الحمد لله ربّ العالمين و صلي اللّه علي محمد و اله الطّاهرين .
اما بعد فيقول العبد المسكين احمد بن زينالدين الاحساۤئي انه قد امرني مَن تجب عليَّ طاعته من طالبي الحق و اليقين اَن اكتُبَ علي كتاب الملا محمد صدرالدّين الشيرازيّ تجاوز اللّه عنه المسمّي بالمشاعر كلماتٍ تبيّن منه الغثّ من السمين و توضح الحق علي طريقة اهل الحق المبين محمد و اله الطاهرين صلي اللّه عليه و عليهم اجمعين بنحو بيانهم من دليل الحكمة و الموعظة الحسنة و بالمجادلة بالتي هي احسن حتي لايتنكّبه الّا منكِرٌ لوجْدَانِهٖ ناقض ليقينه و ايمانه فاجبتُه الي طلبته لما في ذلك من مصلحة الايمان و تقريراً لما قرّره القرءان و ما ابانوا عليهم السلم من البرهان بما هو قريبٌ الي الاذهان لعدم انفكاكه عن الوجدان بشهادة العقل المستنير بنور الايمان بما يكون مهيمِناً لدين الاسلام الذي اقرَّ رسول الله صلي الله عليه و اله امّته امّة الاجابة عليه و انساقت شواهدُ الكتاب و السنةِ و العقول المستنيرة بهما اليه بشرط ان يحسنَ الناظرُ فيه النظر و الاستماع لما يحصل به الانتفاع و حسن النظر و الاستماع ان ينظر الناظرُ فيه بمحض فهمه و خالص دليل عقله و لطيفِ فطرته التي فطر عليها و حسّه غير ملتفتٍ الي ما انِسَتْ به نفسُه من المطالب و لا الي قواعِدَ رسخَتْ في ذهنه مما حفِظها قبل ان يُفتَح له بابُ [ص 3] العلم العياني و البرهان النوراني و لا الي دَواعٍ نفسانيةٍ من الحياۤء و الاستنكاف عن التعلّم فان العالم انّما يكون عالماً بالتعلّم لان العلم نور يقذفه الله سبحانه في قلب مَن يشاۤء و يحبّ و لايُشرِق ذلك النور في قلبِ مَن لايقبَلُهُ و هو مَن يظهر له الحق و يتغافل عنه تستُّراً من ظهور قصوره و جهله فيَسْتُرُ الحق بثوب اللبس و الشّبه فيكتم الحق و هو يعلم مع انّه لايخفي علي المقتصدين لان ثوب اللبس و الايهام لايستر الجهل و العناد عن ذوي الافهام كما قال الشاعر :
ثوبُ الرياۤء يشفّ عمّا تحته فاذا التحَفْتَ به فانّك عاري
و اللّه سبحانه قد وكّل بالمكلّف ملاۤئكة كراما يكتبون ما يفعل فيكتبون بانصافه في قلبه نور الايمان و يؤيّده الله سبحانه بروحٍ منه يسدّده للصواب و يكتبون بانكاره و لبسه و تمويهه في قلبه ظلمة الجهل و يقيّض له شيطاناً يمدّه بطعام زقّوم استنكافه و شراب حميمه و اللّه سبحانه الهادي الي سواۤء الطريق و هو وليّ التوفيق
ثم اعلم اني كثيراً ما اكرّر العبارة و اردّد في التلويح و الاشارة ليتقرّر لك ما انبّهُك عليه لاحتمال ان لايكون لك انسٌ بمراداتي لانس ذهنِك بمصطلح القوم و اكثر اصطلاحاتهم يُخالف معناها طريق اهل العصمة عليهم السلام و مراداتي مفتاح فهمها طريقهم عليهم السلام و انا اظنّ فيك انّك تعتقد فيهم عليهم السلام انهم علماۤء لايجهلون و حكماۤء لايهمِلون و معصومون مسدَّدون من الله سبحانه لايصح ان يقع منهم غفلة و لا جهل و لا غشّ و لا اضلال لمن طلب سبيل الرشاد و انّك لاتظنّ انّ احداً من العلماۤء و لا الحكماۤء و لا الانبياۤء و لا المرسلون ( المرسلين . خل ) يعلم شيئا من الحق و الصواب في ظاهر طريق و لا باطن تحقيق مثل ما علموا و لا يساويهم و لا يدانيهم في شيء فاذا حقّقتَ ظني فيك لزمك انّي اذا استدللتُ لك بشيءٍ من اقوالهم اَن تقبل ذلك [ص 4] و لاتردّه بكلام حكيم غير معصوم و قولي و لاتردّه مرادي منه اَلَّاتأوِّلَهُ علي معني مما يقوله الحكيم لان تأويله ردٌّ لظاهره بظاهر كلام غيره فان قلتَ لكلام الامام عليه السلام ظاهر و باطنٌ فيقبل كلامه عليه السلام التأويل بخلاف كلام الحكيم قلتُ لكلام الحكيم ايضا ظاهر و باطن و لهذا اختلف نظر الاشراقيين مع نظر المشاۤئين لاجل ذلك و هذا ظاهر و عليه فلم اخذتَ كلام الحكيم من دون تأويل و لمتأخذ كلام الامام عليه السلم و هذا منك اِمّا لانّك عرفتَ المطلب من دليل خارج فوجدتَ كلام الحكيم موافقاً فقبلتَهُ من غير تأويلٍ و كلام الامام (ع) مخالفاً فاحتجتَ الي تأويله و اذا كنتَ كذلك فلا حاجة لك الي الكلامَين و اِمّا لانّ فطرتك مطابقة لفطرةِ الحكيم و مخالفة لفطرة الامام عليه السلام و مَن كان كذلك كان ممّن قال الله تعالي انّ الّذين يلحدون في اسماۤئه علي انّك انّما سُمِّيتَ شِيعيّاً لانّك خلِقْتَ من شعاعهم (ع) اوْ لانّك مشايع لهم و لايتحقّق احد الاشتقاقين الّا باتّباعهم في كلّ شيء و ترجيح كلامهم علي كلام كل اَحَدٍ و بعدم الاعتماد علي كل شيء لايخرج منهم و يصدر عنهم و كلامي هذا وصيّة مني لك لا لانّي اريد اَن تأخذ كلامهم (ع) و ان لمتفهم و ان خالفَ عقلك مع انّك لو كنتَ كذلك لاهتديتَ الي محض الحقّ لانّ الله سبحانه جعلهم هداة فبهداهم اقتده بل لانّي اريد منك ان تنظر في كلامهم بفهمك تاركاً للاحوال الثلاثة الانس بما اعتادت به نفسك فيصعب عليها مفارقته و الرجوع الي القواعد و الاصطلاحات فان اكثرها باطل و ستقفُ علي بيان كثير من ذلك انشاۤء اللّه تعالي و الاستنكاف عن الجهل و الدعوي في مقابلة ما عرفه عقلك من الحق فانك اذا تركتَ هذه الاحوال الثلاثة فهمتَ مرادهم عليهم السلام لانهم منبِّهون مذكّرون هادون و لااذكر لك في كلامي هذا شيئاً من مباحثاتهم لانها تعمي البصيرة و يحصل مغالطات و لبس و انما اذكر لك ما هو بديهي في [ص 5] فطرتك بحيث يفهمه العالم الحكيم و الجاهل الذي طبعه مستقيم هذه وصيّتي و الله سبحانه يحفظ لك و عليك .
قال المصنّف تجاوز الله عنه : « بسم الله الرحمن الرحيم - نحمد اللّه و نستعين بقوّته التي اقام بها ملكوت الارض و السماۤء » .
اقول : اختار الجملة الفعلية الدالة علي التجدد و الاستقبال معاهدةً منه علي تجديد الحمد في كل حال خصوصاً فيما يكتب آناً فٰاناً و انّه فواضل من مدده توجب الحمد علي ظهورها و قوله « نستعين » معاهدة ثانية منه علي نفي الحول و القوة الّا باللّه و المراد بهذه القوة القوّة الفعلية لا الذّاتية لانها ذاته و لاتصح الاستعانة بما لايصحّ عليه الاقتران و لو في الاعتبار فان اريد بها نفس الفعل كان قيام ملكوت الارض و السماۤء قيامَ صدورٍ اذْ لايتركّب المفعول ● من الفعل مثل الكتابة فانّها لاتتركّب من حركة يد الكاتب و مَن [ص 6] ذهب الي ذلك فقد اخطأ و لذا قال الرضا عليه السلام في الردّ علي سليمن المروزي هذا الذي عبتموه علي ضرارٍ و اصحابه من قولهم انّ كل ما خلق الله تعالي في سماۤء او ارضٍ او بحر او برٍّ من كلب او خنزير او قردٍ اوْ انسان اوْ داۤبّةٍ ارادةُ الله و انّ ارادةَ اللهِ تحيَي و تموت و تذهب و تأكل و تشرب و تنكح و تلتذّ و تظلم و تفعل الفواحش و تكفر و تشرك فيبرأ منها و يعاديها و هذا حَدُّها و ان اُريد بها اوّل صادرٍ عن الفعل المعبّر عنه بالماۤء الذي به حيوة كل شيء و بالوجود و بالحقيقة المحمديّة و قد يعبّر عنه بالحق المخلوق به كان قيام الملكوت المذكور به قيام تحقّق و الملكوت اذا اطلق عند القوم اكثر ما يريدون ( به . خل ) عالم النفوس و هي الذوات المجرّدة عن الماۤدة العنصريّة و المدّة الزمانية لا عن الصورة فان صورَها كصور عالم الشهادة و قد يطلق و يراد به مطلق زمام الاشياۤء الذي به قوامُها كما قال سبحانه قل مَن بيده ملكوتُ كلّ شيء و هو يجير و لايجار عليه و هو حقاۤئق الاشياۤء الغيبيّة و الظاهر انه مراد المصنف .
قال : « و بكلمته التي انشأ بها نشأتي الاخرة و الاولي » .
اقول : المراد بالكلمة الكلمةُ التاۤمّة و هي فعل اللّٰهِ تعالي و ارادته و مشيته و اِبْدَاعه كَمَا قال الرّضا عليه السلام المشية و الارادة و الابداع اسماۤؤها ثلاثة و معناها واحِدٌ ● و لها رتبتانِ الاولي الامكانية التي بها امكن الممكنات [ص 7] و الثانية الكونية التي كوّنَ بها ما شاۤء كما شاۤء فالاولي هي الّتي انزجر لها العمق الاكبر و الثانية هي التي ارادَها المصنّف و قوله انشأ بها نشأتي الاخرة و الاولي ، يراد منه انه تعالي انشأ اي خلق و بَرَأ و صوّر و قضي كلّ في رتبته يصدق عليه الانشاۤء عَلَي اعتبارٍ سنذكره انْشاۤء الله تعالي و المراد من النّشأتين النّشأتان المعروفتان و ما سَبَق كل واحدَة من العوالم التي يتوقف ايجادها عليه من العوالِم فنشأة الاولي تتوقّف علي الماۤء الاول و الارض الميتة و علي العقول و الارواح و النفوس و الطبايع و عالم المواۤدّ و المثال و نشأة الاخرة تتوقّف علي كل ما ذكر و علي الكون في الاولي و البَرْزخ وَ عَلَي ما بين النفختين .
قال : « علي تهذيب القُوَي القابلة للْاِستكمال و اصْلَاح العُقُولِ المنفعلة عن المعاني و الاحوال للاتّصال بالعقل الفعّال » .
اقول : « القُوَي القابلة للاستكمال » هي ما تنشؤ عن المشخّصات الظاهرة من الوقت و المكان و الجهة و الرّتبة و الكم و الكيف و الوضع و الاذن و الاجل و الكتب و ما اشبه ذلك و الباطنة كالاعمال و الاعتقادات و الاحوال و الاقوال فان هذه المشخصات لحصّة الوجود بها تتولّد القُوي القابلة ● [ص 8] فان كانت في اطوار السموات كانت عنها القوي القابلة للاستكمال في الدرجات و ان كانت في اطباق الاَرضٖين كانَتْ عَنْها القوي القابلة للاستكمال في الدركاتِ نعوذ باللّه من مهاوي الضلالة و العقول قد يراد بها افعال القلوب و هي تعقلات المعاني و المناسب لها الفعل لا الانفعال و محلّ تعلّق هذا المشعر ● الدماغ و هو وجه القلب و قد يراد بها القلوب و لايناسب لها الانفعال و لا الفعل لان المعاني في الاول انتزاعات دهريّة جبروتية و الفعل مناسبٌ لها و في الثاني حروف جبروتية فالقلب كالكتاب و ما يلحقه من المعاني حروف في ذلك الكتاب الّا انه كتاب معنوي لانه مجرّد عن المادّة العنصريّة و المدّة الزمانية و الصورة النفسيّة و المثالية و هذه الحروف حروف معنوية كذلك فهي له كالجزء للكل او من الكل و لذا قيل باتّحاد العقل و المعقول فالانفعال لايناسب العقول الّا اذا اريد بها مدرَكاته فينالها العَقل لان العقل جوهر درّاك للاشياۤء اَو اريد بها المعني المجازي يعني النفوس و الخيالات و اريد بالمعاني العلوم فانه قيل انّه من مقولة الانفعال و الاحوال رشحات الفيوضات الامدادية من الامر الالهي عن الكلمة التاۤمة ● باستدعاۤء تلك القوي ان لمتستقرّ مستديمةً فان استقرّت كذلك كانت مَلَكاتٍ و الاتّصال بالعقل الفعّال كون الذّات غير [ص 9] محجوبةٍ بشيء مِن ظُلَمَات الاِنّيَّاتِ عن العقل بتزكية النفس النّاطقة بالعلم و العمل كما قال اميرالمؤمنين عليه السلم و خَلَقَ الاِنْسَان ذا نفسٍ ناطقةٍ ان زكّاها بالعلم و العَمل فقَدْ شابَهَتْ اوائلَ جواهرِ عِلَلِهَا ، و المراد بالمشابهة هي الاتّصال الذي ذكره المصنّف و ذلك كاتّصال الحديدة بالنار فانّها اذا اتصلت بها حتي صدق عليها الاتصال بالاستقامة في القرب منها بلا حجاب شابهَتْها و العقل الفعال عند القاۤئلين بالعقول العشرة هو عقل العناصر و عند غيرهم قد يطلقونه علي جبريـٔل لانه الحامل لركن الخلق و المستمدّ من الطبيعة الكليّة و قد اشار صلي الله عليه و اله الي هذا بقوله و الورد الاحمر من عَرَق جبريل عليه السلم و كثيراً مَا يُطلقونه علي العقل الاول عقل الكلّ و هذا مراد المصنّف و الناس قد اختلفوا في عقل الكلّ ما المراد منه فقال بعض الصوفية المراد منه المعبود بالحق سبحانه قال السيد محمد نوربخش في رسالته : و يجب ان تعتقد انّ الله واجب الوجود حي عليم سميع بصير قدير ذو ارادة و كلام و هو بالعلم اَحاط بكل شيء من العرش و الكرسي و السموات السبع و الارضين وَ ما فيهما و فوق العرش لا شيء غيره و لا نهاية له و هو نور الانوار ليس له جسم و لا كثافة و لا لون و هو منزّه عنها و كان معبودَ الانبياۤء و الاولياۤء و في هذا المقام الانبياۤء يسمونه الحيّ العَليم و الاولياۤء بالحضرة العليّة و الحكماۤء عقل الكل و نفس الكل و لايريد احدٌ من الطواۤئف بعباراتهم المختلفة الّا الله و هو في هذه الحضرة الجبروتية منزّهٌ عن الاشياۤء حتّي عنها انتهي كلامه ، و محصّل كلام بعض الاشراقيّين يلزم منه هذا ايْضاً و يلزم من كلام المصنف علي ما سنذكره في محلّه انشاۤء اللّه ، و كذلك كلام ابن ابيجمهور في المجلي نقلا عن الاشراقيين راضياً به و نافيا لما خالفه ، و بعض جعله اوّل صادر عن الذات الحق بلا واسطة و لا جعل جاعل و منهم [ص 10] مَن قال انّ تأثير الحق سبحانه انتهي اليه و غير ذلك من الاقوال الباطلة و الاعتقادات العاطلة و المعروف من مذهب اهل العصمة عليهم السلم انّ عقل الكلّ اوّل ما خلقه الله من الوجودات المقيّدة المؤلّفة و انّه اوّل غصن نبت من شجرة الخلد و انه اوّلُ مَن اكل اوَّلَ فاكهةِ الوجودِ التكويني في جنان الصّاقورة و انه الركن الايمن الاعلي من اركان العرش و قد خلق الله سبحانه قبله في الوجود التكويني الماۤء الاوّل الذي هو النّفس الرحماني و الحقيقةُ المحمديّة ثم ساقه الي الارض الميت ارض الجرز و هي ارض القابليات المسماة عند الحكماۤء بالامكان الاستعدادي فخلق منهما ● العقل الكلي المشار اليه الذي اشار اليه جعفر بن محمد عليهما السلم بقوله و هو اوّل خلقٍ من الروحانيين عن يمين العرش الحديث ، و هذا العقل هو النّفَس الرحماني الثالِثُ ● و هو عقل محمد و اله صلّي الله عليه و اله و مَن قال بانه هو المعبود فهو ملحد و مَن قال بانه اوّل صادرٍ من الذَّاتِ الحقّ فهو ممّن قال بانّ الحق يلد و مَن قال بانه بغير جعل جاعلٍ فقد شَبّهَ و مَنْ قال بان تأثير الحقّ سبحانه انتهي اليه فهو مشركٌ حاصِر مشبِّهٌ ، سبحانه عما يصِفون و تعالي عمّا يقولون علوّاً كبيراً و اعلم ان المقام لايقتضي البسط في الكلام فلنقتصِر في البيان علي بعض الاشارة .
قال : « و طرد شياطين الاوهام المُضِلّة بانوار البراهين و قمع اعداۤء الحكمة و اليقين الي مهوي المبعَدٖين و مثوي المتكبرين » .
اقول : اعلم انّ « شياطين الاوهام » قد يراد بها الاوهام في مذاهبها من باب اضافة الصفة الي موصوفها يعني الاوهام الشيطانية اي توهّماتها فانّها كثيراً ما تتوهم خلاف الحَقّ او المراد بها سُكان الارض الثالثة علي ما قاله بعضهم [ص 11] فانّ سكّانها همّهم اِدْخالُ الشُبه و الشكوك علي بني ادم في معتقداتهم او انّ المراد بهم الشياطين الذين يسكنون هذه القوة الوهميّة و ذلك لان الوهم شيخ كبير عاجر ( عاجز . خل ) بليدٌ قليل الحافظة الّا انه اذا حفظ لايكاد ينسي و هو قاعدٌ علي كرسي من نارٍ ظاهر الغضب علي نفسه كثير الخوف و الوحشة من نفسه و لشدّة برودة باطنه كان بَليداً و كثيرا ما يقتصر في مداركه علي اشكالِ تصادُمِ صفتي ظاهره و باطنه و انّيّاتُ هذه الاَوْصافِ منه تأوي اليها الشياطين المشاكلة لها قد قُيِّضت لاضلال مَن لمتَسبِق له العناية بالهداية و التوفيق لانّهم حملة الخذلان و وساۤئط الحرمان و اعوان العصيان و طردهم بانوار البراهين المؤلّفة من القضايا القطعية عن القلوب التي هي محاۤلّ الحكمة و اليقين فان استدلالات الشَّيٰاطين الوهميّة علي العوامّ انما هي بالمقدّمات الموهومة المرجوحة و المغالطات و الاقناعيات و بالمسلّمات العاديّة كما هو شأن سكان الارض الثانية فانهم اعوان اولۤئك بما يتعلّق بالعادات و قمع اعداۤء الحكمة و اليقين كذلك فان الوجود التكويني طبق الوجود التدويني فكما ان التدويني فيه محكم و متشابه و ظاهر و راجح و نصّ و وهم و حقيقة و مجاز و حقيقة بعد حقيقة و مجاز بعد مجاز و مجاز هو حقيقة و حقيقة هي مجاز و غير ذلك كذلك التكويني فانّ المكلفين فيهم من هو محكم و منهم متشابه و منهم راجح و نصّ و منهم مرجوح و شَكٌّ و غير ذلك فاعداۤء الحكمة في الخلق من الانس و الجن لاتطمئنّ نفوسهم الّا بعكس الحكمة العلمية و العمليّة و اعداۤء اليقين لاتسكن نفوسهم الّا الي الشك و الرّيب و النجوي و الطيَرة و السفسطة و امثال ذلك و قمعُهم بانوار الحق من اضداد ما يلتجئون اليه و قوله « الي مهوي المبعَدِين » الخ ، يراد منه انّ شياطين الاوهام و اعداۤء الحكمة و اليقين انما يتعمقون في مذاهب مقاصدهم الي جهة اسفل السافلين فيصعدون لينزلوا بمن اضلّوا الي مهواهم فاذا طردوا بشهب البراهين و قُمِعوا عن الصعود الي قلوب المكلّفين [ص 12] ادبروا الي ما خلقوا منه الي جهة الثري و ما تحته من موهومات الارتياب و ما فوقه من مثوي المتكبرين من ابواب جهنم فادخلوا ابواب جهنم خالدين فيها فبيـٔس مثوي المتكبرين .
تنبيه - اعلم انّ ظاهر كلمات المصنف في هذا الكتاب و غيره انه يريد بالبراهين البراهين الاِصْطِلَاحيّة و علي هذا يخالف مراده دعواه لان دعواه ان ذلك بالكشف و الكشف لاينحصر في البراهين الاصطلاحيّة لانّ القضايا انّما تصح فيما يتصور موضوعاتها و هذه المطالب تصوّرها ينافي معرفتها و لقد تتبّعت اكثر ما يَسْتدِلُّونَ به من القضايا و احكام الموضوعات و المحمولات فوجدتها مخالفةً للحقّ بل داعية الي نحو ما اشَارَ اليه من طرق شياطين الاوهام المضلّة ● و ستقف عليه انشاۤء اللّه تعالي فيما يأتي في محلّه و انما الكشف الحق ما اُخِذ من دليل الحكمة بشراۤئطه من عدم الالتفات الي شيء من الاحوال الثلاثة التي ذكرناها سابقاً لا مطلق الكشف فانّ مِن الكشف ما يوصل الي الضلالة لقوة اللبس فيه و ذلك لان الانسان ينكشف له ما جمع قلبه و [ص 13] نظره و فكره و لسانه و جوارحَه عليه من حق او باطلٍ فلو جمعها علي الاوهام او الشكوك او اللّبس او الظلم للعبادِ او الخطاۤء او السفسطة او غير ذلك مما هو ظاهر البطلان و الفساد عند جميع العِباد لحصل له الكشف عن اشياۤء منها لايقدر غيره علي ردّها و ان كان محِقّا الّا اذا جمعها علي الحق مثله و لَنال منها خفايا و دقاۤئق لايبلغها غيره و لايصدق الكشف عن مراد الله سبحانه منه و عن الحق فيها الّا اذا جمعها علي ما يريد الله منه علي لسان نبيه و السُنِ اولياۤئه صلي الله عليه و عليهم مُعَرّاةً عن الاحوال الثلاثة المشار اليها قبل فافهم .
قال : « و نصلّي علي محمد المبعوث بكتاب اللّه و نوره المنزل معه علي كاۤفّة الخلق اجمعين و اله و اولاده المطهرين عن ارجاس الطبيعة المقدّسين عن كلمات الوهم بانوار الحق و اليقين اللهم صلِّ و سلّم عليهم و علي من سلك سبيلهم و اقتفي دليلهم من شيعتهم المتقين » .
اقول : يجوز ان يكون اراد بقوله « و نوره المنزل معه » هو الكتاب و العطف تفسيري اوْ اراد به نور النبوة او الهداية او الولاية او ما هو اعم من الالهام و الوقع في القلوب و النقر في الاسماع او الرجم او علي بن ابيطالب عليه السلم كما في تفسير قوله تعالي فٰامِنوا بالله و رسوله و النور الذي انزلنا و قوله و اتَّبعوا النور الذي انزل معه ممّا ورد عنهم عليهم السلم بذلك و المصنف اشار بهذه الكلمات الي انّ ما استدلّ به هو معني ما اتي به صلي اللّه عليه و اله و اخبر به اهل بيته عليهم السلم و هذه لاتُسَلَّم له حتّي تشهدَ له ظواهر اخبارهم لا تأويلاتها لان الكلام ذو وجوه و المأوّل يصرفه علي ما يراه و كلّ ذي راي يدّعي الصواب فيما يراه و المحكّم بينهم قولُ الشاعر :
و كلٌّ يدعي وصلاً بليلَي و ليلَي لاتُقِرُّ لهم بذاكا
اذا انبجسَتْ دموع في خدودٍ تبيّنَ مَن بكي ممّن تباكي [ص 14]
فان مَنِ اقتفي اثرهم عليهم السلم و اقتدي بهم قال بقولهم و استدلّ بنحو ما استدلّوا به و اما من اخذ في استدلاله يأوِّل كلامهم و يصرفه عن ظاهره فليس مقتدياً بهم و لا قاۤئلا بقولهم بل هو راۤدّ عليهم و ستقف انشاۤء الله تعالي علي ما يصدّق قولي هذا فارتقبوا انّي معكم رقيب ، فان قلت انهم انّما قالوا بما اخذوا عنهم و قالوا بقولهم قلتُ ليس كذلك لانّهم قالوا ان الاشياۤء كلها في ذاته بنحو اشرف لانّ لها وجهين اجماليّا و تفصيليّا فالاجمالي في ذاته و الّا لكان جاهلاً بها و امّا التفصيلي فهي وجوداتها في ازمنتِها و امكنتها ، قال ابن ابيجمهور في المجلي في شأن الماهيات و جماعة لهم الكشف و الاشراق قالوا بثبوتها في ذاتِ الحق تعالي لتعلّق علمه بها ازلاً علي ما هي عليه و انّها حقاۤئق متمايزة فيه و علمه تعالي نفس ذاته فهي عند التحقيق عينُ ذاته و يعبِّرون عنْها بالحقاۤئق الثابتة و حضرة الغيب المطلق و عالم الغيب و الاعْيان الثّابتة و العالم العقلي و الاَعْيان الخارجيّة المُتَعيّنة بالتعيّنات الاسماۤئيّة الخ ، و امثال هذا في كلماتهم مثل قول الملا محسن في الكلمات المكنونة قال فانّ الكون كان كامناً فيه معدومَ العين و لٰكنه مستعدّ لذلك الكون بالامرِ و لمّا امر تعلّقت ارادةُ الموجد بذلك و اتّصل في رأي العين امرُهُ بهٖ ظهر الكونُ الكامنُ فيه بالقوّة الي الفعل فالمظهِر لكونهِ الحقّ و الكاۤئنُ ذاتهُ القابل للكونِ فلولا قبوله و استعداده لِلكَونِ لَماكانَ فماكوَّنه الّا عينهُ الثابتةُ في العلم لاستعداده الذاتي الغير المجعول و قابليّتِه للكَون و صلاحيتِه لسماع قولِ كن و اهليّتِهٖ لقبول الامتثال فمااوجده الّا هو و لكن بالحقّ و فيه ه ، يعني به العالم و انه كامن في ذات الحقّ تعالي و ذلك الكامن هو المكوِّن باللّه لهذا الظاهر باللّه فمن يكون هذا قوله و اعتقاده كيف يَكون تابعاً لقول الامام جعفر بن محمد عليه السلم لميزل اللّه ربُّنا عز و جل و العلم ذاته و لا معلوم و السمع ذاته و لا مسموع [ص 15] و البصر ذاته و لا مبصر و القدرة ذاته و لا مقدور فلمّا احدث الاشياۤء و كان المعلوم وقع العلم منه علي المعلوم و السمع علي المسموع و البصر علي المبصر و القدرة علي المقدور ه ، لان هذا القاۤئل يقول انّ المعلوم و هي ماهيات الاشياۤء لميزل معه في ذاته و الامام عليه السلم يقول و لا معلوم ، فان قلتَ ان هذه الماهيات هي عينه قلتُ هل يعلم تعالي انها غيره ام لا فان قلتَ يعلم اثبتّ المعلومَ الذي نفاه اِمَامُنا عليه السلم و ان قلتَ لايعلم قلتُ لك هو لايعلم و انت تعلم ، فان قلتَ المغايرة باعتبار و الاتحاد باعتبار قلتُ لك انت تجوّز في الازل تعدّد الاعتبارات و الجهة و هي جهات المخلوقين ، فان قلتَ دليلهم قوله عليه السلم بائن من خلقه بينونة صفةٍ لا بينونة عزلةٍ قلتُ انتَ تميّز ماهيات الاشياۤء التي في ذاته بزعمك منه تعالي باختلاف الصفات فان ميّزتَ عزَلْتَ و ان لمتميّز تَقوّلتَ عليه ما لميقله و لمْيرضَ به ، و ان قلتَ قال عليه السلم لميكن خلواً من خلقِهٖ و لا خلقه خلوٌ منه قلتُ قال عليه السلم كما رواه الصدوق في التوحيد و غيره كان خلْواً من خلقه و خلقه خلوٌ منه و قال عليه السلام لا هو في خلْقه و لا خلقه فيه ، فاذا جمعتَ قلتُ لك الاَوْلي و الاصح ما هو حمل حديثكم علي انه تعالي لميكن خلوا من خلقه في ملكه و سلطانه و خلقه خلو من ملكه و سلطانه و حمل حديثِنا علي انّه كان خلوا من خلقه في ذاته و ذوات خلقه خلو منه كما نحن نجمع بينهما ام العكس بان يكون حمل حديثكم علي انّ خلقه في ذاته و ذاته في خلقه و حمل حديثنا علي انه خلو من خلقه في ملكه و سلطانه و خلقه خلو من ملكه و سلطانه ان عملتَ بعقلك تركتَ قولك و التزمتَ بما قلنا و نقوله و الله سبحانه يقول الحق و هو يهدي السبيل فهذا نمط طريق شيْعتِهم المتّقين و اقتفاۤء دليلهم باليقين .
قال : « اما بعد فاقل الخلاۤئق قدرا و جِرما و اكثرهم خطأ و جُرما محمد [ص 16] المشتهر بصدرالدين الشيرازي يقول ايّها الاخوان السالكون الي الله بنور العرفان اسمعوا باسماع قلوبكم مقالتي لينفذ في بواطنكم نور حكمتي و اطيعُوا كلمتي و خذوا عني مناسكَ طريقتي من الايمان بالله و اليوم الاخر ايمانا حقيقيا حاصلاً للانفس العالمة بالبراهين اليقينيّة و الايات الالهيّة كما اشار اليه سبحانه في قوله و المؤمنون كلٌّ آمنَ باللّهِ و ملاۤئكته و كتبِه و رسله و قوله و مَنْ يَكْفُرْ باللّهِ وَ مَلائكته و كتبه و رسله و اليوم الاخر فقد ضل ضلالا بعيداً » .
اقول : قوله « قدرا و جرماً » بكسر الجيم الجثّة و الجسد و قوله خطأ و جرماً بضمّ الجيم الخطيۤئة و قوله « باسماع قلوبكم » يريدُ بِهٖ اِمَّا اسْتِعارة و امّا حقيقة اَمّا علي الاستعارة فظَاهِرٌ و اَمّا عَلي الحقيقة فلان القلب الّذي هو اللّحم الصَّنوبري لَهُ اذنان محسوستان و هُمَا صورة اُذنَي القلب النّوراني فانّه صاحب الادراك و الفهم و الذكاۤء و الشعور و الاختيار فهو بصورة الانسان بل هو انسان و لَه اُذنٰانِ يفقَهُ بهما و يسمع بهما قرعَ المعاني في وجهِهٖ باصْغاۤء ٱلاِجَابة و تعليل النفوذ باسماع القلوب لتوقُّفِ ظهوره عليه لانّ الاسماع هو القَابليّة وَ امَّا الايمان الحقيقيّ فلايكون حاصلاً للانفُس كما هو المدّعي بالبَراهينِ الاصطلاحيّة وَ انّما يَحْصُلُ بِبَراهٖينِ اَهْلِ ٱلبيتِ عليهم السَّلَام و لايَهْتَدٖي اليها الّا مَنِ اتّبعهم في الاعمال و الْاقوال و المتكلّف لايقدِر علي الصِّدق لانّ كلّ معتقدٍ و متيَقّنٍ يُرَي يقٖينُهُ في عَمَلِهٖ كما قال اميرالمؤمنين عليه السلم .
قال : « و هذه هي الحكمة الممنون بها علي اهلِها و المضنون بها عن غير اهلِها و هي بعينها العلم بالله مِن جهة ذاته المشار اليه بقوله اولميكفِ بربّك انه علي كل شيء شهيدٌ و العلم به من جهة العلم بالافاق و الانفس المشار اليه بقوله سنريهم آياتنا في الافاق و في انفسهم حتّي يتبيّن لهم انّه الحقّ » .
[ص 17] اقول : قوله « الممنون بها علي اهلِها » من قوله تعالي و من يؤتَ الحكمة فقد اوتي خيراً كثيراً ، و قوله « المضنون بها » بالضاد اخت الصاد اي المبخول بها عن غير اهلها و في الحقيقة هي لب الايمان و الاسلام و هي قسمان عمليّة و هي معارف الاركان و عبوديّة الجوارح و علميّة و هي عبادة القلوب و عبوديّة الافئدة و مراد المصنف القسم الثاني بعبارة الاوّل يعني معارف القلوب و الافئدة و جعله قسمين قسمٌ هو معرفة الذات بالذات كما قال سيد الوصيين عليه السلم يا مَن دلّ علي ذاته بذاته ، قالوا و الي هذه المعرفة الاشارة بقوله تعالي اولميكف بربّك انه علي كل شيء شهيدٌ بعد قوله سنريهم آياتنا الخ ، فلمّا دلّت الاية باوّلها علي معرفته بالاثار كان اخرها مشيراً الي معرفة محض الذات لانه يقول ما معناه اذا كان سبحانه اظهر من كل شيء كيف يحتاج في ظهوره الي ما هو محتاج في اصل كونه و ظهوره اليه و يستدلّون بما نسب الي الحسين عليه السلم في مناجات دعاۤء عرفة قال ايكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتّي يكون هو المظهرَ لك و قسم هو معرفة الذات بالاثار كما قال سنريهم آياتنا في الافاقِ و في انفسهم هذا محصّل كلامه و كلام كثيرٍ و قد عرفوا قِشراً من الاية الشريفة لانّهم فهموا انّ المراد بقوله سنريهم آياتِنا الخ ، انّه النظر في الاثار و انّ الانتقال من ذكر الايات الي شهادته سبحانه لكل شيء و قيّوميّة كل شيء به ينبّه علي رؤيته سبحانه مع كل شيء كما قال عليه السلم مارأيتُ شيئاً الّا و رأيتُ اللهَ قبْله او معه و الاية اوّلها ظاهره كَما قالُوا و تأويله المراد هو معني قول علي عليه السلام مَن عَرف نفسَه فقد عرف ربَّهُ ، فان العارف اذا محا جميع شؤنه و ما ينسب اليه و يرتبط به و هو سبحات ذاته من وجْدَانِه بحيث لاينظر الي شيء يخالف مفهوم ذاته مثل فعله فانه غير ذاته و كونه ابن فلان اوْ اب فلانٍ غير ذاته و علي شيء او في شيء غير ذاته و من كذا و الي [ص 18] كذا غير ذاته و هكذا ينفي من وجدانِه كلّما يغاير حقيقته حتّي التكلّم و الخطاب و الغيبة و الاشارة و المحو بقي شيء ليس كمثله شيء و هو صفة اللّه الّتي وصف نفسه بها لذلك العَارف و هي آية اللهِ التي تدلّ عليه لا ذاته كما توهّم القاۤئلون بوحْدَةِ الوجود المحكوم بكفر مُعْتَقِدها لانَّ اللّهَ سبحانه يقول سنريهم آيٰاتِنا وَ لَمْيَقُلْ سنريهم ذاتنا و اَمَّا آخِرُها و هو قوله اولميكف بربّك انّه علي كل شيء شهيد فقال الصّادِق عليه السلام في الاشارة الي بيانه يعني موجود في غيبتك و في حضرتك ، و هذا يجتمع مع قول الحسين عليه السلم ايكونُ لغيرك من الظهور ما ليس لَكَ ، فان من معني انّه علي كل شيء شهيد انه موجود عند من ذكره و عند من نسِيَه مثلاً مَنْ نسِيَهُ انّما اقبل علي شيء من امر الدنيا اَوِ الاخرةِ اَوْ اَمْرِ نفسِهٖ او غير ذٰلك و كلّ شيءٍ ممّا سوي اللّه فانما هو ظهوره به لنفسِه و لمنْ وَجَدَهُ فلايغيب عن شيء كما لايغيب عنه شيء فهو علي كل شيء شهيد و لايذهب عارف باللّه الي انّه يعرف الذات البحت و انّما المعروف لكل عارفٍ غير محمد و اله صلي الله عليه و اله هو عنوانُ مقاماته التي لا تعطيل لها في كل مكان و امّا محمد و اله صلي الله عليه و اله فالمعروف عندهم هو المقامَاتُ المشار اليها و امّا الذّات البحتُ فلا سبيل للخلق اليها بوجهٍ من الوجوه و المدّعي للكشف عن ٱلذّاتِ فهو مشبِّهٌ مُلْحِد لاستحالة ادراك الحادث للقديم فافهم .
قال : « فالعلوم الالهيّة هي عين الايمان باللهِ و صفاته و العلوم الٰافاقيّة و الانفسيّة من ايات العلم بالله و ملاۤئكته و كُتبِه و رسُلِه و شواهد العلم باليوم الاخر و احواله و القبر و البعث و السؤال و الكتاب و الحساب و الصراط و الوقوف بين يدي اللّه و الجنّة و النار » .
اقول : قوله « العلوم الالهيّة هي عين الايمان باللّهِ و صفاته » يدلّ عَلَي انّ التّصديق [ص 19] بوجود واجب الوجود و وجود صفاته الَّتي وصف بها نفسه هو معرفة اللّٰهِ و هٰذا توحيد العَواۤمّ و انّما التوحيد الحقيقي مَا قاله اميرالمؤمنين عليه السلام لكميل علي معني من عرف نفسه فقد عرف ربه و اما قوله عليه السلام وجوده اثباته و دليله آياته ، فهو توحيد العلماۤء و هو بين التوحيدين المذكورين اِلّا اِذَا اُوِّلَ باحد الوجهين فيلحق به ،
و قوله « و العلوم الٰافاقية و الانفسيّة من ايات العلم باللّه » الخ ، يدل علي انه يريد بقوله سنريهم آياتِنا الخ ، الاستدلال بالٰاثارِ لانّه جعلها اياتٍ للعلم باللّهِ و هي علي ظاهرها كَما قَالَ وَ اِلّا فتأويلُهَا هي العِلْمُ الحقيقي باللّٰهِ كما لوَّحْنا اِلَيْه سابقاً و اَنَّ قوله اَولميكف بِرَبِّكَ اَنَّهُ عَلي كُلِّ شيءٍ شهيدٌ ترجمة قوله سنريهم آيٰاتِنا و ملخَّصُهَا لمشاهدته لكونه علي كل شيء شهيد في حالِ المحو و في حال الصّحو ،
و قوله « وَ شَواهِدُ العلْم باليَوْم الاخر » الخ ، يريد به انّ الوقوف علي ايات اللّه في الانفس و في ٱلٰافَاقِ يشهَدُ لَكَ و يُشْهِدُكَ انّ تلك اَمْثالُ اليوم الاخر و احواله و القبر و البعث الخ ، و ادلَّتُهَا لانّ الرضا عليه و علي اباۤئه و ابناۤئه الطاهرين السلام قد اعطانا ضابطةً يشهد بصحّتها الكتاب و السّنّة و العقول المزكّاة بالعلم و العمل و هي قوله عليه السلام قد علِمَ اولوا الاَلْبَاب اَنّ الاستدلالَ علي مَا هُنَاك لٰايُعْلَمُ اِلَّا بمٰا هٰهُنَا ، وَ شَهادةُ الكتاب لهذه القاعدة مثل قوله تعالي سَنُريهم آياتِنا في الٰافاق و في انفسهم و قوله تعالي و كأيّن من آيةٍ في السمواتِ و الارض يمرّون عليها و هم عنها معرضون و قوله تعالي و تلك الامثال نضربها للنّاس و مايعقلُها الّا العالِمُونَ و قوله و في انفُسِكم افلاتبصرون و امثال ذلك و مثاله قال تعالي انما مثل الحيوة الدنيا كماۤء انزلناه من السماۤء في ايات متعددة فمثل الدنيا نفس الماۤء المنزل لا مثله و الشاهد منه انه ينبت به الزرع فتصبح الارض مخضرّة كالحيوة الدنيا ثم يهيج فتراه مصفرّاً كتغيّر احوال الدنيا [ص 20] و اهلها من اسباب الزوال و الفقدان و الامراض ثم ييبس النَّبات فيكون كَالاَمْوات و الفناۤء ثم ينزل الماۤء من السَّماۤء في العام القابل فينبت ذلك النبات الاوّل من بذره الذي بقي في الارض كذلك يخرج الموتي ينزل ماۤء من السماۤء من تحت العرش من بحر صاد فيقع علي الارض فيجتمع بالطِيَن بفتح الياۤء التي هي اصل طينة الانسان الباقية في قبره فينبت بها لحمه و دمه فيخرج بصورته في الدنيا فالماۤء مثلا قد شرح احوال الدنيا و القبر و السؤال و البعث و الحساب و جميع ما يكون فان الله عز و جل قد خلق ما يدلّ عليه حرفا بحرف حتي انّ في الاخرة اشجاراً تحمل بنساۤءٍ كما قال تعالي فيهن خيرات حسان كذلك دليلُه في جزاۤئر الواقواق اشجار يحملن بنساۤء و يبقين بعد بلوغهن يوماً اَوْ بَعْضَ يوم علي اكمل تركيب و جمال ثم يَمُتْنَ اشعاراً بفناۤء الدّنيا و قصر بقاۤئها تصديقاً لما في الكتاب من الحق المبين و اشارة الي بقاۤء الاخرة و ما فيها كما اخبر تعالي به ففي الافاق و الانفس شواهد العلم بتلك مفصّلة و بتوحيد الله و جميع ما يريد تعالي من عباده لانه عزّ و جل لميخلق شيئا الّا و هو دليل و مدلول عليه و علة و معلول و جوهر و عرض و سبب و مسبَّب و مانع و ممنوع و كتاب و مكتوب و اجل و مؤجّل و قدر و مقدر الي غير ذلك فافهم ما اشرتُ اليه لك من اسرار الخلق و الخليقة مما ظهر به الخالق و تعرّف به لخلقه .
قال : « و هي ليست من المجادلات الكلاميّة و لا من التّقليدات العامّية و لا من الفلسفة البَحْثِية المذمومة و لا من التخيّلات الصوفيّة بل هي من نتاۤئج التدبر في ايات الله و التفكّر في ملكوت سمواته و ارضه مع انقطاعٍ شديد عما اكبَّ عليه طباۤئع المجادلة و الجماهير و رفض تاۤمّ لما استحسنه قلوب المشاهير » .
[ص 21] اقول : يريد انّ ما بيّنتُه لك من الحكمة المشار اليها ليست مبنيّة علي الادلّة الضعيفة و الاوهام السخيفة كالمجادلات الكلاميّة فانّ اهل الكلام يبنون معارفهم علي صناعات لفظيّة اغلبُها مدخولة و لا من التقليدات العامية فانّ العوام ليس لهم نور يمشون به في الظلمات و انّما يستوصفون غيرهم لما يستدلّون به و عليه و لا من الفلسفيّة البحثيّة المذمومة فانّ كثيراً ممّن يسمي بهذا الاسم دقّق في البحث في المبادي وَ تَساهَلَ في المطالب و منهم مَن تعمّق في البحث في المفاهيم الّتي تُنْتَزع من الالفاظ لا من حيث كونها بازاۤء مَعانيها فقد يكون بلا مصداقٍ خارج او تخالف ما وُضِعت له لان اللفظ ان وجد الباحث في احوال جهات دلالاته بنظر انّ بينه و بين المعني مناسبة ذاتية و عثر علي تلك المناسبة فكان بحثه من تلك الجهة فلا بدّ ان يتطابق المفهوم و المصداق فان طابق اللفظ بمفهومه مصداقه الخارجي كان صدقاً و ان طابق المصداق ذلك اللفظ بمفهومه كان حقّا و ان كان لا من تلك الجهة تبايَنا و ان لميعثر عليها اخذ مفادها بالنقل عمّن عرف او عمّن نقل عنه و ان كان لا بنظرِ المناسبة بل بلحاظ انّ التخصيص بارادة الواضع او بلحاظ المناسبة لكن الالفاظ موضوعة بازاۤء المعاني الذهنيّة خاۤصّة من غير كونها وسيلة الي المعاني الخارجيّة بل المعاني الذهنية هي وجودات تلك الاشياۤء و حقاۤيـٔقها لا غير وقع في الغلط و الخطاء و كان في الواقع بحثا مذموماً لدخوله في عموم قوله تعالي و تخلقون افكاً ، و بابُ مهوي هذا المكان السحيق الذي لا قعر له دعوي انّ للنفسِ لذاتها قدرة علي اختراع ما شاۤءت من الصور لا انّها تنتزع بمرءاة خيالها صور الاشياۤء القاۤئمة في خزاۤئنها من خزاۤئن الغيب و انّما ينزلها الله سبحانه في الاذهان عند استكمالها شراۤئط القابليّة تنزل بها ملاۤئكة الفكر من فلك عطارد بتسخير سيمون و شمعون و زيتون الموكلون [ص 22] بذلك عن امر الله كما قال تعالي و ان من شيء الّا عندنا خزاۤئنه و ماننزّله الّا بقَدرٍ معلوم و الحاصل انّ هذه الحكمة الممنون بها ليست من الحكمة البحثيّة المذمومة و ذلك احتراز عن الحكمة الفلسفيّة البحثيّة باقامة البراهين القطعيّة المحصّلة بواسطة الرياضات ، و لا من التخيّلات الصوفية فانهم يهيمون في الافكار من غير برهانٍ علي ما حصل لهم و انّما يعتمدون علي الواردات الّتي ترد عليهم و يدّعون انّها واردات من الحق تعالي ترد علي من قعد علي بساط القرب و تخلّي عن ناسوته و تحلّي بطَور لاهوته و ليست تلك الواردات من الحق تعالي لانه تعالي انّما ينزل تلك القبسات علي نواميس وحيه و تراجمة امره و نهيه و السُن ارادته و بتلك الوساۤئط تصل الي مَن تلقّاها بشراۤئط التلقّي من الاعمال الصالحة التي ترضي الله تعالي و هذا بخلاف طريقة الصوفية لان اغلب ما يجدونه من المكاشفات هو ما يتكلّفونه من المخالفات مثاله انّهم يقولون كما ذكره عبدالكريم الجيْلاني في كتابه الاِنسَان الكامل اَنَّ شَرْطَ ٱلتَّصَوُّف اَنْ يَكون علي طريقة مذهب السنة و الجماعة ، فاذا كان اصل التصوف مبْنِيّا علي هذا المذهب فالمتصوّف يلتزم انه يكاشف علي موافقة هذا المذهب فلو ظهر امرٌ يخالف مذهب السّنة و الجماعة و ان وجَدهُ حقّا تكلّفَ لردّهٖ و ان كان بباطلٍ و عدل عنه و ان كان الي باطلٍ لكن لمّا جمع قلبه و فكره و خياله و حسَّهُ و لسانه و جميع اعماله و جميع حركات جوارحه و سكناتها علي التدبّر و الحيلة في رد ذلك المخالف له حصل له شيء محكم العبارة دقيق الحيلة و الاشارة بعيد التلويح محكم صورة التصريح يصعب ردّه و ابطاله الّا علي مَن جمع جميع مشاعره و مَداركه و اقواله و اعماله علي مراد الله تعالي منه فانه اذا رأي كلام ذلك الصوفي ظهر له ما فيه من العيوب و المغالطات و توجّه له امر الردّ عليه و ابطاله ،
قال المصنف و ما اوردتُ لك في هذه [ص 23] الحكمة ليس من شيء من ذلك بل هو من نتاۤئج التدبر في ايٰات اللّه و التفكر في ملكوت سمواته الخ ، امّا انّ المعرفة الحقّيّة فلاتكون بتلك الامور التي ذكرها نافياً لها فهو حقٌّ و اَمّا انّها لاتحصل الّا من نتاۤئج التدبّر الي آخر ما ذكره فهو حقّ الّا انّ هذه دعوي و لايُعلم صدق قاۤئلها باَنْ يُطَابق قوله الواقع الّا بصحة معرفته و معتقده لا بمجرّد القول لان هذه الالفاظ عند اهل الاستعمال مشتركة يطلقونها علي ما وضعت له و يُطلِقها كلّ مُنْتَحِلٍ عَلي مَا يَراه و لهذا ينفي ٱلمصنّف شيئا مثلاً و اُثْبِتُه و يثبتُ و اَنْفيه فلهذا هو يقول لمنأخذ بقول اهل الكلام و مجادلاتهم و لا بتقليد العوام و لا بابحاث الفلاسفة و لا بتخيّلات الصوفيّة و انا اقول بلي قد اخذتَ باقوالهم و يقول انما نقول بنتائج التَّدبر في آياتِ اللّهِ و انا اقول لميَسلك بذلك الطريق المأمور به و انّما اختلفنا لاختلاف المرادات لان الفاظ التّعبيرات مشتركة فكلّ يريد منها معني ما يعتقده فاذا قال مثلاً لااعتقد كتخيّلات الصوفية فاقول ايّ شيء تعتقده الصوفيّة بتخيّلاتهم ( فهو يقول به فانهم . خل ) يقولون ليس للّه في الاشياۤء قبل ايجادها وجهان ان شاۤء جعلها متحركة و ان شاۤء جعلها سَاكنة و انّما له وجهٌ واحد لان مشيّته احديّة التعلق و هي نسبة تابعة للعلم و العلم نسبة تابعة للمعلوم و المعلوم انت و احوالك و هو يقول بهذه كلّها و الصّوفيّة يقولون معطي الشيء ليس فاقداً له في ذاته الّا انّه في ذاته بوجهٍ اشرف و هو يقولُ بذلك و هم يقولون بسيط الحقيقة كلّ الاشياۤء و هو يقول بذلك و هم يقولون مـٔال اهل النار الي النعيم فانّهم يتنعمون بالتعذيب و هو يقول بذلك و هم يقولون بجواز التفكّه بالمردانِ في مقام النفس المُلْهَمَةِ و هو يقول بذلك كما في اسفاره و هم يقولون ان فرعون ماتَ مؤمِناً طاهراً لانه بعد ايمانه لميعمل ذنباً و الاسلام يجبّ ما قبلَهُ و هو يقول بذلك لانّه لمّا قال مميتُ الدين بذلك [ص 24] في الفصوص قال : و هذا كلام يشمّ منه راۤئحة التّحقيق ، و امثال هذه من تخيّلاتهم فانّه قاۤئل بكلّ ما قالوا فايّ شيء خالفهم فيه حتي يحمل قوله و لا من التخيّلات الصوفيّة عليه نعم يخالفهم في شيء وَاحدٍ و هو انّه يقول اني مااقول بقولهم و كلّ باقي كلامه علي هذا النحو ،
و امّا قوله « من نتاۤئج التّدبّر » الخ ، فهو من نتائج التّدبّر فيما قاله اهل التصوّف لا فيما قاله اهل العصمة عليهم السّلام فانّهم (ع) قالوا بدوام تألّم اهل النار و قال بانقطاعه ، و قالوا و لو شاۤء الله لهدي الناس جميعاً و قال بعدمه ، و قالوا ان اللّه تعالي ان شاۤء فعل فيما لميفعله و ان شاۤء تَرَكَ و قال بعَدمِهٖ ، و قالوا بحدوث المشيّة و الارادة و ليس للّه مشيّة قديمة ( و لا ارادة قديمة . خل ) و المشية و الارادة من صفات الافعال و قال بخلاف ذلك كلّه ، فنتاۤئج التدبّر ما قالوا به او ما قال به فان كان ما قالوا به لميكن قوله من نتاۤئج التدبر و ان كان ما قال به فلايجوز القول بنتاۤئج تخالِفُ اقوالهم فافهم فان وُفِّقْتَ فهمتَ لانّ فهم الصواب انما هو بتوفيق الله و خلق الله له اهلاً و السلامُ .
قال : « و لقد قدّمتُ اليكم يا اخواني في كتبي و رساۤيـٔلي من انوار الحكمة وَ لطاۤئف النِّعم و بزَهْرِ الارواح و زينة العقول مقدّماتٍ ذاتَ فضائلَ جمّةٍ هي مناهج السلوك الي منازل الهدي و معارج الارتقاۤء الي الشرف الاعلي من علوم القرءان و التأويل و معاني الوحي و التنزيل ممّا خطّه القلم العظيم في اللوح الكريم و قرأه من الهمه الله قراۤءته و كلّمه بكلماته و علّمه محكم اياته ممّا نزل به الروح الامين علي من اصطفاه اللّٰه و هداه فجعله اوّلا خليفةً في العالم الارضي و زينةً للملكوت السّفلي فجعله اهْلاً للعالم العلوي ملكاً في ملكوته السماوي فكلّما تنوَّر بيتُ قلبِهٖ بهذه الانوار ارتقي روحُه الي تِلْكَ الدّار و من جحدها او كفرها فقَدْ هَوي الَي مَهْبط الاشرار و مهوي الشَياطينِ و الفجّار و مثوي المتكبّرين و اصحاب النّار » .
[ص 25] اَقُولُ : اَنَّ الّذٖي قَدَّمَ مِنَ الَّذٖي اَشارَ اليه مثل الَّذٖي اَخَّر ممّا ستسمع بيانه انشاۤء الله تعالي و علوم القرءان مثل التفسير و الاحكام و القراءة و اللّغة و النحو و الصرف و الخطّ المختصّ به وَ مِنَ التّفسير ممّا وقَفْنَا علي شيءٍ منه تفسير الباطن و باطن الباطن و ظاهر الظَّاهر و التأويل و باطن التّأويل و غيره باطن باطن الباطن الَي سبعة و ظاهر ظاهر الظاهر الي سبعة و باطن باطن التأويل الي سبعة و امّا التأويل الذي اشار المصنف اليه فالمراد به ما سوي التفسير الظاهر كما هو المعروف بين اكثر العلماۤء وَ اَحادٖيثُ اهلِ البيت عليهم السلام كثيراً ما يعبَّر فيها عمّا سوي الظاهر بالتأويل و معاني الوحي تكون علي ثلاثة اوجه وَ هي التي اشار اليها في قوله تعالي و ماكان لبشرٍ ان يكلّمه الله الّا وحيا او من وراۤء حجاب او يرسل رسولا فيوحي باذنه ما يشاۤء انه عليّ حكيم فالوحي الالهام و من وراۤء حجاب كتكليم موسي من الشجرة و ارسال الرسول كخطاب جبريـٔل عليه السلم عن اللّهِ تعالي فمعاني الوحي تجمعها هذه الثلاثة ،
و قوله « ممّا خطه القلم العظيم في اللوح ( الكريم . خل ) » المراد منه ان القلم العظيم هو عقل الكل و روح من امر اللهِ و قد يطلق علي الرّوح الكلي الذي خلق البراقُ من فاضل نوره و اللوح الكريم هو اللوح المحفوظ و وصف القلم بالعظيم لانّ ما اودع اللّه تعالي فيه من العَظمة غير ظاهرٍ بصورته في غيره و لاَنّ ما فيه من تعدّد الذَّوات و الحقاۤئق فانّها تعدّدٌ مَعْنِوي فَلذا وُصِفَ بالعظمةِ و اللَّوْح المَحْفُوظ وصف بالكريم لِاَنَّهُ مَنْبَعُ ٱلفُيُوضاتِ لِلْموجُودَاتِ ٱلمُصَوّرة لانّ العَقْلَ يُفٖيضُ المَعانيَ و ٱلرُّوح تفيض الرّقاۤئق وَ ٱلنّفس تفيض الصُّوَر اي الجواهر المُصَوَّرة فَالمدَدُ الَّذٖي هو بحكم المداد للكتابة و النطفة للانسان مِن العقل الّذي هو القلم العظيم و تمام التصوير الذي هو بحكم [ص 26] الكتابة و الجنين في بطن امّه الّذٖي ولَجتْهُ الرّوح في اللّوْح المحفوظ و هو الخلق الثاني و معني خطّ القلم في اللوح ايجادُ ذلك المددِ المعنوي في لوْح الكون في الاعيان في وقت وجودِه وَ مكانِ حُدُودِهٖ و اللوح له صفحاتٌ مختلفةٌ فمنها صفحة مبادي التصوير بمدادِ الزّعْفَران و منها صفحة القضاۤء الاَوّل في لوح الزبرجد و منها صفحة الذّوات الحقيقية الجامعة بمداد التركيب و منها صفحة الاشباح و اُمَثِّل لَكَ بكتابة القلم في صفحة الاَشْبَاح من اللوح اذا رأيتَ زيداً يُصَلّي في المسجد يوم السَّبْتِ تبقي ما دُمتَ حيّاً كلّما التفتَ قلبُك بمرءاة خيالِك رأيتَ زيداً في المسجد يصلّي يوم السَّبْت وجد زيد ام فقد في حياته و في مماته فَانّكَ تَراهُ في الهَيْئةِ التي رأيته فيها اوّل مرّةٍ في مكانه و وقته و ذلك لانّه لمّا كان هناك كتبتِ الحفظةُ عملَهُ في وقته و مكانه بشبَحِهٖ و هيئته في اخر الدّهر القاۤرّ و جري زمانُه بهيئته المحسوسة و بقي صورته قاۤئمة في عالم المثال بخطّ الحفظة الكرام الموكلين بكتابة اعماله و هم الاقلام الجزئيّة بامر القلم الاعلي الذي اشار اليه المصنف بقوله بخط القلم العظيم و هذا نمط كتابة الحفظة الكرام لاعمال الانام و تأتيهم يوم القيمة علي هذه الهيئة فيلبسها لبس الثوب و لهذا قيل تكشف السَّراۤئر و تبدي الضماۤئر ،