فهَب اني اقول الصبح ليل ايعمي الناظرون عن الضياۤء

اما انه قد غطّي طلب المناصب و الرياسات و حب الدنيا علي البصاۤئر فمن يقدر علي قبول مثل هذا فيقولون فيه الناس انه كان قبل هذا مايفهم شيئا بل يبقي علي جهله و ضلالته لئلّاتقول الناس و العوام ذلك فيه لا حول و لا قوة الّا بالله العلي العظيم .

قال : « و فيه مشاعر : المشعر الاول - ان نسبة المجعول المبدع الي الجاعل نسبة النقص الي التمام و الضعف الي القوّة لما علمتَ ان الواقع في العين و الموجود بالحقيقة ليس الا الوجودات دون الماهيات و ثبت ان الوجود حقيقة بسيطة لا جنس لها و لا فصل مقوم لها و لا نوع لها و لا فصل مقسّم لها و لا [ص 422] تشخّص لها بل تشخّصها بنفس ذاتِها البسيطة و ان التفاوت بالذات بين اٰحٰادِها و هويّاتها ليس الّا بالاشد و الاضعف و الاختلاف بالامور العَارضة انما يتحقق في الجسمانيات و لا شك انّ الجاعل اكمل وجودا و اتم تحصُّلا من مجعوله فالمجعول كأنه رشح و فيض من جاعلِه و ان التأثير في الحقيقة ليس الّا بتطوّر الجاعل في اطواره و منازل افعاله » .

اقول : قيل فيه اي ( ان . خ‌ل ) نسبة المجعول المبدع اشارة الي توحيد الفعل و هو هٰهنا بمعني ان الفعل واحد و هو الوجود المنبسط و البواقي اثاره و لوازمه اقول هذا القاۤئل ظاهر كلامه انّه يريد بتوحيد الفعل توحيد المفعول و ان مراده بالفعل المصدر كما مر و يحتمل بعيداً انّه اراد به الفعل الايجادي فان اراد به المعني الاوّل فصحيح الّا في العبارة كما يقوله غيره اِمّا تجوّز او تسامح و هو ان قولهم منبسط ما يراد بهذا الانبساط و علي ايّ شيء يكون منبسطاً فظواهر عباراتهم انّه منبسط ان المنبسط عليه شيء آخر و هو ماهيات الاشياۤء و هذا انما يصحّ علي ثبوت الحقاۤئق في العلم الذاتي او الثابتة في اَماكنها بشروطها اِما لكونها صُوَرا علميّة متحققة الثبوت عند الحضرة الالهية او صُوَراً علميةً معلقةً بالذات كتعلق الاظلّةِ و الاشعّة بالمنير و امّا علي المذهب الحق من امتناعِ وجود شيءٍ غير ذاته الّا ما صدر عن فعله و لم‌يكن شيئاً قَبل احداثه بفعلِهٖ فلا معني لانبساط الوُجود عَلَي ما ليس بشيءٍ فان اردنا به الفعل فالمراد بكيفيّتِه كيفيّة تعلّقه بالمفعول اذ لا كيفيّة له لذاته و امّا انبساطه فالفعل الامكاني في الانبساط و التعلّق ابسط منه في التعلق التكويني لتوقّفه علي القيود في الثاني دون الاوّل و الفعل لايتعلق بالمكوّنات كلّه بكلّها كما هو معني الانبساط و انما يتعلق كلّ رأسٍ منه بمفعوله المختصّ به فلايصلح لغيره و لايظهر ذلك المفعول بغير ذلك الرأس فالانبساط علي المكونات باعتبار تعلّقه بها اي كل رأس بمتعلقه المختصّ به [ص 423] تدريجي سواۤء كان ( ذلك . خ‌ل ) المفعول من الجبروت ام من الملكوت ام من الملك الّا انها مختلفة الظهور في السرعة و البطؤ حتي كانت المفعولات المجردات لسرعة قبولها و سرعة الظهور يصح ان يقال انها عارية عن القوة و الاستعداد بخلاف الماديات فانّها لبطؤ قبولها و ظهورها يصح ان يقال فيها انها تدريجِيّة لظهور التدريج فيها بخلاف المجردات و ان كانت تدريجيّة و ان اردنا به المفعول كما يقتضيه المقام و ان لم‌يرده المصنّف فالاولي و الاحق ان يراد الفاۤئض الاوّل المعبّر عنه بالحقيقة المحمديّة و الوجود الاوّل و هو النور الّذي به تنوَّرتِ الانوار و هو الماۤء و الدَّواة الاولي و هو المادة المطلقة لكل شيء فانبساطه علي الاشياۤء انبساط تَقَوُّمٍ ركني لانه امر الله الذي به قامت السموات و الارضون فانبساطه علي الاشياۤء كانبساط الحيوان علي الانسان و الفرس و الطير فانّ انْبسَاط الجنس علي انواعه و النّوع علي افراده انما هو بحصصٍ منه هي مواۤدّ تلك الانواع و بها تقوّمَتْ و تلك الحصص هي وجوداتها الخاۤصّة بها علي المعني الاول الذي اشرنا اليه من المعنيين اللذين يراد من الوجود احدهما فمعني انبساطه عليها ليس انها اشياۤء غير الحصص التي منه و هو واقع عليها كما يفهم من عباراتهم التي لاتصح الّا علي كون حقاۤئق الاشياۤء لها تحقّق ما بغير وجوداتها الخاۤصّة بها كما مر ،

ثم ان قوله « ان نسبة المجعول المبدَع الي الجاعل نسبة النقص الي التمام و الضعف الي القوّة » ظاهر في السّنخيّة كما هو المعروف من مذهبه فان قوله نسبة النقص و هو الوجود الحادث الي التّمام و هو الوجود القديم لانّ النَّقْص ضعيف التّمام فيكون المراد به التّشكيكَ لان الوجود اذا كان حقيقة واحدة قويّها و تمامها الواجب تعالي و ضعيفها و نقصانها الحادث ثبت علي قوله هذا القول بالسنخ و ان الاشياۤء من سنخه تعالي و لهذا لايقع عليه العدم كما قالوا و انما يختلفان علي الماهيات ، و الدليل علي [ص 424] قوله بالسنخيّة قوله « لما علمتَ ان الواقع في العين و الموجود بالحقيقة ليس الّا الوجودات دون الماهيات » و قوله « و ثبت ان الوجود حقيقة بسيطة » و قوله « و لا تشخّص لها » يعني لتلك الحقيقة « بل تشخّصها بنفس ذاتها البسيطة » يعني ان تكثرها عين وحدتها و قوله « و ان التفاوت بالذات بين آحادها و هويّاتها ليس الّا بالاشد و الاضعف » و قوله « ان التأثير في الحقيقة ليس الّا بتطوّر الجاعل في اطواره و منازل افعاله » يعني ان هذه الكثرة ليست لاختلافٍ في الحقيقة و انّما تلك الكثرة منشاؤها تطوّر الوحدة في افعاله مثل كون زيدٍ قاۤئما و قاعداً و ناۤئماً و ذاهِباً و جاۤئِياً فان هذه الكثرة من زيدٍ الواحد فانّما حَصَلَتْ مِنْ تَطَوُّرِهٖ في اَفْعاله و افعاله عند المصنفِ ذاتياتٌ له و لو كانت عوارض لكان التكثر انما حَصلَ منها فيكون متعدِّداً و هو ينافي البساطة و لهذا قالَ « و الاختلاف بالامور العَارضة انّما يتحقّق في الجسمانيات » و كل هذه صريحة في القول بالسِّنخِ فمن قال بان هؤلاۤء لايقولون الّا بقول ائمتهم عليهم السلام فنقول له هذا قول اللّه تعالي حين قال و جعلوا بينه و بين الجنّةِ نسباً و لقد علمت الجنّة انهم لمحضرون ام قول رسوله صلّي الله عليه و اله ام قول اميرالمؤمنين عليه السلم ام قول احد اولاده المعصومين عليهم السلام ام تقولون علي الله ما لاتعلمون فما الداعي لتصحيح كلامهم ها انتم هؤلاۤء جادلتم عنهم في الحيوة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيمة ام من يكون عليهم وكيلا ، ثم انّا نقول للمصنف اذا كان بناۤؤك علي تلك الوحدة من جهة توجيهك ما ينافي دعواك مما هو موجود وجداني بان التشخص و التكثر انما هو تطوّر ذاتي و في الحقيقة ليس الّا شيء واحد فالاختلاف المتحقق في الجسمانيات ان كان من التطورات كانت التطورات بالامور العارضة و كانت منافية للوحدة لكون منشائها الامور العارضة و لهذا اعتذر عن اختلافها و الّا فقد حصل في الكاۤئنات [ص 425] ما ليس بالسنخ بل بالمباينة و الاشياۤء لاتختلف في هذه النسبة فاما ان تكون كلّها بالسنخ و امّا بالمباينة و التبعيض غير جاۤئز و حصوله بالعوارض الغير الذاتية باطل لان الطارئ لايغيّر الذاتي الّا ان يكون الذاتي قابلاً للتغير و انما علق علي العوارض لكونها متمّمة امّا للدواعي او التمكينات او التمكنات او القبول فهي لاتغير الذاتي نعم قد تكون علامات لتغيّره الذاتي و هو مقتضٍ للمباينة علي ان هذه التطورات التي حصل عنها الكثرة هل هي عرضيّة ام ذاتية فان كانت عرضيّة تحقق الاختلاف في الجسمانيات و غيرها و ان كانت ذاتية فاين محلّ الوحدة التي لا كثرة فيها فان كان محلّها الاعتبار لم‌تتحقق الوحدة اصلاً و ان كانَ محلّها نفس الامر او الواقع فاين محل مقتضي الكثرة فان قيل هي الاطوار و المنازل اختلف البسيط في ذاته و تكثرت حيثياته و كلما هو كذلك فهو حادث و معني فرض الاعتبار انّ هذه الحقيقة هي واحدة بعين ما هي به كثرة في الواقع ام بغيره فان كان بعينه في الواقع جاۤء المحال و ان كان بغيره فما به الوحدة غير ما به الكثرة و هذا هو التعدّد الحقيقي فالبسيط الحقيقي هو الذي لايجري عليه اختلاف الاعتبار و الحيثية لا خارجا و لا ذهنا و لايجري عليه الفرض في حالٍ من احواله و ما سوي هذا هو المركب فهو مربوب مصنوع ،

و قوله « و المجعول كأنه رشح و فيض من جاعله » يشير الي قوله عليه السلام لكميل : انما يرشح عليك ما يطفح مني ، و الرشح اذا اطلق يراد منه ما خرج عن الحقيقة كالعَرقِ و الفيض اعم منه و من الداخل فان اريد به التعبير و التمثيل فقد مضي الكلام فيه و ان اريد الداخل و الفيض و الرّشح دليل التّعدد و الكثرة و الاختلاف و لايدلان علي نوع شيء من الوحدة مع انّه اذا ادّعي احد معهما الوحدة عُورض باختلاف الحالين الدّال علي التعدد و التركيب فانه ان كان في حالٍ واحداً و في حالٍ متعدداً ثبت الاختلاف [ص 426] و ان كان لم‌يزل لذاته كذلك ففيه تركيبان تركيب التعدد و تركيب التعدد (ظ) و الوحدة فالحكم لله العلي الكبير .

قال : « المشعر الثاني - في مبدء الموجودات و صفاته و اثاره و هو المشار اليه بالايمان بالله و كلماته و اياته و كتبه و رسله و فيه مناهج : المنهج الاول - في وجوده تعالي و وحدته و فيه مشاعر : المشعر الاول - في اثبات الواجب جل ذكره و في ان سلسلة الموجودات المجعولة يجب ان تنتهي الي واجب الوجود . برهان مَشْرِقي - و هو انا نقول الموجود اما حقيقة الوجود او غيرها و نعني بحقيقة الوجود ما لايشوبه شيء غير صرف الوجود من حدٍ او نهاية او نقصٍ او عموم او خصوصٍ و هو الوجود فنقول لو لم‌تكن حقيقة الوجود موجودة لم‌يكن شيء من الاشياۤء موجوداً و اللازم بديهي البطلان فكذا الملزوم اما بيان الملازمة فلان ما عدا حقيقة الوجودِ امّا ماهية من الماهيات او وجود مشوب بعدم او نقصٍ و كلّ ماهية غير الوجود فهي بالوجود موجودة لا بنفسها كيف و لو اُخِذت بنفسها مطلقة او مجرّدة عن الوجود لم‌تكن بنفسِها نفسَهَا فضلاً عن ان تكون موجودة لان ثبوتَ شيء لشيء فرع علي ثبوته في نفسه فهي بالوجود موجودة » .

اقول : قوله « في مبدء الموجودات » يريد به الواجب الحق عز و جل و ظاهر هذا الكلام ان ذاته المقدسة هي مبدأ الموجودات اِمّا علي معني انها كانت حقاۤيـٔقها كامنةً في ذاته بنحو اشرف او انّها صور علمية في علمه الذي هو ذاته او صور معلقة بعلمه كتعلق الظلِّ بالشاخص او انها من سنخ ذاته لان الوجود حقيقة واحدة صافيها و محضها هو الواجب و مَشوبُها بالماهيات هو حقاۤئق الممكنات اذ هي تنزّلاته في مَراتبه و منازله فتخصيصُها بشؤنه الذاتية لا بماهيّاتها و هذا الاخير علي الظاهر هو مذهب المصنف و انما ذكرنا [ص 427] احتمالات اخر في عبارته لان القائلين بهذه الاحتمالات يعبرون بمثل هذه العبارة و امثال هذه الاقوال مثلها في البطلان كما يدل عليه الدليل العقلي و النقلي لاستلزامها الكثرة و التركيب و منافاتها للوحدة الحقيقية و امّا عندنا فاذا قلنا بانه تعالي مبدأ الموجودات فهو علي المجاز بمعني ان فعله مبدأ انشاۤء الموجودات و تكويناتها و فعله مبدؤه نفسه فليس الحق تعالي في الحقيقة مبدءاً لشيءٍ اذ هو لايُبْدَؤُ من شيءٍ و لايُبْدَءُ منه شَيْءٌ و انما احدث فعلَهُ بنفسه اي بنفس الفعل لا من شيء غير الفعل و الفعل مبدأ لتكوين الاشياۤء لا للاشياۤء انفسها اذ الاشياۤء انفسها لم‌تكوّن من الفعل كما مثّلنا سابقا بالكتابة فان حركة يد الكاتب ليس مبدأً لنفس الكتابة و انما هي مبدأٌ لتكوينها و احداثها فليست الكتابة مكوّنة من حركة يد الكاتب و انما هي مركّبة من المداد وَ هَيْئَاتها كذلك الاشياۤء الممكنات لم‌تكن مركبة من الفعل الّذٖي مَعْنَاه في المشاهد انّه الحركة الايجاديّة و المعلوم ضرورة ان المفعول لم‌يتكون من الفعل وَ اِنّما يتكوَّن به نعم بالفعل يتكوّن من مادته و صورته اللتين احدثهما الفاعل بالفعل لا من شيءٍ فان قلت ان الايات الافاقيّة تشهد بان المفعول مركب من الفعل اذ لايعني بالمفعول هنا الّا ما هو المفعول المطلق عند اهل النحو مثل قولك ضربَ ضرباً قلتُ هذا مُسَلّم بان المراد من المفعول هنا هو ما يكون كالمفعول المطلق عند النحاة و هو الذي عندنا لا المفعول به الذي يقع عليه فعل الفاعل كما هو المفعول عندهم و انما نريد بالمفعول الصادر عن فعل الله هو ما لايكون له ذكر قبل الفعل بوجهٍ ما فبالفعل اخترعت مادته و صورته و ايته كما ذكرتَ من الايات الافاقية في مثل قولك ضرَب ضربا و لكن الله سبحانه يقول و تلك الامثال نضربها للناس و مايعقلها الّا العالِمون فانت تتعقّل الٰاية فانّها تدلّك علي ما قلنا و اجمل تفصيل [ص 428] البيان فان الكتابة انما يصدق عليها اسمها اذا كانت حروفا مؤلفة كما تري لا حال كونها مداداً فان المداد لايصدق عليه اسم الكتابة من وجهٍ فاذن انّما تتحقق بالصورة و الصورة هيئة الفعل يعني حركة يد الكاتب و بدونها لاتتحقق بوجهٍ ما و كذلك اللفظ لايصدق عليه اسم الهواۤء بحال من الاحوال حتي تتميّزَ حِصَصُه بهيئات فعله باللهات و الاسْنان و اللسان و اصل الهواۤء فتأخذه كما تأخذ المداد بالقلم و تصوّره بهيئات حركة آلاتِ المتكلم كما تصوّر المداد بهيئات حركة يد الكاتب و كذلك مثال ضرب بفتح الراۤء فان حقيقة معناه الحركة المستندة الي فاعلها المتعلقة باثرها و هذا الاثر الصادر عنها هو معني ضرْب بسكون الراۤء و امّا لفظه اي لفظ ضرب مفتوح الراۤء فانه اصل لفظِ ضرْب بسكون الراۤء و هذا فرعه فالضاد في المصدر سلخت من ضاد الفعل سلْخَ انفصالٍ كما سُلِخت الصورة التي في المرءاة من صورة المقابل سلْخَ انفصالٍ و الراۤء في المصدر سلخت من الراۤء في الفعل و الباۤء في المصدر سلخت من باۤء الفعل و كلها سلخ انفصال و معني سلخ الصورة في المرءآة سلخ انفصال من المقابل انها انتزعت منه نزعاً منفصلا عنه فهي قائمة بصورة المقابل قيام صدور و لو كانت سلخ اتّصالٍ لكانت قاۤئمة به قيام عروض و لو كانت قاۤئمة به قيام عروضٍ لمااختلفت في المرءاة لكن اللازم باطل لانها تكون بلون المرءاة و تعوجّ باعوجاجها و تصغر بصغرها و تطول و تعرض كالمرءاة و كذا في اضداد هذه الصفات و لو كانت متّصلةً بالشاخص لمااختلفت باختلاف قابلها فكذا حروف المصدر فانها صفات منتزعة من صفات حروف الفعل المنفصلة فيختلف معني المصدر في الشدة و الضعف و القلة و الكثرة و الهيئة باختلاف قابليته بنوع المشكّك بالنسبة الي تحقّقه في نفسه و يظهر اختلافه في وصفه ( وضعه . خ‌ل ) لانه كاشف له لا لفعله مثل قولك ضربا شديداً [ص 429] و ضعيفا و كثيرا و قليلاً و لايختلف في الحركة من حيث هي و بالجملة فمادة المصدر صفة مادة الفعل انتزعَتْ منه انتزعتها قابليّته كما ان هيئة الحروف في الكتابة صفة هيئة حركة اليد انتزعتها قابليّة الحروف و هي بمشخّصاته ( بمشخصاتها . خ‌ل ) و منها مثلا القرطاس كما ان منها في المصدر محلّ التأثر فافهم الاشارة و كذلك الحروف اللفظية فانها بالنسبة الي ماۤدتها المطلقة هواۤء كلها فيه سواۤء فاذا تحصّص بالحاۤء المهملة بالٰات التكلم تخصّص بالخاء المعجمة بقوابله و مشخّصاته فالفعل لم‌يكن له اصل في الفاعل و لا ذكر قبل تكوّنه بنفسه فخلقه تعالي بنفسه و اقامه بنفسه و جعل ماۤدته و صورته نفسه بلا تعدد و في كل شيء من ذلك فالله سبحانه تقدس في عزه عن شيء من فعله لانه تعالي هو الازل و الفعل في الامكان الراجح و لم‌ينزل شيء من الازل الي الامكان و لم‌يصعد شيء من الامكان الي الازل بوجه و المفعولات هي من فعله بالتكوين و الانشاۤء و لم‌تكن مركبة من شيء من الفعل و انما بالفعل اخترع سبحانه ماۤدةً من هيئة فعله و ابتدع من تلك المادة هيئتُها و اقام اوّل صادرٍ من تلك الماۤدة المخترعة من هيئة فعله و من تلك الصورة المبتدعة من هذه الماۤدة فاذا قلنا انه سبحانه مبدأ الموجودات فنريد به هذا المعني و لانريد تلك الاحتمالات الباطلة الممتنعة الوقوع التي لاتسمن و لاتغني من جوع ،

و قوله « صفاته و اثاره و هو المشار اليه بالايمان بالله » الخ ، اي في بيان صفاته و اثاره يعني المخلوقات من العلوم و المعلومات مما هو ممكن مما كان او يكون او لايكون و معرفة ذلك و الاستقامة عليه و الاعتقاد له عن الادلة القطعية مطلقا سواۤء كانَتْ عيانية ام اخبٰارية تفصيلية ام اجمالية هو الايمان بالله الخ ، هذا بقول مطلق و ان كان يعني الاخصّ لكنا نقول ان القول الحق مطلقا هو الايمان بالله الخ ،

و قوله « المنهج الاول - في وجوده تعالي [ص 430] و وحدته » الخ ، يعني بيان انه موجود و انه واحد و هو يريد في بيان وجوده بالوصف الّذي يمكن للممكن اَن يصفه به ،

و قوله « المشعر الاول - في اثبات الواجب جل ذكره » اي في بيان اثباته بالدليل في الاوهام و في بيان ذلك الدليل و هو ان سلسلة الموجودات المجعولة يجب في العقل اذا كانت موجودة محدثة ان تنتهي الي محدثٍ لايصح ان يكون احدثه غيره ،

و قوله « برهان مشرقي » اي بدا من مطلع الوجود او ان انه سبحانه اشرقه علي قلبه فيكون حقا لانه الهام عنه تعالي او اشارة الي قوله (ع) : نور اشرق من صبح الازل الخ ، او اشارة الي عليته ليكون لميّا لا اِنّيّاً او الي انه كاشف للحجاب من قوله تعالي لم‌نجعل لهم من دونها ستراً او انه علي طريقة اهل الاشراق و الله اعلم ،

ثم انه اخذ في ذكر الاستدلال علي ما ذكره من هذه المقدمات شيئا فشيئا و يريد بالبرهان المعني الاصطلاحي لزعمه ان كل مقدمات ادلته ضروريات قطعيات و قد بيّنَا مراراً ان الادلّة المنطقية تفيد المدّعي بشرط ان لايخالف القضايا الحمليات مثلا في احكامها ما هو الواقع لا ما هو في نفس الامر لان تلك القواعد انّما تعصم الفكر عن الخطأ اذا كانت حاكية عن الواقع لا اذا كانت حاكية عن نفس الامر و ما يحكم به او تصحّحه العبارة او نظم المقدّمات او حسن الترتيب او نقل الحكم الي المحكوم عليه بالوساۤئط كالقياسات المركبة فيكون في بعضها نقل بالمعني و بعض بالمفهوم و بعض بالمدلول و بعض بالمصداق و بعض بالعموم و بعض بالاطلاق و بعض بالخصوص و بعض بالتقييد فيكون الوسط المتكرر فيها في بعضها تكرُره من عموم و بعضها من اطلاق و يكون بعضها من مفهوم و من معني و هكذا فانه يلزم منها الفساد الاعظم في صورة الصلاح مثل ما ذكره المعلّم الاوّل و اتباعه في بيان علم الواجب تعالي بذاته و بغيره قالوا : ان كلّ مجرّد قاۤئم بذاته فيجب ان يكون عاقلاً [ص 431] لذاته و لغيره و الواجب لذاته مجرّد عن الماۤدة فيجب ان يكون عاقلا لذاته و لغيره اما كونه عاقلا لغيره فلانه يمكن ان يعقل ساۤئر المعقولات و كل ما يمكن ان يعقل ساۤئر المعقولات يمكن ان تقارنه صور المعقولات و كل ما كان كذلك فامكان مقارنته ساۤئر المعقولات له لازم له و الا لزم الانقلاب من الامكان الي الامتناع و هو محال فاذا كان كل مجرّد يمكن ان يقارنه صور المعقولات و كل ما امكن للمجرّد كان واجب الثبوت له و الّا لكان موقوفا علي استعداد الماۤدة فلايكون المجرد عن المادة مجرّداً عن الماۤدة هذا خلف انتهي ، فقالوا ان كلَّ مجرد قاۤئم بذاته مع انهم قالوا ان العقل مجرد و هو غير قاۤئم بذاته و قالوا يمكن اَن تقارنه صور المعقولات و كل ما كان كذلك فامكان مقارنته ساۤئر المعقولات له لازم له مع انهم قالوا انّ حقيقته لايمكن ان تتصوّر لذاته و هي منفصلة عن كل شيء فلا لازم له ليتوصّل بمعرفته الي ادراك حقيقته و قالوا هو بسيط الحقيقة فلايتصوّر فيه تعدّد و لا تكثر بوجهٍ ما و مع هذا قالوا انّ صور المعلومات في علمه الذي هو ذاته و قالوا انها في ذاته حاصلة حصولاً جمعيّا وحدانيّا لايلزم منه كثرة و لا تعدّد لانه الكلّ لاستهلاك الكثرة في وحدته فهو تعالي كالالف اللّينة في الحروف و الصوت في الحروف او كالمداد في الحروف النّقشية او كالبحر في الامواج او كالماۤء في الثلج او كالشجرة في الاغصانِ و قالوا في التوحيد مشاهدة الوحدة في الكثرة و الكثرة في الوحدة فالنمط الاول في مغالطات القياسات و الثاني في مغالطات التعبيرات لانه يذكر الكثرة و التعدد وَ يقول علي وجه لايلزم منه تكثر في الذات و لا تعدّد فيخالفون الواقع و يدّعون نفس الامر ،

و قوله « الموجود اِمّا حقيقة الوجود او غيرها » اي شيء يعني بغير حقيقة الوجود هل هو وجود ام غير وجود ثم انّه قد بيّن ما عَدا حقيقة الوجود بانه « اِمَّا [ص 432] ماهيّة من الماهيات او وجود مشوب » فيكون غير حقيقة الوجود منه وجود مشوب فهذا الوجود المشوب هو ذلك الخالص او منه او من حقيقة واحدةٍ بمعني انّ ما خلص منها واجب و ما امْتزجَ منها ممكن فهما حقيقة واحدة و وحدة هذه الحقيقة منشأُها الواقع و الحمل الذّاتي الاَوَّلِي او الحمل الصِّنَاعي الذي منشاؤُه صدق الاسم اللفظي او المعنوي او مفهومه و المعروف من عبارات المصنّف انها واحدة بالحمل الذاتي الاولي الواقعي لا خصوص النفس الامري و لهذا قالوا ان المصنف قاۤئل بالسّنخيّة فيتفرع علي هذا ان الوجود الممكن في نفسه غير مجعول و انّما المجعول تعيّنه و ظهوره بعد البطون اذ الشيء لايجعل نفسه و انّما يجعل احواله و يفهم ممّا سبق من قوله في تخصيص الوجود بالواجبية و تخصيصه بموضوعاته انّ جعله احواله ليس بواسطةٍ امرٍ خارجي و انما هو بامور و شؤنٍ ذاتيّة له و هو كما قاله صهرُه في الكلمات المكنونة في قوله و النقوش كثيرة و الذات واحدة فصحّ انّه مااوجَد شيئا الّا ذاته و ليس الّا ظهوره ه‍ ، و لايخفي عليك بطلان هذه المذاهب الفاسدة و الاعتقادات الكاسدة ،

و قوله « و كل ماهيّة غير الوجود فهي بالوجود موجودة لا بنفسِها » قد تقدم فيه الكلام و ممّا فيه ان هذا الوجود الذي به كانت الماهيّة اذا اريد به انه ذات حقيقية للشيء غير مادته و صورته لايعقل الّا ان يراد بقوله انّه حقيقة للشيء انه اصل تكوينه و مبدء تحقّقه و مُفٖيد ايجادِهٖ لا انّه جزؤ ماهيته اذ لو اريد به جزءُ ماهيته لم‌يكن الّا مادته او صورته اوْ هُمَا فلا بد ان يكون امّا هما او احدهما او الخارج عن الشيء و الخارج عن الشيء امّا مبدءُ تكوينه و علَّة ايجاده او عرضه الخاص او العاۤمّ هذا عليهم و فيما يلزمهم و امّا نحن فليس عندنا ان وجود زيد هو ربّه و معبوده و لا فعل جاعله و لا شيء من لوازم [ص 433] وجوده او ماهيته و انّما وجوده هو مادته و صورته كما تقدّم ،

و قوله « و لو اُخِذَتْ بنفسِها مطلقة او مجردة عن الوجود » الخ ، قد تقدم الكلام فيه من انّ الشيء لايُؤخذ مُجرَّداً عن الوجودِ في حالٍ من الاحوال و انّما يُؤْخَذ اذا وُجِدَ بوجود الرتبة الّتي اُخِذَ فيها لا مناصَ عنْ هٰذا قطّ و كُلُّ ما ينافي هذا الكلام فهو زخرف القول غروراً و مفاد كلامهم هذا و مثله ان الماهية لا تحقق لها في حالٍ من الاحوال الّا بالوجود فيكون مغايراً لها و لا شك في كونه مغايراً لها وَ ان الشيء موضوع لهما عندنا فهو باعتبار كونه اثراً لفعل البارئ عز و جل وجود و باعتبار كونه هو هو ماهية هذا علي المعني الثاني كما تقدم و علي المعني الاول ماۤدة الشيء وجوده و ماهيته صورته كما تقدم و الحاصل من برهانه علي وجود الواجب تعالي البرهاني الانّي لانه استدلّ علي وجوده بوجود مخلوقاته و دعوي انه برهان لمّي صناعيّة فانه في الحقيقة استدلال بالمعلول علي العلة فَهُوَ انّي الّا ان الاستدلال باللّمّي اشرف فعدّلوا الترتيب و التركيب ليكون بزعمهم لِمِّيّاً اي الاستدلال بالعلة علي المعلول فقالوا ان تحقق موجودٍ في الخارج يدل علي ان بعض افراد الموجود واجب فتحقّق الموجود حالة اُولَي له و كونُ بعضِ افرادِهٖ واجباً حالة ثانية معلولة للاولي لتوقّف الثانية علي الاولي فالمستدل بها هي الحالة الاولي التي هي العلة و المستدل عليها هي الحالة الثانية فحصل ( فجعل . خ‌ل ) الاستدلال بالحالة الاولي للموجود المطلق علي الحالة الثانية اعني كون بعض افراد ذلك المطلق واجب الوجود و هو البرهان اللّمّي اي الاستدلال بالعلّة علي المعلول و الي معني هذا اشار الشيخ في الاشارات و هذا لِمِّيٌّ في الطريقة الصناعية كما اشرنا اليه من ان اكثر امورهم يثبتونها بالحمل الصناعي سواۤء طابق الواقع ام خالفه مثل هذا فانه في الحقيقة انّيّ لانّه استدلال بالمعلول علي العلة الذي هو الواجب تعالي و هذا و امثاله [ص 434] استدلال بالاثار علي المؤثر و لكن كما قال الشاعر :

في زخرف القول تزيين لباطله و الحق قد يعتريه سوۤءُ تعبيرِ

تقول هذا مُجاج النحل تمدحُه و ان ذممتَ فقل قَيْئُ الزنابيرِ

قدحاً و مدحاً و ماجاوَزْتَ حَدَّهُما حُسْنُ البَيانِ يُرِي الظلماۤءَ كالنورِ

و لو اردنا الاستدلال بالعلّة علي المعلول حقيقة امكن بشرط ركوب متون التأويلات و الّا فاين يخرجون عن الانّي انظر الي ما قال سيدالشهداۤء ابوعبدالله الحسين عليه السلام في ملحقات دعاۤء عرفات علي ما نقله بعض الروات في قوله عليه السلام : الهي امرتَ بالرجوع الي الاثار فاَرجِعني اليها بكسوة الانوار و هداية الاستبصار حتي ارجع اليك منها كما دخلتُ اليك منها مصون السر عن النظر اليها و مرفوعَ الهمة عن الاعتماد عليها انّك علي كل شيء قدير ، و الاشارة الي ما اشرنا اليه من البرهان اللمي علي وجه التأويل الذي لايهتدون في الوصول اليه الي سبيل فاعلم انه سبحانه لايعلم من نحو ذاته لاحدٍ غيره لان كل ما يدركه غيره فهو غيره انما تحد الادوات انفسها و تشير الٰالات الي نظاۤئرِها كما قال علي عليه السلام و انّما يعرفه كلّ احدٍ من جهة ما تعرّف له به و ماتعرّف لمخلوقٍ الّا بما خلقه عليه من وصفه تعالي لعبده و ماتعرف لاحدٍ بشيءٍ يشابه شيئا من خلقه و الّا لَعُرِفَ بذلك الشيء سبحانه و تعالي فكان ما تعرّفَ به لكلّ احدٍ من خلقه هو آيته و دليله في نفس عبده و هي نفس عبده و هو عنوان لمعرفته خلقه ليعرفه عبده به و هو شيء ليس كمثله شيء من الخلق و هو ما تعبّدَ به عبده المكلف ليعرفه به و يعبُدَهُ سبحانه و تعالي بالتوجّه الي جهته لانّه وجه الله سبحانه الي عبده المشار اليه بقوله كل شيء هالك الّا وجهه ، و انما قلنا ان الله سبحانه تعبّد عبده بمعرفة تلك الاية التي هي نفسه في قول اميرالمؤمنين عليه السلام مَن عرف نفسه فقد عرف ربّه و هي وجه الله اليه كالكعبة [ص 435] بالنسبة الي المصلّي لانه هو وصف اللهِ سبحانه نفسه لعبده و دليله اليه و الدليل علي معرفة هذه الاية التي هي النفس و الموصل الي معرفتها و المرشد اليها هو خالقها و منشيـٔها و كاتبها بيد قدرته و منزلُها بعلمه فهذا هو الدليل اللّمّي الحقيقي فمن اراد الله سبحانه هدايته و رفع قدره و تشريفه بمعرفته عرّفه نفسه و اعلم ان لي رسالة في معرفة النفس لايعرف احد نفسه بغير ذلك الّا ان تكون معرفة قشرية او جهلاً بنفسه فمن ارادها طلبها ،

مَن له في الكون حَظ لم‌يمت حتّي ينالَه

ثم ان « قوله الموجود اما حقيقة الوجود او غيرها » يعني ان الموجود من حيث هو مع قطع النظر عن الخصوصيات التي بها يحصل التمايز في التعريف و يحصل بملاحظتها التقسيم ان كان ذلك الموجود حقيقة الوجود ثبت المطلوب لانا لانعني بحقيقة الوجود الّا صرف الوجود و هو الواجب الحق تعالي شأنه او غير تلك الحقيقة ،

قال و نعني بحقيقة الوجود الخالص الذي لايشوبه شيء غير صرف الوجود اي غيره من حدٍّ فانّ المحدود مركب اما من جنس و فصل او من خاۤصّة اَوْ عرض عاۤم او نهاية لان المنتهي او المنتهي اليه محصور بالنهاية منقطع الدوام في جهة مما ينسب اليه او نقص لان النقص بداية ينتهي الي تمامه او عموم لتناوله للكثرة و التعدد و انبساطه علي امثالٍ تقتضي توزيع جهاته او بعضها عليها فلايكون احديّا مطلقا او خصوص يؤدّي الي التحديد و حصر بعض جهاته في بعض المتعلقات دون بَعْضٍ و هو الوجود المقابل لِلْعَدَمِ و هو الوجود الذي يكون احق بهذا الاسم من سواه ،

فشرع في البرهان فقال « لو لم‌تكن حقيقة الوجود موجودة » و هو الوجود الصِرف اعني الواجب عز و جل « لم‌يكن شيء من الاشياۤء موجوداً » و هذا الدليل و ان كان في الظاهر انه استدلال بالٰاثار علي المؤثر لكنه من دليل الحكمة لان وجود ما لايستغني عن الغير لا في كونه و لا في بقاۤئه طرفة عين دليل علي [ص 436] وجود ذلك الغير و لمّا كان ذلك الغير الذي هو العلة في الكون و البقاۤء مستحيل الادراك من غيره كان وجوده عند العارف عين وجود اثره فلايخفي عن شيء باثاره و لايجده شيء بذاته و هو قول اميرالمؤمنين عليه السلم وجودُه اثباتُه و دليله آياتُه ، و هذا استدلال ثابت صحيح الّا انه بغير نمط استدلال المصنّف لانه صوّره بصورة القياس الاقتراني اذ لايعرفون غيره و هذا الاستدلال و امثاله اذا تعلّق بمعرفة الحقاۤئق الالهية ظهر فيه الخلل لانحطاط مداركه عن تلك الحقاۤئق كما تقدّم و لذا كان قوله في بيان الملازَمة غير مرتبط فان قوله « فلانّ ما عدا حقيقة الوجود اِمّا ماهيّة من الماهيّات او وجود مشوب بعدم او بنقصٍ » و هذا حصر علي اصطلاحهم صحيح لان الاشياۤء امّا وجود بحت او وجود مشوب او ماهية و يعني بالمَشُوب بهٖ هو الماهية اذ لا شيء غير الوجود و الماهيّة فصارت الملازمة ثابتة بالنسبة الي الماهيّة و امّا بالنّسبة الي الوجود المشوب فلا لانه لو لم‌يوجد الوجود الخالص لمالزم عدم الوجود المشوب اذ الوجود المشوب لم‌يكن بغيره و ان كان ما شابَهُ اعني الماهية لم‌يوجد بنفسه بخلاف الوجود فانه ليس مجعولا لغيره و لا بغيره لاسيما علي قولِ ٱلمصنّف و قوله فيما تقدم و يأتي انه مجعول لايريد به انه كوّنه الجاعل بعد ان لم‌يكن في نفسه شيئا اصلاً و انما يريد بجعله تنزّله في مراتبه و شوبه بما يعرض له من عوارض مراتبه لاتحاده بجاعله بعد رفع تلك العوارض لانه حقيقة واحدة بسيطة كاتحاد اجزاۤء السرير بعد رفع صورته بالخشب المطلق و كذا حكم الوجود لِانه حقيقة واحدة منه صافٍ و منه مشوب فيعود الكلام علي قوله لو لم‌تكن حقيقة الوجود موجودة لم‌يكن شيء من الماهيات موجوداً فلايلزم من عدمها عدم مطلق الموجود ( الوجود . خ‌ل ) و انما يلزم عدم الماهية منفردة او مشوبةً بوجود فعلي قوله باستقلال الوجود الحادث يبطل استدلالهُ و علي قولنا [ص 437] بعدم استقلال الوجود الحادث بمعني انه لايتقوّم الّا بالماهيّة يمكن تصحيح استدلاله ،

و قوله « كيف و لو اخذت بنفسها مطلقةً او مجردةً عن الوجود لم‌تكن بنفسِها نفسَها » هذا موافقٌ لِاعتقادِنا و مخالف لاعتقاده خصوصاً في هذا الكتاب فانه يزعم انّها في الذهن معروضة للوجود و لاتكون معروضة له الّا حال كونها مجرّدة عنه و هي هي نعم عندنا كما يقول هُنا لانّها في الذهن غير مجرّدة عن الوجود الذهني لان ما في الذهن منها ظلّ منتزع من الخارج المتقوّم بالوجود و في الذهن كذلك بنسبة الوجود الظلّي الي وجودِ ذي الظلّ لان ثبوت شيء لشيء فرع علي ثبوته في نفسه و جريان القاعدة الفرعية علي ما نقول اولي من جريانها علي ما يقول ،

و قوله « فهي بالوجود موجودة » متفرعٌ علي قوله و امّا علي قولنا فقد تقدّم الوجهان فيه الّا انّ مرادنا بالوجود و بالماهية غير ما يريد فراجع .

قال : « و ذلك الوجود ان كان غير حقيقة الوجود ففيه تركيب من الوجود بما هو وجود و من خصوصيّة اخري و كل خصوصيّة غير الوجود فهي عدم او عدمي و كل مركّب مؤخر عن بسيطه مفتقر اليه و العدم لا مدخل له في موجوديّة الشيء و تحصّله و ان دخل في حده و معناه و ثبوت اي مفهوم كان لشيء و حمله عليه سواۤء كان ماهيّةً او صفة اخري ثبوتية او سلبية فهو فرع علي وجوده و الكلام عايـٔد الي ذلك الوجود ايضا فيتسلسل او يدور او ينتهي الي وجود بحتٍ لايشوبه شيء فظهر ان اصل كل موجودية كل شيء موجودٍ هو محض حقيقة الوجود الذي لايشوبه شيء غير الوجود » .

اقول : قوله « و ذلك الوجود ان كان غير حقيقة الوجود » يعني ان كان غير اللّهِ سبحانه فيه ان تسمية اللّه تعالي بحقيقة الوجود انّما اطلقه عليه لزعمه ان الوجود في ذاته منه حقيقة و منه مشوبٌ اي مركب مما يذكره و هذا لايصح [ص 438] الّا علي شيئين تجمعهما حقيقة واحدة امّا من حيث الاسم الحقيقي كالمعني المصدري و النّسبي و الرابطي و البسيط المعبر عنه بهست في الفارسية او من حيث المعني الحقيقي بان يكون ذاتاً واحدة تتجزأ الي الحقيقي و المركّب من الحقيقي و شيء آخر و كلا المعنيين باطل اَمّا الاوّل فلكونه متقوِّماً بغيره و امّا الثاني فلكونه منقسِماً الي غيره و لكن علي تقدير قبول ذلك منه معني قوله انّ الوجود ان كان حقيقة الوجود فهو الوجود الحقّ تعالي و ان كان غير حقيقة الوجود بل فرعه او تنزّله او غير ذلك مما يكبر في صدورهم ففي ذلك الوجود الذي هو غير حقيقته تركيب منه اي من الحقيقي كما هو رأي مميت الدين في الحتوفات فانه يري ان الحق الذي لا خلق فيه و الخلق الذي لَا حَقَّ فيه اجتمعا فعُصِر منهما الانسان فهو الحق و هو الخلق و كذلك اٰراۤء اتباعه كالمصنف و صهره اوْ ان قوله « من الوجود » اي المطلق يعني فيه تركيب من الوجود المطلق « بما هو وجود » يعني انّ جزءَهُ حصّة من الوجود المطلق الغير المقيد بتخصيص الوجود بنفسه و بتخصيصه بمراتبه و منازله بشؤنه الذاتية بل من حيث هو هو و حصّة من خصوصيّة اخري غير الوجود كتخصيصه بالماهية او بامر اعتباري و الاول هو العدم و الثاني هو العدمي و قد تقدم انه في غير التخصيص الواجبي يتخصّص في مراتبه و منازله بشؤنه الذاتية و قد يكون بها و بالماهيّة و لا ريب انه اذا تخصّص بشؤنه الذاتية سواۤء جعلت هي العدمي المذكور لانها في علمه الذي هو ذاته ليست عند انفسها شيئا و ان وحدته طوت تلك الكثرات ام العدم اذ لا تحقق لها من ذاتها ام علي التقسيم الاوّلي فانه هو التخصيص بذاته اي التخصيص الواجبي لان هذه الشؤن الذاتية ان كان لها اعتبار ما تكثرَ مع وحدته و الّا فقد قال العدم لا مدخل له في موجودية الشيء فلاتتَحقّق رتبة او منزل متخصّص مغاير لغيره بسبب [ص 439] شؤن لا حَظّ لها من الوجود باعتبارٍ اذ ليْسَتْ شيئاً فلايترتب عليها شيء فقَدْ دار تحقّق الغير و عدمه علي وجود الشؤن في نفسها و عدمها علي ان هذه الشؤن الذاتية التي هي علّة التكثّر اذا تحقّقت في انفسها امتنعت الوحدةُ علي الوجود الواجبي في كلّ حالٍ اذ ليس فاقداً للشؤن في حالٍ من الاحوال و الّا لم‌تكن ذاتيّة هَف ،

و قوله « و ان دخل في حدّه و معناه » ليس بصحيح لانّ العدم لايدخل في حدّ الشيء و معناه الّا اذا كان له معني خارجي وَ ان كان كذلك كان له مدخل في موجوديته او موجودية لازمه او منافيه و الّا اي و ان لم‌يكن له معني خارجي لم‌يكن له معني ذهني لما قرّرنا من انّ ما في الذهن فرع علي ما في الخارج و لو جرينا علي مذاقهم من امكان كون الوجود في الذهن منفرداً عن الخارج كان له مدخل في موجوديته او موجودية لازمه اوْ مُنافيه و من هذا ما استدل به المصنف كما يأتي في ذكر الاستدلال علي كون بسيط الحقيقة كلّ الاشياۤء من انه اذا اُخِذ معني النفي و السلب في مفهوم الشيء كان مركّبا في حقيقته من معني الثبوت و من معني السَّلْبِ فلايكون بسيط الحقيقة و لو كان العدم لا مدخل له في موجودية الشيء لماتركبت حقيقة جيم من معني جيم و من معني ليس ب علي ما قرّره هناك فيما يأتي ،

و قوله « و ثبوت ايّ مفهوم كان لشيء و حمله عليه سواۤء كان ماهية او صفة اخري ثبوتيّة او سلبيّة فهو فرع علي وجوده » يرد عليه انه قد قرّر سابقاً اَنّ الوُجودَ متّحد بالماهيّةِ في الخارِج و عارض لها في الذهن فيلزم انّ عروض الوجود لها فرع عَلَي وُجُودِها فيتسلسل او يدور و اَيْضا قد ثبت فيما اشرنا اليه مما دلّ عليه النقل و كلام الحكماۤء و العقل شاهد لهما منْ انّ كلّ محدثٍ لايكون الّا مركّبا من جهتين جهة من ربّه و هو المسمّي في الاصطلاح بالوجود و جهة من نفسه و هو المسمّي ايضاً بالماهيّة فاوّل المحدثات جزءاه قد ثبتا لهُ و لم‌يكن موجوداً قبل ثبوتِهما له [ص 440] و بالعكس و كذا القابلية و المقبولية ثابت كلّ منهما لما يحمل عليه من دونِ اَنْ يكونَ المحمول عليه موجوداً قبل المحمول بل كل موجودين احدهما شرط للاخر امّا في جهة كالابوّة و البنوّة او في جهتين كالوجود و الماهية و كالكسر و الانكسار فان الوجود و الكسر شرط للماهيّة و الانكسار في التّحقق و هما شرط للوجود و الكسر في الظهور فانّ شيئا منها لايسبق الاخر في الوجود الذي هو الكون في الاعيانِ و الحصول و مثل هذا قوله و كل مركب مؤخر عن بسيطه مفتقر اليه مع انّ في هذا زيادة علي ذلك بتصريح انّ الحادث مركب من وجود قديم و من ماهيّة محدثة و هذا علي القول بالسنخ كما هو مذهب المشهور من الصوفية نعم اذا فُسِّر الوجود بالمعني الحقيقي الّذي يريد المصنف فعلي قول المصنف من تحقّقه بدون شرطٍ اَوْ من بساطَتِهٖ المطلقة او انّ حقيقته الوجوب ( حقيقة الوجود . خ‌ل ) يتمّ له بعض كلامه مثل الوجود و علي قولنا لايتم له شيء من ذلك فيما هو من الحادثات اِلّا في الاصول المطلقة بالنسبة الي المقيدة كالماۤدة المطلقة بالنسبة الي الخاۤصة فظهر لمن فهم ان استدلاله بهذا التّرتيب و هذا المعني ليس بشيءٍ و انما الميزان في الاستدلال هُوَ الاحتياج اللازم للمحدث المستلزم للاستناد الي الغني المطلق الذي لايحتاج الي شيء و الاستدلال بلزوم التسلسل او الدّور كما فعله العلماۤء علي غير هذا النمط اصح من هذا فافهم ،

و قوله « فظهر انّ اصل كل موجودية كلّ شيء موجود هو محض حقيقة الوجود » هذا الكلام علي قول المصنف القاۤئل بالسنخ كما هو المشهور من قول الصوفية مطابق لمذهبه لانّ ظاهر معني هذا الكلام و هو ان اصل كل موجودية كل موجودٍ انّ موجودية كلّ موجود فرع علي موجوديته تعالي و الفرع مشتق من اصله باحد الاشتقاقات اللغويّة و الاصطلاحيّة كاخذ ماۤدة الفرع من الاصل امّا بالاقتطاعِ كاخذ بعضٍ من كلٍّ او التوليد كالثمرة من الشجرة او كالضرب [ص 441] المصدر مِنْ ضرَبَ الفعل او الاستنباط كالحكم من الدليل او الطريقة كالشريعة من الشارع و امثال ذلك و المستفاد من مذهب المصنف و استدلالاته هو ان المراد بهذا الاصل هو الاول اي الاقتطاع و ظاهر رأي صهره في الكلمات المكنونة هو الثاني اي التوليد و ظاهر كلام بعض الحكماۤء هو الثالث و ظاهر بعضهم الرابع و هنا اراۤء كثيرة كلّها فاسدة ليس لها في الحق نصيب و اعلم اني انّما اتتبّع ما في كلام المصنّف طلباً لتنبيه المؤمنين بمذهب ائمتهم عليهم السلم لان كثيرا منهم مالوا مع هؤلاۤء ظنّا منهم ان هذا الذي عليه هؤلاۤء هو مذهب اهل البيت عليهم السلم فقبلوا منهم و سلّموا لهم و اتّبعوا ادلّتهم من غير نظرٍ قاطعٍ و انما اتّبعوهم لِتخيّل مثل هؤلاۤء علي رتبةٍ لاتنالها العقول و لاتحوم حولها الاوهام فاحسنوا الظنّ في معرفتهم و شدّة اطّلاعهم و عظيم شهرتهم فكبروا في اعينهم و ظنّوا ان اقوالهم في انفسها حجة لايحتاج الي النظر فيها و هم يحسبون انهم يحسنون صنعاً فذكرت اكثر ما في كلامهم علي جهة التنبيه لتقوم الحجة بعد العيان و البيان علي الفطن النبيه و لم‌اقصد تنقيصهم و عيبهم و الله سبحانه علي ما نقول وكيل فاني و لله الحمد و المنة عليّ اعلم ان الله سبحانه يسئل عباده عما يسرّون و ما يعلنون و هو عليم بذات الصدور .

قال : « الثاني - في ان واجب الوجود غير متناهي الشدّة و القوّة و ان ما سواه متناهٍ محدودٌ لما علمتَ ان الواجب تعالي محض حقيقة الوجود لايشوبه شيء غير الوجود فهذه الحقيقة لايعتريها حدّ و لا نهاية اذ لو كان له حد و نهاية كان له حد و تخصيص بغير طبيعة الوجود فيحتاج الي سبَبٍ يحدِّده و يخصّصه فلم‌يكن محض حقيقة الوجود » .

اقول : قوله « الثاني » اي « المشعر الثاني في ان واجب الوجود » الخ ، يريد به [ص 442] انّ واجب الوجود هو حقيقة الوجود فيكون غير متناهي الشدّة و القوّة ثم علّل هذه الدعوي بقوله « لما علمتَ ان الواجب تعالي محض حقيقة الوجودِ لايشوبه شيء غير الوجود » و هذا يدلّ علي فرض صحة استدلاله انه يريد بالوجود ما يقابل العدم ليتفرع علي هذا ان كلّ شيء هو عدم كالجهل او يأول الي العدم كالانتهاۤء فانه اذا فرض له انتهاۤء كان فاقداً لما يفرض وراۤء ذلك فاذا لم‌يجر عليه فقدانُ شيء كانَ غير متناهٍ في الشّدّةِ و القوّة و لايكون هذا الّا في محض الوجود اذ غيره مشوب بعدم او عدمي كما تقدم و هذا هو معني الوجود البسيط المعبّر عنه بالفارسية بهست فيلزمه ان تكون ذات الواجب تعالي هو معني هَسْت و هذا صفة لشيءٍ كما هو ظاهر و لايجوز ان تكون ذات اللهِ تعالي بهذا المعني لان ذاته المقدسة لو كانت بهذا المعني لكانت محمولة علي ذاتٍ فوقها فتكون معلولة لها محتاجة اليها و ان اريد غير ذلك و غير ما في معناه كالرابطي و المصدري فما شرحه فان وقف علي شرحه باي طورٍ فُرِض فهو ممكن اذ لا سبيل الي شرح حقيقة الحق تعالي و ان لم‌يقف علي شرحه فكيف نصَّ علي عدم تناهيه في الشدّة و القوّة لكونه محض حقيقة الوجود لان تعليل عدم التناهي بشيء يجب ان يكون معلوما مميّزاً محدوداً و الّا لكان مثل قولك زيد لايتناهي لانه شيء و الحال انك لاتعرف من الشيء معني مشروحاً عندك لانّ التعليل جهة المعرفة و الادراك و لايتم الاستدلال الموجب لصحة المدّعي الّا بمعرفةِ حقيقةِ ٱلتّعليل و هذا نور ظاهر لمن له بصر باطن ،

و قوله « فهذه الحقيقة لايعتريها حد و لا نهاية » الي قوله « كان له حد و تخصيص بغير طبيعة الوجود » الكلام فيه كالذي قبله اذ بدون معرفة الذات التي هي حقيقة الوجود عنده لايمكن وصفها بما ذكر و امّا غيره من الحكماۤء و العلماۤء فانهم استدلّوا علي عدم تناهيه بلزوم الحصر و الفناۤء و النقص [ص 443] و العجز و امثال ذلك مع التناهي و تلك توجب الحدوث المستلزم للدور و التسلسل او الانتهاۤء الي الواجب الغني المطلق الذي لا غاية لذاته و لا نهاية لصفاته و استدلالهم احسن و اسلم من استدلاله .

قال : « فاذن ثبت ان واجب الوجود لا نهاية له و لا نقص يعتريه و لا قوّة امكانية فيه و لا ماهيّة له و لا يشوبه عموم و لا خصوص فلا فصل له و لا تشخّص له بغير ذاته و لا صورة له كما لا فاعل له و لا غاية له كما لا نهاية له بل هو صورة ذاته و مصوّر كل شيء لانه كمال ذاته و كمال كل شيء لانه ذاته بالفعل من جميع الوجوه فلا معرّف له و لا كاشف له الّا هو و لا برهان عليه فيشهد ذاته علي ذاته و علي وحدانية ذاته كما قال شهد اللّه انه لا اله الا هو و نشرح لك هذا » .

اقول : قوله « فاذن ثبت ان واجب الوجود لا نهاية له و لا نقص يعْتريه » نعم قد ثبت هذا الّا انه بغير ما ذكره من دعوي كونه حقيقة الوجود لما ذكرنا بل بما ذكره العلماۤء مما قرّروه في كتبهم و ان كان الاكثر منها مدخولاً و اذا اردت محض الحق فزكِّ عقلك بكتاب الله و سنّة نبيّه صلّي اللّه عليه و اله و انظر به في الايات التي جعلها دليلا علي ذلك و هي اياته في الافاق و في الانفس كما قال تعالي سنريهم اياتِنا في الافاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق الاية ، و لولا خوف الاطالة لذكرتُ لك شيئا مما ذكروه في كتبهم و لكنه لايعسر عليك و انا في الغالب انّما اذكر ما لم‌يذكروه او ما يرد عليهم مما لم‌يشعروا به ،

و قوله « و لا قوّة امكانية » لايريد به بان فيه قوّة وجوبيّة اذ الوجوب ليس فيه شيء غيره و انّما ذكر هذا البيان ما هو الواقع و ذلك لان الواجب لو فرِض فيه قوّة امكان ( امكانية . خ‌ل ) لكان محتملا للاستكمال و الكمال و محتمل الكمال محتمل النقصان و هو الحادث لانّ كل ما يمكن له عز و جل فهو [ص 444] بالفعل علي حدّ لايحتمل الزيادة و لا النقصان اذ كل ما جاز عليه وجب له فليس في الازل حالةٌ منتظرة و لا حالات مختلفة و هذا ظاهر الّا انهم مع قولهم بهذا قد يذكرون اشياۤء يفرضونها فيه اوْ له يبنون عليها احكاماً و الحق تقدّس تلك الحضرة تعالي شأنه عن كل ما ليس هو ذاته لا خارجا و لا ذهنا و لا فرضا و لا احتمالاً و اعتباراً او حيثية لان كل ذلك صفات الممكنات فالازل تعالي لايصح فيه فرض الامكان و الاحتمال بكل اعتبار و فرض ،

و قوله « و لا ماهيّة له » صحيح علي قصده لانه يريد انه عز و جل وجود بحتٌ بدون ماهيّة و هذا صحيح الّا انه لايقال ذلك في صحيح التعبير اذ صحيح التعبير ان يقال انّ وجوده عين ماهيته بكل فرض و اعتبار لا ان يقال لا ماهيّة له لما تقرّر ان المراد بالوجود باعتبار مفهومه الذاتي انّه شيء لغيره و الماهية شيء لنفسها و الوجوب اذا اطلق عليه الوجود يراد منه ما يعتبر من الماهية باعتبار هويّتها فهو الماهية و لذا قلنا سابقاً انّ الماهية لايجوز سلبها عنه تعالي و انّما يقال كما في اخبار ائمتنا عليهم السلم يا من لايعلم ما هو الّا هو و هو المراد من الماهية التي هي مناط الكبرياۤء و العظمة و ذلك ثابت لمن له هويّة لذاته و لهذا كان وجود الممكن لايستحق لذاته الكبرياۤء و العظمة لانهما لله سبحانه اذ لا هويّة للممكن لذاته و المصنف يقول بان الممكن لايستحق لذاته الكبرياۤء و العظمة مع انه يثبت له وجوداً من سنخ الوجود الحق تعالي فلولا انه لا ماهية له ذاتية لاستحق الكبرياۤء و العظمة مع ثبوت الوجود الذي هو عنده من سنخ الوجود الحق سبحانه و ذلك لانه انّما هو شيء بمشيّة الله سبحانه و مشيّة الله عز و جل انما هي شيء بالله سبحانه ،

و قوله « و لايشوبه عموم و لا خصوص » الخ ، اي انه ليس له طبيعة جنسية و لا نوعيّة فيدخل تحت شيء او يدخل تحته شيء و لا فصل له مقوّم او مقسّم و الا لكان مركبا او متجزّئا [ص 445] و هذا علي ما نذهب اليه صحيح لانه مطابق لاعتقادنا امّا عند المصنف فيلزمه علي اعتقاده ان الوجود المطلق الشامل للحق تعالي لانه عز و جل خالصه و محضه و حقيقته و الشامل للخلق ايضا لان وجودات الخلق احد افراد المطلق الّا انها مشوبة بالعدم او العدمي فالاشياۤء مركبة من حصص من ذلك المطلق و من ماهيات و قابليات متغايرة بها تكثرت الاشياۤء سواۤء قيل انها شؤن ذاتية لتلك الوجودات في رُتبها و منازلها ام مخصّصات اجنبيّة منها اذ هي علي الاول بشؤنها الذاتية تجنّست و تنوعت بفصولها فانه بهذا يلزمه دخول مطلق الوجود المطلق او خصوصه تحت العمومات و الخصوصات حتي ان هذه الطريقة صرّح بعضهم بان الوجود الممكن لايجري عليه العدم و انّما الوجود الممكن و العدم يختلفان علي الماهية فاذا ارتبط بها العدم لحق وجودها بمبدئه القديم فيبطن فيما ظهر منه فلايجري عليه العدم لانه ضدّه فاذا بنيت المعرفة علي مثل هذه الكلمات السوۤءي بحيث يبطن الحادث في القديم لانه منه بُدِئ و اليه يعود كيف يقال علي مثل هذه انه لايشوبه عموم او خصوص ،