اقول : كلامه هذا ذكره سابقا و هذه الدعوي انا احبّ ان تعرضها علي عقلك و ايّاك ان تنظر الي مَن قال فتقول في نفسك هذا فاضل العصر و واحد الدهر كيف يجوز ان تقع منه مثل هذه الاغلاط و الهفوات البيّنة فتكابر عقلك حتي يدعوك الحال الي تأويل ما قال و تصحيحه و ان لم‌يدل عليه كلامه بل تنظر الي ما قال و انا اذكر لك الأن قوله الٰاتي : قال فانك اذا فرضتَ بسيطاً هو ج مثلاً و قلتَ ج ليس ب فحيثيّة انه ج ان كانت بعينها حيثية انه ليس ب حتي تكون ذاته بذاته مصداقاً لهذا السلب فيكون الايجاب و السلب شيئا واحداً و لزم ان يكونَ كل مَن عقل الانسان عقل ليس بفرس بان يكون نفس عقله الانسان نفس عقله ليس بفرس لكن اللازم باطل فالملزوم كذلك فظهر و تحقّق انّ موضوع الجيميّة مغاير لموضوع انه ليس ب و لو بحسب الذهن فعلم ان كل موجودٍ سُلِبَ عنه امر وجودي فهو ليس بسيط الحقيقة بل ذاته مركبة من جهتين جهة بها هو كذا و جهة هو بها ليس كذا فبعكس النقيض كلّ بسيط الحقيقة هو كل الاشياۤء انتهي ، فاسالك باللّه هل كلامه هذا من البراهين التي يشهد لها الكتاب و السنة و احاديث الائمة عليهم السلام [ص 50] ام من الانظار الحكمية البحثية و المغالطات النفسية فان قلت بالاول فانا اسأل الله سبحانه ان يصلح لك وجدانك فاذا لم‌يكن كلامه هذا من الانظار الحكمية البحثية فما الانظار الحكمية البحثيّة و كل رسالته من هذا القبيل الذي نفاه و ابطله ، ثم اقول في بعض نقض كلامه هذا : بسيط الحقيقة هو الذي فرض معه شيء غيره و لم‌ينف عنه لئلاتتركب حقيقته من الاثبات و النفي ام هو الذي لم‌ينف عنه شيء لانه لم‌يكن معه شيء في رتبته فان كان بسيط الحقيقة هو الذي معه شيء غيره و لم‌ينف عنه فهذا مركب و ان نفي عنه ذلك الغير لم‌يكن ذلك البسيط كل شيء اذ لا شيء الّا المنفي فيتركب من الاثبات و النفي و ان كان هو الذي لم‌ينف عنه شيء لعدم وجود شيء في رتبته فهذا بسيط الحقيقة و لكن اي شيء يكون هو كلّه ثم الاشياۤء كلها صنعه منها ما كان و منها ما سيكون و منها ما لايكون و ان كان ممكنا و منها حق و منها باطل و منها طيّب و منها خَبيثٌ و كل شيء من هذه انما هو شيء بما هو هو من طيب و خبث و حق و باطل و كون و عدم فعلي قوله بعكس النقيض هو كل ما كوّنه و ما لم‌يكوّنه و كل حسنٍ و كل قبيح و ايضا النفي لايكون قيداً للثابت الّا اذا اخذ قيداً للاثبات الذي هو الايجاد ليتحقق التركيب في الحقيقة لا النفي الذي هو لنفي شيء ليتميز آخر عند المميّز كما في الصفات السلبية و لذا قال اميرالمؤمنين عليه السلم لكميل محو الموهوم و صحو المعلوم فافهم و يأتي انشاۤء الله تعالي كمال البيان في محلّه فعكس النقيض الذي ذكره مبني علي ما نفاه من التقليدات و المغالطات و التخيلات و المصنف كان حيّا من الاشياۤء مجتمع الاجزاۤء و الأن هو ميت متفرق الاجزاۤء فيدخل باحواله المتغيّرة في تلك الاشياۤء فان مثّل التغيرات بامواج البحر بالنسبة الي البحر كما يلحدون فيه فهل التغيرات من الاشياۤء حال تغيراتها و انما هي شيء بما هي [ص 51] تغيّرات فان جعلها موهومة فكل محدث موهوم هو و ما يلحق هو به من الوجود و ما كلامه الا كما ذكره ابن عربي في الفصوص في قوله :

و لولاه و لولانا لماكان الذي كانا

الي ان قال :

و غَذِّ خلقه منه تكن روحا و ريحانا

فاعطيناه ما يبدو به فينا و اعطانا

علي ان معني كونه كل الاشياۤء يرجع الي احد امرين امّا ان يكون هو كل الاشياۤء من حيث غيره بما فيها من نقائص الامكان لان هذه النقائص ايضا من الاشياۤء و اِمّا ان يكون كل الاشياۤء لا من حيث الاشياۤء او من حيث لا اشياۤء و لا مغاير بوجه ما و لايعلم سبحانه شيئا سواه و كلها باطلة فيبطل المعني علي الاولَين و اللفظ علي الثالث و ليس هذا موضع الكلام علي ما ذكره و انما ذكرناه علي قوله انّ ما يذكره يشهد له الكتاب و السنة و ليس من الانظار الحكمية البحثية ثم انظر فيما ذكرته لاي القولين يشهد الكتاب و السنة و احاديثهم عليهم السلم و قوله « لمناسبة بين الفحوي و الظاهر » الفحوي هو المعني و استعمله في معني الاشارة ،

و قوله « مستمدا من اهل ملكوته » الملكوت مبالغة في الملك و هو عند العرفاۤء يستعملونه غالبا في عالم النفوس و امّا الجبروت فالاكثرون يطلقونه علي عالم العقول و بعضهم يطلقه علي مجموع الملك و الملكوت و منهم من يعكس فيجعل الملكوت اعلي من الجبروت و يستعمل الملكوت كثيرا في القرءان و الاخبار علي زمام الشيء الذي به قِوامه و المراد به هنا عند المصنف العقل الفعّال يعني به الحق المخلوق به و يأتي انشاۤء الله تعالي الكلام فيه في محله زيادة علي ما تقدم .

قال : « الفاتحة - في تحقيق مفهوم الوجود و احكامه و اثبات حقيقته و احواله و فيه مشاعر » .

اقول : يريد بمفهوم الوجود ما هو اعم من الاصطلاحي يعني معلوميّته [ص 52] بما ذكر من بيانه بانه حقيقة كل شيء و انه ليس المراد به الامر الانتزاعي الذهني و ما اشبه ذلك و علي هذا المعنَي يراد بالمفهوم هو المعني الخارجي و باحكامه مثل قوله انه حقيقة كل شيء و ما اشبه ذلك من كونه منبسطا علي جميع الحقاۤئق مع توحّده في نفسه من غير لزوم كثرة في ذاته و باثبات حقيقته مثل قوله لو لم‌يكن الوجود موجوداً لم‌يكن شيء من الاشياۤء موجوداً و باحواله مثل كيفيّة شموله للاشياۤء و يأتي الكلام فيها انشاۤء اللّٰهُ تعالي .

قال : « المشعر الاول - في بيان انه غني عن التعريف ، انيّة الوجود اجلي الاشياۤء حضوراً و كشفا و ماهيته اخفاها تَصوّراً و اكتِناهاً و مفهومه اغني الاشياۤء عن التعريف ظهورا و وضوحاً و اعمُّها شمولا و هويّته اخصّ الخواۤصّ تعيّنا و تشخّصاً اذ به يتشخّص كل متشخصٍ و يتعيّن كل متعيّن متخصِّصٍ و هو متشخص بذاته متعيّن بنفسه كما ستعلم » .

اقول : الانّيّة للشيء حقيقته بلحاظ كونه ثابتا حاۤقّا فهو اجلي الاشياۤء يعني انه ابيَنُها و اظهرها حضوراً و كشفاً لان الحضور و الكشف انما هو بالموجوديّة التي هي اثر الوجود ،

و ماهيّة الشيء ما به يجاب عن السؤال بما هو من حقيقته اِما بحده الحقيقي او بحقيقته المعلومة بالبداهة فماهية الوجود التي هي كنهه و حقيقته المسئول عنها اخفي الاشياۤء و ابعدُها عن العقول و الافهام تصوراً و اكتناهاً لان الشيء اذا اردتَ تصوّره لا بد ان يتوجّه عقلك او خيالك الي جهته الّتي يحلّ فيها و رتبته من الوجود و يتمثّل هيئته التي بها يمتاز عن غيره فاذا كان الشيء هو الوجود فارادتك و عقلك و توجههُ و الجهة او الرتبة و التّمثل و الهيئة و الامتياز و الغير و ما اشبه ذلك ليست غير الوجود فاي شيء تطلب فهو الطالب و المطلوب و الطلب ،

و مفهوم الشيء ما يفهم من اطلاق لفظ اسمه خاصة باعتبار دلالة ماۤدته و هيئته الموضوعين [ص 53] بازاء معناه الذهني الانتزاعي لمراعاة المناسبة لمعناه الخارجي الذي لاجله التأليف و لاجله الوضع و قد يستعمل في المعني الذي وضع اللفظ بازاۤئه و هو مراده هنا فمفهومه اغني الاشياۤء عن التعريف لان كل ما سواه لايعرف الّا به و لايظهر و لايتّضح الّا به ،

و اعمّها شمولاً لان كل شيء هو شيء ان كان موجوداً و ان لم‌يكن موجودا فليس شيئا فقوله اعمُّهَا اي الاشياۤء شمولا انّما يصحّ علي قولي بان كل شيء موجودٌ و امّا علي قوله بان الشيء اعم من الوجود فيكون الشيء اعمّ من الوجود شمولاً ،

و هوية الشيء هي حقيقته المشار اليها بهاۤء التثبيتيّة الدّالة باصل الوضع علي تثبيتِ الثابت و بالواو الدالّة علي الغيبة عن الحواۤس فهويّة الشيء حقيقته المميّزة بالاشارتين فهويّةُ الوجود اخصّ الخواۤصّ تعيّناً و تشخّصا لان تعيّنه و تشخّصه من ذاته بمعني ان تعيّنه و تشخّصه ليس من غيره و تعيّن غيرِه و تشخُّصه منه و هو قول المصنف اذ به يتشخّص كل متشخّصٍ و يتعيّن كل متعيّن ، لان التشخص و التعيّن قوّة ظهور المتشخّص و المتعيّن و شدّته و هما مقابلان للخفاۤء و الضّعف اللذَيْن سري فيهما الفقدُ و العدم و هذا ظاهر و في ذكره الانية و الماهية و الكنه بعنوان المغايرة فيه نظر الا انه لا فائدة كثيرة في بيان ذلك .

قال : « و امّا انه لايمكن تعريفه فلان التعريف انما يكون بالحد و الرسم و لايمكن تعريفه بالحد حيث لا جنس له فلا فصل له فلا حدّ له و لا بالرّسم اذ لايمكن ادراكه بما هو اظهر منه و اشهر و لا بصورة مساوية له فمن رام تعريفه فقد اخطأ اِذ قد عرّفه بما هو اخفي اللهم الّا اَن يريد تنبيهاً و اِخطاراً بالبال و بالجملة تعريفاً لفظيا » .

اقول : يريد بقوله « انه لايمكن تعريفه » لما يلزم من ذلك فان ما يعرّف به الوجود ان كان وجوداً لزم تعريف الشيء بما لايعرف الّا به او تعريفه بنفسه [ص 54] فيلزم الدور و ان كان غير وجود لزم تعريف الشيء بما يُنٰافيه فيكون ستراً له لا كشفاً له فلايكون تعريفه ممكنا و لان التعريف ان كان بالحد تامّاً او ناقصا لَا بُدَّ فيه من الجامع و هو الجنس قريبا او بعيداً فيكون جامعاً لهُ و لغيره و لا شيء غير الوجود يدخل معه و لايدخل فيه مع غيره الّا العدم و لايجمع المتنافيين جامع و الفصل المانع موقوف علي وجود الجامع و كذا تعريفه بصورة مساويةٍ له فان حصول الصورة المساوية له موقوف علي ثبوت غيرٍ الّا ان يعرف بعض مظاهره ببعضٍ لاجل التنبيه كما قال تعريفا لفظيا ، و اعلم ان المصنف يريد من الوجود معني غير ما يريده اكثر الباحثين عنه لانه يريد به الوجود المطلق الصّادق علي الواجب و الحادث صدقا حقيقيا ذاتيا و هو حقيقة واحدة و كلامنا في الوجود الحادث و انّ الوجود المطلق بالمعني الذي عناه باطل و نحن نلاحظ في الكلام علي كلامه ما يصحّ عندنا فقد يوافقه لفظا و قد يخالفه لانه يعني بهذه الابحاث الواجب عز و جل و مع هذا بني مباحث اعتقاده علي ما نفاه سابقا من الانظار الحكمية البحثيّة التي نفاها مرتين و لم‌يخرج عنها طرفة عين و انما يتعمّق فيما قالوه بما قالوه فانّه يتعمّق في تصحيح احكام القضايا من حمل محمولاتها علي موضوعاتها فيما لم‌يثبت موضوعه او محموله الّا في الاعتبار الذي هو ليس شيئا الّا في الذهن و انّ ما في الذهن ليس منتزعاً من خارج بل هو وجود ذهني مستقل فيحمل بزعمه علي الممتنع و الحمل لايصحّ الّا علي موجود و دعوي وجوده في الذهن تكذّب القضيّة لانه ان وجد في الذهن فليس ممتنعاً بل هو ممكن فاذا قيل مثلا شريك الباري ممتنع ان كان موجوداً في الذهن كذبت القضية و ان لم‌يكن موجودا بطل الحمل و ان كان باعتبار الخارج في الامتناع فليس في الخارج ممتنع و لو سلم فيه امتناع لم‌يكن موضوعا مع انا قد بيّنّا ان ما في الذهن لايكون الّا انتزاعيا و ان [ص 55] الانتزاعي ظل لايتقوم الّا بذاتٍ في الخارج الذي هو ذو الظل فيكون الشريك ممكنا و لو سلمنا ان ما في الذهن مستقلّ فهو ممكن لا ممتنع و كذا حمل ما هو اعتباري عدمي علي موجودٍ و يرتبون عليه احكام وجوديّة خارجية ، و الحاصل ان معرفة اللّهِ سبحانه و معرفة الاشياۤء كما هي في اصل البدء لاينال شيء من ذلك بالقوانين المنطقية لان المنطق مبني علي مدارك عقولهم الاكتسابيّة و علي ما يفهمون من دلالة الالفاظ و الالفاظ وضعها الله سبحانه و تعالي بعلمه كما اطلع عليه اهل العصمة عليهم السلام و قد اخبروا انها علي سبعين وجها و اللغة الّتي يتعاطونها الناس و بني عليها علم المنطق وجه واحد من سبعين فكيف يكون عقل اسّسوا مداركه علي وجه واحدٍ من سبعين يعرف شيئا اصله مبني عَلي سَبْعٖين وجها و ستقف علي ما يصدّق مقالي هذا كله اِنْشاۤء اللّه تعالي فاوَّلُ ما يرد علي تعريف الوجود انه اذا كان كلّ وجودٍ و ماهيةٍ شيئا وَاحداً في الخارج عند المصنف و ان تغايَرا في الذهن و قد قال : انّ تصوّر الشيء مطلقا عبارة عن حصول معناه في النفس مطابقا له في العين ، و يراد مِن حصول معناه ان حقيقته تكون في الذهن معرّاةً عن العوارض الخارجيّة و ما العوارض الخارجيّة علي ما حققناه و سنذكره انشاۤء اللّه تعالي الّا الماهية او متمّماتها فلم‌يبقَ من الشيء بعد العوارض الخارجية الّا حقيقته و هي الوجود لانه حقيقة كلّ شيء فاذا جَازَ نقل المَاهيّة الخارجيّة الَي الذّهن بعد طرح عوارضها الخارجيّة مَع انّ الذِّهْن و وجوده مغايرٌ لَها جَاز نقل ٱلوجود اليه بَعْد طرح ما يعرض لَهُ خارِجاً بحقيقته مع انّ الذّهن و وجوده غير مغايرٍ له كما اشرنا اليه و نشير فيجري عليه ما يجري علي غيره لوجود الجنس و الفَصْل لتعدد انواعِهٖ وَ امَّا عَلي مَا نريد من الوجود الذِّهْني باَنّهُ انتزاعي ظلّي فَمَا فيه من المَاهية كما فيه من الوجود فحكمه فيه حكم غيره فيه ،

[ص 56] ثم اذا كان عنده الوجود حقيقة كلّ شيء و هو حقيقة واحدة و عنده اكثر الاشياۤء يجوز تعريفها و لا شك ان المعرّف حصّة من تلك الحقيقة فيلزمه تعريف الحقّ تعالي بالحد و الرسم فان قال النقوش الكثيرة حادثة قيل له ان كانت بعينها هي الوحدة البسيطة بغير تَحْٖييثٍ وقع ٱلتّحديد و ان كانت من حيث الوحدة البسيطة فليس الوجود من هذه الحيثيّة لم‌يكن كل الاشياۤء و العوارض الموجبة للكثرة من الاشياۤء و ان كانت لاحقة للمراتب و الّا كانت الوحدة من حيث هي وحدة كثرة و الكثرة من حيث هي كثرة وحدة و تعدّد الاعتبارات انما تجري علي مختلف الجهات و الاحوال و قوله انه شامل للاشياۤء شمولا لايعرفه الّا العلماۤء الراسخون ، مصرّح بانّها غيره و ذلك منافٍ لكونه كلّ الاشياۤءِ فان ابان التنزلات و الكثرات و المراتب من الحقيقة و فصلها عنها و ميّزها باي اعتبار صحّ الشمول و وقع التحديد و ان جعلها اعداماً بطل السريان و الشمول و الكلّية المدّعاة و الاعتباريات ان حكم عليها بالعدم بطل الشمول و الكلية و ان حكم بالوجود وقع التحديد فتفهّم هذه العبارات و معانيها فانّها لم‌يكن فيها شيء من دليل المجادلة بالّتي هي احسن كما هو مقرر في علم المنطق و ما يشبهه لانّ المطالب الالهيّة و المعارف الربانية لاتدرك بدليل المجادلة بالتي هي احسن و انما تدرك و تعرف بدليل الحكمة و هو هذا الذي تسمع ممّا كتبتُ لك فانّك اِذا نظرت في كلام ائمة الهدي عليهم السلم وجدته من نمطِ ما كتبتُ لك لا من نمطِ ما كتب المصنف بل لايكاد يوجد حرف في احاديثهم من نمط كلام المصنف و انما هو علي نمط ما كتبتُ لك لانه من دليل الحكمة و اللّه سبحانه جعل الادلّة ثلاثة فقال ادعُ الي سبيل ربّك بالحكمة و الموعظة الحسنة و جادلهم بالتي هي احسن فدليل الحكمة آلة المعارف الحقيقيّة كما تسمع من كلامي [ص 57] و المجادلة ما يذكرون في كتب علم الكلام من الحدود و البراهين و الاقيسة و هي الة اسكات الخصم و استنباط الاحكام الشرعية الفرعيّة و دليل الموعظة الحسنة مثل ان احتج عليك بانّ الائمة عليهم السلام علماۤء حكماۤء اتقياۤء ناصحون مؤيّدون من الله سبحانه فلايقع منهم سهو و لا غفلة و لا جهل و لايزيغون عن الصواب في حال ، امر الله العباد باتّباعهم و الاخذ عنهم و الردّ اليهم فالراۤدّ عليهم راۤدّ علي اللّه سبحانه لايسَعُ العباد ترك شيء ممّا ذكرتُ لك في حقهم فاذا كنتَ ممن يشهد بكل هذا و امثاله و يدين اللّه به في الدنيا و الاخرة فلم تركتَ طريقتهم و التّشبّه بهم و قد قالوا نحن الاعراف الذين لايعرف الله الا بسبيل معرفتِنا ، و اتّبعتَ غيرهم و تشبَّهْتَ بهم في العبارات و ان كنتَ تزعم اني مااقول الّا بقولهم و لكن هذا لاتصدق الّا بالفعل لا بالقول فقد روي عنهم عليهم السلام ان كلّ ذي يقينٍ فانه يُرَي يقينه في عمله ، فان قطعتَ و تيقّنتَ انّ الحقّ لهم و معهم و فيهم و بهم و النجاة في اتّباعهم و التشبّه بسيرتهم وجدناك في الاعتقاد و التعبير عن ذلك الاعتقاد مُتَّبِعاً لهم و الّا فلا لان كلّ ما تطمئِنّ اليه تتبعه و لسان الحال اصدق من لسانِ المقال فاحتجاجي عليك بهذا النمط من دليل الموعظة الحسنة و منه قوله تعالي قل ارأيتم ان كان من عند الله ثم كفرتم به من اضلّ ممّن هو في شقاق بعيد و لو كانت طريقة اهل علم الحكمة المعروفة و المنطق و امثالهما ممّا يوصل الي الحق من الطريق الاقرب لاستعملوه اهل البيت عليهم السلام لانهم لايجهلونه و انّما عدلوا عنه الي دليل الحكمة لكون ذلك كثير الاغلاط و منشأ للشبه و صارفا للانظار عن الامور الوجدانية الي المفاهيم اللفظية و التخيلية التي لاتغني من الحق شيئا و لو صحّ منها شيء اوصل الي الحق بالطريق البعيد المشتمل علي الظلمات و الشبهات فافهم فان فهمتَ ما القيتُ اليك و الّا فقد تركتَ [ص 58] مقتضي فطرتك الاولي التي فُطِرْتَ عليها و اخذتَ بمقتضي الفطرة الثانية المكتسبة المغيّرة لفطرة اللّه التي فطر الناس عليها فان مقتضي هذه الطّينة المصنوعة بغير صنع الله اصله تقليدٌ لمقلِّدٍ لمَنْ هو مقلِّدٌ لمقلِّدٍ و هكذا كما قالَ اميرالمؤمنين عليه السلام ذهب مَنْ ذهبَ الي غيرنا الي عيونٍ كدرة يُفرِغُ بعضُها في بعضٍ و ذهَب مَن ذهب الينا الي عيون صافية تجري بامر اللهِ لا نفادَ لها ه‍ ، و لاتقل انّ

كلّا يدّعي وصلاً بليلَي و ليلَي لاتقرّ لهم بذاكا

فاني اقول :

اذا انبجسَتْ دموعٌ في خدودٍ تبيّنَ مَن بكَي ممّن تَباكا

و لقد رأيتُ في المنام علي بن محمد الهادي عليه و علي اباۤئه و ابناۤئه الطاهرين السلام و قد كنتُ تجادلتُ مع بعض المشاۤئخ في النّهار فلمّا رأيته شكوتُ له ما كان فقالَ عليه السلام دعهم و امْضِ فيما انتَ فيه ثم اخرج اليَّ اثنَيْ‌عشْرةَ اجازةً و قال هذه اجازاتُنا الاثني‌عشر و انا اقول كما قال اللّه سبحانه ان افتريتُه فعلَيّ اجرامي و انا بريۤءٌ مما تجرمُونَ ، و الحاصل انّك اذا نظرتَ الي ما ذكرنا سابقا و نذكر و لم‌تهمل كلام ائمة الهدي عليهم السلام مثل قول الرضا عليه السلام قد علم اولوا الالباب انّ الاستدلال علي ما هناك لايُعلم الّا بما هٰهنا و قول الصادق عليه السلام العبوديّة جوهرة كنهُهَا الربوبيّة فما فُقِدَ في العبوديّة وُجِد في الربوبيّة و ما خفي في الربوبية اُصِيب في العبوديّة قال اللّه تعالي سنريهم اياتنا في الافاق وَ في انفسِهم حتّي يتبيّن لهم انه الحق اولم‌يكفِ بربّك انه علي كل شيء شهيد يعني موجود في غيبتِك و في حضرتك ه‍ ، و نظرتَ الي زيدٍ وجدتَ انّه وجود و ماهيّة و تعريف حقيقته تعريف وجوده و ماهيّته و تعريفه عندك بالحد الحقيقي انه حيوان [ص 59] ناطق فالحصّة الحيوانيّة ماۤدّتُه و هي وجوده و الحصّة الناطقيّة صورته و هي ماهيته الاولي فزيد مركّبٌ من وجود و ماهيّة اي من مادة و صورة يعني حصّةً من الحيوان و حصةً من الناطق و هذا المعني هو المروي عن ائمّتِك عليهم السلام فان كنتَ تعتقِد فيهم انّهم يعرفون الحكمة فخذها عنهم نَقِيّةً صافيةً فان قلتَ اين ذلك من كلامهم فاقول انّ فهم كلامهم علي من لاينظر الّا في قول الحكماۤء و لايعرف الّا اصطلاحهم صعب مستصعب و لكني اذكره لك لكن اوّلا تعرف اني اذا قلتُ لك صُغْتَ خاتماً من فضّةٍ ان الفضّة هي مادة الخاتم و اذا قلتُ عمِلتُ سَريراً من الخشب ان الخشب هو الماۤدة و ضابطه انّ الذي تدخل عليه لفظة مِن هو الماۤدة فاذا عرفتَ هذا قلتُ لكَ قال جعفر بن محمد عليهما السلم انّ اللّه خلق المؤمنين من نوره و صبغهم في رحمته فالمؤمن اخو المؤمن لابيه و امِّهٖ ابوهُ النور و امّه الرحمة ثم استشهد عليه السلم بقول جده عليه السلام فقال و هو قول اميرالمؤمنين عليه السلم اتّقوا فُراسة المؤمن فانه ينظر بنور اللهِ يعني بنوره الذي خلق منه انتهي كلامه عليه السلم ، فقوله عليه السلام من نوره المراد بالنور الذي خلق منه المؤمن هو الوجود لِانّ لفظة « مِن » دخلَتْ عليه فهو المادة ثم بيَّنه فقال يعني بنوره الذي خلق منه و هو خلق من الوجود و هو المادة و هي الحصّة من الحيوان و قوله عليه السلم و صبغهم في رحمته ، يريد به ما صوّرهم عليه من صورة طاعته فان تصويره لهم بصورة طاعتهم له هي صبغه لهم في رحمته و لو كان المخلوق كافراً او منافِقاً صبغَهُ في غضَبِهٖ و هو تصوٖيرُهُ ايّاه بصورة معصيته و هذه الصورة هي الماهية الاولي من الخلق الثاني و هي حصّة من الناطقيّة الانسانية للمؤمن و ان كان كافرا او منافِقاً فحصّته الناطقية شيطانيّة فالوجود هو الطينة التي خلق منها كل شيء و قد اصطلحوا علي تَسْميتِها باعتبار اَحْوالها [ص 60] تسهيلاً لادراك المعني و اختصاراً للتعبير فباعتبار كونها جزءاً للمركب تسمّي ركناً و باعتبار ابتداۤء التركيب منها تسمّي عُنصراً و باعتبار انتهاۤء التحلّل اليه يسمّي اُسْتُقُصّاً و باعتبار كونها قابلة للصور الغير المعيّنة تسمّي هيولي و باعتبار قبولها للصورة المعيّنة تسمّي مادة و باعتبار كون المركب مأخوذاً منها تسمّي اصْلاً و باعتبار كونها محلّا للصور المعيّنةِ بالفعل تسمّي موضوعاً و هي في الحقيقة شيء واحد و هي الطينة و هي الماۤء و هي الوجود و المراد منها هو الوجود الذي احدثه اللّه لا من شيءٍ و هو اثر فعله التكويني و متعلّقه و لم‌يكوِّن سبحانه بفعله التكويني ابتداۤءً غيره ثم قسمه علي اربعة‌عشر قسماً فبقي نازلاً في مراتب اجابته و طاعته يسبّحه و يحمده و يهلّله و يكبّرهُ الفَ دهرٍ كلّ دهرٍ فيما ظهر لي مائة الف سنةٍ ثم كوّن من شعاع ذاته جميع الذوات المجرّدة التي هي ارواح انبياۤئه عليهم السلام مائة الف و اربعة و عشرين ( عشرون . خ‌ل ) الف قطرة ثم كوّن من شعاع هذه الذوات ذوات مَن دُونها و هكذا كما ذكر و خلق من هيئات الوجود الاول الذي هو الذوات الاربعة‌عشر صفات الذوات المجردات التي هي مائة الف و اربعة و عشرون الفا و اعراضها و من شعاع هيئاتها هيئات مَن دونها و هكذا ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و هذه الطينة التي هي الوجود في جميع احوالها التي اصطلحوا علي تسميتها في كلّ حالٍ باسمٍ و الي نهايات تنزّلاتها و ما يتفرع منها من الصفات و الاعراض ليس في الكون غيره و غير معيّناته و مشخصاته التي احدثها الله سبحانه من شعاعها او من اظلّتها و عكوسها و كلّها مما يمكن تعريف بعضه ببعض و انما احالوا تعريفه لانه عندهم انه شيء واحدٌ بسيط لايستنِد الي غيره و يستند كلّ ما سواه اليه و هذه التكثرات مظاهره و تنزلاته و مقاماته و لكن وحدته و بساطته قد طوت هذه الكثرات و يتّحد الكل بالنسبة الي [ص 61] ذاته فهو الكل في وحدةٍ فلايمكن تعريفه و قد تقدّم ما فيه كفاية في الجواب عن هذه الاوهام المتقوّمة بالمغالطات الواقعة في كلامهم و انْ لم‌يشعروا بها فان شموله لها الذي اشرنا اليه مجملا علي رأي المصنّف هو كشمول الخشب للسرير و الباب و الصّنم لانه هو وجودها و انّما تعدَد بتعدّد الصور فيكون الشمول انما تحقّقَ بتكثر الماهيات التي لم‌تتحقّق الّا بٱلحِصَصِ الوجوديّة المتغايرة بتغايرها الموجبة لصحة التحديد و الموهومة ان كانت موجودة و لو بنسبةِ حالِها و متحقّقة كذلك حصَّصَتْه و كثّرتْ افرادَهُ و جري عليه ما يجري علي غيره و الّا فلا كثرة و لا شمول و لا كلّيّة كما تقدم لكن الواقع و الضرورة حاكمان بالكثرة فيقع التحديد ،

و تدبّر معاني هذا الكلام و ما قبله فانه ليس فيه شيء من الابحاث الَّتي ذكرها بل كلها ضروريات وجدانية و محسوسة و امّا الابحاث فيحصل فيها مقدّمات صناعية صحّتها في الحقيقة راجعة الي صحّة ترتيبها علي القواعد المقررة و ان خالفت الواقع مثل ما ذكرنا من استدلال المصنّف علي انّ العقل و ما فوقه بسيط الحقيقة و هو باعتبار ظاهر اللفظ صحيح لكن العقل بالنسبة الي الاجسام بسيط و الله سبحانه بالنسبة الي الاجسام بسيط فاذا كان الله بسيط الحقيقة و العقل بسيط الحقيقة و كل بسيط الحقيقة كلّ الاشياۤء و الّا لتركّب الشيء الذي فرض بسيطا من ذاته و من نفي غيره هف فرجع تصحيح المقدمة علي لفظ البسيط و تصحيح كونه كل الاشياۤء علي فرض غيره معه ليلزم اِمّا انه مركب من ذاته و من نفي الغير و هو غير جائز و امّا كونه كلّ ما سواه و قد بيّنّا سابقاً ان المصنوع كيف يكون بسيطا و هو مؤلّف لا اقل من مادة و صورة فلاتصح بساطة العقل و ما فوقه من المخلُوقات كَما ذكَرْنَا سَابقاً و كيف يكون البَسيط الحقّ كلّ الْاشْيَاۤء و لَا شَيْء معه لانّ النفي او الكلّيّة انّما يتحقّقانِ [ص 62] مع وجود الغير و كونها فيه بنحوٍ اشرف يخرجه عن البساطة الحقيقيّة اِنْ كان يعلم انّ فيه غيره و لو بنحو اشرف وَ اِنْ لم‌يعلم فكيف يكون كلّ الاشياۤء فان قلتَ لم‌يُرِدْ مَا فهمتَ قلتُ ان اراد لزمه ذلك و الّا فالعبارة باطلة لانّ صحة الاستدلال بعكسِ النقيض موقوفة علي كونها في ذاته و لم‌تغاير مفهوم ذاتِهٖ باعتبارٍ و ان كانت غيره باعتبارٍ لان تعدّدَ الاِعتبار لتعدّد الجهات المستلزمة للتركيب و انّما اطلنا الكلام لكثرة ما يترتّب عليه من الفواۤئد .

قال : « و لاني اقول انّ تصوّر الشيء مطلقا عبارة عن حصول معناه في النفس مطابقاً له في العين و هذا يجري فيما عدا الوجود من المعاني و الماهيات الكلّية الّتي توجد تارة بوجود عيني اصٖيل و تارة بوجودٍ ذهني ظلّي مع انحفاظ ذاتها في كلا الوجودَيْن و ليس للوجود وجود آخر يتبدّل عليه مع انحفاظ معناه خارجاً و ذهنا فليس لكلّ حقيقةٍ وجوديةٍ الا نحو واحد من الحصول فليس للوجود وجودٌ ذهنيٌّ و ما ليس له وجودٌ ذهني فليس بكلّيٍ و لا جزئيّ و لا عام و لا خاۤصّ فهو في ذاته امرٌ بسيط متشخّصٌ بذاته لا جنس له و لا فصل و لا هو ايضا جنس لشيء و لا فصل و لا نوع و لا عرض عاۤمّ و لا خاۤصّ » .

اقول : كلامه هذا تَعليل ثان متضمن لمقدّمةٍ هي بيان حقيقة التصور ليعلم بمعرفتها عدم تصور الوجود ليرتّب عليه عدم تعريفه بالحدِّ او الرّسم فقال « ان تصوّر الشيء مطلقا » اي سواۤء كان تصوّرا بالحقيقة او بالظاهر من جميع الاشياۤء لان اطلاقه يشمل الحالين امّا الاوّل فلان مقتضي نفي المحدودية مطلقا ان يكون بتعذّر طلب المحدود بحقيقته او برسمه و امّا الثاني اعني من جميع الاشياۤء فلانه بني القاعدة علي الشيء الشامل لكل ما يصدق عليه ،

ثم بيّن فاخبر عن مطلق التصور بانه « عبارة عن حصول معناه في النفس مطابقا له في العين » يريد ان المعني من كل شيء في الجملة له حصولان لكل حصول [ص 63] منهما عوارض يتحصّل بها فيما يناسبه من الامكنة و الاوقات احدهما الحصول الخارجي بما يعرض لذلك المعني الحاصل من العوارض المحصِّلة له في الخارج و ثانيهما الحصول الذهني بما يعرض لذلك المعني من العوارض المحصّلة له في الذهن فكان ذلك المعني يظهر في النفوس بلباسٍ خياليّ و في الخارجِ بلباسٍ خارجيّ و معلوم انّ اللّابس و الملبوس وجود فتلخّص من هذا انّ التصوّر عنده هو نقل المعني الخارجي مُعَرّيً عن العوارض الخارجيّة فما في الذهن هو الحقيقة الّتي كانت في الخارج بعد طرح المشخّصات الخارجيّة و هذا المعني يُعلم من قوله « حصول معناه » اي الشيء « مطابقا له » اي لذلك المعني الذي نُقِلَ الي الذهن « في العين » الخارجيّة يعني الذي في النفس هو الذي في الخارج اذا عُرِّي كل واحدٍ منهما عن عوارضه و المميّز بينهما المميّزات العارضة لمكانيهما و وقتيهما و لعلّ هذا موافق لما ذهب اليه اهل التصوف من ان الوجود الخيالي اصل للوجود الخارجي و الخارجي فرعه و ليعلم انّ هذا الذهني غير الظّلّي الذهني الانتزاعي الذي هو عرضي و قد ذكرنا سابقا ان الذّهني عندنا كلّه انتزاعي ظلّي و يأتي بيان هذا انشاۤء اللّه ، و اعلم انّ المصنف ذكر هذا المعني للوجود الذهني و هو المعروف من مذهبه فيه كما هو صريح كلامه في كتبه و في هذا الكتاب ذكر هذا المعني للذهني و جعل للذهني وجوداً اخر كما ذكره غيره و هو الانتزاعي الظلي العرضي و جعل منه المعقولات الثانية كالشيئيّة و الجوهريّة و الممكنية و الانسانية و السّواديّة و غير ذلك و اخرجها من حقيقة الوجود و عني بالوجود المبحوث عنه المحكي بهذه الحكايات و امّا هي فامور اعتباريّة يعني ليست من الوجود و في كتابه الكبير جعلها من الوجود قال فيه : انّهم عرّفوا الحكمة بانها علم باحوال الموجودات الخارجيّة علي ما هي عليه في الواقع و عدّوا [ص 64] من جملة الحكمة معرفة احوال المعقولات الثانية و احوال انواع المقولات التسعة النسبية ، قال هذا هو الايراد لانه اورد الاشكال و الجواب قال فيه و دفعه ان الوجود لكل شيء من الاشياۤء له مرتبة خاۤصّة من الظهور و درجة مخصوصة من الفعلية و الحصول اي بحسب الخارج و غاية المجد و العلوّ هو الوجود القيّومي الواجبي الّذي هو محض الفعلية و الكمال بلا شاۤئبة نقصٍ و قصورٍ اصلاً و ما سواه مصحوب بالقصور و الامكان الذاتيين علي تفاوت مراتبهما فيهما فكلّما بعد عن منبع الجود وَ الوجوب كان قصوره اشد و امكانه اكثر الي ان ينتهي الوجود في سلسلة الجواهر الي غاية من النزول و الخسّة يكون وجودها الجوهري عين تقوّمها بالصورة الحالّة فيها و فعليّتها محض القوة و الاستعداد و وحدتها الشخصية بعينها كثرتها الانفصالية تارة و وحدتها الاتّصاليّة اخري و في سلسلة الاعراض الي عرض نحو حقيقتها و وجودها نفس التشوق و الطلب و السلوك الي عرض آخر كمتي او كيف او اين او وضعٍ علي سبيل التدريج فهذا حظ ذلك العرض المسمي بالحركة من الوجود العيني انتهي ، فاذا عُرِف بان هذا مذهبه في كل عرض انّه من الوجود تحقّق بقدر ما قَبل منه كما هو الحق عندنا فعزله في هذا الكتاب عن حقيقة الوجود لئلّايلزمه وقوع التحديد الذي نفاه فجري هنا علي الطّريقة المعروفة عند المشاۤئين و بعض المتكلمين لكنه اثبت للماهيات الكليّة حصولين في الذّهن غير الحصول الخارجي فانه عنده حصول الوجود لاتّحادها به خارجاً و لو عيّن بذي الحصولين الماهيّات كما هو ظاهر استثناۤئه لما قال تصوّر الشيء الشامل للوجود و اخراجه بالاستثناۤء مشعر بصحة الدخول و احتمال ارادة رفع توهّم الدّخول بالاستثناۤء يسقطه عدم الفرق بينه و بينها و دعوي انه ليس له وجودي اخر يتبدّل عليه مغالطة لانّ الوجود [ص 65] هو بنفسه في الخارج و الماهية هي به في الخارج كما هو عندنا و في الذهن بالعرضي و امّا عنده فالوجودان للماهيّة في الذهن فوجودها الاصيل العيني فيه هل هو غير الوجود الذي عناه ام هو هو فان كان غيره كانت ثلاثة و ان كان هو اياه فان تصوّرناها جرّدناها عن العوارض الخارجية فقد حصل الوجود في الذهن عارضاً لها او معروضاً علي الاحتمالين و قد قال بثبوت عرضي ذهني للوجود فقد وجد الاصيل و العارض في الذّهن و ان عني بالاصيل للماهية ( الماهية . خ‌ل ) كما عندنا هو حصولها به في الخارج فقد كان لها خارجي اصيل و ذهني فكذلك الوجود و امّا ان الفارق بينهما هو عينيتُه في الوجود و مغايرته في الماهية فهو فارق في الاحتياج و الافتقار لا في الحصول في الذهن و عدمه فقد ساوت الوجود في الوجودين الذّهني و الخارجي مع انّ الوجودي للشيء يراد منه ما هو بحسبه بحيث يترتّب عليه اثاره المنسوبة الَيْه لذلك المقام و كذلك الوجود الذهني فانه يراد منه ما هو بحسبه بحيث يترتّب عليه اثاره بنسبته كأنْ يحصل في النفس بمعناه او بهيئتِهٖ و كونه عارضاً لمعروضه او معروضاً و هاتان النسبتان جارِيتان في الماهيّة وَ الوجود امّا الماهية فظاهر كما اعترفَ به فوجودها الاصيل في الذهن بحقيقته فان جُعِل قبل في الخارج فقد نقِل الي الذهن بعد طرح العوارض الخارجيّة لكن قولهم بعد طرح العوارض الخارجيّة يلزم منه وجودها في الخارج كما نقول و هم لايقولون به و الّا فلا عَوارِضَ خَارجيّة لها و وجودها الظلي معلوم و امّا الوجود فما المانع من نقله الي الذهن بوجوده الذي هو نفسه لانه هو معناه و لا مانع من نقل الماهيّة بما هي عليه عنده الّا العوارض الخارجية و هي نسبيّة فان كان للوجُود عوارض خارجيّة طُرِحت و الّا نقل بنفسه كما نقلت الماهية بنفسها و كون وجودها غير ذاتها غير فارق علي انا نقول له اخبرنا اين ادركتَ [ص 66] الوجود حتّي قلتَ بتفرّدك بمعرفته في الذهن ام في الخارج ببصرك اذ لايخلو ادراكك له و معرفتك به من كونه في الخارج ببصرك او في الذهن ببصيرتك ،

فقوله « و ليس للوجود وجود اخر يتبدّل عليه » فيه انّ له وجوداً ظِلِّيّاً انتزاعِيّاً يتبدّل عليه ففي الخارج وجوده نفسه بما لحقه من ٱلقيودات الخارجيّة و في الذهن وجوده الظلّي الانتزاعي يتبدّل بما له من القيودات الذهنيّة كهيئة الذهن و صقالته و كبره او صغره و استقامته او اعوجاجه و لونه علي انّ قوله : انّ الوجود يتّحد بالماهيّة في الخارج و يعرض لها في الذهن ، فيه انّ هذا العَارض للماهية ما هو هل هو الوجود الاصيل الخارجيّ ام هو الانتزاعي الظلّيّ و هذه المعروضة هي الماهيّة الاصيلة التي اتحدت في الخارج بالوجود بعد تعرّيها عن العوارض الخارجيّة ام هي الانتزاعيّة فان كان العارض هو الاصيل فله وجودان يتبدلانِ عليه و ان كان هو الظلّي فالمعروض ان كان ظليّا لم‌تصح المقابلة لانه يقول انه يتحد بها خارجا و يعرض لها ذهنا و ان كان العارض اصيلاً ايضاً و ان كان المعروض اصيلا فالعارض لها غير المتّحد بها خارجاً و الّا لاتّحد بها لوجود المقتضي و عدم المانع فلو قال انّ الماهية ليس لها تارة توجد فيها بمعناها و وجودها الاصيل و انما ينزع منها ما به تحقّقها و تلبس الظلّي الانتزاعي لكان له اَن يقول ما به تحقّقها غير نفسها فاذا نزع بقي لها اعتبار اذا كسي بالانتزاعي الظلّي ظهرت به في الذِّهْنِ بخلافِ الوجُود فانَّ ما به تحقّقه نفسه فاذا نزع نفسه لم‌يبق شيء ليكسي بالظلّي فليس له وجودٌ اٰخر لكنّه قاۤئل بانها توجد تارة بوجود اصيل و تارة بوجود ظلي و لا ريبَ ان الاصيل لها ليس الّا ما هي به شيء في التحقق و الواقع فكما توجد تارة به يوجد الوجود تارة بما به هو شيء في التّحقق و الواقع و تارة توجد بظلي و هو تارة يوجد بظلّي مع انْحِفاظ معناه في الوجودين و ان كان في الاصيل [ص 67] هو نفسه بل و لو قلنا بان كل ذهني فهو انتزاعي كما هو عندنا و انّ الماهيّة موجودة في الخارج فانا اذا انتزعنا الهيئة الحاكية بالذهن من الماهيّة او الوجود كان معني المنتزع محفوظا في الوجودين الخارجي بالاصيل و الذهني بالانتزاعي و كذا في كلّ حقيقةٍ وجوديّة لا فرق بين شيء منها و لاسيّما علي ما حقّقناه من ان الوجود هو الهيولي و المادة و من انّه لايتحقّق في الخارج الا بمقوّمٍ يقوّمه و هو الماهيّة و الصورة و من انّ المراد بهذا الوجود هو الحادث لا الواجب و لا المطلق و من ان كل ما يذكرون له تحديداً فانه من هذا الوجود كما صرّح به في كتابه الكبير بان كلّ شيء من الجواهر و الاعراض النسبية كالتسعة المقولات و غيرها كالمعقولات الثانية و غيرها وجودات كما تقدّم من كلامه المنقول فلكل حقيقة وجوديّة نحوانِ من الحصول يتبَدّلانِ عليها مع انحفاظ ذاتها في كلا الحصولين فكل حُصولٍ يحفظها في مقامه فللوجود وجود ذهني و له كلي و جزئي و كلّ و جزؤ و عاۤم و خاۤصّ ،

و قوله « فهو في ذاته امر بسيط » لا ريبَ فيه فان كل هيولي امر بسيط كالخشب فانه بسيط بلحاظ حقيقته و لكنه مركب من المادة و الصورة النوعيّة لايظهر في عالم الكون الّا مركبا ثم هو بسيط في حقيقته الخشبية متكثّر في الباب و السرير بورود الصور الشخصيّة علي حصصه و الوجود امر بسيط بلحاظ حقيقته و لكنه مركب من مادته و صورته النوعية او الجنسية متكثر في زيد و عمروٍ بورود الصور الشخصيّة علي تلك الحصص فافهم ،

و قوله « متشخص بذاته » ان اراد به القديم فليس كلامنا فيه و ان اراد به الحادث فما معني تشخّصه بذاته و هو له اعتبارانِ اعتبار من ربّه و اعتبار من نفسه و هذا هو هويّته و ماهيته كما تقدم ، و قوله « لا جنس له و لا فصل » مبني علي انه يريد به الوجود المطلق الصادق [ص 68] علي الواجب و الممكن و قد ذكرنا ان هذا معني باطل لايبتني علي قواعدِ المسلمين و لاتقل كل علماۤء المسلمين انما يتكلمون عليه بهذا لانّ كلّ من تكلم فيه بهذا النحو فهو ممّن لايفهم ما يقول و انّما سمع كلاماً اصله مبني علي غير ملة الاسلام و لم‌يفهم منافاته لقواعد الاسلام لان التفاته الي ان هذا قول اهل التحقيق و العلم و اكابر المتبحِّرين في العلوم فغطّي علي بصيرته فاذا اردتَ ان تعرف صدق قولي فانظر في كلامهم مع قطع النظر عن كونه كلام اولۤئك الاعلام و عن الرجوع الي القواعد التي قرّروها فانك تعرف حقّية قولي و امّا اذا اعتمدتَ علي قواعدهم و تري ان الحق ما وافقها فانت مقلِّد لهم و لا كلام مع المقلّد فاذا اثبتَ ان الوجود يصدق علي الحادث و القديم فلا شك ان الحقيقة الصادقة علي القديم يجب فيها جميع ما ذكر المصنّف و لكنَّ ما تصحّ فيه تلك الاوصاف حتي صحّ اطلاقه علي اللّه سبحانه يصدق عليك و يكون حقيقة لك بحيث تتّحد به في الخارج و ان اختلفتما من حيث المفهوم فهل تري بذلك انت راضٍ فان الذي يرضي به يقول انا اللّهُ بلا انا فانّ هؤلاۤء يقولون كما يقول شاعرهم :

و ما النّاسُ في التمثالِ الّا كثلجةٍ و انت لها الماۤءُ الذي هو نابعُ

و لكن بذَوْب الثّلج يُرفع حكمهُ و يُوضَعُ حكم الماۤءِ و الاَمْرُ وَاقِعُ

و الحاصل انّ كلامنا ليس علي الوجود الحق تعالي و علي الوجود المطلق لانّه داعٍ الي ما هو اسوء حالاً لانّ تحقيق تحقّقه موجب للقول بحدوث الواجب او بوجوب الحادث و مبني علي انه اعم العام لانه عند المحققين مطابق للشيء فلا شيء اعم منه ليكون جنساً له لٰكنا نقول افراده وجودات تدخل تحت اجناسها ،

بقي معني التّصوّر عندنا هو طلب الصورة و لايراد منْها حقيقة المتصور بل صورته و هو عندنا بجميع اقسامه انتزاعي ظلّي في حقِّنا و هو الذي عليه [ص 69] اساطين الحكماۤء الاوائل الٰاخذين عن الانبياۤء عليهم السلم لانّ مَن اتي بعدهم لم‌يفهم مرادهم و نحن و للّه الحمد انما فهمنا مراد الانبياۤء عليهم السلم بتعليم ائمتنا ائمة الهدي عليهم السلم و المستفاد من الكتاب و السنة و الصريح من التّعقل المكتسب منهم عليهم السلم انّ العقل لايحصل فيه بلا واسطةٍ الّا المعاني المجرّدة عن الماۤدة العنصريّة و المدّة الزمانيّة و الصور الٰاسِيَّة و النفسية و المثالِيّة و انّ التصوّر هو تحصيل الصورة في الخيال الذي هو بمنزلة فلك الزهرة في العالم الكبير و يُقرره في العلم الذي هو بمنزلة فلك المشتري و يخزنه في النفس التي هي بمنزلة الكرسي و الخيال مرءاة النفس فتُقَابل بمرءاتها ما في اللوح الذي تكتبه الملاۤئكة تُشرِف عليه من احدِ تلك الابواب و تطّلع عليه فينتقِش فيها صورته و تلك الابواب التي منها المطّلع رؤية الشيء او اسمه او سماع اسمه او لَمْس الشيء او شمّه او ذَوقه او تخيّله فتنطبع في الخيال تلك الصورة المنفصِلةُ عن الشيء القاۤئمة به قيام صدورٍ و هذا مادة الصورة الخياليّة و اما صورتها فهي صورة الخيال من كبَر او صغر و بياضٍ او سواد و استقامةٍ او اعوجاج و صفاۤءٍ او كدورة و هذه الصورة هي ظلّ ذلك الشيء و شبَحُه و بنسبة صلاح مرءاة الخيال و عدمه تنطبع تلك الصورة و لاتكون الّا منتزعةً من خارجي موجودٍ في الغيب كبحر الزيبق و رجلٍ له الف رأسٍ او في الشهادة كما كنتم تعرفون لا اَنّ النفس لها قوّة اختراع الصور و انها حقائق تلك الاشياۤء لا اظلّة و اشباح كما عند كثير ممن يثبت الوجود الذهني و لا انّها اشياۤء ثابتة في الخارج لا في الذهن و ان شاهدَها الذهن كما عند مَن لم‌يثبت الوجود الذهني بل هي موجودة كما اشار اليه سبحانه في قوله تعالي و ان من شيء الّا عندنا خزاۤئنه و ماننزّله الّا بقدر معلوم فانّ شيء نكرة في سياق النفي و هي من صيغ العموم فان كانت صورة رجل له الف [ص 70] رأسٍ شيئا فهي في خزاۤئنها عند الله سبحانه و ماينزّلها في ذهنك الّا بقدر معلوم و ان لم‌تكن شيئا فالنفس مااخترعت شيئا و كلام اهل البيت عليهم السلم دال علي ذلك صريحا فمنه ما رواه الصدوق في اول كتابه علل الشراۤئع بسنده عن ابي الحسن الرضا عليه السلم قال قلتُ له لمَ خلقَ الله عز و جل الخلق علي انواع شتي و لم‌يخلقه نوعا واحداً فقال لئلّايقع في الاوهام انه عاجز و لاتقع صورة في وهم احدٍ الّا و قد خلق الله عز و جل عليها خلقا لئَلّايقول قاۤئل هل يقدر الله عز و جل علي اَن يخلق صورة كذا و كذا لانه لايقول من ذلك شيئا الّا و هو موجود في خلقه تبارك و تعالي فيعلم بالنظر الي انواع خلقه انه علي كل شيء قدير ه‍ ، فاذا اراد الله تعالي انزالَ صورة في وهم احدٍ من خلقه قدّر له بعمل عبده و ارادته او جبلّته ان يلتفِتَ بمرءاة نفسه الي جهة ذي الصورة المعلومة فتنتقش في ذهنه باقلام الملاۤئكة الثلاثة الموكلين بتلك الصورة و هم سيمون و شمعون و زيتون و اقلامهم هم الملاۤئكة الموكلون بخدمتهم و امتثال اوامرهم و هم اجمعون في فلك عُطارد فافهم فلو قال العارف بما قلنا ان التصور للشيء عبارة عن حصول معناه في النفس اراد بالمعني ما يستدلّ به من الصورة علي معناه او علي حذف مضاف اي معني صورته يعني كيفيّة هندستها و مقاديرها و الوانها و احوالها و امّا من لم‌يعرف ما قلنا فيريد من هذا الكلام نقل معناه الي الذهن مجرّدا عن العوارض الخارجيّة او انه يريد به انتزاع الذهن من نفس الذات مع عدم ملاحظة شيء غيرها او يريد ان ما انتزعه من الذات الخارجيّة من حيث ملاحظتها يسمّي ذاتيا و اصيلاً و من حيث ملاحظة كونه منتزعا يسمي عرضيّا و قول المصنف مطابقا لما في العين يريد التصوّر الصحيح و معني مطابقته عندهم انّ التصوّر مطابق لذي الصورة و تحقيقه عندنا ان المنتقش في مرءاة الخيال صورته المنفصلة القائمة به قيام صدور لا المتّصلة به فان المتّصلة [ص 71] لاتفارقه و لو كانت هي المتّصلة لكان اذا رأيتَ زيداً ثم غاب عنك كلّما انتقل الي حالٍ غير ما رأيته عليه تغيّر ما في خيالك الي ما انتقل اليه و هذا بخلاف الوجدان و الضرورة و بيان ما اشرنا اليه انك اذا رأيتَ زيداً يصلّي في المسجد يوم الجمعة كتبت الملاۤئكة الحفظة ذلك في غيب المسجد و غيب يوم الجمعة فاذا اردتَ ان تذكر ذلك في كل وقتٍ ما دمتَ حيّا التفَتَّ بمرءاة خيالك الي غيب المسجد و غيب يوم الجمعة وجدتَ مثال زيدٍ هناك يصلّي تلك الصلوة التي رأيته فيها لا غيرها فترتسم في خيالك تلك الصورة بتلك الهيئة في ذلك المكان و الوقت سواۤء كان زيدٌ في ذلك المكان ام لا ، بتلك الهيئة ام لا ، قاعداً ام ماشيا ام ناۤئما حيا ام ميتا فلاتكون مطابقة للعين و انما هي مطابقة للحال التي وجدته عليها ،

و قوله « فليس بكلّيّ » الخ ، هذا ما اراد و تقرّر ،

و اما عندنا فهو كلي له امثال جزئيّة لا افراد و هو كلّ له اجزاۤء هي ابدال له لا ابعاض و هو جزئيّ لانه فرد من جملة افراد ممكنة من كلّي امكانه و هو جزء لانه ركن للشيء علي ما اشرنا اليه و هو عاۤم لانه يعطي ما تحته من امثاله اسمه و هو خاۤصّ لانه متعيّن ،

امّا انه كليّ فلانه نورٌ واحد تنزّل بامثاله و اشباحه فاعطاها اسمه ففي نفْسِ الامر نسبته الي امثاله علي نسبة الكلّي الي افراده يعني انّ الكلّي ظلّي منتزع من افراده لا تحقق له الّا بها و انما قيل انه يعطي ما تحته اسمه لان الوضع علي كل من افراد الجنس وضع عام سواۤء كان الموضوع له عاما ام خاۤصّا و ملاحظة الكلي آلة الوضع علي الجزئيات و يؤلّف الواضع اللفظ لمناسبته لانه معني جامع للافراد فلذا قيل يعطي الكُلّيّ الطبيعيّ اسمَهُ ما تحته من الافراد و ان كان انما هو عبارة عنها و الوجود كلي بعكس ذلك لان الوضع في الحقيقة له و افراده اشباح جزئية له كاشعّة الشمس فيُسْتعار لها [ص 72] اسمه عارية فاستعمال لفظ الوجود لواحدٍ منها حقيقة بعد حقيقةٍ او مجاز له فيها لانّ ذواتها اشباح له و امثال و امّا انه كلّ فلان كثرة تبدّله لتعدّدِ جهاته فبِها كانت ابداله كثيرة كما اشار اليه اميرالمؤمنين عليه السلم في قوله انا من محمد كالضوءِ من الضوء ، فهو في محمدٍ مثلا كلّه و في عليّ كلّه و في فاطمة كلّه و في الحسن كله و في الحسين كله و هكذا فهو مع تكثره واحدٌ و هو قولهم عليهم السلم كلّنا محمد و اوّلنا محمد و اوسطنا محمد و آخرنا محمد الحديث ، و امّا انّه جزئي فلانّه فرد من جملة افرادٍ ممكنةٍ من كلّيِّ امكانِهٖ يعني ان الشيء الممكن كالعقل الكلّي و كزيد فانّ له حقيقةً امكانية يخلقه الله منها و لو شاۤء ان يخلق من حقيقة زيد الممكنة قبل انْ يخلقه او بعد اَن خلقه بان يقلِبَهُ في تلك الحقيقة الممكنة جَبَلاً او جَملا او ملكا او نبيّا او شيطاناً او سماۤءً او ارضاً او غير ذلك بلا نهايةٍ فاذا خلقه زيداً بقي امكانه فيه اذا شاۤء ان يخلقه ما شاۤء خلقه يعني يقلب زيداً كما قلنا الي ما شاۤء كيْفَ شاۤء و كَذلك حكم الوجود و العقل و غيرهما بدليل النقل الصريح الدلالة و البيان و دليل العقل الصحيح من جميع اهل الايمان بقطعي البرهان بان هذا ممكن و كلّ ممكن تتعلق به القدرة علي حسب ما يشاۤء القادر عز و جل فلاجل ما سمعتَ قلنا بهذا الاعتبار انه جزئيّ من جهة انه فرد من جملة افراد تلك الحقيقة الامكانيّة و اما انه جزء فلانه ركن للشيء فان كل مخلوقٍ من الوجودات المقيّدة مركب من وجود و ماهيّة علي ما اشرنا اليه سابقاً من الدرّة اي العقل الي الذرّة اي الثري او ما تحت الثري من رقاۤئق الباطِل و امّا انه عام فلانه يعطي ما تحته من اشباحه و امثالِه اسمَهُ كساۤئر الوجودات اولها وجودات الانبياۤء ثم المؤمنين ثم الملاۤئكة ثم الحيوانات ثم النباتات ثم المعادن ثم الجمادات و يكون من باب الحقيقة بعد الحقيقة او من باب الاشتراك اللفظي او التسمية و امّا انه خاصّ فلانه متعيّن في نفسه بنفسه [ص 73] امّا عند المصنّف و اتباعه فعلي ما ذهبوا اليه من اتّحاده و اَمّا عند ائمّتِنا و عندنا فخصوصُ كلِ ظهورٍ من ظهوراته في كلّ رتبةٍ من مراتب تنزّلاته و امّا باقي الكلام فبيانه يعرف مما ذكر لانه مبني علي تشخّصه ،