ذكرنا فقال « لمّا كان الواجب [ص 451] تعالي منتهَي سلسلة الحاجات و التعلقات » بمعني ان كلّ ما ليس هو الواجب محتاج الي الواجب و الواجب لايكون ازيد من واحد لانه لو كان اثنين اوْ ازيد فنقول امّا ان يكونا محتاجين او مستغنيين او يحتاج احدهما الي الاخر فان كانَا محتاجين كان الواجب غيرهما و ان كان احدهما محتاجا الي الاخر كان المحتاج محدَثاً ممكِناً و ان كانا مستغنيين لزم كونهما محتاجَيْن بيان الملازمة انّك اذا فرضتَ غناهما تساوَيا فكل واحدٍ منهما ايّما اكمل في حقّه كون الاخر محتاجاً اليه ام مستغنياً عنه و لا ريبَ ان كون احدِهِما محتاجاً الي الاخر اكمل في حق الاخر من عدم الاحتياج اليه فاذا لم‌يحتج الاخر اليه كان فاقداً لكمالٍ فيكون ناقصاً فقد بَطل تساويهما في الاحتياج و الغني و هو قول المصنف منتهي سلسلة الحاجات و التعلقات كلها ،

و قوله « و هو غاية كل شيء و تمام كلّ حقيقة » حمله علي المجاز اصح و لو حمل علي الحقيقة بطل المعني لان ذاته تعالي لاتكون غايةً لشيء سواها الّا علي معني قوله عليه السلام : كلهم صاۤئرون الي حكمك و امورهم ٰاۤئلةٌ الي امرِكَ ، و كذلك كونه سبحانه تمام كل حقيقة و لذا قال تعالي انكاراً علي مَن ادّعي المناسبة بينه و بين خلقه و جعلوا بينه و بَيْنَ الجِنّةِ نسباً و لقد علِمتِ الجِنَّةُ انّهم لمحضرون و قال الرضا عليه السلم كنهه تفريق بينه و بين خلقه و غيُورُهُ تحديدٌ لما سواه ، لان الممكن لو انتهي الي شيء وجب ان يكون ذلك الشيء ممكنا لما بينهما من الاقتران الممتنع من الازل لانه يلزم منه اما الاجتماع او الافْتراق و الكل من صفات الخلق و من هنا قال سيد الوصيين عليه السلام انتهي المخلوق الي مثله و اَلْجَأه ٱلطَّلَبُ الَي شكلِهٖ ،

و قوله « فليس وجوده متوقِّفاً علي شيءٍ و متعلّقاً بشيءٍ » هذا حق لا مريةَ فيه ،

و قوله « فيكون بسيط الحقيقة من كلّ جهة » اذ لو كان مركبا لكان متوقّفا علي [ص 452] جزءيه و متعلقاً بشيءٍ فيكون مفتقراً اليه هف ،

و قوله « فذاته واجب الوجود من كل الجهات » يعني انّ كل ما لذاته من حيوة و علم و قدرة و سمع و بصر و ادراك و كمال و غني و غير ذلك من جميع ما ذاتي له باعتبار مفهوم العبارة عنه فهو واجب الحصول لذاته لانه عين ذاته المقدسة و لذا قال « كما انه واجب الوجود بالذات » يعني انّ كلّ واحدٍ من هذه الامور الذاتية واجب بذاته كما انّ ذاته واجب الوجود بذاتها ،

ثم بيّن قوله « من كلّ الجهات » بقوله « و ليْسَتْ فيه جهة امكانيّة » اي لاتجب بذاتها و انّما تجب بشيء آخَر اوْ انّما وجودها عَلَي جهة الجواز بل كلّ شيءٍ منها يجب بذاته اذْ اَحَدُهَا عبارة عَنْ كلِّها و بقوله « و لا امتناعِيّة » بان تكون ممتنعة ٱلوجود فلاتكون لها حقيقة الّا في اللّفظِ بل لا صفة له عز و جلّ الّا ما هي ذاته الوَاجبة الوجود بذاتها و كلّ هذه معانٍ صحيحة في نفسها بما وضع الواضع من اللّفظ الدّاۤلّ علَي معانيها لا ما يريد المتكلّم بها فانه قد يريد منها معانٍ باطلة كما اعتقد في علمه تعالي الذي هو ذاته انّ صور الاشياۤء المعلومات فيه لانها لو ثبت ذلك لكانَتْ وَاجبة الوجود بذاتها لانها لايجوز ان تكون واجبة بغيرها او غير واجبة فانها لو كانت كذلك لماجاز ان يكون علمه تعالي الذي هو ذاته محلّاً لها لانّها ح حادثةٌ و لَخَلا علمه عنها في حالٍ مَا فلا بد ان تكون واجبةً بذاتها فلو اعتقد هذا كما هو ظاهر كثير منهم كالمصنف من بعض اقواله و اراداته و صهره الملا محسن و غيرهما فانه يدخل هذه الصور العلمية في المراد من قوله و ليست فيه جهة امكانية و لا امتناعية ، و هذا باطل فاسد لانّها غيره و الّا لماقالوا في علمه الذي هو ذاته و قولهم انها حاصلة له حصولا جمعيّا لايلزم منه تعدّد و لا تكثّر و لا تغاير وسوسة و اِلْحادٌ فقولي معانٍ صحيحة في نفسها بما وضع الواضع من اللّفظ الدّاۤلّ علَي معانيها احتراز عن دعوي ادخال مثل هذه في الحكم بالصحة فافهم ،

و قوله « و الا لزم التركيب [ص 453] المستدعي للامكان و هو ممتنع فيه تعالي » يعني به انه لو كان في شيء من ذاتياته جهة امكانية لكان مركّبا من الواجب و الممكن و هو اي التركيب مقتضٍ للامكان الممتنع فيه اي في حقه تعالي و هذا صحيح علي نحو ما مرّ احترازاً من ادِّعاۤء دخول الحوادث فيه بدعوي وجوبها و عدم امكانِها كما قلنا في صور المعلومات و حقاۤئق الاشياۤء و وجوداتها و كمالاتها التي يُسَمُّونها بالشؤن الذّاتيّة فانها عندهم في ذاته بنحو اشرف بحيث لايحصل عنها شيء من المفاسد من التعدد و التركيب و غيرهما فان مثل هذا باطل و قولهم في هذا و نحوه بحيث لايحصل عنه مفسدة اَمَاني باطلة فانه اذا اثبت المفسد و قال بحيث لايحصل عنه فساد يكون من الاماني فيقال لهم ليس بامانيّكم و لا اماني اهل الكتاب فانك اذا ضممتَ شيئا الي شيء و نظمته منه علي حقيقة التركيب و قلتَ علي وجه لايكون منه التركيب يكون منه التّركيب و ان لم‌ترده و لم‌ترضَ به .

قال : « فاذا تقرر هذا فنقول لو فرضنا في الوجود واجبين فيكون ما فرض ثانيا منفصل الذات عن الواجب تعالي لاستحالة ان تكون بين الواجبين علاقة ذاتية و الّا لزم معلولية احدهما او كليهما و هو خلاف الفرض فلكلٍ منهما مرتبة من الكمال الوجودي ليس للاخر و لا مترشحا منه فاۤئضاً مِن عنده فيكون كل منهما عادماً لكمال وجودي و فاقداً لمرتبةٍ وجوديّة فلم‌تكن ذات الواجب محض الحيثية الفعلية و وجوبِ الوجود بل مؤلّفا من جهتين و مصداقاً لوجود شيء و فقدِ شيء آخر كليهما من طبيعة الوجود بما هو وجود و مناطاً لوجوبِ نحو من الوجود و امكان نحوٍ اخر منه او امتناعه فلم‌يكن واجب الوجود من كل جهة و قد ثبت ان ما هو واجب الوجود بالذات يجب ان يكون واجب الوجود من جميع الجهات هف » .

اقول : قوله « لو فرضنا في الوجود واجبين » قد قلنا قبل هذا انه لايجوز [ص 454] مطلق الفرض في الواجب لان الفرض من صقع الممكنات فكيف قال لو فرضنا واجبين فنقول الامر كما قلنا سابقاً و كلامه هنا ان كان اراد جوازه في رتبة الازل فهو باطل و امّا ما قال الله سبحانه في كتابه في مواضع كثيرة بنحو هذا الفرض مثل قوله لو كان فيهما الهة الّا الله لفسدتا و قوله تعالي اذاً لذهب كل الهٍ بما خلق و لعلي بعضهم علي بعض ، قل اِنْ كان للرحمن ولدٌ و امثال ذلك في الكتاب و السنة كثير فليس المراد به الفرض في رتبة الازل بل في رتبة الخطاب بالنسبة الي الاوهام و ما يتوارد عليها من الشكوك و التجويزات الباطلة النّاشية من تشبيه الخالق تعالي بالخلق فجري الخطاب علي ما يعْرفُونَ فان لحظ المصنف هذا المعني ففرضه صحيح و الّا فلا ،

و قوله « فيكون ما فرض ثانيا منفصل الذات عن الواجب » لانه ان كان متميزاً حصل الانفصال و الّا لم‌تتحقق الاثنينيّةُ و لقوله « لاستحالة ان يكون بين الواجبين علاقة ذاتية » لانّها لو فرضت لكانت غيرهما و لزم التسلسل بان يكون بين واجب و بين العلاقة علاقة غيرهما و كذا بين كل علاقتين و لزم اذا كانت ذاتية كما هو المفروض اي لزوميّة اَن يكون احدهما معلولاً للاخر او هما معلولَيْنِ لثالثٍ كما هو مذكور في محلّه و اعلم ان المصنّف ذكر الذاتية امّا لان غيرها لايفرض في الاَزل او لان فرضها يلزم منه المحذور بالطريق الاَولي اما لكونها حادثة فوجود المحذور من التركب منه و الحاجة اليه اشنع او لتركبه منه و من كونه مسبوقاً بضده من نوعه و هو التباين الذي هو عدم العلاقة ،

و قوله « و هو خلاف الفرض » يعني ان الفرض كونهما واجبين ،

و قوله « فلكل منهما مرتبة من الكمال الوجودي ليس للاخر و لا مترشحا منه فاۤئضا من عنده » و فرّع بالفاۤء علي فرض الاثنينية و لايرد عليه تحقّق الفرق بكون واحد منهما جامعاً لجميع مراتب الكمال كما يقتضيه الوجوب [ص 455] ( الواجب . خ‌ل ) الحق فلايصح التفريع لانّ فرض التعدد مناف لكون احدهما كذلك لان كون احدهما كذلك لايعقل الا مع الوحدة اذ لو فرض كونه جامعا لجميع مراتب الكمال و فرض ان الاخر لم‌تكن عنده زيادة علي الكامل اي شيء لم‌يكن عند الكامل كان هو الكامل او جزءا منه فان كان هو الكامل فهو واحد لا اثنان و ان كان جزءاً منه كان فرضك جامعية كماله غير صحيح فالتفريع صحيح فاذا فرض كلّ واحد له رتبة كمال لم‌تحصل للاخر و لاتنسب له كان كل منهما فاقداً لكمالٍ موجودٍ عند الاخر و ح لم‌يكن ما لذات الواجب بالفعل بل امّا ان تكون منتظرة لما فقدته فلم‌يكن لها الّا بالقوة و الاستعداد او مركبة مما وجدت و مما فقدت و هو قوله « فيكون كل منهما عادماً لكمالٍ وجوديّ و فاقداً لمرتبةٍ وجوديّة فلم‌تكن ذات الواجب محض حيثية الفعلية » اي كل ما هو الوجوب بالفعل لا شيء منه بالفعل و شيء منه بالقوّة « و وجوب الوجود » اي ما هو واجب في الواجب واجب « بل مؤلّفاً من جهتين » اي بل يكون مؤلّفاً من جهتين وجدان و فقدان او وجوب و امكان « و مصداقاً لوجود شيء و فقد شيء آخر » اي يكون الواجب بنفسه مصداقاً لموجودٍ و هو ما عنده و مفقودٍ و هو ما عند الاخر و الموجود الذي عنده و المفقود الذي وجد عند الاخر « كلاهما من طبيعة الوجود » اي كلاهما هو الوجود الواجب « و امكان نحوٍ آخر منه او امتناعه » ، و يجوز ان يكون « و امكان نحوٍ اخر منه او امتناعه » عطفا علي « لوجودِ شيء » اي يكون مصداقاً لامكان شيء نحو منه بالامكان العام و هو الموجود او مصداقا للممتنع علي نحو الترديد بان يصدق عليه بعض الوجود او بعض المفقود و هو ما عند الاخر و ان يكون عطفا عَلَي « مِنْ طبيعةِ الوجودِ » اي كليهما من طبيعة ما امكن له منه و هو ما عنده او ما امتنع منه و هو ما عند الاخر و كل ذلك منافٍ للوجوب اذ مقتضاه الوحدة المطلقة و هذا [ص 456] الدليل الذي ذكره هو ما ذكره الحكماۤء الا انه غيّر العبارة و هو قولهم : لو كان اثنين واجبين لزم تركيب كل منهما مما به الاشتراك و هو الازليّة و مما به الامتياز و هو ما به تحقق الاثنينية و المركب حادث ، و ظاهر عبارات المصنف ان هذا الدليل غير ما ذكروه و ليس كذلك و لو سلّم انه مغيّر الترتيب و الالفاظ فانه من هناك اَخَذَ و الي قولهم يؤُل لانه قال في الكتاب الكبير : هذا الدليل يتكفل لدفع ما تشوشَتْ به طباع الاكثرين و تبلّدت اذهانهم مما ينسب الي ابن كَمّونة و لايرد عليه اصلاً و هو انه لمَ لايجوز ان تكون هناك هويّتانِ بسيطتان مجهولتا الكنه مختلفتان بتمام الحقيقة يكون كلّ منهما واجب الوجود لذاته و يكون مفهوم الوجود منتزعا منهما مقولاً عليهما قولا عرضيا فيكون الاشتراك بينهما في هذا المعني العرضي المنتزع عن نفس ذات كلٍّ منهما و الافتراق تعرف حقيقة كلٍ منهما انتهي ، قيل هذا هو تقرير الشبهة فتفطّن و هذه شبهة عَوٖيصةٌ و عُقدةٌ عسرة منسوبة الي ابن كمّونة و لكن ليست منه لما قال المصنف في كتابه الكبير من اَنّي قد وجدتُ هذه الشبهةَ في كلام غيره ممّن تقدّمه و لكن الباعث علي اشتهارِها هو ابن كَمُّونة و لذا نسبت اليه و سنشير الي دفعها بوجهٍ آخر انشاۤء الله فانتظر ، انتهي .

اقول هذه الشبهة ليست عويصة لانها باطلة و الباطل لايعسر ردّه و بيان بطلانه نعم اذا وردت علي من لم‌يكن عارفاً باللهِ سبحانه بالدليل العياني دليل الحكمة قد تشتبه عليه العبارات و ترتيب القضايا و اصل الاشتباه خلط المفهوم و المعني و المدلول و المصداق بعضها ببعض في الحمل و كذا في الحمل الشائع المتعارف و الحمل الاولي فلاجل ذلك يحصل الاشتباه و تعظم الشبه ( الشبهة . خ‌ل ) و بيان شبهة ابن كمّونة ان نقول قوله لم لايجوز ان يكون هناك يعني في الازل هويّتان بسيطتان لايجوز ذلك لانّ الازل معناه ذات بحت و الواحد [ص 457] من حيث هو واحد لايكون اثنين لان المفروض ان يكون للازل كمال مطلق و اذا فرض التعدد قلنا الكمال المطلق يحصل لمن يكون الاخر محتاجاً اليه او يحصل لمن يكون الاخر مستغنياً عنه فلا مناص من ان يقال لمن يكون الاخر محتاجاً اليه لان كون الاخر محتاجاً اليه اكمل في حقِهٖ من كون الاخر مستغنيا عنه فلو فرض الاستغناۤء عنه من غيره لم‌يكن كاملا مطلقا فليس هو الازل بل هو حادث و ايضا قد ثبت ان الازل ليس ظرفا يحلّ فيه الواجب ليجوز ان يكون محلّا لغيره كما كان له و الّا لتعدّدت القدماۤء فتتوجّه اليه ادلّة التوحيد كغيره من المفروضات القديمة و انّما هو نفس الذات البحت و ليس الذات شيئاً غيره و ما كان خارجا عن الذات فهو في الامكان اذ ليس غير الازل او الامكان و الازل هو الذات فاذا لم‌يكن هو الذات كان في الامكان و ايضا الازل ليس متجزيـٔا بل هو بسيط مطلق فاذا فرض هويتان لا بد ان يلحظهما العقل في الاعتبار بلحاظين و يستحيل ان يكون بلحاظ واحد لمتغايرين فلو كانا في الازل كان كل واحد في جهة غير جهة الاخر فيكون الازل متجزيـٔا و يكونان محصورين و ايضا لايعقل من معرفة الواجب الّا كونه غير محصور و لا مدخل لغيره فيه فاذا فرض اثنان كان كل منهما محصوراً في غير محلّ الاخر او يكون احدهما داخلاً في الاخر نافذا فيه او كلٌّ منْهما نَافِذاً في الاخر داخلاً فيه و الاوّل و الثالث باطلان للزوم الحصر في الاول لكل منهما و حدوث كل منهما في الثالث و امّا الثاني فيثبت به الواجب الحقّ الدّاخِل في كلّ ما سواه و الّا لكان محصوراً وَ الَّذٖي لا مدخل فيه و الّا لم‌يكن صمداً و قوله مجهولتا الكنه ، يريد به تعظيم الشبهة و اغلاق باب المعرفة بهما لئلّايسهل الجواب الّا انه لايتم له ذلك لان قوله بسيطتان و قوله مختلفتان بتمام الحقيقة ، ينافي كونهما مجهولتي الكنه فانّ حكمه بالبساطة عليهما ينفي كونهما مجهولتين [ص 458] مطلقا بل هما معروفتان بالبساطة و كذا بالتّضاۤدّ بان تكون كل واحدة منهما ضدّ الاخري لان الاختلاف و ان كان اعم من التضاۤدّ الّا انّ قوله بتمام الحقيقة مخصّص له فيكون المراد بالاختلاف التّضاۤدّ و علي فرض التّضاۤدّ يمتنع فرض الوجوب لانّ الوجوب لايكون لذاتِهٖ محصوراً في ذاته و لا في فعله و لا في تسلّطه و لا في علمه و لا في قدرته و لا في ملكه و فرض الاختلاف منافٍ لفرض الوجوب لان معناه الكمال ففرض المخالف هو مثل قولك هذا شيء كامل مطلقا ليس بكاملٍ مطلقاً فقوله يكون كلّ منهما واجب الوجود بذاته ، مناقض لما فرض من التعدد و الاختلاف في اصل مفهومه و مدلوله فلايجوز الفرض في نفسه فلاتثبت الشّبهة اصلاً و قوله و يكون مفهوم واجب الوجود منتزعاً منهما مقولا عليهما قولا عرضيا ، يمتنع انتزاع مفهوم واجب الوجود منهما لانّ مفهومه الوحدة البسيطة في جميع الجهَات من الواقع و الذهن و الفرض و التجويز و كل مفهوم غير هذا فهو مفهوم ممكن الوجود و انّما سمّيته بغير اسمه كتسمية الصّنم المنحوت من الخشب بواجب الوجود المعبود بالحق الخالق لِنَاحِتهٖ و هو قوله مقولاً عليهما قولاً عرضيّاً لان هذا المفهوم لم‌يكن منتزعاً من ذاتيهما بل مما عرض لهما و ليس الّا محض التَّسْمِية وَ لَوْ كَانَ المَفْهُوم منتزعاً مِن مَعْنيً ذاتيٍ كان مقولاً عَليْه قولاً ذَاتِيّاً فاذا فرض اَنْ يكون مفهوم الوجوب مقولاً عليهما قوْلاً عرَضيّاً دَلّ علي انه منتزع من تلك الجهة فلايكونان علي هذا الفرض واجبي الوجود و اِلّا لَصدق مفهومه عليهما صدقا ذاتِيّاً و قوله فيكون الاشتراك بينهما في هذا المعني العرضي المنتزع عَنْ نفسِ ذاتِ كلٍّ منهما ، صريح في عدم اشتراكهما في وجوب الوجود الذّاتيّ و انّما اشتركَا في العَرضي و علي هذا بطلت الشبهة اَصْلاً اِذْ لَاتتحقّق اِلَّا بفرض [ص 459] اشتراكِهِمَا في وجوب الوجود و اذا كان اشتراكهما اِنّما هو في العرضي الّذي هو محض التسمية كان كلّ منهما ممكنا اَوْ احَدهِما و الاخر واجب فتبْطل صورة الشبهة علي انّ قوله المنتزع عن نفس ذَاتِ كلٍّ منهما ، يَدُلّ عَلي انّ ذلك المفهوم يُقَال عَلَيْهِما قولاً ذاتيّا و الّا فكيف يُنتزع من ذاتِ كلٍّ منهما و يقال عليهما بالعرض فان قلتَ هو يريد ان الانتزاعي ظلّي عرضي ليس هو نفس الذات و اذا كان كذلك يقال بالْعَرض و هذا ظاهر قلتُ نعم و لكنه يقال علي مبدأ الانتزاع فاِذَا كان المنْتزع صفة الذات كان مقولاً علي تلك الجهة و ان ( اذا . خ‌ل ) كان صفة الهيئة او الفعل كان مقولا علي ذلك ايضا مثلا اذا كان المنتزع من حقيقة زيد كان مقولاً علي جهة الحيوانية و الناطقية منه و ان كان من صفته من بياضٍ و سوادٍ كان مقولاً علي تلك الصفةِ ٱلجسمانية و ان كان من صفة فعله كقيامهٖ و قعودهٖ كان مقولاً علي تلك الصفة الفعلية و بالجملة يكون المنتزع يكون مقولا ( المنتزع مقولاً . خ‌ل ) علي جهة الانتزاع قولا ذاتيّا و لا نريد بالذاتي هنا كما ارادوا بان يكون هذا المنتزع عين المنتزع منه اذ لايكون الّا في نقل حقيقة الشيء معرّيً عن العوارض الخارجيّة و ان كان ظلّا كان مقولا قولا عرضيا بل نريد انه اذا تصوّرتَ قيام زيد كان ذلك المنتزع الذهني الذي هو ظلّ قيام زيد مقولا علي قيام زيد قولا ذاتيا بمعني انه اسمه الصادق عليه حقيقة لا انه ذاته اذ من المعلوم انّ هذه الصورة الذهنية ظل و صورة لقيام زيد انتزعها الذهن منه الّا انه في الحقيقة اسمه الصادق عليه صدقاً ذاتيّا يعني انه اسمه المعين له المطابق اي الداۤل عليه بالمطابقة لانّه موضوع له كما ان الاسم اللفظي كذلك بل هذا اولي فاذا انتزعْتَ مفهوم واجب الوجود من نفس تلك الهويتين كان المعني ان تلك الهويتين كلّ منهما في ذاته واجب الوجود كان ذلك المنتزع داۤلّا عليهما بالمطابقة و لو اريد منه ما ارادوا كان المعني انّه في الواقع ليس كلّ [ص 460] منهما في الفرض واجب الوجود و انّما نقول ذلك باللفظ و علي هذا لاتكون الشبهة شبهة و المفروض كونها شبهة و لذا قال ابن كمّونة في اوّل كلامه : لمَ لايجوز ان تكون هناك الخ ، و لو اراد فرض اللفظ و امكانه لَكان متحققا واقعاً فان الله سبحانه يقول لو كان فيهما الهة الّا اللّه لفسدتا ففرض الالهة في اللفظ و هو لايدلّ علي امتناعه و انّما الجواب يوجّه الي الفرض باعتبار الوقوع لا محض اللفظ و هذا المعني العرضي الذي اشتركا فيه كما في قوله لايقول احد انّه ذاتهما و انما يقال انه اسم لما هو ذاتهما في الفرض في الواقع لتتحقق الشبهة و قد سبق الجواب الكاشف لكلِّ حجابٍ ، و قوله : و الافتراق يعرف حقيقة كلٍّ منهما ، نعم الّا انه يلزم منه التركيب مما به الافتراق و مما به الاجتماع و هذا ظاهر انشاۤء اللّه تعالي .

قال : « فواجب الوجود بالذات يجب ان يكون من فرط الفعلية و كمال التحصّل جامعاً لجميع النشـٔات الوجودية و الاطوار الكونية و الشؤن الكمالية فلا مكافئ له في الوجود و لا مماثل و لا ند و لا ضد و لا شبه بل ذاته من كمال الفِعليّة يجب ان تكون مستند جميع الكمالات و ينبوع كل الخيرات فيكون تامّا و فوق التاۤمّ » .

اقول : قوله « من فرط الفعلية » اي كونه غير منتظر في ذاته لشيء بل لكمال فعليّته التي فوق ما يعقل مما بالفعل بما لايتناهي و لكمال تحصّله و تحقّقه بما هو هو جامعاً لجميع النشـٔات الوجودية لذاته بذاته يعني في ذاته فلايخرج عن ذاته شيء و لايفوته شيء و لايعزب عن علمه الذي هو ذاته شيء فتكون ذاته جامعة لجميع وجودات ما سواه و لجميع اكوان الكائنات و اطوارها و شؤنها الكمالية فهو مبدأ كل شيء الفاۤئض عنه كل شيء و اعلم ان هذه معاني كلمات المصنف و اتباعه و يلزمهم ان يكون كل شيء يخرج [ص 461] من ذاته و يعود اليها فما خرج منه فهي ولادة و من قواعدهم المقرّرة التي هي اسّ اعتقاداتهم و سرّ معارفهم قولهم ان معطي الشيء ليس فاقداً له و عندنا و عند ائمتنا عليهم السلم ان هذه كلها ( كلمات . خ‌ل ) كفر و زندقة فانه سبحانه خلو من خلقه فلايكون محلّا لشيء من المخلوقات و خلقه خلو منه فلايكون في شيء منها قال الرضا عليه السلام : كنهه تفريق بينه و بين خلقه و غيوره تحديد لما سواه ه‍ ، و ذلك لان الوجودات الامكانية و النشـٔات الوجودية و الاطوار الكونية و من الاطوار النطفة و العلقة و المضغة و العظام و كذلك الشؤن الكمالية في جميع المراتب و التنزلات و الظهورات كلها نقاۤئص امكانية محلّ ذكرِها و كونها و عينها اماكنها و اوقاتها الامكانية ليس بينها و بين الازل عز و جل نسبة ما بوجهٍ من الوجوه و اين التراب و ربّ الارباب و الحق في العبارة عن المعني الصحيح ان يقال انه عز و جل لفرط فعليته و كمال تحصّله ان يكون الها فردا صمداً قاۤئما بذاته لاينسب الي شيء و لاينسب اليه شيء و لايدخل في شيء و لايدخله شيء كان في الازل الّذي هو ذاته المقدسة واحدا متوحدا متفرداً ليس معه شيء غيره و هو الأن علي ما كان ثم شقّ بفعل قدرته فعل قدرته و احدث مشيّته بمشيّته لا من شيء غير نفسها حين كوّنها بها و لا اصل لها في غير نفسها تستند اليه غير ما اقامها به من نفسها و ذكرها بنفسها فهي لسان ذكره لها ثمّ اخترع الاشياۤء مواۤدها و صورها لا من شيء الّا بفعله يعني انه تعالي اخترع مواۤدها لا من شيء غيرها و لا لشيء غيرها فاقامها بها و بما خلقها من نفسها من صورها فاخترع النشـٔات الوجودية لا من شيء و ليست مذكورة عنده قبل اختراعها الّا باختراعها فلاتقل انه عالم بها في الازل فيلزمك ان تكون معلوماته في الازل اذ ليس الازل غيره تعالي و الّا لكانت حالّة فيه و لكن قل انه سبحانه عالم في الازل بها في امكنة حدودها و اوقات وجودها فالازل [ص 462] علم بحت لا جهل فيه و ذكر بحت لا غفلة فيه و المعلوم و المذكور معلوم و مذكور بما هو موجود فاخترع النشـٔات الوجودية و الاطوار الكونية و الشؤن الكمالية كلها بفعله لا من شيء و اقامها بذواتها و قوابلها و كل ذلك في الامكان كل في مكان وجوده و وقت حدوده فهذه هي القدرة التي لا نهاية لها و لا غاية حيث شَيّأَ الاشياۤء بمشيته لا من شيء و عيّن الاعيان بارادته لا من عين حتي كانت الاشياۤء بمشيته اشياۤء و الاعيان بارادته اعياناً قل الله خالق كل شيء و هو الواحد القهّار و قد قال الرضا عليه السلام : قد علم اولوا الالباب ان الاستدلال علي ما هنالك لايُعلم الّا بما هٰهنا ، و انت تفكّر في هذه الاصوات التي احدثتها باسبابها التي هي الهواۤء و الٰات الكلام من اللهات و الاسنان و اللسان و ليس في شيء من هذه الاسباب صوت فمن اين جاۤء الصوت و لو كان خلقها من حقاۤئقها التي في ذاته لَماكان يوصف بالقدرة الكاملة بلا نهاية و لا غاية و لكانت تلك الحقاۤئق اشياۤء مغايرة له في ذاته و غير مخلوقة له و لماصحّ قول المصنّف علي الحقيقة « فلا مكافئ له في الوجود » اي معادل و مساوٍ مأخوذ من قوله تعالي و لم‌يكن له كفؤا احد ، و هذا توحيد الذات ، و لا مماثل و لا ند و لا ضد و الند علي اشهر التفسيرين المشارك في الصفات الذاتية و كذا المثل كما قال تعالي ليس كمثله شيء ، و الضد هو المقابل في الصفات الذاتية و قد يستعمل في المقابل في الافعال و قيل بتعاكُسِ معني الضد و الند و هذا توحيد الصفات ، و لا شبه له و هو المشارك في الصفات الفعلية او مطلقا و من ذلك قوله تعالي هذا خلق الله فاروني ماذا خلق الذين من دونه و قوله تعالي قل الله خالق كل شيء ، و هذا توحيد الافعال ، و الرابع من مراتب التوحيد توحيد العبادة و لايشرك بعبادة ربه احداً ،

و قوله « بل ذاته من كمال الفعلية يجب ان تكون مستنَد جميع الكمالات و ينبوع كل الخيرات » فيه ما تقدم لانّه هو مراد المصنف فذرهم و ما يفترون ،

[ص 463] و قوله « فيكون تاۤمّا و فوق التاۤمّ » قال فيه الملّا احمد المذكور في تعليقاته علي هذا الكتاب : اما كونه تاۤمّاً فلانّه جامعٌ لجميع مراتب الوجود و لاتكون مرتبة من مراتب الوجود لاتكون له و لم‌يكن مشتَمِلاً عليها بل هو محض الوجود و صرف النّوريّة و اما انه فوق التمام فلان جميع الموجودات التي سواه حاصلةٌ من وجوده فاۤئضة عن ذاته فهو الكلّ فوق الكلّ انتهي ، و كلامه هذا مثل ما ذكره المصنف و اتْباعه القاۤئلون بوحدة الوجود و قدْ تقدم بيان بطلانه مثل ان قوله : و لاتكون مرتبة من مراتب الوجود لاتكونُ لَهُ و لم‌تَكُنْ مشتمِلاً عليها ، يلزم مِنه اشتماله علي النقاۤئص الخلقية و القباۤئح لانَّها من جملة مراتب الوجود لِانّها وجودات و ان كانتْ اُصولُها و دَواعيها اَعْدَاماً فيكون محلّاً لغيره اَوْ مركبا منها و علل ذلك تبعاً لغيره بكونه محض الوجود و صرف النوريّة و تفسيره فوق التّمام بكون جميع الوجودات الّتي سواه حاصلة من وجوده فاۤيـٔضة عن ذاتهٖ ، يُشْعِرُ بكونها حاۤلّة فيه عندَهُ فيكون محلّا لغيره من الاشياۤء القديمة و الحادثة الحسنة و القبيحة و هو كما تري في غاية من الشناعة و قوله فهو الكل فوق الكلّ ، يشعر بتركيبه منها و انه عبارة عن كلها مثل قولك الشجرة فانها مجموع الاصل و الفرع و الاغصان و الورق و الثمر و امّا فوق الكل ، فمعناه كالشجرة و ان كانت هي مجموع تلك الامور المذكورة الّا انّها في رتبة الوحدة رُتْبَتُها فوْق رتبة مجموع تلك الامور من حيث هي ذلك المجموع و هو فوق رتبة الافراد جميعها فالشجرة فوق الكل اي فوق المجموع من الافراد و فوق جميع الافراد و كل هذه اعتبارات باطلة لايزداد السالك الي الله سبحانه من هذا الطريق الّا بعداً منه عز و جل و من معرفته ، اللهم اهدنا من عندك و افض علينا من فضلك و انشر علينا من رحمتك و انزل علينا من بركاتك يا كريم .

قال : « المشعر الرابع - في انه المبدأ و الغاية في جميع الاشياۤء . الاصول [ص 464] الماضية دلّت و قامت علي ان واجب الوجود واحد بالذات لا تعدّد له و انه تام فوق التام فالأن نقول انه فياض علي كل من سواه بلا شركة في الافاضة لان ما سواه ممكنة الماهيات ناقصة الذوات و متعلقة الوجودات بغيرها و كل ما يتعلق وجوده بغيره فهو مفتقر اليه مستتِمّ به فذلك الغير مبدؤه و غايته » .

اقول : قال الملا احمد المذكور في تعليقاته : المقصود من هذا المشعر هو اثبات الوحدة الفعلية بمعني انه ليس للواجب شريك في الفعل و الافاضة كما قالوا لا فاعل في الوجود الّا الله تعالي اعلم ان الحق المتعال من حيث انه نشأ منه الاشياۤء يقال له المبدأ و من جهة رجوعها اليه و كونه منتهي سلسلة الحاجات يقال له الغاية فان المراد بالغاية هٰهنا هذا المعني فافهم انتهي ، اقول كونه المبدأ و الغاية انما يصحّ القول به ممن هو من اتباع ائمة الهدي عليهم السلم بان يكون يسلك طريقهم و يقتدي بهم و يجعل قولهم دليل عقله في كل شيء و امّا من يأوّل كلامهم علي ما يطابق رأيه فانه لايهتدي الي الصراط المستقيم لانهم اذا قالوا بذلك يريدون بكونه المبدأ ان الاشياۤء كلها بفعله احدثها لا من شيء فهذا و نحوهُ معني انه المبدأ و اما كونه الغاية فلان جميع الاشياۤء تأُول الي حكمه و قدره و قضاۤئه كما قال تعالي و الي الله ترجع الامور ، و الي الله المصير و قال سيد الساجدين عليه السلم في دعاۤئه من الصحيفة كلهم صاۤئرون الي حكمك و امورهم ٰاۤئلة الي امرك ، و اما علي رأي المصنف و من تابعه او وافقه علي رأيه فهذا الكلام لايصح منهم و لاتجوز نسبته الي الله سبحانه لاستلزامه التشبيه و الحدوث اماسمعت قول الملا احمد المتقدم ان الحق المتعال من حيث انه نشأ منه الاشياۤء يقال له المبدأ الي اخره ، بل ربّما قالوا بان الاشياۤء ليست الا اطواره و هيئاته العارضة لذاته في مراتب تنزلاته بشؤنه الذاتية قال الملا محسن الكاشاني صهر المصنف و تلميذه في [ص 465] الكلمات المكنونة قال : او نقول ذات الاسم الباطن هو بعينه ذات الاسم الظاهر و القابل بعينه هو الفاعل فالعين الغير المجعولة عينه تعالي فالفعل و القبول له يدانِ و هو الفاعل باحدي يديه و القابل بالاخري و الذات واحدة و الكثرة نقوش فصح انه مااوجد شيئا الا نفسه و ليس الا ظهوره انتهي ، فتدبر رحمك الله في كلامهم لتعرف مقامهم ،

و امّا قوله « الاصول الماضية » فقد قال الملّا احمد المذكور في اخر كلامه : فنقول ان المعلول الاول محتاج في اصل ذاته اليه تعالي و ذاته مع جميع صفاته منه تعالي و فاۤئضة عنه فاذا صدر عنه شيء فحقيقة صدور ذلك الشيء عن الواجب لان اصل ذات المصدر المفروض منه تعالي و هو جعل ذلك المصدر مصدراً فحقيقة الصدور و الفيض منه و كذلك البواقي فثبت ان الكل من عند الله و ان ليس في الوجود فاعل و مؤثر حقيقةً الّا هو و ما يُظَن انه فاعل مما هو غيره فليس بفاعل في الحقيقة بل هو آلَةٌ و لكن ليس انه بفاعليته من حيث هو فاعل بمعني احتياجه الي تلك الٰالةِ في الفاعلية بل هو آلة لفعله بمعني ان ذلك الفعل لايمكن اَن يتحقق بدون ذلك الشيء و لو امكن لَتَحقَّقَ قال المصنف في كتابه الكبير : لايحتاج الفاعل الاوّل في ان يفيض عنه شيء الي شيء غير ذاته صفةً كان او حركة او آلة كما تحتاج النار في احراقها لشيءٍ الي صفةٍ هي الحرارة و الشمس في اضاۤءتِها اطراف الارض الي الحركة و النّجّار في نَحْتِ الباب الي الفاس و لايمكن ان يكون له في فعله عائق او شرط منتظر ، انتهي كلامهما . و قوله فاذا صدر عنه شيء فحقيقة ذلك الصدور الخ ، يلزم منه القول بالاجبار كما هو مذهب الاشاعرة و لولا خوف الاطالة لبينت اللزوم و قوله و هو جعل ذلك المصدر مصدرا ، قد انكر هذا فيما تقدّم من كلامه علي قول صاحب الاشراق انه تعالي ماجعل المشمش مشمشاً و هنا اجازه بقوله : و هو جعل المصدر مصدراً ، و المصنف في كلامه في [ص 466] كتابه الكبير يشعر بانه فاعل بذاته لا بشيء غيرها من فعل او صفة و قد تقدم ما فيه كفاية و ردّ لمن يـٔوّل كلامه الي انه بفعله يفعل و قوله و لايمكن ان يكون له في فعله عاۤئق ، لايدلّ علي انه يقول بذلك و لكن لايقدر علي العبارة بدونه لان الفعل عنده ليس شيئا و انما هو ارتباط نسبي يعني يفيض بذاته الفيض و الخير لا ان الفعل شيء مستقل احدثه الله بنفسه و اللّه امره بما شاۤء فالاشياۤء انما سمّيت شيئا لانها من مشيته كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام : و هو منشئ الشيءِ حين لا شيء اذ كان الشيء من مشيته ، الي اخر كلامه عليه السلم و انّما تذوّتَت الذوات بفاضل تذوُّتِ فعله الذي هو مشيّته و ارادته و قوله او شرط منتظر ، اقول فلم لم‌يخلق المصنف في زمن ادم او قبل العقل الكلّي اذا لم‌يكن شرط منتظر نعم الشرط المنتظر الذي لايمكن الايجاد قبله هو متمّم قابليّة الموجود للايجاد فليس شرطا في نفس الفعل بل لانه عضد المفعول و هذا علي طريقتِنا فان القوم ليسوا بهذا الصدد و انما يريدون المعني الاول . و بعد كلام طويل للملا احمد تركناه قال : انك اذا قلت لغلامك خذ هذا الدرهم و اعطه فاذا اعطاه فحقيقة المعطي ليس الغلام بل انت انت كما هو ظاهر فما ظنك بالمفيض الواحد الحق المتعال الذي ذوات الاشياۤء و حقاۤئقها منه فهو المعطي و المفيض ليس الا و لعلّ قوله تعالي و مارميتَ اذ رميت و لكن الله رمي و كذا قوله انّك لاتهدي من احببتَ و قوله و الله خالق كل شيء و نحوها اشارات الي هذا فتفطّن انتهي ، فتأمل في قوله الذي ذوات الاشياۤء و حقاۤئقها منه ، ثم قال : فان قلتَ علي هذا التحقيق رجع الي ان الفعل مطلقا للحق الفيّاض المتعال و الباقي ادوات معدّات بَعضها بالنسبة الي بعضٍ فنقول اِمّا ان يكون لذلك البعض المُعَدِّ تأثير في الجملة بالنسبة الي البعض الاخر اوْ لايكون له تأثير اصلاً فان كان الاوّل فيلزم ان يكون ذلك بالنسبة الي اثره الخاۤصّ به فاعلاً فتحقّق فاعل من غيره [ص 467] و ان كان الثاني فيرجع الي مذهب الاشعريّة الذي هو باطل عندهم ، و بالجملة لزمهم اِمّا القول ببطلان هذه الدعوي او الاعتراف بصحة مذهب الاشاعرة و بانّ ما ادّعوه هو بعينه ما ذهب اليه الاشعرية مع انهم ينكرونه فكيف يكون هذا قلتُ نختار الاوّل و نقول انّ له اثراً بالنسبة اليه لكن اثره اثر المعدّ بالقياس الي المُعَدِّ لَهُ و الشرط بالاضافةِ الي مَشْرُوطِهٖ بمعني انه لو لم‌يكن لم‌يصدر ذلك من الفاعل و الحاصل اَنَّ صدوره من الفاعل موقوف علي ذلك الشرط لا ان الصدور منه بل من الفاعل و فرق بينهما يفهم من له ادني شعور ، الخ . اقول قوله انّك ( اذا . خ‌ل ) قلتَ لغلامك الخ ، يريد ان المفاض من الفاعل و هذا صحيح لكن فيه شيئانِ احدهما انّ المفاض هو ما نسمّيه الوجود و الماۤدة و يسمّونه القوم بالوجود و لكنه جزء الموجود لان الموجود مركب منه و من القابليّة التي هي الماهيّة الاولي و الصورة و لا شكّ ان الصورة جزء الشيء و ليس بقديم و لااوجد نفسه و لم‌يوجده مثله فلا بدّ و ان يكون اوجده موجد الوجود و نقول هو مخلوق من الوجود الذي هو الماۤدة و الوجود لو كان مفاضاً من ذات الواجب لكان المخلوق منه مُفَاضاً منه تعالي اذ لايكون في ذاته ما بالقوّة فيرجع الامر علي المنع السابق و اذا كان الوجود مفاضاً بفعله تعالي لا من شيء و خلقت الصورة منه لم‌يكن المحذور و انما يكون علي قولهم مثل قوله الذي ذوات الاشياۤء و حقاۤئقها منه يعني به من ذاته و لايعني ما نريد نحن مِن انّ حقاۤئقها اخترعها بفعله لا من شيء و خلق صورها منها و اليه الاشارة بتأويل قوله خلقكم من نفسٍ واحدة اي الماۤدة المطلقة و خلق منها زوجها يعني صورتها كما تقدم و ثانيهما اذا لم‌يكن شيء من الايجادات الّا من الفاعل لزم الجبر لان التّخلّص من الجبر انّما يكون بنسبة افعال العباد اليهم و ذلك ان ينسب فعل الطاعة من العبد الي ما من عطاۤء الله و فيضه اعني جهته من ربّه و فعل المعصية من العبد [ص 468] الي ما باللّهِ لا منه و هو جهته من نفسه اعني انّيّته من نفسه و ماهيته فالطاعة من اللّٰهِ بالعَبْدِ لانّها من الوجود و المعصية من العبد باللّهِ لانّها من الماهيّة و لو كان كلّ من الطاعة و المعصية من اللّه لكان العبد مجبوراً و قوله في جواب الاعتراض المفروض قلتُ نختار الاوّل اعني كون السبب المتوسط بين الفاعل و المفعول له تأثير و نقول ان له اثراً بالنسبة اليه و يريد به اثر الشرطيّة بمعني توقّف الفعل عليه لا ان المفاض صادر عن ذلك الشرط و ذلك المعدّ الخ ، و هذا الكلام يوهم الصحة و ليس كذلك لان ذلك قابلية او متمِّم لها و ذلك له تأثير بالفاعل لا ان الفعل فائض من الفاعل و ان ذلك المعد شرط الافاضة لا غير بل جهة الماهيّة و الانيّة صادرة عنه بالفاعل اي بان جعله الفاعل فاعلاً كما اشار الي الاثر بقوله تعالي و اذ تخلق من الطين كهيئة الطير باذني و الاخبار كثيرة في ان اللّه سبحانه خلق ملكا و فوّض اليه خلق سموات و ارضين و كذا في الملكين الخلّاقين يقتحمان بطن الام من فمها فهما يخلقان الجنين و لمّا كان التفويض الذي هو رفع يد المالك عن ملكه عز و جل باطلاً بقي الصنع و الخلق و التأثير بالله سبحانه الاتفهم قوله كن فيكون فان يكون ضميره الفاعل يعود الي المفعول فلذا قلنا ان المفعول فاعلُ فعلِ الفاعل باذن الفاعل في مثل قولك لزيدٍ اضرب فان الامر امرك و فاعله ضمير زيد و الحاصل ان الفاعل انما يفيض المادة يحدثها لا من شيء بشراۤئطها من القابلية و متمّماتها و امّا الصورة فيفيضها الفاعل بالمفعول و لو قيل يحدثها المفعول بالفاعل اي بقابليّته لفعل الفاعل صح علي تأويل ما تقدم فان قوله كن فيكون من هذا النحو فكن هو الفعل و فاعله ضمير المفعول ففاعله الفاعل بالمفْعول لانه عضدٌ لفعلِ الفاعل لان ( الفعل . خ‌د ) لايمكن بدون ان يتعلق بمفعول و يكون هو الانفعال و فاعله ضمير المفعول و فاعله هو المفعول بقابليته بالفاعل لانّه واهب القدرة و بالجملة فله تأثير بالله سبحانه ،