و امّا ما ذكره من كون ما به التمييز هو ما به الاتّحاد فهو علي ما اشرنا اليه هو الماهيّة الاولي التي هي الانفعال هي التي بها ٱلتمييز لانّها مجموع المشخصات التي بها التمييز ،
و امّا الّتي بها الاتِّحاد فليست هي الّتي بها التمييز فانّ ما به الاتحاد علي دعواه هي هويّة الشّيء و حقيقته من نفسه و هذه لايكون بهٰا التمييز بل يمكن ان يقال ان هذه ايضا لايكون بها الاتّحاد اذ لاتتحقّق الّا باعتبارٍ مغايرٍ للاعتبار الذي به يتحقق الوجود فهي علي المذاقَيْن لايكون بها الاتّحاد و قد يكون بها التمييز علي المذاقين اما علي المذاق الاول فلانها هي الانفعال الذي هو محلّ الحدود المُشَخّصة و به يحصل التّعين لانه القابل و المقبول يظهر بها و يجري الايجاد علي مقتضاه كما يشير اليه قوله تعالي و قالوا قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم ، و امّا علي المذاق الثاني فكما قلنا من انها لاتتحقق الّا باعتبارٍ مغايرٍ لما به يتحقق الوجود من الاعتبار و امّا مأخذ اتّحٰادِهما عندهم في الخارج من جهة الفهم الذي هو منْشأ دَليلهِم الصّناعي هو انهم [ص 327] فهموا ان هوية الشيء هو الماهية و وجودها حصولها و لا مُغٰايَرة بينهما و هو الاتّحاد المراد و اذا فتّشتَ فيه وجدتَ موصوفاً و صفة مع ان تعليله عليل فان قوله و لاجل هذا كانت الوجودات المتعدّدة غير مختلفة نوعاً يعني انّها متحدة في النوع كالانسان اي الحيوان الناطق و هو متعدد في الشخص كزيد و عمروٍ و كالخشب المتحد في النوع المتعدّد في الشخص اي في الباب و السرير و غيرهما و هذا ظاهر في كل الانواع و مع هذا يلزم ان هذه الوجودات تدخل تحت نوعِها كما تدخل الانواع منها تحت جنسها فلا فرق بين الوجودات و غيرها بخلاف ما قرره المصنّف و في كلامي هذا بان ما به التمييز هنا لايكون به الاتحاد كما سمعتَ سرّ غريب لبعده عن افهام المُدَّعٖين لعدم القصور .
قال : « قال الشيخ الرئيس في المباحثات ان الوجود في ذوات الماهيات لايختلف بالنوع بل اذا كان اختلاف فبالتأكيد و التضعف ( التضعيف . خل ) و انما يختلف ماهيات الاشياۤء التي تناول الوجود بالنوع و ما فيها من الوجود فغير مختلفِ النوع فان الانسان يخالف الفرس بالنوع لاجل ماهيّته لا لاجل وجوده انتهي كلامه ، فالتخصيص في الوجود علي الوجه الاول بحسب ذاته و هويته و امّا علي الوجه الثاني فباعتبارِ ما معه في كل مرتبة من النعوت الذّاتية الكلّية » .
اقول : يريد بنقل كلام الشيخ الاسْتشهاد علي اتحاد الوجود في نفسه و ان تعدّده انما هو باعتبار تعدد موضوعاته فقول الشيخ : ان الوجود في ذوات الماهيات ، اي في الوجودات التي لها ماهيات يعني بها ما سوي الوجود الحقّ يعني ان الوجود فيما له ماهيّة لايختلف بالنوع اي في نفسه بل هو شيء واحد بل اذا وُجدَ اختلاف فيه و تكثر فبسبب تأكيده في نفسه و تضعيفه كذلك كما في ظهور مراتبه علي نوع التشكيك فيعرض له الشدة و الضعف مع بقاۤء الوحدة و صدقها عليه [ص 328] و انّما تختلف ماهيات الاشياۤء التي تناول الوجود بالنوع يعني انها يختلف ( تختلف . خل ) بالنوع فاذا اختلفت تلك الماهيات بانواعها تعددت تعلقات الوجود بها و ما فيها من الوجود المتعلق غير مختلف بالنوع فان الانسان يخالف الفرس بالنوع لاختلاف فصليهما اللذين عندنا هما ماهيتاهما الاوليين و عند المصنف و عند القوم هما كالماهيتين و ما في زيد و الفرس من الوجود غير مختلف و هذا الوجود عندنا هو الحصّتان من الحيوان و عندهم هما كالحصتين و بالجملة كما ان اختلاف الانسان و الفرس انما هو لاختلاف فصليهما و الّا فحيوانيتهما غير مختلفة بالنوع كذلك اختلافهما انّما هو باعتبار ماهيتيهما فان ماهية الانسان غير ماهية الفرس مع اتّحاد وجودهما و لذا علّل الشيخ اختلاف الانسان و الفرس فقال لاجل ماهيته لا لاجل وجوده ففرع المصنف علي ما قرّره الشيخ بيان ما قرّره هو فقال « فالتخصيص في الوجود علي الوجه الاول » و الظاهر ان مراده بالاول تخصيصه بمراتبه و منازله في التقدم و التأخر و الغني و الحاجة و الشدة « بحسب ذاته و هويّته » يعني به ما قال قبل في قوله : فبما فيه من شؤنه الذّاتية و حيثيّاته العينيّة ، فانه بحسب ذاته و هويته لانه حين كونه في رتبته من الثبوت الازلي قاۤئم في القدم بما له من الشؤن الذاتية و الحيثيات العينيّة اي في العلم الذي هو ذاته ، تعالي عما يقولون علوّا كبيرا فتخصيصه في هذه الرتبة و هي اوّل ما له من مراتب التعيّن بهذه الشؤن و الحيثيّات « و امّا علي الوجه الثاني » و هو تخصيصه بموضوعاته « فباعتبار ما معَهُ في كل مرتبة من النعوت الذاتية الكلّية » و الّا فهو واحد بلا تعدّد لِذٰاتِهٖ ، و يحتمل ان يريد بقوله « علي الوجه الاول » و امّا تخصيصه بالواجبية فلنفس حقيقته المقدسة عن نقصٍ و قصور و بقوله « علي الوجه الثاني » تخصيصه بمراتبه و منازله الخ ، بما فيه من شؤنه الذاتية و حيثياته العينيّة و من الوجه الثاني تخصيصه بموضوعاته و يؤيد [ص 329] ارادة الاحتمال الاوّل حسن ظنّي بالمصنّف تخفيفاً لشناعةِ القول و ان كان لايجدي نفعاً و جعلي له انه الظاهر من جهة تخفيف الشناعة و يؤيد المعني الثاني قوله في الوجه الاول « بحسب ذاته و هويته » كما قال فيه اوّلاً : فلنفس حقيقته المقدسة ، و في الوجه الثاني « فباعتبارِ ما معه في كل مرتبة من النعوت الذاتية » كما قال فيه اوّلاً : بمراتبه و منازله في التقدم و التأخر و الغني و الحاجة و الشدّة و الضعف فبما فيه من شؤنه الذاتية و حيثياته العينيّة ، و انّما لوّحنا بترجيح الثاني لما يلوّح به و يصرّح من وحدة الوجود بل و الموجود ، هذا كلّه علي رأيه في حكم الوجود من التوحد او التعدّد ،
و امّا علي رأينا فلانتكلّم في ذات الله تعالي لان مَن تكلّم في ذات الله تعالي لايزداد عن الحق الّا بُعداً و انّما نتكلم في الوجود الحادث الذي هو من نظاۤئرنا فاقول كان الله عز و جل وحده و لا شيء معه يعني انه مايعلم ان معه شيئا غيره و هو الٰان علي ما كان ثم انه احدث الفعل بنفسه اعني مشيته و ارادته و ابداعه و قدره و قضائه و ما اشبه ذلك من انواع افعاله ثم احدث به امكانات الاشياۤء الكلية و الجزئيّة علي نحوِ العموم و الكلية التي لايتناهي منها شيء في الامكان و هذا هو العلم الذي لايحيطون بشيء منه مثلا امكان زيد احدثه بمشيته الامكانية فكان علي نحو الكلية في جزئيّتِه فيمكن ان يخلق مما يمكن ان يكون زيد منه قبل ان يكون كليا و جزئيا و انسانا و حيوانا و جنّة و ناراً و ملكا و نبيّا و شيطانا و ارضا و سماۤء و برا و بحراً و هكذا الي غير النهاية هذا امكان زيد فاذا خلق منه زيداً جاز ان يغيّر زيداً الي ما شاۤء مما ذكر و مما لميذكر الي غير النهاية و هكذا كل شيء يمكن فيه كل شيء قبله و بعده فكان كلّ شيء ممكِناً بمشيته الامكانية و لايعلم احدٌ من الخلق من ذلك العلم شيئا فاذا قلت زيد يمكن ان يكون كذا و ان يكون كذا بلا نهاية يعلم العارفون بالله ذلك [ص 330] و لكن لايعلم احد من الخلق اي شيء منها يكون الّا اذا اخبر تعالي به او كوّنه و هو قوله و لايحيطون بشيء من علمه الّا بما شاۤء تكوينه او الاخبار به فافهم فلذا قلنا كان كل شيء ممكنا بمشيته الامكانية ثم انه تعالي خلق نوراً و طينة طيّبَة و لميكن قبلها شيء و هذا هو الماۤء و هو الوجود و هو الحقيقة المحمديّة (ص) و هو الامر الذي اقام به كل شيء فكان باعتِبار جهاته الست الظاهرة و الباطنة و مقبوله و قابله اربعةعشر ركناً لا غير فتكثر هذا الوجود و قابله و جهات نوره و جهات طينته اِلَي هٰذَا الْعَدَدِ خاۤصةً فخلق من شعاعه نوراً و من شعاع هذا النورِ نوراً فتكثَّرتْ تنزّلاته باشعته في مراتبها ففي كل مرتبة تكثرت افراده من جهة المشخصات فالمتشخص وجود واحد موصوفي و مشخصاته صفاته من الجهة و الرتبة و الكم و الكيف و الوقت و المكان و الوضع و الاذن و الاجل و الكتاب و الاعمال الكونية و الشرعيّة و ما اشبه ذلك اصلها انفعاله و قابليته و هذه حدودها و متمّماتها و مكمّلاتها فتخصيص الوجود الحق بالواجبيّة هو و لايعرف حقيقة ذلك الّا هو تعالي و لا كلام لنا الّا في عنواناتِ معرفته و امّا الوجود المخلوق فلميكن مذكوراً قبل كونه الّا في امكانه و لميكن مذكورا قبل امكانه بشيء و لايعلم اللّه سبحانه ان في الازلِ غيره و الازل ذاته و ليس في ذاته شيء غير ذاته لا صورة و لا مثال و لا تعيّن و لا ما يصدق عليه اسم الشيء ثم امكنه في امكانه لا من شيء و لا لشيء بمشيّته الامكانية فكان عنده بذلك مذكورا ثم كوّنه بمشيته التكونية ( التكوينيّة . خد ) و هو العلم الذي يحيطون به اي المستثني في قوله تعالي الّا بما شاۤء يعني ما شاۤء تكوينه او الاخبار بتكوينه ثم تكثرت الاشياۤء علي نحو ما ذكرنا اوّلا بقوابلها و حدودها و متمماتها و مكملاتها في كل رتبة من مراتب ظهوراته فالواجب عز و جل ظهر بافعاله و مفعولاته و هو [ص 331] جل و علا لايظهر بذاته و لايتنزل بها و لايتغيّر عن حٰالِه ابدا و ما سواه من الوجودات المحدثة تظهر بذاتها و بافعالها و باشعّتها و الوجود الاول منها الحقيقة المحمّدية و هو اول فاۤيـٔض عن المشيّة الكونية و امكانه اوّل ما امكن بمشيّته الامكانية و هو امر الله الذي قامت به السموات و الارض و فيه قال الصادق عليه السلم في الدعاۤء كل شيءٍ سواك قام بامرِك ، ثم خلق به ارضَ ( الارضَ . خل ) الجرز و الارضَ الميتةَ و هي قابليته التي ذكرها في كتابه و هو الزيت في قوله يكاد زيتها يضيۤء و لو لمتمسسه نار ، فتخصيص هذا الوجود بذلك الزيت المسمي بالارض الجرز و بالارض الميتة لان هذا الوجود هو الماۤء المُسَاق الي الارض الميتة و الارض الجرز و تخصيص كل وجود حادث بتلك المشخصات لانها صفاته و هو الموصوف و كل شيء انّما يتخصص بصفاته و يتعدد بتفاوتها كالجهة مثلا و الرتْبة فبعض يخالف الاخر في الجهةِ و ان وافقه فيها خالفه في الرتبة و بالعكس و ان وافقه فيهما خالفه في الكم او في الكيف و هكذا فالتكثر من المشخصات و هي صفات وجودية و المتشخصات وجودات موصوفيَّةٌ فهو وُجودٌ واحد كالمداد في الكتابة للحروف المتكثرة المختلفة بمشخِّصٰاتِها لانّ الوجود هو الماۤدة المطلقة و تعدده كتعدد الباب و السرير و السفينة من الخشب و انّما اكرّر التَّعْريف حرصاً علي التفهيم و مع هذا التّكرير و الترديد فان فهمتَ المراد فانت انت و الله سبحانه ولي التوفيق ،
و امّا قول المصنّف « فباعتبارِ ما معه » فليس كما قال و ان كان اللفظ صحيحا الّا انه لميرد المصحح اذ الوجود ليس معه شيء غيره نعم يمكن فيه بالفِعْل التكويني اظهار ما بالقوّة الي الفعل كالكسر فانّه ليس فيه شيء غيره و لكن بالفعْل يظهر ما يمكن منه و هو الانكسار الذي به يتمكن من الظهور و يتشخص .
قال : « و لايبعد ان يكون المراد بتخالف الموجودات نوعا كما اشتهر من [ص 332] المشّاۤئين هذا المعني اذ هو بعينه كتخالف مراتب الاعداد انواعاً بوجه و توافقها نوعاً بوجه فانها يصح القول بكونها متّحدة الحقيقة اذ ليس في كل مرتبة من العدد سوي المجتمع من الوحدات التي هي امور متشابهة و يصح القول بكونها متخالفة المعاني الذاتية اذ ينتزع العقل من كل مرتبةٍ نعوتاً و اوصافاً ذاتية ليست ثابتة لغيرها و لها آثار و خواۤصّ متخالفة يترتّب عليها بحسب احكام نفسه ينتزع من كل مرتبة لذاتها خلاف ما ينتزع من مرتبةٍ اخري لذاتها فهي بعينها كالوجودات الخاۤصّة في ان مصداق تلك الاحكام و النعوت الكلية ذواتها بذواتها فاتقن ذلك فانه من العلوم الشريفة » .
اقول : يريد ان ما ذكره لايبعد ان يكون مراد المشاۤئين في تخالف مراتب الاعداد انواعاً مطابقا لمراده في التمثيل بناۤء منه علي ان الاعداد و مراتبها غير الوجودات و مراتبها او علي المغايرة بين الوجود و الموجود و الّا فعلي ما ذكره في كتابه الكبير كما تقدم النقل عنه ان الاعداد منها لان لها وجودات بنسبتها فالكلام فيهمَا وَاحِدٌ فانّ مراتب الاعدادِ تَخْتلِفُ انواعاً بوجهٍ كالٰاحَادِ و العشرات و المِـٰٔات و تتوافق نوعاً بوجهٍ فتخالفها من جهة اختلاف كم افرادها و مراتبها كثرةً و قلّة و الكثرة و القِلّة احد المشخصات الموجبة باختلافها للتعدّد و قد اشار المصنف الي اختلاف كمّها في الافراد و المراتب في تعليله تخالفها بقوله اذ ينتزع العقل من كل مرتبةٍ نعوتاً و اوصافا ذاتيّة ليست ثابتة لغيرها اي ليس نعتُ واحدٍ منها ثابتاً لغيره و توافقها لاتّحاد حقيقتِها لِتألُّفِ كلٍّ منها من هيئات الواحد كما قال المصنّف اذ ليس في كل مرتبةٍ من العدد سِوي المجتمع من الوَحَدات التي هي امور متشابهة و المراد بالوحدات جمع وحدة و هي صفة الواحد لان الاعداد كالخمسة مركب من خمس صفات و امثالٍ من الواحد اذ الواحد متعدّد بامثاله في كل عددٍ بقدرِ [ص 333] تعدد قوابله كتعدد امثال الوجه الواحد عند مقابلة المرايا المتعدّدة و استدل علي صحة القول بتعدد انواعها باعتبار و اتّحادها باعتبار بحمل التخالف عليها بوجه و الاتّحاد بوجه بناۤء علي طريقتهم من الاعتماد علي صحة الحمل سواۤء كان اوّليا ذاتيا او صناعيا متعارفاً و جعل اختلافها من امور ذاتيّة لها لما يدرك العقل منها من كونها اوصافا ذاتية لها و اتّحادها من اجتماعها من صفات متماثلة لكونها امثال الواحد و بالجملة فقد جعل اختلاف مراتب الاعداد من مغايرة اوصاف ذاتية بعضها لبعض و اتحادها من تألّفها من وحدات متشابهة كما جعل اختلاف الوجودات في مراتبها و منازلها باحوال ذاتيّة لها و اتّحادها لكونِها من نوع واحد و نحن نقول انّ الغَلط نشأ عليه من ترتيب مقدّمات ادلته المعنوية لا من مادتها و الاشارة الي بيان الغلط فيها ان الاعداد كلها مركبة من هيئات الواحد و امثاله فنفس الامثال علي طريقته هي مثال الوجود لان الوجودات عنده كالمواۤدّ و الاشياۤء تتركب من المواۤدّ و الصور و القوام للمواد و الاحكام للصور كما ذكرنا سابقا من ان السعادة و الشقاوة انما هو في بطن الام اي الصورة لا في الماۤدة كما تري في الصنم فان القبح في صورته لا في المادة التي عمل منها الصنم و عنده كذلك ان الشقاوة و السعادة انما هي في الماهية لا في الوجود و ماۤدة الاعداد نفس الوحدات و امّا ما لحقها من الكثرة و القلّة و الزوجيّة و الفرديّة و الوقوع في الاولي مرتبة الاحاد او العشرات او المـٔات و ما لحق ذلك من التمامية و الكمالية و الكمال الظهوري و الكمال الشعوري و النقص و الزيادة و ما اشبه ذلك فهي لواحق لمتممات او متممات و كل ذلك هو الصورة و الصورة خارجة من الوجود داخلة في الشيء و اَمّا عندنا فهي خارجة من الموصوف داخلة في مطلق العدد كما ان تلك الشؤن التي جعلها ذاتية [ص 334] للوجودات و هي المخصّصة لها ليست ذاتيّة لها لان الوجودات هي الموصوفات و هذه المخصّصات صفات خارجة عنها نعم هي داخلة في مطلق الوجودات اعني الموجودات لانّها الركن الاسفل منها و هي الفصول و الفصول ليست ذاتيّة للاجناس و انما هي ذاتيّة للانواع لانها الركن الاسفل فالمشخّصات و المخصّصات ليست ذاتية من الحِصَص و ان كانت اجزاۤء من الانواع و الاشخاص و الحِصص هي الوجودات فتشخّصها و تخصّصها بامورٍ خارجة هذا علي اعتبار الوجود بالمعني الذي نتوافق معهم فيه ، و امّا علي المعني الذي نختَصّ بهٖ و هو ان الموجود كزيد و الفرس و الشجرة و الجدار بلحاظ كونه اثراً لفعل الله و نوراً لِلهِ سبحانه نسمّيه وجوداً و بلحاظِ كونه هو هو نسمّيه ماهيّة و مشخِّص هذا الوجود عندنا هو الماهيّة اي ماهيته لتوقّف ظهوره او تعيّنه في الوجود و الحصول عليها لا في الوجدان عند نفسه لانه اذا وجد نفسه انما يجد ماهيّةً اذِ الوجود لايَجِدُ نفسه الّا الوجود الذي ليس له ماهيّة غيره عز و جل فانه من حيث هو وجود عين ماهيته و ذات نفسه بلا مغايرة لا بالاعتبار و لا بالفرض فلا تعدّد فيه بكلّ اعتبار مطلقا ،
و قول المصنّف « اذ ينتزع العقل من كل مرتبة نعوتا و اَوْصافاً ذاتيّة ليسَتْ ثابتةً لغيرها » الخ ، هو ما قلتُ لك انّ الغلط نشأ عليه من ترتيب مقدمات ادلّته المعنوية لا من مادتها كما اشرتُ لك في بيانه لانه يري انّ هذه المنتزعات ذاتيات للمراتب اي اطوار الوجود في تنزلاته و هي لاتتمشي علي قوله انّ الوجود و الماهية جزءان للموجود سواۤء فرض اتحادهما ام تعدّدهما لانّ المراتب لاتثبت له من حيث هو هو و انما تثبت له بضميمة اسباب المرتبة الخارجة بالنسبة الي الحصّة لا بالنسبة الي الموجود فانّها في الحقيقة ركن ماهيّته و امّا علي لحاظِنا الثاني من كون الوجود كون الموجود اثرا [ص 335] و من كون الماهيّة كونه هو هو فتدخل المرتبة و ما يلحق لها في الوجود مِنْ ( حيث . خل ) هي نور ٱللّهِ و اثر فعل الله لا من حيث هي هي و الحاصل مجمل القول ان المخصّص و المشخّص لو كان ذاتيا للمشخَّص و المخصّص لمافارق التخصيص و التشخيص كما قلنا في الواجب و انما مشخّص الحادث ليس ذاتيّا له فيبقي في مقام الفناۤء ينتظر حصول مخصّصه فاذا وجد تخصّص و الّا فلا فليس ان مصداق تلك الاحكام و النعوت الكلّية ذواتها بذواتها كما توهمه المصنّف فاتقن ذلك فانه من العلوم الشريفة .
قال : « المشعر السابع - في ان الامر المجعول بالذات من الجاعل و الفاۤئض من العلة هو الوجود دون الماهية و عليه شواهِد : الاول - انا نقول ليس المجعول بالذات هو المسمي بالماهية كما ذهب اليه اتباع الرواقيّين كالشيخ المقتول و من تبعه و منهم العلّامة الدواني و من يحذو حَذوه و لا صيرورة الماهيّة موجودة كما اشتهر من المشّاۤئين و لا مفهوم الموجود من حيث هو موجود كما يراه السيد المدقّق بل القادر بالذات و المجعول بنفسه في كل ما له جاعل هو نحو وجوده العيني جعلاً بسيطا مقدّسا عن كثرةٍ تستدعي مجعولاً و مجعولا اليه » .
اقول : قوله في العنوان « في ان الامر المجعول » اي المصنوع بالذات احترازاً عن المجعول بالعرض و التبع من الجاعل يعني المعبود بالحق عز و جل و الفاۤيـٔض اي البارز و عبّر عن هذا الظهور بالفيض لان المفاض يكون ظهوره متّصلا سيّالاً كظهور الماۤء من اليَنبوع من العلّة و المراد بالعلّة هنا هو المعبود بالحق تعالي هو الوجود دون الماهيّة و فيه اشارة الي ان الماهية غير مجعولة فاوّل ما يحتاج التنبيه عليه قوله « المجعول بالذات من الجاعل » ظاهر هذا الكلام ان الوجود مجعول بغير واسطة و لا تبعاً لمجعولٍ و فيه ان الجعل [ص 336] مستلزم لتوسّط الفعل بين الفاعل و مفعوله لانّه غير معقول احداث مفعول بغير متوسط و لعلّ هذا عند التنبّه اليه مما لا اشكال فيه و ان كان كثير منهم يعبّر بعبارةٍ ظاهرها انه ليس الّا ذات الفاعل و ذات المفعول لا غير الّا انّك اذا نبّهته علي ذلك اعترف بوجود الفعل الّا اذا كان المفعول هو البارز بنفسه من غير صنعٍ من الفاعِل نعم ظاهر كلام كثير منهم ان الفعل امر اعتباري نسبي و ليس شيء في الحقيقة الّا الفاعل و المفعول و ٱلحقّ انّ فعل الله سبحانه ذاتٌ تذوَّتتِ الذوات منه بل تحقّق اعظم المفاعيل بالنسبة الي تحقّقه كنسبة الشعاع في التحقق الي تحقق المنير و هو آدم الاوّل و علي هذا فالجاعل هو الله سبحانه و الجعل هو فعله و المجعول هو الوجود و هو الفاۤئض الذي افاضه اللّه سبحانه بفعله لا من شيء بل بالاختراع لا من شيء و لا لشيء و اطلاق العلّة علي ما قلنا علي الله سبحانه مجاز للبيان و الّا فليس هو علة بل العلّة فعله و هو قول اميرالمؤمنين عليه السلام علَّةُ ما صَنَع صُنْعه و هو لا علة له ه ، فقوله « فالفاۤئض من العلة هو الوجود » معناه عنده ان الفاۤئض من ذات اللّه هو الوجود بناۤء علي مذهبه من ان الوجود حقيقة واحدة فالوجود الصرف البحت هو الله سبحانه و الوجود المخلوط بالماهية هو تنزل الصِّرف البَحْت الي مراتبه و منازله فيتكثر بتكثّر شؤنه الذاتية لان كل ما كان في الامكان من الذوات و الصفات فهو في ذاته بنحوٍ اشرفَ و امّا عندنا فالفائض من العلة التي هي فعله تعالي هو الوجودات الجوهريّة و العرضيّة و معني كونه فاۤيـٔضاً هو كونه مخترعاً به لا من شيء و لا لشيء اذ لميكن له ذكر قبل هذا الفيض ،
و امّا الماهية فقد وقع فيها اختلاف كثير و قد ذكر الشيخ لطف الله البحراني لطف اللهُ به في رسالة له طويلة وضعها في حكم الذهب و الفضّة و الابريسم في لبسه و الصلوة فيه كثيراً من الاقوال في الماهية [ص 337] قال : اعلم ان العلماۤء و الحكماۤء اختلفوا في الماهية هل هي مجعولة ام لا فقال بعضهم بجعل الماهياتِ مطلقا و بعضهم لميقل بل قال بعدمه مطلقا و بعضهم فرق بين مرتبتها في الاعيان و مرتبتها في العين فقال به في الثانية دون الاولي و بعضهم جعله متعلقا اوّلاً و بالذات بها و بالوجود ثانيا و بالعرض فجعل الوجود تابعا لجعلِ الماهية علي معني انه لايحتاج الي جعل جديد و بعضهم علي العكس من ذلك و بعضهم عكس فجعله في الاولي بمعني انها فاۤئضة منه سبحانه دون الثانية و بعضهم جعله متعلّقا بها و اطلق و بعضهم قال بمعني انها فاۤئضةٌ منه سبحانه بتجلياته الذاتية بصور شؤنه المستجِنَّة في غيب هويّة ذاتِه بلا تخلل ارادة و لا اختيار بل بالايجاب المحض و بعضهم قال انها ليست مجعولة بل هي صور علميّة للاسماۤء الالهيّة التي لا تأخر لها عن الحق تعالي الّا بالذات لا بالزمان فهي ازليّة ابديّة غير متغيّرة و لا متبدّلةٍ و بعضهم قال و المراد بالافاضة التأخر بحسب الذات لا غير و بعضهم قال بجعل استعداداتها ايضا و اطلق و بعضهم قال بمعني انّها فاۤئضة من الحق سبحانه الخ ، من غير طلبٍ منها اليه و بعضهم قال بطلبٍ منها بلسان حالها اليها و بعضهم لميقل بافاضتها بل قال بعدمه و بعضهم قال انها من مقتضياتها و مقتضي الذات لايتخلف عنها الي غير ذلك مما تضمنته تلك العبارات عنهم انتهي ، و المصنّف يذهب الي انها غير مجعولة اوّلا و بالذات و لمتشم راۤئحة الوجود و انما هي مجعولة ثانياً و بالعرض و تحقّقها تبع لتحقّق الوجود و لذا قال ان المجعول اوّلا و بالذات هو الوجود دون الماهية ،
ثم قال في الشاهد الاول ليس المجعول بالذات هو المسمّي بالماهيّة كما ذهب اليه الرواقيون القاۤئلون باعتبارية الوجود و انما المجعول هو الماهية اي الموجود الخارجي و منهم الشيخ المقتول و من تبعه كالعلّامة الدواني التفاتا الي ان الموجود في الخارج هو الماهيّة و لا شيء غيره الّا ما نعتبره و نفرضه في الذهن من موجودية هذا الخارج [ص 338] و لا الموجود بالذات صيرورة الماهية موجودة كما اشتهر من المشاۤئين و قيل ان مرادهم ان اتصاف الماهية بالوجود فيكون من باب اضافة الصفة الي موصوفها فيكون المعني علي هذا ان المجعول بالذّات هو الماهية المتّصفة بالوجود يعني انها هي الموجودة فالوجود المحمول عليها هو النّسبي او كونها موجودة اي مجعولة بنفسها و يكون الوجود قد ضمّ اليها للتعبير عن كونها مجعولة بجعل الجاعل و ربّما وجّه كلامهم بمعني ما قال الشيخ في جواب من سأله عن هذه المسئلة و هو حين السؤال يأكل مِشْمِشاً قال لميجعل الجاعل المشمش مِشمِشاً بل جعل المشمش موجوداً يعني انه احدث وجود المشمش و هذا يلايـٔم مراد المصنف من ان الجاعل جعل وجودَ الماهية فلمّا لمتكن لذاتها شيئا و انّما هي لازمة لوجودها اتّحدَتْ به يعني لميكن لها في الجعل نوع اعتبار غير جعل الوجود و لا الموجود بالذات مفهوم الوجود من حيث هو كما يراه السّيد شريف و يكون مصداقه الموجود الخارجي الذي هو لازم له من حيث هو موجود و انت خبير بان الفاۤئض الاوّل انّما اطلق عليه الوجود الذي هو صورة المصدر لانه الصادر من جهة ان ذلك الحصول في مقابلة عدمه فاطلق علي الموجود مبالغة في مناسبة التسمية به لان الموجود انما هو شيء بالايجاد و الايجاد معني فعلي و الموجود معني مفعولي و المصدر يصدق عليه لان المفعول ثمرة الفعل و اثره فكل صادرٍ اوّلا و بالذات يكون احق باسم الوجود الذي هو في الاصل حدث حصَلَ من الايجاد ، و اذا قطعنا عن الاقوال و الاصطلاحات ظهرت لنا الاشياۤء بما البسها الله سبحانه من الاسم و اذا نظرنا اليها بنظر ما قيل فيها و ما اصطلحوا عليه من العبارات تسهيلاً لمطالبهم و اختصاراً في التعبير ظهرت الاشياۤء لنا بما البسوها من حلل مراداتهم و لمنر عليها الحلل التي البسها جاعلها جل و علا فلاجل هذا غطّت العبارات اغلب الحقاۤئق عن [ص 339] ابصار الناظرين فبهذا النظر لمنعرف الّا ما قالوا و هم بَعضهم من بعضٍ كما قال اميرالمؤمنين عليه السلم : ذهب من ذهب الي غيرنا الي عيون كدرة يفرغ بعضها في بعض و ذهب من ذهب الينا الي عيون صافية تجري بامر الله لا نفاد لها ه ، فانت اذا اردتَ ان تعرف الاشياۤء كما هي فانظرها في الحلل التي البسها جاعلها لان تلك الحلل علامات علي المراد منها فافهم فاذا نظرنا الي الاشياۤء من غير التفات الي كلام القوم اصلاً وجدنا انّ الجاعل عز و جل اوّلاً جعل الذوات و الموصوفات ثم جعل منها صفاتها و لمنجد موصوفاتٍ للاشياۤء غير انفسها فقد جعلها بذاتها لا بشيء و الّا لكان موصوفاً لها و هو اظهر منها و لمّا كان الشيء قبل الجعل عدماً و نفيا كان بعد الجعل وجودا و هو الموجود علي نحو ما ذكرنا سابقاً فمن قال باعتبارية الوجود لميجعله مجعولاً و اذا لميكن مجعولا لميكن به جعل المجعول و هذا ظاهر لايحتاج الي الطلب و من قال بالمفهوم الذي هو انتزاعي في الحقيقة يكون مجعولا من غيره فلايكون ذلك الغير مجعولاً به و الا لزم الدور و لو قيل في تصحيحه انّه ليس بانتزاعي لميقبل منه و لو فرض لكان ضعيف التحقق لايبني عليه ما هو اقوي منه و من قال انه عارض مقوّم لمعروضه فاسوء حالاً و من قال بانه ماجعل المشمش مِشْمِشاً بل جعل المشمش اي جعله موجودا بمعني انه خلق وجوده و لميجعله اي الوجود موجوداً فكما قبله في البطلان فان الجاعل جعل المشمش وَ جَعْلُ المِشْمِشِ مشمشاً شيء اخر غير الاوّل و الّا لماقال لميجعل المشمش مشمشاً فمَنْ جَعَلَ الثاني هل هو الجاعل للاول ام المشمش هو جاعل نفسه مشمشاً ام غيرهما فان قلت ان كون المشمش مشمشا شيء فهو مخلوق فمن خلقه و ان قلتَ ليس بشيء فلم نَفيتَه و قلتَ لميجعل المشمش مشمشاً ، ثم هل كان اللفظ الدال عليه مهملاً امْ لا فان قلتَ لو قيل به لزم الجبر في التكليف قلنا انت [ص 340] قل به لانه حق و لاتنكر الحق خوفاً من ان يلزمَك القول بالباطل اذ لكل مسئلةٍ من حق او باطلٍ جوابٌ حَقٌّ فاطلبه من اهله و قد دلّت اخبار الائمة عليهم السلام علي كثيرٍ من نظاۤئرِهٖ و انّما اَراد بقوله بل جعل المشمش موجوداً ان المشمش لمّا لميكن شيئا لذاته و انما هو شيء لازم لوجوده اتّحدَ بهٖ و هذا توجيه لكلامه من اتباع المصنّف و هو غير ظاهر كلامه و انما ظاهر كلامه القول بالاعيان الثٰابتة في العلم الغير المجعولة و انّما المجعول وجوداتها ،
و التّحقيق في بيان الوجود و الماهية انّ الذات الحق هو الواجب عز و جل و انّ الخلق كلهم ذوات باعتبارٍ و اعراضٌ باعتبار فالعلّة ذات لمعلولها و هو بالنسبة اليها عرض و بالنِّسبةِ الي معلوله و صفته ذات و هذا حكم كل الاشياۤء كلّها فالوجود اَثرٌ و صفةٌ للايجاد الذي هو الفعل مثل ضَرْباً فانّه اثرٌ و صِفةٌ لضرَبَ فلمّا احدثَ بفعله الوجود لزمتْه هويّته و هي الماهيّة و لا تحقّقَ له بدونها لانه هو جهة الشيء من ربّه و هي جهته من نفسه هذا في الوجود الذي هو مادة الشيء و الماهيّة الّتي هي صورته اعني انفعال الماۤدة و بهذا النظر حكم الوجود الذي هو الشيء المركب الخارجي و حكم ماهيته لانّ الوجود الركني الاول ( الاولي . خل ) خلق بالفعل اوّلا و بالذات و انفعاله ثانيا و بالعرض و هما مخلوقان فهما اثر فعله تعالي و هو الوجود اعني الشيء المركب الخارجي و جهته من نفسه هي الماهية و هي اثر الوجود و صفته و هو اثر الفعل و صفته فتفهّم هذا المعني المكرر المردّد فالفاعل بفعلِهٖ يفعل و القادر بفعلِهٖ يصنع و الجاعل بفعله يعمل فليس القادر بالذات انه يعمل بذاته بل القادر بالذات يعمل بالفعل و المجعول بنفسه في كل ما لَهُ جاعل هو نحو وجوده و المراد علي الوجه الحق بالمجعول الاوّل الذي هو ركن زيد مثلاً و هو مادته التي لمتذكر الّا في عالم الامكان و ذلك بجعلٍ بسيط و هو رأس [ص 341] من رؤس مشيّة الله و فعلِه خاص بمادّة زيد لميبرز تشخّصه الخاص بمادة زيد الّا بها خاۤصة و صورة زيد التي لمتذكر الّا في ماۤدته بجعلٍ خاۤصٍّ بها تابعٍ لجعل مادّته مترتب عليه احدثه الله سبحانه فكان ايجاد مادة زيد بجعلٍ و صورته بجعلٍ من جعل مادته و هما معاً جعلان ضمّ احدهما اي الثاني الي الاخر اي الاول فهذانِ الجَعْلان فيما من اللّهِ سبحانه تكوين و مجعولهما وجود بالمعني الثاني و فيما من العبدِ تكوّنٌ و مجعولهما ماهيّة بالمعني الثاني فكان للوجود و الماهيّة معنيان المعني الاول هو المادة و الصورة و المعني الثاني هو كونه اثر فعل الله تعالي و كونه هو هو و قول المصنف « جعلا بسيطا مقدساً عن كثرةٍ تستدعي مجعولاً و مجعولا اليه » يريد انه جعلٌ يُفٖيدُ الشيء لا غير و علي هذا فالماهيّة لمتكن مجعولةً بهذا الجعل لانّها ان كانت مجعولةً به بان يكون لها حظ في الجعل كان الجعل علي رأيهم مركّبا فيكون حينئذٍ يفيد الهيئة التركيبيّة الحمليّة و ان لميكن لها حظّ فيه كان الجعل بسيطا و لكنه يمتنع وقوعه لان المجعول لا بدّ و ان يقْبل الجعل و جهة قبوله الجعل التي هي انجعَاله غير جهة جعله و يستحيل تعلق بسيط من جهة بساطة تعلّقه بشيئين متغايرَيْن و لو تعدّد تعلّقه لمتكن ( لميكن . خل ) بسيطَ التعلق و لهذا كان قولك جعلت الطّين خزفاً اذا كان الجعل متعلقاً بجعل الطين و جعل الخزف من الجعلِ المركب لانّه جعلان و لو لميكن الطين متعلق الجعل كان الجعل انما افاد الخزف خاۤصة و هو البسيط فهو كقولك جعلت الخزف .
قال : « اذ لو كانت الماهية بحسب جوهرها مفتقرة الي الجاعل لزم كونها متقوِّمة به في حد نفسها و معناها بان يكون الجاعل معتبراً في قوام ذاتها بحيث لايمكن تصوّرها بدونه و ليس كذلك فانا قد نتصوّر كثيراً من [ص 342] الماهيات بحدودها و لمنعلم انها هل هي حاصلة بعدُ ام لا فضلاً عن حصول فاعلِها اذ لا دلالة لها علي غيرها و من الماهيات الموجودة ما نتصورها و نأخذها من حيث هي هي مع قطع النظر عما سِواها اذ هي بهذا الاعتبار ليست الا نفسها فلو كانت هي في حد نفسها مجعولة متقوّمة بالعلّة مفتقرة اليها افتقارا قواميّا لمتكن بحيث يمكن اخذها مجردة عما سواه و لا كونها مأخوذة من حيث هي هي كما لايمكن ملاحظة معني الشيء الّا مع اجزاۤئه و مقوّماته » .
اقول : لمّا ذكر الاشارة الي دليل ان المجعول بالذات هو الوجود لانه بجعلٍ بسيط منزّه عن كثرة يستدعي مجعولا و مجعولاً اليه بان اسم الوجود يصدق اطلاقه علي الوجود القديم و الوجود الحادث بالاشتراك المعنوي و بان الحادث انّما هو تنزل القديم في مراتبه و منازله بشؤنه الذاتية و بان تخصيصه بنفسه ان كان صرف الوجود و خالصه و ان كان المشوب فتخصيصه بالشؤن الذاتية الي اخر ما تقدم و مراده هو و اتباعه بان الوجود الحق تعالي الله عن ذلك علوا كبيرا كالبحر و الوجودات المشوبة كالامواج و ان الوجود الحادث لايقبل العدم و انما يختفي برجوعه الي ما منه بدئ الي غير ذلك لانه عندهم حقيقة واحدة بسيطة و التّكثر عارض حتي ان الملا محسن في الكلمات المكنونة قال : الذات واحدة و النقوش كثيرة فصح انه مااوجد شيئا الّا ذاته و ليس الّا ظهوره انتهي ، فلمّا كان الامر عندهم هكذا و بناۤء اعتقادهم علي هذا كانت الماهية يعني بها ماهيات الاشياۤء ليست شيئا في نفس الامر الّا في الاعتبار و الفرض فلهذا اخذ في بيانها بما هو خلاف الوجود فكل ما اثبت لماهية زيد مثلا نفاه عن وجوده و بالعكس حتي لو شئت ان تعرف احدهما عرفته بنقيض صفات الاخر فقال « اذ لو كانت الماهية بحسب جوهرها [ص 343] مفتقرة الي الجاعل لزم كونها متقوّمة به » و كلامه هذا يفيد ان الوجود الحادث بحسب جوهره مفتقِرٌ الي الجاعل و متقوّم به و هكذا في ساۤئر العبارات يعني لو ان الماهية صادرة عن الجاعل لكانت مفتقرة اليه بحسب ذاتها و لو كانت مفتقرة اليه لكانت متقوّمة به في حد نفسها و معناها بان يكون الجاعل معتبراً في قوام ذاتها مأخوذاً في حدِّها بحيث لايمكن تصوّرها بدونه و ذلك كما لوّح اليه في امر الوجود الحادث و لا شك انّ الجاعل للاشياۤء لميكن مأخوذاً في حقيقة ماهية زيد و تصوّرِها فلاتكون مفتقرة اليه فلاتكون مجعولة له و نقول عليه هذا الوُجود الذي ميّزته عن الماهية هل هو موصوف ام صفة فان جعلته موصوفا امكن اخذه مجرّدا عنْ جاعله كما في الماهية و علي قولك يلزمك الّاتعلم هل هو حاصلٌ ام لا الا ان تلتجئ في حصوله الي لفظه ( لفظ . خل ) اسمه و ان جعلته صفةً لزمك تقدّم موصوفه عليه و ان جعلتَ موصوفه الواجب تعالي كان معروضاً للحادِث و التزامه بذلك كما يأتي يبطله ما سمعتَ و تسمع ، و انت هداك الله ايها الناظر في كتبهم اذا نظرت بعين عقلك رأيت ان هذه امور لاتجري علي مذهب المسلمين فان قواعد مذهبهم ان كل ما سوي الله سبحانه فهو مخلوق لله و السبب الذي اوقعهم فيه انهم سمعوا كلام الحكماۤء الاوائل و اساتيذهم الانبياۤء عليهم السلم يقولون انّ الله سبحانه هو الذي خلق الاشياۤء و ربّما لميقولوا بفعله ففهم هؤلاۤء ان الايجاد و الافاضة بذاته تعالي لا بفعله و لذا يقولون ذاته البحت البسيط هو مبدء الفيض و هو علة الاشياۤء و لو انهم تنبهوا الي شيئين احدهما ان الفاعل و الجاعل لايفعل شيئا بغير فعلٍ و ثانيهما ان المفعولات لاتتركب من الفعل و لا من الفاعل بل المفعول يتركب من المادة و الصورة كالكتابة فانها لاتتركب من فعل الكاتب الذي هو حركة يده و لا من ذاته و انّما تتركب من المداد و الصورة ، [ص 344] فاذا تنبهوا الي هذين الشيئين تنبّهوا الي شيئين آخرين احدهما ان كل ما يتصوّر في الاذهان و تدركه العقول مما وضع له لفظ يدل عليه و مما تدركه الحواۤس و كل شيء سوي الله فهو مخلوق لله تعالي و ثانيهما ان الواجب تعالي لايكون من شيء و لايكون منه شيء و لا يحل في شيء و ليس فيه شيء و لايقترن به شيء فلو انهم تنبّهوا لهذه الامور لماوقعوا في هذه الامور الشنيعة و الاعتقادات الفظيعة (ظ) ، فاذا عرف ان الحادث انما يحتاج الي فعل الفاعل و انما يتقوم به من المادة و الصورة اللتين من نوعه و الماهيّات تحتاج الي الجاعل من جهة فعله و الجاعل ليس من نوعها لتتركب ذاتها منه و اذا كان كذلك جاز تصوّرها بحدودها و لميدخل فيها لانه لايدخل في شيء و لايدخله شيء ،
و قوله « فانا قد نتصوّر كثيرا من الماهيات بحدودها » الي قوله « اذ هي بهذا الاعتبار ليست الّا انفسها » صحيح و هو الدليل علي انها مجعولة لانها متصورة محدودة كما قال الصادق عليه السلام : كل ما ميّزتموه باوهامكم في ادقِّ معانيه فهو مثلكم مخلوق مردود اليكم ، فقوله عليه السلم مثلكم له معنيان احدهما ان كل ما ميّزتموه فهو حادث مخلوق كما انكم حادثون مخلوقون و ثانيهما انه مثلكم اي انه صفتكم مخلوق منكم او بكم او عنكم و لِقوله (ع) مردود عليكم معنيان احدهما انه غير مقبول منكم اذا توهّمتم انه الله تعالي و ثانيهما ان كل شيء يرجع الي ما منه خلق و الي مبدئه و انتم مبدء ذلك المتوهم و منكم خلِق ،
و قوله « فلو كانت هي في حد نفسها مجعولة متقوّمة بالعلة مفتقرة اليها افتقارا قِواميّا » غير مقبول منه بل المقبول انها في حد نفسها مجعولة و كيف لاتكون ماهيّتك مجعولة و انت تخاطبني و اخاطبك و اقول [ص 345] لك انتَ و تقول انا فمن المخاطب و مَن المتكلم و من المَعْنِيُّ بانت و انا الّا ماهيّتك لانّ وجودك لا انّيّة له و انّما الانّيّة للماهيّة و هذه الانّية هي التي بها تعصي و بها تتبع الشهوات و لا شيء من الوجود كذلك فافهم ان كنتَ تفهم ، فهي بلا شكٍّ مجعولة متقوّمة بماۤدّتها و صورتها لا بالعلّة فان العلّة لايتقوّم بها المعلول الّا تقوّم صدور و الذي يتقوم به المعلول تقوّم صدور هو الفعل لا الفاعل انظر الي الكلام فهو يتقوم بحركة المتكلم بلسانه و اسنانه و لهاته لا بذات المتكلم نعم المعلول يتقوم تقوّماً ركنيّاً بمادته و صورته و متمماتها لا بالعلة كما مثّلنا في الكتابة مفتقرة اليها في الصدور خاصة افتقاراً قِوامِيّاً اي ركنيّاً و هذا انما يكون بالمادة و الصورة خاۤصّة ، فاذا اردت اخذها في الذهن فان اخذتَها من حيث كونها اَثراً و نوراً كما تقدم بيانه لميمكن اخذها مجردة اذِ العرض و الاثر من حيث كونه عارضاً و اثراً لميؤخذ الّا منضمّا الي معروضه و مؤثره و هي حينئذٍ وُجودٌ بالمعني الثاني كما ذكرنا اوّلاً فراجع و ان اخذتها من حيث هي هي لميمكن اخذُها الّا مجرّدة و هي حينئذٍ ماهية مثلاً انت اخذتك من حيث انت انت لانحتاج ( لاتحتاج . خل ) في تصورك الي شيء غيرك فانت الأن ماهية و ان اخذْتَ انّك اثر و نور فذلك وجود لايؤخذ مجرّداً ، و امّا بناۤء استدلاله هذا علي قواعد لايصح منها شيء فكذا ما بني عليها لانه بني علي ان الجاعل مأخوذ في ذات المجعول و ذلك باطل فان الكاتب لايؤخذ في ذات الكتابة و علي ان الفاعل فاعل بذاته و هذا باطل فان الكاتب كاتب بحركة يده و علي ان كثيراً من الاشياۤء ليست مخلوقة للّه تعالي اما لكونها اموراً اعتبارية و هي عدميّة او لانها من مخترعات النفس اوْ انّها حملية صناعية لا وجود لها الّا في الاذهان استبعاداً منهم ان يكون خلق بحرا من زيبق او رجلا له الف رأس فقلتُ لهم نعم خلقه [ص 346] الله قالوا ارنا ايّاه و لقد اريتهُم اياه مرّة بعد اخري و لكنهم لايبصرون و لقد روي الصدوق في اول كتابه العلل بسنده الي ابيالحسن الرضا عليه السلم قال يعني الساۤئل قلت له لم خلق الله عز و جل الخلق علي انواعٍ شَتّي و لميخلقه نوعا واحداً فقال لئلّايقع في الاوهام انه عاجز و لاتقع صورة في وهم احَدٍ الّا و قد خلق الله عز و جل عليها خلقا لئلّايقول قاۤئل هل يقدر الله عز و جل علي ان يخلق صورة كذا و كذا لانه لايقول من ذلك شيئا الّا و هو موجود في خلقه تبارك و تعالي فيعلم بالنظر الي انواع خلقه انه علي كل شيء قدير ه ، و غير ذلك مما هو صريح في ان كل ما سوي الله تعالي فهو خلق الله عز و جل و صنعه و عباده و ممّا قالوا به ان الموت معني عدمي اعتباري و الله سبحانه يقول الذي خلق الموت و الحيوة ، و روي الفريقان من الخاۤصة و العامة ما معناه انه اذا دخل اهل الجنّة الجنّة و اهل النارِ النارَ اُتِي بالموت في صورة كبش املح فيذبح بين الجنّة و النار و ينادي منادٍ يا اهل الجنة خلود و لا موت يا اهل النار خلود و لا موت ه .
قال : « فاذن اثر الجاعل و ما يترتب عليه ليس هو هي بل غيرها فاذن المجعول ليس الا وجود الشيء جعلا بسيطا دون الماهية الّا بالعرض فان قلتَ فعلي هذا يلزم ان يكون وجود الجاعل مقوّما للوجود المجعول غير خارج عنه مثل ما لزم من جعل الماهية و مجعوليتها قلتُ نعم لا محذور فيه فان الوجود المجعول متقوم بوجود علته تقوّم النقص بالتمام و الضعف بالقوّة و الامكان بالوجوب و ليس لك ان تقول نحن نتصوّر وجود المعلول مع الغفلة عن وجود علته الموجبة له فلايكون متقوماً به لانا نقول لايمكن حصول العلم بخصوصية نحو من الوجود الّا بمشاهدة عَيْنِيّتِهٖ و هي لاتتحقق الّا بمشاهدة علّته الفيّاضة و لذا قالوا العلم بذي السبب لايحصل [ص 347] الا بالعلم بسببه ( بالسبب . خ ) تأمل فيه » .
اقول : فرع علي عدم العلم بجاعلها حال العلم بها علي انها ليست متقومة في حد نفسها بجاعلها و هذا صحيح و هذا عنده متفرع علي انها ليست مجعولة له و هذا باطل فما المناسبة بينهما و ما الرابطة و قد ضربنا لكم الامثال فان الاثر لايكون متقوما في حد ذاته بمؤثره و كل من نظر بادني نظر لايشك في هذا الّا من كان لاينظر الا بعين عباراتهم العمياۤء فانه لايبصر هذا لانه حصر الاثر فيما اذا تقوم في حد نفسه بالمؤثر و هذا عجيب ،
و قوله « فاذن المجعول ليس الّا وجود الشيء » لان وجود زيد مثلاً متقوّم في حد نفسه بوجود الحق سبحانه عما يقولون لانه اثره و فاۤئض منه و مجعوله « جعلاً بسيطا » لانه من البسيط « دون الماهيّة » فاذن ماهيّة زيد ليست مجعولة و علي هذا فمن زيدٌ اذا كان وجوده متقوّماً بوجود الله تعالي و ماهيته ليست مجعولة فمن هذا الذي يأكل و يشرب ،
و قوله « الّا بالعرض » يريد انه لا حظّ لها في الوجود و لمتشمّ راۤئحته كما ذكر قبل هذا فهي عدم و الّا فانها قد شمّت راۤئحة الوجود لان المعروف عندهم اذا قيل انها وجدت بالعرض ان المراد به ان المقصود بالايجاد هو الوجود و ان الماهية وجدت للوجود لا لنفسها فان اراد هذا المعني فقد شمت راۤئحة الوجود حتّي ازكمَها و انها مجعولة للحق تعالي عن اقوالهم و ان الحق سبحانه غير مأخوذ في حد نفسها و كل هذا حقّ و ان اراد انها معدومة فلم قال باتّحاد الوجود بها فان الوجود لايتحد بالعدم فماادري ما يقول هذا المحقق و ان اراد به انها موجودة بالعرض يعني بواسطة الوجود فكثير من الوجودات وجدت بتوسّطِ بعضها و ان اراد انها موجودة بالعرض اي بوجود ضعيف بالنسبة الي الوجود كوجود العرض بالنسبة الي وجود معروضه فاي [ص 348] مانعٍ لها بهذا الاعتبار من الوجود حتي كانت ماشمّته مع انه فيما تقدم ذكر بانّ الوجود هو وجودها في قوله بخلاف الوجود فانه نفس وجود الماهية فيما له ماهية ،
ثم انه اورد اعتراضاً لا مناص له عنه الّا بالالتزام به فقال « فان قلتَ فعلي هذا يلزم ان يكون وجود الجاعل مقوّما للوجود المجعول غير خارج عنه مثل ما لزم من جعل الماهيّة و مجعوليتها قلتُ نعم لا محذور فيه » فالتزم به لانه اذا جعل وجود الجاعل تعالي مقوِّماً للوجود المجعول غير خارج عنه مثل ما لزم من جعل الماهية و مجعولها الّتي قال فيها لو افتقرت اليه افتقاراً قِواميّاً يعني كما اثبته للوجود لميمكن اخذها مجردة كما لايمكن ملاحظة معني الشيء الّا مع اجزاۤئه و مقوّماته يريد به ثبوت هذا للوجود المجعول مع وجود جاعله و لذا قال نعم لا محذور فيه يعني لا محذور في جعلِنا وجود المجعول جزءاً لوجود جاعله و قد صرّح بهذا المعني وَ لوّح فيما مضي و فيما يأتي غير معتذرٍ و لا معترفٍ بالجهل كيف و هو مصرّح بان الوجودات منه تعالي بالسنخ و باتحادها به تعالي و انها شؤنه و اطواره و تنزلات ذاته في مراتب تطوّراتها و انما تميّزت منه بما لحقها من لوازم المراتب من جهة العروض من العوارض الخارجيّة و كل تلك التّطورات مع تلك الذات المتطورة حقيقة واحدة بسيطة لذاتها قد طوت تلك الوحدة جميع تلك الكثرات و اتّحدت اتحاداً ذاتيا في تعدّداتها العارضة من تلك المراتب و لايعلم ما فيه فواللّهِ اني لاراه قد خرّ من السماء فتخطفه الطير او تهوي به الريح في مكان سحيق ،
ثم انه بين هذا الاتّحاد بما لايسمن و لايغني من جوع فقال « فان الوجود المجعول متقوّم بوجود علته تقوّم النقص بالتمام و الضعف بالقوّة و الامكان بالوجوب » و لا شك انّ تقوم النقص بالتمام لايحتمل الّا احد وجهين : امّا ان يكون كتقوم الشبَح بالشاخص او كتقوّم القليل بالكثير بان يتمم الناقص [ص 349] القليل بجزء و حصّة من الكثير تتممه و تكثر قلّته و كلاهما لايفيده شيئا و لايدفع عنه المحذور امّا تقوّم الشبَح كالصورة في المرءاة و النور من المنير فلان حقيقة الشاخص خارجة عن حقيقة الشبَح و انّما يمدّه بظهورٍ منفصلٍ من تَجلّيه و هو حادث بحدوث قابلِهٖ فلايدخل الشاخص بذاته في حدّ ذاتِ الشَّبَحِ و امّا دخوله فيه في القضايا الحمليّة فلابتناۤئها علي ظاهر مفاهيم الالفاظ علي نحو ما قرّرنا قبل كما هو المتعارف لان الحمل حمل متعارف و في هذا العلم لايفيد مثل ذلك نعم لو بني بعض مساۤئله علي شيء من ذلك رُبَّما نفع الحمل الاوّلي الذّاتيّ فيما يتعلّق بالممكنات او ببعضها خاۤصّة لانّ مبني مساۤئله علي الحقاۤئق النفس الامريّة فلايدخل الشاخص في حد نفس الشّبَح اذِ المراد بالدخول في هذا العلم كون الداخل جزء الماهيّة لا كونه آلةً لصحة الاعتبار كما في اخذ المعروض في حدّ العرض فانه آلة لصحّة تصوّر العرض لا جزء من وجوده فلذا لايدخل وجود المعروض في حد ذات العرض و امّا كتقوّم القليل بالكثير بان يتمّم الناقص القليل بجزءٍ و حصّة من الكثير تتمّمه و تكثّر قلّته و لايجوز ذلك في حق الواجب و مثله الضعف بالقوّة و الامكان بالوجوب علي نحو ما ذكرنا فان تقوّم الامكان بالوجوب علي الحقيقة هو اقامة الوجوب الامكانَ بنفسه علي نحو ما قلنا في الشبح و الشاخص و امّا فرض تقوّمه بالوجوب علي نحو ما قلنا في النقص بالتمام علي الوجه الثاني فباطل و كفر و زندقة و بالجملة هذه الطريقة لايعرف بها المعبود الفرد الاحدي المعني عز و جل ،