فاذا عرفت هذا فالوضع حيث يعتبر فيه المناسبة لا بد فيه من تصوّر الموضوع له و هذا التصوّر الذهني آلة للوضع لا ان الوضع بازاۤئه و انما الوضع بازاۤء المسميات الخارجية فعلي هذا يكون لزوم الامر الذهني في الوضع لكونه آلةً و كل شيء لاتمكن فيه المناسبة لايصح ان يوضع بازاۤئه اسم غير ذاته لا لفظي و لا معنوي و هو الله وحده سبحانه و تعالي و امّا فعله فله مناسبة من جهة التعلق بالمفعولات فيجوز الوضع بازاۤئه و ما سواه من الوجودات و غيرها فهي متساوية في هذا الحكم سواۤء علم وجه المناسبة كما في بعض المشتقات و اسماۤء الاصوات مثل غاق اسم لصوت الغراب و شٖيبْ اسم لصوت شفَتي الناقة عند شربها الماۤء و كالجولان و الطيَران و النَزَوان و الغَلَيان و ما اشبه ذلك من المعاني التي تكون فيها الحركة و التّقلب يوضع بازاۤئها علي وزن فعلان بفتح العين لاجل مناسبة حركة وسط الاسم لحركة وسط المسمي ام لا كاكثر الاسماۤء خصوصا المرتجلات و الوضعُ لنقيضين لايدفع المناسبة لجواز كون الاسم له مناسبتان من جهتين لانا لانريد بها خصوص المناسبة الشخصية بل و النوعية فقد يكون الضدان بينهما جهة ذات وجهين جامعة بينهما بجهتيها كالنار الحارة اليابسة و الماۤء البارد الرطب بينهما الهواۤء الجامع بينهما بجهتيه فبحرارته يوافق النار و برطوبته يوافق الماۤء فافهم و اقتصر علي التمثيل و بعض البيان و الدليل فانّ هذا ليس مكان تحقيق هذه المسئلة ، فاذا اردتَ بالوضع اللفظي بل و المعنوي للوجود الحق تعالي فهو باطل لان وجوده ذاته و لايمكن الوضع بازاۤئها لامتناع تصوّرها و مناسبة غيرهَا لها و اقتران غيرها بها و عدم حاجتها الي العلامة لانها للتمييز و اذا اردت به ما سوي اللهِ تعالي تساوت الاشياۤء في حكم الوضع [ص 126] فينهدم كل ما اسّسه المصنف و غيره من قواعدهم من جعل الوجود صادقا علي الواجب و الحادث بكلٍّ من الاشتراكين و من تقسيم الاشياۤء الي حقيقي وجودي و اعتباري عدمي و من الوضع بازاۤء المفهومات الكلية الاعتباريّة في شيء و بازاۤء الخارج في اخر و من انّ امكان التعبير عن المسمّي بالاسم و النعت لكون الوضع بازاۤء مفهومه العام و المعني الكلي لعدم امكان الوضع بازاۤء الهويّات و الصور العينيّة و من ثبوت حقاۤئق بعض الاشياۤء في الاذهان و من ان لَيْس كلّ ما في الاذهان انتزاعيا ظلّيّا الّا اذا كان ذو الذهن علة الوجود الذي به قوامُ الخارجي فانه يكون ما في الذهن اصلاً لما في الخارج كما ان قوام الصورة في المرءاة بالشاخص المقابل لها فانها بعدمه تنعدم فاذا كان العلة بعدمه ينعدم الخارجي فالخارجي متقوم بما في ذهن العلة و هذا الحكم مختصّ بخلقٍ هم علةُ وجودِ الخلق ممن سواهم اللهم صل علي محمد الامين و اهل بيته الطَّيبين .

قال : « الثاني ان من البيّنِ الواضح ان المراد بالخارج و الذهن في قولنا هذا موجود في الخارج ( و ذاك موجود في الذهن ليسا من قبيل الظروف و الامكنة و لا المحال بل المعني بكون الشيء في الخارج . خ‌ل ) انّ له وجوداً تترتب عليه اثارُه و احكامه و بكونِه في الذهن انّه بخلاف ذلك فلو لم‌يكن للوجود حقيقة الّا مجرّد تحصيل الماهيّة لم‌يكن فرق بين الذهن و الخارج و هو محال اذِ الماهية قد تكون متحصّلةً ذهنا و ليست بموجودة في الخارج » .

اقول : يريد انّ الذهن قد تحصل فيه الماهية بحقيقتها مجرّدة عن العوارض الخارجية كما هو مذهب كثيرين و منهم المصنّف من حصول الاشياۤء بحقاۤئقها في الذهن و قد توجد في الخارج الّا انّها اذا لوحظ امر منضم اليها في الخارج [ص 127] ترتبت عليها اثاره و احكامه و اذا لم‌يضم اليها ذلك الامر الخارجي لم‌يترتب عليها شيء منها و ذلك الامر هو الوجود و لولاه لم‌يحصل فرق بين الذهن و الخارج بالنسبة اليها فالخارجي ما ترتبت عليه الاحكام و الذهني ما لم‌يترتب عليه شيء لانا لانريد منهما مجرد انّهما ظرفانِ ليكون التسمية باعتبار المكانين فنقول هذا موجود في الذهن اي في هذا المكان المخصوص و ذلك موجود في الخارج اي في هذا المكان المعيّن و انّما التسمية بالذهني لعدم ترتب الاثار و الاحكام و بالخارجي لترتّبهما فاذا كانت الماهيّة توجد فيهما فما الفرق الّا بترتب الاثار الّا انّ وجودها في الذهن مجرّدة فلم‌يترتب عليها شيء و في الخارج بالوجود وجدت فترتّب عليها الاثار فثبت ان الوجود ما به التحقق في الخارج فيكون اولي بالتحقق خارجاً ممّا سواه ، و اعلم انّ هذه التقريرات مبنية علي قواعدهم و اكثرها لايصح علي المذهب الحق كما اشرنا اليه سابقا و لكني اقول لك انه لا شكّ في تحقق الوجود خارجاً و هو بديهي و انّما الكلام في هذه الاستدلالات و القواعد فان كون الماهيّة توجد بمعناها الجوهري و ان كان مجرّدا عن العوارض الخارجيّة باطل مع ان العوارض الخارجية هي المنوِّعات و المشخصات و الشيء الموجود المتحقق انما هو وجود تشخَّص بمشخّصات فاذا وجد الشيء بحقيقته في الذهن مجردا عن تلك العوارض كان الوجود هو الموجود في الذهن بحقيقته و كون المراد بالماهية الحاصلة في الذهن انما هي العاۤمّة لاينافي كون ذلك هو حقيقة الوجود علي هذا لان حقيقة الوجود مطلقة فهي كلية عاۤمّة باطلاقها و انّما تشخّصت بالمشخصات او المنوعات لان القاۤئل بهذا لايفرق بين حقيقة الماهية في الوجودين اِلَّا بالْعَوارِضِ الَّتي عَلَي حصولها تترتّب الاثار و نحن علي ظاهر قولنا لايحصل في الذهن اِلّا شَبَحُها [ص 128] الظلّي مع انه لا شك انه تترتّب عليه اثارٌ بنسبته لان للذهن عوارض بها يتنوع الذهني و يتشخّص كما للخارج عوارض بها يتنوّع و يتشخّص و تترتب علي كلٍّ آثاره بنسبته فليست الاشياۤء بحقاۤئقها في الذهن و ليس الفارق بينهما حصول الاثار لانكم لاتريدون ان الخارجي بعوارضه تترتب عليه الاثار الذهنية كما لاتريدون ان الذهني بعوارضه الذهنية تترتب عليه الاثار الخارجيّة بل تترتب اثار الخارجيّة في الخارج فكذا الذهنية و لو قلتم ليس في الذهني عوارض قيل لكم فاذاً لاتعلمون العوارض الخارجيّة اذ لاتعلم الّا بصورها الذهنية الّتي هي العوارض الذهنية ،

ثم علي فرض ان الماهية ليست هي رتبة ثانية للوجود كما تقولون فما المانع ان تكون بنفسها هي منشأ الاثار و لاسيّما اذا قلنا بان تلك العوارض انما هي حدودها و متمّماتها مع ما قد ثبت من ان الاحكام تابعة للصورة لا للماۤدّة عقلا و نقلا و من ان الوجود هو الهيولي و ان حصة الوجود في الشيء المتشخص هو الماۤدّة و ان صورته هي الماهيّة الاولي التي هي القابليّة و ان الماهيّة الثانية التي تعنون مركّبة منها و من الماۤدة و ان الاحكام اللّاحقة لها ناشية عن الاولي و كل ذلك ثابت بالنقل عن معاني كلمات ائمة الهدي عليهم السلم و بالعقل بل بالفؤاد الذي هو المدرك بدليل الحكمة و كون الاثار موجودة لاتصدر عن الماهيّة لانها هي المفهوم الاعتباري الغير المتحقق مردود بان هذا مصادرة فانّا لانسلم ان الاعتباري عدم علي انكم اثبتم الحقيقة في الذهن كما هي في الخارج الا انها في الذهن مجرّدة عن العوارض الخارجيّة و يلزمكم انّها وجود بدون العوارض لان العوارض ليست جزءاً لحقيقتها و انّما لحقتها بعد ثبوتها فان كانت ثابتة بنفسها قبل العوارض فهي وجود و ان كانت ثابتة بالوجود فهو لم‌يُستثنَ تجرّدها منه فتصحبه في الذهن و ان جرّدتموها [ص 129] منه لم‌تكن شيئا و لا حقيقة لها فما معني قولكم فيما قبل ان تصوّر الشيء حصول معناه في الذهن و قولكم انّ الاشياۤء بحقاۤئقها في الذهن و قولكم مرة توجد بحقيقتها في الذهن لقولكم حصول معناه في الذهن و مرّة توجد بوجود انتزاعي و قد تقدم النص عن المصنف في الكتاب الكبير بان جميع المفهومات موجودة في الذهن و انّ وجودَها ذلك هو حظّها من حقيقة الوجود و لا شك في ان كلّ شيء يظهر في الكون بقدر ما قَبِلَ من الوجود علي حدّ تأويل قوله تعالي انزل من السماۤء ماۤءً فسالت اوديةٌ بقدرِها ، و كون ما في الخارج اقوي ممّا في الذهن لايكون سبباً للاختصاص بترتّب الاثار و ليس انّما لم‌تؤثر ماهيّة النار الاحراق في الذهن لعدم القابليّة لتجرّده لانّ المجرّد يؤثر في المجرّد و لو كان ما في ٱلذهن من النّار حقيقتها المجرّدة لاثّرت في الذهن كما يؤثّر بعض المجرّدات في بعضٍ و لو كَانت الجسمانية التي هي الحرارة و اليبوسة ٱلجوهرين لم‌تؤثر في الذهن لتجرّده الّا انّ كون الاجسام في المجردات مما لايتصوّر و لايحتمله من له ادني فهمٍ او وجدان بل انّما لم‌تؤثر لان الموجود منها في الذهن انّما هو الصورة المنتزعة من الموجود منها في الخارج انتزاعاً ظِلّيّاً علي اي طورٍ كان الانتزاع و كأنّ الفرق بين الوجودين عندهم المحصور في ترتّب الاثار و عدمه مبني عَلي كونِ ما في الذهني اعتباريّاً عدمِيّاً و لايجري علي صحة نقل حقيقة الشيء الي الذِّهن لان الشيء عند العُرَفاۤء ما له التحقق و علي هذا لو ثبت كان وجودها الذّهني متوقّفاً علي اعتبار عوارض ذهنيّة كما قلنا قبْل كَما انّ الخارجي الذي هو اقوي يتوقف عَلَي لحوق العوارض الخارجية له في ظهوره و فيما عنه و له من الاثار و الاحكام و كما تختلف احواله بعدم لحوقها كذلك ما في الذهن فلا بد له من لحوق عوارض ذهنية به تكون مع انضمامها منشأ للاثار و الاحكام [ص 130] الذهنيّة ، و ان قلت في الخارجي انّما منشأ الاثار ما به التحقق و هو الوجود و ان كان بسبب لحوقها قلنا كذلك فان منشأ الاثار في الذهني ما به تحقّقه و هو الوجود الذّهني و ان كان بسبب لُحوقِ عَوارضه و لعلك تقول اي اثر و ايّ حكمٍ للذِّهني تترتّب عليه و علي عوارضه بل اي شيء تكون عوارضه فانا نقول ان سرّ العلوم و معرفة الكون في العلم و معرفة المنزلة بين المنزلتين و ادلّة تلك المعارف بل معرفة وضع الاسماۤء بازاۤء مسمّياتها و نشو الصفات عن موصوفها ( موصوفاتها . خ‌ل ) و ربط اللوازم بملزوماتها و غير ذلك من مثل الكليات الطبيعيّة و المنطقية و العقلية و احكام العموم و الخصوص و غيرها منشاؤها تلك الامور الذهنية ممّا به التّحقق و معه التحقق و له التحقق كل شيء بنسبته سواۤء قيل بكونها اعتباريّة ام وجوديّة ،

و قول المصنّف « اذ الماهيّة قد تكون متحصّلة ذهْناً و ليست بموجودةٍ في الخارج » مبني علي ما اَصّلُوهُ و امّا علي طريقة ائمّتنا عليهم السلم فكلامه لايتم بل التام المقبول عندهم صلّي الله عليهم ما معناه ان الماهيّة لاتتحصّل في الذّهن الّا منتزعة ممّا في الخارج الّا ما كان في ذهن علّة الايجاد في الفاعلية و المادّية و الصورية و الغاۤئية صلّي اللّه علي محمّد و اله الطيبين فانه لو فرض ذهاب ما في اذهابهم ( اذهانهم . خ‌ل ) عليهم السلام عليهم و لهم من كل ما يكرهون لم‌يوجد في الكون شيء اذ ما هم عليهم السلام الّا كشعلة السّراج و ساۤئر الخلاۤئق كالاشعة و اما ما في اذهان ما سواهم فهو ظلّ للخارجي بل قد تتحصل اشياۤء في الخارج لم‌تحصل في الذهن لان وجود الظل مسبوق بوجود ذي الظلّ .

قال : « الثالث انه لو كانت موجوديّة الاشياۤء بنفس ماهيّاتها لا بامر اخر لامتنع حمل بعضها علي بعض و الحكم بشيء منها علي شيء كقولنا زيد انسان و الانسان ماشٍ اذ مفاد الحمل و مصداقه هو الاتّحاد بين المفهومين [ص 131] المتغايرين في الوجود و كذا الحكم بشيء علي شيء عبارة عن اتحادِهما وجوداً و تغايرهما مفهوماً و ماهية و ما به التغاير غير ما به الاتّحاد » .

اقول : هذا الاستشهاد الثالث علي ثبوت حقيقة الوجود و تقريره علي ما يريد في الحمل المتعارف الشايع بين اهل العرف لان مقتضاه الاتحاد بين المحمول و الموضوع مع تغاير مفهوميهما كما مثّل به فقال « كقولنا زيد انسان » فلو كان زيد موجوداً و متحقّقا بنفس ماهيّته في الخارج و انسان كذلك كان مقتضي ذلك المغايرة اذ لا رابطة بينهما فلايكون زيد هو الانسان فتكذب القضيّة مع الاتّفاق علي صدقها في الخارج و ليس الّا لانّ ما به زيد زيد عين ما به انسان انسان و لايكون في المتغايرين فثبت انه شيء واحد و هو الوجود و ان كانا من حيث المفهوم الذهني متغايرين كما هو حكم الحمل المتعارف و لو كان ليس بينهما رابط جامع و حقيقة جامعة لكان قولك زيد انسان بمعني قولك زيد غيره اي غير زيد فيبطل الحمل و مثّل المصنّف بمثالين لحكمين حمل شيء علي اخر كزيد انسان و الحكم بشيء علي شيء كالانسان ماشٍ و هو قوله اِذْ مفاد الحمل و مصداقُه هو الاتّحاد بين المفهومين المُتَغايرَيْنِ و ان كان عرضيّا كماشٍ بالنسبة الي الانسان و مراده ان الحمل المتعارف تحققه مشروط بهذين الشرطين اي الاتحاد في الخارج و التّغاير في المفْهُوم ،

و قوله « و ما به المغايرة » يعني الماهية « غير ما به الاتحاد » يعني الوجود ، فلولا الوجود لامتنع الحمل بالحمل المتعَارف لاَنَّ الموضوع و المحمول كلّ منهما مركب من وجودٍ و ماهيّة و التغاير بالماهية لان التمايز انّما يتحقّق بها فينحصر الحمل في الاوَّلي الذَّاتٖي الّذي يتّحد فيه الموضوع و المحْمُول بحسب الخارج و الذهن و التغاير المعتبر في الحمل المُتعَارف يَصْدق بدلالة اختلاف اللفظين او بالتقدير مثل قولك زيدٌ زيدٌ فان المعني المقدّر [ص 132] للمغايرة هو قولك زيد المذكور زيد المعلوم او بالعكس كقولك زيد المعلوم زيد المذكور هذا مفاد كلامه و هو علي ما هو معروف بينهم صحيح و لكن لقائل اَنْ يقول من اين يلزم من كون موجودية الاشياۤء نفس ماهيّتها امتناع الحمل الشاۤيـٔع فما المانع من ان تكون ماهيّات الاشياۤء موجودة بنفسها و يحمل بعضها علي بعض و يحصل الشرطان كما تقولون في الوجود بان الماهيات مجهولة الاسامي و شرحها انها ماهية كذا و ماهية كذا فيتحدان باعتبار نفس الماهية و حقيقتها و يتغايران في الذهن باعتبار ماهيّة كذا فالاتّحاد باعتبار نفس الماهيّة و حقيقتها و يتغايران باعتبار ما ينسب اليهما فلايلزم بهذا امتناع الحمل فلايلزم وجود الوجود .

قال : « و الي هذا يرجع ما قيل ان الحمل يقتضي الاتحاد في الخارج و المغايرة في الذهن فلو لم‌يكن الوجود شيئا غير الماهيّة لم‌تكن جهة الاتحاد مغايرة لجهة المغايرة و اللازم باطل كما مر و الملزوم مثله ، بيان الملازمة ان صحة الحمل مبناه علي وحدة و مغايرة ما اذ لو كان هناك وحدة محضةٌ لم‌يكن حمل و لو كان كثرة محضة لم‌يكن حمل فلو كان الوجود امراً انتزاعيا تكون وحدته و تعدّده تابعين لوحدة ما اضيف اليه و تعدّده من المعاني و الماهيات و اذا كان كذلك لم‌يتحقق حمل متعارف بين الاشياۤء سوي الحمل الذاتي و كان الحمل منحصراً في الحمل الذاتي الذي مبناه الاتحاد بحسب المعني » .

اقول : هذا الكلام معناه ما تقدّم قبله و متفرع عليه و تكرير له و قوله « فلو لم‌يكن الوجود شيئا غير الماهيّة لم‌تكن جهة الاتحاد مغايرةً لجهة المغايرة » قد قلنا لو قال قاۤئل انه لم‌يكن الوجود موجوداً و انما ماهيات الاشياۤء وجدت بنفسها و هي حقيقة واحدة قد وضع الاسم لها و ماهيات الاشياۤء [ص 133] مجهولة الاسامي شرحها ان يقال ماهية زيد و ماهية الفرس الي اخر ما احتج به في الوجود حصل الاتحاد بين الماهية التي ( هي . خ‌ل ) موضوع و التي هي محمول و المغايرة بينهما في الذهن بما هو شرح اساميها بما تضاف اليه كما قيل في الوجود فلايلزم شيء مما ذكر علي تقدير عدم الوجود فتدبر .

قال : « الرابع لو لم‌يكن الوجود موجوداً لم‌يكن شيء من الاشياۤء و بطلان التّالي يوجب بطلان المقدّم بيان الملازمة ان الماهية اذا اعتبرت بذاتها مجرّدة عن الوجود فهي معدومة و كذلك اذا اعتبرت بذاتها مع قطع النظر عن الوجود و العدم فهي بذلك الاعتبار لا موجودة و لا معدومة فلو لم‌يكن الوجود موجوداً في ذاته لم‌يكن ثبوت احدهما للاخر فان ثبوت شيء لشيء او انضمامه اليه او اعتباره معه متفرع علي ثبوت المثبت له او مستلزم لوجوده فاذا لم‌يكن الوجود في ذاته موجودا و لا الماهيّة في ذاتها موجودة فكيف يتحقق هناك موجود فلاتكون الماهية موجودةً » .

اقول : هذا هو الاستشهاد الرابع علي كون الوجود موجوداً و حاصله هو عنوانه ان الوجود لو لم‌يكن موجودا لم‌يوجد شيء من الاشياۤء و لا ريب في وجود الاشياۤء فيلزم ثبوت الوجود و قوله « و بطلان التّالي يوجب بطلان المقدم » فيه انه انما يوجبه مع التلازم بينهما و المانع للدليل يمنع الملازمة لجواز ان تكون الاشياۤء موجودة بانفسها لا بشيء اخر و اذا قطعنا النظر عن الاصطلاح حقّقنا هذه الدعوي لانا نقول انت تريد بالوجود للشيء نفس ماۤدّته او ما به الماۤدة فان اردتَ به نفس الماۤدة ارتفع النزاع و ان اردت به ما به الماۤدة فنقول تريد بما به المادة شيئا مفارقاً للشيء بمعني انه ليس من حقيقته و انما هو شيء تقوَّمَ به الشيء تقوُّمَ صُدُورٍ و تعني به الفعل كحركة يد الكاتب لم‌تتقوّم الكتابة بها الّا تقوّم الصدور و الّا فالكتابة انما تقوّمت [ص 134] بالمداد و الصورة و لم‌تتقوم بها تقوُّمَ رُكنٍ فان اردتَ هذا ارتفع النزاع و ان اَردْتَ بالوجود ما به يتقوّم الشيء تقوّم ركن او تقوُّمَ كلٍّ و لا ماۤدة و لا صورة و انّما هما عرضيان فدون ذلك خرط القتادِ لانّ زيداً حيوان ناطق و الفرس حيوانٌ صَاهِلٌ فحيوان مادة و الناطق صورة نوعيّة و الصاهل صورة نوعيّة و زيد مركب من حصة من الحيوان و هي مادة حقيقته و من حصّة من الناطق و هي صورتها فحقيقته مركّبة منهما لا غير و ليس شيء من حقيقته غيرهما اتِّفاقاً فاين الوجود يا قاۤئلين بِاَنّه حقيقةُ كلِّ شيء الّا اَن تقولُوا هُوَ الماۤدّة وَ ٱلصُّورة و لانَعْني بحقيقتِهٖ و ماهيّته الّا مَا بهِ التّحقق و في الحقيقة مع قطع النظر عن الاصطلاحات ليس حقيقة الشيء و ماهيته و كنهه و هُوِيَّتُه الّا شيئاً وَاحِداً و هذِهٖ كلّها تَصْدُقُ عَلَي شيء وَاحِدٍ وَ هُوَ مجموع ٱلمركّب منهما اي من الماۤدة و الصُّورة صدقاً بالمطابقة و يصلح الجواب بذلك عن السؤال بما هو علي جهة الحقيقة فان ادّعيتم انّ شيئا من حقيقة زيد غيرهما فعلي المدّعي البيان علي جهة العيان كما قلنا لكم لا بمفاهيم العبارات و القضايا التي اذا تحقّقها العاقلُ لم‌يجد الّا شعريات و تخيّلات منتزعة من دلالات الالفاظ علي حسب الافهام الاكتسابيّة التي تخالف مقتضي ٱلفطرة اذ لو كان حبسَ فهمه علي مقتضي الفطرة لماقال انّ حقيقة زيد هو الوجود و هو غير المادة و الصورة مع انه يقول ان حدّ زيد الحقيقي حيوان ناطق فافهم ،

و قول المصنف في بيان الملازمة في دليله « ان الماهية اذا اعتبرت بذاتها مجردة عن الوجود فهي معدومة » صحيح اذا اراد بالوجود ثبوتها و تحققها فانه بهذا ٱلمعني صحيح و كذا لو اراد به المادة لان المعدوم معدوم و ان اراد انه شيء اخر حقيقة مستقِلّة سواء اتّحدت به ام استندت اليه مغاير لها [ص 135] في الحقيقة فلِقاۤئلٍ اَنْ يقول مَا هو قل سمّوهم فما المانع من كونها موجودةً بنفسها كما قلتم في الوُجود علي انّ قوله و كذا اذَا اعتبرتْ بِذاتها مع قطع النظر عن الوجود و العدم يشعر بان الوجود يراد به المعني المصدري فانه بمعني لا موجودة و لا معدومة و لا شك ان كل شيء لا موجود و لا معدوم فانه لا موجود و لا معدوم فان المراد به المعني المصدري ،

و قوله « فلو لم‌يكن الوجود موجوداً في ذاته لم‌يكن ثبوت احدهما للٰاخر » كالاول فانه اذا كانا موجودين بانفسهما ثبت احدهما للٰاخر ،

و قوله « فاذا لم‌يكن الوجود في ذاته » الخ ، جوابه اذا قلنا بانّ مَاهية الشيء اذا وُجِدَتْ بنفسِهَا تحقّق ذلك الشيء الموجود ، و الحاصل ان صحة كلامه في هذا الاستشهاد مبنيّة علي كون المراد من الوجود المعني المصدري او الماۤدة و ان اراد غيرهما لم‌يصح منه شيء و المعروف من مذاهبهم انّ الوجود غير الماۤدة و هو و اتباعه يريدون به غير الماۤدة و غير المعني المصدري .

قال : « و كلّ مَن راجع وجدانه يعلم يقينا انه اذا لم‌تكن الماهية متّحدة بالوجود كما هو عندنا و لا معروضة كما اشتهر بين المشاۤئين و لا عارضة كما عليه طاۤيـٔفة من الصوفيّة فلم‌يصح كونها موجودة بوجهٍ فان انضمام معدوم بمعدوم غير معقول و ايضا انضمام مفهوم بمفهوم من غير وجود احدهما او عروضه للاخر او وجودهما او عروضهما لثالثٍ غير صحيح اصلا فان العقل يحكم بامتناع ذلك » .

اقول : ان الاتّحاد قد يطلق و يراد ( به . خ‌ل ) شيء واحد اختلف اسماه او مفهوماه او شيء صار شيئا اخر او شيئان صارا شيئاً وَاحِداً اما بالمزاج او الانقلاب او كون الشيئين شيئا واحداً موجوداً من غير زيادة و لا نقص و لا انقلاب هذا الاتحاد الذاتي و الصفاتي الاتحاد في الصفات بين شيئين فالاوّل [ص 136] كالمترادف كاَسد و سبع و المراد هو المعني الواحد و الثاني كما في الصفات الثبوتية و الثالث بالانقلاب كالماۤء يصير هواۤء و الرابع كغذاء الشجر من الماۤء و التراب و الخامس كالعناكب في بيت الزنبور تنقلبُ زنبوراً و السادس ان يكون شيئان شيئا واحداً من غير مزاج و لا امتزاج و لا انقلاب في شيء منهما و لا زيادة و لا نقصان و احال هذا الاكثرون و ما ذكره المصنف في اتّحاد الماهية بالوجود ان كان من الاول اتّحد المفهوم و من الثاني يتعدّد المفهوم و من الثالث يتّحد المفهوم مع ملاحظة الاتحاد و يتعدد بالتحليل و كذا من الرابع و الخامس و في هذه الخمسة يكون بازاۤء المفهوم تَعدَّدَ اوِ اتّحَد اَمْرٌ متحقّق خارجي في الماضي او الحال و لا كذلك الوجود و الماهيّة عنده و الّا لتساويا و اما السادس فمن احاله استراح و من جوّزه قال كما نقل عن الحسين بن منصور الحلّاج سبحاني ما اعظم شأني و المصنف في التوحيد لايثبت اثنين شيئا واحداً انّما يثبت واحداً يسمّي باسمين باعتبارين و هذا الاتحاد بين الوجود و الماهيّة عنده بهذا المعني و يلزمه المفهومان امّا مفهوم الوجود الكلي بازاۤء فرد خارج فقاۤئلٌ به و محتجّ به كما تقدّم و امّا مفهوم الماهيّة فهو يقول الموجود الخارجي هو الوجود لا غير و يلزمه انه ليس بموجود في الخارجِ و انّما هو مفهوم و المفهوم امر اعتباري عدمي و كلامه في التحقّق و عدمه فرع عليه ، هذا كلامنا لمّا راجعنا وجداننا و اذا تكلّمنا علي عبارته فمفادُها ان الوجود في الخارج هو ٱلماهية و الماهية هي الوجود الّا ان الموجود يقال له الوجود لما تقدّم من قوله ان الماهيّة تصدق عليه في الخارج و لايقال له الماهية لانه لايصدق عليها لا خارجاً و لا ذهناً لحكمه بالمغايرة ذهناً و هذا طريق معروف عند اهل التصوف و لقد قال عبدالكريم الجيلاني في كتابه الانسان الكامل في هذا المعني :

[ص 137]

صحّ عندي انّها عدمُ مذ غدَتْ بالوجود مُشتهِرَه

قد يراها الخيالُ مِن بُعُدٍ قُدِّرَتْ في الخيال مقتدِره

لم‌تكن غير حائطٍ نُصِبَتْ لك فيها الكُنوز مُدّخَرَه

انا ذاك الجدار و هيَ لهُ كنزهُ المختفِي لاختفِره

فاتّخِذْها تصَوُّراً شبَحاً و هي رُوحٌ لَها لِتَعْتَبِرَه

اكمل الله حُسنَها فغدَتْ بجمال الاِلٰه منتَشِره

لم‌تكن في سواه قاۤئمة فافهم الامر كي تَري صوره

و هو يشير الي الماهية التي هي الغير و لهذا قال بعض محقّقيهم : و الماهية هي المسمّاة عندنا بالعين الثابتة اذا اعتبر ثبوتها في العلم الازلي و بالحقيقة عند اشراق نور الوجود عليها و ظهور صورته فيها و قد تطلق الحقيقة علي الماهية مطلقا مجازاً و قول العامة ماهيّة الشيء ما به هو هو لايصح عندنا علي ارادة ما يحقّقهُ في نفسه بل هي نوعيّة و الشيء ما له التحقق انتهي ، و قد قال هذا قبل هذا الكلام : و ما به التحقّق و هو الوجود عندنا بالحقيقة و ان اطلقناه علي الغير مجازاً و هو واحد بالذاتِ و الشّخص و ما يقبل التحقق و هو الماهيّة و هي واحدة بهذا المفهوم مختلفةٌ باختلاف ما صدق عليه هذا المفهوم انتهي ، الّا ان هذا يخالف بظاهر كلامه المصنف في قوله : و بالحقيقة عند اشراق نور الوجود عليها ، و في قوله : و ظهور صورته فيها ، و في قوله : و ما يقبل التحقق و هو الماهيّة ، و يوافقه و يخالفه معاً في قوله : مختلفة باختلاف ما صدق عليه هذا المفهوم و ان كانا في الارادة متّفقين يسقي بماۤء واحدٍ ،

و قوله « و لا معروضة كما اشتهر بين المشّاۤئين » و كذلك المتكلمون لارادتهم من الوجود في الحقيقة المعني المصدري و ان الشيء هو الماۤهيّة و ان اختلفوا فيها هل هي مجعولة ام لا ام ثابتة قبله ،

و قوله « و لا [ص 138] عارضة له كما عليه طاۤئفة من الصوفية » لان منهم من يقول بالاتحاد كما يقول المصنف و منهم من يقول بان الشيء هو الوجود و هُو ذات الله تعالي او فعله علي خلاف بينهم و الماهية عارضة له لانها حدود مراتبه كالمقسّمات او المشخصات و المعينات متحققة بتحققه او موهومة فان هذين الوجهين و ان لم‌يرتضهما الّا انهم وافقوه علي عدم تحققها بنفسها و هو يقول اذا كانت ليست موجودة الّا بالوجود علي الاراۤء الثلاثة فلو لم‌يكن الوجود موجودا لم‌يُوجد شيء لان الامر داۤئر بينهما امتنع وجود الاشياۤء من قبلها لا للاشياۤء و لا لها تعيّن كون الوجود موجوداً و قد سمعتَ مراراً ان هذه الادلّة مبنيّة علي المصادرة لانه ان اراد به الوجود الحق تعالي صح بلا كلام و ان اراد به المخلوق علي نحو ما ذكرنا مراراً من انه هو المادة و الصورة اتّحد مع الماهيّة و تعدّد المفْهوم في التحليل الذهني و ان اراد بهذا المخلوق المعني المصدري ارتفع النزاع ، فان قلت يعني بالوجود امر اللّه الذي به قوام الاشياۤء كما قال سبحانه و من اياته ان تقوم السماۤء و الارض بامره و قال الصادق عليه السلم في الدعاۤءِ كل شيء سواك قام بامرك ، و لا ريب ان ذلك امّا الفعل او الوجود و لا جاۤئز ان يكون الفعل كما ● قرّرتَ لان الاشياۤء تتركّب منه و لايكون هو الاشياۤء كما هو رأي ضرار و اصحابه الذين زعموا ان ارادة الله تأكل و تشرب و تنكح و تحيي و تموت فلم‌يبق الّا ان تقوّم الاشياۤء به تقوُّم صدورٍ و ليس بمراد المصنف فلم‌يبق الّا الوجود و هو ذات لا عرض علي ما تعترف به انت قلتُ انا معترف بان امر الله الّذي به قام كلّ شيء قيام الركنية هو الوجود و لكن ليس مرادي منه و من قيام الاشياۤء به حيث تذهب لاني قد اشرتُ سابقا الي مرادي و الأن اشير اليه لئلّايلتبس الحق بالباطل [ص 139] فاقول اعلم ان اوّل ما صدر عن فعل الله سبحانه الراجح هو الامكان لانه عز و جل كان و لا شيء معه و كان عالما و لا معلوم و قادراً و لا مقدور و سميعا و لا مسموع و بصيراً و لا مبصر و ذاكراً و لا مذكور فاحدث الفعل بنفسه و لايتقوّم الّا بمتعلق فالفعل و متعلقه اوّل الامكان و لا اوّل له محدث غير ذاته فكوّن تعالي من نفس ذات فعله الامكانات لجميع الاشياۤء لكل جزئي امكان كلّي اضافي لايتناهَي و هذا هو العلم بالاشياۤء السابق ( علي . خ‌ل ) المشيّة اي المشيّة الكونية و هو العلم الذي لايحيطون بشيء منه الّا بما شاۤء منه بالمشيّة الكونية ثم شاۤء بمشيّته الكونيّة تكوين ما شاۤء ممّا شاۤء امكانه فاوّل كاۤئن عن فعله التكويني هذا الوجود و هو الماۤء و هو نۤ و القلم و ما يسطرون و هو الحقيقة المحمديّة فقسمه بقاسم محبّته اربعة‌عشر جزءاً بجهات قابليّته ثم خلق من صفته وجوداً دون ذلك كما خلق من صفة جرم الشمس نوراً اشرق علي ٱلقوابل للنور و هي الكثيفة كالارض و ما عليها و الكواكب و هذا نور اشتُقّ من صفة النور الاصلي فخلق منه الانوار الاربعة العالين الذين لم‌يسجدوا لادم عليه السلم ثم خلق من شعاعها انوار الملاۤئكة الكروبيّين المسمين بملاۤئكة الحجب و هكذا الي الثري كل سافل خلق من صفة العالي فترامت المراتب الي الثري قبولا و عكوساً و افراد كلّ مرتبة لكل فرد منها حصّة هي مادته و حصّة من هيئتها هي صورته و كل ما في هذه المرتبة من نوعي الحصتين قاۤئمةٌ بما فوقها قيام صدورٍ و كل فردٍ منها قاۤئم بمادته و صورته قيامَ ركنيٍّ و بوجهه من المرتبة التي فوق مرتبته قيام صدور فهذا معني ان كلّ شيء قام بامره و هذا معني القيوميّة في كلّ شيء ، فخذها هديّة منّي اليك بقوّةٍ و كن من الشاكرين فانّك لاتظفر بمثلها من غير كتبي و رسالتي ( رسائلي . خ‌ل ) علي هذا النحو الصافي النّقي و افهم مرادي من قيام [ص 140] الصدور انه كقيام الكلام بالمتكلم مع انه قاۤئم في الهواۤء و كقيام نور الشمس بها مع انه قاۤئم بالجدار فالذي تقَوَّم به زيد ان كان بما فوق رتبته فهو قيام صدور و ان كان بما في رتبته فهو كل وجود رتبته او حصته منها فان كان كل وجود رتبته فهو قيام صدور اذ يلزم من هذا انه كلّه في زيد و كله في عمرو و كله في الفرس و لايعقل الّا بمظاهره لا بذاته و ان كان حصّة منها فان كان عارضاً صدّق قول المشاۤئين و ان كان معروضا صدّق قول الصوفية و ان كان جزءاً من حقيقة زيد فان كان هو الماۤدّة جاۤء الحق و ان كان غيرها و غير الصورة بطل الحق المتفق عليه بان زيداً عبارة عن الحيوان الناطق لا غير فكم اكرّر الكلام و اردّده للافهام ،

فقوله « فانّ انضمام معدوم الي معدوم غير معقول » هذا غير معقول اي غير صحيح في العقل لانه مصادرة حتي يثبت انها عدم بالدليل الكشفي الحقيقي لا المُدَّعي فان جميع استدلالاته هي التي نفاها اوّلاً من الابحاث الحكمية و التخيلات الصُّوفيّة لانّه انّما يكون معقولا اذا كان وجودها غير معقول بدون الوجود علي المعني الذي قرّره و امّا علي فرض انها غير موجودة تكون معدومة فلا شك فيه ،

و كذا قوله « انضمام مفهوم بمفهوم من غير وجود احدهما او عروضه للاخر او وجودهما او عروضهما لثالثٍ غير صحيح اَصْلاً » فان القول بوجود للشيء غير ما يصْدق عليه حدّه المتعارف بحصة الجنس القريب و حصة الفصل لم‌يثبت الّا علي نحوِ ما قررنا سَابقاً من ان الوجود اِما المعني المصدري اعني الكون في الاعيان كما ● هو معني الوجود عند العاۤمّة او حقيقة الشيء التي هي مجموع ركني ماهيته من الماۤدة و الصّورة و هذا هو الّذي صدر عن فعل اللّه و اختراعه و لم‌يصدر عن اللّهِ غير الوجود و هذانِ الركنانِ اللّذانِ هما حقيقة ان كانا هما الفاۤئضين عن فعل الله فهما الوجود و ان [ص 141] لم‌يَكونا الوجود فقد فاضَ عن فعله غير الوجود و لم‌يقل به احد و ان كانا غيره و لم‌يكونا فاۤئضَيْنِ عن فعله تعالي فهما قديمان علي ان الله سبحانه هو الذاكر قبل المذكور فاذا وجد المذكور ذكره بما هو عليه من الحقيقة فهل يذكره بوجوده ام بغير وجوده فاذا قلتَ بوجوده قلنا بوجوده الذي هو حقيقته ام لا فان قُلت بالذي هو حقيقته قلتُ حقيقته ما حدّه الحقيقي شرحه و تفصيله و ليس غير المادة ،

و قوله « فان العقل يحكم بامتناع ذلك » يحكم العقل بامتناعه .

قال : « و ما قيل بان موجوديّة الاشياۤء بانتسابِها الي الواجب الوجود فكلام لا تحصيل فيه لان الوجود للماهية ليس كالبنوّة للاولاد حيث يتّصفون بها لاجل انتسابهم الي شخص واحد و ذلك لان حصول النسبة بعد وجود المنتسبين و اتّصافها بالوجود ليس الّا نفس وجودها قال بهمنيار في التحصيل انا اذا قلنا كذا موجود فانا نعني امرين احدهما انه ذو وجود كما يقال ان زيدا مضاف و هذا الكلام مجازي و بالحقيقة ان الموجود هو الوجود كما ان المضاف بالحقيقة هو الاضافة » .

اقول : لمّا قرّر مذهبه بان الوجود متحد بالماهيّة خارجا و اِن تَغايَرَا في الذهن و اخذ في الاستشهاد علي ثبوت الوجود للاشياۤء بوجوه منها ما ذكره في هذا الاستشهاد من انه لو لم‌يكن موجوداً لم‌يكن موجود قطّ و ذكر مذهبه بالاتحاد ذكر مذهب المشاۤئين و الصوفية و القاۤئلين بالانتساب لثلاث ارادات في ذكر هذه المذاهب احدٰيها ان الكلّ ينسبون الموجودية للاشياۤء الي الوجود و لاينسب احد منهم وجود الاشياۤء انفسها و الّا لزم ما قرّر سابقاً و ان اختلفوا في الوجود ما هو بكونه عارضا لها او معروضا او بانتسابها الي جاعلها او هو اِلٰهُهَا و خالقها و الثانية ان ظاهر كلام هؤلاۤء ليس بصحيح بل هو ظاهر البطلان و الثالثة ان مرادهم لعله هو كون العارضيّة او المعروضية [ص 142] ليس بحسب الخارج بل باعتبار ذهني و ان الكلّ منهم قاۤئل بالاتحاد الخارجي فيكون النزاع لفظيا و لهذا قال فلم‌يصح كونها موجودة بوجه يعني لم‌يكن وجودها كما قلنا وَ لا كما يقولون هؤلاۤء فلهذه الارادات تعرّض لذكرِ اقوالهم و ذكر كلام القاۤئلين بالانتساب و ابطله كما سمعتَ الا ان ابطاله راجع الي ظاهر اللفظ لان المصنف يأوّل مذاهب المتألّهين من الصوفيّة الي مذهبه فقال في ابطال ظاهر كلام اهل الانتساب ان كلامهم لا تحصيل فيه لان الوجود للماهيّة ليس كالبنوّة للاولاد الخ ، يعني ان الانتساب ظاهره ان يوجد المنتسبان قبل الانتساب لانه متفرع علي وجودهما و الماهية ليست موجودة قبل اتصافها بالوجود ليصح انها موجودة بانتسابها اليه بل اتّصافها بالوجود نفس وجودها بخلاف البنوة للاولاد و لقائل ان يقول انّ التمثيل مستقيم فان البنوة مساوقة لوجود الاولاد في وجودها في الخارج لانا لانريد بالبنوة نفس وجودهم و انما نريد المساوقة التي هي تمثيل للدليل فان انتساب الاشياۤء اليه تعالي مساوق لوجودهم فامّا ان يكون وجوداتهم عين انتساباتهم اليه تعالي او غيرها فان كانت غيرها انتقضت ادلّته في اتّحاد العاقل بالمعقول كما يأتي و ان كانت وجوداتهم عين انتساباتهم اليه تعالي كما قرّره العارفون في علمه تعالي بالاشياۤء بالعلم الاشراقي الحضوري فان حضورها لديه عين انتسابها و ليس لها وجود يعقل قبل ذلك الحضور الذي هو نفس الانتساب و اثبات موجوديّتها انها عين انتسابها اليه عز و جل متحقق بعين ما استدلّ به فيما بعد من اتّحاد العاقل بالمعقول و ما قاله بهمنيار نقول به و نلتزمه علي نحو ما اقرّره لك من قوله « ان الموجود هو الوجود » و معني كون التزامنا بذلك مشروطا بكونه علي ما اقرره اني اقول انّ الوجُود الذي هو الموجود هو الوجود المخلوق و الوجود الحق تعالي هو الموجود الحق عز و جل و لا اتّحاد بين الوجودين و لا الموجودين و لايطلق شيء من احدهما علي شيء من [ص 143] الاخر لا في الذات و لا في الصفات و لا الافعال و لا العبادة و امّا الاسم اللفظي فموضوع في الوجود الواجب تعالي بازاۤء عنوان توحيده و معرفته و هو شيء خلقه اللّٰهُ سبحانه وصْفاً لمعرفته وصفَ استدلالٍ عليه لا وصفاً يكشف عنه تعالي و هي ( هو . خ‌ل ) ليس كمثله شيء و الّا لَعُرِف الله سبحانه بذلك الشيء الذي فرض انه مثل لعنوانه و في الوجود الحادث موضوع بازاۤء ذلك الوُجودِ الحادث و ليس بين العنوان و الحادث اشتراك معنوي لانه بوضعينِ مختلفينِ الاول حقيقة و الثاني حقيقة بعد حقيقة و مرادنا بقولنا حقيقة بَعد حقيقة انّ الثاني يجوز اطلاق المجاز عليه باعتبار المعني في جهة العلية و المعلولية في الذوات او الصفات او فيهما لا باعتبار ان الوضع للاوّل و الثاني استعمل اللفظ الموضوع للاول فيه لعلاقةٍ بل الوضع الثاني وضع اوّل ايضاً و لا اشتراك لفظي لانا نشترط في الوضع المناسبة الذاتية بين اللفظ و المعني بان يكون بين مادة اللفظ و ماۤدة المسمي مناسبة ذاتية و بين هيئة اللفظ و صفة المعني كذلك و هذا الاعتبار متحقق بالوضع بازاۤء الوجود الحادث و اما في العنوان فلاتتحقق المناسبة الّا من باب التفهيم و التعبير و ليست ذاتية و الّا لكان لذلك العِنْوان مِثل و لو في جهة ما فيلزم ان يكون الله سبحانه يعرف بذلك و هو باطل لان الله عز و جل قال في كتابه العزيز ليس كمثله شيء فلو كان للدليل عليه شبيه او مناسب بجهة ما لعرف به ، تعالي عن ذلك علوا كبيرا فافهم ان كنت تفهم فلم‌يبق بينهما الّا نسبة الاشتراك في تسمية التعبير و التفهيم خاۤصة فلذا قلنا انه حقيقة بعد حقيقة ،

و علي هذا و مثله مما ذكرنا سَابِقاً و نذكر انّا اذا تكلّمنَا في الوجودِ فانّما نعني به الوجود المخلوق و علي هذا فنقول بظاهر كلام بهمنيار و لانقول بمراده و لا بمراد المصنف منه لانه يريد به الوجود الحق او الوجود المطلق فالوجود المخلوق هو الموجود المخلوق و ليس له حقيقة الّا ذاته و لهذا قال اميرالمؤمنين صلوات الله عليه : انتهي المخلوق [ص 144] الي مثله ه‍ ، و قول بهمنيار الحكيم : انا اذا قلنا كذا موجود فانا نعني امرين احدهما انه ذو وجود كما يقال زيد مضاف و هذا الكلام مجازي ه‍ ، مقرّر للامر الثاني بان الموجود هو الوجود و ان لحاظ المغايرة مجاز فيحمل علي المعْني العامي اي الكون في الاعيان ، و كذلك قوله « كما ان المضاف هو الاضافة » و هذا شاهد للقول بان الوجود هو الانتساب الي الواجب ، و امّا قولي باني لااقول بمرادهم فلانهم يزعمون بانّ الوجود موجود متأصّل في الخارج جزئي ● حقيقي ليس فيه لذاته جهة تعدّد بوجهٍ ما و هو الوجود الحق تعالي ليس كما يريدون لانهم يريدون بان الموجودات وُجِدت بنسبتها الي الوجود الحقّ تعالي و ان لم‌يكن الوجود فيه مستَنِدٖين الي انّ صِدْقَ المشتقِّ عَلَي شيءٍ لَايقتضي قيامَ مَبْدءِ الاشتقاقِ به فانّ صدقَ الحدّادِ مَثلاً اِنّما هو بسبب كونِ الحديدِ موضوعَ صَناعَةِ ذلك الشخص و هذا يُشْعرُ بِانّ الوجود لم‌يرتبط بشيء من الممكنات لانه عندهم شيء واحد جزئي بسيطٌ حقيقي و هو اللّه تعالي و انا اقول مثلاً بانّها موجودة بنسبتها اليه تعالي و تلك النسبة هي عينُ وجوداتهم و هي وجودات متكثرة اذا نسبتها بعضها من بعض وجدت مراتبها مختلفة كلّ سافلةٍ شعاعٌ للعالية علي نحو ما سبق و كلّ هذه الوجودات عين الموجودات و ذواتها بما انتسبت به انتساباً اشراقيّاً فقولي غير قولهم و انّ صلح اللفظُ لي و لهم في بعض الاحوال لاني اقول بهذه النسبة بهذا المَعْني و هم يقولون يصح اطلاق المشتق علي شيءٍ بسبب انتساب ذلك الشيء الي مبدئِهٖ انتسابا مخصوصا و اطلاق الوجود علي الممكنات كذلك لا ان الوجود قاۤئم [ص 145] بها نحواً مِنَ القيام بل الوجود عينُ ذاتِ الواجب و لا تعدّد فيه اصلاً و ما سواه من الموجودات لاجل انتسابِها اليه تعالي انتساباً خاۤصّاً صار موجوداً و تطلق عليه الموجودية و لايتوهم انهم يقولون باختلاف مفهوم الوجود في الواجب و الممكن فانهم يطلقون الموجود علي الواجب ايضا اذ ذاك اختلاف في المصداق دون المفهوم و يجوز ان يكون المصداق مختلفاً مع كون المفهوم واحِداً في الجميع كما سيجيۤء و الحاصل انهم يقولون بوحدة الوجود دون الموجود علي الوجه الذي مرّ ، انتهي ما نقل من معني كلامهم ، و المصنف نقل كلام بهمنيار مستشهداً به لتوافق الارادتين و اتّحادِ المرادَيْن ،

و ربّما جمع بين مذهب المصنف ايضا و مذهب اهل الانتساب بان المراد بالانتساب هو الوجود الارتباطي التعلقي و هو قد قال ان جميع الوجودات الامكانية هي عين التّعلقات و الارتباطات فصرّح هو بالمراد و هم عبّروا عنه بالانتسابات فلذا قالوا بان تلك الانتسابات مجهولة الكنه و الحقيقة كما قال هو ان الوجود مجهول الحقيقة و انما اعترض علي ظاهر كلامهم كما تقدم و ان كان مراده مرادهم و ما توهّم من ان صريح قولهم ان الماهية اثر الجاعل و ان اطلاق المشتق علي شيء لايستلزم قيام مبدء الاشتقاق به ينافي مراد المصنف يعارضه قولهم ان الجاعل هو الماهيّة يوافق قول المصنف تبعا لمحققي مشاۤئخ الصّوفية و كبارهم من ان الجاعلية و المجعولية في الحقيقة يرجعان الي تطوّرات المبدأ الاوّل في مراتب مظاهره و اطواره في شؤنه و قولهم ان اطلاق المشتق لايستلزم قيام مبدء الاشتقاق به مع قولهم و اطلاق الوجود من هذا القبيل قيل يريدون بمبدء الاشتقاق الوجود المطلق و لا ريب انه من حيث هو مطلق لايكون مقيّدا بالقيام بها و انما القاۤئم نحواً من القيام طور من اطواره فتتفق الارادتان ، و المعروف من مذاهب الاواۤئل من اساطين الحكماۤء الذين اخذوا عن الحكمة السّماويّة التي نزل بها الوحي علي انبياۤء الله عليهم السلم انهم وافقت عباراتهم عبارة مَن تأخر عنهم [ص 146] الّا انهم يريدون منها معني يوافق الحق لانهم يريدون بان الوجود القاۤئم بها نحواً من القيام اي مما يسمّي قياماً لغة في كل شيء بحسبه و هو طور من اطوار الحقّ سبحانه اي من اطوار ظهوراته بافعاله و مفعولاته فالاواۤئل يريدون انه تعالي يظهر بفعله و مفعوله الظهور الفعلي و هو علي حاله قبل فعله و مفعوله و بعدهما لم‌يتحوّل من حال الي حال و لاتتبدّل عليه الاحوال و لايعتريه التغير و الزوال و لم‌يتنزّل من رتبة الذات الي رتبة الافعال و انما معني ظهوره بهم اظهاره لهم بهم و هي الظهورات الفعلية و المفعولية و عبارتهم السابقة تصدق علي هذه المعاني و امّا من تأخر عنهم فاخذوا العبارة بعينها بان ذلك طور من اطوار ظهوراته كما قال الاوّلون و ارادوا به انه تعالي يظهر بذاته في افعاله و مفعوله و ان الجاعل هو المجعول و العاقل هو المعقول و الفاعل هو المفعول و قالوا الذات واحدة و النقوش كثيرة و يقول شاعرهم من اتباعهم :

كل ما في عَوالِمٖي من جمادٍ و نباتٍ و ذات رُوحٍ مُعَارِ

صُوَرٌ لي خلعتُها فاذا مَا زِلتُها لااَزولُ و هي جواري

انا كالثوبِ اِنْ تلوّنتُ يوماً باحمرارٍ و تارةً باصفِرٰارِ

فاذا اجمل هؤلاۤء في عباراتهم ربّما وافقتْ ما اجمل الاواۤئل و اذا صرّح كلّ بمراده افترقوا فغرَّب الاواۤئل و شرّق الاواخر و كل ميسّر لما خلق له و كلٌّ عامِلٌ بعمله و الي اللّه ترجع الامور و انّ في كلماتهم لمستفضعاتٍ ( لمستفظعاتٍ . خ‌ل ) من الامور لو تصدّيتُ لكشف ما فيها من المنكرات لرأيت ما تضيق به الصدور و لاتسعه السطور و انهم ليقولون منكرا من القول و زوراً و ان الله لعفو غفور لمن لم‌يستمر علي حاله من بعدِ مَا تَبيّنَ لَهُ الهدي .

قال : « الخامس انه لو لم‌يكن للوجود صورة في الاعيان لم‌يتحقق في الانواع جزئي [ص 147] حقيقي هو شخص من نوعٍ و ذلك لان نفس الماهية لاتأبي عن الشركة في كثير و عن عروض الكلّية لها بحسب الذهن و ان تخصصت بالف تخصيصٍ من ضم مفهومات كثيرة كلّية اليها فاذن لا بد ان يكون للشخص زيادة علي الطبيعة المشتركة تكون تلك الزيادة امرا متشخّصا لذاته غير متصور الوقوع للكثرة و لانعني بالوجود الّا ذلك الامر فلو لم‌يكن متحقِّقاً في افراد النوع لم‌يكن شيء منها متحقِّقا في الخارج هف » .

اقول : قوله « لو لم‌يكن للوجود صورة في الاعيان » المراد بالصورة مطلق الحصول فانّه في الظاهر صورة الوجود يعني اثره الدالّ عليه و لايريد به الصورة المعروفة المشتملة علي الحدود لان البساطة الحقيقية تنافيها يقول لو لم‌تكن في الخارج للوجود ما يدل علي تحقّقه في الخارج بان تكون اشياۤء موجودة في الخارج لايجوز ان يستند وجودها الي نفسها علي ما قرره سابقاً مثل قوله : اذ لو كانت موجودية الاشياۤء بنفس ماهيتها لا بامر خارج لامتنع حمل بعضها علي بعض و الحكم بشيء منها علي شيء ، و امثاله و قد تقدم بما فيه لم‌يتحقق في الانواع اي في كل نوع من الانواع جزئي حقيقي بحيث يكون شخصا من نوعٍ منها لانه اذا لم‌يتحقق من جهة الوجود الذي يتحقق بنفسه و ذاته في الخارج لا بشيء غيره فاِمّا ان يتشخّص و يتحقّق بنفسه و هذا شيء للوجود لا له او بامورٍ اعتبارية و هي ليست موجودة فلاتوجد غيرها او بنفس الماهية و هي بدون حقيقة الوجود لا وجود لها الّا في الذهن و هي كلّية لايمتنع من وقوع الشركة فيها بين كثيرين و تعرض لها الكلّية لانها المفهوم الذهني العاۤم و لو فرض لها ضمّ كلّيّاتٍ كثيرة بينها بنسبة بعضها الي بعضٍ العموم و الخصوص مطلقا او من وجهٍ بحيث يتخصّص جهة عموم بعضها بجهة خصوص بعضٍ كالطاۤئر الولود ● لم‌تنخلع عن العموم فلايتشخص [ص 148] بنفسها جزئيُّها فلا بد له من امر زاۤئد علي طبيعة نوعه متشخّصٍ في الخارج بنفسه يمتنع وقوع الشركة فيه للكثرة لذاته ليكون ذلك الفرد الجزئي البارز من نوعه بذلك الزاۤئد متشخِّصاً و ذلك الامر الّذي به تشخّص الجزئي هو الوجود هذا مراده من معني كلامه و اقول انّ المشخِّصات الَّتي بها يتشخّص الفرد الواحد من النّوع لَيْسَتْ من نوعِ الذّوَاتِ الّتي هي المَواۤدّ و انّما هي من نوع الهَيْئاتِ لانّها من قبيلِ ٱلحُدُود و ان كانَتْ جزءاً من الماهيّة باعتبار كونِها من متمّماتِ القابليّة و لها ماهيات كلية لكل حدٍّ مشخّص ماهيةٌ هو حصّة منها مجموعُ ● تلك الحصصِ فصل ● يتميز به نوع ذلك الجنس الذي منه حصة تتقوّم بذلك فهيولي المواد اجناس و هيولي الفصول اجناس مثلها سُلِخت ● في الحقيقة من هيولي الاجناس و ان كانت حصص الاجناس تتقوّم بالفصول تقوُّمَ اختصاصٍ و تعيّنٍ فالماهيّة النّوعية التي تكون ماۤدة الجزئي الخارجي حين تحقُّقِهٖ في الخارج منها كلّيّة عاۤمّة و هي التي من نوع الذواتِ كما ذكرنا قبل و الحصّة المأخوذة لزيد او لعمرو منها ذاته التي هي وجوده عندهم و مقبوله و الماهية النوعيّة التي تكون صورة الجزئي الخارجي حين تحقّقه في الخارج منها كليّة عاۤمّة و هي الّتي قلنا انها من نوع الهيئات و الحصّة المأخوذة لزيدٍ او عمرو منها هي ماهيتُه و قابليته و المشخِّصَات للفرد الجزئي في الخارج حدود للحصّة الوجودية الماديّة كلّ حدٍ حصّةٌ من ماهيّة كلّية مجموع تلك الحدود فصلٌ لنوعٍ و هي لكلّ فردٍ من افراد ذلك النوع و لٰكنها تختلف في اجزاۤئها او جزئيّات جزئي منها بالشدة و الضعف و القلّة و الكثرة في المرتبة و الجهة و المكان و الوقت و في ترتيبها الوضعي فلذلك اختلفت افراد النّوع في اكثر احوالها و صفاتها و مراتبها و آجٰالها مع استواۤئها في نوعِها فكل واحد [ص 149] من المشخّصات للحصّة الوجوديّة النوعيّة حصّة من ماهيّة كليّة و هذه الحصّة حدّ من حدود تشخصِ الشخصِ سواۤء اعتبرنا ذلك الحد المشخّص جزءاً كما في ظاهر الحال او جزئيّاً كما هو في الواقع و المصنّف استدلّ بوجود جزئي خارجي متشخّصٍ من ذلك الكلّي العام الذّهني علي وجود فردٍ متشخّص بذاته به يتشخّص ذلك الجزئي المتشخّص لان الماهية الذّهنية لاتقبل ذلك و الّا لجاز امتناعها لقبول الشركة في كثيرين و لايكون من انضمام امثالها اليها و لايكون التشخص من نفسه و لايكون الّا من خارجي متشخّص بنفسه و هو الوجود و هذا كلام من انحصرت مداركه في المفاهيم لان علمه علم اخبارٍ لا علم عيانٍ و لو كان علم عيانٍ لماجَعل منشأ التشخصات هو الوجود لانه ان جعله من علل الوجودات لم‌يكن به التشخص لان العلل (كذا) الوجودات علل فاعلية و منْها يصدر التّأثير خاۤصّة و التّشخصات من لوازم الماهية و توابعها لانها حدودها و ان جعله من علل الماهيات اثبتَ ما نفاه هو و غيره من انّ المشخصات و الحدود ليست من لوازم الوجود و انّما هي من لوازم الماهيّة ثم ان المشخّصات منها نوعِيّة و منها شخصية و التشخّص الجزئي به تتكثر الافراد بما يلحقها من المميّزات لبعضها من بعض و لاتكون من بسيطة الحقيقة و لا من متفق الحقيقة لان البسيط لا تكثر فيه و المتّفِق لا اختلاف فيه فلو كان الوجود منشأ للتمييز بين الافراد افراد الانواع لكان مركّباً مختلفَ الحقيقة فحيث كان الجزئي الخارجي المتشخّص بما هو خارجي متشخص متشخصاً بالحدود المختلفة كان كل حدٍّ منها حصّة من ماهية كليةٍ كان مجموعُ تلك الحِصصِ المختلفة من ماهيّاتها المتعدّدة المختلفة هو منشأ تشخص ذلك الجزئي فاستغنت تلك الهويّات الخارجيّة في تشخصها و تمايزها بعضها عن بعض عن الوجود لان الوجود [ص 150] ان عني به الفاعل عز و جل فانّما ميّزها ببعضِهٰا عن بعضٍ لم‌تكن جزءاً منه و لا تنزّله بذاته و جعلوا له من عباده جزءا انّ الانسان لكفور مبين و ان عني به الوجود المصنوع فان رضي بانه ماۤدة كل الاشياۤء المصنوعة و كل فردٍ جزءٌ منه اي من حقيقته هو مادة ذلك الفرد و جزء من هيئته هي صورة ذلك الفرد فذلك ما كنا نبغ و ان عني غير هذين و علي غير ما قرّرنا سَابقا في بيان تقوّم الاشياۤء بمواۤدها تقوّم ركني فعليه ان يثبّت العرش اوّلاً ثم ينقش فيا ايها الناظر في كلامي فايّاك ان تقول هذا شيء لم‌يَقل به احد من العلماۤء و لا الحكماۤء فان كنتَ مقلِّداً لهم فليس لنا معك كلامٌ و الّا فتفهّم و تفطّن تسلم و لاتكذّب بما لم‌تحط به علما و لمايأتك تأويله و الله سبحانه ولي التوفيق .