و مثلها قوله في جواب السؤال المقدّر « لانا نقول لايمكن حصول العلم بخصوصيّة نحوٍ من الوجود الّا بمشاهدة عينيّته و هي لاتتحقّق الّا بمشاهدة علّته الفيّاضَةِ » فامّا قوله « لايمكن حصول العلم بخصوصية نحوٍ من الوجود الّا بمشاهدة عينيته » فليْس بصحيح اذ لايتوقّف حصول العلم علي المشاهدة للمعلوم لا فرق [ص 350] بين الوجود و غيره بل لو قيل بعدم التوقف في خصوص العلم بالوجود لمتبعد صحته لبعده عن الافهام التي هي اقوي و اشد من المشاهدة كما هو رأيُه سلّمنا لكن توقف المشاهدة في التحقق علي مشاهدَة العلة ضعيف جدّا بل هو غلط فاحش لانّه مبني علي ان علته ركن له حقيقة و هو باطل لايلتفت الي القول به بل لايحتاج بطلانه الي البيان ،
و قولهم « العلم بذي السبب لايحصل الّا بالعلم بسببه » الظاهر انهم ارادوا حيث كان ذو السبب عارضا لسببه لايتصوّر من هو عارض الّا بحصول تصور السبب لانّه معروضه و العارض محتاج في وجوده الذهني و الخارجي الي وجود معروضه اذا لُوحظ من حيث كونه عارضا و ليس اذ ذاك ان وجود المعروض جزء لوجود العرض و لكنه آلة لتصوره و لهذا بدون الحيثية لايحتاج اليه .
قال : « الثاني - ان الماهية لو كانت في حد نفسها مجعولة لكان مفهوم المجعول محمولا عليها بالحمل الاولي الذاتي لا بالحمل الشائع الصناعي فقط فيلزم ان يكون اثر الجاعل مفهوم المجعول دون غيره من المفهومات اذ كل مفهوم مغاير لمفهوم آخر اذ لا اتحاد بين المفهومات من حيث المعني و الماهية و لايتصوّر الحمل الذاتي الّا بين مفهوم و نفسه او بينه و بين حده كقولنا الانسان انسان او حيوان ناطق و اما قولنا الناطق ضاحك فغير جائز بالحمل الذاتي بل بالحمل الصناعي الذي مناطه الاتحاد في الوجود لا الاتحاد في المفهوم » .
اقول : هذا هو الشاهد الثاني علي كون الماهية غير مجعولة و حاصله انه لو كانت مجعولة لكان معني المجعول و مفهومه محمولا عليها بالحمل الاولي الذّاتي يعني لكان مفهوم المجعول نفسها او نفس ما بمعناها لان معني الحمل الاولي الذاتي ان يحمل المفهوم علي نفسه نحو قولك الانسان انسان او علي ما هو بمعناه كحده نحو الانسان حيوان ناطق لا ان يكون الحمل بالحمل [ص 351] الشايع الصناعي الذي يكون الموضوع فيه احد افراد المحمول سواۤء كان الحكم فيها علي نفس مفهوم الموضوع كما في القضيّة الطبيعيّة ام علي افراده كالكليات و الجزئيّات و المهملات و سواۤء كان المحكوم به ذاتيا للمحكوم عليه كالانسان حيوان ام عرضيا له كالانسان ضاحك فاذا جاز حمل مفهوم المجعول عليها بالحمل الاولي الذاتي اي الذي ليس بواسطة امر كما في الحمل الصناعي الذي هو بواسطة الوجود او لكونه اوليّ الصدق مثل الانسان انسان اوْ اوليّ الكذب مثل الانسان فرس يعني فاذا ثبت كونها مجعولة جاز حمل مفهوم المجعول عليها بالحمل الاولي الذاتي الذي مفاده الاتّحاد في المفهوم و المعني لزم ان يكون اثر الجاعل اعني الماهية حيث تكون مجعولة مفهوم المجعول دون غيره يعني ان يكون اثر الجاعل هو ماهية مخصوصةً و اثره ايضا ماهيّة اخرٰي اذ لا اتّحاد بين المفهومات و لايتصور الحمل الذاتي الّا بين المتحدين في الحقيقة كمفهوم و نفسه او بينه و بين حدّه كما قلنا و لايكون بهذا الحمل حمل العرض علي معروضه مثل الناطق ضاحك الّا بالحمل الشايع الصناعي و المفروض انها مجعولة فيكون حمل مفهوم المجعول بغير واسطة امرٍ كما في الحمل الصناعي فانه بواسطة الوجود و هذا الاستدلال الذي اشار اليه لميذكر لازمه المانع من صحة كونها مجعولة الّا في الاستدلال الثالث لاتحاد اللازم فيهما و قد بان اللازم الذي يزعم انه مانع من ذلك في هذا الاستدلال و هو لزوم تكثر الماهيات لان الوجود انما جاز الجعل فيه لعدم استلزامه التكثر فيبقي الجعل علي بساطته لان الوجود كالماۤدة المطلقة فيقع فيها الاتحاد بخلاف الماهيات لانها هويّات الاشياۤء المتغايرة فلايكون بينها اتحاد فتتعدد الجعلات علي ما يأتي و اقول اذا نظرتَ الي ادلّته و استشهاداته رأيتها محض تكلّف ليس فيها شيء من النور و لا من العلم و لا من الهدي و لا من الكتاب المنير [ص 352] لان اكثر الزاماته غير لازمة و اكثر ما يلزم منها غير مضرّ و انا اشير لك الي بيان ما هو الواقع مع الاعراض عن نقض الزاماته ليس لتعسرها و لكن لكثرة تردّداته حتي كان تركها اولي من ذكرها و انا اذكر لك حقيقة الامر حتي يتبيّن لك منه الحق و نقض تلك الالزامات لكني اذكر لك كلمات قليلة تنقض تلك الالزامات كلها لمن عرفها :
فاقول انت تقول انّ الوجود مجعول فيلزم ان يكون مفهوم المجعول محمولاً عليه بالحمل الذّاتي الاوّليّ لا الصناعي و شرط الذاتي الاوّلي الاتحاد بين مفهوم المحمول اعني المجعول و الوجود فان ارَدْتَ مفهوم لفظ الوجود اتّحد بمفهوم المجعول و ح يكون المحمول عليه هو الوجود النسبي البسيط او المعني المصدري و هذان و ان كانا عندنا من اثر جَعْل الجاعل الا انّهما غير مراد المصنف و مراده حقيقة الشيء و عنده كل افراد تلك الحقيقة شيء واحد بسيط خارجي و لا مجعول بالذات الّا هو فيصح الحمل الذاتي الاولي و الامر ليس كما قال بل كما انّ الماهيات انما تكثرت بالمشخصات المتكثرة المختلفة الخارجة في نفس الامر عن حقيقة الماهية اذ هي الهو و انما تعدّد في زيد و عمرو بالعوارض المختلفة كذلك الوجودات انّما تَكثرت بما تكثرت به الماهيات اذ هو اثر فعل الله تعالي فتكثر في زيد و عمرو بالعوارض المختلفة فالوجود الواحد البسيط في الخارج هو نفس الهيولي عندنا او كالهيولي عنده و الماهية البسيطة في الخارج هي نفس الصورة النّوعية عندنا و عنده كالصورة النوعية و وجود زيد عندنا حصة من تلك الهيولي هي ماۤدته و ماهيّته عندنا حصّة من تلك الصورة النوعية هي صورته و ما في زيد من الوجود و الماهية هو نفس ما في عمرو لان مادتيهما حصّتان من الحيوان و صورتيهما حصّتان من النّاطق و موجب التّمييز بينهما ليس هو الحصتين من الحيوان و من الناطق بل هو المشخّصات الخارجيّة فالاتّحاد ثابت حقيقة فيما [ص 353] من الحيوان في جميع افراد النوع و فيما من الناطق كذلك فلا فرق بين الوجود و الماهية في الاتحاد في افرادهما قبل المشخّصات الخارجيّة و في التغاير و التّعدد بعدها بقي عند المصنف مما يتشبّث به كون الوجود مجعولا اوّلاً و بالذات و الماهية ثانيا و بالعرض و قد ذكرنا كون الماهية مجعولة حقيقة في مواضع متعددة و نذكر الٰان و انما قيل ان جعلها ثانيا و بالعرض لانها غير مرادة للّه تعالي لذاتها و انما جعلها لاجل قوام الوجود فجعلها مترتّب علي جَعْلِه كجَعْل الولد فانه مُتَرتّب علي جَعْلِ اَبويْهِ لا انّها غير مجعولةٍ و كون جعلها متوقفا عَلَي جَعْلِ الوجودِ لَايَلْزم منه كونها غير مجعولة و هذا ظاهر و انا اشرتُ الي بيان هذا و امثاله و لا اشكال فيه و انما الاشكال في معرفة مرادي و اصطلاحي و انا اكرّره و اردّده كما فعلتُ و افعل لتفهم ذلك و يتحقّق عندك ،
فاقول فاعلم ان الحق انّ الماهية مجعولة ثانيا و بالعرض لا اوّلاً و بالذات و معني كون جعلها ثانيا و بالعرض كما مثّلنا لك سابقا بشراۤء الفرس و شراۤء الجل لها لانّ الوجود هو النور المقصود بالايجاد و الماهية هي الظلمة و ليست مقصودةً لذاتها بالايجاد لكن لمّا كان المقصود الذي هو الوجود متوقّف الظهور و الحصول عليها جعِلت لاجله لانها هي تمام قابليته للايجاد لان الوجود لمّا كان في نفسه هو اثر الجاعل اي اثر فعله يعني انه ليس له حقيقة الّا ذلك كان لا بدّ له من حيث هو هو ان يكون له اعتبار من جهة نفسه و ذلك هو ماهيته فكان الموجود وجدَ بجهتين جهة من ربّه و لاينفكّ عنها ابدا و هي الوجود اي وجود ذلك الموجود و جهة من نفسه لاينفك عنها ابدا و هي ماهيّته التي بها هو هو فكان الوجود اثر فعل الفاعل اوّلا و بالذات و الماهيّة اثر فعل الفاعل ثانيا و بالعرض لانها غير مرادة لنفسها و اعلم انه كان الله سبحانه و لا شيء معه في ازله الذي هو ذاته المقدسة و هو الأن علي ما كان ثم بلطفه [ص 354] و برحمته احدث الفعل بنفسه و امكن به الامكان في رتبته يعني خارج الذات و ذلك الذي شقّه بفعله الذي هو مشيته هو العمق الاكبر كما في دعاۤء السمات و ذرأ فيه اي امكن بمشيته الامكانية فيه كل شيء ممكن علي وجه كلي كما تقدم ثم اخرج من عدم الامكان ما شاۤء من الاكوان فاوّل ما احدث بمشيته التكوينيّة الحقيقة المحمدية (ص) و هي الوجود و هو ( هي . خل ) الماۤء الذي جعل منه كل شيء حي و كانت المشية الامكانية و الكونية شخصاً واحداً غير محدود بحدٍ لان الحدّ محدث به فلايجري عليه و ذلك الشخص الشريف العزيز الجبّار المطهّر القدوس هو آدم الاول و حوّاه الامكان الاول و هو مكانه و وقته السرمد و لذلك الشّخص الشريف رؤس كلية و جزئيّة بعدد الكل من ما سوي الله فالرأس الكلّي يحدث به الاصل الكلي و لذلك الرأس رؤس بعدد اشخاص ذلك الكلي و هكذا الي ما لا نهاية له مثلاً يحدث بالرأس المختص بالعقل الكلي الاضافي زحل و فلكه و جميع ما يتعلّق عليه و يرتبط به كل شيء منها بوجه منه و هو المربّي للعقول الجزئيّة و لذلك الرأس رؤس و وجوه فيحدث عقل زيد بالرأس المختص به و يحدث عقل عمرو بالرأس المختص به و يحدث برأس كليّ اضافي المشتري و فلكه و جميع ما يتعلق عليه و يرتبط به فيحدث علم زيد بالرأس المختص به و يحدث علم عمرو بالرأس المختصّ به و هكذا في كلّ كلي و جزئي و في كل كلٍّ و جزءٍ و في كل ذاتٍ و صفة و في كلّ ذرّة من ذرّات الوجود له رأس من فعل الله و مشيته مختص به لايصلح لغيره الّا بنوع من مشخصات الموجود ( الوجود . خل ) زاۤئد او ناقص او متغيّر الهيئة او الجهة او المكان او الوقت او الوضع فكل شيء له جعل خاۤصّ به ان كليّاً فكليٌّ و ان جزئيّاً فجزئيّ ،
و ادلّة هذه كلها و امثالها قد اشرت اليها فيما سبق من قولي بان الادلّة ثلاثة [ص 355] كما قال الله سبحانه لنبيه صلي الله عليه و اله ادع الي سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة و جادلهم بالتي هي احسن ، فالمجادلة بالتي هي احسن بالعلم الذي هو صور المعلومات و مقرّه الصدر يعني صدر العقل اي النفس او صدر النفس اي الخيال و هذا يصلح دليلا للاحكام الشرعية و الثاني دليل الموعظة الحسنة و هذا يصلح دليلا لتهذيب النفس و علم الاخلاق و اليقين و التقوي و هو بالقلب الذي في الصدر و هو اليقين و يقابله الشك و الريب كما ان العلم يقابله الجهل اعني عدم الصورة و الثالث دليل الحكمة و هو بالفؤاد الذي هو النور في قوله عليه السلم اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله ، و هو الوجود و هو محل المعرفة و يقابلها الانكار كما قال تعالي ام لميعرفوا رسولهم فهم له منكرون و قال تعالي يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها و هذا دليل المعارف الالهية و الاعتقادات الحقّة و لايصلح المعرفة الّا به و كل معرفة نشأت عن دليلٍ غيره فهي مشوبة بالشبه و الشكوك و لايذوق احد طعم العلم العياني الّا به خاۤصة و دليل ما ذكرت لك من هذا اعني دليل الحكمة و مستنده الكتاب و السنة فمن الكتاب قوله تعالي سنريهم اياتنا في الافاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق و قال تعالي و في انفسكم افلاتبصرون و قال تعالي و تلك الامثال نضربها للناس و مايعقلها الّا العالمون و قال تعالي و كأيّن من اية في السموات و الارض يمرّون عليها و هم عنها معرضون فقد نطق الكتاب المجيد ان الانفس و العالم فيهما ادلّة كل شيء بالمَثَل كما قيل الحق بالمثَل و الباطل بالجدل و قد قال الشاعر و نسب الي اميرالمؤمنين عليه السلم :
و انت الكتاب المبين الذي باحرفه يظهر المضمرُ
اتحسب انك جرم صغير و فيك انطوي العالم الاكبر
و قال الرضا عليه السلام : قد علم اولو الالباب انّ الاستدلال علي ما هناك لايُعلم [ص 356] الّا بما هٰهُنَا و قال الصادق عليه السلام العبوديّة جوهرة كنهُها الربوبيّة فما فُقِد في العبوديّة وُجد في الربوبيّة و ما خفي في الربوبيّة اُصٖيبَ في العبودية الحديث ، و انت اذا عرفتَ مراد الله سبحانه بتلك الامثال و مراد اولياۤئه عليهم السلام بهذا الاستدلال ظهر لك فيما قلتُ و غيره حقيقة الحال بلا شبهة و لا اشكال و لو اني اردت البرهان علي مثل ما سمعتَ بنحو ما يستدلون به العلماۤء و الحكماۤء من القياسات و القضايا الحمليّات لذهب العمر و لمتقف منه علي نور و لا امر من الامور الّا كما يقولون من هذه الاشياۤء المتناقضة و الاقوال المضطربة التي لاتوصل الي يقين و لاتفيد شيئا من الدين فمن اصغي الي ما قلتُ و توجّه الي الله سبحانه باخلاص العمل و الطاعة فتح له الباب و سبّب له الاسباب لانه سبحانه لمن قصده قريب المسافة و من تحيّر او عارض بما ليس له به علم فاني ماقلتُ ما سمعتَ من نفسي بل اقول له ان افتريته فعليّ اجرامي و انا بريۤء مما تجرمون لان كل ما كتبته فعن المعاينة و اليقين لا بالظن و التخمين ،
فاذا اردتَ اية من الايات التي في نفسك كما قال تعالي سنريهم اياتنا في الافاق و في انفسهم تستدل بها علي ما ذكرتُ لك فٰاية الجعل و جميع مراتب الفعل حركة يدك عند الكتابة فانها متكثرة التعلّق و الرؤس و الوجوه و ان كانت في نفسها و في الحقيقة واحدة لكنها متعدّدة الوجوه و الرؤس بعدد الحروف و الكلمات فالحركة التي تحدث بها الالف غير التي تحدث بها الباۤء و غير التي تحدث بها الجيم و غير التي تحدث بها الحركات و النقط و ما به الحرف المتّصل كالجيم غير ما به هو في الانفصال و هكذا فالجعل تتعدد وجوهه و تعلّقاته و تختلف بتعدّد المتعلقات و تعدّدها باختلاف القوابل كما تتعدد الحركة من يد الكاتب بتعدّد الحروف و تعدّد المشخّصات و المميزات فان الباۤء كالتاۤء و الثاۤء في [ص 357] الانفصال و الاتصال تميّز بينها النقط و هي كالنون في الاتصال و المميّز بينها النقط و في الانفصال تتميّز بالهيئة فلا محذور في تعدد الجعل و تكثّره لانه فعل و المفعولات منها ما يوجد اوّلا و بالذات و منها ما يوجد ثانيا و بالعرض و منها ما هو ذات و منها ما هو عرض فالاوّل هو المقصود بالفعل لفائدته و الثاني ليس بمقصود اذ لا فائدة فيه لذاته و انما فاۤئدته لغيره فيوجد لاجل افادة غيره او كالماهية فانها لا فائدة فيها لذاتها و انما فائدتها للوجود لتوقّفه في الظهور عليها و لفوائد تظهر به منها لاتكاد تحصي و معني توقّفه عليها انه لولاها لكان في نفسه فردا بسيطاً و لايقوم بنفسه الا الوجود الحق عز و جل و لذا قال الرضا عليه السلم ان الله سبحانه لميخلق شيئا فردا قاۤئما بذاته دون غيره للذي اراد من الدلالة عليه ه ، او لاجل افادة معني في غيره كما روي عنهم عليهم السلم ما معناه ان الله سبحانه ماابقي الخضر عليه السلام بهذا العمر الطويل لتبليغ وحي و لا لانزال امر و انما ابقاه ليكون دليلاً علي وجود القاۤئم عليه السلم عجل اللّه فرجه ، فابقاۤء الخضر عليه السلام في هذا العمر الطويل ثانياً و بالعرض و الثالث هو مقصود بالذات اوّلاً ثم يكون متبوعاً بقصدٍ ثانٍ و بالعرض و هذا المعروض فانه مقصود اوّلا و بالذات ثم يلحقه قصد بالعرض لان وجوده شرط في قابليّة العرض للايجاد و الرابع هو مقصود بالذاتِ قصداً مترتّبا علي ( وجود . خل ) غيره فيكون ذا جهتين و هو العرض فانه مقصود لفائدة في نفسه الّا انها مترتبة علي وجود غيره و هو العرض و الحاصل ان الماهية مجعولة لكنها ثانيا و بالعرض جعلا مترتّبا علي جعل الوجود ،
و قول المصنف « لو كانت في حد نفسها مجعولة لكان مفهوم المجعول محمولا عليها بالحمل الاول ( الاولي . خل ) الذاتي » نقول بموجبه بانّها مجعولة ثانياً و بالعرض و مفهوم المجعول ثانيا و بالعرض محمول عليها بالحمل الاول ( الاولي . خل ) الذاتي في كل شيء بحسبه و لا محذور فيه ،
[ص 358] و قوله فيلزم ان يكون اثر الجاعل مفهومه مغاير لمفهوم آخر كذلك ان اثر الجاعل في الماهية الذي هو ذاتها و يحمل عليها بالحمل الاولي الذاتي خاۤصّ بها كتخصيص وجه حركة يد الكاتب بحرف مخصوص و هو مغاير اي ذلك الاثر الخاص و التأثير الخاۤص مغاۤيـٔر لتأثير اخر خاۤص و اثر اخر خاۤص و لا ضرر فيه فانه لايزيد علي تعدد افراد الوجود في مراتبه و منازله كما تقدم و لا عيب بوجه بل هنا اولي بالتعدد في التأثير و الاثر ،
و قوله « اذ لا اتحاد بين المفهومات من حيث الماهيّة و المعني » كذلك الامر و انّما لمتتّحد الماهيات لما يلحقها من العوارض الذهنية التي بها يتمايز بعضها عن بعض كما في الخارج لان ما في الذهن ان قلنا بانه كلّه انتزاعي كما هو الحق فظاهر و ان قلنا بان بعضه غير انتزاعي بل منه حقيقي فلا منافاة لانا اذا قلنا بقولهم بان حقيقة الشيء تكون في الذهن معرّاة عن العوارض الخارجيّة نقول بانها غير معرّاة عن العوارض الذهنية فلها مشخّصات ذهنيّة و امور اعتبارية بها تتمايز و اذا تمايز المفعول تمايز جعله بتمايزه و لهذا كان فعل اللّه جارياً علي الحكمة في فعل الخير و في فعل الشرّ كما قال تعالي و قالوا قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم و هذا الطبع بفعل الله سبحانه بمقتضي اسباب كفرهم و به كتب في قلوب المؤمنين الايمان بايمانهم و ايّدهم بروح منه بحقيقة ما هم اهله و الي هذا و نحوه اشار تعالي في قوله و ننزل من القرءان ما هو شفاۤء و رحمة للمؤمنين و لايزيد الظالمين الا خساراً فكما تعدّد الجعل في جزئيات الوجود و افراده بسبب تمايزها بماهياتها و مشخصاتها و لذا تقول تَتعدّدُ الوجودات و لا ضرر كذلك تعدّد الجعل في الماهيات بمشخّصاتها في احد الظرفين كل واحدٍ تتعدد فيه بمشخّصاته ،
و قوله « و امّا قولنا الناطق ضاحك فغير جاۤئز بالحمل الذاتي » يريد به الذي مناطه الاتحاد في المفهوم و المعني بخلاف الحمل الصناعي الذي مناطه [ص 359] الاتحاد في الوجود لا الاتحاد في المفهوم و يريد بالوجود حصول الموضوع في الاعيان و اعلم ان هذا الاصطلاح و ان كان لا مشاحّة في الاصطلاح الّا انّه غير مناسب لمقتضي ضابطة الايجاد لانّ ما يلزم الشيء لوجوده لا لذاته المناسب ان يقال فيه انه يجتمع مع ما يعرض لوجوده لا انه متّحد به لانه لو اتّحد به لكان من المشخصات الخارجيّة و هو ذاتيّ للموجود يعني انه لايتحقق الموجود الّا به و هذا الموجود ان اتّحد بالوجود كما قالوا فهو متّحد به في المعني فيصدق فيه الحمل الذاتي و الّا فلايقال انه متّحد به بل مجتمع معه فاذا جعل الموجود هو الماهيّة و جعلت متّحدة بالوجود كان المتّحد بها متّحِداً به ضرورة ان المتحد بالشيء متّحد بما لحقه من كل لازم به يكون الشيء شيئا في الوجود يعني الخارج فاذا كان قد اجاز اتّحاد الضاحك بالناطق في الوجود جاز اتّحاد الضاحك بما يتّحد به الناطق فيكون الحمل فيه بالاوّلي الذاتي فيحمل الضاحك علي الناطق حملا اوّليا ذاتيا و حينئذ يكون الخارج داخلاً هف فاذن المناسب ان يكون الضاحك مجتمعاً مع الناطق في الوجود لا متّحدا و سبب ذلك ان الاتّحاد انّما يكون بين الشيء و نفسه و بين الشيء و مساويه و ما لميكن كذلك لميكن كذلك و الصفة الخارجة لاتتحد بذات الموصوف و الّا لكانت داخلاً لانها انّما تتّحد بما هو مصدر لها كالقاۤئم فانه لايحمل علي زيد لا بالحمل الاولي الذاتي لمغايرته له في المفهوم و المعني و لا بالحمل الصناعي ايضاً لان مقتضي الحمل الاتّحاد فلو اتّحد به في الوجود لكان من مقوّمات ذاته في الوجود فهو اذن صفة ذات و قاۤئم صفة فعل لانه اسم فاعل القيام فاذن هو انّما يتّحد بمبدئه و مصدره و ليس ذات زيد مصدراً للقيام و الا لكان لازم القيام ابداً بل مصدره [ص 360] حركته الفعلية التي نشأ عنها القيام فالقاۤئم مركب من صفةٍ و من اثرها الذي هو صفتها الذاتية لها بالمبدئيّة و لذا نقول انّ قاۤئم ليس محمولا علي ذات زيد لان ذاته ليست قاۤئما اذ قاۤئم صورة فعلها فتفهم هذا لتعرف ان الضاحك لايحمل علي الناطق لا بالحمل الاولي الذاتي و لا بالحمل الشاۤئع المتعارف و انما استعملوه علي ظاهر الحال من افهامهم لا علي ما هو نفس الامر فان قلت فعلي هذا يلزم ان يكون علم المنطق الذي حصل عليه الاتّفاق باطلاً لايفيد في شيء من العلوم قلتُ امّا علم المنطق و ما هو مبني عليه فينفع في الاستدلال علي الاحكام الشرعيّة لان مداركها في كلام اهل العصمة عليهم السلام مبنية علي قدر افهامهم من الخطابات الشرعية و لهذا قال عليه السلام انا لانخاطب الناس الا بما يعرفون ه ، لان حقائق اسرار الاحكام الشرعيّة لاتدركها عقول المكلفين فسهّلوا عليهم السلام مداركها للمكلفين باجراۤئها علي الظاهر و لذا نفع فيه علم المنطق و القول بالظن اذا فقد العلم بخلاف حقائق الاشياۤء فانّها في علم التوحيد بُنيت مداركها علي نفس الامر و ما كان كذلك فكيف يكون منشأ استنباطها و معرفته مع خفاۤء اسباب الخليقة تقريبات العقول الضعيفة و تخمينها فتأمل و تدبر .
قال : « و ثالثها - ان كل ماهية فهي لاتأبي عن كثرة التشخصات و الوجودات و التشخص لمّا كان عين الوجود كما قرّره المحققون او مساوقاً له كما يظنه الاخرون فلايمكن ان يكون من لوازم الماهية كالوجود علي ما برهن عليه فلو كانت الماهية المجعولة متعددةَ الحصول في الاعيان كالنوع الواحد المتكثر افراده فلا محالة يكون جعلها متعدداً فتعدّدُ الجعل امّا ان يقتضي ان يكون بحسب نفس الماهيّة او تعدّدِ حُصولاتها و انحاۤء وجوداتها فيكون الوجود متعدداً بالذات و الماهية متعددة بالتبع و الشق الاول مستحيل لان [ص 361] صرف الشيء لايتميّز و لايتعدّد فكيف تتكرر نفس الماهية و يتعدد جعلها من حيث هي هي و هذا شيء لا مجال لذي عقل ان يتصوره فضلاً عن ان يجوّزهُ فيبقي الشق الثاني و هو ان الصادر بالذات و المجعول اوّلاً علي نعت الكثرة هي انحاۤء الحصولات اعني الوجودات المتشخصة بذواتها و تتكثر بتكثرها الماهية الواحدة » .
اقول : هذا هو الشاهد الثالث من التكلّفات التي يشهد العقل السليم ببطلانها من غير احتياج الي ابطالٍ و بيان قوله اوّلاً انّ الماهية من حيث هي لاتأبي كثرة التشخصات اي لاتمنع من وقوع الشركة فيلزم اَلّايكون لها تشخُّصٌ خاۤصّ مِنْ لوازمِها و الّا لاَبَتْ وقوع الكثرة لكن التالي باطل فالمقَدّم مثله و قولهم بان تشخّص العقول المفارقة من لوازم ماهياتها يريدون به عدم انفكاكه عنها اي عن العقول المفارقة بمعني اقتضاۤءها انحصار انواعها في تشخّصِهٖ لا بمعني ان ماهيّاتِها اقتضت ما به التعيّن و التشخّص هو عين الوجود كما يراه المحققون اوْ انه غيره المساوق له كما يظنه الاخرون فلايكون من لوازم الماهيّة كما هو للوجود علي ما برهن عليه فلو كانت الماهية المجعولة متعدّدة الحصول في الاعيان مثل النوع الذي تكثرت افراده لانها لاتأبي وقوع الكثرة فلا محالة يكون الجعل الذي جُعِلت به متَعدّداً كتعدّد متعلقاته منها فتعدّد الجعل امّا بحسب تعدّد ذاتها او تعدد حصولاتها فعلي فرض كونها مجعولة يكون التّشخّص من لَوازمِها فتكون علة له و قد ثبت انه عين الوجود او مساوق له فعلي الاحتمالين يلزم الدور لتقدّمها علي ما يتوقف حصولها عليه او علي ما يساوقه او التّسلسل لتوقّف حصولها علي حصوله و هكذا و علي فرض كون جعلها متعدداً بحسب تعدد نفس الماهيّة يلزم ان يكون صرف الشيء من حيث هو هو متعدّدا و هذا محال فان الشيء من حيث هو هو [ص 362] واحد و لايتعدد الشيء من حيث كونه واحدا و علي فرض كون جعلها متعدّدا بحسب تعدد حصولاتها في الاعيان و اَنحاۤءِ وجوداتها يكون الصادر بالذات و المجعول اوّلا علي نعت الكثرة هي انحاۤء الحصولات اعني الوجودات المتشخصة بذواتها كما تقدم ان تخصيصه في منازله و مراتبه بشؤنه الذاتية فيكون تعدّده من ذاته و الماهية لا تكثر فيها لان الشيء من حيث هو هو واحد و انما تتكثر الماهية الواحدة بتكثره بذاته فتدبر هذه المعاني المعقّدة الغير المرتبطة بل تدخلها المغالطة و الهفوة و تخفي مع انها مبْنية علي اشياۤء غير مسلّمة بل ظاهرة البطلان فانه قد ذكر بيان قبول الماهية لوقوع الكثرة من حيث هي ثم انكره و قال لان صرف الشيء لايتميز و لايتعدد فكيف تتكرر نفس الماهية و يتعدّد جعلها من حيث هي هي و ذكر ان التشخص هو الوجود او انه مساوق له و عنده انه هو هو ،
ثم قال « الصادر بالذات و المجعول اوّلا علي نعت الكثرة هي انحاء الحصولات اعني الوجودات المتشخصة بذواتها » و ذلك ان قوله ان الماهية من حيث هي لاتأبي كثرة التشخصات فيه ان الوجود ايضا من حيث هو لايأبي ذلك لانك اذا نظرت الي نفس الحقيقة المعرّاة عن النسب تساوَيَا في امكان كثرة التشخصات و اذا نظرت الي خصوص المرتبة من كلّ منهما لزم التشخص لكل فرد منهما بلوازم المرتبة و كذا الي خصوص كل منهما و التشخص لايكون عين الوجود و لا مساوقاً لها علي القول الاخر دون الماهية لان التشخص يكون علي حسب الاتصاف بالوحدة و لاتكون في الحادث الّا باعتبار خاصٍّ كما ذكرنا سابقا و كل الحوادث مشتركة في حكم التشخص باعتبار و الكثرة باعتبار لا فرق في ذلك بين الوجود المخلوق و بين الماهية كك لما ذكرنا من اعتبار الجهتين في كل ما سوي الله و الجعل واحد في جهة الوحدة و كثير في جهة الكثرة [ص 363] فيتحد في الجنس و يتعدد في الانواع و يتحد في النوع و يتعدد في الافراد و يتحد في الفرد و يتعدّد في الاجزاء و الجهات و الامكانات و الاعتبارات و فيما وضع له اسم او علامة او اشارة او غير ذلك قال تعالي ام جعلوا لله شركاۤء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء و هو الواحد القهار ، و الوجود الذي به تحققت الماهية غير الحصول المتعارف في الذهن او الخارج بل هو ركن الشيء في المعني الاول الذي ذكرنا سابقاً او الشيء من حيث كونه اثراً لفعل اللّهِ في المعني الثاني الذي ذكرنا سَابقاً فلايلزم دور و لا تسلسل و كون الشيء صرفا في الملاحظة يكون مانعاً من التعدد يصدق علي الوجود و الماهيّة و ٱلصَّادر بالذات و المجعول اوّلاً علَي نعْتِ الكثرة هي انحاۤء الحُصولَات اَعْني الوُجودات المشخّصة ( المتشخّصة . خل ) لا بِذواتها كما زعمه المصنّف لانّ التشخّص بالذّات لايحصل لغير الذات المقدّسة عز و جل و امّا المخلوق كما ذكرنا مرارا متعدّدة لايظهر في عالم الاكوان الّا بشراۤئط قبول الايجاد و هي انفعاله بحدود الشراۤئط المذكورة سابقاً اعني الكم و الكيف و المتي و الاين و الجهة و الرتبة و الوضع و الاذن وَ الاجل و الكتاب و ما اشبه ذلك و كل هذه من عِلل الماهيّة و للموجود منها حصص من كل شيء حصّة و هي هندسة الماهية و حدودها و متمماتها و مكمّلاتها و كلّها في الحقيقة خارجة عن اصله اعني ماۤدّته التي هي الوجود بالمعني الاوّلي نعم هي اعني هذه الحصص داخلة في جملتِهٖ اعني حقيقة هذا الموجود ظاهره و باطنه اللذَيْنِ مجموعهما هو و لاتظن من كلامي حيث قرّرتُ انّ هذه المشخّصات ترجع الي حقيقةِ الموجود ان تخصيصه و تشخّصه ذاتي له لان الوجود الذي يشيرون اليه هو ماۤدة الموجود خاۤصّة و الصورة و جميع ما لها من المذكورات ليست هي الماۤدة لتكون المشخصات ذاتية له فيكون تشخصه من ذاته و انّما هي [ص 364] مغايرة للماۤدّة و ان كانت في الحقيقة صفة لها و المصنف يريد بشؤنه التي تشخَّص بها مُيُولاتٌ ذاتية لذاته غير مغايرةٍ له و ان كان برُوزها عنه منوط بمراتبه و منازله و يلزمه التكثر لذاته و عدم الوحدة الّا في الاعتبار و قد صرّح به هنا في مثل قوله ان يكون الصادر بالذات و المجعول اولا علي نعت الكثرة هي انحاۤءُ الوجودات اعني الوجودات المتشخّصة بذواتها ، و مع هذا فقد صرح فيما تقدم بوحدته و بساطته المنزهة علي ( عن . خل ) شاۤئبة الكثرة و الحق ان الوجود الممكن ليس له تشخص لذاته و الّا لزم محذورات ذكرنا بعضاً منها سابقا احدها لزوم الجبر في افعال العباد الاختياريّة الذي يلزم منه بطلان الثواب و العقاب و فايـٔدة ارسال الرسل بل و بطلان فائدة الايجاد اصلا و رأساً مع انه هو و متابعوه يقولون بوجوب متابعة ائمة الهدي عليهم السلام في كل ما هم عليه و مع هذا القول يحتاجون الي متابعة اعداۤئهم و الاخذ عنهم انا لله و انا اليه راجعون و حاصل هذا كلّه ان الوجود الممكن اذا اردتَ كمال معرفته و صحة الحكم عليه فسمِّه باسمهِ الحقّ فانه صريح الدلالة علي ما هو عليه عند الله و اسمه الحق هو الماۤدة المطلقة فاذا وُفِّقْتَ لقبول هذا بما يفتح الله سبحانه عليك و لك من البراهين القاطعة و العلم العياني عرفتَ انّه لا تشخّص له جزئيّ من ذاته و انّما تتشخص افراده بمشخصاتها الخارجة علي نحو ما قلنا فهو كالمداد ليس له تشخّص جزئي لذاته نعم تشخّص نوعي و افراده كالحروف و الكلمات المكتُوبَة كل واحد منها له تشخّص جزئي اعني هذه الهيئات و الاوضاع و عرفتَ انّ تلك المشخصات هي الماهيات الاولية اي علي المعني الاول كما مر و انّها مجعولة ثانيا و بالعرض علي النحو الذي ذكرنا في معني ثانيا و بالعرض من انّها مجعولة بجعلٍ مغايـٔرٍ لجعل الوجود الّا انه مترتب عليه يعني انّ الوجود هو المقصود [ص 365] بالايجاد و فاۤئدة الايجاد انّما هي عنه لكنه لمّا لميتمكن من قبول الايجاد و استمرار الثبات الّا بالماهية وجب في الحكمة ايجادها دعامةً للوجود فهي مجعولة ثانياً و بالعرض فاشرب صافيا من حوض علي عليه السلام فان من شرب شربة لميظمأ بعدها ابداً .
قال : « و رابعها - ان الماهية الموجودة ان كانت نوعا منحصِراً في شخص كالشمس مثلا فكونها هذا الموجود الشخصي مع احتمالها بحسب نفسها التعدد و الاشتراك بين كثيرين ان كان من قبَل الجاعل فيكون المجعول بالحقيقة هو الوجود دون الماهية و هو المطلوب و ان كان من قبَل الماهيّة فمع لزوم الترجيح من غير مرجّحٍ لتساوي نسبة الماهية الي اشخاصِها المفروضة يلزم ان يكون قبل الوجود و التشخص موجودة متشخّصة فيلزم تقدم الشيء علي نفسه و هو ممتنع و مع ذلك ننقل الكلام الي كيفيّة وجوده و تشخّصه فيلزم الدور او التّسلسل » .
اقول : يريد ان الماهية الموجودة ان كانَتْ نوعاً اعني مفهوماً كليّا مشتملاً بحسب نفسه علي افراد متعددة الّا ان الحكمة اقتضت عدم تعدّد موجودات منها في الخارج في عالم واحدٍ لمصلحة النظام و اقتضاۤء الصنع المتقن اذ لايتحمّل امكانها بدون تغيير الاسباب اكثر من واحدٍ كالشمس فان مفهومها انها كوكب نهاري ينسخ وجودُه وجود الليل كما قيل و لميوجد في العالم الواحد الّا واحد و انّما قلنا في العالم الواحد لما روي ان الله عز و جل خلق الفَ الفِ عالمٍ و الفَ الفِ آدمٍ نحن في اخر العوالم و اخر الادميين ، و في بعض الاخبار لميخلق من التراب الّا هذا العالم ، و لا ريب ان كل عالم فانه مثال لما فوقه فكلّ ما فيه يوجد فيما تحته مما فوقه ففي كل عالم منها شمس بحسبه فالشموس الفُ الفِ شمسٍ الّا انه لميوجد في عالم واحد اكْثر من شمس واحدة فكونها [ص 366] اي تلك الماهية الكلّية هذا الموجود الشخصي مع ما تقتضيه بحسب نفسها ان كان هذا الانحصار في واحد من الجاعل فالمجعول هو الوجود اذ لو كان هو الماهية فان كان قد جعلها علي ما هي عليه اقتضي ذلك وجود ما تقتضيه مما لاتتناهَي من افرادها في عالم واحدٍ فلمّا كان الايجاد من قبل الصنع كان مقتضي الجعل هو الوجود فخرج متّحِداً و ذلك هو المطلوب و ان كان الصنع المقتضي لخصوص واحدٍ من نحو الماهية فمع لزوم الترجيح من غير مرجّح اذ ليس من افرادها شيء اولي من الاخر فترجيح فردٍ منها ترجيح بلا مرجحٍ و هو غير جاۤئز يلزم ان تكون الماهية قبلَ الوجودِ و الجعل من الجاعل و قبل التشخص الذي هو عند المتحققين عين الوجودِ موجودة متشخّصة لانّها هي الحاصرة للجعل في واحدٍ علي خلاف مقتضي الماهية و لايكون المؤثر في الموجود معدوماً و لاتوجد الّا بالوجود الذي هو نفسها كما تقدم فيلزم تقدم الشيء علي نفسه و هو ممنوع لانه ممتنع و مع هذا اذا نقلنا الكلام الي كيفيّة ذلك الوجود و التشخص و توقفه علي الوجود لزم الدور و التسلسل و اقول هذا الشاهد علي عدم جعل الماهية هو مفاد ما تقدّم لان كل كلامه يدور علي معني واحدٍ و انما انبّه علي الاعتراض و المناقشة في اغلب كلامي و لماذكره لانّ ذكره يطول به الكلام و ربما لا فائدة فيه اذ بمجرد الاشارة الي وجه الاعتراض و الخطأ يعرف العاقل الذكي ذلك لان اغلب هذه الامور ضروريّة وجدانية و محسوسة لايتوقّف مَن عرف كلامي فيه الّا من سبقت له شبهة اوْ اَنِس بقولهم او من شأنه انه ينظر الي من قال لا الي ما قال و يعرف المقال بالرجال و لايعرف الرجال بالمقال و الاشارة هنا كما في غيره ان افراد الماهية الكلية و المفهومات الكلية علي الظاهر من العلم هي في الامكان و تعدّدها في ذلك الغيب باعتبار لبسها حلل التمييز و التشخص في عالم الاكوان و علي الباطن من العلم هي موجودة في خزاۤئن [ص 367] الاكوان الغيبية و لايظهر شيء منها في الشهادة الا بلباس عالم الشهادة و الكلام علي الظاهر و الباطن فيما نحن فيه شيء واحد و هما داخلان تحت قوله تعالي و ان من شيء الّا عندنا خزاۤئنه و ماننزّله الّا بقدرٍ معلوم ، و القدرة العاۤمة تقتضي دخولها الذي لايتناهي في قبضته في خزاۤئن امكاناتها و اكوانها و الجاعل سبحانه يجري فيها بفعله علي مقتضي مصلحة النظام بقابليّاتها لا بدون القابليات و قابلياتها في ازمنة وجودها و امكنة حدودها لا في رتبتها من الامكان و خزاۤئن الاكوان الغيبيّة فاذا اقتضت الحكمة ابراز شيء منها و انزاله في عالم الشهادة اَلْبَسَهُ مَلَابِس مكان حدوده و وقتِ وجودهٖ و تلك الملابِس هي المشخّصات و هي حدود القابليات و اركانها فظهر في عالم الكون بتلك المشخصات بما هو مذكور في تلك الخزاۤئن بِهٖ في هذه الشهادة فافهم التعبير فتعيين الفرد الواحد من قبل الجاعل لان ايجاده و جعله علي حكم الاقتضاۤء و المجعول هو الفرد الخاص من الافراد الممكنة الغير المتناهية و الترجيح انما يكون لمرجّح و ذلك المرجّح لايجوز ان يكون من محض فعل الفاعل و الّا لزم الترجيح من غير مرجّح بل المرجح من المجعول حين الجعل علي جهة المساوقة كالانكسار للكسر و هو ترجح ذلك الفرد بقرب قابليته و سبق امكان استعداده عند الفعل لا قبله و حدوث الشراۤئط بايجاد المشروط كالانكسار عند الكسر لتوفّر اسباب قبول الايجاب بقربها اي بقرب التمكن من التمكين و قد اشار سبحانه الي كون التَّرجُّح ممكِنا قريباً من الترجيح لان الترجيح انما يكون به فقال تعالي يكاد زيتها يضيۤء و لو لمتمسسه نار فلايلزم الترجيح من غير مرجّح بل المرجّح حاصل و هو ترجّحُ ذلك الفرد علي ساۤئر الافراد بقرب قابليته و سبقها الي الايجاد عند صدوره لا قبله و لايلزم كونه موجودا قبل الوجود فكيف يكون موجودا قبل [ص 368] ان يكون موجودا بل هو موجود حين هو موجود يعني وجد هو و اسباب الايجاد مع ظهور الايجاد كالكسر و الانكسار فلاتذهب بك العبارات المذاهب المتفرقة فتكون قاۤئلا بما قالوا من غير شعورٍ ظنّاً منك بانّك مشعر فان جميع الاشياۤء من جميع ذرات الوجود لميوجد منها شيء بعد اسبابه الخاۤصة به و لا قبلها بل معها اذ لو كانت قبلَهُ لوجد شيء ذو تعلّق لذاته قبل متعلقه و لو كان كذلك لميكن ذا تعَلق لذاته و لو كانت بعده لمتكن اسبابا اذِ السبب لايتأخر عن مسبّبه في الوجود و آيةُ ذلك في العالم في قوله تعالي سنريهم اياتنا في الافاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق الكسر و الانكسار فان الله سبحانه قد ضربه مثلا لهذا المعني المشار اليه و بهذا المعني يبطل لزوم الدور و التسلسل فافهم .
فائدة - اعلم ان الترجّح بلا مرجح واجب الوقوع و الّا لزم الترجيح بلا مرجّح ممتنع الوجود و الّا لاستغني المعلول عن علته فمعني ان الترجح ( بلا مرجح . خل ) واجب الوقوع ما اشرنا اليه قبل هذا الكلام من ان فعل الله سبحانه لايتعلّق بشيء من المفعولات الا علي حسب قابليته و معني هذا انه لو تعلّق به علي حسب مقتضي الفعل من حيث هو لتساوت المفعولات اذ افتقارها اليه علي السواۤء في كلّ شيء و نسبته اليها علي السواۤء فتكون الاشياۤء علي نمطٍ واحد في القوة و البقاء و العلم و الغني و القرب و الخير و السعادة و اضدادها بل لاتتعدّد الاشياۤء و انما يوجد شيء واحد اذ مقتضي التعدد و التغايُر من المشخصات المذكورة سابقا لاتقاوم مقتضي فعل الله سبحانه بل المفروض اَلّا اعتبار لها فلايقع تعدد اصلاً و لا اختلاف بحال من الاحوال اذ الاختلاف و التعدد انّما جاۤء من قبَلِ اختلاف المشخصات و تعددها كأن يكون شيئان من تفاوت كمّهما او كيفهما او مكانهما او زمانهما او رتبتهما او جهتهما او اختلاف الوضع [ص 369] و مراتبه فيهما الي غير ذلك و من ذلك ان الشيء الممكن في ذاته نسبة الوجود و العدم الي امكانه علي السواۤء فلا بد من ترجّح احدهما ليكون فعل الفاعل وقع ترجيحه لمرجّح و لا جاۤئز ان يكون المرجّح من الجاعل او فعله اذ لو كان كذلك لرجع فعله الي الترجيح ( الترجح . خل ) من غير مرجح فافهم و امّا ان الترجح ( الترجيح . خل ) من غير مرجح ممتنع الوجود فبمعني ان الشيء الممكن لايكون موجوداً بغير موجد و الّا لزم الترجح ( الترجيح . خل ) من غير مرجّح و هو مستحيل لانّ الشيء لايُوجِد نفسه فللترجّح ( فللترجيح . خل ) من غير مرجّح وجهان احدهما انه واجب كما قلنا بمعني انه لو لميكن لزم الجبر في الافعال الاختياريّة و بطل النظام علي نحو ما ذكرنا من اتحاد المفعول و ثانيهما انه ممتنع فباعتبار امتناع ايجاد الشيء نفسه و يتفرع علي الاوّل جواز الترجيح بلا مرجّح كما قال بعضهم في تناول احد الرغيفين المتساويين من كل جهة للجايـٔع بلا مرجح و سلوك احد الطريقين للخاۤيـٔف الهارب من السبع اذا تَساوَيَا من كل وجه و علي الثاني امتناع الترجيح بلا مرجّح و معناه فيما هو متفرع عليه انّ المراد منه انّ التّرجيح بالترجّح بنفسِهٖ من غير مرجّحٍ خارجٍ فاعل بالتّرجيح بالترجح مُحالٌ و هو كذلك يعني ان الترجّح لايتكوّن به المترجّح بنفسه بل لا بدّ لَهُ منْ مرجّح يُكَوِّنه بذلك التّرجح وَ اَمَّا في الوجه الاَوّلِ المتفرّع علي الاول اعني جواز ٱلترجيح بلا مُرَجّحٍ كَما مثّل بالرّغٖيْفَيْن و الطَّرٖيقَين للشيئَيْنِ المتساوِيَيْنِ مِنْ كلِّ جهةٍ علي ما قيل فهو من الممتنع الترجيح من غير مرجّح لان الفاعل يرجّح الفعل للراجح برجحانه لا بدونه فاذا تعلّق بمتساوي الطرفين كان فعله لاحدهما ترجيحاً بالمرجّح و هذا المرجح اِما نفس الفعل اذ لا محذور هنا لعدم لزوم الجبر في الافعال الاختيارية و امّا لان الفعل وجود و الترك عدم فالفعل ارجح و اِمَّا لِانَّ نفس ٱلتَّسَاوِي مرجّح لِمٰا يقع من الفاعِلِ من فعْلٍ اَوْ تَرْكٍ لوجودِ الرجحان [ص 370] في الاعتبار لان المتساوي لو لميكن رَاجحاً لكانَ مرجوحاً و انّما حصل التّساوي بين الراجحين لتعادلهما و لايكون بين المرجوحَيْنِ لانّ المرجوح غير مقتضٍ للانفعال فافهم و امّا لانّ المرجّح من خارج غير المفعول و غير ما مِنْهُ اَوْ به بَل لداعٍ آخر باعثٍ للفاعل علي الفعل كما في الرغيفين و الطّرٖيقَيْنِ .
قال : « و خامسها - لو كانت الجاعلية و المجعولية بين الماهيات و كان الوجود امراً اعتباريّاً عقليّاً يلزم ان يكون المجعول من لوازم مهيّة الجاعل و لوازم الماهيات امورٌ اعتبارية فيلزم ان يكون جواهر العالم و اعراضه كلها اموراً اعتباريّة الّا المجعول الاوّل عند من اعترفَ بان الواجب جلّ اسمه عين الموجودية علي ان القاۤئلين بان الواجب عين الوجود لو علموا حقيقة الوجود و انّها عين ذاته تعالي المنزّه عن الماهيّة لعلموا ان كل موجود يجب ان يكون فعله مثل طبيعته و ان كانَ ناقصاً عنه قاصراً درجته عن درجته فما كانت طبيعتُه بسيطةً ففعله بسيط و كذا فعل فعله ففعلُ اللهِ في كلّ شيءٍ افاضة الخير و نفخ روح الوجود و الحيوة » .
اقول : يريد انه لو فرض كون الجاعلية التي هي صفة الجاعل و المجعولية التي هي صفة المجعول بينهما فان فرض حصول الوجود كانت التّضايف بينه و بين جاعلِهٖ و ثبث المطلوب و ان فرض التضايف بين الماهيّة و بين جاعلِها كان ذلك علي تقدير كون الوجود اعتباريّا و الّا لكان احق منها كما تقدّم لزم ان تكون الماهية من لوازم ماهية الجاعل اذ نسبتها اليه حينئذ كنسبة الزوجيّة الي الاربعة فيلزم ان يكون معها لاينفكّ عنها و لوازم الماهية كما برهن عليه كلّها امور اعتبارية فيلزم ان تكون جواهر العالم كلها و اعراضه كلّها اموراً اعتبارية لانها بالنسبة الي ماهية الجاعل من المعقولات الثانية و المفروض انها ليست وجودات اذِ الوجودات اذا لمتكن مجعولة اوّلا و بالذات كانت اعتباريّة و اذا [ص 371] فرض ان المجعول اوّلا و بالذات هو الماهية و المجعول من لوازم ماهية الجاعل و لمتكن وجودات و لوازم الماهية كلها من المعقولات الثانية كانت جميع جواهر العالم و اعراضه اعتبارية لانها من لوازم الماهية اعني ماهية الجاعل و لوازم الماهية كذلك لتساوي جميع اللوازم في هذه النسبة ما لمتكن وجودات اذ الوجود من الجاعل الّا المجعول الاوّل الذي هو العقل الكلي البسيط الحقيقة عند من اعترف بوحدة الوجود و قال بان الواجب جل اسمه عين الموجودية حيث وافقوا الحكماۤء المتقدمين من الفلاسفة كاغاثاديمون و انبادقلس و فيثاغورس و سقراط و افلاطون علي ان الواجب و العقول و النفوس ذوات نوريّة ليست نوريّتها و وجودها زاۤئدة علي ذاتها فان الشيخ صاحب الاشراق قد وافقهم علي ذلك و قال في التلويحات ان النفوس و ما فوقها من المفارقات انّيّات صرفة و وجودات محضة فانّ هذا الايراد من لزوم كون جميع جواهر العالم و اعراضه امور اعتبارية لايرد بخصوصه عليهم لهذا الاعتراف اي اعترافهم بوحدة الوجود بان الواجب عز و جل عين الموجودية فان المجعول الاوّل و المفارقات ذوات نورية و وجودات محضة ليست وجوداتها زاۤئدة علي ذواتها و ان كان يلزمهم في قولهم ان الوجود اعتباري في غير المجعول الاوّل و يرد عليهم في لوازمها و لوازم لوازمها و هكذا الي الثري فان لازم اللازم لازم و هكذا علي انهم اعني القاۤئلين بان الواجب عين الوجود لو علموا حقيقة الوجود علماً بالمعاينة و الشهود و انّها اي حقيقة الوجود عين ذاته تعالي المنزّه عن الماهية لَماذهَبُوا الي اعتبارية الوجود و نفي كون الوجود امراً واقِعيّا عينيّاً و اقامة البراهين علي ذلك و لعلموا ان كلّ موجودٍ يجب ان يكون فعله مثل طبيعته في البساطة و الشدة و التمام و الرتبة و غير ذلك و اَضدادها فما كانت طبيعته بسيطة مطلقا ففعله بسيط بحسب نسبة الصفة الي الذات و كذلك فعل [ص 372] فعله بالنسبة الي فعله و ما كان مفيضاً للجود و الخير و مفيداً للوجود و الفضل الكثير ففعله كذلك و كذلك فعل فعله و فعلُ فعل فعله و هكذا الّا انها متناسبة في كل رتبة كنسبة الصفة الي الذات ففعل الله سبحانه في كل شيء افاضة الخير و نفخ روح الوجود و الحيوة فيلزم ان يكون جواهر العالم و اعراضه كلها اموراً حقيقية و عينيّة واقعية ليست اموراً اعتبارية لانه اذا عرف ذلك شاهدَ انّ افاضة الحق تعالي كذلك و كذا فعله لمجعوله الاول و فعل مجعوله و فعل مجعول مجعوله و هكذا فلايكون الماهيات مجعولة اوّلا و بالذات و الّا لكانت من لوازم ماهية الجاعل و لوازم الماهية اعتبارية فيلزم من فرض كونها مجعولة اوّلاً و بالذات انها ليست مجعولة كذلك بل تكون اعتبارية و في كلامه في هذا الشاهد ابحاث كثيرة واردة عليه و علي خصمه لايكاد من اطّلع عليها يقدر علي ايرادها لكثرتها و شناعة ذكرها و ايرادها و لكن لا بد من ذكر شيء ينبّه علي بعضٍ من ذلك ليتوجّه الغافل و الٰانِسُ بها عليها ،
فمنها قوله « لو كانت الجاعلية و المجعوليّة » الخ ، اعلم ان التضايف المشار اليه لايتحقق بين المجعول و بين ماهية جاعله اذ لا ارتباط بين المفعول و ذات الفاعل كما ذكرنا مراراً و انّما الارتباط بين المجعول و بين شيئين احدهما فعل الجاعل ( الفاعل . خل ) و جعله كما مثلنا من ان الكتابة ليس بينها و بين ذات الكاتب ربط و انّما الربط بينها و بين حركة يده فان الكتابة تشابه هيئة حركة اليد و تدل عليه و يستدلّ بها عليها في الحسن و الاعتدال و عدمهما و لاتدل الكتابة علي شيء من ذات الكاتب لما ثبت ان كل اثر يشابه صفة مؤثره من تلك الجهة و لو كانت الذات مؤثّرة في الكتابة لدلّت عليها بجهة من جهاتها و الارتباط و التضايف بين هذين حقيقي واقعي و ثانيهما ظاهر الفاعل من حيث هو فاعل لذلك الفعل فان الجاعل من حيث هو جاعل لذلك المجعول ظاهر بذلك المجعول [ص 373] للمجعول و غيره فظهوره بنفس المجعول و جعله كما قال اميرالمؤمنين عليه السلم لاتحيط به الاوهام بل تجلّي لها بها و بها امتنع منها و اليها حاكمها ه ، و ليس المراد ان الجاعل ظهر بنفسه في الجعل بل المراد انه ظهر بجعل مجعوله ثم ليس المراد من الجاعل نفس الذات البحت و انما هو مثال الذات و هو منشأ الجعل المتّصف باثره و هو الجعل فهو كالقاۤئم اي كمعني القاۤئم فان القائم اسم فاعل القيام و هو مثال الذات و هذا المثال هو مبدأ القيام و منشاؤهُ الحركة التي هي منشأ القيام المتّصفة باثرها و هو القيام و القاۤئم صورة الحركة الايجادية الناۤئبة مناب الذات متصفةً بصفة اثرها و ذلك المثال الناۤئب مناب زيد في احداث القيام اقامه زيد بنفسه اي بنفس المثال في مكانه اي في مقام النيابة فالقاۤئم في الحقيقة مركب من الحال و هو الحركة و المحل و هو الاثر فهو وجه زيد و عنوانه في ظهوره بتلك الصفة اي القيام فالارتباط بين المجعول و بين الجعل ارتباط حقيقي صدوري و تضايف واقعي لا بمعني انه جزء المجعول اذ المجعول جزءاه مادته و صورته اي وجوده و ماهيته بل بمعني انه قاۤئم به قيام صدور و الارتباط بينه و بين الجاعل الذي هو الوجه و المثال و العنوان ارتباط اشراقيّ حضوري و المصنف يعني بالجاعل هو الواجب المعبود بالحق تعالي فلو كان كذلك حصل بينهما اقتران و هو دليل الحدوث فذرهم و ما يفترون ،
و قوله « و كان الوجود امراً اعتباريّا » فيه رد عليهما معاً اذ ليس الوجود اعتباريّا كما يقول الخصم و لايلزم من كون الماهية مجعولة اوّلا و بالذات ان يكون الوجود اعتباراً لانه علي تقدير كونها مجعولة اولا و بالذات يكون عارضا لها من جملة الاعراض العينية المتحققة ،