فاذا عرفت ذلك فاعلم انّ المصنف يذهب الي الاوّل و الثالث [ص 100] من الاقسام التي تراد من اطلاق الوجود و هي المذكورة سابقا اعني ارادة المفهوم مطلقا و هو الذي يقال له الوجود المطلق الصادق عنده علي الحق و الخلق صدقا ذاتيّا و الحصة اي المفهوم بقيد الاضافة و الفرد اي ما يصدق عليه هذا المفهوم صدقا ذاتيا في الخارج بالهو هو و عباراته تدور علي الاول و كذا السادس عشر و الثالث اعني المطلق و الفرد و تقريره و استشهاده عليهما و قد سمعتَ ما قلنا و ستسمع فاول ما استشهد به ظاهراً مصادرة و هو جعل الدليل عين الدعوي فان قوله انّ حقيقة كلّ شيء هو وجوده الخ ، الّذي هو دليل عين الدّعوي و القاۤئلون بانّ الشيء حقيقته الماهية لا غير كما سمعت من الاقوال المتقدمة يكون كلامه عندهم مصادرة و كذا بالنسبة الي قولنا الذي هو معني كلام ائمتنا عليهم السلم و صرّحوا به في كلماتهم و ادعيتهم من انّ الموجود الحادث مركّب من وجود و ماهية فان الاثار بل الاحكام مترتبة علي الماهيّة اكثر من ترتّبها علي الوجود و لاسيما احكام السعادة و الشقاوة في النشأتين و البرزخ نعم لو قال حقيقة كلّ من جهة ربّه هو الوجود قبلنا منه بشرط ان يجعلها جزءاً لا كُلّاً و كيف يكون الشيء الخارجي الحادث كل حقيقته وجود و الوجود خير لاتصدر المعاصي عنه و انّما تصدر عن الماهية و هو يقول بهذا و لكنها عنده انّما تعتبر في الاذهان و هو انّما يفرق بين الوجودين بترتب الاثار و الاحكام و عدمه و ايات اللّه في الافاق و في الانفس تردّ ما ذهب اليه و انا اضرب لك منها اية و هي انّه لو كان عندك ماۤء حارّ شديد الحرارة لكان يحرق بحرارته و لو كان عندك ماۤء بارد شديد البرودة لكان يحرق ببرودته فان اجتمعا عندك بغير ممازجة مستهلكة لصفتيهما ظهر اثر كل منهما علي حدة كطاعة الشخص بوجوده الغير المستهلك حكمه في الماهية و كمعصيته بماهيّته الغير المستهلكة حكمها في الوجود فلو مزجتَ الماۤئين و بقيت صفة احدهما صدر عنها اثرها خاۤصة كما لو [ص 101] اتّحد الوجود بالماهية فان كان الحكم للوجود لم‌تصدر عن الشخص معصية و ان كان للماهيّة لم‌تصدر عنه طاعة و ان امتزج الماۤءانِ بالتعادل لم‌تجد حرارة و لا برودة كذلك اذا امتزج الوجود و الماهية علي هيئة تمازج الماۤئين لم‌تصدر عن الشخص طاعة و لا معصية بل شيء ثالث و لو قال انّها اتّحدتْ به بحيث تصدق عليه صدق حمل صناعي خاۤصة لا ذاتي بل يصدق الوجود بمفهومه البحت علي الفرد الخارجي صدقاً بالذاتِ لم‌تصدر من هذا معصية قط و اعتبار المغايرة في الذهن خاۤصّة لايكون منشأ للمعصية كما لو تصورتَ حرارة الماۤء البارد عند تصوّر عروض التسخين بالنار لم‌يكن بذلك ساخِناً لان الفرض و الاعتبار لايترتّب عليهما في الخارج الاثار و ان لحظ الوجود المطلق في الفرد فصرفه الي الوجود بطل اتحاد الماهية بالوجود ح و مغايرتها له في الذهن و ما في توجيه كلامه انّه يعني انّ الوجود ما به تحقق كل شيء و كل ما هو كذلك فهو احقّ بان يكون متحقّقاً في الخارج فالوجود احقّ الاشياۤء بان يكون ذا فردٍ خارجي ففيه اوّلاً ان الماهيات الذهنيّة بها تحقّق كل شيء عندهم و لا تحقّق لها في الخارج و ثانيا انّ الوجود به تحقق الاشياۤء الّا انها من جهة علل الوجود كالعلة الفاعلية و الغاۤئية لا من جهة علل الماهية ● فلايصح ان يقال به تحقق الاشياۤء وحده لا مع غيره و ثالثا فقوله ما به تحقق كلّ شيء لايلزم منه ان يكون متحققا في الخارج بنفسه بل يكون تحقّقه منضمّا الي غيره كالجزء من الكل و كالحصّة من الجنس فان بهما تحقق الامر الخارجي و لا تحقّق لهما الّا بانضمامها الي شيء اخر فليس كل ما به تحقق في الخارج يكون هو متحقّقا في الخارج و ليس كلما هو متحقق في الخارج يكون تحققه بنفسه بغير انضمام شيء اخر و ليس [ص 102] كلما كان كذلك يكون ذا فرد خارجي يصدق عليه صدقا بالذات بغير تعدد بل قد يكون ذا افراد و الحاصل اَنَّهُ قد ثبت في الخارج اشياۤء متحققة موجودة فقيل يجب ان يكون معها في نفس الامر في الخارج مصحّح لموجوديتها و هو الوجود و انت اذا رجعت في نظرك الي حقيقة الكاۤئنات وجدتَ انّ اثبات شيء معها حادثٍ به موجوديتها الكونية غيرها مجازفة لانه يلزم ان يكون مغايراً لها فان كان هيئةً و عرضاً فلا بعد في احتياج الموجود في تقوّمه او ظهوره الي هيئته و عرضه لانهما من متممات قابليته و لكنه لايكون ذلك حقيقة له الّا علي تأويل انّها من اجزاۤء حقيقته من نفسه و متمّمات ماهيته لانّه من عللها كالصورة و الحدود و اللون و الكم و الوقت و المكان و الوضع و ما اشبه ذلك و علي هذا لاتتّحد به حتّي يكون هو احقّ بالهو دونها لا في المتعارف و لا في نفس الامر و ان كان جوهراً قد تحقّق بما عرض له من المقوِّمات الظهوريّة من جواهر و اعراض قد شاركها في نسبة الهو الي المجموع علي جهة الحقيقة بالذات فلا عيب فيه بل هو الواقع و امّا انّ ذلك الشيء الذي به الموجودية لغيره مما يلحقه و انّ الهُو لَهُ دونها فلم‌يصدر عن فعل اللّه فاذا حصل تكلّمْنا فيه هل هو شيء غير الشيء المعروف الذي حقيقته المادة و الصورة مع متمماتها به كان ذلك الشيء ام لا لم‌نجد في الخارج و لا في العقل الصحيح و لا في الكتاب و السنّة شيئا حادثا الّا من المادة و الصورة التّامّة نعم المواۤدّ و الصور في كل شيء بحسبه فالعقول موادها و صورها معنويات و النفوس مواۤدّها و صورها اسِيَّات جوهريات نفسانيات و المثال مواۤدّه و صوره ظلّيات و الافلاك مواۤدّها و صورها برزخيات و العالم السّفلي عنصريات ، و باقي كلام المصنف هنا كلّه دعاوَي لاتثبت الّا بالدليل القاطع الّا انه جعل هذه ادلّة و ليست بادلّةٍ و انّما هي المستدلّ [ص 103] عليها و يأتي كلامه في هذا .

قال : « نريد به ان كل مفهوم كالانسان مثلا اذا قلنا انه ذو حقيقة او ذو وجود كان معناه ان في الخارج شيئا يقال عليه و يصدق عليه انه انسان و كذا الفرس و الفلك و الماۤء و النار و ساۤئر العنوانات و المفهومات الّتي لها افراد خارجية هي عنوانات صادقة عليها و معني كونها متحققة او ذات حقيقةٍ ان مفهوماتها صادقة علي شيء صدقا بالذات و القضايا المعقودة كهذا انسان او ذاك فرس ضروريات ذاتية فهكذا حكم مفهوم الحقيقة » .

اقول : قوله « نريد به ان كل مفهوم » الي قوله « و الماۤء و النار » بيان لما قد يتوهم من عبارته انه مخالف لمقصوده و اختصار لمعني ما ذكر من كلامه لان مراده انّ المفهوم الذي له حقيقة معناه الذي له خارج يصدق عليه صدقا بالذات لان بعض المفاهيم عنده لا خارج لها و لا معني لها الّا ما في الذهن فحقيقتها فيه كالمفاهيم الكلية الاعتباريّة لانه جري في هذا الكتاب علي المتعارف عند الاكثر و ان كان هو لايري هذا في اكثرها بمعني انه في غير هذا الكتاب يذهب الي انّها من الوجود و ان لم‌يكن لها خارج و قد ذكرنا سابقا ان المتحقق عندنا علي ما عليه ائمتُنا صلوات الله عليهم ان جميع المفهومات موجودات خلقها الله سبحانه و اقامها فيما يناسبها كالاذهان و انها بجميعها امور انتزاعية ظلّيّة انتزعها الذهن باذن الله و قدرته من ذواتها الخارجة مثل صورة رجل له الف رأس و قد تقدم الاشارة الي ذلك و الاشارة الي مأخذه و دليله من النقل و العقل و ان كان مجملا لعدم اقتضاۤء المقام للتفصيل و لمّا كان المفهوم عند المصنف منه ما لا خارج له و منه ما له خارج ذكر ما له خارج في التمثيل لمشاركته لمفهوم الوجود الذي يَعنٖيه في مطلق صدقِه علي خارجه لكن لمّا كان يريد من مفهوم الوجود الاطلاق الاول من الثلاثة المذكورة سابقا و هو المفهوم المطلق [ص 104] الصادق علي الواجب و ٱلحادث استدرك خصوص ذكره بما اختص به فقال كما يأتي بعد هذا و الوجود و مرادفاته فقوله كالانسان مثلا يعني به انه من المفاهيم التي لها شيء خارج متحقّق في الاعيان يصدق هذا المفهوم عليه صدقاً بالذات فقال اذا قلنا انه اي مفهوم انسان ذو حقيقة او ذو وجود عبّر بلفظين عنده مترادفين كان معناه اي معني قولنا ان مفهوم انسانٍ ذو حقيقة انّ في الخارج شيئا كزيد و عَمرو يقال ذلك المفهوم عليه قولا حقيقيا و يصدق عليه صدقا بالذات انه يعني زيدا مثلا انسان فتعقد له القضيّة الضروريّة التي حكم فيها بامتناع انفكاك المحمول الذي هو انسان عن ذات الموضوع الذي هو زيد ما دام ذات الموضوع موجودة اي ما دام زيد حيوانا ناطقاً و كذلك الفرس ما دام ذاتها حيوانا صاهلا فهي فرس و كذلك الفلك ما دام جرما كرويّا مركبا من مادة و صورة برزخيّين ذا حركة اراديّة او مطلقاً علي الاحتمالين و الخلاف فهو فلك و كذلك الماۤء ما دام عنصرا سيّالاً ثقيلا مطلقاً مايعاً مركبا من برودة و رُطوبة جوهريين فهو ماۤء و كذلك النار ما دامَتْ عنصراً خفيفاً مطلقا مركّبا من حرارة و يبوسة جوهريين فهو نار و غير هذه كما قال و ساۤئر العنوانات اي الادلّة و المفهومات التي لها افراد خارجيّة هي اي تلك العنوانات و المفهومات و العطف تفسيري عنوانات صادقة عليها اي علي تلك الافراد ، و هذا معني قوله « و معني كونها متحققة او ذات حقيقةٍ ان مفهوماتها صادقة علي شيء صدقا بالذات » ثم بيّن ان هذه « القضايا المعقودة » من هذه المحمولات و تلك الموضوعات كما مثّل و ذكرنا قضايا « ضروريات ذاتية » لصدق المحمول فيها علي الموضوع بالذات و الحقيقة ، ثم قال لبيان مشاركة هذه المفهومات لمفهوم الوجود في مطلق الضرورة و الذاتية « فهكذا حكم مفهوم الحقيقة » .

قال : « و الوجود و مرادفاته لا بد و اَن يكون عنوانه صادقاً علي شيء حتي [ص 105] يقال علي شيء ان هذا حقيقة كذا صدقا بالذات و تكون القضية المعقودة هنا ضروريّةً ذاتيّة او ضرورية ازليّة » .

اقول : يعني ان الوجود و مرادفاته في كلّ شيء بحسبه بان يكون ذلك المرادف له بمعناه لا فرق بينهما الا في اللفظ ففي الواجب عز و جل الوجود و العلم و القدرة و الحيوة و ما اشبه ذلك الفاظ مختلفة علي معني واحد بسيط مطلقا يصدق كلّ واحدٍ منها علي ما يصدق عليه الاخر اذا اريد من العلم و القدرة و غيرهما ذات بحت ازليّة و في الحادث الوجود و السمع و البصر و ما اشبههما الحادثات و الحيوانية مع النطقية مثلا بالنسبة الي زيد و هذا بناۤء منه علي الاطلاق الاول للوجود اعني المفهوم المطلق الذي يريد به الوجود المطلق الصادق بالذات علي الواجب ، تعالي الله عن ذلك علوا كبيرا و علي الحادث بالذات الّا ان القضيّة المعقودة في حمله علي زيد هي الضرورية الذاتية كما تقدم و علي الله تعالي عن ذلك هي الضرورية الذاتية الازليّة و هي الّتي حكم فيها بامتناع انفكاك المحمول اي الوجود المذكور عن ذات الموضوع و هي ذات الله الحق ، تعالي ربي عن ذلك الوجود المطلق مع قطع النظر عن جميع ما سوي الذات و عن تقييدها بما دام الذات او اشتراطها بما دام الوصف فكل مادة تتحقّق فيه هذه القضية الذاتية الازلية تتحقق فيها الضروريّة الذاتية و لا عكس نعم يعتبر في تحقق الذاتية في الازليّة قطع النظر عن القيود الّا علي جهة التّفهيم و الافهام و التعبير عن النفس و ذلك معني قوله و تكون القضية المعقودة هنا اي في شأن حمل مفهوم الوجود علي موضوعه ضرورية ذاتية يعني ان حمل علي ذات العبد او ضرورية ازليّة ان حمل علي ذات الرَبِّ عز و جل لاشتراك حقيقة الوجود بين القديم تعالي و الحادث بالاشتراك المعنوي عند المصنف و الله سبحانه ليس له شريك تعالي عما يشركون .

[ص 106] قال : « لَسْتُ اقول انّ مفهوم الحقيقة او الوجود الذي هو بديهي التصور يصدق عليه انه حقيقة او وجود حملا متعارفاً اذ صدق كل عنوان علي نفسه لايلزم ان يكون بطريق الحمل المتعارف بل حملا اوّليّا غير متعارف انما اقول ان الشيء الذي يكون انضمامه مع الماهية او اعتباره معها مناط كونها ذات حقيقة يجب ان يصدق عليه مفهوم الحقيقة او الموجودية » .

اقول : يريد اني لم‌اُرد بقولي هكذا مفهوم الحقيقة ان المراد بحمل مفهوم الوجود حمله علي نفسه بالحمل المتعارف في مثل حمل الكلي علي فرده كما في بعض المفاهيم مثل قولك هذا الشيء شيء فان الشيء فرد كلّيّه الذي هو شيء حمل عليه بالحمل المتعارف فلاتتوهم عليه انّه يريد حمل مفهوم الوجود الكلّي علي نفس ذلك المفهوم كما حمل شيء علي الشّيء كما هو رأي بعضهم بحصر معناه في المفهوم مع انه ليس كلّ مفهوم يحمل علي نفسه بالحمل المتعارف بل كثير منها يحمل حملاً اَوَّلِيّاً مع اني لستُ اريد هذا و ان كان لا منافاة فيه لو اردتُه و انما اقول ان ما يكون اذا انضمّت اليه الماهية او اعتبر معها متعلق كونها ذات حقيقة يصدق عليه في الحقيقة مفْهوم الحقيقة او الموجودية فيكون هو الحقيقة و هذا انّما يتم و يصلح ان يكون دليلا علي كون الوجود هو الحقيقة الخارجيّة اذا لم‌يكن للماهيّة مع انضمامها اعتبار في الحقيقة كما هو رأي المصنف لانه يري صحة وقوع بسيطٍ حقيقي حادث في الخارج ، و امّا اذا قلنا بمذهب اهل الحق عليهم السلم من انه لم‌يخلق الله عز و جل شيئاً فرداً قاۤئما بذاته دون غيره للذي اراد من الدلالة عليه و اثبات وجوده كما قالَ الرِّضا صلوات الله عليه و بقول اواۤئل الحكماۤء الٰاخذين عن الانبياۤء عليهم السلم من ان كل مخلوق لا بدّ ان يكون له اعتباران اعتبار من ربّه و اعتبار من نفسه و ان كل ممكن زوج تركيبي و كما قال الرضا عليه السلم مستشهِداً علي هذا المعني [ص 107] بقوله تعالي و من كل شيء خلقنا زوجين فالحقيقة في كل مخلوق مركّبة منهما فلايكون مفهومه ● اولي بالصدق علي الحقيقة من مفهومها ● و كونه منشأ لذلك التحقق من الماهية اذ لاتقوم الّا به لايلزم منه اختصاصه بصدق الحقيقة دونها لجواز ان الصدق علي الحقيقة بعد تقوّمِها به مستند اليها كما هو الظّاهر لان "٢" معني الشيء الخارجي ليس الّا ما يفْهم منها لا منه و هذا "٢" التعليل و ان كان صحيحا عندنا الّا انه لايلزم منه استحقاقها بالصِّدق دونه لانّ ما يفهم منها و ان كان هو معني الشيء من حيث نفسه الّا انّ معناه من حيث ربّه ما اَفَادَهُ الوجود فالاَوْلي ان يقال حقيقة الصدق علي الحقيقة بصدق الحقيقة المركّبة او بصدقه علي ما من الله من الحقيقة و بصدقها عَلي ما مِنه من الحقيقة و كلام المصنف مبني علي قاعدته و فيها ما ذكرنا سابقا .

قال : « فالوجود يجب ان يكون له مصداق في الخارج يحمل عليه هذا العنوان حملاً بالذّات حملا شايـٔعاً متعارفاً و كل عنوان يصدق علي شيء في الخارج فذلك الشيء فرده و ذلك العنوان متحقّق فيه فيكون لمفهوم الموجود فرد في الخارج فله صورة عينيّة خارجيّة مع قطع النظر عن اعتبار العقل و ملاحظة الذهن فيكون الوجود موجوداً في الواقع » .

اقول : « فالوجود » الخ ، تفريع ما استدلّ به علي اثباتِ فردٍ لمفهوم الوجود في الخارج يحمل عليه حملا شاۤئعا بالذات بقوله انما اقول الشيء الذي يكون انضمامه الخ ، الّا ان ذلك علي ما فرضه و اما علي ما قلنا فلا دليلَ له عندنا فالكلام عليه في الحقيقة متوجّه علي صغراه و امّا الكبري فمترتبة علي الصغري ،

و قوله « مع قطع النظر عن اعتبار العقل » يشير به الي انه مع ملاحظة اعتبار العقل في التحليل ينكشف ان ذلك الفرد مركب من الماهية و الوجود مع مّا يلزم من اثبات فردٍ يتحقق العنوان فيه بالذات صحّة التحديد لثبوت الكليّ [ص 108] و الجزئي ،

و امّا قوله « فيكون الوجود موجوداً في الواقع » يعني في الخارج لا في خصوص الذهن كرأي من يقتصر علي مفهومه خاصة فنحن نقول بموجبه لكن وجوده جزء لذلك الفرد علي نحو ما ذكرنا مراراً و قد قلنا ايضا سابقا ان كلامنا كله في الوجود الحادث و اما الوجود القديم فلا كلام لنا فيه و يلتقي كلامنا مع كلام المصنف في الحادث فتفهّم مواضع الالتقاۤء في مثل قوله فله صورة عينيّة خارجيّة و قوله : فيكون الوجود موجوداً في الواقع ، حق و هو يحتمل بظاهر ما يجتمع كلامنا مع كلامه فيه و ما لايجتمع .

قال : « و موجوديته في الخارج انه بنفسه واقع في الخارج كما ان زيداً مثلا انسان في الواقع و كون زيدٍ انسانا في الواقع عبارة عن موجوديته فيكون هذا الوجود في الواقع عبارة عن كونه بنفسه موجودا و كون غيره به موجوداً لا انّ للوجود وجوداً اخر زايـٔدا عليه عارضاً له بنحو من العروض و لو بالاعتبار كما في العوارض التحليلية بخلاف الماهية كالانسان فان معني كونه موجوداً ان شيئا في الخارج هو انسان لا ان شيئا في الخارج هو وجود و معني الوجود موجود ان شيئا في الخارج هو وجود و هو حقيقة » .

اقول : قوله « و موجوديته » اي الوجود « انه بنفسه واقع في الخارج » ، اعلم ان عبارة المصنف جري علي تأسيس الوجود المطلق الصادق علي الحق و الخلق فهو يصرف ارادته في عباراته علي جهة التّصحيح فلو قلتَ هذا كلام لايصح في حق الواجب مثلا قيل يريد الحادث و لو قلتَ لايصح في الحادث قيل يريد الواجب ما اشبه عباراته بمعني قول الشاعر :

قلتُ قولا ليس يُدرَي امديحٌ ام هجا خاط لي عمرو قبا ليت عينيه سوا

و ذلك لان عمراً الخيّاط احد عينيه عَميا فهذا الشاعر يدعو له ام يدعو عليه بقوله ليت عينيه سوا و انا بناۤء كلامي علي الحادث الّا اذا صرّح بما يميّز ارادة الواجب فقوله انه بنفسه في الخارج هذا في حق الواجب تعالي [ص 109] ظاهر و امّا في حق الحادث فكون الوجود اوجد بنفسه لا بوجود اخر زاۤئد علي ذاته فهذا ظاهر و لكن معناه الحق ان الوجود الحادث هو مادة الاشياۤء المكونة و لم‌يوجدها عز و جل بمادة اخري بل بنفسها و هذا مما لا ريب فيه لكن لتعلم ان الواقع في الكون هو هذا و امّا في التحليل العقلي و الفؤادي علي طريقة المصنف من كون الامر الاعتباري معتبراً و لَا تحقّق له الّا في الاذهان و الاعتبار ان قولك انّ الوجود موجود بنفسه انّ الله سبحانه اوجده بفعله لا ان الوجود هو الايجاد بل الايجاد فعل و هو مفعول و معني انه اوجده بنفسه انه اخترع تلك المادة لا بمادة و لا من مادة غيرها فاذا سلكنا التحليل قلنا مادته نفسه اي هو فجهة التحليل ان نفسه التي خلق منها هيولي كلّيّة تدور علي نقطة الايجاد علي التوالي لجريان المفعول علي علته الايجادية طاۤيـٔعا منقاداً و هو اي الوجود حصة من تلك الهيولي تدور عليها باعتبار انها علة من علل الماهية علي خلاف التوالي لان مادته الكونية التي هي هو حصة من الهيولي الامكانية هذا علي نحو طريقته ، و اما علي مقتضي طريقتنا من ان الامور الاعتبار ( الاعتبارية . خ‌ل ) اشياۤء كونية خارجية و ما في الاذهان اشباحها و اظلّتها فلانعقل من معني وجوده بنفسه الّا انه كان لاشيء فاخترعه الله تعالي بفعله بنفسه التي هي هو حين هو هو بمعني كان الله عز و جل وحده ثم اخترَع بفعله الوجود اي المادة و الهيولي و خلق ماهيته بعد ذلك من نفسه من هو هو و خلق من كلّ حصةٍ من ذلك ماهيتها فكانت تلك الحصة مع ماهيتها زيداً و عمراً و ارضا و سماۤء و غير ذلك من ساۤئر الحصص بماهياتها فاعرف هذه الاصول فموجودية وجود الحق تعالي في الخارج بنفسه بكلّ اعتبار و موجودية الوجُود الحادث بفعل الله بمادته التي هي هو حقيقة و اما وجوده في الخارج في ضمن الشيء الموجود كزيد و عمروٍ و تحقّقه في زيد و عمروٍ و غيرهما فلا اشكال فيه عندنا و زيد و عمرو و غيرهما من الموجودات فكل واحدٍ حقيقته مركب من حصّة الوجود الذي لنوعه [ص 110] و من ماهيّة هي هيئة قابليته اي قابلية تلك الحصّة للتكوين و لبسها لحلة الكون كالسرير فانه مركب من حصّة من الخشب الذي لنوعه و من ماهيّة هي هيئة قابلية تلك الحصّة من الخشب لجعل السرير و لبسها حلة السّرِيرية فحصة الخشب للسرير متحّصلة في ضمن السرير متميزة عن ساۤئر الحصص بتلك الصورة التي هي ماهيتها الاولي ● الصادقة علي جزء السرير في ضمنه و هما معاً السّرير و ليس السرير هو الخشب و لا الحصّة الخشبية ليكون الحقيقة الخشبية صادقة علي نفس السرير و انما تصدق علي الحصة الخشبية في ضمن السرير فالسرير هو الشيء و هو الماهية الثانية فاذا قال المصنف انّ حقيقة الوجود و ماهيته صادقة علي فرد خارجي و يريد الحق تعالي فكلامه صحيح علي قاعدته و ان كان عندنا انّه باطل من جهة استعماله الوجود المطلق الشامل للواجب تعالي و الحادث بالاشتراك المعنوي و اذا قال ان مفهوم الوجود و حقيقته صادقة علي فرد خارجي حادث في الشيء فصحيح و امّا اذا اراد بصدقها علي فرد خارجي مستقلّ حادثٍ فباطل لانه لايريد به ما في ضمن الشيء كما يدل عليه قوله و موجوديته في الخارج انه بنفسه واقع في الخارج كما ان زيداً مثلا انسان في الواقع الّا علي معني قد لوّحنا اليه سابقا من ان كل شيء وجود من وجود و ماهيّة جوهر و عرض ذهني و خارجي اعتباري و غيره فلا شيء يعلمه اللٰهُ سُبْحٰانَهُ الّا ذاته او خلقه و خلقه هو كل ما سواه و كل ما سواه وجود مخلوق و انّما قسّم الي هذه الاقسام من وجود وَ ماهية جوهر [ص 111] و عرض خارجي و ذهني اعتباري و تحقيقي نظراً الي مراتبه من التحقق باللّه تعالي اي بفعله و امره الذي به قام كل شيء فلو فرض بانه اراد هذا المعني فهو حقّ و قد اصاب الّا في اخراجه للماهيات الكلية و الامور الاعتبارية و اكثر الصور الذهنية و الاشياۤء العارضة و كل ما لم‌يجد له جرماً كالمعقولات الثانية و غير ذلك و ان كان قد ادخل اكثر هذه في الوجود كما نقلنا عنه سابقا من كتابه الكبير و الّا في جعله الوجود المطلق صادقا علي الحق تعالي و الخلق و الدليل عنده ان موجوديّة الوجود في الخارج انه بنفسه واقع في الخارج بدون شيء غيره تشبيهه بموجودية زيد و انسانيته في الخارج علي سبيل التنظير فقال كما ان زيدا مثلا انسان في الواقع و كون زيد انسانا في الواقع عبارة عن موجوديته اي موجودية انسانيته و في كلامه هذا نقض من كلامه السابق حيث جعل الانسانية من المعقولات الثانوية الاعتبارية و هنا جعلها عبارة عن موجوديته فاذا شبه موجودية الوجود بموجوديّة انسانية زيد علي جهة التنظير لزمه كون موجودية الوجود اعتباريّة و الموجوديّة ايضا من المعقولات الثانية و لعلّه اراد بها في ذكر الانسان و الوجود معني انه هو فتكون من الاولي ،

و قوله « فيكون هذا الوجود في الواقع عبارة عن كونه بنفسه موجوداً و كون غيره به موجوداً » يلزم منه جعل حصول الوجود في الخارج عَين وجوده بنفسه و عين وجود غيره به و حصوله مغاير لوجوده لِنفسه و لوجود غيره به بل الثلاثة متغايرة و هي غير الوجود الذي يعني فاذا اراد بكونه الذي هو حصوله في الخارج انّه هو في الخارج حالت دونه الماهية بينه و بين ما اراد و كونه بنفسه لا بغيره ليس هو الوجود و كذا كون غيره به لان الكونين و ما استند اليهما معانٍ مصدرية حدثية و هذا هو مدلول عبارته فان قوله « و معني الوجود موجود انّ شيئا في الخارج هو وجود » لايفرق بينه و بين الانسان موجود الّا بان كون الوجود في الخارج وجوداً انه وجود زيد [ص 112] و عمرو اي كونهما في الاعيان و هو المعني المصدري و لو اراد هذا المعني لاصاب الحق اذ ليس غيره و لم‌يوضع هذا اللفظ لغيره و لكنه يريد انه عين جوهريّة ،

و ظاهر قوله « لا ان للوجود وجودا اخر زاۤئداً عليه عارضا له » انه بيان لبعضِ احوال الوجود و احكامه لا تحقّقه ،

و قوله « بخلاف الماهية كالانسان » الخ ، اذا كان الفارق بين الماهية و الوجود هو مدلول اللفظ عاد الي الاعتبار فانه قال « فان معني كونه الانسان موجوداً ان شيئا في الخارج هو انسان لا ان شيئا في الخارج هو وجود » و هذا يعود الي انّ الانسان من حيث انه موجود بغيره انسانٌ و هو حكم عاۤئدٌ الي الماهيّة و من حيث انّه موجود بنفسه هو وجود و الوجود هو الموجود و هذا من المصنف تمحّل في تعريفه بعد ان جعله متعذّرا و هذا التكرير لانسداد الباب بينه و بينه و امّا غيره فقد وصفه باسهل عبارةٍ فقال : الوجود ما به التحقق لانّه قال هكذا انّ لنا تحقّقاً في انفسِنا و هو الكون في الاعيان و سماه العاۤمّة بالوجود و تحقّقا في الذهن و هو التصوّر الذهني المسمّي بالعلم و الظن و الشك و الوهم و تحقّقا في اللفظ و هو الحروف و هيئاتها و تحقّقا في الخطّ و هو اشكال الحروف و اَشكال هيئاتِها و يسمّيها بعضهم بالوجوداتِ ايضا و ما به التحقق و هو الوجود عندنا بالحقيقة انتهي ، و مطلوب المصنّف هذا المعني فيتناوشه من مكانٍ بعيد ، و هذا و ان كان احسن و اخصر من كلام المصنف الّا انه عندنا لايصح لانّهم اِنْ اَرادوا بالوجود شيئا تتقوّم به الاشياۤء بحيث يكون عارضاً لماهيّاتها في الذهن كما اشار اليه المصنّف فهو تأييد في الحقيقة لرأي المتكلمين و لمن يجعل الحقيقة للشيء هي ماهيته و الوجود عارض لها به ظهرت كما قال ذلك الذي نقلنا بيان الوجود من كلامه قال في اخر كلامه : و بالحقيقة عند اشراق نور الوجود عليها و ظهور صورته [ص 113] فيها ه‍ ، و ان اراد به روح الشيء الذي به قوامه كالشخص المقابل للمرءاة فان به قوام الصورة فيها فلايعقل عارضيّته لها في الذهن الّا علي فرض كونها غير مجعولة مطلقا لا بالذّات و لا بالتَّبع فقد بعد الاكثر عن منال الوجود مع كمال قربه من الشهود لانه اثر الايجاد و الايجاد ان تعلّق بمتحقّق و ثابتٍ كما يقوله كثيرون مثل قول الملا محسن في الوافي في باب الشقاوة و السعادة قال : فما كانوا في علم ( الله . خ‌ل ) سبحانه ظهروا به في وجوداتهم العينيّة فليس للحق الّا افاضة الوجود عليهم و الحكم لهم و عليهم فلايحمدوا الّا انفسهم و لايذمّوا الّا انفسهم انتهي ، و هو يريد ان الماهيات حقاۤئق و صور علمية لايتعلق الجعل بها ثم قال بعد : فمشيّته احدية التّعلق و هي نسبة تابعة للعلم و العلم نسبة تابعة للمعلوم و المعلوم انت و احوالك ، ثم قال بعد هذا : الحقاۤئق غير مجعولة بل هي صور علميّة تابعة للاسماۤء الالهيّة و انما المجعول وجوداتها في الاعيان و الموجودات تابعة للحَقاۤئق انتهي ، فان تعلّق بثابت كان عارضا و اِن تعلّق به غيره كان معروضا ،

و اذا اردْت بيان ما ارتبكوا فيه و تناوشه من مكان قريب فاسمع و افهم انّ الوجود هو الشيء المكوّن بعد ان لم‌يكن شيء سواه عز و جل فاحدث سبحانه الشيء لا من شيء و هو الفيض و لم‌يكن شيء غير الفيض و هو الوجود و ما كان بالوجود و تحقّق به في بادي الرأي ليس شيئا غير الوجود لانه لو كان شيء غير الوجود لماكان مخلوقا بل هو قديم و ما يظهر من الوجود ليس شيئا غير الوجود اذ ليس غيره الّا العدم فهذه الاشياۤء المتكثرة المتعدّدة لم‌تتكثر بشيء غيره لانها اولاده و الاول ابوهم ادم فاذا نظرتَ في ايات اللّهِ كما نبّهناك عليه مراراً انّ ما هنالك لايعلم الّا بما هٰهنا رأيتَ انّما خلق الله تعالي ادم بنفسه و خلق منها زوجها و بثّ منهما رجالا كثيرا و نساۤء فهل تري في ذرّية ادم شيئا من غيره كذلك الوجود فانه [ص 114] ادم الاول الاكبر و اولاده وجودات الاشياۤء يعني نفس الاشياۤء المَوجودة و ليس في الحقيقة فيها شيء من غيره اذ ليس غيره الّا العدم و لم‌يتركب شيء منها من وجود و عدم و ما تتوهمه من ذلك فانه من تفاوت مراتبه في القلة و الكثرة كالخمسة اذا نسبتها الي العشرة فانها لم‌تتركب من نفس اعدادها و من عدم ما زادت به العشرة عليها و انّما سمّيت تلك الاحوال بالاسماۤء المختلفة لاجل خصوص مراتبها و لم‌يثبت شيئا يصحّ عليه اطلاق الاسم الّا الله تعالي و خلقه و جميع خلقه اثار فعله و حدثه و نهايته فمثال فعله سبحانه ضَرَبَ و مثال خلقه الضرب فانّ ضرباً اثر ضربَ و حدثه و نهايته فاذا قلتَ ضرب ضرباً فضربَ هو الفعل و ضرباً هو مفعوله و حدثه و لم‌يكن شيء من ضرباً لا من لفظه و لا من ماۤدته و لا من هيئته و لا من معناه قبل ضرب و لا تحقّق لشيء من ذلك قبله فكذلك كان اللّه وحده و لا شيء ثم احدث فعله بنفسه ثم احدث مفعوله بفعله و هو مشيته و ارادته و ابداعه و هو قول اميرالمؤمنين عليه السلم و هو منشئ الشيء حين لا شيء اذ كان الشيء من مشيّته و قول الرضا عليه السلم ليونس بن عبدالرحمن تعلم ما المشيّة قال لا قال (ع) هي الذكر الاول ه‍ ، يشير بان كل محدث ليس له ذكر قبل المشيّة قط و اذا اردت مثال ذلك من كتاب الله الكبير الذي هو العالم فانظر الي السراج تجد آية ذلك فانّ حرارة النار و يبوستها اللّتين هما تأثير فعلها قد احرق الدهن و كلّسه حتي كان دخانا فاستنار الدخان من ذلك التأثير لانه انفعل بالاستضاۤءة فظهرت اشعته كل جزء منها في مكانه و وقته فالحرارة و اليبوسة هما فعل النّار و الاستضاۤءة هي الوجود الاَمْريّ و هو الحقيقة المحمديّة ظهرت بقابليتها التي هي من الزّيت و الفاۤئض من ذلك الوجود الامري ساۤئر الاشعّة فهل تري شيئا غيرها و كلها وجودات فقل لي بلي اري شيئا غيرها و هو الظل فانه ليس من [ص 115] السراج و هو كالماهيات الكلية عندنا قلتُ قولك ظاهره صحيح و لكنه في الحقيقة ليس بصحيح فان الماهيات الكلية عندكم اعدام ماشمّت راۤئحة الوجود او انها ثابتة في الامكان او العلم الازلي متحققة كما هو بعض اقوالكم او انها مجعولة بتبعية جعل الوجود فلا جعل لها لذاتها و ليس كذلك الظلّ فانه مخلوق مجعول كما قال تعالي و جعل الظلمات و النور و قال خلق الليل و النهار و هذا و من قال بان الظلمة عدم لم‌يعرفها لانه يراها ببصره و العدم لايُري بالبصر و انّما لم‌يكن من المنير مع انه انما وجد بها لا منها للطيفةٍ خفِيت عن الاكثر و هي ان الايجاد بالمنير و الفاۤئض عن فعل الفاعل هو اثر فعله و اثر فعله يتوقّف في الظهور علي قابليّة ظهوره كالكسر و الانكسار و صورة ذلك الاثر و لونه و قربه و بعده و مردّه و جميع احكامه يصير في الظهور و في كل ما ذكرنا علي حسب قابليّته فان كانت قابليّته طيبة اي مجيبة يعني تابعة لمقتضي نفس الفعل كان الاثر مشابهاً للتأثير لانه تابع له بالاجابة فيكون الولد المتولّد من الاب و الامّ الطيّبة نورا و سعيداً و قريبا كما قال اميرالمؤمنين (ع) و خلق الانسان ذا نفس ناطقة ان زكّاها بالعلم و العمل فقد شابهت جواهر اواۤئل عللها ، فهذا شابه مبدءه في النوريّة و القرب و المتابعة و الموافقة كالنور و ان كانت قابليّته خبيثة اي منكرة غير مجيبة يعني انّها تابعة لهواها ارأيتَ من اتّخذ الهَهُ هواه معرضة عن مقتضي نفس الفعل كان الاثر غير مشابهٍ للتأثير بل مخالف له فيكون الولد المتولد من الاب الذي هو الاثر و الامّ الخبيثة التي هي قابلية الانكار مظلما و شقيا و بعيدا كما قال عليه السلم الشقي من شقي في بطن امه و الفائض من نوع واحد كالخشب فاختلف في السرير و الصنم و في الحكم الشرعي الواقعي الذي تجري عليه احكام الدنيا و الاخرة التي هي علل الصنع و الايجاد انّ [ص 116] التأثير الفاۤئض من الحق اذا تلوّن بقابلية الباطل ليس من الحق قال تعالي فمن تبعني فانه مني و قال تعالي لنوح عليه السلم انه ليس من اهلك انه عمل غير صالح مع انه من نطفته المنيرة لو غمست في انوار العمل الصالح فكان اجنبيّا في حكم الله الجاري علي اصل الايجاد بل اصل الايجاد جار عليه تابع له فالظل انّما خالف لونه لون النور كما خالف لون كنعان "٢" بن نوح عليه السلم لون ابيه حتي كان ظلمة و كان من النور ( نور . خ‌ل ) نوحٍ عليه السلم لسوء قابليّته "-٢" و الّا فهو من فيض النور قبل التغيير و بعد التغيير لم‌يكن منه حكما و لا تابعا له فالماهيات هي مخلوقة للّهِ فاۤئضة عن فعله و انّما تغيرت لمّا غيّرت فانّ الوجودات كلها تابعة لحقيقة اصلها الذي هو الوجود الامري من حيث كونه فايـٔضا عن فعل اللّه تعالي فكانت انواراً لرجوعها الي النور و الماهيات كلها تابعة لحقيقة اصلها الذي هو الوجود من حيث نفسه الذي هو انّيتها لا من حيث كونه فاۤئضا عن فعل الله تعالي فكانت ظلماتٍ لرجوعها الي نفس الانيّة وجدتها و قومها يسجدون للشمس من دون اللّٰهِ و لو سجدت للشمس لله تعالي لم‌تكفر و كان كسجود الملاۤئكة لادم و يعقوب ليوسف ففي الحقيقة كل شيء كان بفعل الله و ما لم‌يكن بفعل اللّه ليس بشيء و الاعتراض بالمعاصي يأتي جوابه انشاۤء الله تعالي في محله و انّما اطلت الكلام في هذا المقام رجاۤء ان تكون ممّن يطلب النور بالنور فانك اذا شربتَ من هذا الماۤء الّذي هو ماۤء الحيوة لان كل هذه المعاني لقطتُها لك من كلام ائمّتك عليهم السلم فاذا شربت منه لم‌يمت ( لم‌تمت . خ‌ل ) ابداً .

قال : « و اعلم ان كل موجود في الخارج غير الوجود ففيه شوب تركيب و لو عقلا بخلاف صِرف الوجود و لاجل هذا قال الحكماۤء كلّ ممكنٍ اي كل ذي ماهية زوج تركيبي فليس شيء من الماهيات بسيط الحقيقة و بالجملة [ص 117] الوجود موجود بذاته لا بغيره و بهذا تندفع المحذورات المذكورة في كون الوجود موجوداً » .

اقول : انما قال « كل موجود في الخارج غير الوجود » و لم‌يقل كل ممكن لانّه قيّد نفسَهُ بالبحث عن الوجود المطلق الصادق علي الواجب و الحادث علي معني الاشتراك المعنوي و نحن في شرح كلامه قد نَتغافل عن بيان مرادِهٖ فان اردتَ ان ابيّن لك مراده من هذه الابحاث في ساۤئر كتبه انما يعني بالوجود الذي هو حقيقة واحدة و يتكثر في مراتب ظهوراته بما يعرض لتلك المقامات و المراتب من الاعراض هُوَ وُجودُ معبودهِ الّذي يعبدُه و نحن لانعبد مَنْ هٰذا وجوده الذّاتي الّذي هو ذاته لانّا نعبد مَن لايعرِف وُجودَه الّا هو و مَنْ لايصدق وجود غيره عليه لا حقيقة و لا مجازاً و مَن هو خالق كلّ ما يسمي و يعبّر عنه باسمٍ سواه عز و جلّ و امّا الوجود المطلق الذي يشيرون فاعتقادنا انّه عبد اللّه و خلقه بقسميه لَايَسْتَنْكِفُون ( عن . خ‌د ) عبادته و لايستحسرون و عند المصنف انه اذا ذكر الوجودات المتكثّرة فهي شيء واحد تكثّر بما يلحق مراتب تنزلاته من العوارض و المشخّصات مثلا وجود زيد و وجود الحيوان الصامت و وجود الجدار شيء واحد مع قطع النّظر عن المشخّصات قديم بالذات بسيط الحقيقة لا تكثر فيه و انما التكثر فيها و التغير مستند اليها لاحق بها كالثلج بالنسبة الي الماۤء فانه ينكسر مثلا و الكسر مستند الي الثلج و الماۤء لايلحقه شيء من صفات الثلج و ذلك الواحد هو الواجب الحق تعالي عن ذلك و هذا و امثاله مُراده كما يأتي و نحن لانقول بشيء من ذلك نعم نتكلّم علي عبارته علي حسب مقتضاها و ما يلزم منها و لنا ديننا و لهم دينهم فقوله « كل موجودٍ في الخارج غير الوجودِ ففيه شوبُ تركيبٍ و لو عقلا » هو ما ذكرنا فيه فمعني كلّ موجود كلّ وجود و لو اراد بموجود غير الوجود [ص 118] لماقال ففيه شوب تركيب و لمااستثني الوجود يعني الحق هذا من المراد من عبارته و من المراد منها ايضا انه يريد ان في الواقع الخارج اشياۤء احدها الوجود اي المطلق و كل تلك الاشياۤء غير الوجود المطلق ففيها شَوب تركيب « الّا صرف الوجود » اي خالصه و هو الله تعالي لان صرف الوجود غير الاشياۤء و غير الوجود المطلق و انما دخل تعالي في شمول موجود و هي غيره مركّبة و الوجود المطلق لمّا كان فرده الاكمل هو الواجب تعالي ابانه من الفرد الاخر الذي يجري عليه التركيب باعتبار ما لحقه بقوله بخلاف صرف الوجود ،

و قوله « و لاجل هذا » اي لاجل ان كل موجود غير الوجود المطلق في حقيقته و غير صرف الوجود ففيه شوب تركيب « قال الحكماۤء ان كل ممكنٍ اي ذي ماهيّة زوج تركيبي » انّما ذكر ممكن ليخرج صرف الوجود و انما خصصَهُ بذي ماهيّة ليخرج الفرد الممكن من الوجود المطلق فانّه بسيط لا تركيب فيه لذاته بل هو موجود بنفسه في الخارج اذ لو لحقه لذاته شائبة تركيب لماصدق عليه و علي الواجب اسم الوجود بالاشتراك المعنوي لان الاشتراك المعنوي انما يصدق علي الحقيقة الواحدة سواۤء كان بالتواطي ام بالتشكيك و هذا مما قلنا لك من مراد المصنف فانه يأتي فيما بعدُ في كلامه انه يبرهن علي اتّحاد العلة و المعلول و العاقل و المعقول تلويحا و تصريحا بهذا علي نحو ما تقوله الصوفية انا الله بلا انا يعني ان الحقيقة واحدة اذا قطعت النظر عن العوارض و المشخصات علي ان الحكماۤء قالوا كل ممكن زوج تركيبي و لايريدون كل ممكنٍ ذي ماهية و الا لكان معني كلامهم ان كل مركب زوج تركيبي و انما قال المصنف ذلك صرفاً لكلامهم عن مرادهم ابتغاۤء الفتنة و ابتغاۤء تأويله و لا حول و لا قوة الّا بالله ،

و قوله « فليس شيء من الماهيات بسيط » تفريع علي قوله ففيه شوب تركيب ، [ص 119] و يريد ان زيدا بما هو انسان في الخارج لم‌يوجد بنفسه و انما هو موجود بالوجود فهو و ان اتحد بالوجود في الخارج الّا انه بماهيته في الذهن مغاير للوجود فهو مركب و نحن قد بيّنا رأينا في زيد بانه مركب من وجود هو مادته و من ماهيّةٍ هي صورته و ان التركيب في الخارج كما هو في الذهن هذا في ظاهر نظرنا و امّا في باطنه فزيد كلّه وجود الا انه وجود مفعول و قابليته للمفعولية التي هي صفة قابليته فهي صفة الصفة منه فهي من مراتب تنزلاته و صفتها التي هي المفعولية كذلك و انّما اختلفت بدورات قبولها المختلفة كما تقدم فالوجود نور و قابليّته من حيث هو فهي ظلمة و كلها من الفيض بالذات او بالتبع فراجع ما تقدّم ،

و قوله « و بالجملة الوجود موجود بذاته » اما في الواجب فمعناه ظاهر لانه موجود بذاته اي وجوده هو بكل اعتبار و امّا الوجُود الحادث فمعني انه موجود بذاته يعني اوجده فعل الله بنفسه لا بوجود غيره اخر كما في الماهيات فان وجودها بالوجود و معني كلامه هذا عندنا انه هو الماۤدة فلاتوجد المادة بمادة اخري بل بنفسها و امّا الماهية يعني الثانية التركيبيّة فموجودة بالوجود الموصوفي و الصفتي مثل السرير فانه موجود من مادة من الخشب و ليست هذه المادة هي السرير و هي وجوده و من صورة و هي الماهيّة الاولي الانفعالية و هذه ايضا ليست هي السرير الّا انها في الحقيقة صفة للحصّة المتعيّنة فهما وجود و من الوجود و مجموعهما هو السرير و هو الماهيّة الثانية التركيبية التي تسمّي بالحقيقة و يسمّيها المتكلمون بالماهية التي يجاب بها عن السؤال بما هو فقد تحقّقت في الخارج بركني الوجود الموصوفي و الصفتي و قد يقال انها في نفسها نوعية ، و الحاصل يقول الشاعر :

نحن بما عندنا و انت بما عندك راضٍ و الرأي مختلفُ [ص 120] 

امّا عندنا فالماهية حقيقة في الخارج مركّبة في الحقيقة من وجودين هما ركناها و ليس لزيدٍ الشخص المعلوم الخارجي حقيقة غير ما به هو هو الّا ما في الكتب الالهيّة العلويّة من وجوهه الي ربّه فافهم و دع عنك زخرف القول الا ان الله سبحانه ( يقول . خ‌ل ) ارأيتم ان كنت علي بيّنةٍ من ربّي و اتاني رحمة من عنده فعُمِّيَتْ عليكم انلزمكموها و انتم لها كارهون ،

و قوله « و بهذا يندفع » الخ ، اي بكون المراد من قولهم كل ممكنٍ زوج تركيبي كل ممكن ذي ماهيّة مغايرة له يندفع ما يقال ان للوجود وجوداً لانه علي فرض كونه ممكنا زوج تركيبي لدخوله في هذه الكلية و انتم تدعون بساطته و انه وجد بنفسه و نحن قد قلنا و ان كان وجد بنفسه الّا انه لايمكن ظهوره بسيطا بل لا بدّ له من الماهية لانها شرط ظهوره فلايقبل الايجاد بنفسه بدونها و الّا لوجد بنفسه من دون نفسه و هو محال .

قال : « و اما الامر الانتزاعي العقلي من الوجود فهو كساۤئر الامور العاۤمّة و المفهومات الذهنية كالشيئيّة و الماهيّة و الممكنيّة و نظاۤئرها الّا ان بازاۤء هذا المفهوم اموراً متأصّلةً في التّحقق و الثبوت بخلاف الشيئيّة و الماهية و غيرهما من المفهومات » .

اقول : يريد انّ الذهن كما ينتزع مفاهيم من الاشياۤء ينتزع مفهوماً من الوجود و ليس حقيقة الوجود كما هو رأيه في هذا الكتاب بخلاف ما ذكر في الكتاب الكبير فانه يجعل الانتزاعي وجوداً ايضا و كل شيء وجوداً و انّما يختلف في الشدّة و الضعف بنسبة كل شيء بما هو حظّه من الوجود فقال هنا كما يقوله المشاۤؤن و المتكلمون ان الامر الانتزاعي العقلي اي المتعقّل في الذّهن كما هو مشهور في اصطلاحِهم بخلاف ما نصطلح عليه علي ما يناسب مذهب الائمة عليهم السلم من انّ التّعقل ادراك المعاني لا الصُّوَر فانّ [ص 121] مدركها الخيال و النفس و لكن لا مشاۤحّة في الاصطلاح يعني ان المتصوّر المنتزع من ٱلوجود كساۤئر الامور العاۤمّة اي الكليّة و المفهومات الذهنيّة اي الاعتباريّة كالشّيئيّة و الممكنيّة و نظاۤئرها و يريد انّه يحصل من الوجود امر انتزاعي عرضي لا فَرْقَ بينه و بين غيره من المفهومات الّا انَّ هذا المنتزع من الوجود بازاۤئه اي مقروناً في تقوّمه بِالذّهنِ اموراً اي بامورٍ متأصّلة في التّحقق و الثبوت و هي الوجودات المنتزعة منها تلك الصور و الشيئيّةُ و الماهيّةُ و غيرهما ليس بازاۤئها ( بازائهما . خ‌ل ) امورٌ خارجيّة متأصّلة في التحقّق و الثبوت بل هي امور اعتبارية لا خارج لها و هذا علي ما يراه المصنّف و الاكثر و امّا علي مذهبنا المأخوذ عن موالينا و ساداتنا عليهم السلام فكل ما في الذهن فبازاۤئه امورٌ اَصْليّةٌ خلقها الله سبحانه و اقامَها في خزاۤئن ملكه الحادث الخارجي قبل ان تحصل صورُها في الاذهان فما في الاذهان منتزع فلا فرق بين الوجود و غيره في ذلك عندنا .

قال : « و اعلم ان الوجودات حقاۤئق خارجيّة لكنها مجهولة الاسامي شرح اسماۤئها انها وجود كذا و وجود كذا ثم يلزم الجميع في الذهن الامر العام و اقسام الشيء و الماهية معلومة الاسامي و الخواۤص و الوجود الحقيقي لكل شيء من الاشياۤء لايمكن التعبير عنه باسمٍ و نعت اذ وضع الاسماۤء و النعوت انما يكون بازاۤء المفهومات و المعاني الكلّيّة لا بازاۤء الهويات الوجوديّة و الصّور العينيّة » .

اقول : لمّا ذكر ان الامر الانتزاعي العقلي من الوجود كسائر المفهومات العاۤمّة ميّزه بخاۤصّة يختصّ بها عن ساۤئر المفهومات اذ لا خارج لها بخلاف هذا فان بازاۤئه مفهوم الوجود الانتزاعي امر متأصّل متحقّق الّا ان اسمه مجهول لم‌يوضع له اسم خاص اذا اطلق حضر مسمّاه في الذهن و لا عاۤمّ يشمله و نظيره [ص 122] فتكون حصصه مجهولة الاسماۤء الّا بما تنسب اليه لانه ح يكون شارحاً لتلك الاسماۤء و مبيّناً لها فتقول وجود زيد و وجود الفرس و انّما قال انها لم‌يُوضع لكل واحدٍ اسم لا خاص و لا عام لانها لو وضع لها لكان ذلك امارة تباين حقاۤئقها و انما وضع اسم الوجود لمفهومٍ تلك الحقيقةُ اي حقيقة الوجود الخارجيّةُ مصداق لذلك المفهوم الذي وضع له اسم الوجود فاذا اطلق تبادر الي الحقيقة الثابتة في الخارج فلايلزم حينئذٍ حصول الوجود في الذهن ابتداۤءً فلايساوي الماهيات الكلية في الحصول الذهني فلايكون له حصولانِ فلايحد و لايعرّف نعم يطلق ذلك الاسم اي الذي هو اسم الوجود علي حقيقةٍ تحتها افراد متفاوتة في الشدّة و الضعف من باب الاشتراك المعنوي فالاسم في الحقيقة للحقيقة و الافراد مجهولة الاسماۤء الّا بالاضافة الي ما تنسب اليه كما هو شأن الوضع لحقيقة الاشتراك ٱلمعنوي و ان كان يلزم عند شرح اسماۤء تلك الوجودات حصول الامر العام الذهني بعد ذلك انتزاعيا عارضيا بخلاف معلومة الاسامي كالشيئيّة و الماهيّة و اقسام الشيء فان وضع الاسماۤء لها و النعوت انما يكون ابتداۤء بازاۤء مفهوماتها و معانيها الكلّيّة فتكون الامور الخارجيّة منها افراداً لتلك المفاهيم و المعاني الكلية الذهنيّة لا بازاۤء الخارجيّة الوجودية و الصور العينية كما في الوجود هذا ما اراد من كلامه تفصّياً عمّا يرد عليه و قيل ان ما ذكر في كتابه الكبير ينافي ما ذكره هنا و هو قوله حيث ذكر في ذيل تنبيه تقدسي في فصلٍ عَقَدهُ لبيان انّ اوّل ما ينشأ من الوجود الحق المتعال ماذا قال : لمّا تكررت الاشارة سابقا الي ان لفظ الوجود يطلق بالاشتراك علي معانٍ منها ذات الشيء و حقيقته و هو الذي يطرد العدم و ينافيه و الوجود بهذا المعني يطلق عند الحكماۤء علي الواجب و منها المعني المصدري الذهني انتهي ، فان قوله : و منها المصدري الذهني ، يشعر [ص 123] بانّ مراده من الاشتراك هو الاشتراك اللّفظي الموجب لتعدد الوضع المستلزم لوضع اسم الوجود بازاۤءِ فرْدٍ من الافرادِ وَ اَيْضاً في الكتاب الكبير جعل من افراد الحقيقة المعني المصدري و هنا ينافيه لخروج المعني المصدري من حقيقة الوجود هذا معني ما قيل و اعلم انّ ما في الكتاب الكبير و ان كان شارحا و مبيّنا عما في كتابه الصغير هذا الّا انه في ذلك الكتاب جعل الامور الانتزاعية و المعاني الكلية و المعقولات الثانوية كلها من الوجود كما نقلنا عنه سابقاً بخلاف ما ذكره في هذا الكتاب فلا غرابة ان يكون كلامه هناك منافيا لما هُنا نعم يمكن الجمع بين كلاميه بان قوله : اول ما ينشأ من الوجود ، لايدلّ صريحا علي انه ينافي قوله هنا لجواز ان يكون مراده ان المعني المصدري تحققه في الذهن هو حظه من تلك الحقيقة و الانشاۤء للعوارض اللاحقة لمراتب التنزلات في كل شيء بحسب رتبته من الحصول و الظهور ، هذا ما له من الكلام ،

و امّا ما عليه منه ، فاعلم انهم اختلفوا في كيفيّة وضع الاسماۤء فقيل وضعت بازاۤء المعاني الذهنيّة و الخارجيّة افراد لها فلما كانت الذهنيّة طبيعيّة فكلّيتها طبيعية لا منطقية اعطت ما تحتها اسمها لان شمولها لكونها مطلقة مجرّدة عن قيد العموم و الخصوص فيصلح اسمها لكل فرد و علي هذا القول بني المصنّف قواعده و قيل وضعِت الاسماۤء بازاۤء المعاني الخارجيّة الّا انّها لمّا كان الواضع وضع الاسماۤءَ علامة علي المسميات يتميز بها بعضها عن بعض كانت صفات للمسميات كما قال الرضا عليه السلم و قد سئل عن الاسم فقال (ع) صفة موصوف ه‍ ، لانها ظواهرها الداۤلّة وجب ان يكون اكمل الوضع لتلك الفاۤئدة ان يكون بين الالفاظ و المعاني مناسبة ذاتية لانها اكمل للوضع و ابلغ للدلالة و التمييز و لايترك المناسبة الذاتية بينهما الّا اذا كان الواضع غير قادر عليها او غير عالم بها اوْ اذا كان في اعتبار المناسبة مشقّة و لغوبٌ [ص 124] في الواضع و قد ثبت في محلّه انّ الواضع هو الله سبحانه و تعالي لقوله تعالي و علّم ادم الاسماۤء كلّها و معلوم ان فعله و صنعه تعالي يكون علي اكمل ما يمكن و اكمل ما يمكن في العلامة و الدلالة المناسبة الذاتية و لانها صفات و الصفات انما تشتقّ من هيئات الموصوفات و الله عز و جل عالم بذلك قادر عليه بلا مشقة و لا لغوب فترك الصنع الاكمل مع القدرة عليه و التمكن منه نقص لايجوز في فعله و صنعه فوجب ان يكون بينهما مناسبة ذاتية و علي هذا لو كان الواضع هو المخلوق و هو عالم بالمناسبة قادر عليها بلا مشقة فلا شك انه يلتزمها فاذا اراد ان يضع اسماً واحداً لافراد نوع من الانواع يصدق علي كل فرد بالمطابقة تصوّر حقيقة افراد ذلك النوع انتزعَها بمرءاة ذهنه من تلك الافراد الخارجيّة بحيث تكون تلك الحقيقة تصدق علي كل فرد منها من باب التواطي او التشكيك و تلك الصورة ظلّية فالّف حروفا تكون صفاتُ جواهرها من الشدّة و الرخاوة و المجهورة و المهموسة و القلقلة و غير ذلك مناسبة لتلك الحقيقة التي صورتها في ذهنه علي حسب ما تصوّرها و رتّب تلك الحروف في نظمها و في حركاتها مناسبة لهيئة تلك الحقيقة لانه ينظر الي شبحها الذي في ذهنه فيؤلّف ما يناسب تلك الحقيقة في المادة و الهيئة و يكون تصوّر تلك الحقيقة الخارجية الجامعة لتلك الافراد آلةً لاختيار ما يناسبُ للتأليف و الوضع علي كل فرد خارجي تحقّقت تلك الحقيقة فيه فالوضع في الحقيقة للامر الخارجي الثابت لا للذهني و انّما الذهني آلةٌ لملاحظة تلك الحقيقة الخارجيّة الموضوع لها و لمّا كان الواضع هو الله عز و جل و هو لايجوز عليه التصوّر و التفكر و التروّي كان محل تلك الصور هي الكتب الملكوتية الثانويّة الشبحية المعبر عنها بعالم المثال لانها محاۤلّ التأليف و آلات الوضع علي الحقاۤئق الاصليّة الملكوتية الاولية الجوهريّة المتحققة في الخارج [ص 125] لانّ الشبحية صفات هيئات الصور الجوهرية الملكوتية و الاسماۤء صور الصفات فخلقها عز و جل من الشبَحيّة و هذا هو الحقّ ،