و اما ثبوت الجنس و الفصل و النوع و العرض العام و الخاۤصّة لاجزاۤئه كما يلزمه علي قوله بالاتحاد و لامثالِهٖ و اشباحِهٖ في تنزّلاته كما هو عندنا فانها وجودات حقيقيةٌ (ظ) فما يجري عليها فهو جارٍ عليه فافهم .

قال : « و امّا ما يقال له عرضي للموجودات من المعني الانتزاعي فليس هو حقيقة الوجود » .

اقول : يرد عليه ما ذكره في الكتاب الكبير من انّه من الوجود حقيقة و قد تقدّم ما نقلنا من كلامه من قوله انّ الوجود لكل شيءٍ من الاشياۤء له مرتبة خاۤصّة من الظهور و درجة مخصوصة من الفعلية و الحصول اي بحسب الخارج انتهي ، ثم انه ادخل فيه الجواهر و الاعراض بل المعقولات الثانية و هو المعروف من طريقته و لكنّه ينقض ما اسّسه هٰهنا فجري في هذه الاعراض علي مصطلح القوم و لكنّا نتكلم علي وجوداتنا و لانري الّا وجوداً في موجودٍ او وجوداً في صفةٍ فكلّ ما وُضِع له اسم فهو داخِلٌ في هٰذين و المصنّف ربّما فرق بين الانتزاعي الذاتي و العرضي بان الاوّل ينتزع من الذات من غير ملاحظة ما ينضمّ اليها و الثاني ما ينتزع من هيئة الذات بما ينضم اليها و المحقق عندنا بما قامت عليه الادلّة اَنّ الذات لاتنتزع الي الذهن و انّما ينتزع الظّلّ و الهيئة و المنتزع منه اِمّا محض الذات فينتزع منها هيئتها و هي شبحُها و اِمّا مع ما ينضمّ اليها و ينتزع منه شبح الكلّ فالمنتزع في الحالين ظلّ عرضيّ كما في المرءاةِ فانه ينطبع فيها صفة الذات و باعتبار صفة الجميع و ما في الذهن كذلك فلايمكن نزع الذات بلا ما انضمّ اليها الّا اذا انتزع منها الحقيقة المجرّدة [ص 74] و حينئذٍ فالمنْتزع منه غير موجود فيه انضمام شيء فالمنتزع هيئة الحقيقة لا ذاتها كما توهّم و الّا اذا انتزع نفس المنضمّ لا من حيث هو منضم و هو حينئذٍ شيء مستقل علي حدة فتنتزع منه هيئته و المنتزع هو ماۤدة ما في الذهن و ما من الذهن هو صورته كما تقدّم فما في الذهن ليس كما يقوله بل هو انتزاعي ظلّي في كل حالٍ و من الوجود حقيقة بلا اشكال لانه ان لم‌يكن وجوداً فهو موجود و كل ما يدرك من الموجود فمن الوجود و للوجود و بالوجود فاين تذهبون فلا فرق بين حقيقة وجود زيد و وجود المعقولات الثانية و وجود الاعراض الذهنية و الخارجيّة الّا في الشدّة و الضعف .

قال : « بل هو معني ذهني من المعقولات الثانوية كالشيئيّةِ و الممكنيّة و الجوهريّة و العرضيّة و الانسانيّة و السواديّة و ساۤئر الانتزاعيات المصدريّة التي تقع بها الحكاية عن الاشياۤء الحقيقيّة و غير الحقيقيّة » .

اقول : قد تقدّم معني هذا و قوله « التي تقع بها الحكاية » الخ ، معلوم بان جميع ما في الاذهان كما في المرايا و الاشياۤء الصقيلة كلّها مما تقع بها الحكاية لانّها اشباح تلك الامور الخارجيّة نعم لو حكي ذهن زيد ما تصوّره عمرو كان حكاية ذهن عن ذهنٍ يحكي عن الخارج كما لو قابلَتْ مِرءاةٌ مرءاةً قد قابلَتْ شيئا فكما انّ حكاية الثانية لمّا كانَت عن الاولي الحاكية كانت حكايتُها مركّبة من هيئة الاولي الحاكية و من هيئة المحكي كذلك حكاية ذهن زيد فانه يحكي هيئة ذهن عمرو و هيئة المحكي و لمّا كان المصنف يري انّ الذهن ينتزع المعني المجرد عن العوارض الذاتيّة و قد ينتزع الهيئة استدرك كلامه بقوله و امّا ما يقال الخ ، لكن حكمه بانّ الذهن ينتزع المعني ينقض قوله قبل و ليس للوجود وجود آخر و قوله الاتي بل المحكي عنه الخ ، و يأتي .

قال : « و كلامنا ليس فيه بل المحكي عنه و هو حقيقة واحدة بسيطةٌ لايفتقر [ص 75] ايضا في تحصيله الي ضميمة قيد فصْلي او عرضي صنفي او شخصي » .

اقول : هذه الحقيقة الواحدة اذا اراد بها ما يشمل وجوداتِنا كما هو مقتضي عباراتِه هل لها معني غير ما ظهرت به في الخارج ام لا فان كانَ لها معني غير ما ظهرت به في الخارج فلا فرق بينها و بين الماهيات الكلّية و ان لم‌يكن لها معني غير ما ظهرت فلِم كان لها وجودٌ ذهنيٌّ و هو مناطُ صحّةِ ٱلتّعريف و هو عنده من الوجود و انّما ذكر ما يقوله غيره ليترتّب عليه صحة دليله و ليس هذا طريقَ مَن يريد اثباتَ الحق بل طريق مَن يريد اسكات خصمه لانّه يركب دليله من مقدّمات عند الخصم مسلماتٍ و هو لايعتقدها و اسكات الخصم اعم من اثباتِ الحقّ و الاشكال في الكلام مع المصنّف لانه يقول حقيقة الوجود و يريد به الوجود الواجب و يعمّم في العبارة ما سواه فاذا اتي بوصفٍ يحصل في حق الواجب اطلقه علي غيره مع انّ جميع مقدّماته مبْنيّة علي ما يحق للواجب فقد قال قبل هذا و ليس لكل حقيقةٍ وجوديّة الّا نحو واحد من الحصول و هذا يدل علي الاشياۤء المتعددة و هي صفات الخلق و الحصول الواحد بلا تعدد صفة الحق تعالي و قال فيما بعد اذ كل وجود سوي الوجود الاول البسيط الذي هو نور الانوار تلزمه ماهيّة كليّة امكانية و هذا مقام فرق فجعل كل وجود سوي وجود الله تعالي مركب الكون من وجود و ماهيّة و هو الذي عناه قبل بقوله : و ليس لكل حقيقة وجوديّة الّا نحو واحد من الحصول ، فاذا حكمنا بصحة شعوره بما قال يكون معني كلامه انّ الوجود في ذاته هو اللّه تعالي و هذه الذات البسيطة لها حالتان حالة البساطة انه وجود بحت واحد بسيط و حالة ثانية تتكثر ذاته بتكثرِ مظاهره و شؤنه فكل مظهر و كلّ شأن فيه حقيقة الحق و صفات الخلق فاذا لوحظ مجرّدا عمّا لحقه من الاثار الخلقية كان واحداً واجبا بسيطا لانه حقيقة واحدة و اذا لوحظ مع العوارض الخلقية كان [ص 76] الخلق و نحن نقول لعلّه لايفهم ما يقول و لايشعر بما برهَن عليه لانه اذا اشعر كان اعمي عن الحق و عن الخلق فلايعرف اللّه و لا شيئا من خلقه و لقد اشاروا عليهم السلم الي مثل هذا بقولهم حتي ان الرجل ليدعَي من بين يديه فيجيب من خلفِه و انا اذكر لك كلامه في كتابه الكبير في بساطة الوجود و عدم تألُّفِهٖ ،

قال فيه : الستَ اذا نظرتَ الي ما يتألّف جوهر الذّات منه و من غيره وجدتَ الذَّات في سنخها و جوهرها مفتاقةً اليهما و انْ لم‌يكن علي انّها الاثر الصّادر منهما بل علي انّ حقيقتها في انها هي هي متعلّقة القوام بهما بل جوهر الذات بعينه هو جوهر ذَيْنِك الجوهرين سواۤء كان بحسب خصوص الخارج او الذهن او الواقع مطلقاً فاذا فرض لحقيقة الوجود من حيث هي هي مَبادٍ جوهريّة قد ائتلف منها جوهر ذاته فكل واحدٍ من تلك المقومات او بعضها امّا ان يكون محض حقيقة الوجود فالوجود حصل بذلك المبدأ قبل نفسه و امّا ان تكون او واحد منها امراً غير الوجود فهل المفروض حقيقة الوجود الّا الّذي هو ما وراۤء ذلك الامر الذي هو غير الوجود فالذي فرض مجموع تلك الامور عاد الي انه بعضها او خارج عنها و ايضا يلزم ان يكون غير الوجود متقدّما علي الوجود بالوجود و هو فطري الاستحالة قطعي الفساد و ايضا كان حصول حقيقة الوجود لتلك المقومات اقدم من حصولها لما يتقوم بها اي الوجود فيلزم حصول الشيء قبل نفسه فدار الوجود علي نفسه و هو ممتنع فاذن حقيقة الوجود يستحيل ان تجتمع حقيقته من اجزاۤء متباينة في الوجود كالمادة و الصورة او تنحلّ الي اشياۤء متّحدة الحقيقة و الوجود و بالجملة يمتنع ان يتصوّر تحليل حقيقته الي شيء و شيء بوجه من الوجوه كيف و صرف الحقيقة لايتكرر و لاينتهي بحسبها اصلاً لا عينا و لا ذهنا و لا مطلقا انتهي ،

اقول في كلامه هذا ما قلنا في [ص 77] غيره و مما قلنا انه ان عني خصوص وجود الواجب فهو فوق ما قال و ليس امتناع تكثر حقيقته و تركبها لما قال بل لان ذلك شأن المخلوق لان فرض التكثر انّما هو في الممكن لان الفرض ممكن و كذا التأليف و كل ما يرد في الاوهام فهو تعالي اجراه و لايجري عليه ما هو اجراه و ان عني ما سواه ففيه ما تسمع و سمعت فمما تسمع قوله : وجدت الذات في سنخها و جوهرها مفتاقةً اليهِمٰا ، انّا نلتزم ذلك و لا عيب في المخلوق لانه مغموس في الحاجة و ان لم‌تكن اثراً صادراً عنهما بل ركنانِ متقوّمةً بهما اذ كلّ حقيقة فان ماهيّتها متقوّمة بعلّتيها المادة و الصورة اي الوجود و الماهيّة بل كل وجود مخلوق يستحيل كونه بدونهما لانه فاۤئض من فعل خالقِه سبحانه و هذه جهة مادته اي وجوده و له هويّة و هي جهة صورته اي ماهيته فاذا كان المصنوع وجودا فجهته من ربّه نفسه من غير تعدّد وجود الّا في الاعتبار و التحليل الفؤادي فان جهته من ربّه تدور علي نقطة فعله علي التوالي و نفس الوجود المصنوع من حيث الصانعية تدور علي تلك الجهة علي التوالي ايضا باعتبار لحاظ المصنوعية و بلحاظ الصنع يدور علي خلاف التوالي و من حيث المصنوعيّة علي خلاف التوالي و هذه الجهة هي منشأ ماهيته اي هويّته لانّها تدور علي خلاف التوالي فبهذا الاعتبار تتكثر حقيقته و ان كانت جهة وجوده واحدة بالذات الّا انّها علّة مغايرة لكونها معلولة فَكلُّ مصنوع لايكون الّا من جهتَيْن ، و قوله : فكل واحدٍ من تلك المقومات او بعضها امّا ان يكون محض حقيقة الوجود الخ ، يكون احدها هو الوجود و لايلزم ان يكون حصل بذلك المبدأ قبل نفسه لانّ احدها المفروض كالمادة و يوجد بها معها فلايكون قبل نفسه بل يكون مع نفسه مساوقا لها في الوجود و ان تقدمت بالذات في العلم فان كلّ شيء خلقه اللّه فهو بهذا النّحو مثلا اوّل جسم خلقه اللّه لايكون الّا من مادة [ص 78] جسمانيّة من جنسه سواۤء خلقت في عالم قبل عالمه كما لو كانَتْ في الدَّهْرِ في عالم المجردات كما نقول في جوهر الهباۤء انه آخرُ المجردات فانها غيبٌ فلمّا تعلّقت بها صورته المثالية ظهر الجسم و المادة و الصورة دفعة ام لم‌تخلق كاوّل مصنوع و اليه الاشارة بقوله عليه السلام يمسك الاشياۤء باظلّتِها اي بنفسها و مثل معني خلق الله ادمَ علي صورته علي جعل ضمير صورته يعود الي ادم و هذا المعني ظاهر لمن له باطن ، و قوله فهل المفروض حقيقة الوجود الخ ، اذا كان المفروض هو الوجود المخلوق فالوجود هو الموجود و لاسيّما علي ما يراه فحقيقة الوجود المخلوق هي المفروضة و هو وجود بعد كونه لا قبله و هو متقوم بنحو ما تقدم من نفسهٖ و انه بنفسه كان و بهويّته ظهر و لا ريب انّ هويّته غير جهته من ربّه اذ جهته من ربّه انه اثر و انه نور كما قال عليه السلام اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله اي بوجوده و لكن ليس من حيث هو فانه هويّة مظلمة بل من حيث انّه نور الله فلا هويّة له ح و لا حقيقة له لنفسه فما عاد الي انه بعضها او خارج عنها عاد الي ما قلنا و هو ما اراد الله تعالي و اليه الاشارة بقول جعفر بن محمد عليهما السلم كلّما ميّزتموه باوهامكم في ادقّ معانيه فهو مثلكم اي صفتكم مخلوق مردود اليكم ، لانّ الصفة تردّ الي موصوفها و قوله : يلزم ان يكون غير الوجود الخ ، المفروض جزءاً للشيء لايكون غيْراً منه و الجزؤ الذي هو ركن اذا كان حصة من جنس لايتحَصّص للشيء قبل الشيء بل معه و كذا حكم اوّل الاشياۤء اذ لاينفك مصنوع عن التأليف و لكن كالكسر و الانكسار ، و قوله و ايضا كان حصولُ حقيقة الوجود لتلك المقوّمات اقدم من حصولها لما يتقوم بها اي الوجود ، هذا غير مسلّمٍ بل يكون حصولهما معاً لان احداث مادة النور و صورته هو احداثه بعينه و ليس كما يتوهم انها مثل [ص 79] احداث المخلوق كالبناۤء للجدار بل قال للشيء كن فكان دفعة بمادته و صورته و لم‌يكونا شيئا قبل ذلك فلذا ركب لصورة امره كاف يشير بها الي الكون و نون يشير بها الي العين و مجموعها ( مجموعهما . خ‌ل ) كلمة واحدة و امر بسيط و بين الكون و العين ستّة ايام هي حدود قابليته و تمام ماهيته الكم و الكيف و الوقت و المكان و الجهة و الرتبة و صورتها في الانسان النطفة و العلقة و المضغة و العظام و يكسي لحما و ينشي خلقا اخر و يدل علي هذه الستة الايّام المضمرة الواو المحذوفة من بين الكاف و النون للاعلال فانّها ستّة فكان الشيء و ماۤدّته و صورته بقول كن دفعة في المراتب الستة بدليل انّ ضمير الامر الذي هو فاعله يعود الي الشيء الذي لم‌يكن و لم‌يكن له ذكر قبل هذا فكان مع هذا فاعل اَمْرِ الٰامِرِ و الفاعِلِ هو ذلك المفعول اشعاراً بكمال المساوقة و عدم تقدّم اجزاۤئه عليه بل كلّها خرجت في الكون مَعَهُ فافهم و دع عنك العبارات القشرية التي ليس لها محقّق الّا التوهّمات فلايستحيل ان تجتمع حقيقته من اجزاۤء متبايـٔنة في الوجود كالمادة و الصورة اللتين هما جهة اعتباره من ربّه و جهة اعتباره من نفسه و لايستحيل اَيْضاً اَنْ تنحلّ حقيقته الي اشياۤء متّحدة الحقيقة و الوجود كما ذكرنا و قد صرح بهذه المُسَاوقة في الاجزاۤء جعفر بن محمد عليهما السلم في حديث حدوث الاسماۤء كما في الكافي و التوحيد قال انّ اللّه تعالي خلق اسماً بالحروف غير متصوّت الي ان قال عليه السلام فجعله كلمة تامّة علي اربعة اجزاءٍ ليس واحد منها قبل الاخَرِ الحديث ، وجه الاستدلال انّها مع كون بعضها من بعض حكم عليه السلام عليها بالمساوقة بمعني انّ العلّة انّما تتم علّةً بتأثيرِها في معلولها فتكون علة بكونِ معلولها كما في الابوّة و البنوّة فان الاب انما يكون اباً بالابن اذ المراد بتلك الاربعة الاجزاۤء عالم الفعل و المشية و عالم الجبروت و عالم الملكوت و عالم الملك [ص 80] كما حققناه في شرح هذا الحديث الشريف و المراد بالاسم المخلوق منهٰا هو مجموع العالم الذي هو ما سوي الله تعالي فانها اي الاربعة لاتتحقق قبله كما لايتمحّض الخشب للسرير بان يكون جزءاً للسرير قبل السرير و امّا علي ما يفهم ظاهراً فذلك حكم من يصنع بالتّروي و التفكر و مَن يكون في افعاله و علمه التقدّم و التأخر و امّا مَنْ ارادته اِحْداثُه لا غير و لا مضي معه و لا استقبال فلايتحقّق في فعله التقدم و التأخر و لا في مفعوله الّا في شراۤئط ظهوره و هي لاتتحقق قبله كما في الكسر و الانكسار و الاب و الابن و هذا اشارة و التّصريح يطول به الكلام و العارف يفهمه من نحو الكسر و الانكسار و نذكر في خلال الشرح كثيراً من البيان ، و قوله : و يمتنع ان يتصوّر تحليل حقيقته الي شيء و شيء ، اذا اراد به الوجود الحق فكلامُه حق لانّ هذه جهات الخلق و احوالها فلايصح عليه شيء منها و امّا ان ارادَ به المطلق فله نصف يصح فيه كلامه و لنا الكل في كلٍّ يصحّ كلامنا فيما يليق به و ان اراد الخلق لم‌يصب الحق ، و قوله : و صِرف الحقيقة الخ ، الكلام فيه كالذي قبله لانّ الصرف في الخلق مجاز و في المشية حقيقة و في الحق تعالي حقّ .

قال : « بل قد تلزمه هذه الاشياۤء بحسب ما يتحصّل به و يوجد من المعاني و الماهيات اذ كل وجود سوي الوجود الاول البسيط الذي هو نور الانوار تلزمه ماهيّة كليّة امكانيّة تتّصف بهذه الاوصٰاف باعتبار حصولها في الاذهان فتصير جنسا او فصلا او ذاتيا او عرضيا او حدّا او رسماً او غير ذلك من صفات المفهومات الكليّة دون الوجود الّا بالعرض » .

اقول : يعني ان الوجود من حيث هو لايلزمه لذاته شيء لاستغناۤئه فلاتلزمه احكام الجنسية و الفصلية و غيرهما و انما تلزمه باعتبار ما يتحصل به اي بالوجود من المعاني و الماهيات فظاهر كلامه انّها تلزمه لكن احكام الجنسية [ص 81] و الفَصْليّة اذا لزمته باعتبار لحوق الماهية به اين تلزمه في الخارج ام في الذهن فان لزمته تلك الاحكام في الخارج كان اسوء حالٍ ( حالاً . خ‌د ) من غيره لانّ غيره ماتلزمه تلك الاحكام الّا في الذهن كما هُو معتقده و ان لزمته في الذهن لزمت ذاتيّهُ او عرضيّه فان كان الملزوم ذاتيّهُ فقد ساوي الماهيات و كان له وجود يتبدل عليه و ان كان الملزوم عرضيَّهُ فالمتحصّل به من الماهيات هو العرضي و الّا كان ما هو ذاتي لازماً لما هو عرضي و العرضي منه ليس هو المراد لان المراد حقيقته لا عرضيّه و قال انّها تتّحِدُ به خارجاً و تغايره ذهناً و العرضي لايوجد خارجا فوجب عليه انّه لذاته لايلزمه شيء من تلك الاحكَام وَ لَا شَكَّ انّ كلّ متشخّصٍ حتّي زيد لاتلحقه لذَاتِهٖ تلْك الاحكام و لكن المفروض لحوقه حال تكثّرِهٖ بما يَلْحَقُهُ سَواۤء كٰانَ خارجاً اَمْ ذِهْناً ، ثم اعلم ان الوجود الّذي يدّعي اَنَّ هذه الاشياۤء تلزمه هل هو ذلك الذي لا جنس له و لا فصْل ام غيره فان كان غيره فاين كان حين حكم بوحدته و ان كان هو ذلك فانه قد حكم بانه غنيّ عمّا سواه فان كان غنيا فكيف يلزمه ما هو غنيٌّ عنْه فلمّا لزمه ظهر انه غير غني فاذا ثبت لزوم شيءٍ له فهل لزمه في الخارج ام في الذهن كما ذكرنا فلزومها له في الخارج لا شكّ انّها مقوِّمةٌ له و لاسيما اذا كانت متّحدة به فقد لزمته لذاتِهٖ فلاتنفكّ عنه في الخارج و انما تنفكّ عنه بالتّحليل العقلي و هذا وجه المساواة لغيره و انّه لايمكن ان يتقوّم في الامكان شيء بسيطٌ لان الله سبحانه لم‌يخلق شيئا فردا قاۤئما بذاته دون غيره للّذي اراد من الدلالة عليه كما قال ابوالحسن الرضا عليه السلام و قوله « قد تلزمه » اي هذه الاحكام بسبب انضمام الماهيات و المعاني و الانسب بمذهبه ان يقول انها تلزم الماهيات و المعاني بسبب انضمامه اليها و كذلك تتّصف الماهيات بها اتّصافها به و ان كان فيه تفصيل مع ان المستفاد من كلام اهل البيت عليهم السلم [ص 82] ان الاحكام لاحقة للماهيات و ان كانت الماهيات متقوّمة بالوجود في التحقق و هو متقوِّم بها في الظهور و العقل الصحيح مطابق فيما يدركه لما قالوا عليهم السلم لانهم يجعلون الوجود هو الهيولي التي تكون المادة حصّة منها و الماهيّة هي الصّورة و الاحكام انما تلحق الصورة عندهم بل عند المصنف لانه لاينكر انك لو اخذت خشبةً و شققتها نصفين و عملتَ نصفا منها صنماً و النصفَ الاخر باباً فانّ الخبث و الطيب لاحقانِ للصورة لا للماۤدّة و قد حكم الفقهاۤء انّه لو نزي كلب علي شاةٍ فاولدَها فان كان الولد صورة كلب فهو حرام نجس و لو كان صورة شاةٍ كان حلالاً طاهراً و الماۤدّة واحدة و اذا نسب المصنف هذه الامور الي الماهيّات لم‌يضطرب قوله لانّه حكم انّ الوجود مبرّء عنها فكيف تلحقه و تلزمه لانها اذا لزمته و ان كان باعتبار شيء اخر فقد اتّصَفَ بها و جرَتْ عليه احكامُهَا لانه انما فرق بين الذهني و الخارجي بكون الذهني لاتترتّب عليه الاحكام و الخارجي تترتّب عليه و لا موجب لذلك الّا كونه خارجيّاً لانّه هو المتحقِّق و لايتحقّق في الخارج الّا بالماهيات و قبلها ليس بشيء الّا في الذِّهْن كالماهيات الكلّية و لا حكم الّا لخارجه مع انه قال ان حقيقة كلّ شيء هو وجوده الذي تترتب عليه اثاره فتدبّر في هذه الالزامات ، و الحاصل انك اذا نظرتَ الي ما ذكرنا و نذكر و لم‌تهمل كلام ائمة الهدي عليهم السلم مثل قول الرضا عليه السلم قد علم اولوا الالباب ان الاستدلال عَلَي ما هناك لايعلم الّا بما هٰهنا ، ظهر لك بمعرفة شيء ممّا ظهر لك معرفة ما غاب عنك و قد اشرنا سابقاً و صرحنا و كرَّرنا مراراً انّ الوجود المخلوق لم‌يتَحقّق في الخارج قبل انضمام الماهيّة اليه لانَّها نفسه و لايتحقق الشيء بدون نفسه و هي ملزومة للاحكام و ليس كما يذهب اليه من تحقّقِه في الخارج قبل انضمام الماهية و قبل لحوق الاحكام [ص 83] فلمّا لزمته الماهية لحقته الاحكام ليتوجّه مَا يدّعيه من العارضيّة لان هذا انما يصحّ اذا صح حصولُهُ خارجاً قبل الماهيّة و لايصح عندنا لانّ ماهيته هي جهة اِنّيَّته فكيف يحصل خارجا قبلها لانهما في نفس الامر كالكسر و الانكسار لانّ الماهيّة قبوله التكوين فلايكوّن قبل اَنْ يتكوّن و لايتكوّن قبل اَنْ يكوّنَ فلمّا كوّنه تكوّنَ فحصل في الخارج معها مَلْزومَيْنِ لِلْاحكام و يأتي بيان تكوين الماهيّة بجَعْلٍ غيرِ جَعْلِ الوجود الّا انه مترتّب عليه لا كما يقولون انّها غير مجعولة بنفسِها مطلقاً اوْ الّا بجعلِ الوجودِ علي الخلاف بينهم ،

و امّا ثبوت عدم تحقّقه عند المصنّف الّا بلزوم الماهية و ان لم‌يرد ذلك لكنه يلزمه فلحكمه بان كل وجود سوي الوجود الاول البسيط الذي هو نور الانوار تلزمه ماهيّة كلّيّة اِمكانيّة الّا اِنَّ ارَادَته تدور علي الوجود المطلق و يلزمه اَنْ يكون وجود الخالق سبحانه و الوُجود الحقّ المخلوق به و وجود الخلقِ حقيقة واحدةً بسيطة في رتبة محض انيّة الوجود فتصدق علي كلّ واحدٍ من الوجودات الثلاثة فيتميّز كل واحد من الاخر بخاۤصّةٍ كما قال بعض النحاة في تمثيل انقسام الكلمة الي الاسم و الفعل و الحرف بالجيم و الحاۤء و الخاۤء فعلامة الجيم نقطة من اسفله كوجود الحق المخلوق به و علامة الخاۤء نقطة من اعلاه كوجود الخلق و علامة الحاۤء عدم العلامة كوجود الحق ، تعالي عن ذلك علوا كبيرا و اكثرهم مايعني بالوجود في الكلام عليه الّا هذا فيلتزم بان الوجود الحق تعالي احد افراده الم‌تر انهم في كل واد يهيمون و انهم يقولون ما لايفعلون فمن كان يقول بهذا فذرهم و ما يفترون فلقد ضلّوا و اضلّوا لانّ الوجود الحق عز و جل ليس لاحد من جميع ما سوي الله تعالي ان يتكلم فيه فان المتكلم فيه لايزداد من الله الّا بعداً و امّا ما اراد تعالي منهم من معرفته فهو ما وصف به نفسه لهم في انفسهم و هي صفة مخلوقة هي ذاتك اذا القيتَ عنها من وجدانِك كلّ ما لم‌يكن [ص 84] ذاتها التي لايمكن فهمها قبله حتي الاشارة و الالقاۤء كما قال اميرالمؤمنين عليه السلم لكميل كشف سبحات الجلال من غير اشارة الي اخر الحديث ، و اجمله في قوله عليه السلم من عرف نفسه فقد عرف ربّه و ذلك من قوله تعالي سنريهم اياتنا في الافاق و في انفسهم حتي يتبيّن لهم انه الحق و هي اٰية اللّهِ اي آية معرفته كما قال سيّد الوصيين صلوات الله عليه و علي آلِهٖ صفةُ استدلالٍ عليه لا صفة تكشِف له و المراد بهذا هو المعروف باصطلاح الحكماۤء الالهيّين بالعنوان و بلسان اهل البيت عليهم السلم هو مقاماته و علاماته التي لا تعطيل لها في كل مكان كما قال الحجة عليه السلم و علاماتك و مقاماتك التي لا تعطيل لها في كل مكانٍ يعرفك بها مَن عَرفك لا فرق بينك و بينها الّا انهم عبادك و خلقك الدعاۤء من ادعية شهر رجب ، و هذا العنوان دليل المعرفة من جهة صفة الفعل لا الذات كالكتابة فانها يعرف بها الكاتب من حيث حركة يده بالاعتدال و عدمه و بوجوده و لايعرف حسن الكاتب اوْ قبحه فافهم و هذا المقام الذي لا فرق بينه و بين اللّهِ سبحانه من حيث الفعل كالحديدة المحماة لا فرق بينها و بين النار في الاحراق لان احراق الحديدة فعل "٢" النار التي قامت صفته "-٢" و اثره بالحديدة فالنار هي المحرِقة بفعلها الذي وضَعتْه في الحديدة فهذا المقام المخلوق هو المطلوب معرفته لانّه صفة الظهور لنا بنا فالصفات صفات معاني المقام و الاسماۤء اسماۤء معانيه كما قال الرضا عليه السلم و اسماۤؤه تعبير و افعاله تفهيم يعني انّ اسماۤء الله عز و جل تعبير يعبِّرُ بها المعلِّم ليفهم المتعلّم اوْ يعبّر بها سبحانه لعباده ليفهموا ما يريد منهم و افعاله تعالي تفهيم ليستدلّوا بها ، و الحاصل انّ الوجود الذي يطلق في مقام بيان صفته لايجوز ان يكون هو وجود الله تعالي و لا الوجود المطلق الصّادق عليه و علي غيره فان الوجود الصادق علي غيره كاذبٌ عليه تعالي بكل معني و بكلّ ارادة و انما يجوز [ص 85] في الوجود المخلوق و هو لاينفك عن نفسه و هويّته التي هي الماهيّة فكلّ مخلوقٍ جزءانِ الجزء الاعلي هو الوجود و هو جهة ذلك الشيء من ربّه كما قلنا مكررا و الجزء الاسفل هو ماهيّته و هو جهته من نفسه فاذا تكلمت في الوجود المخلوق فانت تتكلم في جزء الشيء و اعلم ان هذا الجزءَ الشريف يسمي في عرف ائمتِنا عليهم السلم بالفؤاد و هو معني قول الصادق عليه السلم و اذا انجلي ضياۤء المعرفة في الفؤاد احبَّ و اذا احبّ لم‌يؤثر ما سوي الله عليه ، نقلته بالمعني و بنور اللّه في مثل قول اميرالمؤمنين عليه السلم اتّقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور اللّٰهِ قال الصادق عليه السلم يعني بنوره الذي خلق منه ، و اذا تكلمتَ في جزء المركّب الذي هو الوجود المخلوق كان كما قال المصنّف متّصِفا بتلك الاوصاف الخ ، فقوله دون الوجود الّا بالعرض فيه ما سمعتَ .

قال : « الثاني - في كيفية شموله للاشياۤء . شمول حقيقة الوجود للاشياۤء ليس كشمول معني الكلّي للجزئيّات و صدقه عليها كما نبّهناك عليه من ان حقيقة الوجود ليستْ جنساً و لا نوعاً و لا عرضيا و لا كلّيّاً طبيعيّاً بل شموله ضرب آخر من الشمول لايعرفه الا العلماۤء الراسخون في العلم » .

اقول : اعلم انهم قد يريدون بكون الكلي شاملاً لجزئيّاته كونه مشتركاً بين افراده مطابقاً لكل واحد منها بحقيقته اي ان حقيقة كل واحد من تلك الافراد بعد رفع ما عرض من المشخصات العارضيّة عين حقيقة ذلك الكلي و مثّلوا له بخواتم منقوشة بنقش واحد اذا طبع بواحد منها علي شمعة و ظهرت صورة ذلك النقش و اذا طبع بالاخر علي ما في تلك الشمعة من صورة نقش الاول لم‌يحدث بالثاني الّا ما حدث بالاول فهو هو و هكذا ساۤئر الخواتم فالنقش الواحد الذي نقشت به الخواتم هو مثال الكلي و ما في الخواتم مثال جزئيّاته و هذا يتمشي علي رأي من يقول انّ ما في الخيال اصل لما في [ص 86] الخارج و ما في الخارج مشتق منه و فرع له و اما علي رأي من يقول ان الكلّي معني انتزاعي انتزع من الافراد الخارجة بان نظر اليها فوجد فيها شيئا في الخارج يوجد في كل فردٍ هو حقيقته و انّما تمايزت بمميّزات عارضة لتلك الحقيقة التي يكون ما في كل فردٍ منها بمنزلة جزء من كلّ كما هو شأن الحِصص التي تتميز بعضها عن بعض بالعوارض كالحديد في المسمار و السيف و السلسلة الحديد و غير ذلك فنظر في مادة المسمار و في مادة السيف و في مادة تلك السلسلة فاذا هي حديد فانتزع منه صورة ظلّية في ذهنه من ذلك الحديد الموجود خارجاً و وصفها و سمّاها بملاحظتها في الخارج فكان ما في ذهنه صادقاً علي تلك الافراد المعمولة من مادة واحدة لان تلك الصورة الذهنيّة انْتزعت مما في الخارج انتزاعا ظليّا عارضاً منفصلا في الحقيقة عن حقيقة الحديد الخارجية فمثاله كنقش واحدٍ طبع به في شمعات متعدّدة فالحديد صورة ما في الخاتم و المسمار و السيف و السّلسلة ماۤدّتها صورة ما في الشمعات المتعددة ففي الحقيقة الذهنية هي حصص و في الحقيقة الخارجية اجزاۤء و في الحقيقة عند من يفهم انّ تلك الحصص مواد قطعت من كلّ لا من كلي ظهرت من كلي و ان كان يجدها في ذهنه كذلك لكنه بناۤء علي انّ ما في الذهن اصل لما في الخارج و المصنّف و ان كان بعض عباراته يلزم منها ذلك و لكنه لايلتزمه في حق الوجود بل يلتزم في حق حقيقة الوجود انه ليس له وجود ذهني و انما يوجد في الذهن منه العرضي كما في هذا الكتاب و ان كان في غيره يحكم بالاول كما في الكتاب الكبير ،

فاذا عرفتَ هذا فاعلم ان المصنّف عنده علي ما يظهر من كلامه انه كما ان شمول حقيقة الوجود للاشياۤء ليس كشمول الكلي لجزئيّاته كذلك ليس كشمول الكل لاجزاۤئه بناۤء علي ان الكلّ غير الاجزاۤء و حقيقة الوجود عين ما يتّحد به في الوجود مع [ص 87] الماهيات من مراتبها اذا قطع النظر عن خصوصيّتها فتعليله بانه ليس كشمول الكل لاجزاۤئه لان الكل غير اجزاۤئه عليل لانه ان اراد انه غيرها في الحكم فكذلك حقيقة الوجود غير ما تتّحد به مع الماهيات من مراتبها و الّا كان محدوداً لان كل شيء وقع عليه الحد ففيه حقيقة الوجود متّحدة بماهيته و ما يلحقها و ان قيل ان الحد انما هو للحدود لا للحقيقة قلنا هي بدون الحقيقة لا شيء فما المحدود فان قيل المحدود ما حفظته الحقيقة فيحدّ هو خاۤصّة دونها قلنا فاذن المحدود ذهنيُّهُ لا خارجيُّهُ لان الخارجي "٢" ان اعتبر مغايرته "-٢" خارجاً انتفي الاتحاد المدعي و ان لم‌يعتبر امتنع تعريفه فلايمكن تعريف شيء خارجي اذ ليس في الخارج الّا حقيقة الوجود و علي هذا يرتفع الثواب و العقاب عن جميع الموجودات الّا في الاذهان لان الثواب و العقاب للاحكام الخارجية المتعلقة بالحقاۤئق الخارجية لانها اذا حكمنا بانها حقيقة الوجود و هي لاتلحقها احكام المراتب و الماهيات الّا باعتبار حصولها في الاذهان فان اتصفت حقيقة باحكام الماهيات و المراتب خارجاً وقع التحديد و الّا فلايلحق احداً من الاحكام الشرعية في الدنيا و لا في الاخرة شيء لانها لاحقة للموجود خارجاً في صورته و حقيقته فيجب ان يكون الكل هو الاجزاۤء من حيث الحقيقة مع قطع النظر عن الاحكام و الخصوصيات اللاحقة للمراتب و الهيئات ففي الحقيقة اذا فتحتَ عين البصيرة و نظرت في الكلي و الكل و الجزئي و الجزء مع قطع النظر عن الاعتبارات الذهنيّة التي بنوا عليها احكام الفرق بين الكلي و الكل وجدت انهما شيء واحد و انما حصل الفرق باعتبار خصوصيات المراتب و المفاهيم الذهنية التي منشاؤها الاعتبارات الفرضيّة و ان شمول حقيقة الوجود الذي اشار اليه ليس الّا كشمول الكل للاجزاۤء و الكلي للجزئيات علي ما بيّنّا من معني الكلي و انه ظلي [ص 88] ذهني انتزاعي و القوم انما فرقوا بملاحظة خصوصيات المراتب و المشخصات و هو لم‌يعتبر في شمول الحقيقة شيئا من تلك اللواحق بل يقول شمول حقيقة الوجود ليس كشمول الكلي للجزئيات و لا الكل للاجزاۤء بل هي عين ما تتّحد به في الوجود مع الماهيات من مراتبها اذا قطع النظر عن خصوصيّتها فكذلك حقيقة الكل عين اجزاۤئه اذا قطع النظر عن خصوصياتها فافهم و تفهّم و لاتقنع بمجرد العبارات ،

فقوله « بل ضرب من الشمول » الخ ، يريد به انه شمول لايلحقه به نقص و لا قصور و لا ريب انه لو اعتبر شموله لها علي ما هي عليه بما هي عليه لحقه نقص و قصور كما في الكلّ مع اجزاۤئه لانّ النَّقَائص من العوارض فان الكل شموله للاجزاۤء مع قطع النّظر عن خصوصيّات المراتب كذلك لعدم ملاحظة تلك الخصوصيات فان قيل ان كان شمول حقيقة الوجود للاشياۤء كشمول الكلي لجزئياته لزم ان توجد بكلّها في واحدٍ من الاشياۤء و لا ريب انها ليست كذلك و الحديث القدسي المتّفق عليه قوله تعالي ماوسعني ارضي و لا سماۤئي الحديث ، يشعر بعدم ذلك و ان كان كشمول الكل لاجزاۤئه لزم الّاتوجد الحقيقة بكلّها في شيء كما هو شأن الكل و اخر الحديث القدسي المذكور قوله و وسعني قلب عبدي المؤمن ، يشعر بعدم ذلك قلنا ان المصنف لم‌يرد كل الوجود لينافي شمول الكل و لا بعضه لينافي شمول الكلي و انما يريد حقيقة الوجود و هي تصدق علي الحالين كما هو حال ساۤئر حقاۤئق الاصول مثلاً كالماۤء فان حقيقته كما تصدق في كله تصدق في القطرة فلاينافي ذلك الشمول شمول الكلي كما في اخر الحديث المذكور و لا شمول الكل كما في اوّله فتفهّم و المصنف جعل شموله بالاشتراك المعنوي و الفردي لانهم يجعلون للوجود اطلاقات ثلاثة الاول المفهوم و هو الوجود المطلق و في هذا الاطلاق شموله عنده و عند امثاله بالاشتراك المعنوي و هو ما يوضع [ص 89] اللفظ بازاۤءِ حقيقةٍ واحدةٍ مختلفة الافراد و المراتب بالشِّدة و الضعف بوضعٍ واحدٍ كحقيقة البياض في تفاوتِ مراتبه فانّ الوجود في الواجب اشدّ منه في الممكن لان هذا المفهوم منتزع من الدلالة الوضعية بحسب افهامهم و الثاني هو الحصّة و هي المفهوم الاضافي اي مع قيد الاضافة لتقييده في الفهم بلحاظ البعضية يعني احد فردي المطلق و الثالث هو الفرد يعني انّ للوجود في الخارج فرداً يصدق الوجود عليه بالهُو هو كما يمثّلون له بالبحر و ما يعرض عليه كالامواج فيجعل الوجود في شموله للاشياۤء كالاول و الثالث في الشمول و ما الاول الّا كالكل و ما الثالث الّا كالكلي و الكلّ فتفهّم .

قال : « و قد عبّروا عنه بالنفس الرحماني و تارة بالرحمة التي وسعت كل شيء و بالحق المخلوق به عند طاۤئفةٍ من العرفاۤء و بانبساط نور الوجود علي هياكل الممكنات و قوابل الماهيّات و نزوله في منازل الهويّات » .

اقول : النفَس الرحماني بفتح الفاۤء و سكونها فعلي الفتح شبّهوا الوجود بالنفس لان النفس يخرج من جوف المتكلم ممتدّاً الي الهواۤء و هو الالف اللّينة و طولها الفُ الفِ قامةٍ و هو هيولي ساۤئر الحروف فاوّل ما يخرج عنها الالف المتحركة و هي الهمزة و هي اوّل العالم التدويني طولها الفُ الفِ ذراع بمنزلة عقل الكلّ و هو اول الوجود المقيّد فالمتحركة اوّل الحروف و اخرها الميم و كلّها شُعَبٌ تجري من الالف اللّيّنة فهي منه بمنزلة الشعب تجري من النهر فاللّيّنة هي النفس بفتح الفاۤء الممتد من جوف المتكلم الي الهواۤء فالحروف حِصَصٌ منه و كل حرف مركّب من مادة هي حصّة من ذلك الالف و من صورة هي هيئة تلك الحصّة في المخرج من الضغط و القلع و القرع فالالف اللّينة الممتدة من الجوف الي الهواۤء مثل للوجود المنبعث من فعل اللّه سبحانه و امتداد الالف مثل لانبساط ذلك الوجود في هواۤء الامكان [ص 90] الذي هو العمق الاكبر الاضافي و الحروف المتعينة في مخارجها بما يلحقها من هيئة الفعل بالضغط و القلع و القرع مثل لافراد الموجودات في امكنة حدودها المتعيّنة بما يلحقها من العوارض الخارجيّة و المشخّصات للماهيّة كما هو حكم الهيوليات مع الحصص المأخوذة منها للافراد الخارجيّة المتعيّنة بالمعيّنات العارضية و هكذا المثال بالبحر و امواجه و بالمداد و الحروف المكتوبة منه و بالاعداد الناشية مِنْ ظهورات الواحد و هيئات تنزّلاته و بالماۤء مع قطع النّظر من الثلج و بالثوب و تلوّناته بالاصباغ المختلفة و كلها بمعني واحدٍ ترجع الي معني واحدٍ من الشمول كما ذكرنا و علي سكون الفاۤء يراد بالنفس النّفس التي هي صفة الرحمن و اثره لانّها منسوبة اليه و بها تجلّي الرحمن علي العرش فظهرت علي اركانه الاربعة بكل الوجود باقسامه الاربعة الخلق و محله الركن الاسفل الايسر من العرش و هو النور الاحمر و بابه جبريل عليه السلم و الرزق و محلّه الركن الاعلي الايمن من العرش و هو النور الابيض و بابه ميكاۤئيل عليه السلم و الممات و محلّه الركن الاعلي الايسر من العرش و هو النور الاخضر و بابه عزراۤئيل عليه السّلم و الحيوة و محله الركن الاسفل الايمن من العرش و هو النور الاصفر و بابه اسرافيل عليه السلام قال الله تعالي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم و هي نفس الولي عليه السلام المعبّر عنه بصدر العالم و النفس الكلّية و نظيرها الباۤء في الحروف اللفظية و في الحديث علي ما رواه ابن ابي‌جمهور عن النبي صلي الله عليه و اله انه قال ظهرت الموجودات من باۤء بسم الله الرحمن الرحيم و قول بعضهم علي الوجه الثاني او النفس بالسكون كلّما ارادت النفس ان تتكلم بحرف فبارادتها يقارن مخرج ذلك الحرف فيعرضه ذلك و يحمله فهو امر واحد لمروره بمخارج الحروف حين التكلم يعرضه العوارض الحرفيّة المتخالفة لا معني [ص 91] له اذا جعله تفسيراً للنفس الرحماني بسكون الفاۤء و انما هذا تفسيره بالفتح ، و الحاصل انهم يجعلون حقيقة الوجود شيئا واحداً بسيطاً و انّما تكثر متفاوِتاً بين افراده الموجودات لاجل اختلاف ظهوراته الحاصل باختلاف مظاهره من غير تعدّدٍ في الحقيقة من حيث هي و يمثلون لذلك بالشمس و اشراقها علي الزجاجات المختلفة الالوان بلا تعدد في تلك الحقيقة و لا تجزية و لا تبعيض فهو الكل في الكلِّ و انت اذا فهمتَ كلامي الماضي و ما اقول لك الأن عرفت انهم مافهموا ما يقولون و ان تمثيلهم غلط و لو عرفوا الحقيقة لاصابوا في المثل و بيان غلطهم في المثل انهم جعلوا الوجود كالشمس و اتحادها و اختلاف اشراقاتها علي الزجاجات المختلفة فانّ المختلف هو العكوسات عن الاشراقات فالمثال الحق ان حقيقة الشمس غير حقيقة الاشراق و هو واحد و امّا العكوسات المختلفة فهي في تحقّقها خارجاً مختلفة الحقاۤئق لان استضاۤءة الزجاجات انما تحققت في الخارج بحيث تعلّقت بها الارادة الكونية بقابليّات الزجاجات لها و لا كون لها خارجا قبل قابليات الزجاجات فالموجودات في الحقيقة مثالها الاضواۤء المنعكسة و لا ريب في تغايرها في انفسها فلاتجمعها الّا حقيقة كلّية لا بسيطة متشخّصةٌ و نظيره ما قال الشاعر :

اري الاحسان عند الحرّ ديناً و عند النّذل منقصةً وَ ذمّا

كقطر الماۤء في الاصداف دُرٌّ و في بطن الافاعي صارَ سَمّا

و لا شك انّ اللُّؤلؤ و السَّمّ حقيقتان مختلفتان و لا شَكَّ اَنّ اَصْلَهُمَا من ماۤءٍ وَاحدٍ و لاتجمعهما حقيقة واحدة من الماۤء و الّا لكانت حقيقة النحاس و حقيقة الانسان واحدة لانهما خلقا من العناصر و المنعكس عن الزجاجة ليس الواقع عليها و الّا لذهب الواقع اذا انعكس علي الارض بل هو نور من الواقع علي الزجاج فهو جزء من سبعين جزءاً من ذلك الواقع لانه شعاعه فالمنعكس [ص 92] الاخضر غير المنعكس الاحمر لمغايرته له في الماۤدة و الصورة فليس الوجود المتكوّن منه زيد هو المتكوّن منه عمرو الّا بلحاظ المعني الثاني الذي هو الحصّة اي المفهوم بقيد الاضافة و لو قيل به كان لوُجودات هذه الافراد جنس فاذا صدق علي كل واحدٍ منها الحقيقة وقع التحديد و المفهوم ما لم‌يصدق علي الخارج لاتلحق الاحكام العارضة له بالاخر و لاتجري عليه فلايكون مفهوما منه و لا له للحوق كلٍ حكم ما يعرض له فيفترقانِ و مع الصدق يقع التحديد و غلطهم في المثال لتوهّمهم انّ المنعكس المختلف هو بعينه هو المشرق المتّحد و ليس كذلك بل المنعكس ظل للمشرق يتوقّف تكونُهُ علي القابل فحقيقته هو الموجود المختلف بما هو مختلف و المشرق صانع و المنعكس مصنوع و الصانع غير المصنوع فقولهم ان النفس الرحماني بالسكون هو الذات المنبسطة علي الكل ، غلط لانّ الواحد المنبسط غير المتعدّد المقبول بالقوابل لان المقبول اثاره المتعددة التي لم‌تكن جزءا من تلك الحقيقة المنبسطة و انّما هي تعلّقات و وجوه منها لم‌تكن موجودة معها و لا في رتبتها و لا جزءا منها و لا متّصلة بها و لا قاۤئمة بها قيام ظهور و لا قيام تحقّق و لا قيام عروض و انما قامت بها قيام صدور بل كلّ وجهٍ و تعلّقٍ منها قاۤئم في مقامه الذي خُلِق فيه كما قال سيد الساجدين عليه السلام لايملكون تأخيراً عمّا قدّمَهم اليه و لايستطيعون تقدّماً الي ما اخّرهم عنه ه‍ ، فانبساطُ ذلك الوجود بالظهور باثاره لا بذاته فتفهّم ،

و قوله « و تارة بالرحمة التي وسعَت كل شيء » نريد نحنُ به وسعت كل شيء باثارها لا بذاتها و الّا لتساوت الاشياۤء في الخير و اثار الخير و ان كانت ايضا خيرا لكنّها لَمّا لم‌تتحقق في انفسها الّا بقوابلها كانت حقاۤئقها علي حسب مقتضي قوابلها فمقتضي قبول الاجابة يكون به الاثر المقبول خيرا و منيراً و مقتضي قول الانكار يكون به المقبول شرا و مظلما و الكتاب [ص 93] و السنة مشحونان بالاشارة الي هذا من ذلك قوله تعالي و قالوا قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم و القلوب اصلها النور فطبع الله عليها بانكارها فكانت ظلمة و قول الصادق عليه السلم العقل ما عبد به الرحمن و اكتسِبَ به الجنان قال الساۤئل فالتي في معوية قال عليه السلام تلك النكراء تلك الشيطنة و هي شبيهة بالعقل و ليست بعقلٍ و قوله تعالي و ننزل من القرءان ما هو شفاۤء و رحمة للمؤمنين و لايزيد الظالمين الّا خساراً لان ما زاد الظالمين خساراً فبظلمهم و الّا فانه لو اقترن بايمان المؤمنين كان شفاۤء و رحمةً و مثله ما روي في حديث العقل الكلي ايّاك اُثٖيبُ و ايّاك اُعاقِبُ و هو قولنا في قوله و نزوله في منازل الهويات ، فانه لاينزل فيها بذاته و انما ينزل فيها باثاره المفعولية و مظاهره الفعلية و هو علي ما هو عليه كما يظهر السراج باشعته فانّ انبساطه باثار فعله لا بذاته و الاثار محدثة به لا منه .

قال : « و ستعلم معني الكلام من ان الوجود مع كونه امراً شخصيّاً متشخّصا بذاته متعيّناً بنفسه مشخِّصاً لما يوجد به من ذوات الماهيات الكلّية كيف يتّحد بها و تصدق هي عليه في الخارج و يعرض مفهومه عليها عروضا في الذهن بحسب التحليل العقلي » .

اقول : يعني به وجوده المبهم الذي مرّة يكون ربّا و مرّة يكون عبداً و قد علمت بان هذا الوجود المشار اليه لايصلح لله سبحانه و لايصلح لخلقه لان الشّخصيَّ المتشخّص بذاته في الخارج غني في كونه و تشخّصه و تشخيصه عما سواه لايكون الّا ربّا و المتّحِدُ بما يوجد به بحيث يصدق ذلك الموجود به عليه في الخارج و يعرض مفهومه في الذهن علي الموجوداتِ به بحيث يكون عارضاً في التعقل علي ما وُجِدَ به لايكون الّا عبداً ناقصا محتاجاً لايصلح الّا لبعض الخلق كالاعراض مع انه اذا صدقت الماهيات الكلية عليه في الخارج [ص 94] فقد كان المصداق كلّيّاً فاذا كان الخارجي كلّيّا كان مفهومه كليّاً موجوداً في الذهن عارضاً لها فيكون جنساً او فصلا او غيرهما كما في ساۤئر المفهومات الكلّية فيجري عليه التحديد و هو قد منع منه قبل ذلك فقال دون الوجود الّا بالعرض يعني ان هذه الاوصاف انما تلحق الماهيات الكلية لصحة نقلها بذاتها الي الذهن دون الوجود فلاتلحقه هذه الاوصٰاف الّا بالعرض لكونه ح عارضاً لها عند التحليل العقلي فقلنا تجويزك و حكمك بصدق الماهية الكلية عليه في الخارج لايصلح الا لكونه كليا في الخارج فاذا حلّله العقل لم‌يحلّله عن كلّيته الّا ان كان جزئيّا في الخارج و ح لم‌يصدق عليه الماهيّة الكليّة فان كان متشخصا في نفسه امتنع الصدق الّا باعتبار تعدد الحيثيّة و ان كان كليا في نفسه لم‌يحلّل العقل كليته بل ينقله بها الي الذهن و يقع التحديد و دعوي ان الانتزاع لا من حيث الامر الخارجي لمغايرته للمفهوم فتكون جهة الانتزاع اعتباريّة لحكمه بانه عارض عليها و الاحكام الاعتبارية غير متحققة في نفس الامر غير صحيحة و الّا لكذب الانتزاع مع انا قررنا تحقق وجود كل الامور الاعتبارية عقلا و نقلاً علي ان صحة الصدق خارجاً تحقّق الاتّحاد و مفاد تحقق الاتحاد و اللازم منه ان يكون للوجود حصولان حصول معناه في الذهن و هو نقله الي الذهن مع قطع النظر عن العوارض الخارجية يعني مجرّدا عنها و الحصول العرضي الانتزاعي لان الوجود متّحد في الخارج الذي هو مُتَحقَّقُ الحقيقة بالماهيات الامكانية الكلية ذوات الحصولين الحصول المعنوي الذاتي و الحصول العرضي اذِ المنافي لهذا انما هو المغايرة الذهنية الاعتباريّة و هي غير موجودة لان الموجود انما هو الاتّحاد و التحليل العقلي يشهد بعدم تحقق المغايرة مع الاتحاد خارجا [ص 95] الّا بلحاظ التركيب و امّا معقول عارضيّة الوجود فانما هو باعتبار الحمل الصناعي مثل هذا موجود او باعتبارِ انّها هي الوجود الحقيقيّ الذاتي الخارجي و انه بلحاظ التعدد الواقعي الذٖي هو تركّب هذا الشيء من قابل و مقبول او من جهة خالقه و جهة نفسه كما قلنا سابقا مع لحاظ ان الماهيات في نفسها غير مجعولة بل هي صور علميّة ثابتة في ذاته تعالي كما يقول اهل الاشراق او في الامكان الذاتي كما يقوله المعتزلة و انما المجعول وجوداتها انه يكون عارضاً فلمّا رأوه عارضاً مستقبل اوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب اليم و هذه الريح من هوي النفس المتّخذ الٰهاً لا حول و لا قوة الّا بالله العلي العظيم .

قال : « و يظهر لك ايضا انه كيف يصدق القول بكون حقيقة الوجود مع كونها متشخّصةً بذاتها مختلفة الحقاۤئق بحسب اختلاف الماهيات الامكانية المتّحدة كلّ منها بدرجة من درجاته و مرتبة من مراتبه سوي الوجود الحق الاول الذي لا ماهية له لانه الصريح الوجود الذي لا اتم منه و لا اشدّ قوّة و كمالاً و لايشوبه عموم و لا خصوص و لايحدّه حدّ و لايضبطه اسم و رسم و لايحيط به العلم و عنت الوجوه للحي القيوم » .

اقول : لايصدق القول بكون حقيقته مع تشخّصها بذاتها مختلفةَ الحقاۤيـٔق بحسب اختلاف الماهيات الخ ، الّا بكون تلك الحقيقة هيولي لتلك الاشياۤء المتعدّدة كالخشب الذي حقيقته متشخِصةً بذاته الخشبية المتّحدة بما في السرير و الباب و السفينة من المواۤدّ الخشبيّة الّا انه مع هذا فانّا لانحكم ببساطة الخشب بل هو مركب من مادة و صورة و السرير مركب من مادة هي تلك الحقيقة المركبة من مادة و صورة و هما الخشب و من صورة و كذلك الباب و السفينة و الوجود ايضا كذلك مركب من ماۤدة هي جهته من [ص 96] ربّه و من صورة هي هويّته و الاشياۤء منه اجزاۤء او جزئيات علي نحو ما اشرنا اليه سابقا يعني حصصاً منه تتحقق و تتميّز كل حصّة بمشخّصاتها و مميّزاتها و هذا كله علي قولهم باتّحاد حقيقة الوجود في كل موجود كما قلنا في الخشب بالنسبة الي ما صنع منه و امّا علي قولنا تبعاً لقول ساداتنا و موالينا ائمة الهدي صلي الله عليهم اجمعين بان الوجود حقاۤيـٔق متعددة فالاول وجودهم الاربعة‌عشر معصوما عليهم السلام لا غير لم‌يخلق الله سبحانه غيره و لم‌يخلق من حقيقته غيرهم ثم خلق من شعاعه الانبياۤء عليهم السلام كذلك ثم خلق من شعاع وجود الانبياۤء عليهم السلام وجود المؤمنين و هكذا الي الثري كل حقيقة عليا لم‌يخلق من ذاتها السفلي و انما خلق السفلي من شعاع العليا فالعليا مثلا كالشمس نفسها و السفلي كشعاعِها المشرق علي الارض و كل رتبة حقيقة في محلِّها و لما دونها و مجاز و اثر لمٰا فوقها نعم افراد كل رتبة كالخشب و ما عمل منه فالتمثيل بالخشب انما هو لافراد كل رتبة و امّا الوجود الحق عز و جل فكما قال عليه السلم :

اعتِصام الوري بمغفرتِكْ عَجَزَ الواصفون عن صِفتِكْ

تُبْ علينا فانّنا بَشرٌ ماعرفناك حق معرفتِكْ

سبحان ربك رب العزّة عمّا يصفون ،

و قوله « لا ماهية له » يعني مغايرة لوجوده تعالي بحال و الّا فله ماهية هي عين وجوده بلا مغايرة لا خارجا و لا ذهنا و لا فرضاً و اعتبارا بل وجود و ماهية و ذات و علم و قدرة و سمع و بصر و حياة و عزة و قدس و ما اشبه ذلك اسماۤء لجهة واحدة اختلفت باعتبار متعلقات تأثيرات افعاله تعالي و لا مبادي لتلك الّا تعلقات فعله بمفعولاته التي هي مظاهر معاني افعاله الحسني و امثاله العليا لا اله الّا هو اليه المصير .

[ص 97] قال : « المشعر الثالث - في حقيقة الوجود . اعلم ايّدك الله بنوره ان الوجود احق الاشياۤء بان يكون ذا حقيقةٍ موجودةٍ و عليه شواهد قطعية : ٱلاول انّ حقيقة كلّ شيء هو وجوده الذي يترتب عليه اثاره و احكامه فالوجود اذن احق الاشياۤء بان يكون ذا حقيقة اذ غيره به يصير ذا حقيقة فهو حقيقة كل حقيقة و لايحتاج هو ( في ان يكون ذا حقيقة الي حقيقة اخري فهو . خ‌ل ) بنفسه في الاعيان و غيره اعني الماهيات به في الاعيان لا بنفسها » .

اقول : اعلم انّ الباحثين عن هذا الشأن اختلفوا بعد اتّفاقهم علي حصول موجودات في الخارج فيها هل هي وجودات موهومة التحقق في الاعيان بل هي نقوش فَهْوَانِيّةٌ ام هي وُجوداتٌ بحتٌ حادِثةٌ اقيمت بذواتها من غير وجودٍ غيرِها يقيمها و لا ماهيةٍ سوي ذواتها ام وجودات ازلية قديمة تعينَتْ بما عرض لها من الماهيات الاعتبارية الموهومة ام وجود واحد بسيط ذاتي ازليّ تكثّرت تعيناته بما لحقها من احكام مراتبها بحسب كل مرتبة في احكامها ام وجود واحد بسيط فعليّ ازليّ تكثرت تعيّناته في مراتبها بحسب احكام تلك المراتب ام كل موجود وجودانِ وجود حقّ و وجود خلق تعيّن الحق بالخلق و الخلق بما لحقه من احكام مرتبه (كذا) ام وجودان وجود حق لم‌يتعيّن مع وجود خلق تعيّن باحكام مرتبَتِهٖ ام هي ماهيات بحت مكوّنة بانفسها من غير وجود سوي حُصولِها في الخارج ام مكوّنة بوجود عارض عليها به كانت من غير ان يكون جزءاً ذاتيّا لها ام ماهيات غير مكوّنة بل صور علميّة اظهرت في الاعيان بما عرض لها من احكام الاكوان ام هي ماهيات ثابتة البست ثوبا به ظهرت في الاعيان كالاواني الثابتة في المكان المظلم اذا اشرق عليها نور السراج ظهرت للناظر اليها اَمْ هي ماهيّاتٌ موهومة التّحقق في الاعيان و انّما هي نقوش انموذجيّةٌ فَهْوَانيّةٌ ميزانيّة ام هي متقوّمة [ص 98] من وجود اعتباري و ماهيّة متحققة ام بالعكس ام من اعتباريّين فهي موهومة التحقق ام هي مركبات من موجودات و ماهيات كلّ فردٍ مركّب من وجود و ماهية في الاعتبار بمعني ان التحقق للوجود خارجاً و الماهية في الخارج متّحدة به بمعني اَنّها تصدق عليه و يعرض له ما يلحقها بسبب فرض لزومِها له و ان كانت مغايرة له في الذّهنِ كما يذهب اليه المصنف و اتباعه ام هي مركبات كل موجود مركب الذات من وجود هو مادته و من ماهيّةٍ هي صورته و هذا هو الذي اذهب اليه و كل منهما متقوّم بالاخر فالوجود متقوم بالماهيّة تقوّم ظهور و الماهيّة متقوّمة بالوجود تقوّم تحقُّقٍ قَدْ تلازَما بالترابُطِ و التداخلِ من غير اتّحادٍ و لا استهلاكٍ و لا انفصالٍ بل بتداخل و تمازجٍ كتداخل اجْزاۤء الظلمة باجزاۤء نور السراج فان نوره ينبعث عنه علي هيئة مخروطٍ قاعدته عند السراج و رأسه الي حيث ينتهي و الظلمة التي مازجته و تقوَّمَ بها علي هيئةِ مخروطٍ رَأسُهُ نقطة عند السراج في قاعدة مخروط نوره و قاعدة مخروطها الي حيث ينتهي النور و ذلك في الشدة و الضعف كل علي عكس الاخر و امّا في الحجم ظاهراً فعلي العكس في النور خاۤصّة فهما في الحقيقة كرتان متداخلتان متقابلتان بقطبيهما و سطحيهما وَ استدارتهما امّا القطبان فالنور يدور علي السراج علي التوالي و امّا الظلمة فتدور علي نفس النور من حيث نفسه لا من حيث السراج علي خلاف التوالي و امّا السطحان فالنور سطح كرته عند منتهاه الي جهة الظلمة و امّا الظلمة فسطح كرتها عند جهة سطح النور بالمقابلة لا بالتوازي و امّا في الاستدارة فكما سمعتَ في استدارتهما علي قطبيهما فالوجود احدثه اللّه تعالي بفعله بذاته اوّلا و بالذات من غير وجودٍ زاۤئد علي ذاته و اقامه بماهيّته و امّا الماهيّة فاحدثها الله عز و جل ثانيا و بالعرض باثر فعله الذي احدث به الوجود و ذلك الاثر فعل ثانٍ اشتقّه [ص 99] عز و جل من الفعل الاوّل كاشتقاق النور من المنير فهو منه جزؤ من سبعين جزءاً فَبِه احدث الماهية من نفس الوجود من حيث نفسه لا من حيث ربّه كالكسر فانه حدث من فعل الكاسر و الانكسار خلق من نفس الكسر من حيث نفسه لا من حيث فعل الكاسر بفعل اشتق من فعل الكاسر للمكسور كما قلنا في النسبة و لذا نسب الي المكسور بنفسه فكان فعلاً له و هو المعبّر عنه بالقبول الاتري انك اذا نظرتَ الي امر الله تعالي و تأمّلتَ فيه وجدتَ فاعلَ امرِ اللّه تعالي هو المخلوق المكوّن فاذا قال تعالي كن ففاعل امر الله ضمير تقديره انت يعود الي المكوَّن لانه فاعل فعل الله بقابليته فلذا قال فيكون فصار المخلوق فاعل كن و يكون فتفطّن في هذه الاسرار التي جرت بها الاقدار ففاعل كن قابل الوجود و فاعل يكون قابل الماهيّة و في الحقيقة لم‌يتم الموجود بهما بل مع وُقوع التلازم فخلق اللّه من نفسيهما التلازم بفعلٍ مترتب علي فعليهما كما تقدم ثم الزم بينهما بفعل رابع مترتّب علي الثلاثة الافعال كما مر فالفعل الاوّل من مشيّة اللّٰهِ و الثاني من ارادة اللّهِ و الثالث من قدر اللّهِ و الرابع من قضاۤء اللّه فتمّ صنع الموجود بهذه الاربعة الحدود من هذه الافعال الاربعة و انا اريد بهذه الماهية قابلية الوجود و مجموعهما هيولي و مادة لما تحتهما فيؤخذ من المجموع حصة و تلبس صورة شخصية فالموجود هو الوجود بلحاظ انه اثر الله و صنع الله و نور اللهِ و هو الماهية بلحاظ انه هو فنفسه باللحاظ الاول من عرف نفسه فقد عرف ربه و باللحاظ الثاني انّيته التي بها حُجِبَ عن ربه و ما اعجب ما ذكرتُ لك عندك حيث انهم يقولون كان الوجود و الماهية بايجادٍ وَاحدٍ و انا اقول باربعة ايجادات حقيقية كونيّة متحققة في الخارج لا في الاعتبار و انما اطلتُ هنا لاجل انتفاعِك بهذه الاسرار الخفيّة و لتعلم مسلكي في امثال هذه القضيّة ،