و قوله « و هذا التسلسل مع استحالته بالبراهين » اذا ثبت لزومه فهو مستحيل و دعوي لزومه هنا غير مسلّم كما سمعت ،

قال « يستدعي المدعي » اي ( ان . خ‌ل ) يثبت المدّعي بالخلف اي بقياس الخلف و هو انه اذا لم‌تصدق نتيجة الاول في القياس اعني كون الوجود جزءاً او عارضاً للزوم المفسدة من كون الماهية حاصلة الوجود قبل نفسِها و كون الوجود متقدما علي نفسه و لزوم تكرير نحو وجودٍ واحدٍ من جهة واحدة او التسلسل المستحيل صدق نقيضها و هو ان الوجود ليس بجزء للماهية و لا عارض لها زاۤئد عليها بل هو عين الماهيّة في الخارج و هذا كله علي فرض صحة الحصر العقلي فيما ذكر و لكن الاحتمالات غير محصورة فيما ذكر بل يجوز ان تكون الماهية عارضة علي الوجود كما نقله المصنف عن الصوفية و ان تكون امراً اعتباريا و هو متأصل كما يظهر من كلامه في بيان جعل الوجود وَ اَنْ تكُونَ جزءاً من الوجود فعلي الاول لايثبت الاتحاد الّا علي قول القاۤئل الذي لم‌يثبت الوجود اَصْلاً بعدم الفرق بين الذاتي و العرضي الا في دخوله في جواب ما هو و عدمه و اما اتّحاد العرض عنده فانّه عرضي و هو منافٍ لما يريد من الاتحاد و علي الثاني كذلك ايضا لان الاتحاد انما هو بين الوجوديين ( الوجودين . خ‌ل ) و اما بين وجودٍ و عدمٍ فلا و علي الثالث فعندنا لا بأس به علي اعتبار و هو ما [ص 279] اذا اردنا بها الماهية الاولي التي قلنا هي الانفعال و الصفة و الصورة فقد قدّمنا انها وجود صفتيّ و المادة وجود موصوفي هذا في الخلق الاول و اما في الخلق الثاني فغير جائزٍ علي قولنا لانا نريد بها كل الشيء من حيث نفسه و الوجود كل الشيء من حيث كونه اثرا نعم لو اعتبرنا الشيء بانه هو مجموع الاعتبارين كانت جزءاً لكنها جزؤٌ للشيء لَا للوجودِ و لو صوّرنا جوازه امكن اذا اردنا الّا انّه بمغالطةٍ لانطلبها بحولِ اللّهِ وَ قوته لا بحولنا و قوّتنا لا حول و لا قوة الّا بالله العلي العظيم و اذا احتملت هذه الاحتمالات بطل ما استدل به من قياسِ الخُلف مع انا كثيراً ما نقول ان الاحكام المنطقية و قواعدها انما تصلح للعلوم الشرعيّة وَ ما اَشبهها و امّا العلوم الالهيّة و الاسرار الربوبيّة فلايصلح علم المنطق كله ان تكون آلةً لَهَا و برهان كلامي ان كنتَ تعقل ان علم المنطق بنيت قواعده علي مدارك العقول و الافهام و هي قاصرة عن ادراك معرفة الملك العلّام و انما يعرف بنحو ما وصفَ به نفسه لعباده و ماوصف به نفسه لعباده الّا علي السنة اولياۤئه محمد و اهل بيته الطاهرين و محاۤلّ وحيه من انبياۤئه صلي الله علي محمد و اله الطاهرين و عليهم اجمعين و لله در القاۤئل :

اذا شِئت ان تختر ( تهوي . خ ) لنفسك مذهباً ينجّيك يوم البعث من لهب النارِ

فدع عنك قول الشافعي و مالكٍ و حنبلَ و المرويّ عن كعبِ احْبارِ

و وَالِ اُنَاساً نَقلُهم و حديثهم رَوي جدُّنا عن جبريلَ عن البارِي

و قوله « لان قيام جميع الوجودات » الخ ، بيان لما ابطل من كون الوجود عارضاً المستلزم للتسلسل و لما استدل به من حكم قياس الخلف علي كون الوجود عين الماهيّة يعني ان جميع ما يفرض من الوجودات العارضة لا بد لها من اصيلٍ تنتهي اليه اي لا بد ان يكون فيها ما ترجع اليه و الّا لم‌يكن ما فرض انه جميع الموجودات جميعها بل هو بعضها و البعض الاخر هو الّذي [ص 280] ليس بعارض .

قال : « فاذا ثبت كون وجود كل ممكن عين ماهيته في العين فلايخلو امّا ان يكون بينهما مغايرة في المعني و المفهوم او لايكون و الثاني باطل و الّا لكان الانسان مثلا و الوجود لفظين مترادفين و لم‌يكن لقولنا الانسان موجود فاۤئدة و لكان مفاد قولنا الانسان موجود و قولنا و الانسان انسان وَاحِداً و لماامكن تصوّر احدِهمَا مع الغفلة عن الاخر الي غير ذلك من اللّوازم المذكورة في المتداولات من التوالي الباطلة و بطلان كلٍّ من هذه التوالي مستلزم لبطلَان المقدم فتعيّن الشق الاول و هو كون كلٍّ منهما غير الاخر بحسب المعني عند التحليل الذهني مع اتحادهما ذاتا و هويّة في نفس الامر » .

اقول : قوله « فاذا ثبت كون وجود كل ممكنٍ عين ماهيته » هذا لم‌يثبت فلايترتّب علي حكمٍ لم‌يثبت حكمٌ و ليس المراد بالترتّب توقّفه عليه بل ليكونا ( يكونا . خ‌ل ) مذهباً خاۤصّاً مركّبا من مسئلتين فكأنه قال قد ثبت شقّ فاذا ثبت توجّهنا الي الاخر فقيل له انّ الاوّل لم‌يثبت فارجع اليه او فارجع عنه ،

و قوله « فلايخلو امّا ان يكون بينهما مغايرة في المعني و المفهوم او لايكون و الثاني باطل » و اقول من اين جاۤء البطلان لانه ان كان وجود كل ممكن عين ماهيّته من جميع الجهات لم‌يكن بينهما مغايرة فلايكون الثاني باطلاً و ان كان وجود كل ممكن عين ماهيّته باعتبار او في حالٍ لم‌يكن بينهما اتِّحادٌ من كلّ جهةٍ فلايكون الثاني باطلاً مطلقاً بل في حالٍ دونَ حالٍ و لايلزم منه كون اللفظين مترادفين و يكون لقولنا الانسان موجود فاۤئدة و بيان هذا انّ الانسان هو الذات المعلومة الذي هو الحيوان الناطق فانتَ ما تريد بالوجود الذي حملته عليه اهو الناطق ام هو الحيوان ام هما المجموع ام شيء اخر فان اردتَ به الثالث و انه هو مصداقه لم‌يكن بينهما مغايرة و ( ان . خ‌ل ) كان اللفظان [ص 281] مترادفين و ان اردتَ به ما سوي الثالث لم‌يكن عينه و مثله قولك الانسان موجود و قولك الانْسان انسان فانّ موجود المحمول ان كان هو الانسان اي الحيوان الناطق كان المفادُ واحداً و الّا فليس هو عين الانسان و ٱلوجود ٱلمحمول هو المعبّر عنه بهست بالفارسية او المعني المصدري و هو في الحقيقة محمول علي الماهيّة المتّصفة بذلك و هي وجه الماهيّة ٱلحقيقيّة لا ذاتها فالحقيقيّة هي المتحصّلة بالايجاد و المحمول هو المعني المصدري الذي هو اثر الايجاد و الموضوع هو ذلك الوجه و المتحصلة هي الكلّ هذا مجمله و مفصّله ان الوجود الحقيقي ليس هو المحمول بل هو الموضوع و المحمول هو الماهية الاولي اي الانفعال كما ذكرنا و معني ذلك انه تعالي لمّا خلقه انخلق فخلقه هو النسبة من فعل اللهِ و انخلق هو نسبة الممكن من نفسه و كلاهما من صنع الله فوجب الاعتباران في كلٍّ منهما فجهة الصنع لهما هو الوجود الحقيقي و هو المعبّر عنه بقوله عليه السلام مَن عَرف نفسه فقد عرف ربّه ، و هو الفؤاد الذي هو محلّ المعرفة التي ضدّها الانكار و جهة الممكن من نفسه من حيث هو هو هي الماهيّة هذا بلغة اهل الحق عليهم السلام و امّا بلغة القوم فاذا قلتَ زيد موجود فالمحمول هو الوجود وَ الوجود الحقيقي هو الموضوع و امّا المحمول فهو المفهوم المصدري او المعني البسيط الذي هو هسْتْ و ليس شيء منهما حقيقة زيد لا وجوده و لا ماهيته بخلاف قولك الانسان انسان فان المحمول هو عين الموضوع فهذا هو عينه في الخارج و لايكون غيره في الذهن و امّا موجود في قولك الانسان موجود مثلاً فهو غير الانسان و لو كان هو عينه لماحمل عليه ضده فلايصح اذا كان عَينه ان تقول الانسان معدوم فلمّا جاز ضده علم بان هذا الموضوع يعتوِرانِ عليه ،

و قوله « فتعيّن الشق الاول و هو كون كلٍّ منهما غير الاخر » و هو صحيح كما ان التوالي المذكورة باطلة و كذا تقييده [ص 282] بقوله « بحسب المعني عند التحليل الذهني مع اتِّحادِهما ذاتاً و هويّة في نفس الامر » فانه باطل اذ لو اتحدا ذاتا و هوية في نفس الامر لماامكن تحليلهما في الذهن كما لايمكن تحليل الانسان انسان الّا عند تعدّد اللفظين بان تتصوّر لفظ الانسان و تتصوّر ان لفظ انسان ( الانسان . خ‌ل ) حمل علي الاوّل مع اتحاد المعني ذهناً و خارجاً .

قال : « بقي الكلام في كيفية اتصاف الماهيّة بالوجود بحسب المغايرة الاتّصافية في ظرف التحليل العقلي الذي هو نحْوٌ من انحاۤء وجود شيء في نفس الامر بلا تعمّل و اختراع و ذلك لان كل موصوف بصفة او معروض لعارضٍ فلا بدّ له من مرتبة من الوجود و يكون متقدّما بحسبه علي تلك الصفة اذ ذلك العارض غير موصوف به و لا معروض له فعروض الوجود امّا للماهية الموجودة او غير الموجودة اوْ لا الموجودة و لا المعدومة جميعاً فالاول يستلزم الدور او التّسلسل و الثاني يوجب التّناقض و الثالث يقتضي ارتفاع النقيضين » .

اقول : لَمَّا كان يذهب الي اتّحادِ الوجود بالماهيّة خارجاً و الي تغايرهما ذهناً و الي انّ الوجود عارضٌ علي الماهية في الذّهن فذكر الوجهين الاولين و ذكر هنا الثالث فقال « في كيفية اتّصاف الماهيّة بالوجود بحسب المغايرة الاتّصافية في ظرف التّحليل العقلي الذي هو نحو من انحاۤءِ شيء » يعني انه في الذهن يكون عارضاً عليها و قد ذكر قبل ان الموصوف قبل الصفة فيكون عروضه علي ماهيّة موجودة قبل عروضه اذ لو كانت موجودة به لم‌يكن عارضاً لها ، و قوله « نحو من انحاۤء وجود شيء » اي نوع من انواع وجود شيءٍ يعني ان ظرف التحليل العقلي و ما يحلّ فيه نوع من الوجود في نفس الامر بلا تعمّل و اختراع اي بغير صنع و هذا من جملة الاوهام الباطلة و هو ان الشيء الذي [ص 283] اذا لوحظ لنفسه يعني لا مع وجودٍ اَوْ عدمٍ كان له نوع وجود غير معتمل و لا مخترع اي لم‌يصنع نفسه و لم‌يصنعه غيره و قد قام الدليل القطعي من العقل و النقل علي انّ كل ما سوي الله سبحانه مما يصدق عليه السِوي فهو محدث و اللّه سبحانه خالقه فقوله بقي الكلام في الشق الثالث الذي هو كيفية اتّصافها بالوجود و قوله و ذلك لان كل موصوف ، توطية يستدل به و الاشارة الي النحو من انحاۤء وجود شيء ،

قال « لان كل موصوف بصفة او معروضٍ لعارض فلا بد له » اي الموصوف و المعروض من مرتبة اي من كون و مقام من الوجود يتقدم فيه او يفرض تقدّمه فيه علي الصفة او العارض بحسبه اي بحسب ذلك المقام او الرتبة من احد ظرفي الوجود الخارجي او الذهني اذ ذلك العارض غير موصوف له و لا معروض عليه ليتأخر المعروض عنه فعلي هذا الفرض من ان الوجود عارض لها في الذهن يكون عروضه اِمّا للماهية الموجودة التي اتّصفت بالوجود قبل عروضه او غير الموجودة اي التي لم‌تتّصف به بل اتّصفت بالعدم او التي لم‌تتّصف بالوجود و اللّاوجود او لم‌يلحظ فيها شيء جميعاً اي سلب عنها الوجود و العدم في نفس الامر او في الوجدان و الاعتبار فالاول اي عروضه للماهية الموجودة يستلزم الدور لان عروضه متوقّف علي وجودها و وجودها متوقف علي عروضه اذ لا وجود لها بدونه او يستلزم التَّسلسل لترتب الوجودات العارضة لها بعضها علي بعضٍ لا الي نهاية و الثاني يوجب التناقض لاستلزام المعروضيّة للوجود حال اتّصافها بالعدم و الثالث يقتضي ارتفاع النّقيضين اذ لايخلو المحلّ من احدِهما فاذا تعذرت الثلاثة الوجوه بعد ثبوت التغاير بينهما في الذّهن و لزوم حمل احدهما علي الاخر لثبوت عدم جواز الانفكاك فلا بد ان يكون للمعروض تقدّم معنوي خارج عن الاقسام الخمسة للتقدّم لايلزم منه شيء من هذه الفروض الثلاثة علي نحو [ص 284] ما يذكره بعد هذا و انت اذا نظرت بعين البصيرة طلباً للحق خاۤصّة رأيتَ لهذا المحقّق في استنباطاته خصوصا في هذه المسئلة تكلّفاتٍ و تعسّفاتٍ ليس لها من الحق اسم و لا رسم و انّما هي مجرّد احترازاتٍ و توقّيات مما يرد عليه لاتخفي علي احدٍ الّا علي من نظر الي هذا الرجل بنفسه مع ما ملأ قلبه و سمعَهُ من شهرة تحقيقه و تدقيقه بحيث لو القي اليه مثل هذا الكلام غير عالم بانه لذلك العالم الكبير المحقق لضرب به عرض الحائط فاذا تأمّلتَ في توجيهاته هذه وجدته قد انقطع نفَسه من التمحلات الباطلة ليتستَّر بها الاتري تطويله للكلام و تنقّلاته من مقامٍ الي مَقام ليحصل له المرام فواللهِ مادعاني الي مثل هذا الكلام شيء اجده في نفسي عليه و ما بيني و بينه شيء الّا ما اعتقده و ادين الله به و حسبي الله و كفي به حسيبا ، فان قلتَ فما جوابك انت في هذا قلتُ جوابي انّ الوجود مغاير للماهية في الخارج علي ما سمعتَ مني مرارا و ما في الذهن كله انتزاعي من الخارج فما كان متّحدا خارجاً اتِحاداً حقيقيا كزيد مثلا فانه واحد في الخارج و الذهن و ما كان متعدداً كزيد و حركته حقيقة او بالاعتبار كزيد من حيث انه جسم و رُوح و عقل فهو متعدِّد في الخارج و في الذهن و لايكون شيء متغايرا في الذهن الا اذا كان كذلك خارجاً او في نفس الامر فالوجود الذي هو حقيقة الموجود اي الذي به تحققه فهو معروض للماهيّة في الخارج و في الذهن علي ما ذكرنا مراراً امّا في الخارج فمن حيث الواقع ان زيداً كله من حيث كونه اثراً لفعل الله سبحانه فهو وجود و من حيث انه هو ماهية و الثاني عارض للاول و مغاير له و امّا من حيث الاثار فما كان من اعماله طاعة فهو من وجوده لانه خير كله لايعصي الله سبحانه و يجد زيد في نفسه ان فعله لما هو طاعة ليس من داعي نفسه بل من امتثال امر الله و ما كان منها معصية فهو من ماهيته لانها ظلمة لاتطيع الله سبحانه و يجد زيد في نفسه ان فعله [ص 285] لما هو معصية ليس من الله تعالي و لا من امتثال امره تعالي بل من شهوة نفسه و مَيلها و صدور الطاعة من زيد و المعصية و هما ضدّان متغايران يدلّ علي ان مبدء كلٍّ منهما غير مبدء الاخر و انهما متغايران في الخارج و امّا تغايرهما في الذهن فكما في الخارج فلاتجد ما من فعل الله محمولا علي ما من نفسه بل بالعكس و امّا الوجود المحمول في الذهن علي ماهية زيد فليس هو جهته التي من فعل الله اذ لاتجد الجهة التي من فعل الله عارضةً علي الجهة التي من نفسه بل المحمول هو مفهوم الوجود العام المطلق او ( اذ . خ‌ل ) البسيط اي الحصول و الكون في الاعيان فانه صفة عارضة لزيد في الخارج و في الذهن بخلاف الحصول الذاتي الذي به التحقق فانه هو الشيء سواۤء اعتبرته وجوداً لانه من ربّه او ماهية لانّه هو فالعارض صفة عارضة ذهنا و خارجا و المعروض موصوف ذهنا و خارجاً الّا في القضايا الكواذب كما اذا قلتَ زيد فرسٌ صاهل و تصوّرتَ اشياۤء في هذا او في غيره باعتبار مفاد اللفظ الكاذب او ما تتخيله فانّ ذلك علي انحاۤء لا فائدة في ذكرها و ان كان اكثرها علي خلاف ما هو المعروف بين الناس و الحاصل في التصورات الصحيحة و القضايا الصادقة لايخالف الذهن الّا في صرف شيء منه الي ما يشاركه في اللفظ او الصفة او غيرهما مثل قول المصنف في ان الوجود هو حقيقة الموجود و هو الذي به التحقق و عليه تحمل الماهية خارجاً و تصدق عليه و في الذهن هو غيرها و محمول عليها و عارض لها و هو كلام صحيح ظاهراً كلّ علي حدته يعني ان الوجود الذي به التحقق و هو ما به الكون في الاعيان اي الشيء لا الكون في الاعيان فهو كما وصفَهُ في الخارج في الجملة و هو الوجود الموصوفي و اما العارض في الذهن للماهية و هي معروض له فهو صحيح و لكنه غير ذلك الوجود لان العارض هو الصفتي الفعلي او اللازم للذاتي ( الذاتي . خ‌ل ) و هذا غير ذلك لان العارض في الذهن للماهية هو صفتها و هو عارض [ص 286] لها في الخارج فلمّا اخذ للذهن غير ما اخذ للخارج من جهة توافق الاسمين كتوافق اسم الشمس للقرص و للشعاع الواقع علي الجدار صرفه بالاسم الي غيره فان كنتَ الأن تري ان الشعاع عارضاً علي قرص الشمس و القرص معروضا في الخارج و في الذهن تري القرص عارضاً للشعاع لان الشعاع اسمه الشمس فيكون معروضا في الذهن لان المسمّي به اي القرص معروضا في الخارج و المصنف هكذا فعل .

قال : « و الاعتذار بان ارتفاع النقيضَينِ عن المرتبة جايز بل واقع غير نافع هٰهنا لان المرتبة التي يجوز خلوّ النّقيضين عنها هي ما يكون من مراتب نفس الامر و لا بد من ان يكون لها تحقق ما في الجملة سابقا علي النقيضين كمرتبة الماهية بالقياس الي العوارض فان للماهية وجودا مع قطع النظر عن العارض و مقابله كالجسم بالقياس الي البياض و نقيضه و ليس لها مرتبة وجود مع قطع النظر عن وجودها فقياس عروض الوجود للماهية كقياس عروض البياض للجسم و قياس خلوّها عن الوجود و العدم بخلوّ الجسم في مرتبة وجوده عن البياض و اللّابياض قياس بلا جامع اذ قيام البياض و مقابله بالجسم فرع علي وجوده و ليس قيام الوجود بالماهية فرعا علي وجودها اذ لا وجود لها الا بالوجود » .

اقول : الاعتذار للاحتمال الثالث اعني قوله : اَوْ لا الموجودة و لا المعدومة جميعاً ، حيث قال انه يقتضي ارتفاع النّقٖيضيْن و هو اي الاعتذار انهم قالوا بجواز ارتفاع ٱلنقيضين فقال ان هذا غير نافع هٰهنا لان المرتبة التي يجوز فيها خلو النقيضين عنها هي ما تكون من مراتب نفس الامر يعني اذا نظر الي الشيء من حيث هو فانه لا متحرك و لا ساكن مثلا لانّك (ظ) نظرت الي نفس الذات في نفس الامر مع قطع النظر عن الافعال و صفاتها الخارجة فان [ص 287] الجسم هو مادة و صورة و ليس في هذا النظر كونه متحركا او ساكنا كما هو حال مراتب نفس الامر بخلاف ما نظرنا بصدده فان نظرنا في وجود الشيء و عدمه فلايجوز فيه ارتفاع النقيضين كما اذا نظرت الي الجسم من حيث كونه متحركا او ساكنا فانه لايجوز ارتفاع النقيضين الّا انه لا بد ان يكون له تحقّق ما سابق علي النقيضين و ذلك كالماهية فان لها في مرتبتها بالنسبة الي عوارضها وجوداً ما مع قطع النظر عن العارض و مقابله مثل الجسم بالنسبة الي البياض و نقيضه و امّا الماهية بالنسبة الي وجودها ليس لها وجود مع قطع النظر عنه اي مع فسخه منها فلاتقاس الماهية بالنسبة الي وجودها بما سواها و هو قوله فقياس عروض الوجود للماهية كقياس عروض البياض للجسم و قياس خلوها الي قوله و اللّابياض قياس بلا جامع لان القياس عند من اجازه لا بد له من جامع يجمع بين المقيس و المقيس عليه و امّا مع الفارق فلايجوز اتّفاقاً ، ثم علّل حصول الفارق بقوله « اذ قيام البياض » الخ .

قال : « و التحقيق في هذا المقام ان يقال بعد ما اشرنا اليه من ان عارض الماهية عبارة عن شيء يكون عين الماهية في الوجود و غيره في التحليل العقلي ان للعقل ان يحلّل الموجود الي ماهية و وجود و في هذا التحليل يجرّد كلّا منهما عن صاحبه و يحكم بتقديم احدهما علي الاخر و اتصافه به امّا بحسب الخارج فالاصل و الموجود هو الوجود لانه الصادر عن الجاعل بالذات و الماهية متحدة به محمولة عليه لا كحمل العرضيات اللاحقة بل حملها عليه و اتحادُها به بحسب نفس هويّته و ذاته و امّا بحسب الذهن فالمتقدم هي الماهية لانها مفهوم كلي ذهني تحصل بكنهها في الذهن و لايحصل من الوجود الّا مفهومه العاۤم الاعتباري فالماهيّة هي الاصل في القضايا الذهنية لا الخارجيّة و التقدم هنا تقدم بالمعني و الماهية لا بالوجود فهذا التقدم خارج عن الاقسام [ص 288] الخمسة المعروفة » .

اقول : قوله « ان عارض الماهيّة عبارة عن شيء يكون عين الماهية في الوجود و غيره في التحليل العقلي » لا شك ان المتحد بها في الخارج غير المغاير لها في الذهن و هذا كما تقدم كلام داۤئر مدار اللفظ لان المتحد في الخارج اسمه الوجود و المغاير في الذهن شيء اخر اسمه الوجود و هذا من عجيب المغالطات كما لو قلت الشمس لايمكن ان تنالها بيدك في السماۤء و تنالها بيدك اذا وقعت في الارض يعني تنال شعاعها و يقول التحقيق في هذا المقام و يريد شيئا واحداً في الذهن يعرض للماهية و في الخارج هو يتحد بالماهيّة و هو شيء واحد و يفسّر الذي في الخارج بالاصل و يقول فالاصل و الموجود هو الوجود لانه الصادر عن الجاعل بالذات و الماهية متحدة به محمولة عليه و هو مغاير لها في الذهن و لايحصل يعني في الذهن من الوجود الّا مفهومه العاۤم الاعتباري فهي تحصل في الذهن بكنهها و هو لايحصل فيه الّا مفهومه العام الاعتباري فمعني كلامه ان الوجود في الخارج اتّحدت بالماهيّة و هي ذات و الماهية محمولة عليه و في الذهن هي بكنهها تنتقِل الي الذهن و تكون معروضة لصفة الوجود و صفة الوجود الخارجي الاعتباريّة محمولة علي كنه الماهيّة في الذهن فالوجود في الخارج متقدّم عليها و هي متقدّمة عليه في الذهن بالمعني و المفهوم يعني بقوله بالمعني الاحتراز عن الالزام بكونها متقدّمة علي الوجود مع انها به كانت فينبغي له ان يقول هو متقدم عليها في الخارج لانه الاصل و هي محمولة عليه و في الذهن متقدمة عليه بالوجود و لا محذور لانه يريد بالوجود الذي تقدمَتْ عليه هو المفهوم الاعتباري العام و هو صفة له عارضة عليه في الخارج و علي ما اتحد به فالوجود و ما اتّحد به متقدم في الوجود و التحقق علي الصفة التي هي العام الاعتباري فلايحتاج [ص 289] الي ان يتكلّف و يتصدّع بان يجعلها متقدّمة علي ذلك العام الاعتباري العارض لها بحسب المعني ،

و قوله « فالماهيّة هي الاصل في القضايا الذّهنية » صحيح لان المحمول عليها هو العارض الخارج و لو اريد الحقيقي لماخالف الذهن الخارج لانه مِرْءاة له تنطبع فيه صور ما كان في الخارج و ان خالفت ما هو محقق في الخارج فهي كاذبة فاذا كان المحقق عنده انها محمولة في الخارج فان حمل عليها شيء اخر فلا ضرر و ان حمل عليها في الذهن ما هي محمولة عليه في الخارج بعد تحقق ذلك فهي كاذبة ،

و قوله « و هذا التقدم خارج عن الاقسام الخمسة » يعني التقدم بالمعني من جهة انه مخالف لها في اللفظ و الّا فهو منها في الحقيقة فهذا التقدم الذاتي و الوقتي و المكاني و الشرفي لان المعني مقدم علي الرقيقة و الرقيقة مقدم علي الصورة و الصورة مقدّم علي الطبيعة و علي كل تقدير فالمعني هو الحقيقة و هي للشيء عندنا علي قسمين حقيقته من ربه و هو الوجود و الفؤاد اعني ما عناه عليه السلم في قوله : اتّقوا فراسة المؤمن فانّه ينظر بنور اللّهِ ، و حقيقته من نفسه و هي الماهيّة و هذه الحقيقتان ظهرتا في الكون دفعةً و بالذات فحقيقته من ربّه متقدمة علي حقيقته من نفسه فليس للماهيّة تقدم بل امّا ان يكون الوجود متقدما او مساوقاً لها و امّا العارض الذي يعرض لها في الذّهن هو المفهوم العام الاعتباري و هو كون وصفي فاذا كانت الماهية متّحدة بموصوف ذلك العارض كانت متقدمة علي الصفة لما قرّرنا سابقاً من انّ الوجود لم‌يتحقق قبل لزوم الماهيّة له لانها انفعاله عند تعلّق فعل الله بتكوينه فتقدّمها علي ذلك الوجود العارض تقدم الموصوف علي صفته .

قال : « فان قلت تجريد الماهية عن الوجود عند التحليل ايضا ضرب من الوجود لها في نفس الوجود فكيف تنحفظ قاعدة الفرعيّة في اتّصافها بمطلق [ص 290] الوجود مع ان هذا التجريد من انحاۤء مطلق الوجود قلنا هذا التجريد و ان كان نحواً من مطلق الوجود فللعقل ان لايلاحظ عند التجريد هذا التجريد و انه نحو من الوجود فتتصف الماهية بالوجود المطلق الذي جرّدناها عنه » .

اقول : السؤال المفروض بانّه قد ثبت انّ الماهية في نفس الامر صفة للوجود كما حكمتم عليها في حال الاتحاد خارجا بكونها محمولة عليه و المحمول صفة فاذا جرّدت عن الوجود عند التحليل العقلي من الاتّحاد الخارجي كان ذلك التجريد نوعاً من الوجود المطلق لها كان حينئذٍ عارضاً لها فهي قبل التجريد في رتبة الصفة و تجريدها لايخرجها عن مطلق الوجود ليجوز ان تكون في مرتبة الموصوف فهي حال التجريد في رتبتها لعدم خروجها عن مطلق الوجود اَصْلاً فاذا كان عارضاً لهَا كانت في ظاهر الحال في رتبة الموصوف فكيف تنحَفِظ قاعدة الفرعية من ان الصفة لاتكون في رتبة الموصوف و ان سلبت عن الاتّصاف فاجاب بان هذا التجريد و ان كان يلزمه نحو من الوجود المطلق و الّا لماكان المجرد شيئا يصح ان يكون معروضا لعدم شيئيته لانّ التجريد نحو من الوجود لانه وجود تجريدٍ فلم‌تخرج الماهية عن رتبتها في كونها صفةً الّا انه لمّا كان للعقل ان يُجَرِّد كان له الّايلاحظ التجريد و انه نحو من الوجود و الّا لاتّصفت بما جرّدت عنه .

قال : « فهذه الملاحظة التي هي عبارة عن تخلية الماهيّة عن جميع الوجودات حتي عن هذه الملاحظة و عن هذه التخلية التي هي ايضا من الوجود في الواقع من غير تعمّلٍ لها اعتبارانِ اعتبار كونها تجريداً و تعرية و اعتبار كونها نحوا من الوجود فالماهية باعتبار الاوّل موصوفة بالوجود و باعتبار الاخر مخلوطة غير موصوفة فالتعريةُ باعتبارٍ و الخلط باعتبار و ليست حيثية احد الاعتبارين غير حيثية الاعتبار الاخر ليعودَ الاشكال جذَعا من ان الاعتبار الذي به تتصف [ص 291] الماهية بالوجود لا بد فيه ايضا من مغايرته للوجود فتنفسخ ضابطة الفرعية و ذلك لان هذا التجريد عن كاۤفة الوجود هو بعينه نحو من الوجود لا انه شيء اخرُ غيره فهو وجود و تجريد عن الوجود كما ان الهيولي الاولي قوّة الجوهر الصورية و غيرها و نفس هذه القوة حاصلة لها بالفعل و لا حاجة لها الي قوّة اخري لفعلية هذه القوة ففعليتها قوتها للاشياۤء و كما ان اثبات الحركة عينُ تجدّدها و وحدة العدد عين كثرته فانظر الي سريان نور الوجود و نفوذ حكمه في جميع المعاني بجميع الاعتبارات و الحيثيات حتي ان تجريد الماهيّة عن الوجود ايضا متفرع علي وجودها » .

اقول : قوله « فهذه الملاحظة » تفريع علي جوابه قبل تمامه لاتمامه فهو للتتميم اي ان تخلية الماهية و تعريتها عن جميع الوجودات حتي عن هذه الملاحظة فانها من الوجود في نفس الامر من غير تعمّلٍ يعني انّ الوجود يحْصل بالتعرية و التجريد من غير تحصيل لها اي للملاحظة اعتبارانِ الاوّل اعتبار كونها تجريداً للماهية عن الوجود و تعريةً و الثاني اعتبار كون الملاحظة للماهية عند التجريد نحواً من الوجود فالماهية باعتبار كون الملاحظة تجريداً لها موصوفة بالوجود الذي هو وجود التجريد عن الوجود و باعتبار الاخر و هو عدم ملاحظة التجريد عند التجريد تكون الماهية مخلوطة من الاتصاف بالتجريد لوقوعه و من عدم الاتصاف لعدم الملاحظة فتكون غير موصوفة لان جهة الاتصاف التي هي ملاحظة التجريد غير ملحوظة فلاتكون بها موصوفة بعدمها و لا بعدم التجريد لوقوعه فمن حيث الاعتبار الاول كانت معروضة لانها ح في رتبة الموصوف بخلاف الثاني لبقاۤئها علي رتبتها من الصفة فلم‌تنفسخ ضابطةً الفرعية فلايعود الاشكال جذعاً شاۤبّاً اي جديداً لعدم اختلاف الحيثين (ظ) اذ لو فرض ان ما اتّصفت به في هذا الاعتبار مغاير لما كانت [ص 292] له صفة لكانت حينئذ اي في حالة عروض الوجود لها في رتبة الصفة فتنفسخ قاعدة الفرعيّة بل لمّا خلعت عن رتبة التابعيّة بالتحليل و البسَتْ حلّة المتبوعية جعلت متبوعة بهذا الاعتبار لما كانت تابعة له قبله فقد كان تجريدها عن الوجود اثبات نحو من الوجود التي جردت عنه لها كما كانت الهيولي اي الماۤدة المطلقة قوة صورية و غير صورية للجوهر اي قِواماً له بمادته و صورته و نفس تلك القوّة و القوام حاصلة للهيولي بغير شيء غيرها و اثبات الحركة لمثل الافلاك و غيرها عين تحققها و نفس تجدّدها و وحدة العدد كالعشرة عين تكثّرها من الافراد و امثال ذلك كما اشار ( اليه . خ‌ل ) عليه السلام في الدعاۤء يمسك الاشياۤء باظِلَّتها و كما اقامك بك لا بغيرك ،

ثم قال تأكيداً لهذه الاتحادات « فانظر الي سريان نور الوجود و نفوذ حُكمه في جميع المعاني بجميع الاعتبارات و الحيثيات حتي ان تجريد الماهية عن الوجود كان وجودا لها متفرعا علي وجودها » يعني انه وجود تجريد عن الوجود و هو وجود و الحاصل ان تدقيقاته هنا و ان كانت في ظاهر الامر مقبولة لكنها في نفس الامر فيها منعانِ احدهما ان هذا الاتّحاد مبني علي قواعدهم المعلومة المحصّلة من مدلولات القضايا الصناعية التي مردّها الي مجرّد التسمية اللفظية كما ذكرنا مراراً و ثانيهما علي فرض تسليم هذه الظواهر يلزمه قبول اشياۤء كثيرة نفاها و لاتصحّ هذه الّا بقبول ما نفاه و لولا خوف التطويل بلا طاۤئل لذكرتها الّا ان هنا حرفا واحداً اشير اليه و هو ان الماهية عنده و تحليلها و عروض الوجود لها امور ذهنية اعتبارية ليست موجودة كما ذكر فيما مضي و يذكر فيما بقي و قد انكرنا عليه في جعلها عدميّة اذ عندنا كل ما يدل عليه لفظ فهو محدث ما خلا اللّه روي الصدوق في كتاب التوحيد بسنده عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال : اسم الله غير الله و كل شيء وقع عليه اسم شيء فهو مخلوق ما خلا اللّه و امّا ما عبّرت [ص 293] الالسن عنه او عملت الايدي فيه فهو مخلوق و اللّه غاية من غاياته و المغيّي غير الغاية و الغاية موصوفة و كل موصوف مصنوع و صانع الاشياۤء غير موصوف بحدٍّ مسمّي ( ما . خ‌ل ) لم‌يكوّن فتعرف كينونته بصنع غيره و لم‌يتناهَ الي غاية الّا كانت غيره لايذلّ مَن فهم هذا الحكم ابداً و هو الدين الخالص فاعتقدوه و صدّقوه و تفهّموه باذن الله عز و جل الي ان قال عليه السلم : لايدرك مخلوق شيئا الّا باللّه و لاتدرك المعرفة الا بالله و الله خلو من خلقه و خلقه خلو منه الحديث ، و الحاصل من جعل الوجود حقيقة في نفس الامر فلايجده عارضاً لا خارجا و لا ذهنا و اذا وجده عارضا فانّما وجد شيئا غيره سماه وجودا و من جعله صفة فالامر علي العكس و مخالفة الذهن للخارج مخالفة للواقع في احد الظرفين و الله سبحانه ولي التوفيق .

قال : « . . . و ليعلم ان ما ذكرنا تتميم لكلام القوم علي ما يوافق مذاقهم و يلايم مسلكهم في اعتبارية الوجود و اما نحن فلانحتاج الي هذا التعمق لما قررنا ان الوجود نفس الماهية عينا و ايضا الوجود نفس ثبوت الشيء لا ثبوت شيء له فلا مجال للتفريع هٰهنا فكان اطلاق الاتصاف علي الارتباط الذي بين الماهية و وجودها من باب التوسّع و التجوّز لان الارتباط بينهما اتحاديّ لا كالارتباط بين المعروض و عارضه و الموصوف و صفته بل من قبيل اتصاف الجنس بفصله في النوع البسيط عند تحليل العقل ايّاه اليهما من حيث هما جنس و فصل لا من حيث هما مادة و صورة عقليانِ » .

اقول : ما ذكره علي مذاق القوم هو مأخذ قوله بما سمعتَ كما يظهر لمن تتبّع كلامه و فهم مرامه و القوم لم‌يسلكوا مسلكه و ان كان يسقي بماۤء واحد كما قال اميرالمؤمنين عليه السلم ذهَب مَن ذهب الي غيرنا الي عيون كدرة يفرغ بعضها في بعضٍ و ذهب من ذهب الينا الي عيون صافية تجري [ص 294] بامر الله لا نفاد لها ه‍ ،

قوله « ان الوجود نفس الماهية عينا » قد مر فيه الكلام و نقول ايضا اذا كانا متحدين في زيدٍ في الخارج هل لزيد حقيقة يعرف بها و حدّ حقيقي يعرف به غيرهما ام لا فان كان له حقيقة و حدّ حقيقيين غيرهما فهما صفتان خارجتان و لايقول به و الّا فهما المادة و الصورة او الحيوان و الناطق لان زيدا لايعرف و لايحد الّا بهذين ثم هذان المتحدان هما الأن هما ام غيرهما فان كانا الان ايّاهما فالاتحاد المدّعي مجازي فزيد مركب منهما و وقوع الطاعة و المعصية من زيد يشهدان بذلك كما تقدم و ان كانا غيرهما فظاهر البطلان و لايقع عليهما ح التحليل الّا باعتبار ما قبل الاتحاد ان كان واجب الوقوع للموجب و الّا لم‌يصح لان الاتحاد ح اضافي لا مزجي كما هو شأن كلّ متغايري المفهوم و ان كان الاتحاد من قبيل اتحاد الجنس و الفصل في النوع البسيط كما هو مراده و صرح به هنا و فيما قبل و بعد فلزيد حقيقتان احدهما وجود و ماهية و الاخري حصة من الجنس و الفصل و عندنا ثالثة لاندري كيف نصنع بها و هي المادة و الصورة فهل هي الاولي ام الثانية ام غيرهما و هل الجميع ثلاث ام واحدة تكثرت باعتبار التعبيرات او جهات التعبير عنها و علي تقدير التعدد فايّها التي يعرف بها زيد و يحدّ قل لي بما يظهر لك ،

و امّا قوله « الوجود نفس ثبوت الشيء لا ثبوت شَيْءٍ لَهُ » فقد تقدّم انّ هذه العبارة لاتؤدّي مطلوبه لِاَنَّ مطلوبَه انّ الوجود هو الشيء من حيث ثبوته كما يقتضيه هذا المقام او ثبوته بنفسه لا بغيره كما فيما تقدم من انّ الوجود وجد بنفسه و الماهية موجودةٌ به و عبارته هذه بذلك المقام و هو انه وجد بنفسه و الماهية وجدت به اليَقُ ،

و قوله « هما مادة و صورة عقليانِ » يعني انّ النوع في الاصل مركب من حصة من الجنس و من الفصل و هما في الخارج متحدتان في الوجود و يريد بالنوع [ص 295] الحقيقي الذي اتفقت افراده و انّما خصّ البسيط كالعقول مبالغة في الاتحاد و ان كان يحصل مراده من المركب كالانسان لان مراده ان حصة جنسه و فصله متحدان في الوجود اي الخارج مع كونهما موجودتين ( موجودين . خ‌ل ) فاتصاف الوجود بالماهية في الخارج مع كونهما موجودين فيه اتّصاف اتّحاديّ من قبيل اتّصاف الجنس بالفصل في الخارج في النوع البسيط فان اتّصاف جزئَيْهِ مع تحققهما في الخارج اتّحادي و هذا من حيث هما خارجيان لا من حيث هما مادّة و صورة عقليان فانهما من هذه الحيثيّة لا تحقق لهما في الخارج و علي الظاهر من كلامه في التمثيل هنا لا في ما تقدم ان الوجود كالجنس و الماهية كالفصل بعكس ما يفهم من تمثيله فيما تقدم فعلي هذا ان كانا هما المادة و الصورة كما نقول او كالماۤدة و الصورة كما يقول اذا حللهما العقل هل يكون العارض في ظرف التحليل هو المعروض في ظرف الاتحاد ام يكون العارض فيهما واحدا و المعروض واحداً و تسميته لحصة الجنس و الفصل بالماۤدّة وَ الصُورَة في قوله من حيث هما جنس و فصل لا من حيث هما ماۤدة و صورة عقليانِ دالّة ان حصة الجنس عنده هي المادة و الفصل هو الصورة كما هو عندنا لانا نريد بالمادة هو ما يتركب منها الشيء مع الصورة و ليس الوجود و الماهيّة غيرهما و صريح كلامه انهما غيرهما و علي كل تقدير فان اراد بالاتحاد التركيب فهو حق علي احد معنيي ما نريد و هو ان الشيء مركب من المادة و الصورة اي من حصّة من الوجود و الماهية يعني الاولي التي هي الانفعال لانها ماهيّة الوجود لا ماهيّة الموجود التي هي الثانية و الحاصل انا نسلّم اتّحادهما بمعني التركيب و انّ جزئي المركب وجود و ماهيته لا ماهيّة الموجود كما يريده المصنف و القوم و ان العارض في ظرف التحليل هو العارض في ظرف الاتحاد ثم الموجود في ظرف التحليل شيئان باعتبارين احدهما الوجود و ماهيته في ظرف [ص 296] التحليل و هي عارضة له لانها انفعاله و ثانيهما الوجود الذي هو حقيقة الشيء من ربّه و هو المعروض و ماهية الشيء و هي حقيقته من نفسه و هي عارضة لان الله سبحانه كان في الازل الذي هو ذاته وحده و هو الذاكر و لا مذكور فكان اوّل ما ذكر زيداً مثلاً ذكره في مشيّته بكونه اعني وجوده ثم ذكره في ارادته بعينه اعني ماهيته فما بالمشيّة في زيد هو ذكر الله سبحانه له الاوّل و هو قول ابي الحسن الرضا عليه السلم ليونس تعلم ما المشيّة قال لا قال هي الذكر الاول الحديث ، هذا هو الترتيب الحقيقي الذي جري عليه التكوين من عالم السرمد فيما لايزال .

قال : « المشعر السادس - في ان تخصيص افراد الوجود و هُويّاتها بماذا علي سبيل الاجمال . اعلم انك قد علمت ان الوجود حقيقة نوعية بسٖيطة لا انه كلي طبيعي يعرض لها في الذهن احد الكليات الخمسة المنطقية الّا من جهة الماهِيَّة المتّحِدة بها اذا اخذتْ من حيث هي هي فاذن نقول تخصيص كل فرد من الوجود اما بنفس حقيقته كالوجود التام الواجبي جل مجده و اما بمرتبة من التقدم و التأخر و الكمال و النقص كالمبدعات و اِما بامور لاحقة كافراد الكاۤيـٔنات » .

اقول : ذكر في هذا المشعر جوابا عن سؤال مقدر و هو انك حاكم بان الوجود حقيقة بسيطة متشخّصة ليست كلّية بل متحققة بذاتها في الخارج فما هذه الافراد المتكثرة المتمايزة فقال « قد علمت » يعني مما برهنّا عليه سابقا « ان الوجود » من حيث هو « حقيقة نوعيّة بسيطة » ليست ذات افراد مختلفة من نحو ذاتها و ليس قولنا نوعية نريد به انه كلّي طبيعي اي مطلق غير مقيد بعموم و خصوص بحيث يعرض لتلك الحقيقة الطبيعية في الذهن احد الكليات الخمس اعني الجنس و الفصل و النوع و الخاصة و العرض العام المستعملة علي [ص 297] اصطلاح اهل المنطق الّا من جهة الماهية المتّحدة بها اذا اُخِذَتْ من حيثُ هي هي فان الماهية من هذه الحيثيّة تعرض لها تلك الامور الكلية و ذلك التعدد و الكثرة لامتيازها ح عن الوجود فهذه الامور انما هي لاحقة لها في الحقيقة و اذا اتصف بها حينئذ الوجود كان بالعرض لان تلك الامور غير لاحقة به في الحقيقة فعند اعتبار الامتياز تعرض هذه الامور له كما يعرض هو للماهية ح ، و اقول هذا و امثاله قد تقدم منه و قد تقدم فيه ما عندنا من انه في الظرفين معروض و ان ما يعرض لها منه فانما هو صفة من صفاته و اثر من آثاره و ان الطبيعة النوعية فيه لذاته حقيقة و ان له مراتب كل سفلي شعاع من العليا لاينزل عالٍ منها الي رتبة دانٍ بشيء من ذاته و لا من صفاتها و لايصعد سافل منها الي رتبة عالٍ بشيء منه و ان منه الغيب المجرد عن المادة العنصريّة و المدة الزمانية و منه عنهما و عن الصورة و منه الشهادة بما فيها من المواۤدّ العنصرية و المدد الزمانية و ان الافراد المتميزة في رتبة من رتبه فهي حصص منها تميّزت بمشخّصاتها و قوابلها و من قوابلها الاعمال و مدار اعراضها و متممات قوابلها الوقت و المكان و الرّتبة و الجهة و الكم و الكيف و الوضع و الاذن و الاجل و الكتاب و الاعمال و الاقوال و الافعال و الاحوال فمقبولاتها موادّها و قوابلها صورها كل شيء بحسبه من اوّل الوجودات و الموجودات كالعقول و الارواح و النفوس و الطبائع و المواد و الاشكال و الاجسام و الاجساد و النبات و المعادن و العناصر كل ذلك مواۤدّها وجوداتها و صورها ماهيات وجوداتها و كلها من حيث هي اثر فعل الله و نور الله تعالي حقاۤئق وجوديّة و من حيث نفوسها و انّيّاتها ماهيات عينيّة و قد كررت هذا المعني مراراً خوفاً من الغفلة عنه و طلبا لتوجّه الباحثين فيه و كل ميسّر لما خلق له و من ذلك تقريري ان العقول و المجردات التي هي عندهم بساۤئط [ص 298] يشاركون بصفاتها صفات الواجب تعالي فيها كل ما في الاجسام من جميع المواد و الصور و التركيبات و ما بالفعل و ما بالقوة و التجدد و التّدريج و غير ذلك الّا انّها فيها بحسبها من النورانية و القرب و البقاۤء الي غير ذلك و انّما خفي عن ادراك البصاۤئر تجدّدها و تدريجها لسعتها و كبرها و بطؤ نفادها و لمّا كان ما بالفعل منها نشؤه و تقَضّٖيه اوسع من المدارك و ٱلمشاعر تناهت دونها و تأخرت عنها لعلّيتها و ما بالقوّة منها آثار مقارناتها لمتعلّقاتها و آثارها كان لايحسّ بها و بتجدُّدِها ما كان معلولاً لما بالفعل فعلها فلاجل ذلك كان من طلب بيان ذلك قاصراً عنه لعظم شأنها بالنسبة الي ذلك الطالب و انما يدرك ذلك منها من طلبه من اثارها فان الاثر يشابه صفة مؤثره التي هي منشأ ذلك التأثير ،

و قوله « فاذن نقول تخصيص كل فردٍ من الوجود امّا بنفس حقيقته كالوجود التام الواجبي جل مجده » صريح بان الوجود الواجب تعالي ربّي فرد من افرادِ تلك الحقيقة و تلك الافراد تميّز بعض افرادِها عن بعض تعيّناتها و هو عز و جل لشدة تماميته و غناه المطلق عن كل ما سواه كان تعيّنه بنفسه لاستغناۤئه عما سواه و قد تتعيّن بعض افرادها بخصوص مرتبة ( مرتبته . خ‌ل ) من التّقدم و التأخر و الكمال و النقص اي بتأخرها عن رتبة من لايتناهي سبقهُ و تقدّمها علي من يتناهي و كمالها بالنسبة الي من دونها و نقصها عن الكمال المطلق الذي لايحتمل النقصان بوجه لا من ذاته و لا بالنسبة الي غيره فبهذه الاعتبارات خاۤصّة تعينت لبساطتها و عدم حاجتها الي تكميل و تتميم من غير مفيضها كالمبدعات الكلية الاوليّة التي لاينتظر بكمالها شيئا لتجردها عن الاستعداد ( الاستعدادات . خ‌ل ) و الاضافات و لهذا قد تشارك الواجب في بعض ما تفرّد به كما ذكره المصنّف في اول هذا الكتاب في قوله : و مسئلة ان البسيط كالعقل و ما فوقه كل الموجودات ، يشير الي ما يأتي بعد في هذا الكتاب و مراده انه و الواجب في غاية البساطة [ص 299] و بسيط الحقيقة كل الاشياۤء و قد تكون بعض افرادها كساۤئر افراد الكائنات يعني غير المجردات كالعقول يعني تتعين تلك الافراد بامورٍ غير هويّاتها تلحقها و ترتبط بها و بها يَتميز بعضها عن بعض و تلك الامور هي الامور المشخّصات لساۤئر الاشخاص و المنوِّعاتِ لساۤئر الانواع و المجنساتِ للاجناس فحقيقة الوجود بسيطة واحدة تتمايز افرادها بثلاثة مشخّصَات الفرد الاكمل هو الواجب يتعيّن بذاته خاۤصّة لشدة كمال غناۤئه و المبدعات كالعقول تتعين بنفس مراتبها بالنسبة الي بعضها من التقدم و التأخر و الكمال و النقص و سائر افراد الكاۤئنات بما يلحقها من الحدود و النسب و الاوضاع و ما اَشْبَه ذلك و اقول و انت اذا طلبتَ الحقّ و تفهّمتَ هذا الكلام تبرّأْتَ من هذا المذهب و الاعتقاد المبني علي الاشتراك المعنوي في الوجود لانّ هذا هو القول بوحدة الوجود التي اجمع العلماۤء علي الحكم بتكفير معتقدِها و الحقّ الحقيق بالاتّباع هو انّ وجود الله سبحانه وحده لا شريك له و لايدخل في عموم و لايدرك له مفهوم و لايعرف احد من خلقه شيئا مما هو عليه الّا بما دلّ علي نفسه علي السن انبياۤئه و حججه عليهم السلم فان قالوا بقول صريح لايتأوّله الجاهل فضلاً عن العالم فقل به و امّا ما يحتمل فلايجوز ان تصير اليه بحال من الاشياۤء سوي اَن تردّه الي المحكم من قوله ليس كمثله شيء ، و اعلم ان الرجل العالم له قدرة علي التصرف في الكلام بحيث يعجز الجاهل عن ردّه و ان كان باطلا فمدار الميزان علي ما يعرفه العاۤمة من ظواهر اقوالهم عليهم السلام و لاتأوّل الكتاب و السّنة علي عبارات اهل الضلال فان القرءان ذلول ذو وجوهٍ فاحملوه علي احسن الوجوه و اذا رجعنا في هذا الكلام الذي اشار اليه هو و اصحابه و وزنّاه بميزان المنطبق عليه ظاهر الاسلام رأيته باطلاً و كيف يكون شيء واحد له افراد متعددة يصدق اسم تلك الحقيقة في حقيقة الوضع [ص 300] و الاستِعمال من باب التواطي علي الله تعالي و علي العقل و علي الحجر اشتراكا معنويّا يعني ان تلك الحقيقة البسيطة الواحدة موجودة في كل واحد من الثلاثة بالتواطي لا فارق بينهم الّا الشّدة و الضّعف ،

و امّا ما اشار اليه من احوال المبدعات فقد دلت الادلّة القاطعة انها مخلوقة و ان فعل الله عز و جل بالنسبة الي المصنوعات بوضعٍ واحدٍ و ما امْرُنَا الّا واحدة كلمحٍ بالبصرِ ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و انّ ما هناك لايعلم الّا بما هٰهُنا و قد قال تعالي و ان من شيء الا عندنا خزاۤئنه و ماننزّله الّا بقدر معلوم فالتجدّد و التقضّي و التركيب و التأليف و التقدم و التأخر و التمام و النقصان و غير ذلك اشياۤء كانت عند الله في خزاۤئنها من الممكنات و هي الأن موجودة في الاجرام السفليّة فلا بدّ و ان تكون هناك و انّما ينزّله سبحانه الي قوابلها بقدر معلوم فكل ما في الجمادات و النباتات و الحيوانات ففي العقول من جميع اَنْحاۤءِ ذرّاتِ الاركان الاربعة الخلق و الرزق و الممات و الحيوة في كلِ شيءٍ بحسبه حتّي العناصر الاربعة كما اشرنا اليه في الفواۤئد و الحاصل اُجْمِل لك الامر المعبود الحق عز و جل سبحانه ليس كمثله شيء و ما سواه فهو مخترع الوجود كان و لم‌يكن شيئا قبل تكوينه و كل ما يدخل تحت هذا السّواۤء فهو مؤلّف مركب الّا انّه كل شيء بحسبه قلّة و كثرة و تقدما و تأخرا و لطافة و كثافة .

قال : « و قيل تخصيص كل وجودٍ باضافته الي موضوعه و الي سببه لا انّ الاضافة لحقته من خارج فان الوجود عرض و كل عرضٍ متقوّم بوجوده في موضوعه و كذا حال وجود كل ماهيّةٍ باضافته الي تلك الماهيّة لا كما يكون الشيء في المكان فان كونه في نفسه غير كونه في المكان او في الزمان » .

اقول : بناۤء هذا القول علي عرضيّة الوجود و قد تقدم ان وجود العرض اضافته الي موضوعه و كونه فيه و الماهية هي الموضوع فتخصيص الوجود [ص 301] الممكن المخلوط بالماهية هو كونه فيها و هو عين كونه في نفسه و اليه الاشارة بقوله « لا ان الاضافة لحقته من خارج » بل من كونه فيها و هو كون رَابِطيّ و قوله « و كذا حال وجود كل ماهية باضافته الي تلك الماهية » من تفريع القيل علي انّ تخصيص كل وجود باضافته الي ماهيته و لو كان علي ما اختاره من ان تخصيص الوجودات المخلوطة بالامور اللاحقة لقال و كذلك و قوله « لا كما يكون الشيء في المكان او في الزمان » و هذا علي اختيار المصنف من كون التخصيص بالامور اللاحقة لانّ الوجود عنده ليس بعرض ليكون متخصِّصاً بكونه المتقوّم به فيتخصّص باضافته الي معروضه بل لمّا كان متّحِدا بالماهيّة عنده وجب ان يكون المخصص امراً لاحقاً فان اهل القيل لو قاسوا الوجود في الماهيّة بكون الشيء في المكان او الزمان للزمهم ما قال المصنف فانه ح في نفسه غير كونه في موضوعه مثل كون الشيء في المكان او الزمان فيتحقق بكونه في نفسه و يتخصّص بكونه في المكان او الزمان كما يقوله هو و لو قال بعرضيّته كاصحاب القيل للزمه ما قالوا من تخصّصه باضافته الي ماهيته ( ماهية . خ‌ل ) خاۤصّة و الحاصل اِنَّا قد اشرنا سابقا من ان المميزات و المشخصات كثيرة و هي في ظاهر الحال غير المشخّص و امّا في الحقيقة فهي جزء ماهيّته لانّها هي فصله اذ الفصل في نفس الامر مركب من اشياۤء كثيرة لانه هو الصورة كذلك فانّها معنوية و صوريّة فالمعنوية تتركب من اوضاع هندستها كالاستعداد للعقل المدرك للكليات مثلا و للعلم و الفهم و هيكل التوحيد المركب من حدود كثيرة كالايمان و الاسلام و العمل الصالح و القول الطيب و الافعال الجميلة و الزهد و العفّة و الرضا بالقضاۤء و التوكل و التسليم و هكذا ممّا تكفّل به علم التوحيد و علم الاخلاق و علم الشريعة فهذه و امثالها حدود ذلك الفصل المعنوي و مثل النطق و الاستقامة في الصورة [ص 302] و ما عليه تركيب الصورة البشريّة ظاهراً و باطنا و علما و عملا و قولا و فعلاً ، فالوجود هو الماۤدّة و ماهيته قابليّته للايجاد و تلك القابليّة انفعاله و له اسباب و دواعي و متممات و مكمّلات و متمّمات ذلك الانفعال و اسبابه الكم و الكيف و المكان و الوقت و الجهة و الرتبة و الوضع و الاذن و الاجل و الكتاب و الاعمال و الاقوال و الاحوال و الاعتقادات فاذا توفّرت تمّت القابلية فكان المصنوع بمقتضي القابلية فاختلفت الاشياۤء باختلاف هذه الامور في الاشخاص شدة و ضعفا و كثرة و قلّة و صفاۤء و كدورة و استقامة و اعوجاجاً و ما اشبه ذلك و حصة الوجود هي المقبول المعروض و هذه هي القوابل و هي شرط تعلّق الفعل بالمفعول و كلّها حدود الانّيّة و اجزاۤء الماهية و الكل هو الوجود بلحاظ انها اثر لفعل الله سبحانه قائمة به قيام صدور و هي الماهية بلحاظ الانّيّة و الهويّة فالشيء له اسمانِ بلحاظين لحاظ الاول نور و لحاظ الثاني ظلمة و له جزءان مركب منهما مادة هو وجود و صورته هي ماهيته و هي تلك الامور المذكورة مجموع هذين الجزئين هو ذو الاسمين باللحاظين و اعلم اني قد ذكرت مثل هذا في مواضع فيما مضي و اذكره فيما يأتي انشاۤء اللّه تعالي تنبيهاً للغافلين و بيان هذه حتي تكون مشاهدة عياناً يضيق به الوقت لكثرة ما يتوقّف عليه بيان هذه الامور و طولها مع صعوبة المأخذ و خفاۤء الادلّة لدقّتها لانها انما تعلم بدليل الحكمة لا بالمجادلة بالتي هي احسن و لو حصلت المشافهة كان هذا الطويل هو القصير و جمع لك القليل كل الكثير لان المشافهة تطرد العصافير بقطع الشجرة لا بالتنفٖير و الي الله المصير .