قال : « سؤال - فيكون كلُّ وجودٍ وَاجباً بالذّاتِ اذ لا معني لواجب الوجود الّا ما يكون وجوده ضروريّا و ثبوت الشيء لنفسه ضروري . الجواب - هذا مندفع بثلاثة امور التقدّم و التأخر و التمام و النقص و الغني و الحاجة و هذا المُورِد لميفرق بين الضرورية الذاتية و الضرورية الازليّة فواجب الوجود يكون مقدّماً [ص 203] علي الكلّ غير معلول لشيء و تامّا لا اشدّ منه في قوة الوجود و لا نقصان فيه بوجه من الوجوه و غنيا لا تعلق له بشيء من الموجودات » .
اقول : ان المصنّف لمّا قرّر انّ الوجود موجود بنفسه و هو قوله : و كونه موجوداً بنفسه كونه وجوداً ، استشعر اعتراضاً متفرّعاً علي قوله فجعله سؤالاً ليرفع بجوابه عنه جميع الاحتمالات وَ يحتمل انّه اعتراض منهم و علي كلّ حال فهو اعتراض ضعيف لانهم يقرّرون ان المعلول اذا كانت علة وجوده تامة يجب وجوده عند وجود العلّة التاۤمّة و مثل هذا لايكون واجب الوجود لذاته الّا اذا كانت علّة وجوده هي ذاته و الوجود الحادث لايدّعي احد اَنّ علّة ايجاده نفسه و انّما الاحتمال في انَّ وجود الوجود هل هو بنفسه بمعني انّه لايحتاج في وجُودِهٖ الي وجودٍ آخر اَمْ هو مساوٍ لغيره و قوله « و هذا المورد » ظاهره ان الاعتراض من القاۤئلين بالاعتباري و قوله « لميفرق » الخ ، ان ضرورية الذاتية و هي القضية التي حكم فيها بامتناع انفكاك المحمول عن ذات الموضوع ما دَام ذات الموضوع موجودة و الضرورية الازليّة هي القضية التي حكم فيها بامتناع انفكاك المحمول عن ذات الموضوع مطلقا اي مع قطع النظر عن جميع ما سوي الذات و عن التقييد بما دام الذات و عن الاشتراط بما دام الوصف فالازليّة اخصّ من الذاتية لان كل ماۤدة تثبت فيها الازلية تثبت فيها الذاتية لا العكس و انما اجاب بالفرق بين الضرورتين حيث استدلوا عليه بقوله : ان الوجود موجود بذاته ، فيكون واجب الوجود و هو انما عني بقوله بذاته يعني لا بوجود غيره فاقرّهم علي ظاهر القول لانه لو عارض بما اراد امكن ان يردّوا عليه بما سيأتي من كلامه من اتحاد العاقل بالمعقول و الحسّ بالمحسوس فانه يقرّر ما يلزمه هنا بما اعترضوا به عليه من وجوب الوجودات فان ما كان وجوده بنفسه فالوجود له ضروري ذاتي فاجاب بالفرق بين الضرورتين بان الذاتي هو ما امْتنع الانفكاك عن ذاته ما دامتْ موجودة [ص 204] فصار بهذا المعني اي القيد وجوده منسوباً الي نفسه بالعلة الخارجة فقد انتهي وجوب وجوده و ذاتيّته الي العلة الخارجة و تأثيرها فيه مشروط بثبوته بخلاف الضرورة الذاتية الازليّة فان امتناع الانفكاك ليس مقيدا و لا مشروطا لانه ليس من الغير ليتوقف التأثير علي حصول القابل بدءا اوْ دَواماً فلذا قال « فواجب الوجود يكون مقدما علي الكل غير معلول لشيء و تاۤمّا لا اشد منه » الخ ، الّا انه يرد علي قولهم و قوله محذور و هو ان القوم اطلقوا الوجوب و جعلوه مشتركا معنويا كما جعلوا الوجود كذلك فلذا توجّهت عليهم الاشكالات و اعترضتهم الشبهات فاحتاجوا الي التكلفات البعيدة مما يرد عليهم و من كان عارفاً بما هنا يري انهم لايتخلّصون من شبهة الّا بما هو اسوء حالاً منها و اقوي اشكالاً و الجواب الحق منع اصل الاشتراك بين الواجب و الحادث في كل شيء لا باللفظي و لا بالمعنوي و المصنّف حيث انه قاۤئل بالاشتراك المعنوي وردت عليه الاشكالات اشدّ من اصحاب الاشتراك اللفظي فيتكلف الاجوبة الغير السديدة المشكّكة و قد يلتزم بالاقوال و الاعتقادات البعيدة المهلكة و لهذا التزم بالاشتراك المعنوي في الضرورة و في الوجوب و في الذاتية فاحتاج في تمييز المعبود عن العابد بهذه الثلاثة الامور فقال المعبود سابق لكل شيء و العابد مسبوق معلول للسابق و المعبود تاۤمّ مطلق لا اشد منه في التمام و لايجوز عليه النقص بكل اعتبار و العابد ناقص لان فوقه تمام لايتناهي و المعبود غني مطلق لايحتاج الي شيء و لايتعلّق بشيء و العابد بخلافه و في بناۤئه هذا هدمٌ لبناۤئه لايمكن علي قوله و التزامه زواله بوجه و ذلك لانه قد جعل للمعبود و العابد صفات اشتركا فيها لِذاتهما و لا بد ان تكون تلك الصفات وجودية ذاتية و هذه الاشياۤء الثلاثة التي ميّز بينهما بها ان كانت ثابتة وجوديّة ذاتية تركبا مما به الاشتراك و ممّا به الامتياز و المركب حادث عابد لمحدثه و ان لمتكن [ص 205] وجودية او كانت و ليست ذاتية بطل التمييز و بقي الاشتراك الذي تمسّك به اهل الاعتباري في مناقضاتهم لانها ان لمتكن موجودة لميحصل مميّز و التمييز الاعتباري و ان صحّ علي رأي اهل الاعتباري لميصحّ عند المصنف و ان كانت عرضيّة كانت خارجة عن ذاتيهما ( ذاتهما . خل ) فيلزم ان يكون المميّز عارضا و فيه محذوران احدهما ان يكون الاشتراك سابقاً فلايعتبر العارض في التمييز الّا اذا كان مقسِّماً فيلزم من هذا الاجتماعُ ثم الافتراق و الاتحاد ثم التغاير و فيه مع ثبوت الجنسية اختلاف احوال الواجب و مختلف الاحوال حادث و ثانيهما ان يكون القديم محلّا للعوارض الغيرية و ذلك حادث يلزم منه الحدوث .
قال : « اذ وجوده واجب بالضرورة الازلية من غير تقييده بما دام الذات و لا اشتراطه بما دام الوصف و الوجودات الامكانية مفتقرات الذات متعلقات الهويات اذا قطع النظر عن جاعلها فهي بذلك الاعتبار باطلة مستحيلة اذِ الفعل يتقوّم بالفاعل كما ان ماهية النوع المركب يتقوّم بفصله فمعني كون الوجود واجبا ان ذاته بذاته موجود من غير حاجةٍ الي جاعلٍ يجعله و لا قابلٍ يقبله و معني كون الوجود موجودا انه اذا حصل بذاته او بفاعل يفعله لميفتقر في كونه متحققا الي وجود اخر يحصل له بخلاف غير الوجود لافتقاره في كونه موجوداً الي اعتبار الوجود و انضمامه » .
اقول : يريد ان واجب الوجود و ان اشترك مع الحادث في حكم الضروريّة الذاتية لكن الواجب تكون ضروريته الذاتية ازليّة سابقا علي كل ما سواها فالقيود و الشروط لاحقة بالممكنات لان وجوب الوجود الازلي سابق علي ما سواه مستغن عن الافتقار و التعلق و الانتساب الي غيره في كل احواله بخلاف الممكنات فانها مفتقرات الذات متعلقات الهويات يعني انها تفتقر في ذاتها الي الجاعل لا تحقّق لهويّتها الّا بتعلّقها بفاعلها فلو نظر الي ذواتها [ص 206] و هويّاتها من حيث هي هي وجدت باطلة مستحيلة اذ لاتعقل لها ذات و هوية الّا منتسبة الي الغير الجاعل اذِ الفعل في حد ذاته يتقوّم بفاعله لا بنفسه كما ان النوع في ماهيته انما يتقوم بفصله ثم فرّع علي ما قرّر ان معني كون الوجود واجبا اذا اطلقناه علي الحق تعالي ان ذاته بذاته موجود من غير حاجة الي جعلٍ و لا الي جاعل يجعله لاستحالة كونه مسبوقا لشيء سواه ليكون حصول مقبوليته من السواۤء السابق و لايحتاج ايضا الي قابل لمقبوله لا من جهة انفعاله لانه معلّل بسبق الصنع و الفعل ثم عطف علي ما فرع علي ما قرره ممّا سبق فقال و معني كون الوجود موجودا انه اذا حصل بذاته او بفاعل لايحتاج في تحققه الي وجود آخر غير نفسه كما هو شأن غيره من الحوادث فانها تفتقر الي شيء غير ماهياتها و هو الوجود و يرد علي المصنف في كلامه هذا ثلاثة ( ثلاث . خل ) ايرادات : الاول علي قوله اذِ الفعل يتقوم بالفاعل ، فان المقام يقتضي ذكر المفعول لا الفعل و انما اتي بالفعل لما يأتي من انه يري ان المفعول يتحد بالفعل بل و الفاعل و فيه ما سمعتَ و تسمع انشاۤء الله من فساد هذا القول ، الثاني علي قوله كما ان ماهيّة النّوع المركّب يتقوم بفصله ، و فيه ما تقدّم و هو ان تشبيه افتقار هويات الوجودات الامكانية و احتياجها الي جاعلها و تعلّق حقاۤيـٔقها به بحيث لو قطع النظر عن جاعلها كانت بهذا الاعتبار باطلة مستحيلة بماهية النوع المركب في تقوّمه بفصله يلزم منه مساواتها في التحقق بجاعلها و عدم التحقق لعدم تعلّقها بجاعلها لماهيّة النوع المركب بالنسبة الي فصله و انّ لذوات تلك الوجودات و هويّاتها لذاتها نوع تحقّق بدون اعتبار تعلّقها بجاعِلها كما ان النوع في الحقيقة حصّة من الجنس و الجنس لميفتقر الي الفصل في تقوّمه من حيث هو هو بل باعتبار كما تقدم قوله المنقول من الكتاب الكبير حيث قال : ان افتقار الجنس الي الفصل ليس في تقوّمه من حيث [ص 207] هو هو بل في ان يوجد و يحصل بالفعل فان الفصل كالعلّة المفيدة للجنس بل باعتبار بعض الملاحظات التفصيلية العقلية انتهي ، و بعده بقليل في مقام منع ذلك يلزم ان يكون الفصل مفيداً لمعني ذات الجنس فكان الفصل المقسّم مقوِّماً هف انتهي ، و غير هذا من كلامه مما هو صريح في انّ الفصل ليس مفيداً لذات الجنس و حصة النوع منه و ليس هذا حكم الحادث بالنسبة الي جاعله ، الثالث علي قوله و معني كون الوجود موجوداً انه اذا حصل بذاته او بفاعل يفعله الخ ، فان الظاهر من قوله بذاته او بفاعل يفعله انه اراد به المطلق الصادق علي القديم و الحادث و يلزم الاتحاد في الحقيقة او في الحكم او الصفة و الاشتراك الّا بالتمييز و ذلك يستلزم التركيب .
قال : « سؤال - اذا اخذ كون الوجود موجودا انه عبارة عن نفس الوجود و كون غيره من الاشياۤء موجوداً انه شيء له الوجود فلميكن حمل الوجود علي الجميع بمعني واحد و قد ثبت ان اطلاق الوجود علي جميع الموجودات بمعني مشتركٍ فلا بد من اخذ الوجود موجودا امّا بمعني الذي اخذ في غيره من الموجودات و هو انه شيء له الوجود فلميكن الوجود موجوداً لاستلزام التسلسل عند عود الكلام الي وجود الوجود » .
اقول : هذا الكلام وارد علي قوله قبل هذا : و معني كون الوجود موجودا الخ ، فهذا السؤال وارد عليه فان قوله بعد هذا بخلاف غير الوجود صريح في ان الوجود عبارة عن نفس الوجود اي شيء هو الوجود و ان غيره من الاشياۤء شيء ثبت له الوجود فيتغايران و المصنّف حاكم بان اطلاق الوجود علي كل موجود بالاشتراك المعْنوي فيكون حقيقة واحدة بسيطة و بناۤء اعتقاده علي هذا فيلزم من حكمه علي غير الوجود بانه شيء له الوجود و ان جميع الاشياۤء من هذا الوجود و غيره من الماهيات متساوية في حمل الوجود عليها [ص 208] ان للوجود علي فرض تحققه وجوداً فلميكن الوجود متحقِقا و الّا لزم التسلسل او الاشتراك اللفظي و هو لايقول به و هذا السؤال يؤل الي معني دقيق حقيق في باب المناقضة و الالزام بالتصديق فان المصنف اذا التزم بالاشتراك المعنوي و انه حقيقة كل شيء لميخلّصه من هذا الاعتراض ما التجأ اليه من التجوّز في معني اللفظ المطلق و انه من جهة صدق المفهوم من اللفظ و قد تقدمت الاشارة ان صدق حكم الذهن بمطابقته لما في نفس الامر فاذا حكم علي الخارج بخارج كحكمه علي الانسان بانه حيوان في الخارج كان صحيحا و الّا فلَا فاذا حكم باشتراك الوجود معني و انه متحد بالماهيات خارجاً كان قوله الوجود موجود مساوياً لقوله زيد موجود في حمل حقيقة الوجود و جوابه بنفي الاختلاف بحمل الوجود المشتق مقرّر للاختلاف لان المشتق غير ما به التحقق فاذا حكم بصحة الحملين بما به التحقق علي الاشتراك المعنوي كما هو المدّعي بطل الحكم باتّحاد المحمولين او اختلافهما علي المشتق لعدم مطابقته لما في نفس الامر لان المصدري ليس هو ما به التحقق عندنا اذ علي الاشتراك المعنوي لو جوّزناه منعنا حمل المصدري علي ذات الحق تعالي و ان جوّزناه في الحمل علي عنوان معرفته .
قال : « جواب - هذا الاختلاف بين موجودية الاشياۤء و بين موجوديّة الوجود ليس يوجب الاختلاف في اطلاق مفهوم الوجود المشتق بين الجميع لانه اِما معني بسيط كما مرت الاشارة اليه و امّا عبارة عمّا ثبت له الوجود بالمعني الاعم سواۤء كان من ثبوت الشيء لنفسه الذي مرجعه عدم انفكاكه عن نفسه او من باب ثبوت الغير له كمفهوم الابيض و المضاف و غيرهما فان مفهوم الابيض ما له البياض سواۤء كان عينه او غيره » .
اقول : قد اجاب عن قولهم بلزوم الاختلاف بين الحملين بل و المحمولين [ص 209] بان كون الوجود في نفس الامر موجوداً بمعني انه موجود بنفسه لا بوجود اٰخر و ان غيره به موجود لايلزم من ذلك منع اطلاق الوجود عليهما لان المحمول اِما نفس المعني البسيط المعبّر عنه بهَسْت اي الحصول و الثبوت و امّا الوجود بالمعني الاعم الشامل بمعني ما ثبت له الوجود سواۤء كان ثبوته بنفسه اي بالضرورة لعدم انفكاك الشيء عن نفسه ام من غيره و هو بكلٍّ من هذين المعنيين يجوز اَن يؤخذ منعاً للملازمة المناقض بها لاطلاقه علي الجميع علي السواۤء و اعلم انّ عبارة المصنّف بحسب ظاهرها غير متّسقةٍ فانه في الجواب في تعليله لنفي الاختلاف في اطلاق مفهوم الوجود المشتق في حمله علي الوجود و غيره في قوله لانه اِما معني بسيط كما مرّت الاشارة اليه و امّا عبارة عما ثبتَ له الوجود ذكر الوجود المحمول علي قسمين فقال انّ المحمول اِمّا معني بسيط و يُريدُ به المعبر عنه بهَسْت و امّا عبارة عمّا ثبت له الوجود و هذا القسم بيان للموضوع و هو يريد تقسيم المحمول و يمكن تصحيحها بان يقال لعله اراد بقوله و امّا عبارة عمّا ثبت له الوجود ان المحمول يراد منه اِما المعني البسيط و امّا ثبوته لِمٰا ثبت لَهُ الوجود بالمعني الاعم اي ثبوته لشيء اعم من ان يكون هو نفس ما ثبت له امر غيره فيكون العموم و الشمول اِمّا من ذات المحمول كالمعني الاوّل البسيط و امّا من جهة حمله و تعلّقه اي كون حمله و تعلّقه مطلقاً يعني غير مقيّدٍ بالمغايرة و عدمها و امّا هو مطلق الثبوت و ح تتّسِقُ عبارته ظاهرا و باطنا بمثل هذا التوجيه و التقدير ،
و اعلم ان من القاۤئلين بالاشتراك المعنوي بين الواجب و الممكن من وجود و ماهيّة بقول مطلق يجعلون هذا الشّامل بالنسبة الي الوجود الحق انّما كان صادقاً علي وجود الحق الخاصّ تعالي صدق العارض علي معروضه و كذلك صدقه علي كلّ ما شمله فانه عارض عليها [ص 210] لان الوجود الحقيقي هو ذات الشيء و ذات الشيء لاتصدق علي غيره فالشامل المقول بالاشتراك المعنوي علي الجميع هو المعني البسيط المعبر عنه في الفارسية بهست و المصنف في ابحاثه في اواۤئل هذا الكتاب قاۤئل بهذا و ان كان فيما يأتي يجعل الشامل هو الحقيقي المتّحد في كل شيء بماهيّته خارجاً و لهذا نعارضه في اكثر ادلّته بما يناقض هذا المراد و ان كان اراد بالشامل المعني الاوّلي كما اراد هنا في هذا البحث لان عباراته لاتكاد تخلص في خصوصِ مرادٍ بل تعطي في اغلبها التردّد بين المعنيين المرادين من الوجود المطلق لان قوله ليس يوجب الاختلاف في اطلاق مفهوم الوجود المشتق بين الجميع لانه اما معني بسيط كما مرت الاشارة اليه و اما عبارة عما ثبت له الوجود بالمعني الاعم الخ ، صريح بظاهره انه اراد بهذا المطلق المعني الاوّل اي مطلق الحصول و الثبوت الشامل للكل بالاشتراك المعنوي و مع هذا كله فانا اناقضه بالمعني الثاني اعني الحقيقي الذي به الحصول و التحقق و هو المتّحد بالماهيات في الخارج لا هذا المعني الاشتقاقي المصدري لان كلامه في الحقيقة يدور علي مفهومه اللفظي فيريد منه مرة المعني الاول و تارة المعني الثاني لانه كما تقدم يصفه بانه هو بنفسه في الاعيان و غيره به و انه غني عن غيره و انه اخفي الاشياۤء كنهاً و ابعدها ادراكاً و هذا المعني المصدري ليس يصدق عليه شيء من هذه الاوصاف لانه صفة و نسبة مسبوق بالموصوف المنسوب اليه علي ان هذا لايوصف بالوجوب لذاته لانه غير الذات الحق تعالي و لايجوز ان يكون عارضا للوجوب الذي هو ذاته المقدسة لانّ ذاته تعالي ليس محلّا للغير و في غير الواجب تعالي ايضا كذلك فانه ليس هو بنفسه في الاعيان و ليس غيره به و هو محتاج الي ما يعرض له و يحمل عليه و هو اظهر الاشياۤء و اقربها اكتناها [ص 211] و ادراكا و لهذا لما كان بعض منهم اطلقه علي الواجب تعالي اعترض عليه بانه ان كان هو ذاته تعالي لزم ان تكون ذاته معلومة مدركة لان هذا الوجود معلوم مدرك اجاب بمعني ما تقدم بان هذا ليس هو الوجود الحق و انما هو صادق عليه تعالي صدق العارض علي معروضه و الحاصل الذي ظهر ممّا ذكرنا انّ السؤال باق لان جواب المصنف بالمفهوم اللفظي الشامل و السؤال علي المصداق الخارجي و هما متغايران نعم قد يراد بهذا اللفظ المفسّر بالكون في الاعيان و بالحصول و الثبوت و التحقق ما هذه به و هو ذات الكاۤئن في الاعيان و ذات الحاصل و ذات الثابت و ذات المتحقق و هو الشيء و ذلك هو المسئول عنه و الكلام في الحقيقة انما هو فيه فاذا اريد منه ذٰات الحق تعالي لميقع الّا علي عنوان المعرفة و هو المخلوق الذي ليس كمثله ( شيء . خل ) اذ به يعرف اللّه و لو كان له مثل لعرف الله تعالي بذلك المثل فليس كمثله شيء و هو عبد الله و خلقه فتقه و رتقه بيده لا اله الا هو العزيز الحكيم .
قال : « و التجوز في جزء معني اللفظ لاينافي كون اطلاقه بحسب الحقيقة و كون الابيض مشتملا علي امرٍ زائدٍ علي البياض انما لزم من خصوصيّة بعض الافراد لا من نفس المفهوم المشترك نظير ذلك ما قال الشيخ الرئيس في الٰهِيّٰات الشّفاۤء ان واجب الوجود قد يعقل نفس واجب الوجود كالواحد قد يعقل نفس الواحد و قد يعقل من ذلك انّ ماهيّة ما انْسانٌ او جوهر آخر هو او واجب الوجود كما انه يعقل من الواحد انّه ماۤء او انسَانٌ و هو واحد قال ففرقٌ اِذاً بين ماهية يعرض لها الواحد و الموجود و بين الواحد و الموجود من حيث هو واحد و موجود » .
اقول : قوله « و التجوّز » اتي به جوابا لسؤال مقدّر استشعره و هو ان ثبوت شيء لاخر معناه الحقيقي ان يكون شيء ثبت لغيره فاذا اخذتم الوجود [ص 212] لغيره لميكن شاملاً لاخْذه لنفسه علي الحقيقة لان المغايرة ح اعتبارية فغاية ما يجوز فيه علي جهة المجاز اذا اخذ بالمعني العام فيكون حمل موجود عليه مجازا لان طريق شمول الثبوت له مجازي فاجاب عن ذلك بقوله و التجوّز اي استعمال المجاز في جزء معني اللفظ كما اذا كان معناه ذا اجزاۤءٍ فاستعمل في جزءٍ من معني اللفظ المجاز لاينافي هذا التجوّز في جزء المعني اطلاق ذلك اللفظ علي مجموع معناه بالحقيقة لعدم المانع منه فانّ مفهوم الابيض شيء له البياض سواۤء كان ذلك الشيء نفس البياض ام امر زاۤئد عليه لانّ الزيادة العارضة لبعض افراد البياض انّما هي من اقتضاۤء بعض افراد البياض للزيادة لخصوصيّةٍ كالتّقوّم بها فهذا الاقتضاۤء ليس من جهة المفهوم لتساويه بالنسبة الي حقيقة البياض من حيث هي ثم نظّر لذلك اي لاتّحاد المفهوم و تعدد المصداق فيما استدل عليه و هو مفهوم ثبوت الوجود في اتّحاده و تعدّد مصداقه في ثبوتِه لنفسه او لغيره و فيما استدل به و هو مفهوم البياض في اتحاده بالنسبة الي افراده في ثبوته لها و تعدّد مصداقه في ثبوته في بعض الافراد لنفسه و في بعضها لامر زاۤئد اقتضَتْه بما ذكره ابن سيناۤء في الٰهِيّات الشفاۤء كما نقله المصنف في المتن و هو المذكور الذي مفاده جواز اتحاد المفهوم و تعدّد المصداق لان ما يطلق عليه لفظ واجب الوجود من حيث مفهومه قد يراد به الواجب الحق تعالي و يراد به جوهر اخر واجب الوجود و ذلك كلفظ الواحد فانه قد يطلق و يراد من الواحد انه ماۤء او انسان مع انه واحد و اعلم ان في هذا الجواب و في كلام الرئيس مجازفةً حيث كان الجواب و نظيره مبنيا علي غير العلم العياني و ذلك لان افراد المشترك المعنوي متساوية في معني الحقيقة علي نحو التواطي و انّما التشكيك العارض لبعض الافراد ليس من جهة نفس الحقيقة بل من جهة قابليّة تحقّق [ص 213] الفرد في القرب و البعد فيقوي او يضعف فاذا تساوت في نفس الحقيقة لميعرض لشيء منها المجاز من حيث تلك الحقيقة بل لو عرض مجاز لبعض منها فانما هو عارض لما عَرض له او بواسطته و انما الجواب الحقيقي ان يكون بنفي المجاز بان يمنع من كون ثبوت الوجود لنفسه مجازاً لان ثبوت الشيء لنفسه اوغل من ثبوته لغيره في كل رتبة من مراتب الوجود اذ ثبوت الوجود للماهية اعني ثبوت علة تحقّقها لها فرع لثبوته لنفسه و تحقّق العلية و المعلولية مع الاتحاد اقوي من تحققها مع المغايرة لان الاول اقتضاۤء الشيء لنفسه لأن ذلك شأن صقع الربوبيّة و ما يقرب من تأثيرها من الاثار لان كل اثر يشابهه ( يشابه . خل ) صفة مؤثره التي بها التأثير و ما نظّر به من كلام صاحب الشفاۤء فليس فيه شفاۤء لانه لايجري علي طريقة اهل الحق عليهم السلام اذ كلام الشفاۤء مبني علي جواز تصوّر الواجب و الممتنع و هو باطل لان الممتنع ليس شيئا فاذا تصوّر انما تصوّر ممكنا لان هذه الصورة الذهنية اما ان تكون حقيقة الممتنع ام ظله فعلي الاول يكون موجودا لا ممتنعا و كذا علي الثاني لان الصورة لاتوجد قبل ذي الصورة فما تصوّروه فهو ممكن كما قال تعالي و تخلقون افكا ، و امّا تصوّر الواجب فهو تصوّر الثبوت الحادث و اللزوم الممكن فليس للواجب الحق سبحانه صورة و لا مفهوم غير ذاته او ما يكون اثراً لعنوان عنوان معرفته و هو مخلوق و لهذا قال بعض العارفين ان واجب الوجود لذاته يستحيل ان تكون له ماهية وراۤء الوجود فلايمكن ان يفصّلها الذهن الي ماهية و وجود و هذا ظاهر قال جعفر بن محمد عليهما السلم كلّما ميّزتموه باوهامكم في ادقّ معانيه فهو مثلكم مخلوق مردود عليكم الحديث ، فليس له تعالي مفهوم اذ المفهوم للمدرك المحاط به فكيف يمكن تعقّل الكثرة في مفهوم هذا اللفظ لان ما يصلح لغيره يمتنع عليه و ما يصلح له يمتنع علي [ص 214] غيره و الّا لكان له ند و ضدّ ، تعالي الله عما يقولون علوّا كبيرا و معقولية الماۤء و الانسان من الواحد لتعدد ما يصدق عليه الواحِدُ و امّا الواجب فليس حقيقته في الحق تعالي تشاركه فيها كون صلوة الظهر واجبة و زيد الموجود واجب الوجود لوجود علته و فرض وجود واجب اخر كما يفرضونه في باب التوحيد فان هذا الوجوب للصلوة ثبوتها و عدم جواز تركها لما يترتب عليه من العقاب مع امكانه و في زيد هو امكاني كيف و حمّي ليلةٍ تفسخه و المفروض موهوم لا تحقق له الّا في التوهم و هو لفظ ليس له مسمّي كما اشار اليه سبحانه بقوله قل سمّوهم ام تُنَبّئونه بما لايعلم في الارض ام بظاهرٍ من القول علي ان قول المصنف في جوابه غير مطابق للسؤال لان الدعوَي اخص من الدليل لان السؤال انما تضمن انكار حمل الوجود البسيط الذي به التحقّق علي نفسه و علي غيره و الجواب المطابق بمنع ( يمنع . خل ) مغايرة المحمول فيهما بان المحمول هو المدّعي ثبوته و الثابت لنفسه هو الثابت لغيره لان تحقق نفسه به لا غير و تحقق الغير به لا غير و اعتبار المغايرة لاجل صحة الحمل الصناعي ظاهر معلوم لان المغايرة يجب اعتبار عدمها في نفس الامر في صحة الحمل و انما تعتبر في صحة حمل اللفظ الذي هو دليل المعني و ذلك لان جاهل الاتّحاد في الموضوع و المحمول تعرض له المغايرة و صورة الحمل اللفظي فيما توهم الجاهل فيهما المغايرة مقرّرة للاتّحاد الواقعي عنده و يكفي فيها توهّمه لها و الجواب بالمعني المصدري الشامل لهما غير مطابق لان المصدري لاحق لهما بعد تحقّق كلٍ منهما ( به لذاته . خل ) فاتّصاف كلٍ منهما به لذاته فاتصاف الماهية بعد ثبوتها و تحقّقها بالوجوب المسئول عنه بهذا الوجود المصدري لذاتها لا من حيث ما به تحقُّقها و كذلك اتصاف الوجود به فلايكون مطابقا للوجود المسئول عنه فضلاً عن ان يكون هو ايّاه فتفهّم [ص 215] هذا الكلام لِتعرف وجه المغالطة فانها من بابِ اخذ اللازم مكان الملزوم اي ما من الشيء مكان ما به الشيء بواسطة الاشتراك في اللفظ عند الاطلاق و اكثر اجوبته من هذا النوع .
قال : « و قال ايضا في التعليقات اذا سئل هل الوجود موجود فالجواب انه موجود بمعني ان الوجود حقيقته انه موجود فان الوجود هو الموجوديّة و لقد اعجبني كلام السيد شريف في حواشي المطالع و هو ان مفهوم الشيء لايعتبر في مفهوم المشتق كالناطق و الا لكان العرض العاۤم داخلا في الفصل و لو اعتبر في المشتق ما صدق عليه الشيء انقلبت ماۤدة الامكان الخاص ضرورية فان الشيء الذي له الضحك هو الانسان و ثبوت الشيء لنفسه ضروري فذكر الشيء في تفسير المشتقات بيان لما يرجع اليه الضمير فيها ، انتهي » .
اقول : هذا الكلام المذكور في التعليقات من نوع ما ذكر لان كلام المصنف مقتبس منه و من مثله و قول الشيخ : ان حقيقة الوجود انّه موجود ، يظهر منه كأنه لميعرف اللغة فانّ حقيقة كل شيء ليست هي انه موجودٌ او مخلوقٌ او حادث او ممكن و ما اشبه ذلك فان هذه خارجة عن حقيقة الشّيء و الّا لاعتبر مفهوم الشيء في مفهوم المشتق و ان اراد بالمشتق نوعا من التفسير مع تقدير الصلة يعني حقيقته انه موجود بنفسه كان الكلام صحيحاً من جهة التعبير و لكن يحتاج الي تقدير مضافٍ هو مضاف اليه اي حقيقة تكوين الوجود انه موجود بنفسه فيكون بياناً لكيفيّة ايجاده و اين المعنيانِ مما نحنُ فيه و يدل علي ارادة الاول قوله فان الوجود هو الموجوديّة و اتي بهذا المصنف استشهاداً له و استدلالاً به مع ان الموجوديّة عنده من المعقولات الثانويّة و كلام السيد شريف مليح في صورة اللفظ و قد اعجب المصنف و لقد اعجبني اعجابه كيف قَبِلَ منه ان مفهوم الشيء لايعتبر في مفهوم المشتق [ص 216] و قَبِل كلام الشيخ ان الوجود هو الموجوديّة و هو بعينه اعتبار مفهوم الشيء كالوجود في مفهوم المشتقّ كالموجوديّة لان مفهوم الوجود عرض عام علي اصطلاحهم و مفهوم الموجودية التي هي اسم المفعول هو مفهوم المشتق و هو مستلزم للفصل و ان لميكن فصلا حقيقيا من حيث كونه اسم مفعول الّا انه من حيث انه منتزع من الفصل الذاتي الذي هو مَوْجُودٌ كان مطابقاً له فيكون الموجود فصلاً ذاتيّا فاذا اعتبر مفهوم الوجود في مفهوم موجود ( الموجود . خل ) الذي هو الفصل كان مركّبا من الخارجي الذي هو العرض العام و من الذاتي الذي هو موجود للزوم الاتحاد في الحمل و المركب من الذاتي و الخارجي خارجيّ و الفصل ذاتي لانه جزء ماهية النوع فان قلت انما عنوا بالشيء لفظ الشيء كما صرّحوا به و الشيخ و المصنف لميذكرا الشيء و لميريداه و انما ذكرا ان الوجود هو الموجوديّة و ارادا به كون الوجود موجودا قلت يلزم من ذلك ما قلنا لان الوجود المحمول يريدانِ به نفس الوجود الذي هو الشيء و الذات و الموجوديّة صفة فهو كقولك زيد هو القاۤئم فاذا اعتبرْتَ مفهوم زيد في مفهوم القاۤئم لزم دخول العرض العام الذي هو المنتزع من ماهيّة زيدٍ في مفهوم المشتقّ فان مفاد قولك زيد القاۤئم هو مفاد زيد الشيء القاۤئم و ان اعتبرته باعتبار المصداق لزم ما نذكره علي نمط ما قلنا اِذْ مَنَاطُ ذلك المحذور اعتبار معني الموصوف في معني الصفة كما اشار اليه السيّد شريف في قوله و لو اعتبر في المشتق ما صدق عليه الشيء انقلبت مادة الامكان ضروريّة فان الشيء الذي له الضحك هو الانسان و ثبوت الشيء لنفسه ضروري الخ ، ففي كلامهمٰا اعتبرا في الموجوديّة الوجود لانه هو مفاد الحمل في الحقيقة و اما صحّة زيد القاۤئم فلان المعتبر في القاۤئم ما صدق عليه ظهور زيد بالقيام و هو مثاله لا ذات زيد ليَرد المحذور كما هو رأي الاكثرين الذين يعتبرون في [ص 217] القاۤئم ما صدق عليه زيد فان المحذور واردٌ علي قولهم في هذا و في امثاله مما لايثبت به لهم قول صحيح لا في مساۤئل علومهم و لا في امر توحيدهم و في خلال هذا الشرح يظهر لك كثير من ذلك و مراد السيد شريف انّ مفهوم الشيء عرض عام فاذا اعتبر في مفهوم الناطق اسم الفاعل الّذي هو المشتق و هو الذي انتزع من الناطق الذي هو الفصل فهو و ان كان غيره باعتبار الذاتية و العرضيّة الّا انه خاۤصّة يصدق علي كل ما يصدق عليه الفصل فاذا اعتبر ذلك العرض العام اعني مفهوم الشيء في مفهوم ما يطابق الفصل كان الفصل مركبا من الداخل في الماهية و الخارج عنها و المركب منهما خارج و يلزم ايضا علي هذا انقلاب ماۤدة الْاِمْكٰانِ الخاص اعني سلب الضرورة من الطرفين ضروريّة لان حمل العرض العام الخارج عن الماهية اذا كان جزءاً للداخل الذي هو جزء الماهيّة حمل الشيء علي نفسه اعني ثبوت الشيء لنفسه و ثبوت الشيء لنفسه ضروري لعدم انفكاكه عن نفسه و كان قبل اعتبار دخوله في الداخل ممكناً بالامكان الخاص و انقلاب الحقاۤئق محال و المصنف يريد انّا لو اعتبرنا في المحمول الاتحاد لكان اعتباراً لمفهوم الموضوع في مفهوم المشتق و يلزم منه دخول العرض العام في المشتق و يكون الفصل مركبا و يلزم ما قاله السيد شريف بخلاف ما اذا اردنا بالمحمول المعني البسيط او مطلق الحمل بالمعني الاعم اي مطلق ثبوت الشيء من غير تقييد كونه لنفسه او لغيره فيقال له ان قبولك لكلام الشيخ و هو قوله في التعليقات فان الوجود هو الموجوديّة يلزم منه دخول العرض العام في المشتق الذي يلزم منه تركب ( تركيب . خل ) الفصل كما ذكرنا سَابقاً مع عدم مطابقة الدليل للدّعوي و الجواب للسّؤال لان الدعوي ثبوته بنفسه و الدليل ثبوته بالبسيط او بالمعني الاعم و لميرد به ان الاعم هو الموضوع المتحقق في [ص 218] الخارج و انما يريد في الحقيقة هو المعني البسيط و ذلك البسيط تارة تشمل الوجود بعمومه و تارة بعموم تعلّقه و ارتباطه و لمّا ذكر السيد شريف ان اخذ مفهوم الشيء في مفهوم المشتق يلزم منه المحذور المذكور ، استشعر اعتراضا تقريره انه علي ما قررت يلزم المحذور مع انهم كثيرا ما يقولون مثل ذلك كما يقولون الضارب شيء ثبت له الضرب و لايلزم عندهم من ذلك شيء فاجاب بقوله فذكر الشيء في تفسير المشتقات بيان لما رجع اليه الضمير الذي فيها يعني انهم هناك انما اتوا به لبيان معود ضمير المشتق و الجواب علي ما هو المعروف عندهم صحيح و امّا في نفس الامر فالاتيان به لاجل ما ذكر و عدم لزوم محذور ممّا ذكر هو في هذا صحيح لكن فيه شيء يلزم الكل لايختص بالسيد شريف و انما ذكرته لبيان سرّ من اسرار العربيّة لتقف عليه و هو انك اذا قلت زيد ضارب و فسّرت معود الضمير بزيد كما في قولهم ان زيداً ذات او شيء ثبت له الضرب فهو غلط لان ذات زيد لمتتصف بصفة من صفات افعالها في الحقيقة لان صفات الافعال تنتهي الي الافعال لا الي الذات لان الذات لميصدر عنها الضرب و انما صدر عن فعلها و هو شيء غيرها احدثَتْه الذات بنفسه لانه حركة ايجاديّة يحدث عن حركة ايجادية و هي ذاته و ذات زيد ليست حركة و لاتتحرك في افعالها بذاتها قطّ و انما تتحرك بفعلها نعم الفعل قاۤئم بزيد قيام صدور و هو ثابت له في ملكه و استطاعته الخارجة عن ذاته لا في ذاته فمعني انه ثبت له الضرب اي ثبت له في ملكه فعود الضمير اليه مجاز و الضارب اسم فاعل و الفاعل هو الفاعل للضرب و هو الظاهر به و هو صفة فعلية لذات زيد فالضارب صيغ من الحركة الايجادية للضرب و من الضرب الذي هو الاثر و في الحقيقة هو مثال زيد لا زيد تأمّل في قولك جاۤء زيد الضارب فان زيدا مرفوع فاعل جاۤء و الضارب [ص 219] مرفوع باي شيء و كم استحقاقه من المجيء حيث قلتَ مرفوع بالتبعية فهو مرفوع لانه ظله و شعاعه فاستحقاقه من الفاعلية واحد من سبعين و رفعه كذلك و هذا تنبيه و الّا فبيانه يحتاج الي تقديم مقدمات و قولي سابقا ان كلام السّيد شريف مليح في صورة اللفظ فيه تنبيه علي ما يرد علي كلامه و لو اعتبر في المشتق ما صدق عليه الشيء انقلبت مادة الامكان الخ ، فيه ان قولك كل انسان ضاحك لايكون ضاحك نفس الانسان ليلزم منه المحذور اذ الانسان ما ثبت له الضحك و ما يثبت للشيء قد يكون لاحقا بذاته و قد يكون لاحقا بفعله او صفته مثل الانسان ناطق و زيد ضارب و عمرو مالك و قيل في تصحيح معني عدم اخذ مفهوم الشيء في مفهوم المشتق انه يلزم التكرار في الماهيّة الموصوفة و هو معلوم الانتفاۤء ه ، يعني لو انك اخذت مفهوم الشيء في مفهوم المشتق و قلت في جاۤء زيد الضّارب معناه جاۤء زيد الشيء الضارب و الضارب صفة لزيد كان المعني جاۤء زيد زيد الضارب لان زيدا هو الشيء الذي له الضارب فيلزم التكرر في الماهية الموصوفة و الحق انه لايلزم الانقلاب المذكور لان المشتق غير الفصل و تركب المميّز ( تركيب المغيّر . خل ) من الخاۤصّة و العرض العاۤم بالنسبة الي المفهوم يكون رسما مفيداً للتميز بالخارج و كلاهما خارج فهو كقولك الانسان ضاحكٌ ماشٍ لايلزم منه الانقلاب المذكور لان المشتق غير الفصل و لو اريد من المشتق الفصل لدلالته عليه انفسخ عنه ما اعتبر في المشتق للعدول عنه حين الارادة و تقرّر حكم الفصل و لو لوحظ في مفهوم الشيء معناه الخارجي لكان اذا اعتبر في المشتق جاۤء فيه ما قلنا في معود ضميره فيبطل الحمل لان معني الشيء هو الذات و مَعُود ضمير المشتق هو مثاله كما ذكرنا و اذا اعتبر في الفصل كان قولك الانسان الشيء الناطق اخذاً من الجنس البعيد او يكون بدلاً لفاۤئدة الابهام او التخصيص فلايلزم تكرر الماهيّة و انْ [ص 220] جازَ تكررها بقصدٍ خاۤصٍّ لذلك لعدم الفاۤئدة .
قال : « و هو قريب مما ذكره بعض المتأخرين في حاشية القديم لاثبات اتّحاد العرض و العرضي فعلم ان مصداق المشتق و ما يطابقه امر بسيط ليس يجب فيه التركيب بين الموصوف و الصفة و لا الشيء معتبر في الصفة لا عاۤما و لا خاصّا » .
اقول : هو المحقق الدواني قال في الحاشية القديمة : لايدخل في مفهوم المشتقِ الموصوفُ لا عاۤمّا و لا خاۤصّا لانه لو دخل في مفهوم الابيض مثلا الشيءُ كان معني قولك الثوب الابيض الثوب الشيء الابيض و لو دخل فيه الثوب بخصوصه كان الثوب الثوب الابيض و كلاهما معلوم الانتفاۤء انتهي ، و اورد علي هذا معاصره السيد بانه لو دخل فيه الشيء او الثوب لميكن معناه ما ذكره بل يكون معناه علي الاوّل الثوب الشيء له البياض و علي الثاني الثوب الثوب له البياض انتهي ، و قال المحقق الباغنوي في حاشيته علي الحاشية القديمة في توجيه كلام الدّواني بهذه العبارة : المراد بالابيض هٰهنا هو الناعتُ وحده و هو الذي عبّر عنه بالفارسيّة سفيد و حاصل غرضه انا نعلم بالبديهة انه ليس في توصيف الثوب بالابيض تكرير الموصوف اصلاً لا بطريق العموم و لا بطريق الخصوص مع انه لو كان الموصوف داخلاً في مفهومه لزم التكرار انتهي ، و اقول مراد المحقق الدواني ما وجّهه الباغنوي يعني انّ الابيض صفة للثوب لايلحظ جهة الموصوف بعموم فيقدّر له الشيء و لا بخصوص فيقدّر له الثوب لان الابيض صفة محضة تحمل علي جهتها من الموصوف فلايكون ( من . خل ) تلك الجهة محمولة علي نفسها مع الصفة لا بخصوص و لا بعموم و ان اتّحدت بها بعد الحمل اتّحاداً ركنيّا لكون الصفة ركناً لتلك الجهة من الموصوف و المعقول انّ الصفة و جهتها محمولان بعد ( الحمل محتمل فيه . خل ) حمل الصفة علي الجهة ، مثاله الابيض في قولك الثوب الابيض فانه مركب من البياض الذي [ص 221] هو ركن الابيض و من جهة الموصوف به اعني الثوب و هو مثاله و صورته فحمل البياض علي المثال و حمل المركب علي الثوب فبالعبارة الظاهرة ليس في الابيض شيء من ذات الثوب و انما المعتبر في الابيض منه جهة الاتصاف بالابيض و تلك الجهة قام بها البياض كما قلنا في القاۤئم صفة لزيد انه ليس يعتبر فيه شيء من ذات زيد لا بخصوص كما توهموا في قولهم الثوب الثوب الابيض و لا بعموم مثل الثوب الشيء الابيض و انما فيه ظهور زيد بالقيام و هو الحركة و حدثها المحمول عليها الذي هو ركنها و هو القيام و مجموعهما القاۤئم محمول علي تلك الجهة التي هي جهة اتصافه به و هي ظهوره بالقيام و هو الصورة و المثال المعبّر عنه بالفاعل و القاۤئم اسمه فعلي كل اعتبار لايتصوّر ذات الموصوف في المشتق لا في ذاته و لا في مفهومه فاذا قصد ذلك علي جهة العموم و قيل الثوب الشيء الابيض او الخصوص و قيل الثوب الثوب الابيض لمتتكرّر ماهية الموصوف لذاته و انما يظهر صورة عموم ظهوره علي الاوّل و صورة خصوصه علي الثاني و امّا توجيه السيد علي فرض دخول الشيء او الثوب بان معناه علي الاوّل الثوب الشيء له البياض و علي الثاني الثوب الثوب له البياض فمبني علي كلامه السابق و ما يقال علي الكلامين واحد و قول المصنّف لاتّحاد العرض و العرضي يشير به الي ان كلام الدواني و السيد متقاربان لاتفاق رأيهما في اتّحاد العرض اي الابيض اذا اخذ بشرط لا المقابل للجوهر بالعرضي كالابيض اذا اخذ لذاته اي لا بشرط شيء و ان اختلفا في اللازم علي فرض دخول الموصوف في الصفة فان السيد جعل اللازم من ذلك الانقلاب المذكور سابقا و اليه يميل المصنف فيما مر من قوله الذي مرجعه عدم انفكاكه عن نفسه و الدّواني جعل اللازم تكرر الماهية في قوله لكان معني قولك الثوب الابيض الثوب الشيء الابيض لو كان الداخل الشيء و لو [ص 222] كان الثوب كان الثوب الثوب الابيض و لاجل موافقته في اللازم و الملزوم للسيد قال و لقد اعجبني كلام السيد و لموافقته للمحقق الدواني في الملزوم و مخالفته في اللازم قال « و هو قريب ممّا ذكره » الخ ، و وجه دليله من كلامهما ان البياض المحمول علي الابيض ليس هو المعني المصدري لانه عنده من الامور الاعتباريّة التي لا تحقق لها في الخارج و الابيض متحقّق اللون خارجاً بل المحمول عليه معني خارجي بسيط و هو المعبر عنه بالفارسيّة بسفيد فيكون المحمول عنده علي الوجود و الماهية ليس هو المعني المصدري المعبر عنه بالفارسيّة بهَسْتي بل المعني البسيط الخارجي المعبّر عنه بالفارسيّة بهَسْتْ و قد تقدم الكلام علي جعل المحمول المعني البسيط و كلّ هذا و امثاله تمحّل في الاستدلال بما لايجدي و لاينفعه الاستشهاد بكلام السيد شريف الّا ان يقول بجواز اخذ مفهوم الموصوف في مفهوم الصفة لذاتهما لان المحمول لامحالة يتّحد بعد الحمل مع الموضوع اِمّا في الذات او في جهة الاتصاف فاذا جعل المحمول هو المراد بهست اي المعني البسيط كان هو الصفة و المنازع فيه هو الموصوف و لا بدّ من الاتحاد بعد الحمل فان كان المحمول صفة لميحمل علي ذات الموصوف كما حقّقناه مراراً لعدم اتّحاد الصفة بذات الموصوف و ان كان هو الذّات صح عندنا الّا انه عنده يلزم عليه التسلسل و مع هذا فلايقال انه المعني البسيط المعبّر عنه بهَسْت لانّ هذا صفة لما به التّحقق و ما به التحقق هو المتنازع فيه لا صفته اللاحقة للمتحقق سواۤء كان بنفسه ام بغيره و قد تقدّم هذا المعني متكررا .
قال : « سؤال - ان كان الوجود في الاعيان صفةً موجودة للماهيّة فهي قابلة له و القابل وجوده قبل وجود المقبول فتقدم الوجود علي الوجود » .
اقول : هذا السؤال ليس بصحيح في نفس الامر و ان كان علي طريقتهم [ص 223] معتبر و لهذا اعتبره المصنف و استعدّ به و تكلّف للجواب عنه اما قولنا انه ليس بصحيح فلان المصنّف لايدّعي كونه صفة في الخارج لانّ هذا رأي المتكلّمين و المشّاۤئين لانّ الشيء عندهم هو الماهية و الوجود عارض عليها عكس قول اهل التصوّف ان الشيء عندهم هو الوجود و الماهية عارضة عليه و امّا المصنف فمذهبه كما مر و يأتي اتّحاد الوجود بالماهية في الخارج و انما يفرض عروضه لها في الذهنِ و لكن لمّا كان مقتضاه منافيا لقوله وجب عليه الجواب عنه و امّا علي ما عندنا فالوجود المقبول و الماهية هي القابل هذا بالنسبة الي اصل التكوين لان الوجود عندنا هو المادة المطلقة و الماهية لها اعتباران الماهية الاولي نريد بها انفعال الماۤدة لفعل الله سبحانه فهو القابل و القابل قابل بانفعاله و انفعاله هو الماهية الاولي و هي كالصورة النوعية فالمادة هو الوجود الموصوفي و الصورة و الانفعال و الماهية الاولي هي الوجود الصفتي لان الوجود خلق بنفسه لا بوجود اخر كما تقول المادة خلقت بنفسها لا من ماۤدّة اخري او بمادة اخري و الصورة و الانفعال و الماهية الاولي خلقت من نفس المادة من حيث هي لا من حيث خالقها و لا من حيث فعله و الاعتبار الثاني ان الموجود من حيث كونه نور الله سبحانه و اثر اللّه و صنعه هو وجود و من حيث كونه هو هو ماهيّة و علي كل فرض و كل قول فالقابل و المقبول يجب كونهما في الاعيان دفعة علي جهة المساوقة لايتقدم احدهما علي الاخر كالكسر و الانكسار و ذلك لانه تعالي لميكن معه غيره فاحدث فعله بنفسه اي بنفس الفعل ثم خلق المادة بفعله لا من شيء فانخلقت فانخلق هو الانفعال فبِخَلقَ كان المقبول لانه اثره و بانخلق كان القابل لانه اثره و قد تقدّم في كلامنا هذا مكرّرا و نذكره انشاۤء الله فيما بعد ليتحقق في اذهان المؤمنين الطالبين للحق و اليقين و تعيها اُذن [ص 224] واعية فعلي ما ذكرنا لايتقدم الوجود علي نفسه و لا علي الماهية الّا بالذات كتقدم الكسر علي الانكسار ثم انا نعارض الساۤئلين بقولهم بالوجود الاعتباري بهذا الكلام لانهم لايقولون بتقدم الماهيّة عليه بل يقولون باعتبار موجوديّتها وجدت و نقول الماهية هي القابل و الاعتباري هو المقبول فيلزمهم ان يكون الماهية موجودةً قبل اعتبار موجوديتها فتكون موجودة قبل كونها موجودة فجوابهم لنا هو جوابنا لهم .
قال : « كون الوجود متحققا في الاعيان فيما له ماهية لايقتضي قابلية الماهية له اذِ النسبة بينهما اتحاديّة لا ارتباطيّة و اتّصاف الماهيّة بالوجود انما يكون في ظرفِ التحليل اذِ الوجود من العوارض التحليليّة للماهيّة كما سبق و سيجيۤء زيادة ايضاحٍ » .
اقول : قد ذكرنا ان السؤال المتقدم غير وارد علي المصنف و هو و ان كان وارداً علي بعضٍ من المشاۤئين القاۤئلين بان الوجود صفة خارجيّة متحققة الّا انها منضمّة الي الماهيّة لانّ الصفة لاتقوم بنفسها فهي كالبياض العارض للجسم و اكثرهم قاۤئلون بالاعتباري و السؤال وارد علي البعض و جواب المصنف ليس لوروده عليه بل لبيان عدم الورود فقال « كون الوجود متحققا في الاعيان فيما له ماهية » و هو ساۤئر الممكنات احترازا عن الواجب تعالي لان وجوده لايزيد علي ماهيته لا خارجاً و لا ذهنا بخلاف الممكنات عند المصنف فان وجوداتها تزيد علي ماهياتها ذهنا و تعرض لها فكونه كذلك لايقتضي قابليّة الماهيّة له المستلزم للتقدم اذ نسبة قابليتها له لو صحت نسبة ارتباطيّة و ليس كذلك اذ نسبة قبولها له نسبة اتِّحاديّة و شأن النسبة الاتّحاديّة و مقتضاها عدم التقدم و التّأخر لان هذا مقتضي المغايرة ثم استشعر اعتراضاً و هو انك قاۤئل بعروضه لها في الذهن و هو مناف لدعوي الاتحاد فاجاب بان اتّصاف الماهيّة بالوجود المقتضي للمغايرة [ص 225] انّما يكون في ظرف التحليل اي مكان التحليل و التفكيك العقلي و هو الذهن و ذلك بلحاظ المفاهيم لا بشرط شيء و حينئذٍ يكون عارضاً لها عند التحليل لانّه من العَوارضِ التّحليليّة لها .
قال : « سؤال - ان كان الوجود موجودا فاِمّا ان يتقدم علي الماهية او يتأخر او يكونا معاً فعلي الاول يلزم حصوله مستقلّاً دون الماهيّة فيلزم تقدم الصفة علي الموصوف و تحقّقه بدونها و علي الثاني يلزم ان تكون الماهية موجودة قبله و يلزم التسلسل و علي الثّالث يلزم ان تكون الماهيّة موجودة معه لا به فلها وجود اخر فيلزم ما مرّ فبُطْلان التوالي باسرها مستلزم لبطلان المقدَّم » .
اقول : هذا السؤال انما يصح علي طريقتهم من حصر التأثير و التَّأثّر في حالتي التقدم و التأخر فاذا فرض كون الوجود متقدِّماً علي الماهيّة يلزم حصوله قبلَها مستقِلّا و عندنا يجوز ان يكون متقدِّماً بالذات و يتوقّف علي الماهية في الظهور كالكسر و الانكسار بل ليس غيره و لو سلّمنا قولهم علي هذا الفرض بحيث يلزم منه تقدّم الصّفة علي موصوفها الممنوع منه قلنا انّما يلزم الممنوع منه علي فرض التّقدّم لو قلنا بانه صفة للماهية كما توهّموه و ليس ما به التحقق هو الصفة بل هو في الحقيقة هو الموصوف لان الماهيّة قابليته او هويّته من حيث نفسه و الوجود الهويّة من فعل اللّه تعالي فما بالاعتبار من فعل اللّه سابق بالذات علي ما بالاعتبار من نفس المصنوع اذ لا ذكر له قبل ذكره من فعل اللّه تعالي كالكسر و بعد تحقّقه بالانكسار كان مذكوراً من حيث هو و امّا الوجود الواقع صفة فليس هو ما به التحقق الذي فيه النزاع و انّما هو التابع اللّاحق للشيء بعد اعتبار ثبوته كالثبوتِ و الحصول اللاحِقينِ للثابت و الحاصل و لو سكتنا عن هذا قلنا هذا ايضا وارد عليكم لانّكم تجعلون الاعتباري متقدِّماً علي الماهيّة و هو صفة فجوابكم لنا جوابُنا لكم لانكم اذا قلتم [ص 226] باعتبار موجوديّة زيدٍ كان موجوداً فلا بدّ من تقدم الاعتبار ذهنا علي الموجود و الّا كان تحصيلاً للحاصل و مع ذلك فلانجوّز كونه مستقِلّا و ان كان هو الموصوف لما ذكرنا من امتناع وقوع حادثٍ مستقِلا بنفسه عقلا و نقلا امّا العقل فلان كل مخلوق لا بد و ان يكون له اعتبار من ربّه و اعتبار من نفسه فما من ربّه اي من فعل ربّه تعالي فهو وجوده و ما من نفسه فهو ماهيته و هما متلازمان كالكسر المتوقّف علي الانكسار في الظهور و كالانكسار المتوقّف علي الكسر في التّحقق و امّا النقل فهو قول الرضا عليه السلم انّ الله سبحانه لميخلق شيئا فرداً قاۤئما بنفسه دون غيره للذي اراد من الدلالة علي نفسه و اثبات وجوده ، و علي فرض التّأخّر ايضاً لايلزم التسلسل او الدَّور لا عندنا لان الماهية اذا فرضت موجودة قبله انّما يتوجه السؤال علي فرض انها لاتوجد بنفسها و لا بالوجود المتنازع فيه اذ لو فرض انّها موجودة بنفسها كقول اهل الانتساب لمتحتج الي فرض وجود غيرها لامتناع تحصيل الحاصل و لو فرض انّها موجودة بوجودٍ آخر فكذلك اي لمتحتج الي فرض وجود غيره فاذاً انما يتوجّه السؤال علي فرض انها لاتوجد الّا بهذا الوجود و علي هذا يبطل الفرض لانه يكون بمعني انها لو فرضت انها موجودة بهذا الوجود قبل ان توجد به و ذلك لعلة وجودها بنفسها او بغير هذا الوجود او به فيبطل الفرض علي الاحوال الثلاثة و علي فرضهم و سكوتنا فالوجود المفروض سابقاً عليها ان كان هو المسبوق فوجوده عند المصنف بنفسه فلايلزم الدور و كذا ان كان وجوداً غيرَه به يتحقق غيره لاشتراكهما في العلّة و كذا ان فرض كونه ماهية سمّي به فلايتحقق فرض التسلسل و لو بني علي انّ الوجود وجد بوجودٍ آخر لانه المفهوم من كونه موجوداً ليتوجّه التسلسل او الدور قلنا ان هذا وارد علي وجودكم الاعتباري فانه يعتبر باعتبار [ص 227] و يعتبر الاعتبار بالاعتبار فيلزم الدور او التّسلسل و جوابكم لنا جوابنا لكم و علي المعيّة بان تكون الماهيّة موجودة معه فلها وجود اخر لايلزم اَنْ يكون لَها وجودٌ آخر غيره بل توجد به علَي اختلافِ القولين فيكون متوقّفاً عليها لسبقِه ذاتا و هي متوقّفة عليه في التّحقق لانّها خُلِقَتْ منه فيكونانِ متساوِقَيْنِ في الظّهور و ان اختلفا في الذاتِ و التبعية و ذلك كالكسر و الانكسار و هذا هو الواقع لان المادة المطلقة التي هي مادة كل شيء و هي عندنا هو الوجود لمتكن شيئا فلمّا كوّنها تكوّنت فَاَثَرُ كَوَّنَ وجودٌ و اثرُ تكَوَّنَ ماهيّةٌ و هما متلازمان متساوقان في الظهور .
قال : « جواب - قد مرّ انّ اتّصاف الماهيّة بالوجود امر عقلي ليس كاتّصاف الشيء بالعوارض الخارجيّة كالجسم بالبياض حتّي يكون لكلٍ منهُما ثبوت اخر ليتصوّر هذه الشقوق الثلاثة من التقدّم و التّأخر و المعيّة فلا تقدّم و لا تأخّر لاحدهما علي الاخر و لا معيّة ايضا اذ الشيء لايتقدم علي نفسه و لايتأخر و لايكون ايضا معه » .
اقول : ان المصنف ذكر وجهاً اخر ما ذكر في السؤال من الوجوه الثلاثة و هو ما كان يذهب اليه من اتّحادِ الوجود بالماهيّة في الخارج و عروضه لَها في الذّهنِ و اختياره لهذا لايحسن اَنْ يكون جواباً عن تلك الوجوه الثلاثة الّا اَنْ يقال انّه انما اتي بهذا جواباً لهذه الوجوه حيث انّه قدّمَ ما اختارَهُ و يأتي مستدِلّاً عليه حيث اقام عليه بما يصح عِنده فاكتفَي بتصحيحِهٖ هُنَاك عن اِقامةِ البرهانِ عليه هذا فيما عنده و امّا ما عندنا فانّا لمنسلّم له ما هنا لِنَرْضي به هنا جواباً ثمّ اذَا سَلّمْنَا له هُنَاك فنقول جوابه لما يرد عليه في خصوص دَعواه لَا عَلَي مُطلقِ القولِ بكون الوجودِ متحقِّقاً في الخارج فانّ كثيراً مِنَ المشّاۤئين قاۤئلون بثبوت الوجود للماهيّة في الخارج عارضاً [ص 228] عليها فان هذا السؤال يرد عليهم و لايصلح جوابه ان يكون جواباً عنهم و لايقال لا داعي له الي الجواب عنهم لانّا نقول انه يريد ردّ سؤالهم و ابطاله من جهة انّهم ينكرون مطلق وجوده خارجاً و لميكن اعتراضهم عليه بالخصوص و انما اعتراضهم عَلَي القاۤئلين بوجودِهٖ خارجاً و هو منهم فالمناسب ردّ قولهم بما يَصلح للجميع و قد تقدمَ بعض الاشارة الي ما يذهب اليه من عروضِهٖ لها في الذّهنِ بما يوهن جوابه هذا في نفسه بل يتوجّه هذا السؤال علي كلامه هناك فانا قلنا هناك هذا العارض لها في الذِّهن هو المُتّحِدُ بها في الخارج ام هذا ظلّه المنتزع به و هذه الماهية المغايرة المعروضة في الذهن هل هي موجودة ام لا و هل وجودها بنفسها ام بالعارض لها ام بالخارج ام بالذهن و هل وجود العارض بوجود الذهن ام هو بالخارج ام بغيرهما و قد تقدم ما عندنا في مثل هذه المساۤئل في الجملة علي نحو الاشارة من ان كل ما في الذهن مطلقا شبَح لما في الخارج و ظلّ له من وجودٍ و ماهيّة و ان وجود الظل من ذي الظل كالنور من السّراج نسبة واحد من سبعين و انّ ما في الذهن ان خالف الخارج لميكن شبَحاً له فالوجود الذهني ان كان عارضاً لها في الذهن فهو من العارض في الخارج فان قلنا بقول المصنف باتّحادهما خارجا محمولة عليه لا بدّ و ان نريد بالماهية ظل الموجود في الخارج من حيث نفسه اي من حيث هو هو و ان نريد بهذا العارض لها هو ظل المعني المصدري فان المعني المصدري هو العارض لها في الخارج و هو حصوله في الاعيان و هو غير ما به التحقّق للشيء في نفسه و ان نريد بالمعني الخارجي هو الموجود من حيث صانعه تعالي اي كونه نوراً و اثراً فكونه اثراً لفعل الله وجودُه و ماهيته هويته من جهة نفسه اي انّيّتهُ و ان قلنا بقول المشاۤئين فهما غير متحدَيْنِ في الخارج و ما في الذهن مطابق لما في الخارج العارض ذهنا من [ص 229] العارض خارجا و كذلك المعروضان بقي الكلام محصوراً فيما ذهب اليه المصنف ان الوجود هو حقيقة كل شيء و الحقيقة يجب ان تكون معروضةً فاذا سُلِّم له اتِّحادهما في الخارج و حلّلَهما العقل في ظرف التّحليل يتحلّلانِ علي خلاف ما هما عليه في الخارج الذي هو نفس الامر في حقّهما فتكون الحقيقة عارضة لما هو كالمجاز و كالفرع و كالظلّ فلا بدّ ان يكون المحلّلان غير المتّحدين و شرح الحال يطول فيه المقال و انّما اشير الي بعض التبيين تنبيهاً للغافلين و علي كل حالٍ اذا سلّمنا له اشياۤء لايقبلها الّا العقل المقلِّد لكل ما سمع اذا كان اتصاف الماهيّة بالوجود امراً عقلِيّاً فلايخلو امّا ان يكون للامر العقلي تحقّقٌ ما و لو في الذهن فانه قسيم الخارجي و قد اثبت له الوجود بنسبته كما نقلنا عنه في الكتاب الكبير سواۤء فرض ذلك التحقق ظلّا و فرعاً علي الخارجي ام كونه اصلا برأسه قد استحقّ من الوجود ما له من قسمة العناية الالهيّة او من قوّة النفس ام لا تحقّق له اصلاً فان كان له تحققٌ ما فاِمّا ان يطابق الخارجي او لايبني عليه و لايجعل في مقابلته لا في تقسيمٍ و لا تتميم و لا تفريع و لا تقويم و ان لميكن له تحقّق اصلاً و لا تعلّق بالخارجي فلِمَ فُرِّغَتْ فيه المحابر في الدفاتر وَ علي الاعتبار و لو بوجهٍ ما تلزمه العوارض الذهنيّة و تترتّب عليها الاحكام الذهنية و يتناولها في انتقاشها و تصوّرِها هذا السؤال بنسبة تحقّقها اذ لا شك في انّ حصولها من جهة الاعتبار و التعقل علي ترتيبٍ كالامور الخارجيّة من التقدّم و التأخّر و المعيّة فافهم .