قال : « و هذا معني قول الحكماۤء في كتاب البرهان ان الموضوع مأخوذ في حدود الاعراض و حكموا ايضا بان هذا من جملة المواضع التي تقع للحدّ زيادة علي المحدود كاخذ الداۤئرة في حد القوس و اخذ البناۤء في حد البناۤء » .
اقول : انما قالوا باخذ الموضوع في حد العرض ليس لان وجوده حلوله فيه بل انّما اخذوا ذلك في العرض ليبيّنوا ان المحدود انما هو العارض من حيث كونه عارضا فيقولون هو الحاۤلّ في المتحيّز احترازا بهذه الحيثية عن تحديد نفس ماهيّته اي لا من حيث كونه عارضا لانه من هذه الحيثيّة جوهر او كالجوهر ففي الحد يكون ذكر الموضوع ليس من المحدود [ص 178] فيكون زاۤئداً و انّما قالوا بذلك لان بناۤء امرهم في تحديد الاشياۤء علي مفاهيمها و مفهوم الجوهر و مفهوم العرض شيء واحد كلي فيلحقون كل حصّةٍ بما يميّزها عن الاخري فهي اي الملحق بها المميز فصلها فيقولون الجوهر هو الحاۤل في الحيّز و العرض هو الحاۤلّ في المتحيّز فالحاۤل جنس لهما و المميّز فصل و هذا عندهم حدّ حقيقي و انت اذا تركت قولهم و اعتبرتَ بفهمِك وجدت انّ الحاۤلّ ليس هو حقيقة الجوهر في نفس الامر و لا العرض و انّما هو علي مذاقهم و اصطلاحهم عَرض عاۤمّ فحدُّهم رسميّ لان الحال الذي جعل جنساً ليس هُوَ اسم ذات و انما هو صفة فعليّة فهو اسم فاعل فيكون قولهم ذلك مثل قولك الجوهر هو القاعد في الارض و العرض هو القاعد في الجوهر و ربّما يلتفت احدهم الَي ذوْقه مع قطع نظره عن ما قالوا فيجد انّ هذا الشيء لايمكن تعريفه كما توهمه المصنّف في الوجود فيما تقدّم لانّه انما يعرف منه ما ذكروا و ذَوقه يأبَي كونه حدّا حقيقيّا و في قولهم القوس قطعة من الداۤئرة فالمحدود القوس و هو جزء من بعض الحد اعني الداۤئرة ففي الحد زيادة علي المحدود الّا ان الحد ليس بالرسم كما في المعروض و المعرض ( العرض . خل ) و ان قيل فيه بلزوم الدور الّا انه تحديد بذاتي بخلاف المعروض و العرض حيث حدّد بالحال و ليس الحلول حقيقة لواحدٍ منهما اذ لو كان حلوله هو حقيقة وجوده و وجوده اوّل فاۤئضٍ عن الايجاد لكان حلوله الذي هو صفة فعليّة منه اوّل فاۤيـٔض قبل العرض من فعل الله سبحانه فيكون الفعل في نفس الامر و في الاعتبار سابقا علي فاعله هف .
قال : « فقد علم ان عرضيّة العرض كالسواد اي وجوده زائد علي ماهيّته فلو لميكن الوجود امراً حقيقيّاً بل كان امراً انتزاعيا اعني الكون المصدري لكان وجود السّواد نفس سواديته لا حلوله في الجسم و اذا كان وجود الاعراض [ص 179] و هو عرضيّتُها و حلولها في الموضوعات امراً زائدا علي ماهيّتها الكلية فكذلك حكم الجواهر و لهذا لا قائل بالفرق » .
اقول : اذا علم ان عرضيّة العرض كالسواد زاۤئد علي ماهيّته فهذا الذي تدركه ابصارنا ما هو هل هو الحلول ام الحاۤل و علي الاول فهل الحلول امر عقلي ام حسّي فان كان عقليا فما هذا الذي نراه ببصر الحس و ان كان حسّيّا فكيف تكون فوقيّة السماۤء عقليّة كما قال سابقا و يكون هذا حسّيّا و اي فرق بينهما و علي الثاني هل المرئيّ هو الماهية متّحدة بالوجود ام منفردة ام الوجود منفردا فعلي الاتّحاد يبطل حكمه بالوجدان المعروف بان الحاۤل غير الحلول مغايرة لاينكرها الّا مكابر لمقتضي عقله و الّا لكان القعود هو القاعد و علي الانفراد يبطل قوله بالاتحاد كما تقدم مؤيّدا بقوله في اخر كلامه هذا و لهذا لا قاۤئل بالفرق ، و علي انه الوجود خاۤصة فيبطل قوله من وجوه الاول بعدم الاتحاد الذي يدعيه الثاني بالوجدان الحاكم بمغايرته للحلول و نحن لانُشَاهِدُ الّا الحاۤل و الحلول انما نشاهد منه كون المرئي في الموضوع و هذا الكون غير الكاۤئن و الثالث يلزم ان يكون الوجود هو الحال لا الحلول و هذا و ان كان حقا عندنا علي نحو ما ذكرنا سابقا من ان الشيء هو الوجود مع مشخصاته و اسباب تعينه الّا انه لايقول به لانه يريد بالمتّحد مع الوجود خارجا هو الماهيّة التي ينتزعها في الذهن و هي الهوية و هي معني غير مفهوم الوجود و لهذا يتغايران في الذهن عنده لاجل امرٍ يشير اليه ، تعالي ربي و الهي عنه علوّا كبيرا و لهذا الزمناه فيما تقدم بمغايرة المتحد للعٰارض علي رأيه الذي يجعله فيه متّحدا في الخارج و في الذهن مغايراً في قوله يتحدان خارجا و يتغايران في الذهن فيدفع قبيح ما يلزم من هذا بان المغايرين مفهومٰاهُمَا فقلنا له فاذاً لا مقابلة فينبغي ان يقول في الخارج شيء واحد [ص 180] و في الذهن مفهومانِ تغايرا فهما غير الخارجين و لاانتزعا منهما فيلزم ما تقدّم من عدم المقابلة و من التحديد اذا لميكونا انتزاعيين ،
و قوله « فلو لميكن الوجود امراً حقيقيا » الي قوله « لا حلوله في الجسم » فيه ما تقدّم مما يدل علي ان وجود السواد نفس السواديّة المرئيّة لا حلولها الّا اذا فسّر الوجود بالكون في الاعيان كما تعرفه العوام و هو المعني المصدري ،
و قوله « و اذا كان وجود الاعراض » الخ ، كما تقدّم مكرّرا مردّدا فان قوله زاۤئداً علي ماهيّتها الكلية يعني الذهنيّة يلزم منه ان كل زاۤئدٍ علي الماهية الكلية و كان سبباً للكون في الخارج هو الوجود كالعوارض الخارجيّة و الوقت و المكان بل و اقسام الوضع بَل و وجود الاغْيار كلها اشياۤء خارجيّة زاۤئدة علي ماهيّة الجوهر و العرض فيجب ان يكون كل واحد منها علي الانفراد و الانضمام هو الوجود لتوقّف الكون في الاعيان عليها كما دلّ عليه النقل المعتبر و صحيح العقل و النظر و هذه و ان قلنا نحن بانها من الوجود لكنه لايقول به .
قال : « الثامن ان ما يكشف عن وجه هذا المطلب و ينوّر طريقه ان مراتب الشديد و الضعيف فيما يقبل الاشد و الاضعف انواع متخالفة بالفصول المنطقية عندهم ففي الاشتداد الكيفي مثلا في السواد و هو حركة كيفية يلزم عليهم لو كان الوجود اعتباريّا عقليا ان تتحقق انواع بلا نهاية محصورة بين حاصرين و ثبوت الملازمة كبطلان اللازم معلوم لمن تدبّر و استبصر ان بازاۤء كل حد من حدود الاشدّ و الاضعف اذا كان ماهيةً نوعيّة كانت هناك ماهيات متباينة بحسب العقل و الحقيقة حسب انفراض الحدود الغير المتناهية » .
اقول : قد اعترض بعضهم علي المصنف في قوله « عندهم » بانه ان اراد بقوله عندهم عند المشاۤئين فلايكون حجة علي المخالف و ان ارادَ به عند المخالف فليس بصحيح اذ ليسوا قاۤئلين به انتهي ، يعني انهم ليسوا بقاۤئلين بوجود [ص 181] مراتب متعددة متخالفة بفصولها في الشديد و الضعيف و انما كلّ منهما حقيقة واحدة كالمخروط الواحد فلايعتبر فيه تفاوت يتمايز بالفصول و اقول قد تقدم مما ذكرناه ان الوجود له مراتب فهي في انفسها لاتدخل في حكم الشديد و الضعيف علي فرض تحقق تخالُفٍ في مراتبهما اذ ليست السفلي من نوع العليا فلا تشكيك في الحقيقة بينها الّا في التسمية الظاهرة نعم افراد كل مرتبة و ذراتها يجري فيها التشكيك و انواع كلّ مرتبة في رتبة امكانها غير ما هي به في رتبة اكوانها امّا في رتبة امكانها ففيها انواع كلية لاتتناهي في اعدادها و لا في افرادها يعني فيها انواع لاتتناهي و كل نوع فرض ففيه افراد لاتتناهي و كل فرد من ذلك الامكان فهو يقبل قبل تكوينه افراداً لاتتناهي و بعد تكوينه يقبل بحسب قبوله للتغيير افراداً لاتتناهي بل و يقبل كذلك قبل التكوين و بعده بقبوله للتغيير انواعا و اجناساً لاتتناهي و امّا في رتبة اكوانها فمع قبول التغيير كذلك و اما مع قطع النظر عن قبول التغيير و عن مقتضي الحكمة فالكون يضيق محله عن وجود افراد لاتتناهي لا ( الا . خل ) علي التدريج و ذلك لضيق محلّها و وقتها عن ذلك فيكون الامتناع من قِبَلها لا من قبل القدرة الكاملة و لهذا كانت في التدريج علي بواعث استدارة الحركات فتحركت الافلاك علي الاستدارة و المفْعولات في طلبها من امدادات مباديها علي الاستدارة لان الاستدارة هي المقتضية للتدريج ،
فقوله « يلزم عليهم لو كان الوجود اعتباريا عقليا » الي قوله « حاصرَين » يلزم عليه ان العقليات ليست عدميّة بما ذكرنا سابقاً من النص عن الرضا عليه السلام و ممّا اشرنا من الدليل العقلي بل الفؤادي لانه من دليل الحكمة من انه لايمكن ان تتصوّر شيئا حتي تقابله بمرءاة خيالك مثلا اذا رأيتَ زيدا يصلّي في المسجد يصلّي يوم الجمعة العاشر من شهر رمضان مثلا سنة كذا لايمكن ان تذكره ما دمتَ حيّا حتي تلتفِتَ بمرءاة خيالك الي صورة مثاله في [ص 182] غيب ذلك المسجد يصلّي في غيب يوم الجمعة العاشر من شهر رمضان سنة كذا فان مثاله الي يوم القيمة قد كتبه الملكان الحافظان في ذلك المكان و ذلك الوقت فاذا قابلته بتلك المرءاة انتقش شبح ذلك المثال في مرءاة خيالك فتذكره و لاتقدِر اَنْ تذكره بغير هذا الالتفات علي نحو ما قلنا فلو قلتُ لك اذكره و لايلتفت قلبك بمرءاة خيالك الي ذلك المكان و ذلك الوقت لكان ذكرك له مستحيلا ممتنِعاً ● لاني اريد منك ان تذكر من حَيْثُ لاتذكر و كل تذكّر و تعقّل هكذا و لكن اكثر الناس لايعقلون فتذكرك لميكن في عالم الاجسام لكنه موجود في عالم العقول و المصنف كالاكثرين لايعرفون الّا ان الاعتباري عدميّ نعم لو اراد صور امكاناتها لا صور اكوانها علي قولهم سكتنا عنه فقوله « ان تتحقق انواع بلا نهايةٍ محصورة بين حاصِرَيْنِ » ينبغي اَنْ يُقَيّد هذا باَنْ يقول موجودة لا بالتدريج اذ الممنوع منه كَون الامور الغير المتناهية المحصورة بين حاصرين مجتمعة وَ اَمّا بالتّدريج فلا و امّا مسئلة التناهي و عدمه فلاتبني عليها الاستدلالات الحقيقية لانّ مِنَ الامور الممكنة ما لاتتناهَي في الامكان و ان كانت متناهيةً عند الواجب تعالي مثل نعم الجنّة و نعيمها و اهلها و اۤلام النار و عذابها و شقاوة اهلها كلّ ذلك غير متناهيةٍ و لا منع منها و الحاصل ليْسَ كلّ غير متناهٍ باطلاً بقولٍ مطلقٍ اذ لا محذور في عدم تناهيها و عدم انقطاعها اذا ثبت كونها محدثة متناهية الي فعل خالقها تعالي فليس بممتنع اذ ليس الفعل متناهياً ليمنع من كون اثره غير متناهٍ فبطلان اللازم الذي ذكره غير معلوم يعرف هذا من قاعدتين اتفق الحكماۤء علي صحتهما و هما قولهم كل ما له اوّل له اخر و كل ما سبقه العدم لحقه العدم و بعد الاتّفاق من المسلمين تبعا [ص 183] لما دلّ عليه النص المتواتر من الكتاب و السنة و دلّ عليه العقل الصحيح بدليل الحكمة انّ الجنة و نعيمها و اهلها و النار و عذابها و اهلها مخلّدون ابداً لميلحقهم عدم و ليس لهم آخر فبمقتضي حكم القاعدتين انه لميسبقهم عدم و انّما سبقهم وجود و اذا قيل انه سبقهم عدم يراد منه انهم لميكونوا موجودين في رتبة الازل و لان العدم ليس شيئا يتحقق له السبق و انه ليس لهم اوّل يعني اوّلا حادثا لانّ الاولية الحادثة من جملة تلك الحوادث و الاولية الازلية هو ذات الواجب و هو تعالي ليس اوّلاً لشيء و لا اخِراً لشيء و انّما هو سبحانه قبل القبل بلا قبل و بعد البعد بلا بعد فاليه اي الي فعله المنتهي و من فعله المبتدأ و لا غاية لفعله فلايكون مفعوله مغايا ،
فاذا عرفت مرادنا من هذا الكلام كله بان ما سوي الله سبحانه لايتناهي لا في الابتداۤء و لا في الانتهاۤء الّا الي فعله و صنعه عرفتَ انه لا معني لكون ما سوي الله سبحانه متناهياً الّا انه محدث لميكن في الازل ثم اخترعَه و كوّنه في الامكان لا انه منقطع اوّلاً او آخِراً و ليس كلامي هذا قولا بقدم العالم فان لمتفهم منه الا القول بالقدم فاسئل الله ان يصلح وجدانك و عرفتَ وجود اشياۤء غير متناهية في الامكان اوّلا و آخراً الّا انها لمتكن في مقام الاكوان مجتمعة الّا علي سبيل التدريج علي انّي انشاۤء الله تعالي ابيّن لك حقيقة صحة ما يترتب علي القاعدتين من غير لزوم محذور يأتي فيما بعد و امّا في مقام الامكان فكلّها حاصلة فيه اي في الامكان بلا نهاية و هو العمق الاكبر و عرفتَ ان بُطْلَانَ اللّازِم غيرُ مَعْلُومٍ و ان علي تقدير كون الوجود امراً حقيقيا قد يلزم منه حصول اشياۤء لاتتناهي بل تلزم من كلامه الٰاتي في قوله اذا كانت الحدود فيها بالقوّة لميلزم محذورٌ اصلاً اذ وجود تلك الانواع التي هي بازاۤء الحدود او الاقسام وجود بالقوّة لا بالفعل اذِ الكلّ موجود بوجود واحد اتصالي وحدته بالفعل و كثرته بالقوة [ص 184] انتهي ما فرّ منه و اشنع لانه انما الزمهم بها و هم لايدّعون وقوعها دفعة و لعلّهم لو سلّموا الالزام يدّعون حصولها علي جهة التدريج تبعا لتنقّل الذهن في الاعتبار حيث لمينتقل الي جميعها دفعة و لهم ان يقولوا كما ان تحققها فرع علي الاعتبار كذلك يكون بقاۤؤها كذلك فيكون تحقّقها علي نحو التجدد و الدثور فح لا مانع من وقوعها بهذا النحو و امّا هو فقد اثبت تحققَ انواعٍ لاتتناهي بالفعل علي تقدير فرض الوجود متحققا لان قوله اذِ الكل موجود في حصول حصص تلك الانواع الغير المتناهية بالفعل متحققة ثابتة الّا انها لمترتبط بها فصولها فقد حقّق جميع الحصص و ان كانت بوجود واحد مع انه لايرضي بتحقق الحصص و لا جنسها قبل الفصول بل ظاهر كلامه في الكتاب الكبير ان لها في انفسها تحقّقاً ما قبل الفصول و ان توقف تمييزها و حصولها علي الفصول ففي فرض الاعتباري منع من تحقّق انواع لاتتناهَي مع انّه يقول بثبوتها بالتحققي اذا وجدت فصولها او مطلقا فكذلك بالاعتباري اذا اعتبرت فصولها فانه هو وجودها كالتحققي فاذا اعتبرت وجدت خارجاً بالطريق الاولي اذ يمكن في الاعتبار ما لايمكن في التحقق و لايلزم من اعتِبار الاعتباري تحققها الاجتماعي كما لايلزم علي التحقّقي لان الاعتباري علي فرضه لايكون اقوي من التحققي ليلزم منه تحقق ما لايتناهي مجتمعاً بل انّما هو تابع للتحققي او مساوٍ له فبنسبة ما يعتبر التّحققي يعتبر الاعتباري و نحن و ان لمنقل بالاعتباري مع ان الاعتباري عندنا كلّه وجودي الّا انه ظلّيّ انتزاعي من الخارجي كما ذكرنا مراراً نعم قد قلنا ان الذهني الذي في ذهن علّة الموجودات صلي الله عليه و اله و ان كان مما فوقه اُفٖيض عليه لكنه علّة لما تحته بالله سبحانه و ما في ذهنه هي وجوهُ الاشياء الباقية اي وجوهٌ باقية للاشياۤء الهالكة كما اشار اليه سبحانه في مواضع من كتابه [ص 185] قال تعالي كلّ شيء هالك الّا وجهَهُ و قال تعالي قد علمنا ما تنقص الارض منهم و عندنا كتاب حفيظ و قال تعالي حكاية عن موسي عليه السلم و فرعون في سؤاله قال فما بال القرون الاولي قال علمها عند ربّي في كتاب لايضل ربّي و لاينسي و هم عليهم السلم العِنْد و الكتاب فافهم لانا انّما نقول بالتحققي الحادث الخالص لا المطلق المشوب و لا الحق الخالص عز و جل و مع ذلك كله فقوله في هذا الاستشهاد ليس بمستقيم لانه اثبت فيه الكل و الزم القاۤئليْن بالاعتباري بما لايلزمهم و لايضرهم و نحن نقول بان اهل الاعتباري غير معتبرين و لا دليل لهم الّا التخمين و ما هم بمستيقنين و انّما تكلّمنا علي كلام المصنّف لانه يدّعي ان استدلالاته ليست من الابحاث الحكمية و لا من التخيلات الصوفية و الفاظ استدلالاته و نمطُها من تلك الابحاث الحكمية بعينها و معاني كلامه و مقاصده و مراداته من تخيّلات الصّوفية فانّهم لايتجاوزون في تخيّلاتهم ما تخيّل و انّما حذا حذوهم و قال بقولهم بعبارات الحكماۤء و استدلالاتهم علي انّ اهل القول بالاعتباري لايحتاج في ردّ قولهم الي هذه التمحّلات بل يكفي في رد كلامهم ان الاعتباري هو عدم ام ضده فان كان عدماً فكيف يصدر عنه ضدّه و ان كان ضدّ العدم فقد وافقوا فليجيبوا بما شاۤؤا يخصموا .
قال : « فلو كان الوجود امراً عقلِيّاً نِسبيّاً كان تعدّده بتعدّد المعاني المتمايزة المتخالفة الماهيات فيلزم ما ذكرناه نعم اذا كان للوجود وجود واحد و صورة واحدة اتصاليّة كما هو شأن المتّصلات الكميّة القاۤرة او غير القارّة اذا كانت الحدود فيها بالقوة لميلزم محذورٌ اصلاً اذ وجود تلك الانواع التي هي بازاۤء الحدود او الاقسام وجود بالقوة لا بالفعل اذِ الكلّ موجودٌ بوجودٍ واحد اتّصالي وحدته بالفعل و كثرته بالقوة فاذا لميكن للوجود [ص 186] صورة عينيّة كان الخلف لازما و الاشكال قاۤئما » .
اقول : يريد ان الامر العقلي النِسبي ذهني و الذهن محلّ التكثرات لانه محلّ التحليل العقلي و لهذا مع حكمه بالاتّحاد خارجا حكم بالتّغاير ذهنا فيلزم ان كل ما اعتبر ذهناً وُجِدَ خارجاً لانّ الاعتباري به وجودُ ما اعتبر في الخارج فيلزم ما ذكره من وجود الانواع الغير المتناهية خارجاً بقي هنا شيء و هو انه ما المراد بهذا الوجود الاعتباري وَ مَا هُوَ فاِنْ اُرٖيدَ بهٖ اي بكونِهٖ وُجُوداً للخارجي اَنّه بِنفسِهٖ لا باعتبار معتبرٍ و انّما الاعتبار دليل معرفته كان محصّل ذلك انّ الاشياۤء موجودة في الخارج لٰكن لمّا لميكن غير ما يسمي بالوجود موجوداً بنفسه لما علم ان الوجود موجود بنفسه و غيره موجودٌ به و لميعقل شيء غير الموجود وجب فرض شيء وُجِدتْ به الاشياۤء و لمّا كان ما توجد به الاشياۤء يستحق اسم الوجود مراعاةً في التسمية لجهة الاشتقاق سمّي ذلك الامر الفرضي وجوداً و ان لميكن شيئاً متحقّقاً و ان اُرٖيدَ به انه عِبَارةٌ عن اعتبارِ كونها موجودةً كان محصّل ذلك انها بموجوديّتها وُجِدتْ لانّ الموجودية عبارة عن التّأثرِ بتأثير فعلِ اللّهِ تعالي و تلك الموجودية علي قاعدتهم منَ المعقولات الثانوية و ان اريد بهٖ مَا حصَل في الذهن كان المراد منه اِمّا العارض من مفهوم الوجود علي مفهوم الماهيّة و اِمَّا مطلق مفهومه و العارض اِمّا العَرضي و اِمَّا الذَّاتي وَ اِمّا المَعْنَي المصدري ، فعلي ارادة الاول فمع كون الاعتباري امراً وجوديا خارجيّاً لميناف مذهب المصنف الّا في بعض التّعبيرات كقول انّه اعتباري و قولِ انّه تحقّقي و يتّفقانِ في انه غير مكتنهٍ و لا مدركٍ كما تقدّم من قولِ المُصَنّفِ و ماهيته اَخْفَاهَا تصوُّراً و اكْتِناهاً و مع كونهٖ وجوديّا ذهناً ( ذهنيا . خل ) فيأتي في الثالث و مع كونه عدميّا و ان قيل بموجوديّة الاعتِباري و لميرد به الكناية عن اتّحاد الوجود و الموجود [ص 187] يكون بديهي البطلان اذ لاشيء لايُحدِث الشيء و لا يكون علة له و لا من متممات علَلِه ما لميأوّل بعدم المانع و علي ارادة الثاني فمع كون الموجودية متَحقّقة في الخارج يكون المراد بذلك اِمّا ما اراده المصنف و امّا ما اراده اهل الانتساب و امّا ما اراده اهل الهيولي لان القاۤئلين بان الوجود هو الهيولي لهم فيه مذاقات فمنهم من يحصره في المواۤد خاصة و منهم من يفصل و نحن منهم بان نقول الوجود الموصوفي منه الماۤدة و الوجود الصفتي منه الصورة و الشيء هو المركب منهما فالتأثر هو الصفتي و هو القابلية و ما لها من المتممات و المكمّلات من الهندسة الباطنة و الظاهرة كما تقدم و هذا المركب هو الموجود و له اعتبارات ثلاث فباعتبار كونه اثراً نورٌ و وجودٌ و باعتبار انه هو ماهيّة و ظلمة و المعني المصدري صفة ظهوره و هو المعبّر عنه بالكون في الاعيان و هذا المعني يراد منه احد معنيين احدهما الظاهري المعبّر عنه بالفارسيّة بالهست ضد نيست و الثاني المعنوي و هو ما به الكون و هو الشيء بجملته و هنا ( هذا . خل ) الكون و الحصول يراد منه نفس الشيء و مع كونها من المعقولات الثانية فعلي القول بوجودها او بِعَدَميّتها تقدّمت الاشارة اليه و علي انها امر ذهني فهي كساۤئر الامور الذهنيّة و ان اريد به ما حصَل في الذهن و للمبني عليه من الذهني اعتباران : احدهما ان الذهني قسم من الوجود بمعني انه ينقسم في نفسِه الي قسمين و ذلك لانه انقسم باعتبار محلّه لان محاۤل الاكوان باعتبار الحال فيها منها فمنهم مَن قال الذوات محاۤلّها جواهر و الصفات محاۤلّها اعراض و منهم مَن قال الغيب ذاتياتها محاۤلّها جواهر مجرّدة و صفاتياتها محاۤلّها اعراض مجردة و الشهادة ذاتياتها محاۤلّها جسمانِياتٌ و اجسام و صفاتيّاتها محاۤلها غير مجرّدة فما كانَ من الصفات مطلقا من نوع الاشباح الهندسيّة فمحاۤلها الاعراض الصقيلة [ص 188] كالذهن للاشباح المجردة و كالمِرْءاةِ و الماۤء و ما اشبههما من اعراض الاشياۤء المادّية الصقيلة للاشباح الحاۤلّة بالمادّيات كالصورة في المِرْءاة و الماۤء و في الاشياۤء الصّقيلة كالحديد المصقول و غيره و ما من نوع الاشباح الظلّيّة فمحاۤلّها اَعْراض الماۤدِّيّات الكثيفة كالجدار للنور و الهواۤء للكلام فعلي هذا يكون الذهن محلّا للصفات المجرّدة فتكون منتزعة من الخارجي و لمّا كان المحلّ لايصلح للماديات لانه مجرّد كان ما يحلّ فيه و ينتقش من نوعه و ان كان منتزعاً من الاجسام فيتساوي فيه المنتزع من الماديات و المجردات لانه من مَرايا عالم الغيب و انّما خلقه الله تعالي لذلك لان نظام النوع الانساني المدني الطبع الجامع للشؤن المتكثرة المتعددة التي لايفي بها الشخص منهم لنفسه و لا بمثله بل لا بدّ له من مخالطة ابْناۤء النوع طوي الله سبحانه له المتفرقات في استحضارها بوضع مِرْءٰاةٍ عنده تجمع له صفات مطالبه من غير مشقّة السّعي الي استحضارها بانفسها لان ذلك متعسّر او متعذّر و ذلك لان غرضه ليس في نفس اشباحها و صورها ليكون ما حصل له في ذهنه هو مطلوبه فاذا تصوّره تمّ له مطلوبه و انما مطلوبه الامر الخارجي و لذا حكمنا بان جميع ما في اذهاننا ظلّيّة انتِزاعيّة و ثانيهما ان ما حصل في الذهن منه ما هو اصيل و هو حقيقة الشيء الخارجي عندهم و معناه مجرّدا عن العوارض الخارجيّة و لهذا لا فرق بين الوجودين الّا ترتّب الاحكام الخارجيّة و اثار الحقائق المتحقّقة فالخارجي ما تترتَّب عليه الاحكام و الاثار و الذهني ما لاتترتّب عليه و لايراد منهما الّا هذا عندهم و منه ما هو منتزع كما ذكر الاوّلون و المصنف من اَهْل القول الثاني و نحن قاۤئلون بالاوّل فعلي الثاني ان اريد بالوجود الاعتباري العارض للماهية سواۤء كان هو العرضي ام الاصيل فانّما يعرض لها من حيث هي لا من حيث كونها موجودة و لا من حيث [ص 189] كونها معدومة فلايكون مؤثّرا فيها لعدم ترتب اثار الذهني و انما عرض لها لملاحظة تكوّنها به فهي متعلق التكوين به فعرض مفهومه علي مفهومها و المعني المصدري حدث فعلي انما يصدر عن متحقق و لو بالذهني و علي ايِّ فرضٍ اعتُبِر يكون غير مؤثرٍ عند المصنّف و موافقيه و امّا اهل الاعتبار فيصدق الاعتباري عندهم علي ما يظهر من اطلاقهم علي ما سوي المتحقق الخارجي و لا شكّ انّ الاعتبار ( الاعتباري . خل ) و ما يترتّب عليه من الامور الاعتبارية الغير الخارجيّة المتحققة لاتترتّب عليها آثار خارجيّة عند المصنّف و موافقيه و عندنا في اغلب الاحوال بناۤء منّا علٰي انّ ما في الاذهان ظلّيّ انتزاعي غير متأصّل اذ لو فرضنا نحن حصول الاصيل في اذهاننا كما نحكم به علي ما في ذهن علّة الوجود و محل الايجاد حكمنا بحصول اثاره في الخارج بل نقول انّه لا تأثير لغيره الّا به كما اشرنا اليه مراراً في شرح الزّيارة الجامعة و مَنْ قال بتأثير الاعتباري منهم من يري انّ تأثيره ايضا اعتباري لانّه يري ان وجودات جميع ما سوي الله سبحانه اعتباري موهوم لا تحقّق له اصلاً لا خارجاً وَ لا ذهناً و لهذا قال شاعرهم :
كل ما في الكون وهم و خيال او عكوسٌ في المرايا او ظلال
فجعل الحادث و وجوده و ماهيته و جميع شؤنه موهومة و منهم مَن يري انّ تأثيره امر متحقّق في الخارج و علي كل فرضٍ فهو قول باطل امّا علي الرأي الاوّل و هو لاهل التصوف فان ارادوا بالاعتباري في المؤثر و الاثر انّ معناه عدم استقلاله بنفسه و انما الكل في الحقيقة قاۤئم بامر الله سبحانه علي الدوام قيام صدور و نسبة التحقق اليه بالاعتبار مع عدم ملاحظة تقوّمها بامره تعالي فلا استقلال لها و لا شيئيّة بنفسها بحال من الاحوالِ فكلامهم بهذا المعني صحيح و ان ارادوا به عدم تحققها في انفسها في رتبة امكانها فباطل [ص 190] لمخَالفته الوجدان لانه مكابرة لمقتضي العقول و من اثبت تحقُّقَها في الخارج بالاعتباري الغير المتحقّق فباطل لما تقرّر من ان العلة اقوي من المعلول و لايصح العكس لعدم صحة ابتناۤء القوي علي الضّعيف فعلي قولهم من ان الاعتباري عدمي يلزم بناۤء الشيء علي لاشيء و علي قولنا يلزم بناۤء القوي علي الضعيف و كلاهما باطل و لايرد علينا ترتب ما بالفعل علي ما بالقوّة لانّ ما بالفعل انّما ترتب علي ما بالقوّة لان ما بالقوة مترتّب علي ما بالفعل ففي الحقيقة ما بالفعل مترتب علي ما بالفعل و الّا لزم في سلسلة العود اَنْ يَعُودَ ما بالفعْلِ الي ما بالقوّة كما في حال ٱلبَدْءِ و النّزول و انّما لمنوافق المصنف لعدم صحة ابطاله لا تصحيحاً لدعواهم فانّ قوله بلزوم تحقق انواع بلا نهاية غير ملزم لان تحقق الانواع الغير المتناهية انّما يكون علي فرض اعتبار الاعتباري و قد قرّروا انّ الاعتباري ينقطع بانقطاع الاعتبار و التأثير منوط بدوام الاعتباري فافهم فلايلزم من كونه اعتباريّا ما ذكر من تحقق ما لايتناهي لما قلنا من انّه ليس اقوي من التّحققي في التأثير و لان تحققه اي الاعتباري انما هو بالاعتبارِ و هو اي الاعتبار تدريجي فيكون ما يترتب عليه تدريجيّاً و لانه ينقطع بانقطاع الاعتبار كما قالوا مع ان ذلك المحذور لازمٌ علي قول المصنف كما ذكرنا سابقا فقوله « فاذا لميكن للوجود صورة عينية كان الخلف لازما و الاشكال قاۤئما » صحيح لا من حيث كونه مبنيا علي دليله السابق بل من حيث كونه منافيا للوجدان و الاحساس و الضرورة .
قال : « ذكر كلمات في دفع شكوك اوردت علي عينيّة الوجود انّ للمحجوبين عن مشاهدة نور الوجود الفاۤئض علي كل ممكن موجود و الجاحدين لاضواۤء شمس الحقيقة المنبسطة علي كل ماهية امكانيّة حُجُباً وهميّة و حُججاً قويّة كشفناها و ازحنا ظلمتها و فككنا عقدتها و حللنا اشكالها باذن الله [ص 191] الحكيم العليم » .
اقول : اراد ان يذكر بعض حجج النافين لتحقق الوجود في الخارج مثل شيخ الاشراق و غيره القاۤئلين بِاَنَهُ اعتباري و منهم ابوجعفر الطوسي في التجريد حيث قال و الوجود من المحمولات المعقولة ( العقلية . خل ) لامتناع استغناۤئه عن المحل و حصوله فيه و العلامة الحلي رحمه الله في شرح كلام الطوسي هذا قال : اقول الوجود ليس من الامور النسبيّة بل هو من المحمولات العقلية الصرفة و تقريره انه لو كان ثابتا في الاعيان لميخل اما ان يكون نفس الماهيات الصادق عليها او مغايراً لها و القسمان باطلان اما الاول فلما تقدّم من انه زائد علي الماهيّة و مشترك بين المختلفات فلايكون نفسها و امّا الثاني فاِمّا ان يكون جوهراً او عرضا و الاوّل ظاهر و الّا لميكن صفة لغيره و الثاني باطل لان كل عرض فهو حاصل في المحل و حصوله في المحل نوع من الوجود فيكون للوجود وجود هف و يلزم تأخّره عن محلّه و تقدمه عليه هف انتهي ، قال الماتن (ره) : و هو من المعقولات الثانية ، قال العلامة (ره) : اقول الوجود كالشيئيّة من المعقولات الثانية و ليس الوجود ماهيّة خارجة علي ما بيّنّاه بل هو امر عقلي يعرض للماهيات و هو من المعقولات الثانية المستندة الي المعقولات الاولي و ليس في الموجودات شيء هو وجود او شيء بل الموجود اما انسان او حجر او غيرهما ثم تلزم معقولية ذلك ان يكون موجوداً انتهي ، و يأتي بعض ما استدلّ عليه هؤلاۤء مثل شيخ الاشراق و قول صاحب التجريد ان الوجود من المحمولات العقلية لامتناع استغناۤئه عن المحل و حصوله فيه ، يريد به انّ الوجود مفهوم وصْفي و هو المعني المصدري اللاحق للمعقولات الاولي و لهذا قال : و هو من المعقولات الثانية ، و لا ريب انه بهذا المعني يكون [ص 192] عن غيره لا ان غيره يكون به لانّه من الصفات اللاحقة لوجود موصوفاتها و هي كائنة بموصوفاتها او تابعة لها في كونها او مكوّنات بها و الحاصل من هذا المذكور ليس هو الوجود الذي تحققت به الاشياۤء و قول العلّامة في بيانه : لو كان ثابتا في الاعيان لميخل اما ان يكون نفس الماهيات الصادق عليها الخ ، يكون هو نفس الماهيات بنوعيه الموصوفي و الصفتي فهو بنوعيه الموجود و لانسلم كونه زاۤئداً و التركيب انما هو من نوعيه و ليس مغايراً لها الّا مغايرة الاجزاۤء للكل هذا في الظاهر و امّا في نفس الامر فمغايرته لها بلحاظين فبلحاظ كونه اثراً هو وجود و بلحاظ هويّته من حيث هو هو ماهيّة فليس الوجود ما اشاروا اليه لان هذه التّصورات التي استندوا اليها كلها موهومة مأخوذة صناعية من مفاد حمل الالفاظ بعضها علي بعض من غير ملاحظة مطابقتها و عدمها و قوله بعد هذا في المتن : و اذا حكم الذهن علي الامور الخارجيّة بمثلها وجب التطابق في صحيحه و الّا فلا و يكون صحيحه باعتبار مطابقته لما في نفس الامر لامكان تصوّر الكواذب فاعترض عليه العلّامة مشافهة بحصر نفس الامر في الذهني و الخارجي و قد منع منهما هنا فاجاب المراد بنفس الامر هو العقل الفعّال فاعترضه بانه يلزم الحكماۤء القول بانتقاش الصور الكاذبة في العقل الفعّال لانهم استدلّوا علي ثبوته بالفرق بين النسيان و السهو فان السهو زوال الصورة المعقولة عن الجوهر العاقل و ارتسامها في الحافظة لها و النسيان زوالها عنهما معاً و هذا يتأتّي في الصور المحسوسة امّا المعقولة فان سبب النسيان هو زوال الاستعداد بزوال المفيد للعلم في باب التصورات و التصديقات و هاتان الحالتان قد تعرضان في الاحكام الكاذبة فلميأتِ فيه بمُقنعٍ انتهي ، يعني لميأت في هذا الاعتراض بجواب مقنع و ذلك لان جوابه الاول ليس بصحيح و هو تفسير نفس الامر بالعقل الفعّال و الجواب ان العلم لايخرج [ص 193] عن الذهني و الخارجي و انما المراد بنفس الامر ما ثبت حكمه بالدليل من الذهني او الخارجي و هو ما عند الله عز و جل من الحكم التشريعي كما في قوله تعالي فاذ لميأتوا بالشهداۤء فاولۤئك عند اللهِ هم الكاذبون فكذّبهم لمخالفة التشريعي و ان طابق قولهم التكويني و من الحكم التكويني كما في قوله تعالي و الله يشهد ان المنافقين لكاذبون فكذبهم لمخالفة التكويني لبناۤء فطرتهم المبدّلة و المغيّرة علي مخالفة ما استيقنتْها انفسهم و ان طابق قولهم التشريعي فقوله في المتن و يكون صحيحه لمطابقته لما في نفس الامر و قول الشارح تبعا لقوله صريح في بطلان ما ذهَبا اليه و من وافقهما لما قلنا من استنادهم الي تصورات موهومة صناعية مخالفة لما في نفس الامر فقول المصنف « ان للمحجوبين عن مشاهدة نور الوجود ، الي قوله : حجُباً وَهمِيّةً » صحيح و الله سبحانه يهدي من يشاۤء الي صراط مستقيم و قول العلّامة (ره) : و اما الثاني فاما ان يكون جوهراً او عرضا الخ ، فيه انّ الجوهر من الوجود الموصوفي و العرض من الوجود الصّفتي و الموصوف محل الصفة و هي متأخرة عنه و لايلزم ان يكون للوجود وجود جوهره و عرضه اذ لا فرق بينهما .
قال : « سؤال - ان الوجود لو كان حاصلا في الاعيان لكان موجوداً فله ايضا وجود و لوجوده وجود آخر الي غير النهاية » .
اقول : هذا السؤال من شيخ الاشراق و هو استدلال بابطال النقيض .
فاجابه المصنف فقال : « جواب - انه اِن اُرٖيد بالموجود ما يقوم به الوجود فهو ممتنع اذ لا شيء في العالم موجود بهذا المعني لا الماهية و لا الوجود اما الماهية فلما اشرنا اليه من انه لا قيام للوجود بها و امّا الوجود فلامتناع ان يقوم الشيء بنفسِهٖ و اللازمُ باطل فكذا الملزوم » .
اقول : قوله « ما يقوم به الوجود » [ص 194] يريد انه لو كان شيء يقوم به الوجود لزم ان يكون متحقّقاً قبل قيام الوجود و قد تقدم بطلان اللازم فيبطل الملزوم و هذا جارٍ في كلّ شيء امّا الماهية فليست شيئا قبل الوجود و هو قوله فلمٰا اشرنا اليه من انّه لا قيام للوجود بها و امّا الوجود فلو فرض قيامه بنفسه لزم تقدّم نفسه عليه و هو باطل ،
و قوله « و امّا الوجود فلامتناع ان يقوم الشيء بنفسه » فيه ردٌّ لما في السؤال من قوله « فله ايضا وجود و لوجوده وجود » يعني انه قد ثبث فيما سبق ان الوجود بنفسه وجد لا بوجود اخر لانه لا تعدّد فيه فاذا فرض قيام الوجود به فهو فرض لقيامه بنفسه و هو ممتنع و هؤلاۤء يزعمون انّ ما به الانوِجَاد اعتباري فاذا فرض وجود في الخارج و جوّزتموه فلايكون الّا موجوداً بوجودٍ خارجي و هذا الخارجي كالاوّل فيتسلسل و لا كذلك لو كان اعتبارِيّاً فنقول انّ قولكم ان زيداً انما كان موجودا بمعقوليّة وجوده فيه انّ هذه المعقولية تتوقف معقوليّتها علي معقوليّة اخري الي غير النهاية فان كانت المعقولية الاولي معقولة بما هي معقولة لا باخري فالخارجي موجود بما هو موجود علي انّا لانعني بالوجود الحصول المعروف الذي هو الكون في الاعيان كما فهمتم لان المعني المصدري نسبيّ و ان اطلق عليه المصنف بعض عباراته لان الحصول الذي يراد به الشيء غير الحصول الذي يراد به حصول الشيء في كذا او لكذا فالوجود عندنا اذا اطلقنا عليه الحصول نريد به الحصول بالمعني الاوّل الّذي هو الشيء لا الذي هو النسبة و هو بمعني الشيء لايقوم بنفسه و لو فرض فرد من افراده قاۤئم باخر و ان تغايرا لميجز ذلك لان المفروض انه فرد من الوجود فهو جزء او جزئي منه فلايغايرُ حكم كلّه او كليّه فيما هو مقتضي طبيعته و الّا لميكن وجوداً بل يكون ماهية و هو خلاف المفروض ،
و قول المصنف « اذ لا شيء في العالم [ص 195] بهذا المعني موجود » فيه انه لو اريد بالوجود الحصول الّذي هو النسبة و المعني المعبّر عنه بالفارسيّة بهست لميخل شيء من العالم عن متّصفٍ به منسوب به او اليه مع انه كثيراً ما يطلق الوجود الذي هو الحقيقة في كلّ شيء و يريد ان هذا المعني الذي هو الحصول النسبي و المعبّر عنه بالفارسيّة بهست يصدق عليه و عبارات القوم اكثرها علي هذا النّمط و قد صدق في حقهم قول سيد الوصيين اميرالمؤمنين عليه السلم ذهب مَن ذهبَ الي غيرنٰا الي عيونٍ كدرةٍ يُفرغ بعضها في بعضٍ الحديث ، و قد تقدّم فاين هذا المعني من حقيقة الشيء و لكن اكثرهم لايعلمون .
قال : « بل نقول ان اريد بالوجود هذا المعني اي ما يقوم به الوجود نلتزم ان يكون الوجود معدوما بهذا المعني فان الشيء لايقوم بنفسه كما ان البياض ليس بذي بياض انما الذي ذو بياض كالجسم او الماۤدة و كونه معدوما بهذا المعني لايوجب اتّصاف شيءٍ بنقيضه لان نقيض الوجود هو العدم او اللّاوجود لا المعدوم او اللّاموجود و قد اعتبرت في التناقض وحدة الحمل مواطاةً او اشتقاقا » .
اقول : يريد انا نلتزم بطلان التّالي اي لميكن موجوداً بهذا المعني من كونه قاۤئما بالوُجود المستلزم لبطلان المقدّم اي لميكن حاصلاً بهذا المعني في الاعيان و نلتزم انّه معدوم بهذا المعنَي و ذلك لاينافي ما نقول به لانا نقول ان الشيء لايقوم بنفسه كما ان البياض ذو بياض معدوم بهذا المعني لان الموجود ان الجسم ذو بياضٍ و البياض بياض بنفسه ثم استشعر اعتراضاً و هو انكم اذا قلتم بان الوجود بهذا المعني معدوم كان موجباً لاتّصاف الشيء بنقيضه و هو باطل فيلزمكم ان الوجود بهذا المعني موجود و الّا كان متّصِفاً بنقيضه فاجاب بقوله و كونه اي الوجود [ص 196] معدوماً بهذا المعني لايوجب اتصاف الشيء بنقيضه لان الوجود نقيضه العدم او اللّاوجود و امّا المعدوم او اللّاوجود فليس بنقيض للوجود لاشتراط وحدة الحمل فاذا كان احد النقيضين محمولا بالمواطاة يجب ان يكون الاخر بالمواطاة مثل وجود نقيضه عدم و اللّاوجود او بالاشتقاق مثل موجود نقيضه معدوم و اللّاموجود امّا اذا كَان احدهما بالمواطاة مثل وجود وَ الاخر بالاشتقاق مثل معدوم و اللاموجود فانّ الاخر و هو ما بالاشتقاق ليس نقيضاً لما بالمواطاة لانه اي العدم انما هو محمول في ضمن معدوم فاختلفت الوحدة التي هي شرط التناقض بالاِتّحاد و انما التزم بكون الوجود معدوماً بهذا المعني الذي ذكروه مع انّه لا فاۤئدة فيه تنصيصاً علي دعواه و تأكيدا لمقتضي دليله .
قال : « و ان اُريد به المعني البسيط المعبر عنه بالفارسيّة بهست و مرادفاته فهو موجود و موجوديته هو كونه في الاعيان بنفسه و كونه موجودا بنفسه كونه وجوداً لا انّ له امرا زايـٔداً علي ذاته و الذي يكون لغيره منه يكون له في ذاته كما ان الكون في المكان و الزمان لهما بالذات و لغيرهما بواسطتهما و كما في التقدم و التأخر الزمانيين و المكانيين فانهما لاجزاۤئهما بالذات و لغير اجزاۤئهما بواسطتهما و كما في معني الاتصاف فانه ثابت للمقدار التعليمي بالذات و لغيره بسببه و كالمعلوميّة للصورة العلمية بالذات و للامر الخارجي بالعرض » .
اقول : يريد بالمعني البسيط من الوجود الذي يعبّر عن ضده بالفارسية نيست و مرادفاته ما كان بمعناه مثل الحصول و هذا الذي يشير اليه ليس هو الوجود الذي هو حقيقة الاشياۤء عندنا و لا عنده في بعض الاحوال لان عباراته في المراد منه مضطربة جدا فمرّة يفهم من بعضها انه الواجب تعالي [ص 197] و مرّة يفهم منها انه المطلق الصادق علي الواجب و الحادث و تارة يفهم منها ارادة الحادث بخصوصه و تارة يفهم منها ارادة المعني المصدري كما هنا فان قولك ان زيداً هست لمترد بهست حقيقية ( حقيقته . خل ) و انما تريد به حصوله و هو معني مصدري فعلي و ليس مما نعني به من الوجود في شيء نعم عبارات القوم من المشاۤئين و الرواقيين و المتكلمين صريحة في ارادة هذا لكنهم يجعلون الشيء هو الماهية و هذا الوجود عارض عليها و قولهم هذا صحيح لو عرفوا حقيقة المراد منه و انما نقول ان كلامهم باطل لعدم معرفة المراد من ذلك و معرفته كما نريد قد اشرنا اليه سابقا من انا نريد بالوجود هو حقيقة الشيء الفاۤئضة من فعل اللّه سبحانه و هي عندنا هي الماۤدة المطلقة خلقها سبحانه من الامكان الراجح الذي هو محلّ المشيّة الامكانية و متعلقها و من هيئة تلك المشيّة الّتي هي فعله فامكنها بتلك المشيّة الامكانية ثم كوّن الشيء بمشيته التكوّنية من حصّة من تلك الماۤدة المطلقة و من هيئة مشيّته التكوينيّة الخاۤصّة بذلك الشيء و هٰذه الهيئة التي هي صورة الشيء خلِقت من هيئة ماۤدته بهيئة المشيّة الخاۤصّة به فالوجود الذي خلق بنفسه لا بوجود زاۤئد علي نفسه هو حقيقة هذا الشيء المركبة في الاصل من الماۤدة المسمّاة بالوجود الموصوفي و من الصورة المسمّاة بالوجود الصفتي فان تلك الحقيقة خلقت بنفسها لا بحقيقة زاۤئدة علي نفس تلك الحقيقة و هذا الوجود المعبّر عنه بهَسْت عارض علي ذلك الوجود و هو نسبة له خارجيّة و الحصول مثله و هذا غير الحصول الذي هو ذلك الشيء و هو كونه لا كونه في الاعيان كما هو المراد من حصولهم هذا و هو قول المصنف و موجوديته هو كونه في الاعيان بنفسه و هذا معني مصدري فعلي عارض للشيء باعتبارِ حضورهٖ ما بين امثاله بخلاف حصولِنا و كونِنا اذا اطلقنا احدهما نريد به الوجود اي [ص 198] حقيقة الشيء اي الذي به الكون في الاعيان و بيان حصولنا و كونِنا علي جهة الاختصار و الاقتصار مضافا الي ما سبق و هو انه اذا اراد سبحانه ايجاد شيء اوجده اي احدثه و هو اِحْداث وجوده فقال له كن فالامر كن و صورته الكاف و النون اشارة الي الكون بالكاف و الي العين التي تسمّي المَاهيّة بالنون فكما ان الامر الذي هو المؤثر باذن اللّه صورته مركبة من الكاف و النون كذلك الاثر الذي هو حقيقة الشيء مركب من اثر الكاف الذي هو الكون و من اثر النون الذي هو العين و معني قولنا الاثر ان الكاف و النون يشار بهما الي ثلاثة اشياۤء الاول بالكاف الي المشيّة و النون الي الارادة و الثاني بالكاف الي الفعل الذي هو المادة و بالنون الي الانفعال الذي هو القابليّة و الصورة و الثالث بالكاف الي التكوين و التأثير و بالنون الي التكوّن و التأثر فالصادر من فعل الله عند ايجاد الشيء هو الوجود و ليس في الحقيقة شيء غير ماۤدته و صورته علي نحو ما قدّمنا فهما وجوده و هما كونه و هما حصوله و ليس غيرهما شيء الّا المصدري الارتباطي الفعلي لانه في وجوده متوقف علي تحقق الحاصل و الكاۤئن و الحاضر و الحصول و الكون و الحضور العاميّة نسبه المترتبة علي وجوده لا وجوده ،
و قوله « و موجوديّته هو كونه في الاعيان بنفسه » فيه ان الموجوديّة عندهم و عنده من المعقولات الثانية و هي معني اعتباري عدمي عنده فجعلُهَا هي وجوده قول بقولهم الذي نَفاهُ و هو الأن بصددِ نفيه و انّما هي موجودة في الخارجِ عَلي قولِنا لا علي قوله نعم قد يستعملها في المعني التّحققي و يُطْلِقها علي الوجود كما فعل هنا و جعل كونها في الاعيان هو وجودها و قد سمعتَ ان الكون في الاعيان معني مصدَري نسبيّ تابع للوجود زاۤيـٔد عليه ،
و قوله « و الذي يكون لغيره منه يكون له في ذاته » صريح بانّ الوجود شيء غير الماهيّة في الخارج [ص 199] و الذّهن لانّه يقول ان الماهية لا وُجودَ لها مِنْ نفسها بل بالوجود و هو يشعر بكونها به في الخارج فلَا معني للاتّحادِ الذي يدّعيه و الامر كذلك و امّا عندنا فالشيء هو الوجود بلحاظِ انه اثر لفعل الفاعل عز و جل و هو الماهيّة بلحاظ انّه هو و تشبيهه بالمكان و الزمان في قوله كما ان الكون في المكان و الزمان لهما بالذات و لغيرهما بواسطتهما ، يشعر بان الوجود زاۤئد علي الماهية كما يقوله الاكثرون و ان كان هُوَ لَايرتضيه لان الكون للمكان في المكان و الكون للزمان في الزمان هو نفس الكائن لانه كون الشيء في نفسه و هذا ظاهر و امّا كون المكان في الزمان و كون الزمان في المكان و كون غيرهما فيهما فهو زاۤئد علي الكاۤئن بخلاف ما اراد و ذلك علي رأيه و امّا علي رأينا فله عندنا وجه مصحّح و هو ان الكون للشيء كونانِ كون هو وجوده و هو كونه في نفسه بنفسه و له جهتان احديهما يراد بها كونه بنفسه انه اُحدِث و اخترع بنفسه و اقيم بنفسه و هذا وجوده الشامل للوجود الموصوفي المقبول و الصفتي القابل و ثانيتهما كونه الذي هو قابليته و انفعاله و متمّمات ذلك من الكم و الكيف و المكان و الزمان و الجهة و الرتبة و ما يتبع ذلك من الوضع و الاذن و الاجل و الكتاب و غير ذلك من المشخّصات كالاقوال و الاحوال و الاعمال مما بيّنه الشرع الشريف امراً او نهياً و مجموع هذه هو الوجود الصفتي و هو جزء الشيء و هو جهته من نفسه و هو وجه ماهيته و كونٌ هو حصوله في الاعيان اي في شيء او لشيء و هذا المعني نسبي مصدري زاۤئد عَلَي ماهيّته و كذلك الكلام في التقدم و التأخر الزمانيين و المكانيّين فانهما اي التقدم و التأخر لهما حكم الحصول بالنسبة الي الحاصل علي نحو ما تقدم فما كان من مادتهما و صورتهما فذاتي بالنسبة اليهما و ما كان منهما نسبة لاجزاۤء الزمان و المكان و ما كان منهما ايضا لغير اجزاۤء الظرفين [ص 200] بواسطتهما فكله زاۤئد علي الماهية تابع لها مترتّب علي وجُودها اي علي وجود ما كانَا ( كانَ . خل ) نسبة له ،
و قوله « كما في معني الاتصال فانه ثابت للمقدار التّعليمي » الخ ، المراد بالاتصال في المعني كون شيء واحد يقدّر فيه اجزاۤء تشترك في الحدّ في الحقيقة لا خصوص الاصطلاحي الذي هو الجسم التعليمي و هو الشبح بلا ماۤدة جوهريّة فمعني الاتصال بالمعني اللغوي ثابت لنفسه بالذات و لماۤدة الجسم الطبيعي كذلك و بالمعني الاصطلاحي ثابت لنفسه بالذّات و لمادة الجسم الطبيعي بالعرض و التبعية فيكون اتصال اجزاۤئها علي الاصطلاحي انّما هو ظلّه و اثره و ذكر المصنف التعليمي يدل علي خصوص ارادة الاصطلاحي فيلزمه ان ما في الماهية من الوجود كالاتصال الذي في الماۤدة من اتِّصَال التّعليمي فيلزمه علي هذا التمثيل عدم اتّحاد الوجود بحقيقته بالماهية و انّما المتّحد بها خارجا هو ظلّه فان سلّم له الاتّحاد وجب ان يكون المتّحد هو عرض الماهيّة اوْ انّ الماهيّة عارضة علي الوجود عند تحققها بعرضه لئلايكون المعلول اقوي من العلّة و متبوعاً لها فيلزم من عروضها قول الصوفية الذي نفاه سابقا و ان لميسلّم فالحجة ان الخارجي جوهر لا عرض فافهم ،
و قوله « و كالمعلومية » الكلام فيه كالكلام في الموجوديّة و المراد ان كون الصورة العلمية معلومة بنفسها هو كونها علما و اعلم ان الناس اختلفوا في العلم هل هو نفس المعلوم ام غير المعلوم ام بعض منه هو المعلوم و بعض غيره فقال بعض اهل الاشراق ان العلم نفس المعلوم مطلقا اي في الواجب و الحادث و في الغيب و الشهادة و قال المتكلمون و بعض من غيرهم ان العلم غير المعلوم مطلقا خرج منه ما ثبت بالدليل القطعي في علم اللّه تعالي [ص 201] بذاته لعينيّة الصفات و بقي الباقي علي عموم اصل المغايرة و قال جماعة من المشاۤئين و غيرهم بان العلم في الغيب كالصور الذهنية و المعاني العقلية عين المعلوم و الّا لزم التسلسل و في الشهادة غير المعلوم فالعلم بالصورة بالذات للعينيّة و بذي الصورة بالعرض لشهادة الوجدان ان صورة العلم بزيدٍ غير زيد و الحقّ الذي يشهد له العيان و البرهٰان و تجري عليه احكام الايمان هو الاوّل و قد ذكرنا عليه شواهد قطعيّة في شرح رسالة الملا محسن الذي صنّفها لولده علم الهدي في كيفيّة علم الله تعالي و ان اتي فيما بعد ما يقتضي ذلك ذكرنا شيئاً من ذلك انشاۤء الله تعالي و ظاهر كلام المصنف الميل الي الثالث فان قوله « كالمعلوميّة للصور العلمية بالذات و للامر الخارجي بالعرض » فانّ قوله بالذات ان معلوميتها عين علميّتها بالذات كما اذا تصوّرت زيداً فان هذه الصورة هي العلم به و لا ريبَ انها معلومة لك و لاتعلمها بصورةٍ اخري و الّا لزم التسلسل فتعلَمُها بنفسها و كون زيد معلوماً لك بالعرض يعني انّ معلوميّة الصورة حاصلة لك بالذات لان الصورة ثابتة في ذهنِك و معلوميّة زيد حاصلة لك بالعرض اي بواسطة الحاصلة لك و هو الصورة بذاتها و امّا معلومية زيد فبتبَع معلوميّة الصورة لانها هي الملحوظة فمعلومية زيد ماحصلت و لا لُحِظت بالذات بل ثانيا و بالعرض و اعلم ان الصورة التي في ذهنك هي صورة زيد حالة رؤيتك له و هي صورة منفصلة منه و لهذا اذا غاب عنك بقي عندك ما انتزعتَه بمرءاة خيالك من مثال زيد و مدّة غيبية ( غيبته . خل ) عنك فانت لاتعلم شيئا من احواله هل هو ماش ام قاعد ام حي ام ميت و لو كان ما عندك هو الصورة المتّصلة به لكان كلّ ما تغيّر شيء من احواله في غيبته تغيّرت الصورة التي عندك لان العلم مطابق للمعلوم و مقترن به فلمّا لمتتغيّر الصورة التي عندك دلّ علي انها ليست علماً بزيدٍ و انما هي علم بحالة صورته عند رؤيته قبل غيبته و هي [ص 202] صورة منفصلة عنه قاۤئمة بذهنك قيامَ عروضٍ محْفوظة بواسطة مثاله الذي كتبه الملكان الحافظانِ في لوح غيب مكان الرؤية و وقتها فالمثال قاۤئم هناك الي يوم القيمة و هو الشاخص الذي تنطبع صورته في مرءاة خيالك فقول المصنّف « و للامر الخارجي » مبني علي مذاق العواۤمّ لان المعلوم الخارجي هنا هو المثال المذكور القاۤئم بتلك الهيئة في غيب ذلك المكان و ذلك الزمان و لو علمه كما وصفتُ لك لماقال خارجي بل كان يقول هو ذهني و هو عندنا ليس بذهني بل هو خارجي و انّما الذهني ما في ذهنك من شبحه و صورته و اما ذلك المثال ان كان خيراً فهو مكتوب اي منقوش في نفس فلك البروج كلا ان كتاب الابرار لفي عليّين و ماادرٰيك ما عليون كتاب مرقوم يشهده المقربون و ان كان شرّا فهو مكتوب اي منقوش في الصخرة التي تحت الارض السابعة و هي نفس الجهل الاول و هي سجّين كلا ان كتاب الفجّار لفي سجّين و ماادريك ما سجّين كتاب مرقوم ، فاذا قابلتَ بمرءاة نفسك و هي الخيال ذلك الكتاب من اي الكتابين بواسطة رؤيتك لظاهرهما انتقش شَبَحُ ذلك المثال المنفصل من ذات زيد القائم بذينك الغيبين و المنطبع فيك منفصل منه ايضا فالخارجي الذي يعني هو زيد و هو ليس معلوماً لا بالذّات و لا بالعرض لان المعلوم بالذات هو الصورة التي في ذهنك و المعلوم بالعرض هو مثال زيد الذي هو حاله وقت الرؤية و الحضور و هو القاۤئم الَّذي نَقَشه الملكانِ الحافظانِ في غيب مكان الرؤية و وقتِها .