و قوله « يلزم ان يكون المجعول من لوازم ماهية الجاعل » قد بيّنّا انه لايلزم و لايجوز لانه يكون لازماً للجعْل لا للجاعل و لوجوده لا لماهيته و ان كان لا تغاير [ص 374] بين ماهيته و وجوده و لكن لم قال لماهية الجاعل و لم‌يقل لوجوده ليرتب عليه صورة القياس فاذا ذكر الماهية و لا ماهية الّا في اللفظ رتّب عليه الكبري و ما هو الّا كما قال علماۤء البديع ان هذا النمط يقال له القول بالموجب كما قال الشاعر :

قَدّهُ لا طعن في اوصافِهٖ عجباً لا طعنَ فيه و هو رمحُ

شَحّ بالوصلِ و للرّٖيم حكي اُحّ من شخصٍ كريم فيه شُحُّ

و ما اسرع نقله من الوجود الحق البحت الي الاعتباري فما اشبهه بما قيل ان رجلاً دخل السوق و عنده عنز يبيعُها فاتاه شخص فقال له بكم من درهم تبيعُها فقال هي بخمسةٍ رخٖيصةٌ بستّةٍ مَلٖيحةٌ بسبعةٍ تَسوي ثمانية ان كان عندك تسعة هاتِ عشرةً و خُذْها ، و هذا مثال هذا الشيخ جعل الماهية لازمةً لماهية الواجب تعالي ثم جعلها هي و جميع المخلوقات بقضية واحدة اعتبارية بطفرة واحدةٍ ،

و قوله « الا المجعول الاول » و ذلك قول بعض الرواقيين كشيخ الاشراق فانه حكم بكون الوجود امراً اعتباريّا اذ لايعقل شيء في الخارج هو وجود و قد نص علي ان وجود الله سبحانه حقيقي في الخارج و ليس كساۤئر الاشياۤء لانها به وجدت و به قامت و لا بد ان يكون موجوداً في الخارج و اورد حججا كثيرة يطول الكلام بذكرها ثم ذكر تبعا للحكماۤء المتقدمين في زعمه و ما فهم من ظاهر كلامهم استثناۤء المفارقات البسيطة فقال : ان النفوس و ما فوقها من المفارقات انيّات صرفة و وجودات محضة ، و نقل المصنف عنه في الكتاب الكبير : و كون النفوس و العقول وجودات محضة و انّيات صرفة باعتبار اَنّ وجوداتها غالبةٌ علي اعدامها و اعدامُها مضمحلّة في جنب وجوداتها بخلاف هذا العالم الكدر الظلماني الّذي هو مملوء من الظلمات و الاعدام و النقاۤئص و الٰافات فكأنهما وجودات محضة فاذا اطلق عليهما الوجودات المحضة [ص 375] و الانيّات الصرفة فلا اشكال انتهي ، و قد تقدم ما يدلّ علي ما يلزمهم بعدم الفرق و الاستثناۤء بل اما القول بالعيني في الكلّ و الّا بالاعتباري في الكل ،

و قوله يريد ردّ قولِهمْ بان الواجب عين الموجوديّة و عين الوجود ، اشارة منهم الي وحدة الوجود فردّ عليهم بما هو كقولهم و اشنع منه فقال « لو علموا حقيقة الوجود » اي عرفوها « و انها عين ذاته تعالي المنزّه عن الماهيّة » يشير به الي ما ذكروا من كون الاشياۤء من لوازم ماهية الواجب فردّ عليهم بانهم لو عرفوا حقيقة الوجود و ان تلك الحقيقة هي عين الحق تعالي و انه ليس له ماهية لانه وجود صرف فاصلح شيئا لافساد فيه لو قيل به فانّ ماهية الواجب هي وجوده بافساد شيء فيه صلاح و هو ما يلزم علي قوله من نفي ماهيات كل الاشياۤء و انّما هي وجودات صرفة و ذلك بقوله « لعلموا ان كلّ موجود يجب اَنْ يكون فعله » اي مفعوله « مثل طبيعته و ان كان » اي مفعوله « ناقصا عنه » في الشدّة و الصرافة « قاصراً عن درجته » في البحتيّة و المَحْضيّة فقد نفي جميع الماهيات عن جميع الاشياۤء لان المعلول كعلته من سنخه فحيث كانت العلة وجوداً بحتا لا ماهيّة له و مفعولها كطبيعتها كان ذلك المفعول وجوداً بحتاً صرفاً لا ماهيّة له و كذا مفعول مفعوله و هكذا في جميع الاشياۤء لا فرق بينها الّا بالشدّة و الضعف خاۤصة ،

فقال بياناً لهذا « فما كانت طبيعته بسيطةً ففعله بسيط و كذا فعل فعله » ثم كشف القناع في التصريح فقال « ففعلُ اللهِ تعالي في كل شيء افاضة الخير و نفخ روح الوجود و الحيوة » و اراد بقول « مثل طبيعته » اي في الحقيقة الذاتية بان يكون العِلّة و المعلول بالذات من سنخ واحدٍ و من حقيقةٍ واحدةٍ و اراد بالفعل في الفعل و فعل الفعل ما هو الفعل بالذات فيلزم ان يكون الوجود صادراً عنه تعالي بالذات و كذا كل معلول صادر عن علته بالذات فيكون الوجود في الممكنات كلها من سنخ الوجود الواجب [ص 376] تعالي عن ذلك و هو تعالي بسيط لا تركيب فيه فكذا ما صدر عنه بالذات لانه مثل طبيعته في المشاركة الحقيقية فعلي زعمه هي كموجدها و ليست الماهية جزءاً لها و لا عينها كموجدها فاذَنْ يوجّه قول الحكماۤء ان كل ممكن زوج تركيبي يعني من ماهية و وجودٍ انّ معناه كلّ ماهية موجودة فهي بحيث يحلّلها العقل الي شيئين وجود و ماهيّة ، فاقول تأمّل رحمك الله تعالي و هداك في هذه الاعتقادات الباطلة و المذاهب الفاسدة و مَن مال الي اقوالهم و انس بمذاهبهم فلايجوز له ان ينكر عَليَّ و لايردّ شيئاً ممّا طعنتُ به عليهم لاني عنده انا و اقوالي كلها وجودات صرفة و انوار حقّة من سنخ حقيقة الوجود الحق ، تعالي ربي عما يقولون علوّا كبيراً فكلّ ما اقول في الطعن عليهم فهو حقّ لايجوز الشك فيه لان الشك فيه شك في الحق انظر كيف يفترون علي الله الكذب و كفي به اثما مبينا .

قال : « قول عرشي - اعلم ان للوجود مراتب ثلاث : الاول الوجود الذي لايتعلّق بغيره و لايتقيد بقيدٍ مخصوص و هو الحريّ بان يكون مبدأ الكل » .

اقول : قوله « قول عرشي » علي ما في كثير من نسخ هذا الكتاب و معناه مقول اي مطلب رفيع لان الرفيع قد يعبر عنه بالعرش لكونه اعلي الموجودات ، او مطلب شريف كما ان العرش اشرف المظاهر و هو خزاۤئن كل شيء و هو العند الذي ذكرهما في كتابه فقال و ان من شيء الّا عندنا خزاۤئنه فهو العند و هو الخزاۤئن و انّما يعبر عنه بالخزاۤئن لان الجمع بالنسبة الي كل فرد من الموجودات فكل شيء له كون في الركن الايمن الاعلي من العرش و له عين في الركن الايمن الاسفل من العرش و له قدر و هندسة في الركن الايسر الاعلي منه و له طبيعة في الركن الايسر الاسفل منه و له صورة جوهريّة في نفس العرش و له هيولي [ص 377] في تعيّن الايسر الاسفل منه و له صورة ظلّية في مثاله و له مادة في جسمه و له اركان اربعة في وجوده الثاني و له طبائع اربع في عناصره و هكذا فكل شيء فله في العرش خزاۤئن في نزوله و في صعوده لاتكاد تحصي فلذا قال تعالي و ان من شيء الّا عندنا خزاۤئنه فافرد الشيء و جمع خزاۤئنه و كلها في العرش ، او مطلب دقيق و سر عميق لان العرش مظهر البدع و علل الاشياۤء و العلم الباطن و منه يظهر حكم يمحو ما يشاۤء و يثبت او لانه متلقّي بالالهام من افاضة الواسطة بين الله سبحانه و بين خلقه صلّي الله عليه و اله و هو قلبه الشريف كما قال تعالي ماوسعني ارضي و لا سماۤئي و وسعني قلب عبدي المؤمن صلي الله عليه و اله و المصنف يشير بهذا الي ان هذا التقسيم علي النمط المذكور من الواردات التي وردت عليه و هذا التقسيم يراد فيما اذا اريد التعبير عنه بالوجود صدق هذا اللفظ بقيد علي واحد و بقيد آخر علي اخر كالجنس مع فصوله لانواعه و نريد بالاول الوجود الحق يعني المعبود عز و جل و بالثاني فعله و هو الوجود الراجح علي اصطلاحِنا و هو المشيّة و الارادة و الابداع و بالثالث الوجود المقيد بالمشخصات و هو وجود الكائنات من الوجودات الجواهر و الاعراض في الغيب و الشهادة ، و هذا اصطلاحنا الذي نجري عليه عند الاطلاق ،

و اما المصنف فكان بصدد الماهية فخصّص التقييد و عدمه هنا بها فقال « الاول الوجود الذي لايتعلق بغيره و لايتقيد بقيد مخصوص و هو الحري اي الحقيق بان يكون مبدأ الكلّ » اقول قوله « الاول الوجود الذي لايتعلق بغيره » حق لان الوجود الواجب لايتعلق بغيره و لكن يجب ان تعلم ان هذا القول علي جهة الحقيقة التي لايحتمل غير هذا المعني لا في الخارج و لا في الذهن و لا في نفس الامر فعلي كون هذا علي جهة الحقيقة يكون القول بان صور الاشياء في ذاته قولاً بتعلّق الواجب بغيره [ص 378] و كذا قول مَن قال انه كل الاشياۤء لكونه بسيط الحقيقة و كذا قول معطي الشيء ليس فاقداً له في ذاته و ان كان علي نحوٍ اشرف كما يتوهم صحته بهذا التقييد و كذا من جعل علمه مقترنا بالمعلومات الّا اذا اراد بالعلم هنا العلم الحادث كالكتب السماوية و الواح النفوس الملكيّة و كذا من قال بانه تعالي فاعل بذاته و كذا من قال بان مجعوله لازم لماهيته و كذا قول ان فعله كطبيعته و كذا قول ان تعددَ مراتب الوجود بشؤنه الذاتية هي باحكامها افراده و كذا ساۤئر اقوالهم الفاسدة التي ليس في تعدادها فاۤئدة الّا انك تقف عليها انشاۤء الله كل في مكانه فان كلّ من نسب اليه شيئا من هذه و امثالها فانه قد جعل وجوده تعالي متعلّقاً بغيره و لقد عني غيره مَن وصف متعلقا بغيره بصفته تعالي كما قال الصادق عليه السلم في دعاۤء الوتيرة بعد العشاۤء كما رواه الشيخ في المصباح قال عليه السلام بدت قدرتُك يا الهي و لم‌تبد هيئة يا سيّدي فشبّهوك و اتخذوا بعض اياتك ارباباً يا الهي فمِن ثَمّ لم‌يعرفوك الدعاء ، و قد كشف عن ذلك ابوالحسن الثاني علي بن موسي الرضا عليهما السلم في خطبته و كمال توحيده نفي الصفات عنه لشهادة ان كل صفة غير موصوف و شهادة كل صفةٍ و موصوف بالاقتران و شهادة الاقتران بالحدث الممتنع من الازل الممتنع من الحدث ه‍ ،

و قوله « بقيدٍ مخصوص » ان اراد به تقييد القيد فهو باطل و ان اراد به بيان الواقع فهو صحيح و هذا اصطلاحنا الذي نجري عليه و نريده عند الاطلاق و امّا المصنّف فانه استعمل هذا التقسيم باعتبار ما هو بصدده من تقييد الوجود بقيد مخصوص و هو الماهية و عدمه فقال الوجود اما اَن اَلّايتعلقَ ( اَن لايتعلقَ . خ‌ل ) بغيره اي ليس معلولاً لشيء و لايتقيد بقَيْدٍ مخصوص اي لايتقيد بماهيّةٍ اصلاً و هو الوجود الواجب تعالي اوْ لايتعلّق بغيره بالّايكون مرتبطاً و مقترناً بغيره الّا انّه يتقيد بقيد [ص 379] مخصوص اي بماهية و هو العقول و النفوس المفارقة او يتعلّق بغيره و لايتقيد بقيدٍ مخصوص و هو الوجود المنبسط فانه يتعلّق و ينبسط علي اعيان الموجودات و لا يتقيد بقيد مخصوص اي بماهيّة لانّها عنده ليست مجعولة بالذات و لايتقيّد الوجود بها لانّه لو تقيد او اتّصفت به لكانت مجعولة و هذا تقسيم مبني علي مذهبه من عدم كونها مجعولة الّا بالتبع علي النحو الذي يذكره لانّا نريد بالجعل ثانيا و بالعرض هو ان يكون المجعول غير مقصود في اصل مقتضي العناية لذاته و انما هو مقصود لغيره لا انه غير موجود كما ذكرنا مراراً بخلاف مراد المصنف ،

و قوله « و هو الحريّ » اي الحقيق « باَن يكون مبدأ الكلّ » هذا ممّا قلنا فانه اذا كان مبدأ الكل كان متعلّقا بغيره بالذات تعلق الجاعل بالمجعولات كما اشار سابقا الي لزوم الوجودات لوجوده او الماهيات لماهيته كما تقدم من مذهب القاۤئلين به و يكون ايضا غيره متعلقا به و لايُراد بالاقتران الموجب للحدوث الّا هذا و مثله و ايضا قوله « مبدأ الكل » ان اراد به ان يكون الكل كامنا فيه بالقوة متأهّلا مستعدّاً لقبول كن عند توجه الخطاب اليه كما صرّح به الملّا محسن في الكلمات المكنونة و كلام المصنف يومي الي هذا في قوله بسيط الحقيقة كل الاشياۤء و معطي الشيء ليس فاقداً له ( في ذاته . خ‌ل ) و ان الاشياۤء و جميع كمالاتها فيه بنحو اشرف و غير ذلك فقد جعله متعلّقا بغيره و غيره متعلقا به بل هذا ابلغ لانه ولادة صريحة كما تقدم ذكره في حديث الحسين عليه السلام و الله سبحانه يقول الله الصمد لم‌يلد و لم‌يولد و لم‌يكن له كفؤا احدٌ فهذا مخالف لكلام الله سبحانه و كلام سيدالشهداۤء عليه السلام في تفسير الصمد و كذا ان اراد بالمبدءية ايجادها من الحقاۤئق المتأصّلة و الصور المجردة التي هي في علمه و علمه عين ذاته كما تقدّم النقل عن ابن [ص 380] ابي‌جمهور الاحساۤئي في المجلَي عنهم و بالجملة فاكثرهم يقول بانه وجود لا تعلق له بغيره و لا تعلّق لغيره به الا انه قول باللسان و يريدون ما سمعتَ اللهم مالك الملك عالم الغيب و الشهادة انت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون .

قال : « الثاني الوجود المتعلق بغيره كالعقول و النفوس و الطباۤئع و الاجرام و المواۤدّ » .

اقول : هذا القسم الثاني من اقسام الوجود و هو تقسيم مبني علي ما يترتّب مذهبه عليه اذ ليس يريد تقسيم الوجود الي واجب و غيره و الوجود الغير الواجب الي وجود امرٍ و وجود خلقٍ بل باعتبار صحة تقييده بالقيد المخصوص الَّذي هو الماهيّة و عدمها علي رأيه اذ لو قسّمناه باعتبار تقييده بخصوص الماهية و عدمه علي مذهبنا لقلنا هكذا المعبر عنه عند التعريف بالوجود ينقسم الي ثلاثة اقسام الاوّل هو الذي لايتعلق بغيره و لايتعلّق به غيره و لايتقيد بقيدٍ مطلقا حتي قيد الاطلاق و هو الواجب عز و جل الثاني هو الذي يتعلّق بغيره تعلّق الفاعلية و العلية و يتعلّق به غيره تعلق المفعولية و المعلولية و هو الوجود الراجح و هو المشيّة و الفعل ( و . خ‌ل ) الاختراع و الابداع و الارادة و ساۤئر مراتبه كالقدر و القضاۤء و الامضاۤء و الاذن و التأجيل و الكتاب و لايتقيّد بماهيّة لاضمحلاله في نور ربّه عز و جل و قد يطلق علي هذا الوجود عالم الامر كما قال تعالي اَلَا له الخلق و الامر ، الثالث هو الذي يتعلّق بغيره و يتعلق به غيره و يتقيد بقيد مخصوص اي بالماهية و هو الوجود المقيد بساۤئر مراتبه اوّله العقل الكلي و اخره ما تحت الثري ، فالوجود الحق هو المعبود عز و جل و فعله يسمي بالوجود الراجح و مفعوله يسمي بالوجود المتساوي و بالجواز فليس الّا الله عز و جل ثم احدث الوجود الراجح بالممكن الراجح في [ص 381] المكان الراجح و الوقت الراجح لان وجودها اي هذه الثلاثة ارجح من عدمها رجحانا ذاتيا و هي المشية و مكانها الامكان الراجح و العمق الاكبر و وقتها السّرمد و كلها راجحة الوجود يكاد زيتها يضيۤء و لو لم‌تمسسه نار ثم احدث بذلك الوجود الراجح الوجود المتساوي اي المفعولات المقيدة اوّلها العقل و اخرها ما تحت الثري و امّا ما قبل العقل من المفعولات كالماۤء الاوّل اي الحقيقة المحمدية و قد يُسمّي هذا بالدواة الاولي و كالامكان التكويني الذي هو ظرف هذا الماۤء و هو الحقيقة المحمدية و عالم الامر و الوجود الحقيقي و النفَس الرحماني الثانوي و قد يطلق عليه بالحق المخلوق به لانه الماۤدة المطلقة و الامر الذي قامت به الاشياۤء قياماً ركْنِيّا و قد يراد بالحق المخلوق به المشيّة و الارادة و ساۤئر مراتب الفعل و كالارض الميتة و ارض الجرز اعني ارض القابليات و قد تطلق الدواة الاولي علي هذا لان الدواة هي التي يستمد منها القلم و يكتب فقد يراد به الاستمداد الماۤدي اي يستمد من الهيولي الاولي و الماۤدة المطلقة حصصاً مادّية لساۤئر المخلوقات لكل واحد حصّة منها اي من شعاعها كما مر كما يأخذ النجّار حصة من الخشب لعمل السرير و حصّة منه لعمل السفينة و حصة منه لعمل الباب لان شعاع هذه الحقيقة المحمديّة هيولي كل الاشياۤء لا ذاتها كما تقدّم و قد يراد به الاستمداد الصوري اي يستمد من شعاع ارض القابليات حصة لصورة زيد و حصّة لصورة السماۤء و حصّة لصورة التراب و هكذا فبهذين الاعتبارين يسمي كل من الماۤء الاوّل و ارض الجرز و الارض الميتة اعني ارض الاستعدادات بالدواة الاولي علي احد الاعتبارين و يتفرع علي هذا ان ما قبل العقل الكلي و هو الماۤء و ارض الجرز قد يطلق عليه الوجود المقيد لانه من المفعولات لا من الفعل و قد يطلق عليه الوجود المطلق لانه قبل التقييد اذ اَوّل المقيدات العقل الكلي و هو مركب [ص 382] منهما فالوجود المطلق هو الفعل و الوجود المقيد هو المفعول و هذان بينهما برزخ قد يلحقانِ باسم الاوّل و قد يلحقان باسم الثاني و هذان الوجودان هما المراد في التأويل بقوله الا له الخلق اي المقيد و الامر اي المطلق و الوجود الحق هو اللّه سبحانه هذا ملخّص اصطلاحنا في التقسيم و الوجود الحق عز و جل عندنا لايدخل في التقسيم و انما نذكر ذلك من جهة عبارات التعريف و البيان و مع هذا كله فيراد منه العنوان يعني الدليل و الوجه الذي ليس كمثله شيء و هو السميع البصير ،

و قوله « و الطباۤئع و الاجرام و المواۤد » يراد منه ساۤئر الموجودات فانّها كلّها تتعلق بغيرها من عللها و معلولاتها و اسبابها و مسبّباتها و كلّها تتقيد بماهياتها بما لها من الحدود و المشخّصات لانا نريد بالتقييد بالماهية بالحدود اذ الماهية وحدها انّما تعيّن الهوّ و هو كليّ لايتشخّص و لايشخّص الّا بالحدود وَ المشخصات يعني اتحاد وجوداتها بماهياتها و نحن نعني ارتباط ماهياتها بوجوداتها و ربط وجوداتها بماهياتها علي نحو ما لوّحنا فيما مضي و يأتي انشاۤء الله تعالي .

قال : « الثالث الوجود المنبسط الذي شموله و انبساطه علي هياكل الانسان و الماهيات ليس كشمول الطباۤئع الكلية و الماهيات العقليّة بل علي وجهٍ يعرفه العارفون و يسمونه بالنفس الرحماني اقتباسا من قوله تعالي و رحمتي وسعت كل شيء و هو الصادر الاول في الممكنات عن العلة الاولي بالحقيقة و يسمونه بالحق المخلوق به و هو اصل وجود العالم و حياته و نوره الساري في جميع ما في السموات و الارضين » .

اقول : كلام المصنف هنا اوّل كشف القناع ما فهمه العالم الارشد الملا احمد بن محمد بن ابراهيم في تعليقاته علي هذا الكتاب و انا انقل لك كلامه هنا لتعرف مِنْهُ مُرٰاد المصنف رفعاً للتوهم عليّ اني احمل كلامه علي خلاف مراده ليكون [ص 383] كلام هذا العارف شاهداً لي وَ ان كان طويلا يطول بذكره مع ما اذكره الكلام فيما هو ظاهر :

قال قوله « و هو الصادر الاول في الممكنات عن العلّة الاولي بالحقيقة » و قول الحكماۤء ان اوّل الصوادر هو العقل الاول بناۤء علي ان الواحد لايصدر عنه الا الواحد كلام حملي بالقياس الي الموجودات المتعينة المتباينة المتخالفة الاثار فالاوليّة هٰهنا بالقياس الي اول الصوادر المتباينة الذوات و الوجودات و الّا فعند تحليل الذهنِ العقلَ الاوّل الي وجود مطلقٍ و ماهيّة خاۤصّة و جهة نقص و امكان حكمنا بان اول ما ينشأ هُو الوجود المطلق المنبسط و تلزمه بحسب كل مرتبة ماهيّة خاۤصة و تنزل خاۤصّ يلحقه امكان خاۤصّ كذا افاده في الكتاب الكبير و لايذهب عليك ان اطلاق الوجود المطلق علي الوجود المنبسط علي هذا اضافي هذا ثم لايخفي علي العارف بمذهبه انه لايصح منه القول بصادرية الوجود المنبسط حقيقة فلعلّ المراد منه ان الوجود المنبسط هو الطور الاول للوجود الاول و البواقي اطوارٌ له فالمتطوّر في هذه الاطوار هو الوجود المنبسط و هو غير الوجود الحق اذ طور الشيء غير ذلك الشيء بوجهٍ و علي هذا يحمل ايضا ما قاله في الكتاب الكبير من ان الوجود المطلق اذا اطلق في عرفهم علي الواجب يكون مرادهم به الحقيقة بشرط لاشيء لا الحقيقة السارية و لايلزم عليهم المفاسد الشنيعة كما لايخفي فتَثبَّتْ و بالجملة لعل مراده من صادريّة الوجود المنبسط بهذا المعني لا ان الوجود المنبسط هويّة منفصلة عن هويّة الواجب في الواقع ناشية عن وجوده نشو المعلول من العلّة كما يظهر لمن تتبّع كلامه و فهم مراده و بالجملة مذهب المصنّف هو هذا و من فهم غيره من مذهبه فقد خبط خبط عشواۤء و حرّف الكلم عن مواضعه فعلي هذا قوله بالجاعلية و المجعولية بين الموجودات و ان في الوجود علة و معلولاً و جاعلاً و مجعولا مبني علي ظاهر النظر و لئلّايتوحش الناظر في [ص 384] اوّل الامر باستماع امثال هذا الكلام فلذا بني الامر اوّلاً علي ما هو الظاهر من القول بالجاعلية و المجعوليّة و العلّيّة و المعلوليّة و اشار اشاراتٍ خفيّةً الي ما هو مذهبه في بعض الاوقات في اثناۤء تلك الكلمات حتي تنكسر سَورة وحشة الناظر و ترتفع شدّة نفرته تدريجا و يستأنس به قليلا قليلاً حتي يرتفع قبحُ ذلك بالمرة عن نظره ثم بعد ذلك يصرّح بما هو مذهبه في الواقع كما فعل في هذه الرسالة و ساۤئر كتبه و رساۤئله و العجب مِن جمع من المعاصرين الناظرين في كلامه المدّعين لفهم مراده انهم يدّعون ان مذهب المصنف ان وجود المعلول ظلّ لوجود علته و ليس في سنخه و بالجملة يقولون ان مذهبه ان الوجود المنبسط ظلٌّ لوجود البارئ و ليس من سنخه بل بحسب اصل الذات و سنخ الهوية مباين لوجوده تعالي و لعلّ الباعث علي هذا الحمل انهم لمّا رأوا ان ذلك مخالف لما ورد في هذه الشريعة الحقّة بل لجميع الشراۤئع و ايضا الانسان بفطرته و جبلّته التي فُطر الناسُ عليها يحكم بمباينة وجود الحق المتعال عن وجود ساۤئر الموجودات علي ان المصنف ايضا ادّعي في كتبه و رساۤئله مرة بعد اخري و كرّةً بعد اُولَي انّ في الوجود جاعلا و مجعولاً و ان الجاعلية و المجعولية بين الوجودات دون الماهيات و اقام عليه الحجج و البراهين و ايضا قد اطلق الظل و العكس علي وجود المعلول و قد مثّل بنسبة وجود الواجب الي وجود الممكن بما يوجب مثل هذا التوهم مثل الشمس بالقياس الي ضوئها و غير ذلك من الامثلة الموهمة و الكلمات المشنعة فدعاهم جميع هذه الامور الي ذلك الحمل و التوجيه الذي لايرضي به صاحبه اصلاً و ليتَ شعري انه علي هذا علي‌مَ يحمل كلامه في التوحيد الذي قال به و سيجيۤء عن قريب و قوله في اخر بحث التوحيد في هذه الرسالة حيث قال : ايّاك ان تزِلَّ [ص 385] قدمك من استماع هذه العبارات ، الي اخر ما قال هناك و علي‌م يحمل هذا قوله بان الوجود امر واحد شخصي مع قوله بان الوجود حاصل في كل موجود من الموجودات مطلقاً كما يقوله اذواق المتألّهين كما ظهر و علي‌مَ ( يحمل . خ‌ل ) كلامه في ان الواجب كل الاشياۤء و يحيط بجميع الامور احاطةً وجودية لايغادر صغيرة و لا كبيرة الّا احصيٰها و غير ذلك و لايقبل هذه المساۤئل بعض التأويلات و التوجيهات حتي يرتفع التخالف بينها و بين ما استندوا اليه كما لايخفي علي من هو من اهل الكياسة و الفطانة و بالجملة بعد غَورٍ تام و تأمّلٍ كامل في كلماته و اقواله مع فطرة سليمة من الافات غير سقيمة بذماۤئم الصفات يظهر ان مذهبه هو ما قلنا و ان كل ما وقع في كلامه مما هو مخالف للشريعة فهو امر آخر ليس له دخلٌ فيما نحن بصدده هٰهنا من بيان مذهب المصنف و كن من الشاكرين ، انتهي كلام الملا احمد المذكور في التعليقات علي هذا الكتاب هنا .

اقول الذي يظهر لي من مذهب المصنف هو ما ذكره هذا العارف و ان من وجّهه بغير هذا فهو حماية عن المصنف و دفاعاً عنه من شناعة القول و الاعتقاد و اقول ظاهر قوله « الوجود المنبسط » الخ ، ان هذا الوجود الذي يشير اليه منبسط علي ساۤئر الموجودات كانبساط نور الشمس علي الاشياۤء الّا ان الاشياۤء موجودة بغير النور المنبسط عليها من الشمس و هنا لا وجود لها و لا تحقق الّا بهذا المنبسط فهي كاجزاۤء الشعاع من نور الشمس و هو ذلك النور فيكون المعني انه منبسط بها فلا حقيقة لها غيره و هذا هو الذي يظهر من مراده من قوله و امّا ظاهر نفس قوله فالاشياۤء غيره و هو غيرها لانه منبسط عليها كما قال « و انبساطه علي هياكل الانسان » و لم‌يقل و انبساطه بهياكل الانسان ليدل صريح قوله علي مراده ،

و قوله « بل علي وجه يعرفه العارفون » يعني انه هو ايضا يعرفه و قد اشار اليه [ص 386] قبل في تمثيله بالجنس و الفصل كما ذكر سابقا و ذكرنا هناك انه كما نقول و ان هذا الوجود المنبسط هو كالحيوان المنبسط علي هيكل الانسان و الفرس و هو عندنا هو الماۤدة المطلقة فانه يؤخذ منها حصة للانسان و حصةٌ للفرس كقولك يؤخذ من الحيوان حصة للانسان و للفرس و يتمايزان بالفصول كقولك يتمايزان بالصور و قد بيّنّا مرارا فيما سبق ان العقلاۤء اتفقوا علي تحديد الانسان بالحيوان الناطق تحديداً حقيقيا بجميع ذاتيّاته لم‌يخرج منها شيء فلو جعل الوجود حقيقيا للانسان فلا بد ان يكون هو احد الحصتين الحيوانية او الفصْلية او ان الحد ليس حقيقيا اِما بخروج بعض ذاتياته عن الحد او ان الوجود ليس حقيقيا في الانسان بل هو عرض خارج فيلزم المصنف اما جعله المادة اي الحصّة الحيوانية او الصورة اي الفصل او كونه غير حد حقيقي لخروج بعض ذاتياته او لكون الوجود عرضا خارِجا فيلزمه من عدم كونه حدا تاما مخالفة جميع العقلاۤء و من كونه عرضاً مخالفة جميع اقواله في ساۤئر كتبه فيلزم ان شمول الوجود للاشياۤء و انبساطه عليها يعرفه كل احد حتي الجاهلون و لولا كثرة اقوال الباحثين عنه و تعارضها و تصريحها بانه شيء لايعرف و لايمكن تعقله لماجهله السَّوقَة و العوام و الأن كذلك الّا انه قد اخذتهم الاوهام من كثرة الكلام و الاختلاف بين من هم عندهم اعلام فجهلوا اسم ما عرفوه و اقتصروا في معرفته علي مفهوم الاسم الاخر الذي هو الماۤدة ،

و قوله « و يسمونه بالنفس الرحماني » بفتح الفاء و قيل بسكونها كما تقدم و هو عندنا اي النفس الرحماني له مراتب متعددة كما تقدم اعلاها في اعتبار تزييل الفؤادِ المشيةُ في نفسها باعتبار انها الكلمة التاۤمة و ان الكلمة اذا اعتبرناها وجدناها تكوّنت باربعة مراتب احدها النقطة التي هي مبدء النفس من جوف المتكلم و يقال لها الرحمة ثم تمتدّ الي الهواۤء و هو الالف اللينة التي هي هيولي [ص 387] ساۤئر الحروف و ان الحروف منها شعب كالشعب من النهر الواحد و هو النفس الرحماني الاوّلي الذي ليس قبله نفَس بالنسبة الي الكلمة ثم يقطّع المتكلم من هذا النفس اجزاۤء و حصصاً بواسطة آلات التمييز من الحلق و اللسان و اللهاة و الاسنان بالقلع و القرع و الضغط هي حروف تتألف منها الكلمة ثم يؤلف منها الكلمة فالنقطة اول منشأ الكلمة و النقطة تسمي الرحمة اقتباسا من قوله و هو الذي يرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته ، و الالف هي الرتبة الثانية من الكلمة و الحصص المُجزَّأَة المميّزة هي الحروف التي تتركّب منها الكلمة و المؤلّف منها هو الكلمة و لمّا كانت المشية هي الكلمة التّامة اعتبر فيها ما يعتبر في الكلمة في التزييل الفؤادي و ان كانت المشية بسيطة ليس في الامكان ابسط منها او يساويها لكنها باعتبار متعلّقها المتجزئ يلاحظ فيها جهات التجزّي فتفصّل في الاعتبار كما تفصّل الكلمة فهذه الكلمة التاۤمّة ان اريد بالنفس الرحماني ايّاها كان تقوّم الاشياۤء به تَقَوّم صدور لان الاشياۤء لاتتألّف منها و صح اطلاق النفس الرحماني عليها اِمّا باعتبار المرتبة الثانية في تفصيلها اوْ انّها بعد تمامها هي النفَس الرحماني الثانوي لقيام الاشياۤء بها و هو اوّل صادرٍ خلقه الله تعالي بنفسه اي بنفس ذلك الصادر لانه بمعني الحركة الايجادية و الحركة الايجادية محدثة بنفسها لانها انّما تحتاج في ايجادها الي حركة ايجاديّة و يستغني بها عن تكرّرها و هو الحق المخلوق به اي خلق الله به اكوان الاشياۤء ان لوحظ الذكر الاول و به خلق سبحانه اعيان الاشياۤء ان لوحظ العزيمة عليه و ان اريد بالنفس الرحماني اوّل صادرٍ من هذا و هو الحقيقة المحمديّة التي هي محل ذلك الفعل و هي اثره الاول فهي بالنسبة اليه كالانكسار بالنسبة الي الكسر كان قيام الاشياۤء به قياماً ركنيّاً كقيام الباب و السفينة و السرير بالخشب لان مواۤدّ الاشياۤء كلها من شعاع هذا الصادر عن [ص 388] فعل الله الذي هو المشيّة ،

و قوله « و هو الصادر الاول في الممكنات عن العلّة الاولي » ان اريد منه ( من . خ‌د ) العلة الاولي ذات الباري عز و جل فهو غلطٌ لان ذات الباري عز و جل لاتكون علّة قريبة لشيءٍ كما هو مقتضي الاطلاق فانه يراد بالعلة هي القريبة و الواجب لايكون علة لشيء و انّما علّة الاشياۤء صنعهُ فلايصح كون شيء صادِراً عن ذاته تعالي كما بيّنّا سابقاً و اذا اريد بها فعله صح فيكون ح اول صادر عنه هو الوجود و هو الماۤء و هو الحقيقة المحمديّة ،

و قوله « و هو اصل العالم » ان اريد به اي الصادر نفس الفعل الذي هو مشيّة الله تعالي كان معني كونه اصل العالم انه علّة تكوينه و منشأ ايجاده و ان اريد به اوّل صادر عن المشية اي اول مفعول كان معني كونه اصل العالم انّه علة ماهيته ● اي انّ مادة العالم و صورته من شعاعه كما مر ،

و كذا قوله « و حياته و نوره الساري في جميع السموات و الارضين » اي مثل ما قلنا في معني كونه اصل العالم ،

و ظاهر كلامه بعد هذا انما يتمشي علي المذهب الحق اذا اريد بالصادر اوّل صادر عن مشيّة اللّهِ تعالي و هي فعله لان الحق انّ الفعل لايتركب منه المفعول و قوله : حتي انه يكون في العقل عقلاً الخ ، يريد انه يصير عقلا في انبساطه علي العقول فيكون معلولاً و هو علة ثم اعلم ان الظاهر من كلامهم انه يراد به الفعل لا الصادر عن الفعل فيلزمهم ان يكون المفعول متركبا من الفعل و هو باطل فان الكتابة لاتتركّب من حركة يد الكاتب و لاجل انهم يريدون بالصادر هو الفعل و بالعلة الاولي هو الذات المقدسة تعالي قال الملا احمد المذكور [ص 389] في تعليقاته علي قوله « و قد يسمونه بالحق المخلوق به » قال قد نقل عن بعض الاعاظم انه قال : و قد يسمونه بالمشيّة كما ورد في الحديث ان الله خلق المشية بنفسها ثم خلق الاشياۤء بالمشية ، و لعلّ وجه التعبير عنه بها ان المشية مع وحدتها لكون انها عين ذاته المقدسة لمّا كانت متعلقة بالامور المتكثرة المختلفة و كذلك الوجود المنبسط مع وحدته متعلق بالماهيات المختلفة الكثيرة و ان كان بين التعلّقين فرق فلذا عبّر عنه بها انتهي ، اقول و كلامه هذا هو معني كلام المصنف و كلام القوم سواۤء يفرغ بعضها في بعضٍ فالعلة الاولي عندهم هو الله سبحانه و الصادر الاول هو ابداعه و هو الساري في الاشياۤء و منه تركبت كما قال في العقول عقلا كما يأتي و ان المشية هي ذات اللّهِ تعالي عن قولهم ، و كل هذه امور باطلة و اعتقادات عاطلة ،

و مذهبنا هو مذهب ائمتِنا عليهم السلام هو ان العلة الاولي هي القريبة و هي فعل الله و الصادر الاول عنها هو الوجود و الحقيقة المحمدية و الاشياۤء كلها تركبت من شعاع تلك الحقيقة و ان فعل الله سبحانه هو مشيته و ارادته كما قال الرضا عليه السلام فالمشية و الارادة و الابداع اسماۤؤها ثلاثة و معناها واحد و روي الصدوق في التوحيد بسنده عن الرضا عليه السلام انه قال المشيّة و الارادة من صفات الافعال فمن زعم انّ اللّه سبحانه لم‌يزل شاۤئيا مريداً فليس بموحّدٍ ه‍ ، و الاحاديث كلّها متفقة علي الحدوث و انه ليس للّه ارادة قديمة و لا مشية قديمة و ان المراد بهما الفعْل لا غير و لم‌يوجد حديثٌ يوهم كون شيء منهما قديما و قد اتّفق العقل و النقل علي حدوثهما ،

و من عجيب الامور انهم يروون الاحاديث المصرّحة بالحدوث مثل هذا الملّا يروي انّ اللّه خلق المشية بنفسها ثم خلق الاشياۤء بالمشيّة ثم يقول لعلّ وجه التّعبير عنه اي عن الصّادر بها اي بالمشيّة انّ المشيّة مع وحدتها لكون انها عين ذاته المقدسة [ص 390] و ذلك لانه يحمل هذه المشية علي مشية الخلق فيا سبحان الله ما الموجب لميْلكم الي قدم المشية مع انّكم لم‌تمضوا الي الازل فتشاهدوا انها قديمة و انها عين ذاته و لم‌يخبركم بذلك و انتم تقِرّون بانه لايُعرف الّا بما عرّف به نفسه و لم‌يعرِّفْ نفسه الّا علي السُنِ اولياۤئه و اولياۤؤه كلّهم اتّفقوا علي كون مشية اللّهِ حادثةً و انّها ليسَتْ عين ذاته فماادري ما الذي حداكم علي هذا ان كان لكم حاصل و فاۤئدة تحصّلونها من القول بقدمها بخلاف ما قال نبيّه و اهل بيته صلي الله عليه و اله فربّما يحصل لكم عُذر لئلّاتفوت عليكم الفاۤئدة و الّا فائمّتكم عليهم السلام علماۤء لايجهلون و حكماۤء لا يهملون و ذاكرون لاينسون و ناصحون لايغشّون و تشهدون ان الحق معهم و فيهم و بهم و ان كلّ من خالفهم فهو علي باطلٍ من امره فما بالُكم تتركون كلامهم الحق و تأخذون بكلام اعداۤئهم و لاتسلّمون لهم و لاتردّون اليهم و انتم تعلمون فمن اراد الاحتجاج علي ذلك من جهة العقل فلينظر الي احتجاج الرضا عليه السلم مع سليمن المروزي كما في الاحتجاج للطبرسي و التّوحيد و عيون اخبار الرّضا عليه السلم للصدوق فانّ العَاقل لايجد للعقل فيما قرّر عليه السلم من حدوث المشية و الارادة مَجٰالاً و ذلك لانّي اَنا اذَا قُلْتُ بحدوثها حجّتي الاخبار عن الائمة الاطهار عليهم السلم و الدليل العقلي علي معنيً للارادة معقولٍ لي لانّ المعني المحدث يمكن للعقل ادراكه و انتم اذا قلتم بقدمِها كانت الاخبار عنهم عليهم السلام كلها مخالفة لكم ليْس لقولِكم فيها مستند و لا لعقولكم مدرك فيما تدّعون لانّكم تثبتون قديماً و القديم لايتعقّل فاذا تعقّلتم فانما فهمتم حادثا و ادركتم مصنوعاً و ليس لكم مأوي و لا مَوْئِل الّا انه تعالي يخبركم بذلك و الواسطة بينكم و بينه اخبركم بخلاف ما قلتم فاين تذهبون ،

و امّا ادلّة المجادلة بالتي هي احسن فهي في هذه المسئلة لنا لا لكم فانّكم قلتم ان المشية صفة و الصفة لاتقوم بنفسها و لا بغير موصوفها [ص 391] فاذا قامت بموصوفها و كانت حادثة كان محلّاً للحوادث و نحن نقول هي صفة و الصفة تقوم بغير موصوفها كالكلام يقوم بالهواۤء و لايقوم بالمتكلم و تقوم بنفسها كما قرّرتم انّ الذوات الحادثة صفات للذات القديمة و هي قاۤئمة بنفسها لانه اقامها بنفسها و كذلك المعلولات في الحقيقة صفات العلل و هي قاۤئمة بنفسها و ايضا اذا سلّمنا انها تكون قاۤئمة به تكون قاۤئمة قيام صدورٍ لا قيام عروضٍ كالاشعة مع المنير و لو سلّمنا استدلالكم كان ايضاً حجة ناقضةً لقولكم لان قولكم لو كانت حادثة كان محلّاً للحوادث فنقول و ان كانت قديمة يكون محلّاً للقديم المغاير لَهُ فان قلتم هي ليست مغايرة قلنا هي مقترنة بالمراد و ذاته غير مقترنة و هي خاۤصة اي علم خاۤص و ذاته غير خاۤصّة و هي تقترن بالنفي كما قال تعالي اولۤئك الذين لم‌يرد الله ان يطهر قلوبهم و ذاته لاتقترن بالنفي و هي علي طبق المرادِ و المرادُ علي طبقها و ذٰاتها لاتطابق شيئا و لايطابقها شيءٌ و هي لها ضد فهو مريد و كاره و ذاته لا ضد لها و هي لها وجه خاص بالمراد فان ارادة ايجاده لزيدٍ غير ارادة ايجاده لعمروٍ و ذاته ليست كذلك و امثال هذه ممّا نعقلها من صفات الخلق التي قد اتصفت به و انتم لاتعقلون صفات الحق تعالي لتصِفوها بها و تجدوها فيها و الوجه الثاني انكم قلتم لو كانت حادثة لكانت محدثة بارادةٍ غيرها و ننقل الكلام الي هذه و هكذا و يلزم الدّور او التسلسل و نحن نقول ان الامام عليه السلام قد اجاب عن هذا الخطٰاب بما فيه كفاية لاولي الالباب فقال ان الله سبحانه خلق المشية بنفسها ثم خلق الخلق بالمشية ، فابطل عليه السلم الدور و التّسلسل و قد تتبعنا جميع الافعال فوجدناها كلها محدثة بنفسها مثل حركة يد الكاتب احدثها بنفسها ثم احدث الكتابة بها و بيانه انّ حركة يد الكاتب محدثة و المحدث يحتاج الي حركة يحدث بها حركة يده مثلا فان قلتَ ان حركة يده محدثة [ص 392] بحركة غيرها نقلنا الكلام اليها حتي يعود انها احدثها بنفسها لانها حركة و الايجاد حركة و لايحتاج الموجد الي غيرها فيحدثها بها و يرتفع الدور و التسلسل و تأمّل فانك تجد قراح الحق الذي لا شوب فيه و ليس قولي و قد تتبعنا ان معناه ان الدليل محض الاستقراۤء و انما هو لبيان ضرب المثال من الملك المتعال عز و جل فلاتكون المشية عين ذاته لان المفهوم من معني المشية هو ميل الشاۤئي و هذا الميل ليس هو ذو الميل و لو قلتَ انها عين ذاته بمعني انّ المراد كون ذاته بحيث يفعل ما هو الاصلح فكون ذاته بحيث يفعل او يختار ما هو الاصلح هو ذاته كيف يكون ذلك المعني الرابطي عين ذاته و مع هذا فهو مُحيَّثٌ بفعل ( بحيث يفعل . خ‌ل ) ما يشاۤء و يختار و ذلك معني فعلي لايكون هو الذات الحق المقدسة عن النسب و الروابط فان هذا هو معني الارادة القديمة عندهم التي هي ذاته فيكون ذاته هي كون ذاته بحيثُ يفعل ما يشاۤء و يخلق ما يشاۤء و يختار سبحانه و تعالي .

قال : « و هو في كل شيء بحسبه حتي انه يكون في العقل عقلا و في النفس نفساً و في الطبع طبعا و في الجسم جسما و في الجوهر جوهراً و في العرض عرضا و نسبته اليه تعالي كنسبة النور المحسوس و الضوء المنبث علي اجرام السموات و الارض الي الشمس و هو غير الوجود الاثباتي الرابطي الذي كساۤئِر المفهومات الكلية و المفهومات العَقْليَةُ لايتعلق بها جعل و لا تأثير لها ايضا كالمعقولات المتأصّلة وجود لكن وجودها نفس حصولها في الذهن و كذلك الحكم في مفهوم العدم و اللّاشيء و اللّاممكن و اللّامجعول بل لا فرق عندنا بين هذه المفهومات و غيرها في كونها ليست الّا حكايات و عنوانات لامورٍ الّا ان بعضها عنوان لحقيقة موجودة و بعضها عنوان لامور باطلة الذات » .

[ص 393] اقول : يريد انّ القسم الثالث اعني الّذي يتعلق بغيره لانبساطه علي اعيان الاشياۤءِ و لايتقيّد بقيدٍ مخصوصٍ يكون في كل شيء مما انبسط عليه بحسبه يعني يكون من نوع ما انبسط عليه ففي العقول عقل و في النفوس نفس و في الطباۤئع طبيعة و هكذا فهو كالغذاۤء المستحيل كيموساً و بعدَ تعفينه في الكبد تدفعه الدافعة الي عضوٍ فيستحيل قدرٌ منه بقدر احتماله و استعداده في العظم عظم و في المخ مخ و في اللحم لحم و في العصب عصب و هكذا و تهضمه هاضمة ذلك العضو و تمسكه ماسكته و تدفع باقيه الي ما بعده و تجذبه القابضة و هكذا او يكون المعني ان ظهوره في كل شيء بحسب قابلية ذلك الشيء ،

و قوله « و نسبته اليه تعالي » و في نسخة « و نسبته الي الله تعالي كنسبة النور المحسوس » الخ ، اعلم ان هذه النسبة تشير الي ذكرها الاخبار عنهم عليهم السلم و الايات القرءانية و الانفسية و الافاقية تشهد به و تشير اليه و لا اشكال في التعبير عنه بهذه العبارة و انما الاشكال في المراد منه و في معناه و في حقيقة هذه النسبة امّا المراد منه عند المصنف فهو فعله الذي هو ذاته كما تقدمت الاشارة اليه و امّا المراد عند ائمتِنا عليهم السلم و عندنا تبعاً لهم فهو الماۤء الاول و الحقيقة المحمدية و الوجود الذي هو اوّل اثرٍ صدر عن فعل الله تعالي و قد تقدمت الاشارة الي بيان نوع انبساطه و اما معني كلامه عنده فهو ما تقدم في قوله : و امّا تخصيصه بمراتبه و منازله ، الي ان قال : فبِمَا فيه من شؤنه الذاتية و حيثياته الغيْبية ( العينية . خ‌ل ) ، يعني انه يتعين و يتخصّص بما فيه من الشؤن الذاتية كما هو مقتضي البساطة الحقيقية و اما عند ائمتنا عليهم السلم و عندنا فهو ما يعرفون من معني المادّة المطلقة و امّا حقيقة هذه النسبة فهي عنده نسبة الشيء في شؤنه الذاتية الي ذاته البحت و امّا عند ائمتِنا عليهم [ص 394] السلام و عندنا نسبة الاثر و المعلول و المفعول الي فعل المؤثر و الفاعل و بيان هذه يظهر في بيان نسبة النور الي الشمس و هي بعينها نسبة النور الي السراج و انا اريد امثل بالسراج و اشعته لا بالشمس لانه و ان كان في الحقيقة واحد الّا انه في الشمس اخفي و في السراج ابين لما فيه من النار الظاهرة و الدهن و الاشعة و في الشمس كذلك لكنها لخفائها لو مثّلتُ بها سارعت النفوس الي الانكار فاقول قد ذكرنا هذا الذي نريد ان نمثل به مرارا فيما سبق و لكني اكرر الذكر فان الذكري تنفع المؤمنين ، اعلم ان السِّراج الظاهر بالاشعة هو الشعلة و هي دهن قد كلّسه فعل النار حتي صار دخانا فانفعل بالاستضاۤءة عن فعل النار و مسّها و الاشعة المنبسطة منه انما انبسطت و نشأت و بدت من الشعلة التي هي الدخان المنفعل بالاستضاۤءة فالاشياۤء كالاشعة المنبسطة في اطراف البيت و فعل النّار كالمشيّة و الاستضاۤءة من الدخان الذي كلّسه فعل النار من الدهن و امّا اية الفاعل سبحانه فهي النار الغيب التي لاتدرك و انّما يدرك مفعولها اعني الدخان المنفعل بالاستضاۤءة عن مس النار و ظهور الشعلة بذوات الاشعة كظهور الوجود الصادر عن فعل الله اعني الحقيقة المحمديّة بذوات الاشياۤء علي نحو لفظ المصنف لا علي معني مراده فٰاية الفاعل هي النار الغيب و فعله احراق النار و تكليسها للدهن حتي كان دخانا و الصادر عن فعل الله سبحانه كالشعلة الصادرة عن فعل النار و الاشعة القائمة بالشعلة اي بشعاعها يعني ظهورها بالاشعة هي الاشياۤء فافهم فهّمك الله تعالي و بصّرك في الدين ،

و قوله « و هو غير الوجود الاثباتي الرابطي » اي غير الحصول في كذا كالكون في الاعيان الرّابطي الحملي فان هذا كساۤئر المفهومات لانه اسم معنيً فهو عنده كالمفهومات الكلية التي لايتعلق بها جعل في الخارج و لا تأثير لها [ص 395] كذلك اذ ليس لها وجود متعيّن و انما وجودها حصولها في الذهن و هو حظها من الوجود ،

ثم قال « و كذلك الحكم في مفهوم العدم و مفهوم اللّاشيء و اللّاممكن و اللّامجعول » فانها لايتعلق بها جعل و لا تأثير لها في الخارج لانها امور اعتباريّة اعدام « بل لا فرق عندنا » يعني المصنّف نفسه و اتباعه و هم الاكثرون « بين هذه المفهومات و غيرها في كونها ليست الّا حكايات » اي اذكار خياليّة و عنوانات استدلاليّة يتوصّل بتصورها الي امور صحيحة او باطلة فبعضها كالمعقولات المتأصلة لحصولها بحقيقتها في العقل مجردة عن العوارض الخارجية عنوان لحقيقة موجودة في الخارج او ( اي . خ‌ل ) في الواقع و بعضها عنوان لامور لا اصل لها في الخارج و لا في نفس الامر و لا في الحقيقة الذهنية بل هي اي المقصود من ذلك البعض امور باطلة في ذلك كما اذا تصوّر المحال و تصوّر قدم الحادث و حدث القديم ، و اعلم ان قوله الذي هذا بعض لفظه و بعض معناه لم‌يتفرد ( لم‌ينفرد . خ‌ل ) به هو بل القاۤئل به اكثر العلماۤء و الحكماۤء و هم في هذه ليسوا بعلماۤء و لا حكماۤء بل هم علي حد قوله و اذا رأيتهم تعجبك اجسامهم و ان يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة ، و تراهم ينظرون اليك و هم لايبصرون فكيف يدخل الشيء في علمهم و يتصوّرونه و يتخيلونه و هو ليس بشيء و لا مخلوق ما هذا الّا شيء نشأ اصله من الركون من بعضهم الي بعضهم تقليداً و اعتمادا علي فهم الغير و قولا تبع بعضهم فيه بعضا من غير دليل و لو انهم حيث رضوا بمتابعة غيرهم جعلوا متبوعهم ائمتهم ائمة الهدي و اعلام التقي و العروة الوثقي لنجوا من هذه الجهالات و اهتدوا من هذه الضلالات و هم يسمعون سيد العلماۤء جعفر بن محمد عليهما السلم يقول كلّ ما ميّزتموه باوهامكم في ادقّ معانيه فهو مثلكم مخلوق مردود عليكم و قوله عليه السلم علي ما رواه في البحار لمن سأله [ص 396] عن شيعته فقال الرجل انهم قد اختلفوا فقال عليه السلم فيما اختلفوا فقال قال زرارة النفي غير مخلوق و قال هشام بن الحكم النفي مخلوق فقال عليه السلم قل بقول هشام في هذه المسئلة و مثل ما تقدم عن الرضا عليه السلم انه مايقع في وهم احد شيء الّا و هو موجود في خلق اللّهِ ، و غير ذلك و في القرءان المجيد و ان من شيء الّا عندنا خزاۤيـٔنه و ماننزّله الّا بقدر معلوم و العقل حاكم بهذا و قد سبق فيه بعض البيان و اشير هنا الي قليل منه تتميما للحجة :

اعلم انّ الله سبحانه لمّا خلق الانسان علي صورة كاملة كان جامعاً مملّكا فكان مدني الطبع كثير الشؤن يحتاج في نظم معاشه و معاده الي جهات كثيرة و معاملات واسعة و مثل هذا لايسع شؤنه عالم الملك اوْ مايقدر علي الاحاطة به من عالم الاجسام فجعل الله سبحانه له مرءاة يدرك بها ما غاب عنه و ما لايقدر علي الاحاطة بملكه مما يترتب عليه معاملاته و اعماله و علومه و تعريفاته تسهيلاً لمداركه فاذا اراد ذكر شيء غاۤئب عنه او بيانه او الاشارة الي تحصيله تصوّره و عَبّر عنه بلفظ يدلّ عليه فيلتفِت الي جهة ذلك المطلوب و مثاله الذي هو ظله قاۤئم في محلّه من الالواح العلويّة و ذلك المثال قاۤئم باصله كقيام النور بالمنير و الظل بذي الظل فيقابل هذا الشخص الطالب له ذلك المثال الذي هو مثال المطلوب فتنتقش صورته في مرءاة خياله فيدركه بواسطة مثاله كما تري في المرءاة عند مقابلة الشخص لها فلو طلبت تصوّر رجل له الف رأس او الف نصف رأس كان مثاله منتقشاً في بعض تلك الالواح لان ذلك الرجل كان قد خلقه اللّه تعالي في خزاۤئنه بذات ذلك الرجل و حقيقته و امر الملاۤئكة ان تنقش مثاله في الالواح الجزئيّة فاذا توجّهت الي جهة ذلك الرجل انتقشت صورة مثاله في خيالك فكان ما في خيالك ظلّ مثاله و ذلك المثال [ص 397] ظل ذلك الرجل و الدليل علي هذا الوجدان لمن كان له عينان و هو يعرف بالمثال فانّك اذا رأيتَ زيداً يوم الخميس يصلّي في المسجد الفلاني في السنة الفلانية في الشهر الفلاني انتقش مثاله بان امر الله الملكين الحافظين فنقشا مثاله في ذلك المكان من ذلك المسجد يوم الخميس من الشهر المعين و السنة المعيّنة يصلّي داۤئما في تلك الصلوة ( الصورة . خ‌ل ) التي رأيته فيها الي يوم القيمة فاذا كان يوم القيمة اتي بذلك المكان و ذلك الوقت و المثال ( الذي . خ‌ل ) يصلّي فيه فيلبس ذلك الرجل مثاله كالثوب فيشهد له ذلك المكان و ذلك الوقت و انت ما دمتَ حيّا كلّما اردتَ ان تذكره لايمكنك ان تذكره حتي يلتفِتَ خيالك الي ذلك المثال المصلّي في ذلك المكان المخصوص في ذلك الوقتِ المعين فتجده هناك فتقابله بمرءاة خيالك فتنتقش فيه صورة ذلك المثال و لاتقدر ان تذكره ما لم‌تلتفت الي مكانه و وقته فلولا ان كنتم غير مدينين ترجعونها تذكرون ذلك المثال في غير ذلك المكان و الوقت ان كنتم صادقين ، فلو امكن ان تتصوّر ما ليس بموجود لامكنك ان تتصور ذلك لا في مكانه و لا في زمانه فافهم دليل الحكمة الذوقية القطعية التي لم‌تكن مأخوذة بالاوهام و انما هي حكمة ائمتك عليهم السلام و المصنف انّما ذكر ذلك بانّها كلّها امور اعتباريّة الّا انه فيما سبق صرّح بما اومأ اليه هنا من الفرق في الجملة بين مفهوم الوجود و الماهية فان مفهومه ليس له خارج ليتحقق الوجود في الظرفين بخلاف الماهية فانها قد تكون كذلك و قد يكون لمفهومها خارج متحقق متحد بالوجود في العينية لانها قد تحصل بحقيقتها في الذهن معرّاةً عن العوارض الخارجية فتكون متحققة في الظرفين و جعْله الوجود لايحصل في ظرف التحليل مبني علي ما يشير اليه من القول بالظلّية فليس عنده الّا الواجب [ص 398] تعالي بذاته في الازل و بظلّه في الامكان ،